Полный текст (254 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن، باسم الله يكون الابتداء. وبعونه تتم الأشياء. وبمشيئته تتصرف الدهور. وعلى إرادته تتقلب الأمور. ومنه التوفيق والتأييد. وبيده الإعانة والتسديد. ولا حول ولا قوة إلا بالله. وبتوفيقه إرشاده.
قال أبو الطيب محمد بن إسحاق بن يحيى الوشاء المؤلف لهذا الكتاب، وهو الكتاب الموشى نقول ونستعين بالله على السداد ونستهديه، ونستفتح له استفتاح اللاجئ إليه ونستكفيه: يجب على المتأدب اللبيب. والمتظرف الأريب. المتخلق بأخلاق الأدباء. والمتحلي بحلية الظرفاء. أن يعرف قبل هجومه على ما لا يعلمه. وقبل تعاطيه ما لا يفهمه. تبين الظرف وشرائع المروءة وحدود الأدب، فإنه لا أدب لمن لا مروءة له، ولا مروءة لمن لا ظرف له، ولا ظرف لمن لا أدب له.
وقد وصفنا في كتابنا هذا على قدر ما بلغه علمنا. واحتوى عليه فكرنا وجعلناه حدوداً محدودة. ومعالم مقصورة. وشرائع بينّة. وأبواباً نيّرة. وشريطتنا على قارئ كتابنا الإقصار عن طلب عيوب أخطائنا. والصفح عن ما يقف عليه من إغفالنا. والتجاوز عن ما ينتهي إليه من إهمالنا. وإن أداه التصفح إلى صواب نشره. أو إلى خطأ ستره. لأنه قد تقدمنا بالإقرار. ولا بد للإنسان من زلل وعثار. وليس كل الأدب عرفناه. ولا كل
стр. 2
العلم دريناه. وعلينا في ذلك الاجتهاد. وإلى الله الإرشاد. وقلَّ ما نجا مؤلف لكتاب من راصد بمكيدة. أو باحث عن خطيئة. وقد كان يقال من ألف كتاباً فقد استشرف. وإذا أصاب فقد استهدف. وإذا أخطأ فقد استقذف. وكان يقال لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعراً أو يضع كتاباً. وقال الشاعر في ذلك:
لا تعرضن للشعر ما لم يكن ... علمك في أبحره جسرا
فلن يزال المرء في فسحة ... من عقله ما لم يقل شعرا
وأنشد في ذلك:
الشعر عقل المرء يعرضه ... والقول مثل مواقع النَّبل
منها المُقصِّر عن رميته ... ونوافذ يذهبن بالخصل
وكان يقال: اختيار الرجل وافد عقله، فقال: لا بل مبلغ عقله، وقيل: دلّ على عاقل اختياره؛ وقيل لبعض العلماء: اختيار الرجل قطعة من عقله؛ وقال الخليل بن أحمد: لا يحسن الاختيار إلا من يعلم ما لا يحتاج إليه من الكلام؛ وقال الشعبي: العلم كثير، والعمر قصير، فخذوا من العلم أرواحه ودعوا ظروفه؛ وقال ابن عباس: العلم أكثر من أن يُحصى، فخذوا من كل شيء أحسنه.
стр. 3
ونحن نستعين الله ونودع كتابنا هذا جملة من حدود الأدب والمروءة والظرف، ونجعل ذلك أبواباً مختصرة وفصولاً محبرة، على غير نقص منا لما في كل باب، لا يطول به تأليف الكتاب، ولأن غرضنا في الاختصار، لما عليه النفوس من ملل الإكثار، ولننجو من مقالة حاسد، أو اعتراض معاند، على أنه لا بد للحاسد وإن لم يجد سبيلاً إلى وهن. ولا سبباً إلى طعن. أن يحتال لذلك بحسب ما ركب عليه طبعه. وتضمنّه صدره. حتى يخلص إلى غفلة. أو يصل إلى زلة. فيتشبث بالمعنى الحقير. ويتسبب بالحرف الصغير. إلى ذكر المثالب. وتغطية المناقب. إذ من طبع أهل الحسد. وأرباب المعاندة والنكد. تغطية محاسن من حسدوه. وإظهار مساوئ من عاندوه. وقد أخبرني أبو جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح، وبشر بن موسى بن صالح الأسدي قالا: حدثنا الأصمعي قال: حدثني العلاء بن أسلم قال: حدثنا رؤبة بن العجاج قال: قال لي فلان قصرت وعرفت، ثم قال لي: يا رؤبة عساك مثل أقوام إن سكت لم يسألوني. وإن تكلمت لم يعوا عني. قلت: أرجو أن لا أكون كذلك. قال: فما أعداء المروءة؟ قلت: تخبرني. قال: بنو عمّ السوء، إن رأوا خيراً ستروه، وإن رأوا شراً أذاعوه. أنشدني أبو العباس محمد بن يزيد المبرد:
стр. 4
عين الحسود عليك، الدهر، حارسة ... تبدي المساوئ، والإحسان تخفيه
يلقاك بالبشر يبديه مكاشرة ... والقلب مضطغن فيه الذي فيه
إن الحسود بلا جرم عداوته ... فليس يقبل عذراً في تجنيه
وأنشدني أبو جعفر في مثل ذلك:
إن يعلموا الخير يخفوه، وإن علموا ... شراً أُذيع، وإن لم يعلموا كذبوا
وأنشدني محمد بن إبراهيم القارئ:
وترى اللبيب مُحسداً لم يجترم ... شتم الرجال وعرضه مشتوم
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لدميم
وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
ما ضرني حسد اللئام، ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو النقصان
يا بؤس قوم ليس جرم عدوهم ... إلا تظاهر نعمة الرحمان
وخبرت أن المنصور قال لبعض ولد المهلب بن أبي صفرة: ما أسرع الناس إلى قومك! فقال: يا أمير المؤمنين
إن العرانين تلقاها محسدَّة، ... ولا ترى للئام الناس حسادا
كم حاسد لهم قد رام سعيهم، ... ما نال مثل مساعيهم، ولا كادا
ويروى أن عمر بن الخطاب، رحمة الله عليه، كان يتمثل بهذين البيتين:
قوم سنان أبوهم حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
محسودون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ما له حسدوا
وأنشدنا أحمد بن عبيد قال: أنشدنا العتبي عن أبيه:
стр. 5
إني نشأت، وحسادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا
ما زلت أقدم أفراسي مكلَّمةً ... حتى اتخذت على حسادهن يدا
وأنشدت:
كلُّ العداوة قد ترجى إماتتها، ... إلا عداوة من عاداك من حسد
وبلغ محمد بن عبد الله بن طاهر أن قوماً من الموالي يحسدونه، فقال:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم، ... ومات أكثرهم غيظاً بما يجد
أنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صُعداً منها ولا أرد
وقال أردشير بن بابك: كل خصلة رديئة، فهي دون الحسد، لأن الحسود يسعى على من أحسن إليه، ويبغي الغوائل لمن أنعم عليه. وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً ذكر بعض الحساد فقال: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم ونفس دائم وعقل هائم؛ وقال حاتم طيء:
يا كعب ما إن ترى من بيت مكرمة ... إلا له، من بيوت الشر؛ حسادا
والتحرز من الحساد ما لا سبيل لنا إليه، والتحفظ من ألسنتهم ما لا نقدر عليه، لكن أقول كما قال الشاعر:
ما يضرُّ البحر، أمسى زاخراً، ... أن رمى فيه غلام بحجر
وأُصدّر كتابي هذا مستعيناً بالله راغباً إليه، بذكر الأدب وصفته. وما يحتاج الأدباء إلى معرفته. وأشفعه بأشياء يستحسنها الأديب. ويرغب في دراستها الأريب، وبالله التوفيق.
стр. 6
البيان عن حدود الأدب
ما يجب على الأدباء من الفحص والطلب
اعلم أن أول ما يجب على العاقل المنفصل بصفته عن الجاهل أن يتبعه ويميل إليه، ويستعمله ويحرص عليه، مجالسة الرجال ذوي الألباب، والنظر في أفانين الآداب، وقراءة الكتب والآثار، ورواية الأخبار والأشعار، وأن يحسن في السؤال، ويتثبت في المقال، ولا يكثر الكلام والخطاب، إن سئل عمّا يعلمه أجاب، وإن لم يسأل صمت للاستماع، ولم يتعرض لمكروه الانقطاع. فقد روي في الخبر المأثور أن النبي، ﷺ ، قال: أغد عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، ولا تكن الرابع فتهلك. والصمت أحسن بالرجل من الهذر في منطقه، والكلام فيما لا يعنيه، والتسرع إلى ما يكون على وجل منه. وقد قال بعض الشعراء:
يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرجل
فعثرته من فيه ترمي برأسه ... وعثرته بالرجل تبرا على مهل
وقال أبو العتاهية:
إذا كنت عن أن تحسن الصمت عاجزاً ... فأنت عن الإبلاغ في القول أعجز
يخوض أناس في المقال ليوجزوا ... وللصمت عن بعض المقالات أوجز
وقال أيضاً:
стр. 7
قد أفلح الساكت الصموت ... كلام راعي الكلام قوت
ما كل نطق له جواب ... جواب ما تكره السكوت
وقال النبي، ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليسكت، وقال: من صمت نجا.
وكان أعرابي يجالس الشعبي يطيل الصمت، فقال له يوماً: لم لا تتكلم؟ فقال: أسمع لأعلم وأسكت فأسلم.
وقال أبو هريرة: ثمرة القلب اللسان. وقيل لعيسى بن مريم، ﵇: ما مبدى علم القلب وجهله؟ قال: اللسان. قال: فأين يلزم الصمت؟ قال: عند من هو أعلم منكم، وعند الجاهل إذا جالسكم.
وقال بعض الشعراء:
تعاهد لسانك إن اللسا ... ن سريع إلى المرء في قتله
وهذا اللسان بريد الفؤا ... د يدل الرجال على عقله
وقال آخر:
أستر النفس ما استطعت بصمت، ... إن في الصمت راحة للصموت
واجعل الصمت إن عييت جواباً ... رب قول جوابه في السكوت
وقال أبو العتاهية:
لا خير في حشو الكلا ... م إذا اهتديت إلى عيونه
والصمت أجمل بالفتى ... من منطق في غير حينه
وقال لقمان لابنه: يا بني إن غلبت على الكلام، فلا تغلب على الصمت،
стр. 8
فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول. إني ندمت على الكلام مراراً ولم أندم على الصمت مرة واحدة. وقال إبراهيم بن المهدي في هذا المعنى فأحسن:
إن كان يعجبك السكوت فإنه ... قد كان يعجب قبلك الأخيارا
ولئن ندمت على سكوتك مرة ... فلقد ندمت على الكلام مرارا
إن السكوت سلامة ولربما ... زرع الكلام عداوة وضرارا
فحقيق على الأديب أن يخزن لسانه عن نطقه، ولا يرسله في غير حقه، وأن ينطق بعلم، وينصت بحلم، ولا يعجل في الجواب، ولا يهجم على الخطاب. وإن رأى أحداً هو أعلم منه، نصت لاستماع الفائدة عنه، وتحذر من الزلل والسقط، وتحفظ من العيوب والغلط، ولم يتكلم فيما لا يعلم، ولم يناظر فيما لا يفهم، فإنه ربما أخرجه ذلك إلى الانقطاع والاضطراب، وكان فيه نقصه عند ذوي الألباب. وقد قال الأعور الشني فأجاد:
ألم ترَ مفتاح الفؤاد لسانه ... إذا هو أبدى ما يقول من الفم
وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
ومثله قول الأخطل أيضاً:
إن الكلام من الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وأخبرني أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال: كان بكر بن عبد الله المزني يقل الكلام، فقيل له في ذلك، فقال: لساني سبعٌ، إن تركته أكلني، وأنشد:
لسان الفتى سبع عليه شذاته ... فإلا يزع من غربه فهو آكله
وما العيّ إلا منطق متبرع ... سواء عليه حق أمر وباطله
стр. 9
قال أبو الطيب قوله: شذاته، أي حده، وقال بعض الحكماء: الزم الصمت تعد حكيماً كنت أم عليماً؛ وقال الهيثم بن الأسود النخعي:
من يستعن بالصمت يوماً فإنه ... يقال له لبُّ نهاه أصيل
وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة، على عوراته، لدليل
وكان يقال: الصمت صون اللسان وستر العي. أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب للخطفى بن بدر:
عجبت لإزراء العييّ بنفسه، ... وصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للعيي، وإنما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلما
والعرب تقول: عَيٌّ صامت خير من عَيٌّ ناطق. وكان ربيعة الرأي كثير الكلام، فتكلم يوماً، وأكثر ثم قال لأعرابي عنده: أتعرف ما العي؟ قال: نعم، ما أنت فيه منذ اليوم. وقال أكثم بن صيفي: حتف الرجل بين لحييه؛ وأنشدني أحمد بن عبيد لأبي محمد اليزيدي:
حتف امرئ لسانه ... في جده، أو لعبه
بين اللَّها مقتله، ... ركب في مركبه
ورب ذي مزح أُمي ... تت نفسه في سببه
ليس الفتى كل الفتى ... إلا الفتى في أدبه
وبعض أخلاق الفتى ... أولى به من نسبه
стр. 10
وكان يقال: لسانك عبدك، فإذا تكلمت صرت عبده. وقال بعض الحكماء: أنا بالخيار ما لم أتكلم، فإذا تكلمت صار الكلام علي بالخيار. وقال آخر: لساني في حبس بدني ما لم أطلقه على نفسي، فإذا أطلقته صار بدني في حبس لساني. وقال آخر: الكلمة أسيرة في وثاق الرجل، فإذا تكلم بها صار في وثاقها. وقال الشعبي: أنا على اتباع ما لم أوقع أقدر مني على ردّ ما أوقعت. وتكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات، خرجن كلهن بمعنى. فقال كسرى: أنا على قول ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. وقال قيصر: لا أندم على ما لم أقل، فإنما أندم على ما قلت. وقال ملك الصين: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، ولم أملكها. وقال ملك الهند: عجبت لمن يتكلم بالكلمة إن حكيت عنه ضرته، وإن لم تذكر لم تنفعه. وقال امرؤ القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه، ... فليس على شيء سواه بخزان
وقالت الفلاسفة: اللسان خادم القلب. وقالت العلماء: اللسان كاتب القلب، إذا أملى عليه شيئاً أتى به. وأنشدني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
رأيت لسان المرء راعي نفسه، ... وعاذره إن ليم، أو زل سائره
فمن لزمته حجة من لسانه، ... فقد مات راعيه وأفحم عاذره
ولئن كان السكوت جميلاً، لقد جعل الكلام جليلاً، ما لم يتعد المتكلم في
стр. 11
كلامه، ويتجاوز في الكلام حدّ نظامه. وقد أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب:
ما في الكلام على الأنام أثام، ... بل فيه عندي النقض والإبرام
لولا الكلام لما تبينا الهدى، ... وتعطلت في ديننا الأحكام
فزن الكلام، إذا أردت تكلما، ... ودع الفضول، ففي الفضول ملام
إن أنت لم ترشد أخاك، إذا أتى، ... فعليك منه هجنة وأثام
والنطق أفضل من صمات متهم، ... جاء الكتاب بذاك، والإسلام
هذا البيان، فلا تكن متمارياً، ... فالصمت عيٌّ، والكلام نظام
وليس بعيب على الأديب، وإن كان مستقلاً بما لديه، استخذاؤه للمتقدم في العلم عليه، ولا في سؤاله فيما غُيبت معرفته عنه، من هو أعلى درجة في العلم منه. وأنشدني أحمد بن يحيى ثعلب:
تمام العمى طول السكوت، وإنما ... شفاء العمى يوماً سؤالك من يدري
وروى أن أعرابياً أتى النبي ﷺ فقال: يا ابن عبد المطلب! ماذا يزيد في العلم؟ قال: التعلم. قال: فماذا يدل على العلم؟ قال: السؤال.
أنشدني أحمد بن عبيد قال: أنشدني ابن الأعرابي لبشامة بن عمرو المرّي:
إذا ما يهتدي لبي هداني، ... وأسأل ذا البيان، إذا عميت
وأجتنب المقاذع حيث كانت، ... وأترك ما هويت لما خشيت
стр. 12
وكان يقال: من رق وجهه عن السؤال دق علمه، ومن أحسن السؤال علم. وقال الشاعر:
إذا كنت في بلدة جاهلاً، ... وللعلم ملتمساً، فاسأل
فإن السؤال شفاء العمى، ... كما قيل في الزمن الأول
وروينا عن يونس عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: لا يتعلم من استحيا وتكبر. وقال رجل من بني العباس للمأمون: أيحسن بمثلي العلم اليوم؟ فقال: نعم والله لأن تموت طالباً للعلم أزين بك من أن تموت قانعاً بالجهل. فقال: إلى متى يحسن بي، وقد جاوزت الستين! قال: ما حسنت بك الحياة. وقال الخليل: ذاكر بعلمك فتذكر ما عندك وتستفيد ما ليس عندك. وقال الخليل أيضاً: كنت إذا لقيت عالماً أخذت منه وأعطيته. وأخبرني أحمد بن عبيد قال: أخبرني ابن الأعرابي قال: أخبرنا أزهر السمان قال: قال الزهري: الأخبار ذكران لا يحبها إلا ذكران الرجال، ولا يكرهها إلا مؤنثوهم. وقال الطرماح:
ولا أدع السؤال، إذا تعيت ... عليّ، من الأمور، المشكلات
وينفعني، إذا استفتيت علمي، وأقوى الشك عندي البينات
فهذه جملة تحث الأدباء على الطلب، وصدر يقنع به العقلاء من حدود الأدب. ومنه أيضاً ترك ممازحة الإخوان، إذ كان مما يوغر صدور الخلان، وقد اختصرت لك من ذلك جملة مقنعة، وألفاظها ممتعة، فيها لك كفاية، ولذوي الألباب نهاية، إن شاء الله تعالى.
стр. 13
النهي عن ممازحة الأخلاء
والنهي عن مفاكهة الأوداء
اعلم أن من زي الأدباء، وأهل المعرفة والعقلاء، وذوي المروءة والظرفاء، قلة الكلام في غير أرب، والتجاهل عن المداعبة واللعب، وترك التبذل بالسخافة والصياح بالفكاهة والمزاح، لأن كثرة المزاح يذل المرء، ويضع القدر، ويزيل المروءة، ويفسد الأخوة، ويجرئ على الشريف الحر، أهل الدناءة والشر. وقد أخبرني أحمد بن عبيد قال: أخبرني الأصمعي عن رجل من العرب قال: خرجت في بعض ليالي الظلم، فإذا أنا بجارية كأنها صنم، فراودتها عن نفسها، فقالت: يا هذا أما لك زاجر من عقل، إذا لم يكن لك واعظ من دين؟ قلت: والله ما يرانا إلا الكواكب. قالت: يا هذا فأين مكوكبها؟ فقلت: إنما كنت أمزح. فقالت:
فإياك، إياك المزاح، فإنه ... يجري عليك الطفل والدنس النذلا
ويذهب ماء الوجه بعد وضاته، ... ويورث بعد العز صاحبه ذلا
وقال سليمان بن داود، ﵉: المزاح يستخف فؤاد الحليم، ويذهب ببهاء ذي القدرة.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: من أكثر من شيء عرف به، ومن مازح استخف به، ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته. وكان يقال: لكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: امنعوا الناس من المزاح، فإنه
стр. 14
يذهب المروءة، ويوغر الصدر.
وقال بعض الشعراء:
مازح أخاك إذا أردت مزاحاً، ... وتوق منه المزاح جماحا
فلربما مزح الصديق بمزحة ... كانت لباب عداوة مفتاحا
وقال عمر بن عبد العزيز: امتنعوا من المزاح تسلم لكم الأعراض. قال خلف بن صفوان: المزاح سباب النوكى.
وقال محمود الوراق:
تلقى الفتى أخاه وخدنه ... في لحن منطقه بما لا يغفر
ويقول: كنت ممازحاً وملاعباً ... هيهات نارك في الحشا تستسعر
ألهبتها وطفقت تضحك لاهياً، ... عما به، وفؤاده يتفطر
أو ما علمت، ومثل جهلك غالب، ... أن المزاح هو السباب الأصغر؟
وقال بعض الحكماء: الخصومة تمرض القلوب وتثّبت فيها النفاق. والمزاح يذهب ببهاء العز.
وحدثني الباغندي قال: حدثنا الحميدي عن سفيان عن ابن المنكدر قال: قالت لي أمي: يا بني لا تمازح الصبيان فتهون عليهم. وقد كانت أدركت النبي، ﷺ .
وأوصى يعلى بن منبه بنيه فقال: يا بني، إياكم والمزاح فإنه يذهب بالبهاء، ويعقب الندامة، ويزري بالمروءة.
стр. 15
وقال مسعر بن كدام الهلالي لابنه:
ولقد منحتك، يا كدام، نصيحتي، ... فاسمع لقول أب عليك شفيق
أما المزاحة والمراء فدعهما، ... خلقان لا أرضاهما لصديق
إني بلوتهما، فلم أحمدهما ... لمجاور جاورته، ورفيق
وكان سعيد بن العاص يقول: لا تمازحن الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيء فيجترئ عليك.
وقد تواترت بالنهي عن ذلك الأخبار، وتكاثفت فيه الأشعار، ولعمري إن ترك ما نهى عنه ذوو الأدب، من المداعبة واللعب، أولى بذي النهية والأرب. وقد يجب على العاقل الأديب أن ينتقي إخوانه، ويتخير أخدانه، ويفتش عن الأصحاب، ويجالس ذوي الألباب، ويستخلص أهل الفضل، وأهل المروءات والعقل، فإنها محنة الأدباء، وفراسة العلماء، وإنما يعرف الرجل بأشكاله، ويقاس بأمثاله، ويوسم بأخدانه، وينسب إلى أقرانه. وقد شرحت في ذلك جملة من الآثار، وما روي فيه من النتف والأخبار، فقف عليه يبن لك ما فيه، إن شاء الله تعالى.
الأمر باختيار الإخوان
وانتخاب الأقران والأخدان
روي عن النبي، ﷺ ، قال: اختبروا الناس بإخوانهم، فإن الرجل يخادن من يعجبه نحوه. وقال مجاهد: إني لأنتقي الإخوان كما أنتقي أطايب الثمر. وقال بعض الشعراء:
стр. 16
امحض مودتك الكريم، فإنما ... يرعى ذوي الأحساب كل كريم
وإخاء أشراف الرجال مروءة، ... والموت خير من إخاء لئيم
وقال يحيى بن أكثم:
وقارن، إذا قارنت، حرّاً، فإنما ... يزين ويزري بالفتى قرناؤه
إذا المرء لم يختر صديقاً لنفسه، ... فناد به في الناس: هذا جزاؤه
وروي أن سليمان بن داود، ﵉، قال: لا تحكموا للرجل بشيء حتى تنظروا من يخادن.
وقال عدي بن زيد العبادي:
عن المرء لا تسال، وأبصر قرينه، ... فإن القرين بالمقارن مقتد
إذا ما رأيت الشر يبعث أهله، ... وقام جناة الشر للشر، فاقعد
وقال عتبة بن هبيرة الأسدي:
إن كنت تبغي العلم، أو أهله، ... أو شاهداً يخبر عن غائب
فاختبر الأرض بأسمائها، ... واختبر الصاحب بالصاحب
وقال أبو العتاهية:
من ذا الذي يخفى علي ... ك، إذا نظرت إلى قرينه
وعلى الفتى بطباعه ... سمة تلوح على جبينه
وأنشدني أحمد بن عبيد لأبي محمد اليزيدي:
ومن يصاحب صاحباً، ... ينسب إلى مستصحبه
بزائنات رشده، ... أو شائنات ريبه
стр. 17
ورأس أمر لامرئ ... خير له من ذنبه
وذو النهى ليست تبا ... عات الهوى من أربه
وقال آخر:
ولا تصحب أخا الجهل، ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليماً، حين آخاه
وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه
يقاس المرء بالمرء، ... إذا ما المرء ماشاه
والقلب على القلب ... دليلٌ، حين يلقاه
وأنشدني أبو العباس الشيباني لأبي آمنة جد النبي، ﷺ :
وإذا أتيت جماعة في مجلس، ... فاحذر مجالسهم، ولما تقعد
وذر الغواة الجاهلين وجهلهم، ... وإلى الذين يذكرونك فاقعد
فليؤاخ الأديب أكفاءه، وليصحب نظراءه، ومن يأمن من غدره، وغب أمره، وبوائق شره. وأنى يكون ذلك ولن يجتمع إلا في أهل الحياء. فمنهم كرم الوفاء، وإذا اجتمع الحياء والوفاء، صح الإخاء.
وقد أخبرني مخبر عن عبد الله بن طاهر أنه قال: لا دواء لمن لا حياء له، ولا حياء لمن لا وفاء له، ولا وفاء لمن لا إخاء له، ولا إخاء لمن أراد أن يجمع بين أهواء أخلائه حتى يحبوا ما أحب ويكرهوا ما كره، وحتى لا يرى من أحد ختلاً، ولا زللاً، ولا تفريطاً، ثم أنشد:
طلبت امرأً حراً صحيحاً مسلماً، ... نقياً من الآفات في كل موسم
стр. 18
لأمنحه ودي، فلم أدرك الذي ... طلبت، ومن لي بالصحيح المسلم
صبرت ومن يصبر يجد غب صبره ... ألذ وأشهى من جنى النحل في الفم
ومن لا يطب نفساً ويستبق صاحباً ... ويغفر لأهل الود يصرم ويصرم
وقال محمود الوراق:
البس أخاك على تصنُّعه، ... فلرب مفتضح على النص
ما كدت أفحص عن أخي ثقة، ... إلا ذممت عواقب الفحص
وليصحب نظراءه ومن يأمن غدره وغب أمره وبوائق شره.
وأنشدني محمد بن يزيد المبرد للمطيع بن إياس:
ولئن كنت لا تصاحب إلا ... صاحباً لا تزل، ما عاش، نعله
لا تجده، ولو حرصت، وأنى ... لك بالخل ليس يوجد مثله
وقال يونس بن عبيد: أعياني شيئان، أخ في الله ودرهم حلال.
وقيل لبعض الحكماء: من أبعد الناس سفراً؟ فقال: من كان في طلب صديق يرضاه.
وقال رجل للفضل بن عياض: أبغني رجلاً أحدثه سري، وآمنه على أمري! فقال: تلك ضالة لا توجد.
وأنشدني المهلبي لنفسه:
البس أخاك على ما كان من خلق، ... واحفظ مودته بالغيب ما وصلا
فأطول الناس غماً من يريد أخاً ... ذا خلة لا يرى في وده خللا
وأنشدني أيضاً:
أقسمت بالله لا ينفك مغتفراً ... ذنب الصديق، وإن عق، وإن صرما
стр. 19
والعمر يقصر عن هجر، وعن صلة، ... وعن تَجَنٍّ، وعتبٍ يورث السَّقما
فترك مصارمة الخلان، والتجاوز عن هفوات الإخوان، والاستكثار من الأخلاء، ورفض معاندة الأعداء، أولى بأهل الأدب، وذوي المروءة والأرب، وأهل الفضل والحسب.
وقد حكى الأصمعي قال: سمعت أعرابياً يقول لأخ له: أي أخي إن الصديق يحول بالجفاء، وإني أراك رطب اللسان من عيوب أصدقائك، فلا تزدهم في أعدائك.
وقال عبد الله بن الحسن بن علي لابنه، ﵁: إياك وعداوة الرجال، فإنها لن تعدمك مكر حليم، أو مفاجأة لئيم.
وروي أن سليمان بن داود قال لابنه: يا بني لا تستكثر أن يكون لك ألف صديق، ولا تستقل أن يكون لك عدو واحد.
وروي أن علي بن أبي طالب ﵇ قال:
وأكثر من الإخوان ما اسطعت إنهم ... عماد، إذا استنجدتهم، وظهور
وليس كثيراً ألف خلٍّ وصاحب، ... وإن عدواً واحداً لكثير
وليس شيء أسر إلى ذي اللب، ولا أحسن موقعاً في القلب، من محادثة العقلاء، ومجالسة الأدباء. فإن ذلك مما تفتق به الأذهان، وينفسح به الجنان، ويزيد في اللب، ويحيا به القلب، كما قال بعض الشعراء:
وما بقيت من اللذات إلا ... محادثة الرجال ذوي العقول
وقد كنا نعدهم قليلاً، ... فقد صاروا أقل من القليل
وقيل للحرقة ابنة النعمان: ما كانت لذة أبيك؟ فقالت: إدمان الشراب، ومجالسة الرجال.
стр. 20
وقال عمرو بن مرة الجهني، صاحب رسول الله ﷺ :
وصحوت إلا من لقاء محدث، ... حسن الحديث، يزيدني تعليما
وقال معاوية بن أبي سفيان لعمرو بن العاص: ما بقي مما تستلذه؟ فقال: مجالسة الرجال.
وقد روي عن النبي، ﷺ ، وعن عدة من الصحابة، ﵃، من الأحاديث في
الحث على صحبة الإخوان ، والرغبة في الخلان، ما إن ذكرناه طال به الكتاب، وكثر به الخطاب. وسنذكر بعض ذلك ونختصره، ونأخذ من أحسنه ما يكون فيه بلاغ، إن شاء الله تعالى.
الحث على صحبة الإخوان
والإغراء على مودة الخلان والرغبة في أهل الصلاح والإيمان
روي عن أبي هريرة: أن النبي، ﷺ ، قال: المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.
وروي عن أبي عمرو العوفي قال: كان يقال اصحب من إن صحبته زانك، وإن خدمته صانك، وإن أصابتك خصاصة مانك، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى منك سقطة سترها، ومن إن قلت صدق قولك، وإن أصبت سدد صوابك، ومن لا يأتيك بالبوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق.
وقال الفضل بن غسان البصري: كان يقال اصحب من ينسى معروفه عندك.
وروي عن معاوية بن قرة قال: نظرت في المودة والإخاء فلم أجد أثبت مودة من ذي أصل.
стр. 21
وأنشدونا لعمر بن عبد العزيز، ولا يعرف له غير هذه الأبيات:
إني لأمنح من يواصلني ... مني صفاء ليس بالمذق
وإذا أخ لي حال عن خلق ... داويت منه ذاك بالرفق
والمرء يصنع نفسه، ومتى ... ما تبله ينزع إلى العرق
ومثله قول زهير بن أبي سلمى:
وما يك من خير أتوه، فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطِّيَّ إلا وشيجه، ... وتغرس إلا في منابتها النخل
ومنه قول الآخر:
والابن ينشو على ما كان والده، ... إن العروق عليها تنبت الشجر
وقال المتوكل الكناني:
عندي لصالح قومي، ما بقيت لهم، ... حمد وذمّ، لأهل الذم، معدود
أجري على سنة من والدي سبقت، ... وفي أرومته ما ينبت العود
وأوصى بعض الحكماء أخاً له فقال: أي أخي! آخ الكريم الأخوة، الكامل المروءة، الذي إن غبت خلفك، وإن حضرت كنفك، وإن لقي صديقك استزاده، وإن لقي عدوك كفه، وإن رأيته ابتهجت، وإن أتيته استرحت.
وقال عمر بن الخطاب، ﵁: إذا رزقك الله مودة امرئ مسلم فتشبث بها.
وكان سفيان الثوري كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين:
أبل الرجال، إذا أردت إخاءهم، ... وتوسمن إخاءهم وتفقد
стр. 22
فإذا وجدت أخا الأمانة والتقى ... فيه اليدين قرير عين فاشدد
كم من صديق في الرخاء مساعد ... وإذا أردت حقيقة لم توجد
ومثل ذلك قول الآخر:
آخ من آخيت عن خبرته، ... لا يغرنك من الناس الطُّرر
لا ولا الأجسام ما لم تبلهم، ... إنما الناس كأمثال الشجر
منه ما ليست له منظرة، ... وهو صلب عوده حلو الثمر
وترى منه أنيقاً نبته، ... طعمه مرٌّ، وفي العود خَوَر
وقال آخر:
من حمد الناس، ولم يبلهم، ... ثم بلاهم ذم من يحمد
وصار بالوحدة مستأنساً، ... يوحشه الأقرب والأبعد
وروي أن رجلاً من عبد القيس قال لابنه: أي بني، لا تواخ أحداً حتى تعرف موارد أموره ومصادرها، فإذا استبطنت الخبر، ورضيت منه العشرة، فآخه على إقالة العثرة، والمؤاساة عند العُسرة.
وأنشدني محمد بن يزيد المبرّد:
وكنت، إذا الصديق أراد غيظي ... على حنق، وأشرقني بريقي
غفرت ذنوبه، وكظمت غيظي، ... مخافة أن أكون بلا صديق
وأنشدني لبشار بن برد العقيلي:
أخوك الذي لا ينقض، الدهر، عهده، ... ولا عند صرف الدهر يزور جانبه
فخذ من أخيك العفو، واغفر ذنوبه ... ولا تك في كل الأمور تجانبه
إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك، لم تلق الذي لا تعاتبه
стр. 23
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وقال آخر:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه، ... وعن بعض ما فيه، يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهداً كل عثرة، ... يجدها، ولا يسلم له، الدهر، صاحب
وأنشدني أحمد بن يحيى لسعيد المساحقي:
فخذ عفو من أحببت لا تبر منه، ... فعند بلوغ العذر رنق المشارب
وقال أبو الأسود الدؤلي:
ولست مستبقياً أخاً لك لا ... تصفح عما يكون من زلله
من ذا الذي هُذبت خلائقه ... في ريثه إن أتى وفي عجله
لا أصحب الخائن اللئيم، ولا ... أقطع وصل الخليل من ملله
أجزيه بالعرف، ما حييت، ولا ... يعدم صفحي للشر من عمله
ومثله قول النابغة الذبياني:
ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب
وأجاد، والله، الذي يقول:
إذا ما أذاني مفصل فقطعته، ... بقيت وما لي للنهوض مفاصل
ولكن أداويه، فإن صح كان لي، ... وإن هو أدوى كان فيه تحامل
وأنشدت لرجل من طيء:
أرخ على الناس ثوب سترهم، ... أو أجن حلو الثمار من شجره
стр. 24
واستبق ما لم ترد قطيعته، ... بستره ما استقر في ستره
فرب بادي الجميل منه، إذا ... فُتش أبدى التفتيش عن عَوَره
واستصلح الناس، ما استطعت، ولا ... تسرع إلى ضرِّ مبتغي ضرره
وروي عن ابن عباس، ﵁، قال: أحب إخواني إليَّ أخ إن غبت عنه عذرني، وإن جئته قبلني. وقيل لخالد بن صفوان: أي إخوانك أوجب عليك حقاً؟ فقال: الذي يسدّ خلتي، ويغفر زلتي، ويقيل عثرتي.
وقال مطيع بن إياس:
إنما صاحبي الذي يغفر الذن ... ب، ويكفيه من أخيه أقله
ليس من يظهر الخلالة إفكاً، ... وإذا قال خالف القول فعله
وصله للصديق يوم، ويوم ... يضمر الهجر ثم ينبت حبله
وأحق الرجال أن يغفر الذن ... ب لإخوانه الموفَّر عقله
وفي حديث سهل بن سعيد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : المرء كثير بأخيه.
وكتب الأحنف بن قيس إلى صديق له: أما بعد فإذا قدم عليك أخ موافق لك، فليكن منك مكان سمعك وبصرك، فإن الأخ الموافق أفضل من الولد المخالف.
وقال خالد بن صفوان: أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.
وقال عمر بن الخطاب: عليكم بإخوان الصدق، فاكتسبوهم، فإنهم زين في الرخاء وعدّة عند البلاء.
стр. 25
وسئل بعض الحكماء: أيّ الكنوز خير؟ فقال: أما بعد تقوى الله فالأخ الصالح.
واعلم أن خير الإخوان من كانت أخوته ومحبته في الله، ولم تكن خلته ولا مؤاخاته لطمع قليل، ولا لغرض عاجل، وليس شيء بذوي العقول، وأهل الديانات والفضل، أفضل من إخلاص المودة في الله، ولعمري إن ذلك يحسن بجميع أهل الملل والأديان، وهو من أوثق عُرى الإيمان، وقد روي فيه أحاديث كثيرة اقتصرنا على بعضها، واختصرنا من أحسنها، وفي البعض كفاية، إن شاء الله.
صفة المتحابين في الله
روي عن البراء بن عازب أنه قال: كنت جالساً عند النبي، ﷺ ، فقال: أتدرون أي عُرى الإيمان أوثق؟ قلنا: الصلاة. قال: إن الصلاة لحسنة، وما هي بها. قلنا: الزكاة. قال: وحسنة، وما هي بها. فذكروا شرائع الإسلام، فلما رآهم لا يصيبون قال: إن أوثق عُرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله.
وأخبرني أبي ﵀، بإسناد ذكره عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ : إن في الجنة لعموداً من ذهب عليه منائر من زبرجد تضيء لأهل الجنة، كما يضيء الكوكب الدُّرّي في أفق السماء، قلنا: لمن هذا، يا رسول الله؟ قال: للمتحابين في الله.
стр. 26
وروى أبو الأحوص عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله.
وقال ﵊: الإيمان أن يحبّ الرجل الرجل ليس بينهما نسب قريب، ولا مال أعطاه إياه، لا يحبه إلا لله .
ورويناه عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله، ﷺ ، يؤاخي بين الرجلين من أصحابه، فتطول الليلة على أحدهما حتى يرى أخاه.
وروينا عن جرير بن عبد الله البجلي قال: ما حجبني رسول الله، ﷺ ، منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي. وقال عمر بن الخطاب: لقاء الإخوان جلاء الأحزان.
وقال أكثم بن صيفي: لقاء الأحبة مسلاة الهم.
وكان عبد الله بن مسعود يقول لأصحابه: أنتم جلاء حزني.
وروي عن أبي أمامة قال: من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله فقد استكمل الإيمان.
وقد كانت الحكماء تقول: إن ما يجب للأخ على أخيه مودته بقلبه، وتزيينه بلسانه، ورفده بماله، وتقويمه بأدبه، وحسن الذّبّ والمدافعة عنه في غيبته.
وأنشدني أبو بكر بن أبي الدنيا:
إذا المرء لم ينصف أخاه، ولم يكن ... له غائباً يوماً، كما هو شاهده
فلا خير فيه، فالتمس غيره أخاً ... كريماً، على وصل الكريم تعاهده
فإن غبت يوماً، أو شهدت فوجهه، ... على كل حال أينما كنت، واجده
стр. 27
أنشدني أحمد بن يحيى لكثير عزة:
وليس خليلي بالملول ولا الذي، ... إذا غبت عنه باعني بخليل
ولكن خليلي من يدوم وفاؤه، ... ويحفظ سرّي كل دخيل
ولست براض من خليلي بنائل ... قليلٍ، ولا أرضى له بقليل
وأنشدني بعض الأدباء قال: أنشدني أعرابي ببلاد نجد:
وليس خليلي بالمرجى، ولا الذي ... إذا غبت عنه كان عوناً مع الدهر
ولكن خليلي من يصون مودتي، ... ويحفظني، إن كان من دوني البحر
وأنشدني أبو العباس محمد بن يزيد النحوي:
تود عدوي، ثم تزعم أنني ... أودك، إن الرأي عنك لعازب
وليس أخي من ودني رأي عينه ... ولكن أخي من ودني وهو غائب
وأنشدني يوسف الأعور قال: أنشدني يعقوب بن السكيت لأوس بن حجر:
وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يذمك إن ولى، ويرضيك مقبلا
ولكن أخوك النائي ما كنت آمناً، ... وصاحبك الأدنى، إذا الأمر أعضلا
وأنشدني أبو العيناء قال: أنشدني الجاحظ:
أخوك الذي إن سرّك الأمر سره، ... وإن غبت يوماً ظلّ وهو حزين
يقرب من قربت من ذي مودة، ... ويقصي الذي أقصيته، ويهين
وأنشدني أحمد بن يحيى:
إذا أنت رافقت الرجال، فكن فتىً، ... كأنك مملوك لكل رفيق
стр. 28
وكن مثل طعم الماء عذباً وبارداً، ... على الكبد الحرى لكل صديق
واعلم أن أحسن ما تألف به الناس قلوب أخلائهم، ونفوا به الضغن عن قلوب أعدائهم، البشر بهم عند حضورهم، والتفقد لأمورهم، وحسن البشاشة، فذلك يثبت المحبة والإخاء، ومنه أحاديث قد ذكرنا بعضها، وقصدنا فيما فيه قناعة.
البشاشة بالإخوان
والصبر على تألف قلوب ذوي الأضغان
قال الله لنبيه، ﷺ : " ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ".
وقال تعالى: " ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر ".
وقال : " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ".
وروي عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ ، أنه قال: رأس العقل بعد الإيمان التودد إلى الناس.
وسئل الحسن عن حسن الخلق، فقال: الكرم، والبذلة، والتودد إلى الناس.
وروينا عن جرير بن عبد الله البجلي، فقال: ما حجبني رسول الله منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي.
стр. 29
وقال المنصور: إذا أحببت المحمدة من الناس بلا مؤونة، فالقهم ببشر حسن.
وروي عن كعب الأحبار قال: مكتوب في التوراة: ليكن وجهك سبطاً تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة.
وأنشدني أبو علي العنزي:
إلق بالبشر من لقيت من النا ... س جميعاً، ولاقهم بالطَّلاقه
تجن منهم به جنيَّ ثمار ... طيب طعمه، لذيذ المذاقه
ودع التيه والعبوس عن النا ... س، فإن العبوس رأس الحماقه
كلما شئت أن تعادي عادي ... ت صديقاً، وقد تعز الصداقة
أنشدني لبعض بني طيء:
خالق الناس بخلق واسع، ... لا تكن كلباً على الناس يهرّ
والقهم منك ببشر ثم كن ... للذي تسمع منهم مغتفر
وقال أبو العتاهية:
وألن جناحك تعتقد ... في الناس محمدة بلينه
فلربما احتقر الفتى ... من ليس في شرف بدونه
وكان يقال: أول المروة طلاقة الوجه؛ والثانية التودد إلى الناس؛ والثالثة قضاء حوائج الناس.
وروي أن أعرابياً قال: يا رسول الله، إنا من أهل البادية، فنحب أن تعلمنا عملاً لعل الله أن ينفعنا به، قال: لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تُفرغ من دلوك في إناء المستقي، وأن تكلم أخاك ووجهك إليه منطلق.
وروي عن النبي، ﷺ ، قال: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه، والخلق الحسن.
стр. 30
وقال النبي، ﷺ : تمام تحياتكم المصافحة.
وقال الحسن البصري: المصافحة تزيد في المودة.
وروى مجاهد عن معاذ قال: إن المسلمين، إذا التقيا فضحك كل واحد منهما في وجه صاحبه ثم أخذ بيده تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر.
واعلم أنه إذا صلحت النيات، وخلصت السريرات، صلحت أصفية المودة، وثبتت المحبة، واتفقت القلوب، واغتفرت الذنوب؛ وإذا فسدت النيات، وخبثت السريرات، بطل خالص الإخاء، وانحلت عُرى المودة والصفاء. وقد شرحت في ذلك باباً تقف عليه، إن شاء الله تعالى.
اتفاق القلوب على مودة الصديق
وقلة الخلاف على الرفيق
روينا عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، وعن الوليد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
وقال بعض الشعراء:
إن القلوب لأجناد مجندة، ... لله في الأرض بالأهواء تعترف
فما تعارف منها فهو مؤتلف، ... وما تناكر منها فهو مختلف
وقال طرفة:
وإن امرأً لم يعف يوماً فكاهة ... لمن لم يرد سوءاً بها لجهول
стр. 31
تعارف أرواح الرجال إذا التقوا، ... فمنهم عدو يتقى، وخليل
وكان يقال: المودة قرابة مستفادة. وقيل لخالد بن صفوان: أخوك أحب إليك أم صديقك؟ فقال: إن أخي إذا كان غير صديق لم أحبه. وروينا عن واصل مولى ابن عيينة قال: كنت مع محمد بن واسع بمرو، فأتى عطاء بن مسلم ومعه ابنه عثمان، فقال عطاء لمحمد: أي عمل في الدنيا أفضل؟ قال: صحبة الأصحاب ومحادثة الإخوان، إذا اصطحبوا على الأمن والتقوى، فحينئذ يذهب الله بالحلف من بينهم، فواصلوا وتواصلوا.
وروي عن بشر بن السري قال: ليس من البر أن تبغض ما أحبه حبيبك. وقال عبد الله بن صالح: اجتمعت أنا ومحمد بن نصر الحارثي وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض، فصنعت لهم طعاماً، فلم يخالف محمد ابن نصر علينا في شيء أصلاً، فقال له عبد الله: ما أقل خلافك! فقال محمد:
وإذا صاحبت، فاصحب ماجداً ... ذا حياء وعفاف وكرم
قوله للشيء: لا، إن قلت: لا، ... وإذا قلت: نعم، قال: نعم
وقال آخر:
هموم رجال في أمور كثيرة، ... وهمي من الدنيا خليل مساعد
إذا غبت عنه لم أغب عن ضميره، ... كأني مقيم بين عينيه شاهد
نكون كروح بين جسمين فُرقاً، ... فجسماهما جسمان والروح واحد
وأنشدني آخر:
وإلفين كالغصنين ضمهما الهوى، ... فروحاهما روح، وقلباهما قلب
إذا غاب هذا ساعة عن خليله، ... تجلاه يوماً، عند فرقته، كرب
فيا من رأى إلفين صانا هواهما، ... فهذا بذا صبٌّ، وهذا بذا صبُّ
стр. 32
وأنشدني للحكمي:
روحها روحي، وروحي روحها، ... ولها قلب، وقلبي قلبها
فلنا روح وقلب واحد، ... حسبها حسبي، وحسبي حسبها
ولعمري إن ذلك لحسن جميل: والذي قيل في ذلك كثير طويل، وقد نهى قوم عن استعمال الميل في المودة، واعلم أن ذلك مع دوام المحبة وصفاء المودة لحسن غير مدفوع، غير أنه قد نهي عن استعمال الميل في المودة وكثرة الإفراط في المحبة وإدمان الزيارة في كل يوم وساعة لموضع الملل والسلوان الذي هو طبع الإنسان، وأمرنا بالقصد في كل الأمور، بدوام المحبة والسرور. وقد ذكرت بعض ذلك وفيه مقنع.
النهي عن استعمال الإفراط في حب الصديق
روي عن بعض الحكماء أنه قال: لا يفرط الأديب في محبة الصديق، ولا يتجاوز في عداوة العدو، فإنه لا يدري متى تنتقل صداقة الصديق عداوة، ولا متى تنتقل عداوة العدو صداقة.
وحكي عن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، أنه قال: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.
وروي عن عمر بن الخطاب، ﵁، أنه قال: لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً.
ومن أمثال أكثم بن صيفي: الانقباض من الناس مكسبة للعداوة، وإفراط الأنس مكسبة للملال. قال أبو عبيدة: يريد أن الاقتصاد أدنى إلى السلامة.
стр. 33
قال أبو زيد: من أمثالهم: لا تكن حلواً فتُسترط ولا مراً فتعفى أي تلفظ من المرارة.
زمثله قول مطرف بن الشخير: الحسنة. بين السيئتين، وخير الأمور أوسطها.
وكان يقال: لا تهذر في منطقك، ولا تخبر بذات نفسك، ولا تغتر بعدوك، ولا تفرط في حب صديقك، ولا تفزع إلى من لا يرحمك، ولا تألف من لا يرشدك، ولا تبغض من ينصح لك، فإن شر الأخلاق ملالة الصاحب، وتقريب المتباعد.
وأنشدني أحمد بن يحيى للمقنع الكندي:
وكن معدناً للحلم، واصفح عن الأذى ... فإنك راءٍ ما علمت وسامع
وأحبب، إذا أحببت، حباً مقارباً، ... فإنك لا تدري متى أنت نازع
وأبغض إذا أبغضت غير مباعد، ... فإنك لا تدري متى أنت راجع
وأنشدني أحمد بن يحيى لسعيد المساحقي:
فهونك في حب وبغض فربما ... يُرى جانب من صاحب بعد جانب
وسمعت عبد الله بن عبد الله بن طاهر ينشد هذين البيتين، وأحسبهما له:
إذا أنا أكرمت اللئيم، فعدني ... مهيناً له، حققت باطل ما عدَّا
فإن صلاح الأمر يرجع كله ... فساداً إذا الإنسان جزت به الحدَّا
وهذا طويل يقنعك منه القليل. وأما طول الزيارة، فقد يجب على أهل الصداقة ترك المداومة عليها، وكثرة الجنوح إليها، فإن ذلك يخلق الحب، ويذهل الصبّ، ويُضجر
стр. 34
المَزورَ، ويُعدم السرور، ويُوقع البدل، ويبدي الملل. وقد شرحنا في ذلك باباً، فاعرفه وقف عليه، إن شاء الله تعالى.
الأمر بإغباب زيارة الأحباب
والنهي عن مداومة غشيان الأصحاب
روي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: زُر غباً تزدد حباً. وقال بعض الحكماء: من كثرت زيارته قلت بشاشته. وقال آخر: من أدمن زيارة الأصدقاء عدم الاحتشاد عند اللقاء. وقال آخر:
أقلل زيارتك الصدي ... ق تكون كالثوب استجده
إن الصديق يُملُّه ... أن لا يزال يراك عنده
وقال آخر:
عليك بإقلال الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
فإني رأيت القطر يسأم دائباً، ... ويُسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
وأنشدت لأبي تمام حبيب بن أوس:
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه، فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
وأنشدني لإبراهيم بن المهدي:
إني كثرت عليه في زيارته، ... والشيء مستثقل جداً إذا كثرا
ورابني منه أني لا أزال أرى ... في طرفه قصراً عني إذا نظرا
وقال عمر بن أبي ربيعة:
стр. 35
لا تجعلن أحداً عليك، إذا ... أحببته، وهويته، ربَّا
وصل الصديق، إذا كلفت به ... واطوِ الزيارة دونه غبا
فلذاك خير من مواصلة، ... ليست تزيدك عنده قُربا
لا بل يملك عند دعوته، ... فيقول: آه، وطالما لبَّى
وقال آخر:
أغبَّ الزيارة لما بدا ... له الهجر، أو بعض أسبابه
وما صدّ هجراً، ولكنه ... طريد ملالة أحبابه
وكتب بعض الظرفاء رقعة، وطرحها في مجلس محمد بن عبد الله بن طاهر حيث حرم القيان:
عزمات الأمير، أصلحه الل ... هـ بحسن الإرشاد، والتوفيق
باعدت بيننا وبين عُجابٍ، ... ومديل، ومنصف، وصديق
فوقع محمد في ظهر الرقعة:
حسن رأي الأمير في العشاق، ... وفّرَ الحظ في بعاد التلاقي
خاف أن يحدث الوصال ملالاً، ... فتلافى الهوى ببعض الفراق
وأنشدني بعض الأدباء:
إني رأيتك لي محباً، ... وإليّ حين أغيب صبّا
стр. 36
فهجرت لا لملالة ... حدثت، ولا استحدثت ذنبا
إلا لقول نبينا: ... زوروا على الأيام غبّا
ولقوله: من زار غ ... باً منكم يزداد حباً
وهجرت، حين هجرت، كي ... أزداد بالهجران قربا
الله يعلم أنني ... لك أخلص الثَّقلين قلبا
أرعى لك الود القدي ... م، وإن جنيت عليَّ حربا
ومن ذلك ما روي أن العتابي دخل على يحيى بن خالد البرمكي، وكانت له جارية، يقال لها خلوب، تجالس الأدباء، وتناقض الشعراء، فقال لها: سليه لإبطائه عنا جائزة، فقالت له: قل له هذه القافية:
إذا شئت أن تقلى، فزر متواتراً، ... وإن شئت أن تزداد حباً، فزر غبا
فأنشأ يقول:
بقيت بلا قلب لأني هائم، ... فهل من معير، يا خلوب، بكم قلبا
حلفت لها بالله أنك منيتي، ... فكوني لعيني حيث ما نظرت نصبا
عسى الله يوماً أن يرينيك خالياً، ... فأجني بلحظي من محاسنكم عجبا
يقولون لا تكثر زيارة صاحب، ... فإنك إن أكثرته كره القربا
وكيف يطيق الصبّ سلوان حبه، ... إذا كان مشغوفاً قد استشعر الكربا
وقد قال بيتاً، ما سمعت بمثله، ... خليٌّ من الأحزان لم يذق الحبا
إذا شئت أن تقلى، فزر متواتراً؛ ... وإن شئت أن تزداد حباً فزر غبا
стр. 37
فقال له: لله أبوك أحسنت، خذ بيدها فهي لك! وأمر له بألف درهم.
واعلم أن كل ما رسمناه في هذه الأبواب، وذكرناه، وشرطناه على الأدباء، ووجدناه داخلاً في باب حدود الأدب، على ما أصبناه، غير خارج منه، ولا منفصل عنه، وأن يكون الأديب عاقلاً واللبيب كاملاً، حتى تكون له مودة قد قرنها بأدبه، وثابر عليها في طلبه، فإذا جمع ذلك رهب منه الأعداء، ورغب فيه الأولياء. وسنذكر من أنشأته المروة، فيكون فيه بلاغ وهداية، إن شاء الله تعالى.
شرائع المروة وصفتها
اعلم أن المروة هي عماد الأدباء، وعتاد العقلاء، يرئس بها صاحبها، ويشرف بها كاسبها، ولا شيء أزين بالمرء من المروة، فهي رأس الظرف والفتوة. وقد قال بعض الحكماء: الأدب يحتاج معه إلى المروة والمروة لا يحتاج معها إلى الأدب. وربما رأيت ذا المروة الخامل، وذا السخاء الجاهل، قد غطت مروته على عيوبه، وستره سخاؤه من معيبه. وأهل المروءات محسودة أفعالهم، متبعة أحوالهم. وقل ما رأيت حاسداً على أدب، وراغباً في أرب. من ذلك ما حكي عن محمد بن حرب أنه قال: كنت على شرطة جعفر بالمدينة، فأتيت بأعرابي من بني أسد يستعدى عليه، فرأيت رجلاً له بيان يحتمل الصنيعة، فرغبت في اتخاذها عنده فتخلصته ثم لم يلبث أن ردّ
стр. 38
إليَّ، فقلت: حماس؟ فقال لي: حماس، والله؛ قلت: ما أرجعك؟ قال: الشر، وما قاله رجل منا يقال له خالد، فأنشدني:
عادوا مروتنا، فضلل سعيهم، ... ولكل بيت مروة أعداء
لسنا، إذا عد الفخار كمعشر ... أزرى بفعل أبيهم الأبناء
قال: فتخلّصته ثانية.
وقيل لبعض حكماء الفرس: أي شيء للمروة أشد تهجيناً؟ فقال: للملوك صغر في الهمة، وللعامة الصَّلف، وللفقهاء الهوى، وللنساء قلة الحياء، وللعامة الكذب، والصبر على المروة صعب، وتحملها عبء. وقد قال خالد بن صفوان: لولا أن المروة اشتدت مؤونتها، وثقل حملها ما ترك اللئام للكرام منها شيئاً، ولكنه لما ثقل محملها، واشتدت مؤونتها حاد عنها اللئام، فاحتملها الكرام.
وقال بعضهم: المكارم لا تكون إلا بالمكاره، ولو كانت خفيفة لتناولها السفلة بالغلبة.
وقال ابن عمر: ما حمل رجل حملاً أثقل من المروة، فقال له أصحابه: صف لنا ذلك! فقال: ما له عندي حد أعرفه، إلا أني ما استحييت من شيء قط علانية، إلا استحييت منه سراً.
وقام رجل من بني مجاشع إلى النبي، ﷺ ، فقال: يا رسول الله ألست أفضل قومي؟ فقال: إن كان لك عقل، فلك فضل، وإن كان لك خلق، فلك مروة، وإن كان لك مال، فلك حسب، وإن كان لك دين، فلك تقى، وإن كان لك تقى، فلك دين.
وروى الهلالي قال: قال رسول الله، ﷺ ، لرجل من ثقيف:
стр. 39
ما المروة فيكم؟ قال: الصلاح في الدين، وإصلاح المعيشة، وسخاء النفس، وصلة الرحم. فقال النبي، ﷺ : كذلك هي فينا.
وقال عمر بن الخطاب: المروة الظاهرة الثياب الطاهرة، يعني النقية من الذنوب.
وقيل للأحنف: ما المروة؟ قال: إصلاح المعيشة، واحتمال الجريرة.
وقال معاوية لصعصعة بن صفوان: ما المروة؟ قال: الصبر على ما ينوبك، والصمت حتى تحتاج إلى الكلام.
وقال محمد بن علي بن الحسين: كمال المروة الفقه في الدين، والصبر على النوائب، وحسن تقدير المعيشة.
وقال معاوية لرجل من عبد القيس: ما تعدون المروة فيكم؟ قال: العفة والحرفة.
وقيل لأبي زهرة: ما المروة؟ قال: إصلاح الحال والرزانة في المجالس، والغداء والعشاء بالأفنية.
وقال عمر بن الخطاب: حسب المرء ماله، وكرمه دينه، وأصله عقله، ومروته خلقه.
وقال علي بن أبي طالب: مروة الرجل حيث يضع نفسه.
وقال عبد الله بن سميط بن عجلان: سمعت أيوب السجستاني يقول: لا ينبل الرجل، حتى تكون فيه خصلتان: العفة عن الناس، والتجاوز عنهم.
وقال مسلمة بن عبد الملك: مروتان ظاهرتان: الرياسة والفصاحة.
وكان يقال: ثلاث يفسدن المروة: الالتفات في الطريق، والشح، والحرص.
وقال عمر بن هبيرة: عليكم بمباكرة الغداء فإن في مباكرة الغداء ثلاث خلال: يطيب النكهة، ويطفئ المرة، ويعين على المروة،
стр. 40
قيل: وما إعانته على المروة؟ قال: لا تتوق النفس إلى طعام غيره.
وقال سلم بن قتيبة: لا تتم مروة الرجل، حتى يصبر على مناجاة الشيوخ الدرد.
وسأل ابن زياد رجلاً من الدهاقين: ما المروة فيكم؟ قال: أربع خصال: أن يعتزل الرجل الريبة فلا يكون في شيء منها، فإنه إذا كان مريباً كان ذليلاً، وأن يصلح ماله، فإن من أفسد ماله لم تكن له مروة، وأن يقوم لأهله بما يحتاجون إليه، حتى يستغنوا به عن غيره، فإن من احتاج أهله إلى الناس لم تكن له مروة، وأن ينظر فيما يوافقه من الطعام والشراب فيلزمه، فإن المروة ألا يخلط على نفسه في مطعمه ولا مشربه.
وكان يقال: ثلاث من المروة: تعاهد الرجل إخوانه، وإصلاح معيشته، وإقالته في منزله.
وسئل العتابي عن المروة، فقال: إخفاء ما لا يستحيا من إظهاره، ومواطأة القلب اللسان.
ويروى عن عبد الله بن بكر السهمي أن عبد الملك بن مروان دخل على معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فجلس ملياً، ثم انصرف، فقال معاوية: ما أكمل مروة هذا الفتى وأخلقه أن يبلغ. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين إن هذا أخذ بخلائق أربع، وترك ثلاثاً: أخذ بأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر المؤونة إذا خولف، وبأحسن البشر إذا لقي، وترك مزاح من لا يوثق بعقله ولا دينه، وترك مخالفة لئام الناس، وترك من الكلام ما يعتذر منه.
следующие страницы →