← Адаб

Адаб · id 26102

الموشى = الظرف والظرفاء

الوشاء

Полный текст (254 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فهجرت لا لملالة ... حدثت، ولا استحدثت ذنبا إلا لقول نبينا: ... زوروا على الأيام غبّا ولقوله: من زار غ ... باً منكم يزداد حباً وهجرت، حين هجرت، كي ... أزداد بالهجران قربا الله يعلم أنني ... لك أخلص الثَّقلين قلبا أرعى لك الود القدي ... م، وإن جنيت عليَّ حربا ومن ذلك ما روي أن العتابي دخل على يحيى بن خالد البرمكي، وكانت له جارية، يقال لها خلوب، تجالس الأدباء، وتناقض الشعراء، فقال لها: سليه لإبطائه عنا جائزة، فقالت له: قل له هذه القافية: إذا شئت أن تقلى، فزر متواتراً، ... وإن شئت أن تزداد حباً، فزر غبا فأنشأ يقول: بقيت بلا قلب لأني هائم، ... فهل من معير، يا خلوب، بكم قلبا حلفت لها بالله أنك منيتي، ... فكوني لعيني حيث ما نظرت نصبا عسى الله يوماً أن يرينيك خالياً، ... فأجني بلحظي من محاسنكم عجبا يقولون لا تكثر زيارة صاحب، ... فإنك إن أكثرته كره القربا وكيف يطيق الصبّ سلوان حبه، ... إذا كان مشغوفاً قد استشعر الكربا وقد قال بيتاً، ما سمعت بمثله، ... خليٌّ من الأحزان لم يذق الحبا إذا شئت أن تقلى، فزر متواتراً؛ ... وإن شئت أن تزداد حباً فزر غبا

стр. 37

فقال له: لله أبوك أحسنت، خذ بيدها فهي لك! وأمر له بألف درهم. واعلم أن كل ما رسمناه في هذه الأبواب، وذكرناه، وشرطناه على الأدباء، ووجدناه داخلاً في باب حدود الأدب، على ما أصبناه، غير خارج منه، ولا منفصل عنه، وأن يكون الأديب عاقلاً واللبيب كاملاً، حتى تكون له مودة قد قرنها بأدبه، وثابر عليها في طلبه، فإذا جمع ذلك رهب منه الأعداء، ورغب فيه الأولياء. وسنذكر من أنشأته المروة، فيكون فيه بلاغ وهداية، إن شاء الله تعالى. شرائع المروة وصفتها اعلم أن المروة هي عماد الأدباء، وعتاد العقلاء، يرئس بها صاحبها، ويشرف بها كاسبها، ولا شيء أزين بالمرء من المروة، فهي رأس الظرف والفتوة. وقد قال بعض الحكماء: الأدب يحتاج معه إلى المروة والمروة لا يحتاج معها إلى الأدب. وربما رأيت ذا المروة الخامل، وذا السخاء الجاهل، قد غطت مروته على عيوبه، وستره سخاؤه من معيبه. وأهل المروءات محسودة أفعالهم، متبعة أحوالهم. وقل ما رأيت حاسداً على أدب، وراغباً في أرب. من ذلك ما حكي عن محمد بن حرب أنه قال: كنت على شرطة جعفر بالمدينة، فأتيت بأعرابي من بني أسد يستعدى عليه، فرأيت رجلاً له بيان يحتمل الصنيعة، فرغبت في اتخاذها عنده فتخلصته ثم لم يلبث أن ردّ

стр. 38

إليَّ، فقلت: حماس؟ فقال لي: حماس، والله؛ قلت: ما أرجعك؟ قال: الشر، وما قاله رجل منا يقال له خالد، فأنشدني: عادوا مروتنا، فضلل سعيهم، ... ولكل بيت مروة أعداء لسنا، إذا عد الفخار كمعشر ... أزرى بفعل أبيهم الأبناء قال: فتخلّصته ثانية. وقيل لبعض حكماء الفرس: أي شيء للمروة أشد تهجيناً؟ فقال: للملوك صغر في الهمة، وللعامة الصَّلف، وللفقهاء الهوى، وللنساء قلة الحياء، وللعامة الكذب، والصبر على المروة صعب، وتحملها عبء. وقد قال خالد بن صفوان: لولا أن المروة اشتدت مؤونتها، وثقل حملها ما ترك اللئام للكرام منها شيئاً، ولكنه لما ثقل محملها، واشتدت مؤونتها حاد عنها اللئام، فاحتملها الكرام. وقال بعضهم: المكارم لا تكون إلا بالمكاره، ولو كانت خفيفة لتناولها السفلة بالغلبة. وقال ابن عمر: ما حمل رجل حملاً أثقل من المروة، فقال له أصحابه: صف لنا ذلك! فقال: ما له عندي حد أعرفه، إلا أني ما استحييت من شيء قط علانية، إلا استحييت منه سراً. وقام رجل من بني مجاشع إلى النبي، ﷺ ، فقال: يا رسول الله ألست أفضل قومي؟ فقال: إن كان لك عقل، فلك فضل، وإن كان لك خلق، فلك مروة، وإن كان لك مال، فلك حسب، وإن كان لك دين، فلك تقى، وإن كان لك تقى، فلك دين. وروى الهلالي قال: قال رسول الله، ﷺ ، لرجل من ثقيف:

стр. 39

ما المروة فيكم؟ قال: الصلاح في الدين، وإصلاح المعيشة، وسخاء النفس، وصلة الرحم. فقال النبي، ﷺ : كذلك هي فينا. وقال عمر بن الخطاب: المروة الظاهرة الثياب الطاهرة، يعني النقية من الذنوب. وقيل للأحنف: ما المروة؟ قال: إصلاح المعيشة، واحتمال الجريرة. وقال معاوية لصعصعة بن صفوان: ما المروة؟ قال: الصبر على ما ينوبك، والصمت حتى تحتاج إلى الكلام. وقال محمد بن علي بن الحسين: كمال المروة الفقه في الدين، والصبر على النوائب، وحسن تقدير المعيشة. وقال معاوية لرجل من عبد القيس: ما تعدون المروة فيكم؟ قال: العفة والحرفة. وقيل لأبي زهرة: ما المروة؟ قال: إصلاح الحال والرزانة في المجالس، والغداء والعشاء بالأفنية. وقال عمر بن الخطاب: حسب المرء ماله، وكرمه دينه، وأصله عقله، ومروته خلقه. وقال علي بن أبي طالب: مروة الرجل حيث يضع نفسه. وقال عبد الله بن سميط بن عجلان: سمعت أيوب السجستاني يقول: لا ينبل الرجل، حتى تكون فيه خصلتان: العفة عن الناس، والتجاوز عنهم. وقال مسلمة بن عبد الملك: مروتان ظاهرتان: الرياسة والفصاحة. وكان يقال: ثلاث يفسدن المروة: الالتفات في الطريق، والشح، والحرص. وقال عمر بن هبيرة: عليكم بمباكرة الغداء فإن في مباكرة الغداء ثلاث خلال: يطيب النكهة، ويطفئ المرة، ويعين على المروة،

стр. 40

قيل: وما إعانته على المروة؟ قال: لا تتوق النفس إلى طعام غيره. وقال سلم بن قتيبة: لا تتم مروة الرجل، حتى يصبر على مناجاة الشيوخ الدرد. وسأل ابن زياد رجلاً من الدهاقين: ما المروة فيكم؟ قال: أربع خصال: أن يعتزل الرجل الريبة فلا يكون في شيء منها، فإنه إذا كان مريباً كان ذليلاً، وأن يصلح ماله، فإن من أفسد ماله لم تكن له مروة، وأن يقوم لأهله بما يحتاجون إليه، حتى يستغنوا به عن غيره، فإن من احتاج أهله إلى الناس لم تكن له مروة، وأن ينظر فيما يوافقه من الطعام والشراب فيلزمه، فإن المروة ألا يخلط على نفسه في مطعمه ولا مشربه. وكان يقال: ثلاث من المروة: تعاهد الرجل إخوانه، وإصلاح معيشته، وإقالته في منزله. وسئل العتابي عن المروة، فقال: إخفاء ما لا يستحيا من إظهاره، ومواطأة القلب اللسان. ويروى عن عبد الله بن بكر السهمي أن عبد الملك بن مروان دخل على معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فجلس ملياً، ثم انصرف، فقال معاوية: ما أكمل مروة هذا الفتى وأخلقه أن يبلغ. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين إن هذا أخذ بخلائق أربع، وترك ثلاثاً: أخذ بأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر المؤونة إذا خولف، وبأحسن البشر إذا لقي، وترك مزاح من لا يوثق بعقله ولا دينه، وترك مخالفة لئام الناس، وترك من الكلام ما يعتذر منه.

стр. 41

فهذه جملة شرائع المروة، لا يقدر على القيام بأدنى المفترض فيها إلا ذوو العقول الفاضلة، والآداب الكاملة. واعلم أن من المروة أيضاً عشر خصال: لا مروة لمن لم يكن فيه الحلم، والحياء، وصدق اللهجة، وترك الغيبة، وحسن الخلق، والعفو عند المقدرة، وبذل المعروف، وإنجاز الوعد. وفي تبيينهن أخبار تحث على استعمالهن، وآثار تدعو إلى المثابرة عليهن، وأنا ذاكر بعض ذلك، إن شاء الله، وبه القوة. ما جاء من فضل الصدق لذوي الآداب وما كُرِه من الكذب لذوي الألباب روي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: لا يصلح الكذب في جد، ولا هزل. وقال أبو بكر الصديق، ﵁: إذا كذب العبد تباعد الملك منه ميلاً لنتن ما جاء منه. وقال: لسان الصدق خير للمرء من المال يأكله ويورثه. وقال المهلب بن أبي صفرة: ما السيف الصارم في يد الرجل الشجاع بأعز له من الصدق. وكان يقال: الصدق قوة، والكذب عجز. أنشدني بعض الأدباء: لا يكذب المرء إلا من مهانته، ... أو عادة السوء أو من قلة الأدب لجيفة الكلب عندي خير رائحة ... من كذبة المرء في جد وفي لعب وكان يقال: لا رأي لكذوب ولا مروة لكذاب. ويقال: لا تستعن بكذاب، فإنه يقرب لك البعيد ويباعد لك القريب. وأنشدني آخر: وكن صادقاً في كل شيء تقوله، ... ولا تك كذاباً، فتدعى منافقا

стр. 42

وقال آخر: الكذب عار، وخير القول أصدقه، ... والحق ما مسه من باطل زهقاً وأنشدني غيره: الصدق منجاة لمن هو صادق، ... وترى الكذوب بما يقول يوبخ وقال أبو العتاهية: كن في أمورك ساكناً، ... فالمرء يدرك في سكونه واعمد إلى صدق الحدي ... ث، فإنه أزكى فنونه رب امرئ متيقن ... غلب الشقاء على يقينه وحدثني بعض شيوخ الكتاب قال: حدثني علي بن هشام قال: قال لي محمد بن الجهم ذات يوم: يا أبا الحسن، الكذاب والموات بمنزلة واحدة. قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأن علامة الحي النطق، ومن لم يوثق بنطقه، فقد بطلت حياته. والذي جاء في ذلك يطول شرحه، ويكثر وصفه، والكلام فيه يتسع، وأنا أفرد لهذا الباب كتاباً، وأرصفه أبواباً أبين فيه فضل الصدق على الكذب، ليرغب فيه ذوو المروة والأدب، إن شاء الله تعالى. وأما ما جاء في إنجاز العدات عن ذوي الأخطار والمروات، فكثير يكثر عدده ويطول أمده. وقد شرحت لك بعض ذلك لتقف عليه، إن شاء الله تعالى.

стр. 43

ما جاء في قبح خلف المواعيد وما يلحق صاحبّه من اللّوم والتفنيد اعلم أن أقبح ما استعمله أهل الأدب مطل العدات. وقال المثنى ابن خارجة: لأن أموت عطشاً أحب إلي من أن أخلف موعداً. وروينا عن النبي، ﷺ ، أنه قال: ثلاث علامات في المنافق، وإن صام وصلى، وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف. وروي عنه أنه قال: عدة المؤمن أخذ بالكف. وقال بعض الأعراب: وعد الكريم تعجيل، ووعد اللئيم مطلٌ وتسويف. وكان يقال: اليأس إحدى الراحتين. وأنشدني يعقوب بن يزيد التمار: متى ما أقل يوماً لطالب حاجة: ... نعم، يا فتى، أفعل، وذلك من شكلي وإن قلت: لا، بينتها من مكانها، ... ولم أوذه فيها بجر، ولا مطل وأنشدني آخر: إذا قلت في شيء نعم فأتمه ... فإن نعم دين على الحر واجب وإلا فقل: لا استراح وأرح بها ... لكي لا يقول الناس إنك كاذب وأنشدني آخر: لا تقولن، إذا ما لم ترد ... أن يتم الوعد في شيء نعم وإذا قلت: نعم، فامض بها ... بنجاح الوعد إن الخلف ذم وأنشدني إبراهيم بن محمد النحوي: أنت الفتى كل الفتى، ... لو كنت تفعل ما تقول لا خير في كذب الجوا ... د وحبذا صدق البخيل

стр. 44

وكان يقال: اعتذار من منع أجمل من وعد ممطول. وقال علي بن هشام: أمرني المأمون بحاجة، فأخرتها، فكتب إلي: تعجيل جود المرء أكرومة، ... تنشر عنه أحسن الذكر والحر لا يمطل معروفه، ... ولا يليق المطل بالحر وكان يقال: المعروف يحتاج إلى ثلاث: تعجيله وكتمانه وإتمامه. وأنشدنا ليزيد بن جبل: يا صانع المعروف كن تاركاً ... ترداد ذي الحاجة في حاجته فشرُّ معروفك ممطوله، ... وخيره ما كان من ساعته لكل شيء يُرتجى آفة، ... وحسبك المعروف من آفته وقال آخر: صل من أردت وصاله، وإخاءه، ... إن الأخوة خيرها موصولها وإذا ضمنت لصاحب لك حاجة، ... فاعلم بأن تمامها تعجيلها وقال آخر: لا تنشرن مواعيداً، وتسندها ... إلى المطال، فما يرضى به الأدب لا تطلبن بمنع المال محمدة ... إن المحامد بالأموال تكتسب وكان يقال: لكل شيء آفة، وآفة المعروف المطل. وقال عمر بن الخطاب، ﵁: لكل شيء رأس ورأس المعروف تعجيله. وفي وصية عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بني، لا تعدوا الناس بما لا تناله أيديكم.

стр. 45

ويقال: إذا وعدت الرجل نائلاً ثم مطلته به، فقد أوفاك ثمن معروفك عنده. وأنشدونا لدعبل بن علي الخزاعي: إياك والمطل أن تفارقه، ... فإنه آفة لكل يد إذا مطلت امرأً بحاجته، ... فامض على مطله ولا تجد فلست تلقاه شاكراً ليدٍ، ... قد كدها المطل، آخر الأبد وللفقيمي أيضاً في مثله: ما كلف الله نفساً فوق طاقتها، ... ولا تجود يد إلا بما تجد فلا تعد عدة إلا وفيت بها، ... ولا تكونن مخلافاً لما تعد ولدعبل أيضاً في مثله: وأرى النوال يزينه تعجيله، ... والمطل آفة نائل الوهاب وكان يقال: بذل جاه السائل ثمن معروف المساءل. وقال أكثم بن صيفي: السؤال وإن قل ثمن لكل معروف وإن جل. أنشدني محمد بن إبراهيم الهمداني لعلي بن ثابت الكاتب: ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... بذلاً، ولو نال الغنى بسؤال وإذا السؤال مع النوال وزنته، ... رجح السؤال، وخف كل نوال وقال بعض الحكماء: أحي معروفك بإماتة ذكره، وعظمه بتصغيرك له. أنشدني أبو العباس ثعلب لأبي يعقوب الخريمي: زاد معروفك عندي عظماً، ... أنه عندك مستور حقير وتناساه كأن لم تأته، ... وهو عند الناس مشهور كبير

стр. 46

وقال عدي بن حاتم: لا يصلح المعروف إلا بثلاث: تعجيله، وكتمانه، وتصغيره، لأنك إذا عجلته هنَّيته، وإذا كتمته استهنته، وإذا صغرته عظمته. وشرح كل ما جاء في ذلك يطول والاختصار أحسن من الإكثار، وقد ذكرت معنى هذا الباب مع ما يلائمه من الأخبار في كتاب لطيف التأليف والاختصار، هو كتاب البث والحث، غنينا بما فيه عن الزيادة، وعن التطويل والإعادة، ونحن نتتبع هذا الباب بما ضمنّاه من الحث على كتمان السر ليرغب فيه ذوو الأدب والقدرة، إن شاء الله تعالى. الحث على كتمان السر والترغيب في حفظ ما حنّت عليه ضلوع الصدّر روي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: استعينوا على حوائجكم بكتمان السرّ. وكان يقال: سرّك من دمك، فانظر أين تجعله. وكان يقال: ما كتمته من عدوك، فلا تطلع عليه صديقك. وقال المهلب بن أبي صفرة: من ضاق قلبه اتسع لسانه. وأنشدني أحمد ابن يحيى لقيس بن الحُدادية الخزاعي: بكت من حديث نمّه، وأشاعه، ... ولفقه واش من القوم واضع بكت عين من أبكاك لا يشجك البكا ... ولا تتخالجك الأمور النوازع ولا تسمعي سرّي وسرّك ثالثاً، ... ألا كل سر جاوز اثنين ضائع وأنشدني لبعض الطالبيين:

стр. 47

أكافي خليلي ما استقام بوده، ... وأمنحه ودي، إذا يتعتب ولست ببادي صاحبي بقطيعة، ... ولا أنا مفش سره، حين أغضب عليك بإخوان الثقات، فإنهم ... قليل، فصلهم دون من كنت تصحب وما الخدن إلا من صفا لك وده، ... ومن هو ذو نصح، وأنت مغيب إذا ما وضعت السر عند مُضيِّع، ... فذو السر ممن ضيّع السّرّ أذنب وقال معاوية بن أبي سفيان: الحازم من كتم سره من صديقه مخافة أن تبدَّل صداقته عداوة، فيذيع سره. وقال بعض الشعراء: تواقف معشوقين من غير موعد ... وغيب عن نجواهما كل كاشح وكلّت جفون الماء عن حمل مائها، ... فما ملكت فيض الدموع السوافح وإني لأطوي السرّ عن كل صاحب، ... وإن كان للأسرار عدل الجوانح وكتب عبد الملك بن مروان ببعض سره إلى الحجاج بن يوسف، ففشا، حتى بلغه ذلك، فكتب إليه عبد الملك يعاتبه، فكتب إليه: والله، يا أمير المؤمنين، ما أخبرت به إلا إنساناً واحداً. فكتب إليه عبد الملك: إن لكل إنسان نصيحاً يفشي إليه سره. وقال بعض الشعراء في ذلك: ألم ترَ أن وشاة الرجا ... ل لا يتركون أديماً صحيحاً فلا تفش سرك إلا إليك، ... فإن لكل نصيح نصيحا وقال آخر:

стр. 48

إذ أنت لم تحفظ لنفسك سرها، ... فسرك عند الناس أفشى وأضيع وقال آخر: أمت السر بكتمان، ولا ... يبدون منك إذا استودعت سرّ فإذا ضقت به ذرعاً فلا ... تجعلن سرك إلا عند حرّ وقيل لأعرابي استودع سراً فكتمه: أفهمت؟ قال: لا، بل نسيت. وأخبرني أحمد بن عبيد قال: أخبرني ابن الأعرابي قال: قيل لأعرابي: كيف كتمانك السر؟ فقال: أجحد المخبر، وأحلف للمستخبر. وقيل لأعرابي: كيف حفظك للسر؟ فقال: أنا لحده. ومما استحسنته في كتمان السر قول كثُير: أتى دون ما تخشون من بث سركم ... أخو ثقة، سهل الخلائق، أروع ضنين ببذل السر، سمح بغيره، ... أخو ثقة، عفُّ الوصال، سميدع أبى أن يبث، الدهر، ما عاش، سركم ... سليماً، وما دامت له الشمس تطلع وله أيضاً: كريم يميت السر، حتى كأنه، ... إذا استنطقوه عن حديثك، جاهله رعى سركم في مضمر القلب والحشا، ... شفيق عليكم، لا تخاف غوائله وأكتم نفسي بعض سري تكرماً، ... إذا ما أضاع السر في الناس حامله وقول صاحبه أيضاً: لعمري ما استودعت سري وسرها ... سوانا، حذاراً أن تشيع السرائر ولا خاطبتها مقلتاي بنظرة، ... فتعلم نجوانا العيون النواظر

стр. 49

ولكن جعلت اللحظ بيني وبينها ... رسولاً، فأدى ما تجن الضمائر ومنه قول الآخر: ليهنك مني أنني غير مظهر ... هواك، ولو أشرفت منه على نحبي ولو أن خلقاً كاتم الحب قلبه ... لمتُّ، ولم يعلم بحبكم قلبي وقال آخر: لو أن امرأً أخفى الهوى عن ضميره، ... لمتُّ، ولم يعلم بذاك ضمير ولكن سألقى الله، والقلب لم يبح ... بسرّك، والواشون عنك كثير وقال العباس بن الأحنف: أيا من سروري به شقوة، ... ومن صفو عيشي به أكدر تجنيت تطلب ما أستحق ... به الهجر، هيهات لا يقدر وماذا يضرك من شهرتي، ... إذا كان سرّك لا يشهر أمني يُخاف انتشار الحديث، ... وحظي في صونه أكثر ولو لم يكن فيه بقيا عليك، ... نظرت لنفسي، كما تنظر وأنشدني لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر: ومؤتمن بالحزم في كل أمره، ... وأسراره منه بحيث المقاتل فلا سره عن ساحة الصدر نازح، ... ولا هو عن سرٍّ تعداه سائل ولغيره في مثله: فلنقل الجبال أهون من بث ... حديث حنت عليه الضلوع فلك الله أنني لك راعٍ، ... ما بدا كوكب، وبرق لموع

стр. 50

وأنشدني أحمد بن عبد الله قال: أنشدني ابن الكلبي لابن أمينة: وإني على السر الذي هو داخل، ... إذا باح أصحاب الهوى، لضموم وإني ما استودعت، يا أم مالك، ... على قدم من عهدنا، لكتوم وقال أبو الطيب: الضموم: الممسك، وكذلك الزميت أيضاً. وقال آخر: وحاجة دون أخرى قد شجيت بها، ... خلفتها للذي أخفيت عنوانا إني كأني أرى من لا حياء له، ... ولا أمانة، وسط الناس، عريانا وأنشدني أحمد بن يحيى بن الخطيم: وإن ضيع الأحرار سراً، فإنني ... كتوم لأسرار العشير، أمين يكون له عندي إذا ما ضمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين وقال بشار بن برد المرعث: أبكي الذين أذاقوني مودتهم، ... حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا لأخرجن من الدنيا وسرهم ... بين الجوانح، لم يعلم به أحد وأحسن، والله، الذي يقول: يأبى لي الذم أخلاق ومكرمة ... مني، وأذن عن الفحشاء صماء والنجم أقرب من سري إذا اشتملت ... مني على السر أضلاع وأحشاء والذي قيل في ذلك كثير جداً يطول به الخطب ويتسع فيه القول. وليس قصدنا في كتابنا هذا المعنى، وإنما تقدمنا بذكر ما شرحناه ونعت ما وصفناه، لأنه لا بد للظريف من استعمال كل ما ذكرناه من حدود الأدب وشرائع المروة، واعلم أن مذهبنا في هذا المتاب إلى معنى صفة الظرف، وما يجب على

стр. 51

الظريف استعماله، وذكر ما يجب عليه تركه، وما اخترعنا في كتابنا هذا علماً من عند أنفسنا، يجب لنا به الامتحان، ولا يلحقنا فيه عيب من عاب، إن عاب، ولا على أنه لا يطلب لفظه، ولا يمتنع عند معايبهم إلا معيب. وأنشدنا أحمد بن يحيى قال: أنشدني ابن السكيت: رب غريب ناصح الجيب، ... وابن أب متهم الغيب ورب عيّاب له منظر ... مشتمل منه على العيب ولكنا ألفناه وجمعناه من أقاويل جماعة من الظرفاء والمتظرفات، وأهل الأدب والمروات، سمعناهم، ورأيناهم يتكلمون به، ويستعملونه، فأحببنا أن نجمع ذلك، ونجعله لهواً لمن أراد سماعه، وعلماً لمن أراد اتباعه، وهدياً لمن أراد رشده، ومناراً لمن أراد قصده، وطيباً لمن أراد شمّه، وأدباً لمن أراد فهمه. وكتابنا هذا روضة تتنزه فيها العقول، وعقود جوهر زينتها الفصول، إذ لم نخله من أخبار طريفة، وأشعار ظريفة، وأشياء نمت إلينا من زي ظرفاء الناس في الطعام، والشراب، والعطر، واللباس، ومذهبهم فيما اجتنبوه من ذميم الأفعال، واستحسنوه من جميل الشيم والأخلاق، وسأشرح ذلك وأبينه باباً باباً لتقف عليه، إن شاء الله. سنن الظرف اعلم أن عماد الظرف، عند الظرفاء وأهل المعرفة والأدباء، حفظ الجوار، والوفاء بالذمار، والأنفة من العار، وطلب السلامة من الأوزار، ولن يكون الظريف ظريفاً، حتى تجتمع فيه خصال أربع: الفصاحة، والبلاغة، والعفة، والنزاهة.

стр. 52

وسألت بعض الظرفاء عن الظرف فقال: التودد إلى الإخوان، وكف الأذى عن الجيران. وقال آخر: الظرف ظلف النفس، وسخاء الكف، وعفة الفرج. وأخبرني أحمد بن عبيد قال: قال الأصمعي وابن الأعرابي: لا يكون الظرف إلا في اللسان. يقال: فلان ظريف، أي هو بليغ، جيد المنطق، ومنه حديث عمر بن الخطاب، ﵁: إذا كان اللص ظريفاً لم يقطع أي لأنه يكون له لسان فيحتج به، فيدفع عن نفسه. قال: وروي عن محمد بن سيرين أنه قال: الظرف مشتق من الفطنة. وقال غيره: الظرف حسن الوجه والهيئة. وقال بعض المشيخة: الظريف الذي قد تأدب، وأخذ من كل العلوم، فصار وعاءً لها، فهو ظرف. وقال أحمد بن عبيد: معناه أنه يعي أدباً وعلماً، كما يعي ظرف الشيء ما يكون فيه، ولذلك معنى: إذا كان اللص ظريفاً لم يقطع، إذا كان واعياً للعلم لم يسرق إلا بتأول، كما فعل الشعبي، وقد دخل بيت المال، فأخذ منه دراهم، وإنما أراد به التأول لما له فيه من الحق. وسألت بعض متظرفات القصور عن الظرف، فقالت: من كان فصيحاً عفيفاً كان عندنا متكاملاً ظريفاً، ومن كان غنياً عاهراً كان ناقصاً فاجراً. وقال بعض الأدباء: الظرف ظلف النفس، ورقة الطبع، وصدق اللهجة، وكتمان السر. وسألت بعض الظرفاء فقال: الظرف في أربع خصال: الحياء، والكرم، والعفة، والورع؛

стр. 53

وأنشدني أبو عبد الله الواسطي لنفسه في هذا المعنى: ليس الظريف بكامل في ظرفه، ... حتى يكون عن الحرام عفيفا فإذا تورع عن محارم ربه، ... فهناك يدعوه الأنام ظريفا ومثله لبعض المتأدبين: إن أكن طامح اللِّحاظ، فإني، ... والذي يملك العباد، عفيف ليس ظرف الظريف بالنفس لكن ... كل ذي عفة، فذاك ظريف ابنة عبد الملك والمحبوس وخبرت أن عبد الملك بن مروان وجد على بعض عماله فقيده وحبسه في داره، فأشرفت عليه ابنة لعبد الملك، فنظر إليها، فأنشأت تقول: أيها الرامي بالطر ... ف، وفي الطرف الحتوف إن ترد وصلاً فقد أم ... كنك الظبي الألوف فأجابها الفتى، فقال: إن تريني زاني العي ... نين، فالفرج عفيف ليس إلا النظر الفا ... تن، والشعر الظريف فأجابته الجارية: قد أردناك على أن ... تعتنق ظبياً ألوفا فتأبيت، فلا زل ... ت لقيديك حليفا فذاع الشعر، وبلغ عبد الملك، فدعا به فزوجه إياها، ودفعها إليه. عبد الله القس وسلامة واجتاز عبد الله بن عبد الرحمن، الذي كان يعرف بالقس لعبادته،

стр. 54

بسلامة المغنية، التي صارت إلى يزيد بن عبد الملك، فسمعها وهي تغني، فوقف يستمع غناءها، فأدخله مولاها عليها، فوقعت في قلبه، ووقع بقلبها، فقالت له يوماً، وقد خلا مجلسهما: أنا، والله، أحبك. فقال: وأنا، والله، أحبك. قالت: فأنا، والله، أشتهي أن أضع فمي على فمك وألصق صدري بصدرك وأضمك إليَّ وتضمني إليك. قال: وأنا، والله، أشتهي ذلك. قالت: فما يمنعك من ذلك؟ فوالله إن الموضع لخالٍ، وما بقربنا أحد. فقال: ويحك إني سمعت الله يقول: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين فأنا أكره أن تكون خلتي لك في الدنيا منقطعة في الآخرة. ثم وثب، فانصرف. علي بن أبي طالب والمؤذن وكان لعلي بن أبي طالب، ﵇، جارية تدخل وتخرج، وكان له مؤذن شاب، فكان إذا نظر إليها قال لها: أنا، والله، أحبك، فلما طال ذلك عليها أتت علياً، ﵇، فأخبرته، فقال لها: إذا قال لك ذلك، فقولي: أنا، والله، أحبك، فمه. فأعاد عليها الفتى قوله، فقالت له: وأنا، والله، أحبك، فمه. فقال: تصبرين ونصبر، حتى يوفينا من يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب. فأعلمت علياً، ﵇، فدعا به فزوجه منها، ودفعها إليه. وأنشدني أبو عبد الله الواسطي لنفسه في هذا المعنى: كم قد ظفرت بمن أهوى، فيمنعني ... منه الحياء، وخوف الله، والحذر وكم خلوت بمن أهوى، فيقنعني ... منه الفكاهة، والتحديث، والنظر أهوى الملاح، وأهوى أن أجالسهم، ... وليس لي في حرام منهم وطر كذلك الحب لا إتيان معصية، ... لا خير في لذة من بعدها سقر

стр. 55

ومثل ذلك قول الآخر: تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام، ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء من مغبتها، ... لا خير في لذة من بعدها النار ومما أستحسنه في العفة، أيضاً، ما أنشدنيه أحمد بن يحيى ثعلب لبعض نساء العرب: وبتنا خلاف الحي لا نحن منهم، ... ولا نحن بالأعداء مختلطان وبتنا يقينا ساقط الطل والندى، ... من الليل، بردا يمنة عطران نذود بذكر الله عنا من الصبى، ... إذا كاد قلبانا بنا يردان ونصدر عن ري العفاف، وربما ... نفينا غليل النفس بالرشفان وأنشدني أحمد بن يحيى ثعلب: أحبك لا من ريبة كان بيننا، ... ولا نسب بيني وبينك شابك أحبك إن خبرت أنك فارك، ... لعمري إني مولع بالفوارك أحب فتاة أن تشاغب زوجها، ... وإن لم أنل من وصلها غير ذلك قال أبو الطيب: الفارك المبغضة لزوجها، يقال: قد فركت المرأة زوجها، تفركه، إذا أبغضته، وهي فارك، والرجل مفروك. ومثله قول الحسين بن مطير: أحبك يا سلمى، على غير ريبة، ... وما خير حب لا تعف سرائره ومثله أيضاً قول الآخر: أتأذنون لصبٍَ في زيارتكم، ... فعندكم شهوات السمع والبصر لا يفعل السوء إن طال الجلوس به، ... عفُّ الضمير، ولكن فاسق النظر

стр. 56

وقال محمود الوراق: إني أحبك حباً لا لفاحشة، ... والحب ليس به في الله من باس وأنشدني بعض الأدباء قال: أنشدني أعرابي ببلاد نجد: ويوم كإبهام الحبارى قطعته ... بمقمعة، والقوم فيهم تحرف إذا ما هممنا صد زي نفوسنا، ... كما صد من بعد التهمم يوسف قال أبو الطيب: قوله كإبهام الحبارى، يريد نهاية ما يكون من القصر وأنشدني آخر: ما الحب إلا قبلٌ، ... وغمزُ كف، وعضد أو كتب فيها رقى، ... أنفذ من نفث العقد ما الحب إلا هكذا، ... إن نكح الحب فسد من لم يكن ذا عفة، ... فإنما يبغي الولد ومن ذلك قول بثينة لجميل، وقد قال لها: هل لك يا بثينة أن نحقق قول الناس فينا؟ فقالت له: مه، دع حبنا مكانه، إن الحب إذا نكح فسد. عبد الملك بن مروان وبثينة ودخلت بثينة على عبد الملك بن مروان فقال لها: والله يا بثينة ما أرى فيك شيئاً مما كان يقول جميل. قالت: يا أمير المؤمنين، إنه كان يرنو إليَّ بعينين ليستا في رأسك. قال: وكيف صادفته في عفته؟ قالت: كما وصف نفسه حيث يقول: لا والذي تسجد الجباه له ... ما لي بما دون ثوبها خبر ولا بفيها، ولا هممت بها ... ما كان إلا الحديث، والنظر

стр. 57

وقيل لأعرابي: هل زينت قط؟ قال: معاذ الله إنما هما اثنتان إما حرة آنف لها من فسادها، وإما أمة آنف لنفسي من فسادي إياها. جميل في يومه الأخير وروى عن ابن سهل بن سعد الساعدي قال: دخلت على جميل بن معمر العذري، وهو عليل، وإني لأرى آثار الموت على وجهه، فقال: يا ابن سهل! أتقول إن رجلاً يلقى الله لم يسفك دماً حراماً، ولم يشرب خمراً، ولم يأت بفاحشة، أترجو له الجنة؟ قلت: إي والله، فمن هو؟ قال: إني لأرجو أن أكون أنا ذلك الرجل. قلت: بعد زيارتك بثينة وما تحدث به عنكما؟ فقال: والله إني لفي يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، ولا أنالتني شفاعة محمد، ﷺ ، إن كنت حدثت نفسي فيها بريبة قط. قال: فما انقضى يومه حتى مات. عمر بن أبي ربيع وامرأة من ربيعة وقال الأصمعي: كان عمر بن أبي ربيعة وابن أبي عتيق جالسين بفناء الكعبة، فمرت بهما امرأة من ربيعة، وقيل من آل أبي سفيان، فدعا عمر بكتف، فكتب فيها: ألما بذات الخال، فاستطلعا لنا ... على العهد باق ودها أم تصرما وقولا لها: إن النوى أجنبية ... بنا وبكم، قد خفت أن تتيمما فقال له ابن أبي عتيق: ما تريد إلى امرأة مسلمة محرمة تكتب إليها بمثل هذا؟ فقال: أترى ما سيرت في الناس من الشعر، ورب هذه البنية ما قبل منها وما دبر، ما قولت امرأة قط ما لم تقله، ولا طالعت فرج حرام قط. وقيل لكثير عزة: هل نلت من عزة شيئاً طول مدتك؟ فقال: لا والله،

стр. 58

إلا أنه ربما كان يشتد بي الأمر، فآخذ يدها، فأضعها على جبيني فأجد لذلك راحة. الأعرابي المتعفف وقال أعرابي، وخلا بامرأة كان يتعشقها: ما زال القمر يرينها، فلما غاب أرتينه، قيل: فما كان بينكما؟ قال: أقصى ما أحل الله وأدنى ما حرم الله ، إشارة في غير باس، ودنو في غير مساس، وأنشأ يقول: ولرب لذة ليلة قد نلتها، ... وحرامها بحلالها مدفوع الأعرابي العاشق قال أعرابي من فزاراة: عشقت جارية من الحي، فحادثتها سنين كثيرة، والله ما حدثت نفسي بريبة قط، سوى أن خلوت بها، فرأيت بياض كفها في سواد الليل، فوضعت كفي على كفها، فقالت: مه! لا تفسد ما صلح. فارفض جبيني عرقاً، ولم أعد. تعريف الظرف واعلم أن الظرف ليس بمستغنى عنه، ولا هو مما يخل منه، ولا يعنف فيه صاحبه، ولا يفند عليه طالبه، بل هو أنبل ما استعمله العلماء وصبا إليه الأدباء وتزينوا به عند أودائهم، وتحلوا به عند أخلائهم، وربما تكلفه قوم ليس من أهله فظرف، وعاناه فلطف، وأنه من المطبوعين أحسن منه من المتكلفين، وللمتكلف علامات تظهر في حركاته وتبين في لحظاته، لا يسترها بتصنعه، ولا تتغيب بتستره، وإن المطبوع على الظرف ليشهد له القلب، عند معاينته، بحلاوته، وتسكن النفس عند لقائه إلى مجالسته، وتصبو إلى محادثته، وترتاح إلى مشاهدته، وهو بين في شمائله، ظاهر في خلائقه،

стр. 59

بين في منطقه، غير مستتر عند صمته، دلائله واضحة في مشيته وزيه ولفظه، يستدل عليه بظاهر حركة الملاحة دون اختبار باطن الحلاوة، ألا ترى أن من زيهم التقزز، والنظافة، والملاحة واللطافة، وإظهار البزة، وطيب الرائحة، فالنفوس إليهم تائقة، والقلوب وامقة، والعيون رامقة، والأرواح عاشقة. وإن من زيهم الوقار، والخشوع، والسكون، والخضوع، والتصنع بالأخلاق الوضية، والشيم السنية، والمذاهب الجميلة، والهمم الجليلة. ومما يستدل به على كمال أدبهم، ويعرف به رجحان هممهم، كثرة استعمالهم الهوى، وطول معاناتهم الجوى، وهو من أحسن مذاهبهم، وأجل مناقبهم. ولسنا نقول إن الهوى ليس بفرض على ذوي العقل، كما قال ذو التقصير والجهل، بل هو من أوكد الفرض عليهم، وأثبت الحجة للمتفرس الناظر إليهم على حسن تركيب الطباع والغرائز، وصفاء جواهر الهمم والنحائز، إذ هو عند ذوي العلوم والأحكام من أجمل مذاهب الأدباء والكرام، وقال محمود الوراق في ذلك، إذ كان الحب عنده كذلك: ألم تعلم، فداك أبي وأمي، ... بأن الحب من شيم الكرام وليس يخلو أديب من هوى، ولا يعرى من ضنىً، لأن الهوى كما وصفته العلماء، وكما قال فيه الحكماء، إنه هو أول باب تفتق به الأذهان، وينفسح به الجنان، وله سورة في القلب يحيا بها اللب، وقد يشجع الجبان، ويسخي البخيل، ويطلق لسان العي، ويقوي حزم العاجز، ليأنس به

стр. 60

الجليس، ويمتنع به الأنيس، ويذل له العزيز، ويخضع له المتجبر، ويبرز له كل محتجب، وينقاد له كل ممتنع، وهو أمير مطاع، وقائد متبع، وليس بأديب عندهم من خرج من حدّ الهوى. وقد قال الأحوص بن محمد الأنصاري: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى، ... فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا هل العيش إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان، وفندا مجنون ليلى واجتاز رجل بمجنون بني عامر، وهو يخوض سور الحوض، فقال له: ما بك يا فتى؟ ولم يعرفه، فأنشأ يقول: بي اليأس، أو داء الهيام أصابني، ... فإياك عني لا يكن بك ما بيا قال أبو الطيب: الهيام داء يأخذ الإبل، وتشرب الماء ولا تروى. ويقال للإبل التي يُصيبها ذلك الهيم. قال الله جل ثناؤه: فشاربون شرب الهيم، فعرفه، فقال: أعاشق أنت؟ قال: نعم، وأنشأ يقول: إذا أنت لم تعشق فتصبح هائماً، ... ولم تك معشوقاً، فأنت حمار وقال: الحب أول ما يكون لجاجة، ... تأتي به، وتسوقه الأقدار لا بأس بالعشق وروينا عن الهزنادي عن هشام عن ابن سيرين قال: كانوا لا يرون بالعشق بأساً في غير ريبة. وقيل لبعض البصريين: إن ابنك قد عشق، فقال: وما بأس به، إنه إذا عشق نظف وظرف ولطف. وقيل لبعض العرب: متى يكون الفتى بليغاً؟ قال: إذا وصف هوىً حياً.

стр. 61

وأنشدني بعض الأدباء: وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى، ... وما خير فيمن لا يحب ويعشق وقال آخر: وما تلفت إلا من العشق مهجتي، ... وهل طاب عيش لامرئ غير عاشق وقال آخر: وما خير في الدنيا، إذا أنت لم تزر ... حبيباً، ولم يطرب إليك حبيب وقال آخر: وما سرني أني خلي من الهوى، ... ولا أن لي ما بين شرق إلى غرب علامات الهوى واعلم أن أول علامات الهوى على ذي الأدب نحول الجسم، وطول السقم، واصفرار اللون، وقلة النوم، وخشوع النظر، وإدمان الفكر، وسرعة الدموع، وإظهار الخشوع، وكثرة الأنين، وإعلان الحنين، وانسكاب العبرات، وتتابع الزفرات، ولن يخفى المحب، وإن تستر، ولا ينكتم هواه، وإن تصبر، ولن يغبى ادعاء أنه قد قارن العشق والهوى، لأن علامات الهوى نائرة، وآيات الادعاء ظاهرة. وقد قال الأحوص الأنصاري: ما عالج الناس مثل الحب من سقم ... ولا برى مثله عظماً، ولا جسدا ما يلبث الحب أن تبدو شواهده ... من المحب وإن لم يبده أبداً وقال آخر: ما يعرف الحزن إلا كل من عشقا ... وليس من قال إني عاشق صدقا للعاشقين نحول يعرفون به، ... من طول ما حالفوا الأحزان والأرقا

стр. 62

وحدثت عن الزبير بن بكار قال: رأيت رجلاً بناحية الثغر عليه أثر ذلة وخضوع، واستكانة وخشوع، كان يكثر التنفس، ويخفي السكوت، ويبدي الأنين، وحركات المحب لا تخفى في شمائله، ولا يسترها بتصاونه، فسألته في بعض أيامه، وقد خلوت به، عن حاله، فكان جوابه، وقد تحدرت الدموع من عينيه: أنا في أمري رشاد، ... بين غزو وجهاد بدني يغزو عدوي، ... والهوى يغزو فؤادي سكينة وابن أذينة وركبت سكينة ابنة الحسين بن علي ذات ليلة في جواريها، فمرت بعروة بن أذينة الليثي، وهو في فناء قصر ابن عيينة، فقالت لجواريها: من الشيخ؟ فقالوا: عروة. فعدلت إليه فقالت: يا أبا عامر! أنت تزعم أنك لم تعشق قط، وأنت تقول: قالت وأبثثتها وجدي، فبحت به: ... قد كنت عندي تحب الستر، فاستتر ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها: ... غطى هواك وما ألقى على بصري كل من ترى حولي من جواري أحرار إن كان خرج هذا الكلام من قلب سليم قط. فهذان قد كتما هواهما فنمت شواهد نجواهما، لأن من اغتمس في بحر الهوى نمت عليه شواهد الضنى؛ فأما أهل الدعاوى الباطلة الذين ليست أجسامهم بناحلة، ولا ألوانهم بحائلة، ولا عقولهم بذاهلة، فهم عند ذوي الفراسة يكذبون، وعند ذوي الظرف لصحتهم يوبخون. العباس بن الأحنف والجارية العاشقة وقد روي أن العباس بن الأحنف قال: بينا أنا بالطواف إذا بثلاث

стр. 63

جوار أتراب، فلما أبصرنني قلن: هذا العباس؛ ودنت إليَّ إحداهن، فقالت: يا عباس! أنت القائل: ماذا لقيت من الهوى وعذابه، ... طلعت عليَّ بلية من بابه قلت: نعم! قالت: كذبت، يا ابن الفاعلة، لو كنت كذاك كنت كأنا، ثم كشفت عن أشاجع معراة من اللحم، وأنشأت تقول: ولما شكوت الحب قالت: كذبتني، ... فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشا، ... وتخرس، حتى لا تجيب المنادي المأمون وعمه إبراهيم ودخل إبراهيم بن المهدي على أمير المؤمنين، وكان إبراهيم أثجل البطن، كثير اللحم والشحم، فقال له المأمون: بالله يا عمّ! عشقت قطّ؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، وأنا الساعة عاشق. قال: وأنت على هذه الجثة والشحم الكثير! ثم أنشأ المأمون يقول: وجه الذي يعشق معروف، ... لأنه أصفر منحوف ليس كمن أمسى له جثة، ... كأنه للذبح معلوف فأجابه إبراهيم بن المهدي: وقائل لست بالمحب، ولو ... كنت محباً لذبت من زمن فقلت قلبي مكاتم بدني ... حبي، فالحب فيه مختزن أحب قلبي، وما درى بدني، ... ولو درى ما أقام في السمن

стр. 64

هذان أيضاً قد ادعيا المحبة، ففضحهما شاهد النظر، ولم يجز ادعاؤهما على ذي المعرفة والبصر، وقول إبراهيم: أحب قلبي وما درى بدني محال، لا يعلق القلب، فيسلم الجسم، ولكنه لاستحيائه قد احتج بحجة ضعيفة؛ وأنشدني بعض المشيخة في مثل ذلك: وقائلة ما بال جسمك سالماً، ... وعهدي بأجسام المحبين تسقم فقلت لها: قلبي لجسمي لم يبح ... بحبي، فجسمي بالهوى ليس يعلم مدح الضمر وذم السمن فالعرب تمدح بالضمر وتذم بالسمن وتنسب أهل النحول إلى الأدب والمعرفة، وأهل السمن إلى الفدامة وقلة الفهم. وللفلاسفة والأطباء في ذلك قول يثبت ما ادعت العرب. وزعموا أن من غلب عليه البلغم عظم جسمه، وكثر شحمه ولحمه، وقلَّ فهمه، وطال سباته، وانعقد لسانه لغلبة البلغم على قلبه، واحتواء الرطوبة على لبه. ومن كان أغلب مزاجاته المرة خف جسمه، وقلّ لحمه وذاب شحمه وحسن ذهنه وصح فهمه، لأن النحول علامة المتفرسين، ودلالة المتوسمين، لا يكاد أن تخطئ فيه الفراسة، ولا تكذب فيه العيافة، لما أخبرتك من غلبة أحد المزاجين على صاحبه، وابتناء قراره في مركبه، وربما أنجب السمن وخاب الهزال، ولا يكون ذلك إلا في الفرد الشاذ من الرجال. ومن أمثال العرب في ذلك: البِطنة تذهب الفطنة. جميل بن معمر والبطين وروي أن جميل بن معمر العذري صحبه رجل من عذرة وكان بطيناً أكولاً، فجعل يشكو إليه هوى ابنة عم له، فأنشأ جميل يقول: وقد رابني من جعفر أن جعفراً ... ملح على قرص، ويشكو هوى جمل فلو كنت عذري الهوى لم تكن كذا ... بطيناً، وأنساك الهوى كثرة الأكل

стр. 65

كيف يكون العاشق ومن عشق عندهم، فلم ينحل جسمه، ولم يطل سقمه، ويتبين الخشوع في حركته، والذل في نغمته، نسبوه إلى فساد الطبع، ونقصان اللب، وبعد الفهم، وموت القلب. ومن ادعى المحبة، فلم ينحل، ولم يسهر، ولم يخشع، ولم يذل، ولم يخضع، ولم يحمل نفسه على الأمور المتعبة والشدائد الفظيعة، ويركب فيها المراكب الوعرة، ويتقدم على الأشياء المهولة والأهوال المخوفة التي يلاقي فيها الموت، ويعاين فيها الفوت، ويباشر فيها الهلكة، ويغرر فيها بالمهجة، ويصبر منها على حتفه، ويخاطر بنفسه، ويرد الموارد التي يلاقي فيها الموت ويشرف منها على مهول الأمر الذي فيه تلفه وحينه، وحتى يعصي في هواه الأقارب، ويعالج فيه العجائب، فيكون كما قال العرجي: كم قد عصيت إليك من متنصح، ... داني القرابة، أو وعيد أعادي وتنوفة أرمي بنفسي عرضها ... شوقاً إليك، بلا هداية هادي وكما قال سويد بن أبي كاهل: كم جشمنا دون سلمى مهمهاً، ... نازح الغور، إذا الآل لمع وكذاك الشوق ما أشجعه، ... يركب الهول، ويعصي من وزع فليس بعاشق عندهم، ولا يثبت له اسم الهوى، ولا يلحق بالظرفاء، ولا يعد في الأدباء، لأن الهوى عندهم في النحول، والذهول، والضنى، والعناء، والأرق، والقلق، والسهر، والفكر، والذل والخضوع والانكسار والخشوع وإدمان البكاء وقلة العزاء، وكثرة الأنين وطول الحنين، وليس بعاشق من خرج عن

стр. 66

هذه الصفات، وانتقل من هذه الحالات، أو وسيم بغير هذه العلامات، وعرف بغير هذه الدلالات. أنشدني بعض الأدباء: علامة من كان الهوى في فؤاده، ... إذا ما لقي أحبابه يتحيروا ويصفر لون الوجه بعد احمراره، ... فإن حركوه للكلام تشورا أنشدني أبو الحسن بن الرومي: أرى ماء، وبي عطش شديد، ... ولكن لا سبيل إلى الورود أما يكفيك أنك تملكيني، ... وأن الخلق كلهم عبيدي وأنك لو قطعت يدي ورجلي، ... لقلت، من الهوى: أحسنت، وزيدي المأمون ومخارق وحدثنا عن ابن مخارق عن أبيه قال: كنا عند المأمون يوماً فقام فدخل إلى حرمه، وخرج وعيناه تذرفان، فقال لي: يا مخارق تغنّ لي بهذين البيتين: سلام على من لم يطق عند بينه ... سلاماً، فأومى بالبنان المخضب فما اسطعت إلا بالبكاء جوابه، ... وذلك جهد المستهام المعذب فحفظتهما، وتغنيت بهما، فجعل يبكي، وينتحب في بكائه، ويزفر، ثم قال لنا: أتدرون ما قصتي؟ قلت: أمير المؤمنين أعلم، وإن شاء أعلمنا. قال: إني دخلت إلى بعض المقاصير، فرأيت جارية لي كنت أجد بها وجداً شديداً، وهي للموت، فسلمت عليها، فلم تطق رد السلام، فأشارت بإصبعها، فغلبتني العبرة وأرهقتني الزفرة، فخرجت من عندها، فحضرني هذان

стр. 67

البيتان من باب قصرها إلى باب مجلسي، ثم أمر برفع الشراب، فما رأيت يوماً أكدر منه. وأنشدت للمعتصم في بعض جواريه: أيا منقذ الغرقى أجرني من التي ... بها نهلت روحي سقاماً، وعلّت لقد بخلت، حتى لو أني سألتها ... قذى العين من سافي التراب لضنت وأنشدت للمتوكل في جارية له: أمازحها فتغضب ثم ترضى، ... وكل فعالها حسن جميل فإن تغضب فأحسن ذات دلٍ؛ ... وإن ترض، فليس لها عديل المتوكل وجاريته قبيحة حدثني أبو العباس بن الفضل الربيع قال: حدثني علي بن الجهم قال: حُمَّ المتوكل يوماً وكان ذلك بعقب شرٍ وقع بينه وبين قبيحة فرماها بمخدة، فغضبت، واحتجبت، فحمّ بعقب ذلك، ودخلنا عليه وإذا الفتح قائم، في يده قارورة فيها الماء، ويحيى بن ماسويه ينظر إليها، فقال: ليس أرى إلا ما أحب، فقلت: يا أمير المؤمنين أنشدك أبياتاً؟ فقال لي: أنشد. فأنشدته: تَنكر حال علتي الطبيب، ... فقال: أرى بجسمك ما يريب جسست العرق منك، فدلّ عندي ... على داء له شأن عجيب فما هذا الذي بك؟ هات قل لي، ... فكان جوابه مني النحيب فجسمي بالحبيب بلي سقاماً، ... وقلبي، يا طبيب، هو الكئيب فحرّك رأسه، ودنا إلي، ... وقال: الحب ليس له طبيب

стр. 68

فأعجبني تظرفه عليّ، ... فقلت: بلى، إذا رضي الحبيب فقال: هو الشفاء، فلا توان، ... فقلت: أجل، ولكن لا تجيب ألا هل مسعد يبكي لشجوي، ... فإني هاهنا أبداً غريب فضحك ودعا بالشراب، وشرب وشربنا معه، ووجه إلى قبيحة، فوقع الصلح بينهما وخرجت عندها رقعة بخطّ فضل الشاعرة: لأصبرنّ على ما بي من المضض، ... حتى أموت، ولا يشعر بي الناس ولا يقال شكا من كان يعشقه، ... إن الشكاة لمن يهوى هو الياس ولا أبوح بسر كنت أكتمه، ... عند الجليس، إذا ما دارت الكاس من اشتهروا بالعشق وأما من عشق من الشعراء فما يحصرهم عدد، ولا يحصيهم أحد. وقد عشق أكثر العرب، بل كلهم قد عشق، فمن المذكورين منهم المشتهرين بالصبوة والغزل: فقيس مجنون بني عامر عشق ليلى، وقيس بن ذريح عشق لبنى، وتوبة بن الحمير عشق ليلى الأخيلية، وكثير عشق عزة، وجميل بن معمر عشق بثينة، والمؤمل عشق الذَّلفاء، ومرقش عشق أسماء، ومرقش الأصغر عشق فاطمة بنت المنذر، وعروة بن حزام عشق عفراء، وعمرو بن عجلان عشق هند، وعلي بن أديم عشق منهلة، والمهذب عشق لذة، وذو الرمة عشق مية، وقابوس عشق منية، والمخبل السعدي عشق الميلاء، وحاتم طيء عشق ماوية، ووضاح اليمن عشق أم البنين، والغمر بن ضرار عشق جُمل، والنمر بن تولب عشق حمزة، وبدر عشق نعم، وشبيل عشق فالون، وبشر عشق هند، وعمرو عشق دعد، وعمر بن أبي ربيعة عشق الثريا، والأحوص عشق سلامة، وأسعد بن عمرو عشق ليلى بنت صيفي، ونصيب عشق زينب، وسحيم عبد بني الحسحاس عشق عميرة،

стр. 69

وعبيد الله بن قيس عشق كثيرة، وأبو العتاهية عشق عتبة، والعباس بن الأحنف عشق فوز، وأبو الشيص عشق أمامة. فهؤلاء قليل من كثير ممن عشق، وإنما اقتصرنا على ذكر بعضهم دون بعض ليقل به الخطاب ويحسن به الكتاب، ولكل واحد منهم سبب في حبه، وحديث في عشقه يطول شرحه، ويكثر وصفه، ونحن مفردون لأهل العشق كتاباً نذكر فيه أخبار المتيمين، وملح المتعشقين، وأشعار المتغزلين مع جملة من صفات الهوى في كتاب المقتفى، إن شاء الله تعالى. وقد شهر أيضاً بالصبوة والغزل جماعة من شعراء العرب، منهم: أبو كثير الهذلي، وأبو صخر الهذلي، وأبو دهبل الجمحي، وريسان العذري، والصمة بن عبد الله القشيري، وابن أذينة، وابن الدمينة، وابن الطثرية، وابن ميادة، والحسين بن مطير إلى آخرين، لا يحصيهم العدد، ولا يبلغهم الأمد، وقد ضرب في عروة بعشقه المثل، لأنه كان أطولهم صبوة، وأكثرهم في العشق كثرة. أنشدني أحمد بن يحيى لأبي وجزة السعدي: وفي عروة العذري، إن مت، أسوة، ... وعمرو بن عجلان الذي فتنت هند وبي مثل ما ماتا به غير أنني ... إلى أجل لم يأتني وقته بعد هل الحب إلا عبرة بعد زفرة، ... وحرٌّ على الأحشاء ليس له برد وفيض دموع العين بالليل كلما ... بدا علمٌ من أرضكم لم يكن يبدو

стр. 70

وقال كثير: وأصبحت مما أحدث الدهر خاشعاً، ... وكنت لريب الدهر لا أتخشع وعروة لم يلق الذي قد لقيته ... بعفراء، والنهدي ما أتفجع وقال جرير: هل أنت شافية قلباً يهيم بكم، ... لم يلق عروة من عفراء ما وجدا وقال أيضاً: بالعنبرية والنحيت أوانس ... قدن الهوى بتخلب وعذام هل لا نهينك أن قتلن مرقشاً ... أم ما صنعن بعروة بن حزام وقال الأحوص الأنصاري: لا شك أن الذي بي سوف يقتلني، ... إن كان أهلك حب قبله أحدا أحببتها، فوتغت الناس كلهم، ... يا رب لا تشفني من حبها أبدا لو قاس عروة والنهدي وجدهما، ... لكان وجدي بسعدى فوق ما وجدا وقال أيضاً: إذا جئت قالوا قد أتى، وتهامسوا، ... كأن لم يجد فيما مضى أحد وجدي فعروة سنَّ الحبَّ قبلي، إذ شقي ... بعفراء، والنهدي مات على هند وقال جميل بن معمر: وما وجدت وجدي بها أم واحد، ... ولا وجد النهدي وجدي على هند ولا وجد العذري عروة، إذ قضى ... كوجدي ولا من كان قبلي، ولا بعدي على أن من قد مات صادف راحة، ... وما لفؤادي من رواح ولا رشد

стр. 71

وقال مروان بن أبي حفصة: أردين عروة والمرقش قبله، ... وأخا بني نهد تركن قتيلا ولقد تركن أبا ذؤيب هائماً، ... ولقد قتلن كثيراً وجميلا وتركن لابن أبي ربيعة منطقاً، ... فيهن أصبح سائراً محمولا وأنشدني عمرو بن قنان لنفسه: إن الأولى ماتوا على دين الهوى ... وجدوا المنية منهلاً معسولا قيسٌ، وعمرو، والمرقش قبلهم، ... كانوا لتنزيل الهوى تأويلا ندبوا الطلول لأهلها، لا لأنهم ... عشقوا مغاني أربع وطلولا ولبعض المتأدبين: يا عذولي قد هويت فكفا، ... إنني بالهوى المميت رضيت مات قيس، وعروة، وجميل ... وأُراني بموتهم سأموت وقال جميل بن معمر: قد مات قبلي أخو نهدٍ وصاحبه ... مرقش واشتفى من عروة الكمد وكلهم كان في عشق منيته، ... وقد وجدت بها فوق الذي وجدوا إن لم تنلني بمعروف تجود به، ... أو يدفع الله عني الواحد الصمد وقد أحسنت، والله، امرأة من خثعم، إذ تقول: فأقسم أني قد وجدت بجحوش ... كما وجدت عفراء بابن حزام فما أنا إلا مثلها، غير أنني ... معلقة نفسي ليوم حمام وأحسن الذي يقول: عجبت لعروة العذري أضحى ... أحاديثاً لقوم بعد قوم وعروة مات موتاً مستريحاً، ... وكيف بميت في كل يوم

стр. 72

وبلغنا أن منهم من عشق صورة في حمَّام، وخيالاً في منام، وكفاً في حائط، ومثالاً في ثوب. والعشق ألوان وأنواع وضروب وفنون، وأمره عجيب. وقال بعض الشعراء: أبيت كأني للكواكب عاشق، ... فأكثر همي أن تزول الكواكب عجبت لما يلقى من العشق أهله، ... وفيما يلاقي العاشقون عجائب وبلغ العشق من عروة بن حزام أن أفرده ببلائه، وعذّبه بدائه، وآنسه بانفراده، وشرّده عن بلاده. موت عروة بن حزام وحكي عن ابن أبي عتيق قال: بينا أنا أسير في أرض بني عذرة، إذا أنا ببيت حرير، فدنوت منه، فإذا عجوز تمرض شاباً، وقد نهكته العلة، وبانت عليه الذلة، فسألتها عن خبره، فقالت: هذا عروة بن حزام، فدنوت منه فسمعته يقول: من كان من أمهاتي باكياً لغدٍ، ... فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا تسمعيه، فإني غير سامعه، ... إذا علوت رقاب القوم معروضا فقلت: أنت عروة بن حزام؟ قال: نعم، أنا الذي أقول: جعلت لعراف اليمامة حكمة، ... وعراف نجد إن هما شفياني فقالا: نعم تشفى من الداء كله، ... وقاما مع العواد يبتدران فما تركا من سلوة يعلمانها، ... ولا شربة، إلا بها سقياني فقالا: شفاك الله، والله ما لنا، ... بما حملت منك الضلوع، يدان فلهفي على عفراء لهفاً كأنه ... على النحر والأحشاء حدُّسنان فعفراء أحظى الناس عندي مودة، ... وعفراء عني المعرض المتواني

стр. 73

ثم خفق خفقة، فتوهمت أنها غشية، فتنحيت عنه ودنت العجوز منه، فما برحت حتى سمعت الصيحة، فإذا هو قد فارق الدنيا. مجنون بني عامر وليلاه وبلغ العشق أيضاً من مجنون بني عامر أن أخرجه إلى الوسواس والهيمان وذهاب العقل، وكثرة الهذيان، وهبوط الأودية، وصعود الجبال، والوطء على العوسج وحرارة الرمال، وتمزيق الثياب واللعب بالتراب، والرمي بالأحجار، والتفرد بالصحاري والاستيحاش من الناس، والاستئناس بالوحش حتى كان لا يعقل عقلاً، فإذا ذكرت ليلة ثاب إليه عقله، وأفاق من غشيته وتجلت عنه غمرته، وحدثهم عنها أصحَّ الرجال عقلاً، وأخلصهم ذهناً، لا ينكرون من حديثه شيئاً، فإذا قطع ذكرها رجع إلى وسواسه وهذيانه وتماديه في ذهاب عقله. وقد حكي عنه في أول ابتداء وسواسه أنه قيل لأبيه: لو أخرجت قيساً، أيام الموسم، وأمرته بأن يتعلق بأستار الكعبة، ويقول: اللهم أرحني من حب ليلى، لعل الله كان يريحه من ذلك، ففعل. فلما طاف بالبيت أمره، فتعلق بأستار الكعبة، وقال: قل اللهم أرحني من حب ليلى. فقال: اللهم زدني لليلى حباً إلى حبها، وأرني وجهها في خير وعافية! فضربه أبوه، فأنشأ يقول: ذكرتك، والحجيج له ضجيج ... بمكة والقلوب لها وجيب فقلت، ونحن في بلد حرام، ... به لله أخلصت القلوب: أتوب إليك، يا رحمن، مما ... عملت، فقد تظاهرت الذنوب

стр. 74

وأما من هوى ليلى وتركي ... زيارتها، فإني لا أتوب وكيف، وعندها قلبي رهين، ... أتوب إليك منها، أو أنيب وقال أيضاً: دعا المحرمون الله يستغفرونه، ... بمكة شعثاً، كي تمحى ذنوبها وقلت لرب الناس: أول سؤلتي ... لنفسي ليلى، ثم أنت حسيبها فإن أُعط ليلى في حياتي لا يتب ... إلى الله عبد توبة لا أتوبها وقال أيضاً: فلو أن ما بي بالحصى فلق الحصى، ... وبالريح لم يسمع لهن هبوب ولو أنني أستغفر الله كلما ... ذكرتك لم يكتب عليّ ذنوب وبات في بعض ليالي حجه تحت شجرة، فانتبه بنوح حمامة فأنشأ يقول: لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... على فنن تدعو، وإني لنائم فقلت اعتذاراً عند ذاك، وإنني ... لقلبي، فيما قد رأيت، للائم أأزعم أني عاشق ذو صبابة ... بليلى، ولا أبكي، ويبكي الحمائم كذبت، وبيت الله، لو كنت عاشقاً ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم وسمع هاتفاً من الليل، وهو ينادي: يا ليلى، فخرّ مغشياً عليه، ثم أفاق، وهو يقول: وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أحزان الفؤاد، وما يدري دعا باسم ليلى، أسخن الله عينه، ... وليلى بأرض عنه نازحة قفر عرضت على قلبي الغراء، فقال لي: ... من الآن فاجزع لا أعزك من صبر

стр. 75

إذا بان من تهوى وأسلمك النوى، ... ففرقة من تهوى أحر من الجمر وقال أيضاً: فلبيك من داع دعا، ولو أنه ... صدى بين أحجار لظل يجيبها وقد أحسن، إذ حكم على صدى في مسه بالإجابة لدعوتها والمبادرة إلى تلبيتها، وهكذا فلتكن غلبة العشق، وصدق الهوى. ومثل ذلك قوله أيضاً: لمست ثيابي، إن قدرت، ثيابها، ... ولم ينهني عن مسهنّ حرامها ولو شهدتني، حين تحضر ميتتي، ... جلا سكرات الموت عني كلامها ومثل ذلك قول الآخر: ولو كلمتنا بين زمزم والصفا، ... وبين حطيم البيت أصبى كلامها ولو مكثت بعد التطوع ساعة ... بمكة ولاها الصلاة إمامها ولو نطقت، والموت يجري ظلامه، ... لجلى ظلام الموت عني ابتسامها ومنه قول جميل بن معمر: حلفت يميناً، يا بثينة، صادقاً، ... فإن كنت فيها كاذباً لعميت حلفت لها بالبدن تدمى نحورها، ... لقد شقيت نفسي بكم وعنيت فلو أن جلداً غير جلدك مسّني، ... وباشرني دون الشعار شريت
следующие страницы →