Полный текст (254 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقال مروان بن أبي حفصة:
أردين عروة والمرقش قبله، ... وأخا بني نهد تركن قتيلا
ولقد تركن أبا ذؤيب هائماً، ... ولقد قتلن كثيراً وجميلا
وتركن لابن أبي ربيعة منطقاً، ... فيهن أصبح سائراً محمولا
وأنشدني عمرو بن قنان لنفسه:
إن الأولى ماتوا على دين الهوى ... وجدوا المنية منهلاً معسولا
قيسٌ، وعمرو، والمرقش قبلهم، ... كانوا لتنزيل الهوى تأويلا
ندبوا الطلول لأهلها، لا لأنهم ... عشقوا مغاني أربع وطلولا
ولبعض المتأدبين:
يا عذولي قد هويت فكفا، ... إنني بالهوى المميت رضيت
مات قيس، وعروة، وجميل ... وأُراني بموتهم سأموت
وقال جميل بن معمر:
قد مات قبلي أخو نهدٍ وصاحبه ... مرقش واشتفى من عروة الكمد
وكلهم كان في عشق منيته، ... وقد وجدت بها فوق الذي وجدوا
إن لم تنلني بمعروف تجود به، ... أو يدفع الله عني الواحد الصمد
وقد أحسنت، والله، امرأة من خثعم، إذ تقول:
فأقسم أني قد وجدت بجحوش ... كما وجدت عفراء بابن حزام
فما أنا إلا مثلها، غير أنني ... معلقة نفسي ليوم حمام
وأحسن الذي يقول:
عجبت لعروة العذري أضحى ... أحاديثاً لقوم بعد قوم
وعروة مات موتاً مستريحاً، ... وكيف بميت في كل يوم
стр. 72
وبلغنا أن منهم من عشق صورة في حمَّام، وخيالاً في منام، وكفاً في حائط، ومثالاً في ثوب. والعشق ألوان وأنواع وضروب وفنون، وأمره عجيب. وقال بعض الشعراء:
أبيت كأني للكواكب عاشق، ... فأكثر همي أن تزول الكواكب
عجبت لما يلقى من العشق أهله، ... وفيما يلاقي العاشقون عجائب
وبلغ العشق من عروة بن حزام أن أفرده ببلائه، وعذّبه بدائه، وآنسه بانفراده، وشرّده عن بلاده.
موت عروة بن حزام
وحكي عن ابن أبي عتيق قال: بينا أنا أسير في أرض بني عذرة، إذا أنا ببيت حرير، فدنوت منه، فإذا عجوز تمرض شاباً، وقد نهكته العلة، وبانت عليه الذلة، فسألتها عن خبره، فقالت: هذا عروة بن حزام، فدنوت منه فسمعته يقول:
من كان من أمهاتي باكياً لغدٍ، ... فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا
تسمعيه، فإني غير سامعه، ... إذا علوت رقاب القوم معروضا
فقلت: أنت عروة بن حزام؟ قال: نعم، أنا الذي أقول:
جعلت لعراف اليمامة حكمة، ... وعراف نجد إن هما شفياني
فقالا: نعم تشفى من الداء كله، ... وقاما مع العواد يبتدران
فما تركا من سلوة يعلمانها، ... ولا شربة، إلا بها سقياني
فقالا: شفاك الله، والله ما لنا، ... بما حملت منك الضلوع، يدان
فلهفي على عفراء لهفاً كأنه ... على النحر والأحشاء حدُّسنان
فعفراء أحظى الناس عندي مودة، ... وعفراء عني المعرض المتواني
стр. 73
ثم خفق خفقة، فتوهمت أنها غشية، فتنحيت عنه ودنت العجوز منه، فما برحت حتى سمعت الصيحة، فإذا هو قد فارق الدنيا.
مجنون بني عامر وليلاه
وبلغ العشق أيضاً من مجنون بني عامر أن أخرجه إلى الوسواس والهيمان وذهاب العقل، وكثرة الهذيان، وهبوط الأودية، وصعود الجبال، والوطء على العوسج وحرارة الرمال، وتمزيق الثياب واللعب بالتراب، والرمي بالأحجار، والتفرد بالصحاري والاستيحاش من الناس، والاستئناس بالوحش حتى كان لا يعقل عقلاً، فإذا ذكرت ليلة ثاب إليه عقله، وأفاق من غشيته وتجلت عنه غمرته، وحدثهم عنها أصحَّ الرجال عقلاً، وأخلصهم ذهناً، لا ينكرون من حديثه شيئاً، فإذا قطع ذكرها رجع إلى وسواسه وهذيانه وتماديه في ذهاب عقله.
وقد حكي عنه في أول ابتداء وسواسه أنه قيل لأبيه: لو أخرجت قيساً، أيام الموسم، وأمرته بأن يتعلق بأستار الكعبة، ويقول: اللهم أرحني من حب ليلى، لعل الله كان يريحه من ذلك، ففعل. فلما طاف بالبيت أمره، فتعلق بأستار الكعبة، وقال: قل اللهم أرحني من حب ليلى. فقال: اللهم زدني لليلى حباً إلى حبها، وأرني وجهها في خير وعافية! فضربه أبوه، فأنشأ يقول:
ذكرتك، والحجيج له ضجيج ... بمكة والقلوب لها وجيب
فقلت، ونحن في بلد حرام، ... به لله أخلصت القلوب:
أتوب إليك، يا رحمن، مما ... عملت، فقد تظاهرت الذنوب
стр. 74
وأما من هوى ليلى وتركي ... زيارتها، فإني لا أتوب
وكيف، وعندها قلبي رهين، ... أتوب إليك منها، أو أنيب
وقال أيضاً:
دعا المحرمون الله يستغفرونه، ... بمكة شعثاً، كي تمحى ذنوبها
وقلت لرب الناس: أول سؤلتي ... لنفسي ليلى، ثم أنت حسيبها
فإن أُعط ليلى في حياتي لا يتب ... إلى الله عبد توبة لا أتوبها
وقال أيضاً:
فلو أن ما بي بالحصى فلق الحصى، ... وبالريح لم يسمع لهن هبوب
ولو أنني أستغفر الله كلما ... ذكرتك لم يكتب عليّ ذنوب
وبات في بعض ليالي حجه تحت شجرة، فانتبه بنوح حمامة فأنشأ يقول:
لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... على فنن تدعو، وإني لنائم
فقلت اعتذاراً عند ذاك، وإنني ... لقلبي، فيما قد رأيت، للائم
أأزعم أني عاشق ذو صبابة ... بليلى، ولا أبكي، ويبكي الحمائم
كذبت، وبيت الله، لو كنت عاشقاً ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم
وسمع هاتفاً من الليل، وهو ينادي: يا ليلى، فخرّ مغشياً عليه، ثم أفاق، وهو يقول:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أحزان الفؤاد، وما يدري
دعا باسم ليلى، أسخن الله عينه، ... وليلى بأرض عنه نازحة قفر
عرضت على قلبي الغراء، فقال لي: ... من الآن فاجزع لا أعزك من صبر
стр. 75
إذا بان من تهوى وأسلمك النوى، ... ففرقة من تهوى أحر من الجمر
وقال أيضاً:
فلبيك من داع دعا، ولو أنه ... صدى بين أحجار لظل يجيبها
وقد أحسن، إذ حكم على صدى في مسه بالإجابة لدعوتها والمبادرة إلى تلبيتها، وهكذا فلتكن غلبة العشق، وصدق الهوى. ومثل ذلك قوله أيضاً:
لمست ثيابي، إن قدرت، ثيابها، ... ولم ينهني عن مسهنّ حرامها
ولو شهدتني، حين تحضر ميتتي، ... جلا سكرات الموت عني كلامها
ومثل ذلك قول الآخر:
ولو كلمتنا بين زمزم والصفا، ... وبين حطيم البيت أصبى كلامها
ولو مكثت بعد التطوع ساعة ... بمكة ولاها الصلاة إمامها
ولو نطقت، والموت يجري ظلامه، ... لجلى ظلام الموت عني ابتسامها
ومنه قول جميل بن معمر:
حلفت يميناً، يا بثينة، صادقاً، ... فإن كنت فيها كاذباً لعميت
حلفت لها بالبدن تدمى نحورها، ... لقد شقيت نفسي بكم وعنيت
فلو أن جلداً غير جلدك مسّني، ... وباشرني دون الشعار شريت
стр. 76
ولو أن داع منك يدعو جنازتي، ... وكنت على أيدي الرجال حييت
ومثله قول الأعشى:
عهدي بها في الحي قد سُربلت ... صفراء مثل المهرة الضامر
لو أسندت ميتاً إلى نحرها ... عاش، ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس مما رأوا: ... يا عجباً للميت الناشر
قد حجم الثدي على نحرها، ... في مشرق ذي بهجة زاهر
ومثله قول المجنون أيضاً:
ولو كنت أعمى أخبط الأرض بالعصا ... أصمَّ، فنادتني أجبت المناديا
وأشهد، عند الله، أني أحبها ... فهذا لها عندي، فما عندها ليا
قال: وسرق هذا المعنى جميل بن عبد الله بن معمر فقال:
ألا ليتني أعمى، أصم، تقودني ... بثينة، لا يخفى علَّ كلامها
فهؤلاء قد زعموا أن كلام النساء ينجلو العمى، ويسمع الصم ويحيي الميت، ويدفع الموات وينشر القبور من قبل أوان النشور، وقد قال بعض الأعراب: إن من كلام النساء ما يقوم مقام الماء فيروي من الظماء. وقال آخر: حلاوة نغم النساء في الآذان ألذ من موقع الماء العذب من العطشان. وقال القطامي في مثل ذلك:
وفي الخدور غمامات برقن لنا، ... حتى تصيدنا من كل مصطاد
قتلنا بحديث ليس يعلمه ... من يتيقن ولا مكنونه بادي
стр. 77
وهن يندبن من قول يُصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
وعمر بن أبي ربيعة يقول في سكينة ابنة الحسين بن علي ﵄:
أسكين ما ماء الفرات وبرده ... مني على ظمأٍ وحب شراب
بأحب منك، وإن نأيت، وقل ما ... ترعى النساء أمانة الغياب
ولبعض المتأدبين في مثله:
والله ما شربة من ماء غادية، ... إذا ظمئت، وكرب الموت يغشاني
ألذ من شربة من فيك أجرعها، ... تلك الشفاء لقلب الهائم العاني
وروي أن عمر بن أبي ربيعة قال: أتتني امرأتان في أيام غزلي، فجعلت إحداهما تسرّ إلي سراً، والأخرى تعضني، فما شعرت بعضة هذه من لذة سراره هذه.
ودخل كثير على عبد الملك بن مروان فقال: يا كثير حدثني ببعض أخبار جميل! فقال: نعم، يا أمير المؤمنين، لقيت جميلاً ذات يوم، فقال: هل لك في المسير معي نحو بثينة؟ قلت: نعم، فسايرته، حتى دنا من موضعها، فقال: تصير إليها، فتعلمها بمكاني، فمضيت، فأعلمتها، فأقبلت في نسوة من الحي، فلما رأينه انصرفن عنها، وتنحيت عنهما، فلم يزالا من أول الليل إلى أن رهقهما الصبح قائمين في أقدامهما، فلما عزما على الافتراق قالت: ادن مني يا جميل! فدنا منها، فأسرت إليه سراً، فخر مغشياً عليه فما أيقظه إلا حر الشمس، فأفاق، وأنشأ يقول:
فما ماء مزن من جبال منيفة، ... ولا ما أكنت في معادنها النحل
стр. 78
بأشهى من القول الذي قلت بعدما ... تمكن في حيزوم ناقتي الرحل
وقال جرير أيضاً:
ولقد رمينك يوم رحن، بأعين، ... يقتلن من خلل الستور، سواجي
وبمنطق شغف الفؤاد كأنه ... عسل يجدن به بغير مزاج
وقال الفرزدق:
إذا هن ساقطن الحديث، كأنه ... جنى النحل، أو أبكار كرم تقطف
تراهن من فرط الحياء كأنها ... مراض سلال، أو هوى لك نزف
وليس يمكن أن يكون ذلك عندهم كذلك.
وقد روي عن النبي، ﷺ ، من وجوه شتى بأحاديث صحت عن الثقات، ونقلت عن الرواة: إن حبك للشيء يعمي ويصم. وليس بعجب ما قال المجنون وأشباهه من غلبة العشق عليهم، وقد قال غيره أعظم مما قاله، وأقطع، وأجل. ولقد رأينا وسمعنا وخُبرنا أن منهم من قتل نفسه غرقاً، وذبحاً، وخنقاً، كل ذلك أسفاً وحسرة وتلهفاً.
ثلاثة أماتهم الحب
فمن ذلك ما حكي عن شيخ حضر مجلس العتبي، فأخبرهم أنه حضر مجلساً فيه قينة وفتى، وكان الفتى يهوى القينة وكانت القينة تهوى ابنة الشيخ، وابنه الشيخ تهوى الفتى، فغنت القينة:
стр. 79
علامة ذل الهوى ... على العاشقين البكا
ولا سيما عاشق ... إذا لم يجد مشتكى
فقال لها الفتى: أحسنت، والله، يا ستي، أتأذنين لي أن أموت؟ قالت: مت راشداً؛ فوضع رأسه على الوسادة، وغمض عينيه، فحركناه فوجدناه ميتاً. قال الشيخ: فخرجنا متعجبين من ذلك، وصرت إلى منزلي، فأعلمتهم ما كان من قصة الفتى، ونظرت إلى ابنتي، وقد حاضرت، فدخلت مجلساً لي، فدخلت وراءها، فإذا هي متوسدة على مثال ما كان عليه الفتى، فحركتها فإذا هي ميتة، فغدونا بجنازتها، وغدوا بجنازة الفتى، فإذا بجنازة ثالثة، فسألنا عنها، فإذا هي جنازة القينة، وبلغها موت ابنتي، فصنعت مثل ذلك، فماتت. فدفنا ثلاثة بموت واحد في موضع واحد. وهذا من عجيب ما سمع به في هذا الأمر.
حديث الجاحظ عن قتلى الحب
ومن ذلك ما أخبرني أبو العيناء قال: حدثني عمرو بن بحر الجاحظ قال: ذكرت لأمير المؤمنين المتوكل لتأديب ولده، فلما نظر إليّ استبشع منظري، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، وصرفني فخرجت، فلقيت محمد ابن إبراهيم، وهو يريد الانحدار إلى مدينة السلام، فعرض علي الانحدار معه، وقربت حراقته، ودعا بطعامه وشرابه، ونصب ستارته، وأمر بالغناء فاندفعت عوادة له تتغنى:
كل يوم قطيعة وعتاب، ينقضي دهرنا، ونحن غضاب
ليت شعري أنا خصصت بهذا ... دون ذا الخلق أم كذا الأحباب
стр. 80
ثم سكتت، وأمر طنبورية، فغنت:
وارحمتي للعاشقينا ... ما إن أرى لهم معينا
كم يهجرون، ويظلمو ... ن، ويقطعون فيصبرونا
وتراهم مما بهم ... بين البرية خاشعينا
يتجلدون، ويظهرو ... ن تجلداً للشامتينا
قالت لها العوادة: فيصنعون ماذا؟ قالت: يصنعون هكذا، وضربت بيدها على الستارة فهتكتها، وبرزت كأنها فلقة قمر، فزجت بنفسها إلى الماء. قال: وعلى رأس محمد غلام يضاهيها في الجمال وبيده مدية، فلما رآها وما صنعت ألقاها من يده، وأتى إلى حيث رمت بنفسها، فنظر إليها وهي تمور بين الماء فأنشأ يقول:
أنت التي غرقتني، ... بعد القضا، لو تعلمينا
وزج بنفسه في أثرها، فأدار الملاح الحراقة، فإذا بهما معتنقين، ثم غاصا، ولم يريا. فهال ذلك محمداً، واستفظعه، وقال للجاحظ: يا عمرو لتحدثني بحديث يسكن عني فعل هذين، وإلا ألحقتك بهما. قال الجاحظ: فحضرني خبر سليمان بن عبد الملك، وقد قعد للمظالم، وعرضت عليه القصص، فمرّت به قصة فيها: إن رأى أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، أن يخرج إلي فلانة، يعني جارية من جواريه، حتى تغنيني ثلاث أصوات، فعل. فاغتاظ من ذلك سليمان، وأمر من يخرج إليه فيأتيه برأسه، ثم أتبع الرسول برسول آخر، فأمر أن يدخل الرجل إليه، فأدخل؛ فلما مثل الرجل بين يديه قال له: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك والاتكال على عفوك، فأمره بالقعود، حتى لم يبق أحد من بني أمية، ثم أمر فأخرجت الجارية ومعها عودها، ثم قال له: اختر! قال له: قل لها تغني بقول قيس بن الملوح:
стр. 81
تعلق روحي روحها قبل خلقها ... ومن بعد ما كنا نطاقاً، وفي المهد
فعاش كما عشنا، فأصبح نامياً، ... وليس، وإن متنا، بمنقضب العهد
ولكنه باق على كل حالة، ... وسائرنا في ظلمة القبر واللحد
يكاد فضيض الماء يخدش جلدها ... إذا اغتسلت بالماء من رقة الجلد
وإني لمشتاق إلى ريح جيبها، ... كما اشتاق إدريس إلى جنة الخلد
فغنته، فقال سليمان: قل! قال: تأمر لي برطل، فشربه، ثم قال: تغني بقول جميل:
علقت الهوى منها وليداً، فلم تزل ... إلى اليوم ينمي حبها ويزيد
وأفنيت عمري بانتظاري نوالها، ... وأبلت بذاك الدهر، وهو جديد
فلا أنا مردود بما جئت طالباً؛ ... ولا جبها فيما يبيد يبيد
إذا قلت: ما بي، يا بثينة، قاتلي ... من الحب، قالت: ثابت ويزيد
فتغضب فقال سليمان: قل! قال: تأمر لي برطل، فأتي برطل، فشربه، ثم قال: تغني بقول قيس بن ذريح:
لقد كنت حسب النفس لو دام ودها ... ولكنما الدنيا متاع غرور
وكنا جميعاً قبل أن يظهر النوى، ... بأحسن حالي غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا ... بطون الهوى مقلوبة لظهور
فتغنت، فقال له: قل! قال: تأمر لي برطل، فما استتمه حتى وثب إلى أعلى قبة سليمان، ثم زج بنفسه على دماغه، فمات، فقال سليمان: إنا لله وإنا إليه راجعون، أتراه الجاهل ظن أنني أخرج إليه جاريتي، فأردها إلى ملكي!
стр. 82
خذوا بيدها فانطلقوا بها إلى أهله، إن كان له أهل، وإلا فبيعوها، وتصدقوا بها عنه، فلما انطلقوا بها نظرت إلى حُفرة في دار قد أُعيدت للمَطر، فجذَبت نفسها، وأنشأت تقول:
من مات عِشقاً فَلْتَمُتْ هكذا، ... لا خيرَ في العِشقِ بلا مَوتِ
وزجّت بنفسها في الحُفرة على دماغها، فماتت. فسُرّيُ عن محمد، وأحسنَ صِلةً الجاحظ.
من مات من شدة الفقد
وتضعضعت أعضاؤه من شدّة الوجد
حكايات عمن قتلهم الحبّ
حُكي لنا عن إسحاق بن إبراهيم عن الهيثم بن عَديّ، عن هشام بن حسّان، قال: حدثنا رجلٌ من بني تميم قال: خرجتُ في طلب ناقةٍ لي فورّدت على ماء من مياه طيء، فإذا بعسكرين، أحدهما قريبٌ شابٌّ مدنَفٌ قد نهكته العلة فهو كالشنّ البالي، فدنوت لأعرف خبره، فسمعته وهو يقول:
ألا ما للمليحة لا تعود، ... أسُخطٌ بالمليحة ألأم صُدودُ
مرضتُ، فعادني أهلي جميعاً، ... فما لك لا تُرى فيمن يعود
فقدتُكِ بينهم فتلفتُ شوقاً، ... وفقْد الإلف، يا سكني، شديدُ
فلو كنتِ المريض لجئتُ أسعى ... إليكِ، ولم ينهنهي القعود
قال: فسمعتْ كلامه، فبادرت نحوه، وبدرتها النساء، فتعكّفن بها، فأحسّ بها، فوثب مبادراً نحوها، فحبسه الرجال، فجعلَت تجذب نفسها من النساء، ويجذب نفسه من الرجال، حتى التقيا، فاعتنقا، وبكّينا، ثم شهقا فخرّا ميّتين.
стр. 83
فخرج شيخٌ من بعض الأخْبية فوقف عليهما، فاسترجع، ثم قال: رحمكما الله، أما والله لقد كنت لم أجمع بينكما في حياتكما، لأجمعنّ بينكما بعد موتكما! فأمر بهما، فكُفّنا في كفَنٍٍ واحد، ودُفنا في قبر واحد، فسألت عنهما فقال: هذه بنتي، وهذا ابن أخي، بلغ بهما الحب ما ترى.
ومن ذلك أيضاً ما حُكي عن إسحاق الرافقي قال: كنت في مجلس بالرقّة في عدةِ من الظرفاء وجماعة من القيان، ومعنا فتىً كأهيأِ من رأيت من الفتيان، وعليه ذلّة الهوى، يُديم الأنين والبكاء، فتغنّت إحداهنّ:
إني لأبغض كل مصطبرٍ ... عن إلفه في الوصل والهجْرِ
الصبر يحسُن في مواطنه، ... ما للفتى المحزون والصبر
فنظر إليها الفتى، وتبادرت عبراته، ثم وثب على قدميه ووضع يده على رأسه وقال:
غداً يكثر الباكون مِنّا ومِنكم، ... وتزداد داري من دياركم بُعدا
ثم رمى بنفسه، فسقط مجدَّلاً من قامته، فوثبنا إليه فحملناه ميتاً.
الفتاة التي أكلها السبع
ومن ذلك ما حُكي عن جميل بن معمر الذعري أنه دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا جميل! حدّثني ببعض أحاديث عُذرة، فإنه يبلغني أنهم أصحاب أدب وعزَل. قال: نعم، يا أمير المؤمنين، إن آل بُثينةَ انتجعوا الحيّ وقطعوا بلداً آخر، فخرجت أريدهم، فغلطت الطريق، وجَنّني الليل، ولاحت لي نارٌ، فقصدتها، حتى دنت، ووردتُ على راعٍ في أصل جبل، قد ألجأ غنمه إلى كهف في الجبل، فسلّمت، فرد علي السلام، وقال: أحسبك قد ضللت الطريق؟ قلتُ: قد كان ذاك، فأرشدنيه. قال: بل انزل حتى تُريح ظهرك، وتبيت ليلتك، فإذا أصبحتَ وقفتُك على الطريق. فنولتُ، فترحّب بي، وأكرمني، وعمد إلى شاة فذبحها، وأجّج ناراً، وجعل يشوي ويُلقي بين يديَّ، ويُحدّثني
стр. 84
في خلال ذلك، ثم قام بإزار كان معه، فقطع به جانب الخباء ومهّد لي جانباً، وترك جانباً خالياً، فلما كان في الليل سمعته يبكي ويشكو إلى شص كان معه، فأرِقتُ له ليلتي. فلما أصبحتُ طلبت الإذن، فأبى، وقال: الضيافة ثلاثٌ، فأقمتُ عنده، وسألته عن اسمه ونسبته، وحاله، فانتسب لي، فإذا هو من بني عُذرة وأشرافهم، فقلت: يا هذا! وما الذي احلّك هذا الموضع؟ فأخبرني أنه يهوى ابنة عمه له، وتهواه، وأنه خطبها إلى أبيها، فأبى أن يزوّجها منه لقلة ذات يده، وأنه زوّجها رجلاً من بني كِلاب فخرج بها عن الحيّ، فأسكنها في موضعه ذلك، وأنه تنكّر، ورضي أن يكون راعياً له، لتأتيه ابنة عنه، فتراه ويراها، وجعل يشكو إليّ صبابته بها، وشدّة عشقه لها، حتى إذا جَنّنا الليل وحان وقت مجيئها جعل يتقلقل ويقوم ويقعد كالمتوقّع لها. فأبطأت عن الوقت، وغلبه الشوق، فوثب قائماً وأنشأ يقول:
ما بال ميّة لا تأتي لعادتها، ... أهاجها طربٌ أم صدّها شُغُلُ
لكنّ قلبي لا يلهيه غيرهُمُ، ... حتى الممات ولا لي غيرهم أمل
لو تعلمين الذي بي من فراقكُمُ، ... لما اعتذرت، ولا طالت لك العللُ
روحي فداؤكِ قد هيّجتِ لي سَقَماً ... تكاد من حره الأعضاء تنفصل
لو أن غاديةً منه على جبلٍ ... لزال، وانهدَّ عن أركانه الجبل
ثم قال: يا أخا بني عُذرة، مكانك حتى أعود إليك، فإني أتوهم أن أمراً عرض لابنة عمي. ثم مضى فغاب عن بصري، فلم يلبث أن أقبل وعلى يديه شيء محمولٌ، وقد علا شهيقه ونحيبه، فقال: يا أخا بني عُذرة، هذه بنت عمي أرادت أن تأتيني، فاعترضها السبع فأكلها؛ ثم وضعها عن يده وقال: على رِسْلك حتى أعود إليك، ومضى فأبطأ، حتى أيستُ من رجوعه،
стр. 85
ثم أقبل ورأس الأسد على يده، فوضعه، وجعل بنكُتُ على أسنانه، وهو يقول:
ألا أيها الليث المدلّ بنفسه، ... هُبِلتَ لقد جرّت يداك لنا حُزنا
وغادرتَني فرداً، وقد كنت آنساً ... وصيّرت بطن الأرض ثمّ لنا سِجنا
ثم قال: يا أخا بني عُذرة، إنك ستراني بين يديك ميتاً، فإذا أنا متّ، فاعمد إليّ وإلى بنت عمي، فأدرجنا في كفنٍ واحد، واحفر لنا جدثاً واحداً، وادفنّا فيه، واكتب على قبري هذين البيتين:
كنا على ظهرها، والعيش في مَهَلٍ، ... والعيش يجمعنا، والدار والوطن
ففرّق الدهر بالتشتيت أُلفتنا، ... فاليومَ يجمعنا في بطنها الكفنُ
ورُدّ الغنم على صاحبها، وأعلمه بقصتنا، ثم عمد إلى خِناقٍ فطرَحه في عنقه. فناشدته الله أن لا يفعل، فأبي، وجعل يخنق نفسه، حتى سقط بين يديّ ميتاً. فلما أصبحتُ كفّنته وابنه عمه كما أمرني، ودفنتهما في فبر واحد، وكتبتُ البيتين على قبرهما ورددتُ الغنم على زوجها، وأعلمتُه بقصته، فجعل يأكل كفّيه أسفاً أن لا يكون جمع بينهما في حياتهما. فهذا وما أشبهه كثير جداً.
ورُوي عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: كنا عند عُروة بن الزبير وعنده رجل من بني عُذرة فقال له عروة: يا عُذري بلغني أن فيكم رقةً وغزلاً، فأخبرني ببعض ذلك! قال: لقد خلّفتُ في الحي ثمانين مريضاً دنفاً عِشقاً ما بهم غير الحب قد خامر قلوبهم.
стр. 86
من وصف الحب
وما فيه من شدة المرارة والكرب
واعلم أن الحبّ، مع ما فيه من المرارة والنكد، وطول الحسرات والكمد، ومرٌّ لا تعدله مرارة، قال الكميت بن زيد:
الحب فيه حلاوةٌ ومَرارةٌ، ... سائلْ بذلك من تطاعم، أو ذُقِ
ما ذاق بؤس معيشةٍ ونعيمها، ... فيما مضى، أحدٌ إذا لم يعشقِ
وقال آخر:
يا أيها الدنِف المُعذَّب بالهوى! ... إني بأحوال الهوى لعليمُ
الحب صاحبه يبيت مُسهَّداً، ... ويطير عنه فؤاده، ويهيم
الحب داءٌ قد تضمّن في الحشا ... بين الجوانح والضلوع مقيمُ
الحب لا يخفى، وإن أخفيته، ... إن البكاء على المُحبّ نَموم
الحب فيه حلاوةٌ ومَرارةٌ، ... والحب فيه شقاوةٌ ونعيم
الحب أهون ما يكون مُبرِّحٌ، ... والحب أصغر ما يكون عظيم
أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب:
سَلني عن الحب يا من ليس يعرفه، ... ما أطيب الحب لولا أنه نَكدُ
طعمان: حلوٌ ومرٌّ ليس يعدله ... في حَلْق ذائقه مُرٌّ، ولا شهد
وأنشدني إبراهيم بن محمد الواسطي لنفسه:
سلْني عن الحب، فإني به ... أعلم ذي وَطْءٍ على نعل
стр. 87
طعمان ضدّان، فمستعذَبٌ ... وآخر أشرى من القتل
ولبعض المتأدبين أيضاً في مثله:
سَلني عن الحب يا من ليس يعلمه، ... عندي من الحب، إن ساءلتُمُ، الخَبَر
أنا الذي بالهوى ما زلتُ مشتهراً، ... لاقيتُ فيه الذي لم يلقه بشر
الحب أوَّله عذبٌ مَذاقتُهُ، ... لكنّ آخره التنغيص والكَدَر
كم تيّم الحب أقواماً، ودللهم، ... وكم يدٍ للهوى قد وارت الحُفَر
أنشدني ابن أبي الرعد:
من كان لم يدرِ ما حبٌّ وصفْتُ له، ... إن كان في غفلةٍ، أو كان لم يجد
الحب أوّله عذبٌ، وآخره ... مثل الحَزازة بين القلب والكبِد
أنشدني الوليد بن عُبيد البحتري لأبي العتاهية:
أخلاّني بي شَجْوٌ، وليس بكم شجْو ... وكل امرئٍ مما بصاحبه خِلْو
أذاب الهوى جسمي ولحمي وقُوّتي، ... فلم يبق إلا الروح والجسد النِّضْو
رأيت الهوى جمر الغضا، غير أنه ... على كل حالٍ، عند صاحبه حُلْوُ
وما من محبٍّ نال ممن يحبه ... هوىً صادقاً إلا سيدخله زَهو
قال: وأنشدني ابن أبي الدنيا:
الحب يترك منْ أحبَّ مُدَلَّهاً، ... حَيران، أو يقضي عليه فيسرع
الحب أهونه ثقيلٌ فادحٌ، ... يُهوي الجليد من الرجال، فيَصرع
стр. 88
ما في معرفة الهوى
وما كان اسمه في البداية أوّلاً
واعلم أن الهوى عندهم هو الهوان الصُّراح، والبلاء المتاح، لأنه يُهين الكريم، ويُذلُّ العزيز، ويدلّه العاقل، ويحطّ منزلة الشريف. وسُئلت أعرابية عن الهوى، فقالت: الهوى هو الهوان وإنما غُلِظ باسمه، واشتُقّ من طبعه، ولن يعرف ما أقول إلا من أبكته المنازل والطلول؛ وأنشأت تقول:
ليت الهوى لذوي الهوى لم يُخلقِ، ... بلْ ليت قلبي بالهوى لم يَعلق
إن الذي عَلِق الهوى بفؤاده، ... كمنوَّطٍ دون السماء مُعلَّقِ
لا يستطيع نزوله لشقائه، ... لكن إليه كل همٍّ يرتقي
إن الهوى لهو الهوان بعينه، ... ما ذاق طعم الذل من لم يعشق
وأُنشِدتُ لغيرها أيضاً:
إن الهوان هو الهوى نُقص اسمه، ... فإذا هويت لقد لقيتَ هَوانا
وإذا هَويتَ لقد تعبّدك الهوى، ... فاخضع لحبك كائناً من كانا
أنشدنا أبو عبد الله الواسطي لنفسه:
لم يدر ما بؤس الحياة ولينُها، ... إلا الذين مِنَ الهوى بمكان
كم من عزيزٍ قد ألمّ به الهوى، ... فأقرّ بعد كرامةٍ بهَوان
ليس الهوى إلا الهوان، ونونه ... نُقِصت كفعل الزور والبُهتان
ليس الحياة إذا نظرتَ، وبؤسها ... بين الوصال وغُصّة الهِجران
ما العشق عندي باختيارٍ إنما ... ذاك البلاء يُتاح للإنسان
стр. 89
قال: وأنشدني أبو العَيناء:
وما كَسَيٌ في الناس يُحمد رأيه، ... فيوجد إلا وهو في الحب أحمق
وما من فتىً ما ذاق بؤس معيشةٍ، ... من الدهر، إلا ذاقها حين يَعشقُ
ما سئل عنه أهل الصدق
من تمام خَلاّت العشق
قال الأصمعي لأبي وائل الإضاخي: ما تقول في العشق؟ فقال: إن لم يكن عُصارة من الشجر، فهو ضَرب من الجنون؛ وأنشأ يقول:
بقلبي شيءٌ لستُ أعرف وصفَه، ... على أنه، ما كان، فهو شديد
تمرّ به الأيام تسحب ذيلها، ... فتَبلى به الأيام، وهو جديد
لعَمَري إن بذلك ما وجب لهم الدعاء، فصار مفترضاً على الأدباء كالفرض اللازب، والحقّ الواجب، لجليل الخطب وفادح الأمر.
أخبرني أحمد بن عُبيد قال: أخبرني الأصمعي قال: رأيت أبا السائب المخزومي متعلقاً بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهمّ ارحمِ العاشقين، واعطفْ عليهم قلوب المعشوقين بالرأفة والرحمة، يا أرحم الراحمين. فقلت: يا أبا السائب، أفي هذا المقام تقول هذا المقال؟ قال: إليك عني! الدعاء لهم أفضل من حجّةٍ بعمرةٍ. ثم أنشأ يقول:
يا هجر كُفّ عن الهوى، ودع الهوى ... للعاشقين يطيب، يا هجر
ماذا تريد من الذين جفونهم ... قَرحى، وحشو صدورهم جمر
стр. 90
وسوابق العَبرات فوق خدودهم، ... هُطلاً تلوح كأنها القطْر
صرعى على جسر الهوى لشقائهم، ... بنفوسهم يتلاعب الدهر
قال: وخُبّرت عن الأصمعي أيضاً أنه قال: رأيت جاريةً وهي تقول: اللهمّ، مالك يوم القضاء وخالق الأرض والسماء، ارحم أهل الهوى، واستنقذهم من عظيم البلاء، واعطف عليهم قلوب أودّائهم بالصفاء، فإنك سميع النجوى، قريبٌ لمن دعا؛ ثم أنشأت تقول:
يا ربّ! إنك ذو منٍّ ومغفرةٍ، ... بيِّتْ بعافيةٍ منك المحبينا
الذاكرين الهوى من بعد ما سهروا، ... حتى يظلوا على الأيدي مكبّينا
فقلت: يا هذه، أتُغنّين وأنت في الطواف؟ فقالت: إليك عني، لا يُهقك الحب! فقلت لها: وما الحب؟ وأنا به أعرف منها. فقالت: جلّ أن يخفى ودقّ عن أن يُرى له كمونٌ ككمون النار في الحجر، إن قدحته أوراك، وإن تركته توارى. قال: فتبعتها حتى عرفت منزلها، فلما كان من الغد جاء مطر شديد، فمررت ببابها، وهي قاعدةٌ مع أتراب لها زُهرٍ، يقلن لها: لقد أضرّ بنا المطر، ولولا ذلك لخرجنا إلى التطواف؛ فأنشأت تقول:
قالوا أضرّ بنا السحاب بقطره، ... لما رأوه لعبرتي يحكي
لا تعجبوا مما ترون، وإنما ... هذا السحاب لرحمتي يبكي
وزعم قومٌ أنه لا ذنب على أهل الهوى ولا وزر، وأن خطاياهم تُمحّص عنهم بطول بلائهم، وكثرة زفراتهم وما لقوا من الشقاء بأودائهم.
وأخبرني أحمد بن يحيى عن عبد الله بن شَبيب عن رجل ذكره قال:
стр. 91
كنت عند مالك بن أنس، فأتاه شابٌّ، فقال: إني قد قلت أبياتاً ذكرتُك فيها، فاسمعها. قال: لا حاجة لي فيها. فقال لي: أحبّ أن تفعل، قال: هات. فقال:
سلوا مالك المفتي عن اللهو والصِّبي، ... وحب الحِسان المغنجات الفَواركِ
يخبركُمُ أني مصيبٌ، وإنما ... أُسلّي هموم النفس عني بذلك
فهل في محبٍّ يكتم الحب والهوى ... أثامٌ، وهل في ضَمّة المتهالك
فسرّي عن مالك، وقال: إن شاء الله. وكان ظنّ أنه هجاه.
أخبرني أحمد بن يحيى ثعلب عن عبد الله بن شَبيب عن شيخ من عاملة قال: مرّ ابن مَرجانة الشاعر بسعيد بن المسيَّب فقال: هذا ابن مَرجانة؟ قالوا: نعم. قال: هذا الذي يقول:
سألتُ سعيد بن المسيَّب مفتي ال ... مدينة: هل في حب دهماء من وِزر
فقال سعيد بن المسيَّب: إنما ... تُلام على ما تستطيع من الأمر
والله ما سأني إنسان عن شيء من هذا، ولو سألني لأجبت.
قال: وسئل شريك بن عبد الله القاضي عن العشّاق، فقال: أشدّهم حباً أعظمهم أجراً.
وأنشدني محمد بن يحيى لمسلم:
فوالله ما أدري، وإني لسائلٌ ... بمكة أهل العلم: هل في الهوى وِزر
وهل في اكتحال العين بالعين ريبةٌ ... إذا ما التقى الإلفان، لا بل به أجر
وأنشدني إبراهيم الأزدي لنفسه:
стр. 92
ما العشق في الأحرار مستنكرٌ، ... وما على العاشق من وِزر
قال وأنشدني الجمّاش:
إذا قبّل الإنسان إنسان يشتهي ... ثناياه لم يأثم، وكان له أجرا
فإن زاد زادَ الله في حسناته ... مثاقيل يمحو الله عنه بها وزرا
وقال سائب راوية كُثيّر: حضرتُ مع كثيّر عند ابن أبي عتيق، فأنشدنا أبيات ابن قيس الرُّقيَّات التي يقول فيها:
خبّروني هل على رجلٍ ... عاشقٍ في قبلةٍ حرج
فقال كُثيّر: لا! إن شاء الله، ونهض.
وأنشدني علي بن العباس بن رومي:
أيها العاشق المعذَّب إصبر، ... فخَطيّات ذي الهوى مغفوره
زفرةٌ في الهوى أحطّ لذنبٍ، ... من غزاةٍ وحجّةٍ مبروره
وقال المؤمَّل، وأحسن، والله، في قوله:
صِفْ للأحبة ما لقِّيتَ من سهرٍ، ... إن الأحبة لا يدرون ما السهر
حسْبُ المحبين في الدنيا عذابهمُ، ... والله لا عذّبتْهم بعدها سَقَرُ
وقال الأصمعي: رأيتُ جاريةً بالطواف وهي تقول:
لن يقبل الله من معشوقةٍ عملاً ... يوماً، وعاشقها حَيرانُ مهجور
وليس يأجرها في قتل عاشقها، ... لكنّ عاشقها لا شكّ مأجور
فقلت: يا جارية! أفي هذا المقام، أما حياء فيردعك؟ فأنشأت تقول:
بيضٌ أوانس ما هممن بريبةٍ، ... كظباء مكة صيدهنّ حرام
يُحسَبْن من لين الكلام زوانياً، ... ويصدّهنّ عن الخَنى الإسلام
стр. 93
وقد قيل أيضاً: إن
قتيل الهوى لا قَوَدَ له، وإن دماء أهل الهوى تبطل وتُهدَر.
قتيل الهوى
ومن ذلك ما حُكي عن ابن عباس أنه أُتي بشابّ محمول قد صار كالشنّ البالي، فقيل له: استشفِ الله لهذا المريض، يا ابن عمّ رسول الله، فقال له ابن عباس: ما علّتك يا فتى؟ فلم يُحِرْ إليه جواباً، ثم رفع رأسه، وقال بلسان فصيح طليق:
به لوعةٌ تشتكي الصُّمُّ مثلها، ... تفطّرت الصُّمُّ الصِّلابُ وخرّتِ
ولو قسم الله الذي بي من الهوى، ... على كل نفس حظّها ما أبلّتِ
ثم خفت خفنةً ثم فتح عينيه، وهو يقول:
بنا من جوَى المبرِّح لوعةٌ، ... نكاد لها نفسُ الشفيق تذوب
ولكنما أبقى حُشاشةَ ما ترى ... على ما به عودٌ هناك صليبُ
فقال ابن عباس: ممن الرجل؟ فقال: من بتي عُذرة، ثم شهق شهقة فمات. فقال ابن عباس لجلسائه: هل رأيتم وجهاً أليق ولساناً أذلق من هذا؟ هذا والله قتيل الهوى لا قَودَ ولا دِيَة، وإلى الله أرغب في العافية مما نرى.
دماء العشاق مهدورة
وأنشد أحمد بن يحيى ثعلب:
إذا هنّ ساقَطن الحديث لذي الهوى ... سقوط حصى المَرجان من كفّ ناظمِ
رمَين، فأصمينَ القلوب، فنا ترى ... دماً سائلاً، إلا جوىً في الحَيازِم
فأي دمٍ، لو تعلمين، جَنَتيه ... على الحُرّ، جاني مثله غيرُ سالم
стр. 94
أما إنه لو كان غيرُك أرقلت ... إليه القَنا بالمُرهَفات الصوارمِ
ولكن، وبيت الله، ما طلّ مُسلِماً ... كغُرّ الثنايا، واضحات المعاصمِ
وأنشدني أبو عبد الله الواسطي لنفسه:
قضى الله في القتلى قِصاصَ دمائهم ... ولكنْ دماء العاشقين جُبارُ
تُطلّ دماء العاشقين، وثأرها ... لدى الحدقِ المرضى، وذلك ثار
قال الأحوص بن محمد الأنصاري:
ما تُذكر الدهر لي سُعدى وإن بعُدن ... إلاّ ترقرق ماء العين، فاطَّردا
يا للرجال لمقتولٍ بلا تِرَةٍ، ... لا يأخذون له عقلاً، ولا قَوَدا
وحدّثني العَنَزي أبو علي عن الزبير بن بكّار عن محمد بن عبد الله بن مسلم بن جُندَب عن أبيه قال: خرجتُ مع أبي سفيان، فلقينا نُسوةً ينظرن العقيق، فيهن امرأةٌ حسناء العين، فقال أبي:
ألا يا عباد الله هذا أخوكمُ ... قتيلاً، فهلْ فيكم به اليوم ثائر
خذوا بدمي، إن متُّ، كل خَريدةٍ، ... مريضة طَرف العين، والجَفنُ ساحر
قال: فالتفتت إليّ امرأةٌ، فقالت: يا بنيّ احتسب أباك، واغتنم نُهبيك،
стр. 95
فإن قتيلنا لا يودى وأسيرنا لا يُفدى.
وأنشدني أحمد بن يحيى لجَرير بن الخَطَفى:
هل في الغوادي لمت قتّلن من قَودٍ، ... أو من دياتٍ لقتلى الأعين الحور
تبيت ليلك في وجدٍ تُخامره، ... كأن في القلب أطرافَ المسامير
ما كنت أوّل مَحزونٍ أضرّ به ... بَرْحُ الهوى، وعذابٌ غير تَفتيرِ
وقال أيضاً:
إذا كَحَلْن عيوناً غير مقرفةٍ ... ريّشن نَبلاً لأصحاب الصِّبى صُيُدا
ما بال قَتلاكِ لا تخشين طائلهم، ... لم تضمني ديةً منهم ولا قَوَدا
وقال عمر بن لجأٍ:
تراءت، كي تكيدك أمّ عمرو، ... وكيدك بالتبرُّج ما تكيد
وكيف قَتَلني، يا أمّ عمروٍ، ... ولا قَوَدٌ عليكِ، ولا حدودُ
وقال أعرابي، وما أساء:
أقاتلتي، يا للرجال، حبيبةٌ ... إليّ، بلا جُرم لديها ولا دَحْلِ
فقيمُ دماء العاشقين مضاعةٌ ... بلا قَوَدٍ، عن الحِسان، ولا عقلِ
وأحسن والله المؤمَّل حيث يقول:
إني قُتلتُ بلا جُرمٍ، وقاتلتي، ... يا قومِ، جاريةٌ في طَرفها حَوَرُ
стр. 96
لما رمَت مُهجتي قالت لجارتها: ... إني قتلتُ قتيلاً ما له خَطَرُ
قتلتُ شاعر هذا الحيّ من مُضرٍ، ... فالله يعلم ما ترضى بذا مُضَرُ
شكوتُ ما بي إلى هندٍ، فما اكترثَت، ... يا قلبها! أحديدٌ أنت أم حجر
إن كُنتِ جاهلةً بالحبّ، فانطلقي ... إلى القبور، ففيمن حلّها عِبَرُ
وقد قيل أيضاً: إن قتيل الهوى شهيدٌ، على ذلك أجمع، والله يعلم، الأدباء وأهل العلم والظرف لموجود ومسند الآثار.
حدثنا قاسم الزُّبيدي بإسناد ذكَرَه عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ : من تعشّق فعفّ فهو شهيد.
شهداء الحب
وقال بشار بت برد العُقيلي:
قُربُ دار الحبيب قُرّةُ عينٍ، ... وكأنّ البُعاد في القلب ثُكلُ
إنّ موت الذي يموت من الح ... ب عفيفاً له على الناس فضلُ
ولبعض المتأدبين:
ليتني مُتُّ، والهوى داء قلبي، ... إنّ مَيتَ الهوى لَمَيتٌ شهيدُ
ولقد أحسن جميل حيث يقول:
ألا ليتَ شعري هل أبِيتنّ ليلةً ... بوادي القُرى، إني إذاً لسعيدُ
يقولون جاهدْ، يا جميلُ، بغَزوةٍ، ... وأيَّ جهادٍ غيرهن أريد
لكل حديثٍ بينهنّ بشاشةٌ، ... وكلّ قتيلٍ بينهنّ شهيد
ومَلُح الحَمَمي حيث يقول:
ولقد كُنّا رُوينا ... عن سعيدٍ عن قَتاده
عن سعيد بن المسيَّبْ ... أنّ سَعدَ بنَ عُباده
стр. 97
قال: من مات محباً، ... فله أجرُ الشهاده
ممن يحسن الحب
واعلم بأن العشق يَحسُنُ بأهل العفّة والوفاء، ويقبحُ بأهل العهر والخَنى مع أن الهوى قد فسد وقلّ الوفاء وكثُرت الخيانة والغدر، واستعمل الناس في العشق شيئاً ليس من سُنّة الظرف، ولا من أخلاق الظرفاء، وذلك أن أحدهم متى ظفر بحبيبه، وأصاب الغفلة من رقيبه، لم يَعفّ دون طلب الصفاء. أنشدني عبد الحميد المَلطي:
قد فسد الحب وهان الهوى، ... وصار من يعشق مُستعجلا
يريد أن ينكِحَ أحبابه، ... من قبلِ أن يسهر، أو يَنحُلا
ولأحمد بن أبي فنَن في مثل ذلك:
أنا لا أَبْدا بغدرٍ أبداً، ... فإذا ما غدرَت لم أتَّركْ
واجداً منها بديلاً مثل ما ... وَجَدَت مني بديلاً، لا تَشُكّ
أتُراني أقعد الليل لها ... ساهراً أطلب وَصلاً قد هلكْ
وهْيَ فيما تشتهي لاهيةٌ، ... مِتُّ إن دار بهذين فَلَكْ
كان للناس وفاءٌ مرّةً، ... فانقضى، وانحلّت اليوم التّكَكْ
مسامير الحبّ
وحدثني أبو العَيناء قال: حدثني الجاحظ قال: كتب بعض الظرفاء إلى مُلْك جارية أبي جعفر:
يا مُلْكُ قد صِرتُ إلى خُطةٍ، ... وكنتُ فيها منْكِ ذا ضَيمِ
يلومني الناسُ على حبّكم، ... والناس أولى فيكِ باللوم
стр. 98
فكتبت إليه:
إنْ تكُنِ الغُلمةُ هاجت بكم، ... فسكّنِ الغُلمةَ بالصومِ
ليس بك الشوقُ، ولكنّما ... تدور من هذا على الكَوْمِ
واعلم أن العشق لا يكون مع الفسق، ومتى مازج العشق الفسق ضَعُفت قُواه، وانفصمت عُراه، وهم لا يريدون غير الرَّفثِ، ويسمونه مسامير الحبّ، وزعموا أن أسباب الحب لا تتصل إلا به، ولا يزال منحلاً، حتى يشدّها ذلك، وينشدون:
العشق داءٌ دويٌّ لا دواء له، ... إلا العناق وإفشاءُ السريراتِ
وليس يُلتذّ طيبُ العيش من أحد ... إلا بعضّكَ، أو رشفِ الثنيّاتِ
ووضعك الصدر فوق الصدر تجمعه ... ضمّاً إليك على ظهر الحشيّاتِ
وينشدون أيضاً في مثل ذلك:
رأيتُ الحبّ ليس له دواءٌ، ... سوى وضع البُطون على البطونِ
وإلصاق الثنايا بالثنايا، ... وأخذٍ بالمَناكب والقُرونِ
وقد ناظرتُ بعضهم مرة من الِمرار، فاحتج بخبر ابن عباس عن النبي، ﷺ ، فاحتجّوا بظاهر الخبر، ولم يفحصوا عن التأويل، وهذا خلاف ما يفعل أهل الظرف والأدب، وغير هذا جاء عن العَرب. وقد بلغني عن الأصمعي أنه قال: قلت لأعرابي مرة: ما العشق فيكم؟
стр. 99
قال: النظرة بعد النظرة، وإن كانت القبلة بعد القُبلة، فهو الوصول إلى الجنّة. فقلت: ليس العشق عندنا كذلك، قال: فما هو عندكم؟ قلت: تفرقُ بين رجليها وتحمل نفسك عليها. فقال: بأبي أنت لستَ بعاشقٍ، إنما أنت طالب ولد.
ما جاء فيمن تعفف في محبته
ورعى عقود عهود مودّته
وما وجدنا أحداً من العرب يفعل ذلك، ولا صمد نحوه، وقد كان الواحد منهم يعشق من أول دهره إلى آخره لا يُحاول فِسقاً، ولا يقرب رفثاً، ولم يكن لهم مراد إلا في النظر، ولا حظّ في غير الاجتماع والمؤانسة، والحديث والشعر، كما قال الفرزدق:
وجدتُ الحب لا يشفيه إلاّ ... لقاءٌ يقتل الغُللَ النِّهالا
أُحبّ من النساء، وهنّ شتّى، ... حديث النزْر، والحدقَ الكِلالا
موانعُ للحرام بغير فُحشٍ، ... وتبذل ما يكون لها حلالا
وكان الواحد منهم إذا تعلّق خلّةً لم يفارقها حتى الممات، ولم يشغل قلبه بغيرها، ولم يهمّ بالسلوّ عنها، وقَصَر طرفه عمّن سِواها، وكذلك هي أيضاً كانت له بتلك المنزلة، فأيّهما هلك قبل صاحبه قتلّ الآخرُ نفسه في أثره، أو عاش حافظاً لودّه قائماً بعهده، لا ينسى ذكره، ولا يصل غيره، فاستحسن الناس الملّل والاستبدال، والغدر والانتقال، وصار أشدّهم ظَرْفاً، وأحسنهم يتعشّق السنين الكثيرة، والدهور الطويلة، ويتوهّم بفعله أنه عاشقٌ، فإذا فقد حبيبه يوماً واحداً، استبدل به سواه، ويُنشدن في ذلك:
стр. 100
افخر بآخر من بُليتَ بحبّه، ... لا خر في حب الحبيب الأول
أتشُكّ في أن النبي محمداَ ... ساد البريّة، وهو آخر مُرسَلِ
وأنا أبرأ إلى الله أن يكون هذا من شعرِ ظريفٍ أو من فعل حَصيفٍ، ولكن قد أحسن أبو تمام الطائي حيث يقول:
البين جرّعني نقيعَ الحَنظَل، ... والبينُ أثكلني، وإن لم أثكل
ما حسرتي أن كِدتُ أقضي، إنما ... حسرات نفسي أنني لم أفعلِ
نقّلْ فؤادك حيث شئت من الهوى، ... ما الحب إلا للحبيب الأوّلِ
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى، ... وحنينه أبداً لأوّل منزل
على أنه ليس التنقّل من حبيب أول إلى حبيب ثانٍ بحسن، وإنما الحب ما أقام عليه القلب، فلم يجد التخلّص منه إلى غيره كما قال جرير:
أخالدَ! قد هويتُكِ بعد هندٍ، ... فشيّبني الخوالدُ والهنودُ
هوىً بتهامةٍ، وهوىً بنجدٍ، ... فتُبْليني التهائم والنُّجودُ
ولا كقوله أيضاً:
أحبّ ثرى نجدٍ، وبالغَور حاجةٌ، ... فغار الهوى، يا عبد قيسٍ، وأنجدا
ولا كقول الآخر:
إني سأُبدي الحب فيما أُبدي ... لي شَجَنانِ: شَجَنٌ بنجدِ
وشجنٌ لي ببلاد الهِندِ ...
стр. 101
ولا كقول الآخر:
هوىً بالغَور لي، وهوىً بنجدٍ، ... فما أدري أأنجِدُ أم أغورُ
بكُلّ حاجةٌ، وهوىً مقيمٌ ... بقلبك قد تَضَمّنه الضمير
بشرقيّ العراق، بباب عمروٍ، ... وبالغَورين زينبَ والقدور
هذا والله من ألفاظ الشعر أسمجُ جداّ، وقد كذب هؤلاء، وادّعوا وجداً، وهل يجتمع وَجدان في موضع؟ ولكن قد أحسن جميلٌ حيث يقول:
وقلتُ لنسوانٍ تعرّضْن دونها: ... إليكنّ إني غيركُنّ أُريد
وحيث قال أيضاً:
وكم من بديلٍ قد وجدنا وطُرفةٍ، ... فتأبى عليّ النفسُ تلك الطرائفا
فهذا هو الصادق الهوى الخالص الوفاء، لا جرير وصاحبه، ولا الذي يقول:
أرى ذا، فأهواه، وأُبصرُ غيره، ... فأترك ذا ثم استبدُّ بذا عِشقا
ثمانون لي في كل يومٍ أحبّهم، ... وما في فؤادي واحدٌ منهم يبقى
فقبّح الله هذا اللفظ لفضاً، ولا أعطيَ قائله حظّاً، فليس من شعر وامقٍ، بل هو من فعل مُماذق، ولا والله ما التنقّل من شأن الأدباء، ولا الاستبدال من فِعلِ الظرفاء، وإنما الهوى ما حسُن سريرته، وهيهات ذوو الوداد الخالص، والصفاء الدائم، والحب اللازم، ودود الحفاظ، ورعاة العهود، والمتمسكون بالوفاء، والراغبون في صحيح الإخاء إليك. فقد تنقّضت وثائق
стр. 102
الحب، وانفصمت عُرى الهوى، وتقطّعت أسباب العشق، وتكدّر صافي المودّة، والناس كما قال الشاعر:
قلّ الثقاتُ، فما أدري ثمن أثق، ... لم يبقَ في الناس إلا الزور والملَقُ
الغدر طبع في النساء
وإن الغدر في النساء طبع، والمطل منهن غريزة، وهو في النساء أكثر منه في الرجال، فقد أنشدني بعض الأدباء:
وكنا جعلنا الله شاهدَ بيننا، ... وفي الله بينَ المسلمين شهيدُ
فخِستِ بعهد الله لو تعلمينه، ... وفيكُنّ من ليست لهنّ عهودُ
واعلم أنهنّ لا عهود لهنّ، ولا وفاء لحبّهن، ولا دوام لودّهن، وأن أقبح ما رُوي من غدرهنّ ما حدثنيه ابن أبي خيثمة عن شيوخه: أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفيل كانت عند ابن أبي بكر الصدّيق، ﵁، فأحبها حباً شديداً شغلته عن تجارته، فأمره أبو بكر، فطلّقها، ثم اطّلع عليه وهو يقول:
فلم أر مثلي طلّق، اليوم، مثلها، ... ولا مثلها في غير جُرمٍ تُطلَّقُ
لها خُلُقٌ سهلٌ، وحُسنٌ، ومنصِبٌ، ... وخلاْقٌ، سَويٌّ ما يُعاب، ومنطق
أعاتكَ قلبي، كل يومٍ وليلةٍ، ... إليكِ ما تُخفي النفوس مُعلَّقُ
أعاتكَ لا أنساكِ ما حجّ راكبٌ، ... وما لاح نجمٌ في السماء محلِّقُ
فرقّ عليه أبو بكر وأمره فراجعها، فقال لما رجعت إليه:
أعاتكَ! قد طُلّقتِ من غير بغضةٍ، ... ورُوجِعتِ للأمر الذي هو كائنُ
كذلك أمرُ الله غادٍ ورائحٌ، ... على الناس، فيه أُلفةٌ وتبايُنُ
стр. 103
وما زال قلبي للتفرّق بائناً، ... فقلبي لما قد قرّب الله ساكنُ
ليهنِكِ أني لم أجد منك سَخطةً، ... وأنك قد جَلّت عليك المحاسنُ
وأنك ممن زيّن الله أمرها، ... وليس لما قد زيّن الله شائنُ
فلن تزل عنده، حتى قُتل يوم الطائف، رُمي بسهم فمات، فجزعت عليه جزعاً شديداً وقالت ترثيه:
أآليتُ لا تنفكّ عيني حزينةً ... عليك، ولا ينفكّ جِلدي أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتىً ... أشدّ، وأحمى في الهياج، وأصبرا
إذا أُشرِعت فيه الأسنّة خاضها ... إلى الموت، حتى يترُكَ الرمح أشقرا
ثم خطبها عمر بن الخطاب، فتزوّجها، فأولم عليها، ودعا أصحاب النبي، ﷺ ، قال: فقال له علي بن أبي طالب: ائذن لي لأُدخِل رأسي إلى عاتكة أكلّمها؛ قال: افعل، فأدخل رأسه إليها فقال: يا عُديّة نفسها! أهكذا كان قولك:
أآليتُ لا تنفكّ عيني سَخينةً ... عليك، ولا ينفكّ جلدي أغبرا!
فبكَت، فقال له عمر: ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن؟ فغفر الله لك، أنهنّ يفعلن هذا، قال: أردتُ أن أُعلمها أنه لا عهد لهنّ، فمكثت عنده، حتى قُتل أبو لؤلؤة، فقالت ترثيه:
عينِ جودي بعبرةٍ ونحيبِ ... لا تَملّي على الأمير النجيب
فجعتني المَنونُ بالفارس المع ... لم يوم الهياج والتأتيبِ
عصمة الله، والمُعين على الده ... ر، غياث الملهوف والمكروبِ
قل لأهل البأساء والضُّرّ: موتوا، ... قد سقته المنون أمُّ الرقوب
стр. 104
ثم تزوّجها الزبير بن العوام، فمكثت عنده حتى قُتل عنها، منصرفاً من الجمل، بوادي السباع، قتله ابن جرموز فرثتْه، وفيه تقول:
غَدَرَ ابنُ جُرْموز بفارس بُهمةٍ، ... يوم اللقاء، وكان غير مُعرِّدِ
يا عمرو لو نبّهتَه لوجدْتَهُ ... لا طائشاً، رُغْبَ الجنان، ولا اليد
ثكلتك أمُّك أن قتلتَ لمسلماً ... حلّت عليك عقوبة المتعمِّدِ
فخطبها عليّ بن أبي طالب، فبعثت إليه: إني لأضَنّ بك عن القتل، وإنما استحْيَت فامتنعت، وقد تزوجت باثنين من بعد قولها:
أآليتُ لا تنفكّ عيني سَخينةً ... عليك، ولا ينفكّ جلدي أغبرا
قال: وحدثني أبو الفضل الربيع قال: حدثني أبو ربيعة العامري الكوفي قال: حدثني علي بن عمرو الأنصاري قال: دخلت المُدلّة البَكرية، زوجة المُغيرة بن أبي ضِمام البكري، وكان يحبّها حباً شديداً، على المغيرة بن أبي عقيل، تُخاصم في بعض أمورها، فلما خرجت المُدلّة قال: أنت التي يقول فيك المُعَذَّل:
قلْ للمدلّة طال ذا التعديدُ، ... فدعي التعلُّلَ والمِطالَ قليلا
ويّزيدها حَلْي النساء مَلاحةً، ... ويَزيد ذلك بعضهن خُبولا
قالت: نعم. قال: فلِم تزوّجت بعده؟ أفٍّ لكنّ! قالت: أتنصف ما كنتُ بديّاً، وما بَنيّاً! فضحك منها وأمرها بالانصراف.
ورُوي أن امرأة من نساء العرب تزوّجت رجلاً من خَشْعَم، فوجد كل واحد منهما بصاحبه وجداً شدياً، وأنهما تحالفا أن لا يتزوج أحدهما بعد صاحبه، فمات قبلها، فتزوجت، فلامها بعض أهلها، وقالوا: أين ما كنت
стр. 105
تجدين به؟ فأنشأت تقول:
وقد كان حُبي ذاك حباً مُبرِّحاً، ... وحُبّي لذا إذ مات ذاك شديد
وكان هواي عند ذاك صَبابةً، ... وحبّي لذا، طول الحياة، يزيد
فلما مضى عادت لهذا مَوَدّتي، ... كذاك الهوى، بعد الذهاب يعودُ
وقال صالح بن حسان: لما احتُضر حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ﵁، كانت فاطمة بنت حسن بن علي جالسةً عند رأسه تبكي، فقال: ما يُبكيك؟ قالت: على فراقك، ابن عمّ، قال: مَهْ! ما صنعتِ؟ فإياك أن تنكحي عبد الله بن عمرو بن عثمان، وقد علم أن أحداً لا يجترئ على خُطبتها غيره. قالت: ما كنتُ لأفعل. وهلك، وله منها عبد الله بن حسن، وإبراهيم بن حسن. فلما انقَضَت عدّنها دعت مولاةً لها يقال لها: زير، فقالت: إيتي عبد الله بن عمرو، فقولي له: أعرنا بغلتك الشهباء برحالتها، فإني قد أردت أن أسير إلى بعض أموال ولدي بالعالية. فأتته، فقال: يا زير لو كان لي إلى مولاتك سبيلٌ! ارحلوا لها البغلة. فلما جاءت قالت: هل لقيته؟ قالت: نعم! قالت: فما قال لك؟ قالت قال: لو كان لي إلى مولاتك سبيلٌ! قالت: يلكِ، وأين المذهب عنه؟ فرجَعت زير، فدخلت عليه وأعلمته، فأرسل إليها، فخطبها، فتزوجته، وولدت له الهيثم ومحمداً ورقيّة، وكان لها من الحسنِ ثلاثة، ومن عبد الله ثلاثة.
ورُوي عن سماك بن حرب أنه قال: كانت العرب تقول: لم تُنْهَ امرأةٌ قطّ عن رجل إلا تزوجته.
وقال ابن عباس: حدثني شيخٌ من بني ضبّة قال: كان رجل منا ظريفاً شريفاً احتُضر، فبينا هو يجود بنفسه، وبُني له يُسمّى مَعْمَراً يدبّ بين يديه، فنظر إليه وبكى، ثم التفت إلى امرأته، فقال: يا هذه،
стр. 106
إني لأخشى أن أموت، فتُنكَحي، ... ويُقدف في أيدي المراضع مَعمرُ
فحالت ستورٌ بعده ووليدةٌ، ... وأشغلهم عنه نحورٌ ومُجْمَرُ
قالت: ما كنتُ فاعلةً. قال الشيخ: فوالله ما انقضت عنها عِدّتها حتى تزوجت بشابّ من الحي، ورأيت كما مصف.
قال: وأنشدني بعض الشعراء:
إنّ من غَرّه النساء بشيءٍ، ... بعد هند لجاهلٌ مغرورُ
كل أنثى، وإن بدا لك منها ... غاية الحب، حبُّها خَيتَعورُ
وإن الوفاء فيهن عَزيز، وغير موجود، ووالله لئن كان كذاك وعُرفن بذاك، ففي الرجال من هو أكثر منهن غدراً، وأسرع منهن خَتراً، وأسمح منهن تنقّلاً، وأقبح منهن تبدُّلاً.
غدر الرجال
خُبِّرت عن الأصمعي قال: كان رجل من الأعراب يُظهر الوجدَ لامرأته، والحب لها. وكانت تُظهر له مثل ذلك، فتعاهدا ألاّ يتزوّج منهما الباقي بعد صاحبه، فاختُرمَت المرأة قبله، فخطب الرجل امرأةً من يومه ذلك، فقيل له: أتخطب بعد يمينك وعهدك؟ فقال:
خَطَبْتُ، كما لو كنتُ قد مُتُّ قبلها، ... لكانت، بلا شكٍّ، لأول خاطبِ
إذا غاب بعلٌ كان بعلٌ مكانه، ... ولا بدّ من آتٍ وأخرَ ذاهبِ
стр. 107
وخُبّرت أن بعض وُلاة العهود كانت له جاريةٌ، فكان يُظهر الميل إليها، والاستهتار بحبها. وكان يقول لها: إذا أفضتِ الخلافة إليه أن يفضّلها على نسائه، ويقدّمها في البِرّ والكرامة عليهنّ، فلما بلغ من ذلك أمله جفاها واطّرحها وقَلاها، فكتبت إليه:
أين ذاك الوُدُّ والقَبول، ... وأين ما كنتَ لنا تقول؟
فكتب إليها:
قد قال في أشعاره لَبيدُ: ... يا حبّذا الطارف والتليد
فعلمت أنه لا حاجة له فيها. فهذا في القُبح يتجاوز غدر النساء، ويعلو على كثير من جنايات الإماء، وإنهنّ، والله، على ما فيهن من الغدر والخيانة والشرّ، لربما عَشِقن فاشتهرن، ووفين فأحسنّ.
وفاء النساء
وإن من حُسن ما بلغ من وفائهن ما صنعتْه ابنة الفَرافِصة مع عثمان بن عفان، ﵁، وكان من قصّتها أن سعيد بن العاص تزوج هند ابنة الفَرافِصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن الحرث بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب الكليبة، فبلغ ذلك عثمان بن عفان، فكتب إلى سعيد: أما بعد، فقد بلغني أنك تزوّجتَ امرأةً من كلب، فاكتب إليّ بنسبها وجمالها. فكتب إليه سعيد: أما بعد، أما نسبُها، فه ابنة الفَرافِصة بن الأحوص، وأما جمالها، فبيضاء، مَديدة، والسلام. فكتب إليه عثمان: إن كانت لها أختٌ فزوِّجْنيها. فبعث سعيد إلى أبيها، فخطب إليه إحدى بناته على عثمان، فقال الفَرافصة لابن له يُدعى ضبّاً، وكان قد أسلم، وأبوه نصراني: يا بُنيّ! زوّج
стр. 108
عثمان بن عفان أختك، فزوّجه. فلما أراد حملها قال لها أبوها: أي بُنيّة! إنك ستقدمين على نساء قريش، وهن أقدر على الطيب منك فاحفظي عني اثنتين: تكحّلي وتطيّبي بالماء، حتى تكون ريحك كريح الشباب التطهَّرين. فلما حُملت شقّ عليها الغُربة واشتاقت إلى أهلها، فقالت:
ألستَ ترى، يا ضَبّ بالله، أنني ... مصاحبةٌ نحو المدينة أركبا
إذا قطعوا خَرْقاً تخبّ رِكابها، ... كما زعزعت ريحٌ يراعاً مُقصَّبا
لقد كان في أبناء حِصن بن ضمضمٍ، ... لك الويل، ما يُغني الخِباء المُطنَّبا
قلما قدمت على عثمان بن عفان قعد على سرير، وألقى لها سريراً حياله، فجلست عليه، ورفع العِمامة عن رأسه، فبدا الصلع فقال: يا ابنة الفَرافصة، لا يهولنّك ما ترين من الصلع، فإن من ورائه ما تحبين. قالت: إني لمن نُسوةٍ أحب بعولتهنّ إليهنّ الكهول البيض، السادة. فقال: إما أن تقومي إليّ وإما أن أقوم إليك. فقالت: ما تجشّمتُ من كراهة جَنباتِ السماوة أبعد مما بيني وبينك. ثم قامت إليه، فجلست إلى جانبه، فمسح رأسها، ودعا بالبركة، وقال: اطرحي عنك خِمارك، فطرحته، ثم قال: اخلعي دِرعك، فخلعته، ثم قال: حُلّي إزارك، فقالت: ذاك إليك، فحلّه، فكانت من أحظى نسائه عنده. فلما كان يوم الدار أهوى رجلٌ إلى عثمان بالسيف، فألقت نفسها عليه، فضرب عَجيزتها، وكانت من أعظم النساء عَجيزةٌ، فقالت: أشهد أنك فاسقٌ لم تأت غضباً لله ولرسوله! فأهوى إليها بالسيف ليضربها، فاتّقته بيدها فقطع إصبعين من أصابعها، فلما قُتل عثمان قالت فيه ترثيه:
ألا إنّ خير الناس بعد نبيّه ... قتيل التَّجوبيّ الذي جاء من مِصرِ
стр. 109
وما لي لا أبكي، وتبكي قَرابتي، ... وقد ذهبَت عنا فُضول أبي عمرِو
فبعث معاوية بعد ذلك يخطبها، فنزعت ثنيّتها العليا وقالت: أذاتُ عروسٍ هذه. فهذا، والله، حسنٌ من وفاء النساء.
وقد تقدم ذكر جماعة من أهل الوفاء اللاتي قتلن أنفسهن في أثر متعشّقهيهنّ أغنى عن كثير من أخبارهنّ.
عبد الله بن علقمة وحُبيشة
وقد رُوي أيضاً عن أبي حَدْرَد الأسلمي قال: نشأ فينا غُلامٌ يقال له: عبد الله علقمة، فعلق جاريةً منا يقال لها حُبيشة لم تكن من فخذه، وكان يتحدّث إليها كثيراً. فخرج ذات يوم من عندها، فنظر إلى ظبيةٍ على رابية فالتفت إلى أمّه وهو يقول:
يا أُمّتي خبّريني غير كاذبةٍ، ... وما يُريد مَسولُ الخُبرِ بالكذبِ
حُبيشٌ أحسنُ أم ظبيُ برابيةٍ، ... لا بل حُبيشةُ من ظبيٍ ومن ذهبِ
ثم انصرف من عندها مرة أخرى فأصابته السماء، فأنشأ يقول:
وما أدري إذا أبصرتُ يوماً، ... أصوب القطر أحسن أم حُبيشُ
حُبيشة والذي خلق الهدايا، ... على أن ليس عند حُبيشَ عيشُ
فلما سمع بذلك قومه قالوا لأمه: هذا غلامٌ يتيمٌ لا مال عنده، وآل تلك يرغبون عنكم، فانظري له بعض نساء قومه، لعله يسْلى عنها، فزوّجته جاريةٌ ذات جمال وكمال، وزيّنتها بأحسن زينةٍ، وأقامتها بين يديه، فلما نظر إليها قال: مرعىً ولا كالسعدان! فذهبَت كلمتُه مثلاً، والسعدان نَبْتٌ يرعاه إبل الملوك؛ فعلموا أنه لا ينصرف عن هواها. فتواعدوا حُبيشة وقالوا: إذا جاء فأعرضي عنه، وتجهّميه بالكلام، رجاء أن ينصرف بعض الانصراف. فلما
стр. 110
رآها لم تستطع أن تفعل ما أُمرت به غير أنها جعلت تنظر إليه وتبكي، فعلم بقصّتها، فانصرف وهو يقول:
وما كان حبي عن نوالٍ بذلتُه، ... فليس بمُسليه التجهّن والهَجر
سوى أن دائي منك داءٌ مودةٍ، ... قديماً ولم يُمزَج كما مُزج الخمر
وما أنس ملأشياء لا أنسَ دمعها ... ونظرتها حتى يُغيّبني القبر
ثم مكثا على حالهما، وطول وحدهما، إلى أن وافتهما خيلٌ خالد بن الوليد يوم الغُميضاء، فأُخذا فيمن أُخذ من الأسرى فأُوثقا رباطاً.
وهذا حديثٌ مشتهر قد رواه محمد بن حميد الخُراساني عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، وحكاه المدائني عن يعقوب بن عُتبة بن المُغيرة الثقفي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن أبي حَدْرَد الأسلمي عن أبيه قال: كنتُ يوم الغُميضاء، وهو يوم بني جذيمة، في خيل خالد بن الوليد المخزومي، حين وجهه رسول الله، ﷺ ، فقتل وأسر، فقال لي فتىً منهم، وقد جُمعت يداه إلى عُنُقه، ونُسوةٌ مجتمعاتٌ غير بعيدٍ منه: يا فتى! هل أنت آخذٌ بزمام ناقتي، فقائدي إلى هؤلاء النسوة، فأقضي إليهن حاجةً، ثم ترى بعد ذلك ما بدا لك؟ قلتُ: يسيرٌ ما سألتَ، فألحقته بهن، فوقف عليهن، فاقل: اسلمي حُبيش على نفاذ العيش! قالت: وأنت فاسلم سعيتَ سقاك ربي الغيث؛ ثم قالت: وأنت فحُيّيتُ عشراً وسبعاً وِتراً وثمانياً تترى، فقال الفتى:
أريتكِ إذ طالبتكم، فوجدتكم ... بحَليةَ، أو ألفيتكُم بالخوانقِِ
ألم يكُ حقّاً أن يُنوَّلَ عاشقٌ ... يُكلَّفُ إدلاج السُّرى والودائقِ
следующие страницы →