Полный текст (381 стр.). Показаны 351–381 · переход к 356.
стр. 351
عطاراً مشهوراً بالستر والصيانة ركبه دين، فقام عن دكانه ولزم منزله، وأقبل على الصلاة والدعاء عدة ليال، فبينما هو قد صلى ذات ليلة ودعا، رأى رسول الله ﷺ في منامه وهو يقول له: امض إلى علي بن عيسى الوزير، فقد أمرته بأن يدفع إليك أربعمائة دينار تصلح حالك بها. قال العطار: وكان علي ستمائة دينار ديناً، وأصبحت فقلت: قد قال النبي ﷺ : من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي فلم لا أمضي إلى الوزير وأعرف ما عنده؟ قال: فمضيت، فلما وقفت على بابه منعت الوصول وجلست إلى أن ضاق صدري، وهممت بالانصراف، فأنا على ذاك إذ خرج الشافعي صاحبه وكان يعرفني معرفةً قريبة فقمت إليه وعرفته خبري فقال: يا هذا إن الوزير يطلبك منذ السحر، وإلى الآن قد سأل عنك كل واحد، والرسل مبثوثة في التماسك، فكن بمكانك. قال: ودخل، فما كان بأسرع من أن دعي بي، فدخلت إلى الوزير أبي الحسن، فقال لي: ما اسمك؟ قلت: فلان بن فلان العطار. قال: من أهل الكرخ؟ قلت: نعم، قال: أحسن الله يا هذا جزاؤك في قصدك إياي، فوالله ما تهنأت عيشاً منذ البارحة، لأن رسول الله ﷺ قال لي في منامي: أعط فلان بن فلان العطار بالكرخ أربعمائة دينار يصلح بها شأنه. فكنت اليوم منذ الغداة وإلى هذه الغاية أسأل عنك، وما عرفنيك أحد. يا غلام هات ألف دينار. فجيء به عيناً، فقال: خذ منه أربعمائة دينار امتثالاً لأمر رسول الله ﷺ والستمائة الباقية هدية مني إليك. فقلت: أيها الوزير ما أحب أن أزداد شيئاً من عطاء رسول الله ﷺ ، فإني أرجو البركة فيه. فبكى وقال: ما أحسن هذا اليقين؛ خذ ما بدا لك. فأخذت
стр. 352
أربعمائة دينار وانصرفت، وقصصت قصتي على صديق لي، ورجيته الدنانير وكلفته أن يخبر غرمائي بأمري، ويتوسط ما بنيهم وبيني. ففعل، وبذلوا له تأخيري بما لهم ثلاث سنين، فقلت: لا بل يأخذون مني الثلث وينظروني بالباقي. ففرقت عليهم مائتي دينار وفتحت دكاني وأدرته بالمائتين الباقية معي، فما حال الحول إلا وقد بلغ مالي ألف دينار، فوفيت غرمائي ما بقي لهم، وما زالت حالي تنمو ومالي يزيد ولله الحمد.
وكان الحنابلة بنوا مسجداً، وجعلوه طريقاً إلى المشاغبة والفتنة، فتظلم إلى أبي الحسن علي بن عيسى من أمره، فوقع على ظهر القصة: أحق بناء بهدم، وتعفية رسم، بناء أُسس على غير تقوى من الله. فليلحق بقواعده إن شاء الله.
وكان أبو الحسن بن نيداد يتقلد كور الأهواز، فتربص بأُزر من ارتفاع الناحية، فوقعت فيه النار واحترق، فكتب إلى علي بن عيسى كتاباً أقام به عذره، وسجع في كتابة سجعاً زاد فيه، فوقع علي بن عيسى على ظهر الكتاب: أنت يا أبا الحسن تكتب فتجيد، والاسم الحميد خير من الكلام السديد، ضيعت علينا أرزاً حصلته، وعولت بنا على كلام ألفته، وخطاب سجعته، أوجب صرفك عما توليته، والسلام. فقال أبو الحسن بن نيداد: ما صرفني غير السجع. وكتب إليه. وصل كتاب سيدنا الوزير أطال الله بقاءه مشتملاً على وصف وصرف. فأما الوصف فهو منه أدام الله تأييده مع محله من الصناعة نهاية الفخر والسعادة. وأما الصرف عن الاعتذار، بما جرى به المقدار، فما جزاء من اعتذار من حال لأدرك عليه فيها أن يصرف عن ولاية لا جناية منه عليها، والاعتذار بلفظ الصواب، أولى من الاحتجاج بسوء الخطاب.
стр. 353
فوقع علي بن عيسى عن جوابه: قد أدته البلاغة إلى الإرادة، فليكتب بإقراره على العمل، وإسعافه بالأمل، إن شاء الله. وورد الحضرة قوم من أهل ديار ربيعة يتظلمون من حيف لحقهم في معاملاتهم، فكتب على أيديهم إلى المحسن بن محمد بن عينونة العامل هناك كتاباً نسخته. بسم الله الرحمن الرحيم. في علمك أكرمك الله بما أمر الله به من العدل والإحسان، ونهى عنه من الجور والعدوان، وعاقب به الظالمين في سالف الأزمان، غني لك عن التنبيه والتوقيف، والوعظ والتخويف: وفيما رسمته لك مشافهة ومكاتبة في إنكار الظلم وإزالته، وإظهار العدل وإفاضته، كفاية وبلاغ. وقد ورد الحضرة أكرمك الله جماعة من وجوه التناء والمزارعين بديار ربيعة متظلمين مما عوملوا به في سني إحدى واثنتين وثلاث عشرة وثلاثمائة، من إكراههم على تضمن غلات بيادرهم بالحزر والتقدير وإلزامه حق الأعشار في ضياعهم على التربيع، واستخراج الخراج منهم على أوفر عبر قبل إدراك غلاتهم وثمارهم، وإكراه وجوههم وتجارهم على ابتياع الغلات السلطانية بأسعار مسرفة مجحفة. فأقلقني ما أفاضوا فيه من الشكوى، وآلمني ما انتهى إلي وصفه من عظيم البلوى، ووجدته مع قبيح ذكره وعظيم وزره عائداً بخراب الضياع، ونقصان الارتفاع. فينبغي أكرمك الله أن تجري سائر رعيتك على المعاملات القديمة، وتحملهم على الرسوم السليمة، حتى يعودوا إلى أفضل حال عهدوها، وأجمل سيرة حمدوها، وتزيل السنن الجائرة وتبطلها، وتقطع أسبابها وتحسمها، وتكتب إلي بما يكون منك في ذلك فإنني على اهتمام به، ومراعاة له، إن شاء الله.
стр. 354
وكتب إلى عبد الله بن علي الجرجرائي عامل الصلح والمبارك.
وصل كتابك أكرمك الله جواباً عن الكتب النافذة إليك فيما تظلم منك فيه جماعة من الرعية، وواصلوه من الشكية، بما دللت عليه من بطلان أقوالهم، وشدة أطماعهم، وحكيت من وجوبه عليهم بالحجج الواضحة، والشواهد اللائحة، وفهمته. فأما ما وصفته من استعمالك الحق في قولك وفعلك، وحلك وعقدك، فانظر أي دعوى أدعيتها لنفسك، وماذا تحتج به غداً عند ربك. واعلم أن أقبح الناس في الدنيا ذكراً، وأعظمهم عند الله وزراً، من وصف عدلاً وأتى جوراً، وأحسن قولاً وأساء فعلاً. وأما ما ذكرت أن هؤلاء المتظلمين أوقعوا فيه المغابنة، وابتاعوه من أراضي المزارعات مصابرة، فارتجعته منهم لتبيعه بالثمن الوافر، والنقد الحاضر، فقد عدلت في أمرهم عن طريق الحكم، ألى أشنع جهات الظلم. ولو بانت دعواك وظهرت، وقامت البينة عليها ووضحت، لما جاز أن تمنعهم عما ملكوه، ولا تحول بينهم وبين ما ابتاعوه، إلا بعد أن يختاروا فسخ البيع ويرضوه، ويؤثروه ولا يأبوه، وترد عليهم من الثمن ما وزنوه، وتدفع فيما بينك وبينهم بنظر محمد بن محمد ابن حمدون ووساطته، ولا تعدل عن قبول رأيه ومشورته. وأما ما أنفذته من العمل لبقايا سنة ثمان وثلاثمائة وما قبلها وبينت أن معظمه على الطائفة المتظلمة منك، فقد وقفت عليه، وأحوال هذه البقايا مختلف، والحكم فيها واضح منكشف، وسبيل ما كان منها على الجهابذة والبلدية، وسكان المستغلات السلطانية، أن تستخرجه في أسرع الأوقات، وتستوفيه على تصرف الحالات. وما نقاه المحملون وأصحاب المناثر
стр. 355
عن نقائض قناب الحاصل، ووصفوا أن تصحيحه واجب على أرباب البيادر، فسبيلك أن تجريه مجرى أسلاف البذور التي تستنظفها، مع التوثق منها بعد شهور. وما بقي من الأسماء المجهولة ولا أشك أنه من خراج نخل وخضر في أقرحة معروفة فيجب أن تطالب مزارعي تلك الأقرحة حتى يصححوه، أو يكشفوا حاله ويوضحوه، فاعمل في ذلك بما رسمته، ولا تتجاوز ما حددته، إن شاء الله. وأما ما ذكرت أن ابن المرف الذراع أشار عليك بإيقاع المساحة عليه من حريم الأنهار، المحفوف بالنخل والأشجار، لتطالب بابتياعه، من تجده قد فاز بارتفاعه، فقد غشك هذا الذراع في مشورته، ودلك على سوء سريرته. وجميع نواحي واسط أصلحك الله من السواد المفتتح عنوة، وليس يملكه السلطان أعزه الله فيباع، لأنه فيء للمسلمين يقوم مقام الوقف على جميعهم، وإنما تبايع أهليه فيه يجري مجرى السكني لأجل ما أدوه ويؤدونه من الخراج وهو الكراء، ومن غرس في هذا الحريم نخلاً أو شجراً، أو زرعه غلةً أو خضراً، فقد نفع سلطانه أعزه الله وانتفع، وثمر ماله بما صنع. فاحذر أن يخطر هذا الباب ببالك، أو يجري ذكره على لسانك، وارجع عما يعزب عنك فهمه ويشكل عليك حكمه إلى الفقهاء، لتسلم من سمه المسبة، وتأمن سوء المغبة، إن شاء الله.
وحدث أبو الحسن علي بن هشام قال: أقرأني أبو عبد الله أحمد بن محمد الحليمي كتاباً بخط أبي الحسن علي بن عيسى ذكر أنه كتبه إليه في وزارته الأخيرة وهو يتقلد طساسيج طريق خراسان، يحثه فيه على حمل المال وكانت نسخته:
стр. 356
قد كنت أكرمك الله عندي بعيداً من التقصير، غنياً عن التنبيه والتبصير راغباً فيما خصك بالجمال، وقدمك على نظرائك من العمال، واتصلت بك ثقتي، وانصرفت نحوك عنايتي، ورددت الجميل من العمل إليك، واعتمدت في المهم عليك. ثم وضح عندي من أثرك، وصح عندي من خبرك، ما اقتضى استزادتك، وردفه ما استدعى استبطاءك ولائمتك، وأنت تعرف صورة الحال، وتطلعي مع شدة الضرورة إلى ورود المال. وكان يجب أن تبعثك العناية، على الجد في الجباية، حتى ترد حمولك، ويتوصل ما نتوقع وروده من جهتك. ونشدتك بالله لما تجنبت مذاهب الإغفال والإهمال، وقرنت الجواب على كتابي هذا بمال تميزه من سائر جهاته وتحصله، وتبادر به وتحمله، فإن العين إليه ممدودة، والساعات لوروده معدودة، والعذر في تأخره ضيق، وأنا عليك من سوء العاقبة مشفق، والسلام.
وحدث أبو الحسين علي بن هشام قال: سمعت أبا عبد الله الباقطائي يقول: لما غلب السجزية على فارس، جلا قوم من أرباب الخراج عنها لسوء المعاملة، ففض خراجهم على الباقين، وكمل بذلك قانون فارس القديم، ولم تزل هذه التكملة تستوفى على زيادة تارةً، ونقصان أُخرى. وافتتح أبو الحسن ابن الفرات فارس في وزارته الأولى سنة ثمان وتسعين ومائتين على يد وصيف كامه، ومحمد
стр. 357
ابن جعفر العبرتاوي فأجرى الأمر على رسمه، وفعل مثل ذلك محمد بن عبيد الله الخاقاني وعلي بن عيسى في صدر وزارته الأولى. فلما مضى منها مديدة، ورد عبد الرحمن بن جعفر الشيرازي إلى الحضرة، فتكلم علي محمد بن أحمد بن أبي البغل، وقدح فيه، وكان يتقلد فارس إذ ذاك، وخطب العمل، وبذل توفير جملة من المال، فعقد علي بن عيسى الضمان عليه، وصرف ابن أبي البغل وقلده أصبهان ثم أخر عبد الرحمن بن جعفر المال واحتج بتظلم أهل فارس من التكملة المذكورة، وامتناعهم من أدائها، فكتب علي بن عيسى إلى أبي المنذر النعمان بن عبد الله وهو يتقلد كور الأهواز بالاستخلاف على عمله، والنفوذ إلى فارس، ومطالبة عبد الرحمن بما حل عليه من المال، والنظر في أمر التكملة التي وقعت الظلامة منها، وشرح أمرها وحل ضمان عبد الرحمن، وعقد البلد على أحمد بن محمد ابن رستم، وكتب إلى ابن رستم بأن يصير من أصبهان إلى فارس، ليعقد له عليه.
فلما وصل النعمان إلى هناك وجد قطعة من التكملة على عبد الرحمن. وقد رام أن يكسرها، فعسفه وباع شيئاً من أملاكه حتى استوفى ما عليه، واستخرج مال التكملة من الناس، وكتب إلى علي بن عيسى بأن العمال يستضعفون قوماً من أرباب الخراج فيلزمونهم من التكملة أكثر مما يلزمهم ويرهنون آخرين فيحملونهم أقل مما يخصهم. وقال هو وابن رستم: وإن من طرائف ما يجري بفارس مطالبة الناس بهذه التكملة وهي ظلم لا شك فيه ولا شبهة، ومما سنه الخوارج جوراً
стр. 358
ومجازفة. وإن هناك مما قد أُغضي عنه لأربابه، والمطالبة به أولى وأحق، وهو خراج الشجر، لأن فارس افتتحت عنوة، وهي في أيدي المزارعين على سبيل الإجارة، ولا حجة لهم في دفعهم إلا دعواهم أن المهدي أسقطه عنهم. وعرف أهل بلاد فارس ما يجري من الخوض في هذا الأمر، فورد قوم من أجلادهم إلى حضرة علي بن عيسى، ودخلوا عليه في يوم جلوسه للمظالم وقالوا: نمنع غلاتنا وتعتاق في الكناديج حتى تهلك وتصير هكذا وطرحوا من أكمامهم حنطة محترقة ونطالب بتكملة ما أوجبه الله علينا فتدعونا الضرورة إلى بيع نفوسنا وشعور نسائنا وأدائها حتى تطلق الغلة وهي على هذه الصورة ثم رموا من أكمامهم تيناً يابساً وخوخاً مقدداً ولوزاً وفستقاً وبندقاً وغبيراء ونبقا وعنابا وقالوا: وهذا كله بلا خراج لقوم آخرين، والبلد فتح عنوة فإما تساوينا في العدل أو الجور. فأنهى علي بن عيسى ذلك إلى المقتدر بالله، وجمع القضاة والفقهاء ومشايخ الكتاب والعمال وجلة القواد في دار الوزارة بالمخرم وقد جعلها ديواناً وتناظر الفريقان من أرباب الشجر وقد ورد منهم قوم وأرباب التكملة. فقال أرباب الشجر: هذه أملاك قد أنفقنا عليها أموالنا حتى نبتت الغروس فيها، وحصل لنا بعض الاستغلال منها، ومتى ألزمت الخراج بطلت قيمتها، وقد كان المهدي أزال المطالبة برسم الخراج عنها. وقال المطالبون بالتكملة ما شكوا به حالهم فيها، واستمرار الظلم عليهم بها. ورجع إلى الفقهاء في ذلك فأفنوا بوجوب الخراج وبطلان التكملة. وقال
стр. 359
الكتاب: إن كان المهدي شرط شرطاً لمصلحة رآها في الحال ثم زالت سقط الشرط ورجع الحكم إلى الأصل. وقال لهم علي بن عيسى: أليس احتجاجكم بأن المهدي إمامم رأى رأياً فيه صلاح ففعله؟ قالوا: بلى. قال: فإن أمير المؤمنين الإمام قد رأى أن من الأحوط للمسلمين إلزام الشجر الخراج وإزالة التكملة. فقام الزجاج ووكيع القاضي فدعوا له وأثنيا عليه. وقال وكيع: لقد فعل الوزير في هذه القصة كفعل أبي بكر الصديق ﵁ في مطالبته أهل الردة بالزكاة. وأنهى علي ابن عيسى والقضاة ما جرى للمقتدر بالله في يوم الموكب، واستأذنه في كتب الكتاب بإسقاط التكملة عاجلاً إلى أن يتقرر أمر الشجر. فأمره بكتب ذلك في الحال بحضرته، وأحضرت له دواة وكان رسم الوزراء إذا أرادوا كتب كتاب بحضرة الخليفة أن تحضر لهم دواة لطيفة بسلسلة فيمسكها الوزير بيده اليسرى، ويكتب بيده اليمنى وبدأ علي بن عيسى يكتب بغير نسخة، فلما رآه المقتدر بالله وقد شق ذلك عليه أمر بإحضار دواته وأن يقف بعض الخدم معه فيمسكها إلى أن يفرغ من كتابته. وكان أول وزير أُكرم بهذا، ثم صار رسماً للوزراء بعده فكانت نسخة ما كتبه علي بن عيسى:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله جعفر الإمام المقتدر بالله أمير المؤمنين إلى النعمان بن عبد الله، سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ .
أما بعد فإن أفضل الأعمال قدراً، وأجملها ذكراً، وأكملها أجراً، وأذخرها ذخراً، ما كان للتقى جامعاً، وللهدى تابعاً، وللورى نافعاً، وللبلوى دافعاً، وقد جعل
стр. 360
الله أمير المؤمنين فيما استرعاه من أمور المسلمين مؤثراً ما يرضيه، مثابراً على ما يزلف عنده ويحظيه، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله، عليه يتوكل، وبه يستعين. وقد عرفت حال السجزية والخرمية الذين تغلبوا على كور فارس وكرمان، واستعملوا الجور والعدوان، وأظهروا العتو والطغيان، وانتهكوا المحارم، وارتكبوا العظائم، حتى أنفذ أمير المؤمنين جيوشه إليهم، وتورد بها عليهم، فأزالهم وأبادهم، وشتتهم وأبارهم بعد حروب تواصلت، ووقائع تتابعت، أحل الله بهم فيها سطوته، وعجل لهم نقمته، وجعلهم عبرةً للمعتبرين، وعظةً للمستمعين. " وَكَذَلِكَ أَخْذ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَديِدٌ " ولما محق الله أمر هؤلاء الكفار، وفرق عدد أوباشهم الفجار، وجد أمير المؤمنين أفظع ما اخترعوه، وأشنع ما ابتدعوه، في مدتهم التي طال أمدها، وعظم ضررها، تكملة اجتبوها بكور فارس في سني غوايتهم لما طالبوا أهلها بالخراج على أوفر عبرتهم من غير اقتصار فيه على الموجودين، حتى فضوا عليهم خراج ما خرب من ضياع المفقودين، فأنكر أمير المؤمنين ما استقر من هذا الرسم الذميم، وأكبر ما استمر به الظلم العظيم، ورأى صيانة دولته عن قبيح معرته، وحراسة رعيته من عظيم مضرته، مع كثرته ووفور جملته. فارفع عن الرعية هذه التكملة رفعاً مشهوراً، فقد جعل الله من سنها مدحوراً. وناد في المساجد الجامعة بإزالتها وإبطال جبايتها. ليذيع ذلك في الجمهور، ويتمكن السكون إليه في الصدور، ويحمد الله الكافة على ما أتاحة الله لها من تعطف أمير المؤمنين ورعايته، وجميل حياطته
стр. 361
وعنايته، وأجب بما يكون منك في ذلك، فإن أمير المؤمنين يتوكفه ويراعيه ويتشوفه إن شاء الله. والسلام عليك ورحمة الله. وكتب علي ابن عيسى يوم الخميس النصف من رجب سنة ثلاث وثلاثمائة. وقد كان علي بن عيسى نظر في سنة اثنتين وثلاثمائة الخراجية لأهل هذه التكملة بألف ألف درهم قبل أن يستقر على أرباب الشجر الخراج. ثم تقرر على أن يقارب أهله فيه ويلزموا طسوقاً مخففة عنه، وفعل النعمان في ذلك فعلاً وفق به، وكان ما ارتفع منه قريباً من مال التكملة. وكتب علي بن عيسى في أمر الشجر بما نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله جعفر الإمام المقتدر بالله أمير المؤمنين إلى أحمد بن محمد بن رستم، سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ .
أما بعد فأن الله بعظيم آلائه، وقديم نعمائه، وجميل بلائه، وجزيل عطائه، جعل أموال الفيء للدين قواماً، وللحق نظاماً، وللعز تماماً، فأوجب للأئمة جبايتها وحرم عليهم إضاعتها، إذا كان ما يجتبى منها عائداً بصلاح العباد، وحراسة البلاد، وحماية البرية، وحياطة الحوزة والرعية، ولذلك يعمل أمير المؤمنين فكره ورويته، ويستفرغ وسعه وطاقته في حراستها وحياطتها، وقبض كل يد عن تحيفها وتنقصها، والله ولي معونته بمنه ورحمته. ولما فتح الله كور فارس على المسلمين، وأزال عنها أيدي المتغلبين، وجد أمير المؤمنين أهلها قد احتالوا في أسقاط خراج
стр. 362
الشجر بأسره، مع كثرته وجلالة قدره، فأمر بإشخاص وجوههم إلى حضرته، واتصلت المناظرة لهم بمشهد من قضاته وخاصته، إلى أن اعترفوا به مذعنين، والتزموه طائعين، وضمنوا أداء ما أوجبه الله فيه من حقوقه على ما تقرر من وضائعه وطسوقه فطالب بخراج الشجر، في سائر الكور، على استقبال سنة ثلاث وثلاثمائة. فاستخرجه واستوف جميعه واستنظفه واكتب بما يرتفع من مساحته ويتحصل من مبلغ جبايته، متحرياً للحق، متوخياً للرفق إن شاء الله. والسلام عليك ورحمة الله. وكتب علي بن عيسى يوم الاثنين لعشر ليال خلون من شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة. وحدث أبو الحسن أحمد بن محمد بن سمعون الجرجرائي قال: كنت أخلف أبا ياسر الجرجرائي على النهروانات، فمسحنا على الناس ما يجري على الطسق من غلاتهم فإذا أحد التناء. قد أصعد إلى دار الوزير أبي الحسن علي بن عيسى ونحن لا نعلم فتظلم من أننا زدنا عليه في مساحة قراح له. فلم نشعر إلا وقد جاءنا ابن البذال العامل، وهو من وجوه العمال، ومعه فوج من مساح بادوريا، فرسان ورجالة، فلم نشك أنه صارف لنا. فقال لي صاحبي: أحب أن تتلقاه وتعرف الخبر. فتلقيته فوجدته منفذاً لاعتبار مساحة القراح الذي للرجل، وعدت إلى صاحبي
стр. 363
بذلك، فقال لي: ما تدري كيف جرى أمر مساحته؟ قلت: لا. قال: فاخرج حتى تواقف وتجتهد. قال: فخرجت ومعي مساح البلد الذين مسحنا بهم، وواقفنا واستقصينا، وما زلت ألطف حتى استقرت مساحة القراح على أحد وعشرين جريباً وقفيز وكنا مسحناه اثنين وعشرين جريباً. واحتججت بأن المساحة وقعت أولاً والغلة قائمة فيه، ومسح الآن بعد حصادها، وليس بمنكر أن يكون بين المساحة على الحالتين هذا القدر. وانصرف القوم وطالعوا علي بن عيسى بالصورة، فوردت علينا كتبه بالصواعق في الإنكار والتوعد وقال: والله لئن عادت ظلامة أو تحيف أحد من الرعية في معاملة أو مساحة لأقابلن على ذلك أشد مقابلة. فتحرزنا وتحفظنا وحرسنا الناس ونفوسنا، وزاد الارتفاع في السنة الآتية ثلاثةً في كل عشرة لأن العدل شاع، والحيف زال، فتوفرت العمارة.
وحدث أبو محمد ثابت بن أحمد بن المشرف كاتب بادوريا قال: كان أهل بادوريا معروفين بالجلد، وكانت لهم مظالم وقوف. ومظالم رسوم، ومظالم تدعى مظالم القرطاس. فتقلد عليهم ابن أبي السلاسل العامل وفي قلبه أحقاد، فأراد الاستقصاء عليهم والتشفي منهم. وأخرج ما عليهم من البقايا، وأضاف إليها ما رده من هذه المظالم، وحبسهم وطالبهم فامتنعوا عليه، وصبروا على الحبس، فقيدهم واحتملوا القيد، ولم يجسر على أن يوقع بهم مكروهاً خوفاً من علي بن عيسى. فأملى في بعض الأيام على كاتبه بحضرتهم رقعةً إلى علي بن عيسى يغريه فيها بهم كل إغراء ويقول: هؤلاء قوم يدلون بالجلد، وعليهم أموال قد ألطوا بها وصبروا
стр. 364
على الحبس والقيد، ومتى لم تطلق اليد في تقويمهم واستخراج المال منهم كسروه، وتأسى بهم أهل السواد فبطل الارتفاع، والوزير أيده الله أعلى عيناً فيما يراه من الإذن في معاملتهم بما يضطرهم إلى الخروج من الحق. قال: فجزع القوم وخافوا أن يعدو الجواب بإطلاق يده فيهم فيبلغ منهم مبلغاً يهلكون به، وهموا بالانقياد له إلى ما يريده. ثم سبروا، فورد الجواب على ظهر الرقعة بخط علي ابن عيسى: الخراج عافاك الله دين لا يجب فيه غير الملازمة فلا تتعد ذلك إلى غيره. ففرج الله عنهم، وأمضيت رسومهم، ولم يؤدوا إلا البقايا الصحيحة، وزاد ارتفاع بادوريا في السنة الثانية اثنين في كل عشرة.
وحدث أبو محمد عبد الله بن أحمد بن داسة قال: حدثني أبو سهل بن زياد القطان قال: كان أبو الحسن علي بن عيسى يدخل إلى حجرة زوجته والدة أبي القاسم ابنه في كل اسبوع. فلما نشأ أبو القاسم وترجل جاء إلى حجرة أمه في يوم نوبتها من أبيه فأقفلها عليها، وأخذ المفتاح وانصرف، ووافى علي بن عيسى على رسمه، فلما رأى الباب مقفلاً سأل عن ذلك فقيل: فعله أبو القاسم ابنك. فاستحيا وعرف غرضه، فلم يدخل من وحدث أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى قال: حدثني أبي قال: لما حبسني المقتدر بالله كنت مكرماً في محبسي، فدخلت إلي القهرمانة بعد ثمانية عشر شهراً من القبض علي وقالت: يريد الخليفة أن يجيئك فتأهب لذلك. فما مضت ساعة حتى دخل إلي مؤنس القشوري وابن الحواري وقالا لي: أراد أمير المؤمنين أن يجيئك
стр. 365
فاستحيا منك. قال: فقمت وقبلت الأرض ودعوت له ثم قالا: ويقول لك لولا علمنا بزهدك في الوزارة لما عدلنا بها عنك، ولكننا نشاورك فيمن نقلده، اذكر هنا الناظر في الأمور، فقلت: الوزارة محتاجة إلى رجل كاتب كاف ممش للأمور عارف بسياسة الجند، وقد قل الناس الذين هذه حالهم، وما أعرف من أذكره اقتضاباً من غير روية، ولكن أنظروني حنى أراجع فكري وأقول ما عندي. فقالا: قل على كل حال. فقلت لهما: بالحضرة رجلان وعلى البعد رجلان. فأما الحاضران فأبو عيسى أحمد بن محمد بن خالد أخو أبي صخرة وأبو عبد الله حمد بن محمد القنائي. وأما الغائبان وهما أوفق وأصلح فأبو علي الحسين بن أحمد المعروف بأبي زنبور وأبو بكر محمد بن علي المادرائيان، فإنهما قد دبرا أمور بني طولون في المال والرجال، ولهما في الكتابة قدم، والتدبير دربة، فاستدعوا أحدهما. قالا: هما بمصر، والمسافة بعيدة، ونريد ما هو أقرب. فقلت: إما أبو عيسى أو حمد، قالا: فما تقول في حامد بن العباس. قلت: هو عامل يصلح لعمارة وحفظ ارتفاع، وما الوزارة من عمله ولا سياسة الملك والرجال وتدبير الأمور مما يعرفه. فالاله: فاعلم أن أمير المؤمنين قد قلده وخلع عليه، ونظر مذ ثلاثة أيام. قلت: فما معنى المشاورة بعد الإمضاء؟ فقالا: لأنه قد تلوح لنا عجز حامد وكدنا نفتضح به، ولم يؤثر الخليفة صرفه في إثر تقليده فيقبح ذلك في السياسة، ونريد أن نشده بمن يقوم بهذا الأمر ويسدده ليبقى عليه اسم الوزارة، وقد رأى أن يندبك لذلك فتكون كاتبه وخليفته ظاهراً وأنت الوزير باطناً والتدبير إليك، والمعاملة بين أمير المؤمنين وبينك. قال: فاسترحت إلى الإجابة لتطاول حبسي وخرجت ونظرت وكان ما كان.
وحدث أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق
стр. 366
قال: حدثني أبو يعقوب أخي قال: حدثني أبو بكر بن مقاتل ونحن بمصر قال: ابتعت من السلطان قديماً، وأنا تاجر، غلةً على إكراه وبقي علي من ثمنها عشرون ألف دينار، وأحضرني أبو الحسن علي بن عيسى وطالبني بذلك، فلم يكن لي وجهة، وعدلت إلى جحده وترك الاعتراف به. وقال لي اعمل حساباً بأصل ما ابتعته وما أديته ليبين الباقي بعده. ودافعت فاعتقلني في الديوان، وأمرني بعمل الحساب فيه. فأخذت أعلل وأطاول إشفاقاً من أن تتحقق البقية فأحصل تحت المطالبة بغير عذر ولا حجة، ثم أرهقني ودعاني إلى حضرته، فدخلت ومعي كيس حسابي لأريه ما ارتفع منه، وأسأله إنظاري بإتمامه واستكماله. وفتحت الكيس بين يديه، وكنت أستطيب خبز البيت ولا آكل غيره، ويحمل إلي من منزلي في كل يومين أو ثلاثة ما أريد منه، وبحسن الاتفاق تركت في الكيس منه رغيفين استظهاراً لئلا يتأخر عني ما يحمل إلي، وبينما أُقلب الحساب وقعت عين الوزير أبي الحسن على الرغيفين، فلما رآهما قال لي: اضمم إلي حسابك، مراراً. فضممته وشددته وقال لي: قم إلى بيتك. فانصرفت ولم يطالبني بعد ذلك بشيء، ولا تنبه من نظر بعد على أمري، فانكسر المال والله، وكان سببه الرغيفين لأن علي بن عيسى لما رآهما وقد كنت أشكو الخسارة والفقر حملني على أن حملي للرغيفين مع الحساب لضعف حال وشدة فاقة.
وحدث أبو القاسم عيسى بن علي قال: حدثني أبي قال: لما استهل ذو الحجة من سنة أربع وثلاثمائة، وقد قاربت استيفاء السنة الرابعة من وزارتي الأولى للمقتدر بالله، بلغني ما قد عمل عليه من صرفي، فدخلت إليه وخلوت به وقلت: يا أمير المؤمنين قد أظل العيد عرفك الله بركته ووجب أن ننظر في أمر خواصك وجندك، فمن كان له رزق متأخر، واستحقاق حاضر، أطلقناه له ليصرفه
стр. 367
في نفقة عيده. فقال: نعم. قلت: نراسل السادة وأشرت إلى السيدة والخالة والأمراء والحرم ونستعلم منهم الصورة فيما يتعلق بهم. ففعل وقالوا: قد راجت أموالنا وما بقي لنا ما نطالب به أو نقتضيه. قال: فقلت: إن خدم الدار وحواشيها وأصحاب الجرايات والمرتزقة والغلمان الحجرية والرجالة المصافية، وأصحاب مؤنس وأصحاب الحجاب وأصحاب الشرطة جارون هذا المجرى في الاستيفاء، وقد أزحت عللهم فيما استحقوه منذ نظرت ومكرر إلى هذه الغاية، ولم يبق علينا شيء لأحد إلا ما كان لبعض رجال القواد التفاريق، وقد تقدمت بإخراج الحال فيه فكان مائة وثلاثين ألف دينار، وحملت إلى مجلس العطاء اليوم منه مائة ألف دينار وقدرت أن الثلاثين ألفاً ستتوفر من جاري من مات أو غاب أو أُسقط، وفضول الأوزان والرسوم التي كان يرتفق بها قبل هذا الوقت. وإنما أردت في إعلام أمير المؤمنين من ذلك ما أعلمته ليتحقق استقامة أمره وأمر أهل دولته. قال: فأظهر السرور بما أخبرته به وشكرني على ما فعلته فيه وقلت: يا أمير المؤمنين إن ابن الفرات نظر لك قبلي أربع سنين فأنفق ارتفاع الدنيا ومال المصادرات، وكذا وكذا ألف دينار من بيت مال الخاصة لم يسم أبو القاسم عيسى بن على ما ذكر مبلغه ثم نظر لك بعده محمد بن عبيد الله الخاقاني، فأخرج من بيت مال الخاصة ألف ألف دينار زائدة على ما أخرجه ابن الفرات بعد الذي أنفقه من الارتفاع والمصادرة، وقد وفيت الناس أموالهم كما رأيت وما مسست من بيت مال الخاصة درهماً واحداً، وإن تركتني حتى أدبر أمورك في هذه السنة المقبلة ولم تغير لي أمراً قمت بجميع الخرج، وحملت إلى بيت مال الخاصة ألف ألف دينار أُوفرها. فقال: معاذ الله أن أعتقد لك صرفاً أو اعتاض عنك أحداً، وأنت ... وأنت ... وجعل يقرظني ويصفني ويحمدني ويشكرني. فانصرفت من بين يديه وعندي أنني
стр. 368
قد كفيت الصرف فما مضى على هذا المجلس سبعة أيام حتى قبض علي في اليوم الثامن وكان يوم التروية، ونكبني.
وحدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال: سمعت الوزير أبا الحسن أخي يقول: قل ما ظفر أحد ببغي فلم يبطر، وقل من حرص على النساء فلم يفتضح، وقل من أكثر من الطعام فلم يتخم؛ وقل من ابتلى بوزراء السوء فلم يقع في المهالك. وهذه الكلمة عمدة القول.
وحدث عبد الرحمن قال: كان أبو بكر بن مقاتل يتولى كيل ما يرد من الشعير للقضيم واستيفاءه، فيبقى عليه من أسافل الزواريق من الرطب والعفن ما يباع بثمن بخس، ويورد الحسبانات على الأوقات. فاتفق أن حضر الناظر في أمور الجوارح والطيور يلتمس إطلاق علوفة البط في البرك والزبيدية وقدر ذلك ثلاثون قفيزاً شعيراً في كل شهر فأحضر أخي أبو الحسن علي بن عيسى ابن مقاتل وناظره على أمر الشعير الرطب والمبلول وما يحصل من ثمنه، وموقعه من ثمن الشيلم، والتفاوت بينهما، إلى أن عرف التوفير بين إطلاق الشعير الجيد والشعير الرطب، ثم تقدم بإقامة العلوفة من الرطب. فخرج ابن مقاتل متعجباً من دقة نظر أبي الحسن فيما نظر فيه حتى وفر ما وفره منه بعد طول المجاورة وذهاب شطر من الزمان في المناظرة، وعرج ابن مقاتل إلى أحمد ابن يحيى بن حاني كاتب الوزير أبي الحسن علي خاصة فقال له: كم يرتزق الوزير في الشهر؟ قال: سبعة آلاف دينار. فقال: قسط اليوم فيها مائتان وثلاثون ديناراً، وقسط الساعة نحو عشرين ديناراً، وقد نظر الوزير في أكثر من ساعة توفيراً لا يبلغ ما استحقه من الرزق. وأخرج القول
стр. 369
مخرج التنادر، وسمع صاحب الخبر ذلك، فكتب به إلى الوزير، ودعاه من وقته، فلما وقف بين يديه قال له: أعد قولك في معنى الرزق. فاضطرب وتحير، فقال له، أعد ويل لك. فقال: إنما كان قولي على وجه التعجب من نظر الوزير الدقيق في الأمر القليل: فقال: لا تتعجب من ذلك فإن لكل أمر حظاً من النظر والتفقد، ولو لم نتفقد الصغير لأضعنا الكبير، وهذه أمانة لا بد من أدائها في قليل الأمور وكثيرها. وكما أنا نظرنا في هذا الدقيق ساعة فكذلك ننظر في الجليل ساعةً نظراً يؤدي إلى استخلاص البلد العظيم، وتحصيل المال الجسم وإعادة الشاذ إلى الطاعة، ونأتي من التوفير بما يضعف على أرزاقنا للسنين الكثيرة. وإذا علم معاملونا أنا نراعي أمورهم هذه المراعاة لزموا الأمانة وخافو الخيانة. أخرج ودع الفضول. فخرج وعمامته في يده.
وحدث عبد الرحمن بن عيسى قال: حدثني أحد الخدم الخاصة قال: حضر أبو الحسن علي بن عيسى دار السلطان في يوم شديد البرد، وليس بيوم موكب، وعرف المقتدر بالله خبره، فجلس له في بعض الصحون على كرسي ورأسه مكشوف. فخاطبه في معنى ما حضر له، فلما فرغ قال له: يا أمير المؤمنين تبرز في مثل هذه الغداة الباردة، وتجلس في هذا الصحن الواسع، ورأسك بغير غطاء، والناس في مثلها يجلسون في المواضع الكنينة، ويستعملون من الدثار ما يستعملونه، وأحسبك تسرف في أخذ الأشربة الحارة، والأطعمة الكثيرة المسك. فقال المقتدر بالله: لا والله ما أفعل ولا آكل طعاماً فيه مسك ولا يطرح لي في شيء إلا يسير يكون في الخشكنانج، وربما أكلت في الأيام واحدة منه. فقال له الوزير: فإنى أطلق يا أمير المؤمنين في كل شهر في جملة نفقات المطبخ لثمن المسك نحو ثلاثمائة دينار. وانقضى كلامهما، ونهض المقتدر بالله وخرج الوزير. فلما صار في الصحن وقف
стр. 370
المقتدر بالله وأمر برده. فعاد وقال له: أظنك تنصرف الساعة وتفتتح نظرك بإحضار المتولي لأمر المطبخ وتوقفه على ما جرى بيننا في معنى المسك وتسقطه. وقال: كذلك هو يا أمير المؤمنين. فضحك وقال: أحب أن لا تفعل ذلك، فلعل هذه الدنانير تنصرف في أقوات ونفقات قوم، ولا أريد قطعها عنهم. قال: السمع والطاعة.
وحدث عبد الرحمن قال: كان أحمد بن محمد بن المعلي الكاتب يتولى للوزير أبي الحسن علي بن عيسى زمام النفقات، فقال له في بعض الأيام: يا أبا الحسين قد نقص الليل ثلاث ساعات هي ربعه فانقص الفراشين من الزيت والشمع ربع الإقامة. فقال له: هذا أعز الله الوزير استقصاء ما عرفوه، واستيفاء ما عهدوه. فقال: أليس إذا احتاجوا إلى زيادة طلبوها وزيدوا؟ قال: بلى. قال: وكذلك إذا وقع نقصان فليوفروه.
وحدث عبد الرحمن قال تأخر الوزير أبو الحسن في دار السلطان تأخراً طال وقد كان الخبر ورد بتورد المغربي مصر، وبلوغه الجيزة، وهي في جانبها الغربي، وأخذه الفيوم والإسكندرية، ووقع الانزعاج من ذلك وضاقت به الصدور وأعمل الفكر والنظر في تدبيره ثم وافى وقد تجاوزت صلاة الظهر في يوم صائف. فقلنا له: ما سبب هذا التأخر؟ فقد اعتورتنا الظنون فيه. فقال: نعم، كنا والله في أعجوبة لم يسمع بمثلها. قلنا: ما هي؟ قال: كنت مع مؤنس ومانس وغريب الخال ونصر الحاجب وشفيع وغيرهم من الخاصة، نتجارى ما ورد من أمر مصر، ونجيل الرأي فيما يدبر به مع ما يعبر من رأى الخليفة في السفر، إذ خرجت أم موسى
стр. 371
القهرمانة فجلست على مسورة، واستدعت من خادمها منديل حوائجها، فابتدأت تعرض رقعة لبعض الحشم في زيادة دينار في نزله، ولبعض الخدم في زيادة يسيرة في رزقه، وأنا والجماعة نتميز غيظاً من قطعها إياناً عن مثل هذا الأمر العظيم الحديث بمثل هذه الصغائر المضرة بالمال، ثم رميت بالرقعة، وعطفت على القوم ومشاورتهم، فقالت: هكذا يفعل بحوائج السادة؟ فقلت: يا هذه، نحن في حراسة الأرواح وحفظ أصول الملك، وقد شغلتنا عنه بما لا فائدة فيه. فقالت: وما هذا الشغل كله؟ قلت: مصر قد أشرفت على الذهاب والخروج عن يد السلطان وغلب المغربي منها على مواضع الارتفاع، وإن تم ونعوذ بالله من ذاك ما نخاف فقد مضى المغرب كله، ثم لا قرار على البساط بعده. فقالت: بظر أم مصر، ومتى كانت في يد السلطان حتى يغم عليها إذا أُخذت؟ فورد علي من قولها ما أدهشني. فقلنا له: فما كان الجواب عن هذا الجل؟ قال: قلت لها: بمثل هذا أدبر أمر الدنيا. ونهضت مغضباً، وتفرق القوم، وقد شاهدوا وسمعوا عجباً.
وحدث عبد الرحمن قال: حدثني محمد بن يحيى الصولي الشطرنجي قال: لما مضت مدة من وزارة الوزير أبي الحسن علي بن عيسى وانتقل الحواشي وخدم الدار عما ألفوه مع أبي الحسن بن الفرات وأبي علي الخاقاني من بسطهم وبلوغ أغراضهم وزياداتهم في أنزالهم وأرزاقهم إلى ما رأوه في أيام أبي الحسن من الضبط وتجعد الكف واليد، ووضع الأمور مواضعها وحفظ الأموال عما يتخرمها ويتحفيها، نقل على الجماعة أمره واتفق أن دخل في بعض الأيام إلى دار السلطان فحذف في بعض الممرات برقعة وقعت في صدره، ولم يدر من رماه بها،
стр. 372
فأخذها، ودخل إلى المقتدر بالله، وخرج فجلس في دار الوزارة وقرأها، فإذا فيها أبيات قد هجي فيها واستبعد موته ومدته، فقلبها وكتب على ظهرها:
لي مدّة لا بدّ أبلغها ... معلومةٌ فإذا انقضت متّ
لو ساورتني الأسد ضاريةً ... لغلبتها ما لم يجي الوقت
ثم قال لبعض خدمه: ارم بهذه الرقعة في الممر الذي رمينا بها فيه، ففعل.
وحدث أبو الحسن علي بن يحيى بن سليمان البصري الكاتب قال: كان أبو الحسن علي بن عيسى أيام تدبيره الأمور في وزارة حامد بن العباس قد عمل عملاً بالفضل في ضياع أبي الحسين بن أبي البغل، وسلمه إلى حامد ليناظره عليه بما شاء من الأمر، فناظره حامد واعتقله ووكل به، وعرفت أم موسى القهرمانة خبره، فطالعت المقتدر بالله، وخرج أمره بالإفراج عنه. فلما علم علي بن عيسى بما جرى كتب إلى ابن أبي البغل رقعةً يذكر فيها اغتمامه لما لحقه، وسروره بما ظهر من حسن رأي السلطان فيه، فأجابه في تضاعيفها:
الصّعو بصفر آمناً ومن أجله ... حبس الهزار لأنه يترنم
لو كنت أجهل ما علمت لسرني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم
لم أستفد أدبي لدولة ظالمي ... لكنه يجني عليّ ويظلم
ذنبي إليه على ركاكة فهمه ... أني لأعلم أنه لا يعلم
وحدث أبو الحسن علي بن عيسى قال: كان عبيد الله بن سليمان والقاسم ابنه بعده ينكران على عمالهما الاستتار عنهما ويقولان: إنما يقع الاستتار مع الإشفاق
стр. 373
من الظلم، فأما مع الإنصاف في المعاملة واعتماد الحق في المحاسبة فهو طمع في السلطان وإرادة لكسر ماله. فاتفق أن صرف القاسم عاملاً من عمال الأهواز فاستتر، فغلظ عليه ذلك، وقال لي وللجماعة: أذكوا العيون عليه حتى تثيروه، وجدوا في طلبه حتى تحضروه. وقال علي بن عيسى: فبكرت يوماً بكوراً أقضى فيه حقاً وأعود ألى دار القاسم بن عبيد الله. فإذا العامل قد خرج من موضع يريد موضعاً، فرآه غلماني فأمسكوه وجاءوني به. فقلت له: تستتر عن الوزير وعنا والإنصاف مبذول لك؟ فقال: إذا كان الأمر على هذا ظهرت وجئتك. فتذممت من أن أحمله في الحال بالإكراه إلى دار القاسم فتلحقني في هذا الفعل قباحة. فقلت له: لا تتأخر فإنني من وراء معاونتك وتمشية أمرك. وأمرت بتركه وتخلية سبيله، ومضيت إلى مقصدي وعدت إلى دار القاسم ودخلت إلى مجلسه، فلم أجد عنده من البشاشة والإكرام ما كنت أعهده. ثم سلم إلي فضلاً من رقعة صاحب خبر وقد ذكر فيه حالي مع الرجل، وقال لي: كان عندي أنك عون لي وللسلطان على استيفاء حقوقه وإصلاح أموره، ولم أعلم أنك على خلاف ذلك. فأشفقت من أن أجيبه جواباً ربما رد علي عنه ما يقدح في الجاه ويستمع على ملأ من الناس. فقلت: إذا خلا الوزير عرفته ما عندي في ذلك. وأمسك، وبقيت حيران لا أعلم بأي عذر أعتذر، وعدلت إلى أن سألت الله كفايتي وتخليصي، وكنت إذا رأيت المجلس قد خف أحسست بتقطع أعضائي. فأنا في ذلك إذ تقدم إلي صاحب دواتي وأعطاني رقعةً من وكيلي في داري، وقد وقع عليها اسمه،
стр. 374
وبعده: مهم. فظننت أن القاسم بنزقه وغيظه قد أنفذ إلى داري قوماً ووكل بهم. فأسرعت إلى فضها وعقلي زائل، وروعي زائد، فإذا فيها: صار إلى بابنا نسوة وطلبن من يكلمهن، وخرجت إليهن، فدخلن الدهليز وكشفت إحداهن عن وجهها فإذا هو فلان العامل فنحى إزاره وخفه، وفعل غلام كان معه مثل فعله، وجلسا في الدار، وانصرف من كان معهما من النساء، وأمرني بأن أطالعك بخبره وأقول لك عنه: قد سلمت نفسي إليك جزاءً لفعلك اليوم، وثقةً بوعدك وأخذك بيدي ومعاونتي على أمري، فافعل ما تراه. فحين قرأتها عادت نفسي واشتد سروري، وتقوض المجلس، وقال لي القاسم: هات ما عندك في جواب قولي لك. قلت: نعم، ما الأمر على ما وقع لك في بابي، بل عندي من المعاونة والمعاضده والخدمة والطاعة وبذل القدرة والاستطاعة واطراح الديانة والأمانة في كل ما يخفف عنك، ويقرب منك أكثر مما يجب لمثلك على مثلي، ولكنك أيها الوزير تستقصر الفعل، وتريد زيادة على ما في الوسع، وإن كان هذا العامل ينصف في مواقفته ومحاسبته أحضرته الساعة. فأسفر وجهه وقال: أنكرت أن يكون منك إلا ما تقتضيه الثقة بك، والآن فقد رددت أمره إليك ورضيت بحكمك فيه، فرح به عشياً إلى حضرتي واعمل من ديوانك عملاً لما يجب عليه. وقال لكتاب الدواوين جميعاً أن يعملوا مثل ذلك.
وانصرفت إلى داري، وقلت للرجل كل ما سكنت به نفسه، وأزلت معه إشفاقه، وجعلته على ثقة من تكفلي بأمره، وأمرته بأن يروح معي. فلبس أحسن لباس وتطيب أكثر طيب وجاء معي، فقلت له: قد أسرفت في لباسك وطيبك لي: حالي على جملتها، وما ألزمت ما شعثها، ولأن يرى الوزير مني مروءة يستدل بها على كثرة كلفي ومؤني أولى من غير ذلك.
стр. 375
ودخلنا إلى القاسم بن عبيد الله معاً فأراد الرجل أن يقبل يده فمنعه وضمه إليه حتى قبل كتفه، وأحضر كتاب الدواوين فقال لهم: ناظروه. فكان يناظر على عمل بعد عمل ويبطل باباً ويصح باباً، وكلما صح شيء أخذ به خطه وأرجه أحد الكتاب إلى أن وجبت صلاة المغرب وصلينا، ثم أقبل على الكاتب وقال له: كم جملة ما أرجته مما كتب به خطه؟ قال: ستة وثلاثون ألف دينار ونيف. قال: وأي شيء بقي من الأعمال؟ قيل له: عمل الديوان الفلاني والديوان الفلاني. فقال لي: يا أبا الحسن أنت الحكم في أمره، فقل ما عندك نقبله. ولا أقل من إتمام المبلغ خمسين ألف دينار. فقلت: أيها الوزير، إذا رجعت إلي حكمي فآثار الرجل جميلة وطريقته مستقيمة، ومن حكمي فيه أن لا يلزم شيئاً. فاغتاظ غيظاً بأن في وجهه وإن لم يبد في قوله وقال: ماذا قلت؟ قلت: يرد إلى عمله، فإنه رفع من الارتفاع ما لم يرفعه غيره. فأطرق ثم رفع رأسه وقال: يرد عليه خطه ويكتب بإعادته إلى عمله. فقال الكاتب: كيف أدعو له؟ قال: لا تدع. وقال للرجل: والله لئن عاودت ما أنكره منك لأعاملنك بما عامل الله به فرعون فإنه جعله نكال الآخرة والأولى. وكتبت الكتب، وأراد توديعه، فبسط رجله إليه حتى قبلها. وقيل للقاسم: قد فلت أيها الوزير في أمره ما لم تفعله البرامكة مع مثله. قال: وجدت كل ما عاملته به واقعاً موقعه مع تسليمه نفسه وأمره إلي.
وحدث أبو عبد الله أحمد بن علي بن المختار الأنماطي وكان قد خدم أبا الحسن علي ابن عيسى واختص به قال: كنت بين يدي الوزير أنا وأخوه وأولاده
стр. 376
وخواصه، وجرى حديث البريدي في إصعاده إلى الحضرة وما هو عليه من الإقدام على أخذ الأموال واستباحة الأحوال وأن الناس على إشفاق منه، وعمل على الهرب من بين يديه، وأشارت الجماعة عليه بأن يخرج هو وحرمه وأولاده وأصحابه عن بغداد، فما أصغى إلى ذلك. ثم أكثروا عليه إكثاراً ثنوه عن رأيه، فأطلق لي مائتي دينار لأستأجر له بها زواريق يصعد فيها هو وعياله إلى ناصر الدولة أبي محمد ابن حمدان. وانصرفت من عنده بعد المغرب، وباكرني رسوله يستدعيني، فبادرت إليه، وسألني عما عملته فقلت: ضاق الوقت البارحة عما أردته وباكرني رسولك فحضرت معه. فقال لي: فكرت فيما أشرتم به فوجدته خارجاً عن الرأي، ومفسداً للدين، لأن الأمر مقدر، والإنسان مدبر، ولا يجب لمخلوق أن يهرب من مخلوق. هات الدنانير. فأعطيته إياها، فأمر بأن يتصدق بها، وأقام. فلما قرب البريدي انحدر إليه متلقياً فأكرمه، وعرف موضعه، ووفاه حقه، ومنعه من أن يخرج عن طياره، وانتقل هو إليه، وخاطبه بما وفاه الجميل والبر فيه. وكان أهل الكوفة تظلموا إلى أبي الحسن علي بن عيسى في أيام القاهر بالله وقد خرج إلى واسط مدبراً لها ولأعمال سقي الفرات في أمر ثمارهم، وحكوا أن أحمد بن محمد بن بشار وكل بها وسامهم حملها إلى البنادره، وأجرى أثمانها في خراجهم ليبقي عليهم عجزاً يطالبهم به، وجرت بينه وبينهم مناظرات ومخاطبات آلت إلى أن كتب إلى ابن بشار بأن يقاسمهم على الثمرة كما يقاسمهم على الغلة.
стр. 377
وحدث أبو عمرو الشرابي قال: لما صرف أبو الحسن لعي بن عيسى بأبي علي محمد بن علي بن مقلة دخلت إليه في محبسه فحادثته وسكنت منه، وسألته عما يريده من الأشربة والأسوقة والطعام لأتقدم بحمله، فوجدته طيب النفس حسن اليقين وقال لي: الآن تم لي ديني وتفرغت لصلاتي وأداء مفترضاتي، وقد كنت أحب العزل وترك هذا الأمر، ولكنني احتسبت قيامي به قيام المجاهد في سبيل الله. فمن تقلد الوزارة؟ قلت: ابن مقلة. قال: حدث يحب الرئاسة ويراعي يومه دون غده، يا أبا عمرو، أليس تدبير الخلافة إلى قوم مبلغ عقولهم أنهم يظنون أن ابن مقلة ينهض بما أعجز أنا عنه، ويستقل بما أتفادى منه؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. ذهبت والله الدنيا وضاعت الأمور. فقلت: ما قدروا ذلك ولا توهموه، ولكنهم أرادوا من يأخذ أموال الناس ويعطيهم إياها ويطلقهم فيما منعتهم منه. فقال: الله المستعان.
وحدث عبد الرحمن بن عيسى قال: حدثني هارون الكاتب بن إبراهيم الكاتب قال: لما أحس القاسم بن عبيد الله بحضور منيته جعل يوصي أبا الحسن علي بن عيسى بولده، وأبو الحسن يذكره بالتوبة والإقلاع، فما فارقه حتى تاب توبة جردها وصحح فيها العزيمة. ثم دعا بالعباس بن الحسن في غداة يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين ومائتين قبل أن قضى نحبه بثلاث ساعات فأملى عليه رقعة إلى المكتفي بالله، كان ما حفظناه من ألفاظها ومعانيها: كتبت هذه الرقعة أطال الله بقاء سيدي أمير المؤمنين بإملائي وأنا في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الأخرة. وقد حضر من الأمر ما مضى عليه
стр. 378
الأولون، ويصير إليه الآخرون، والحمد الله الذي لما قضى علي الموت جعله في دولة أمير المؤمنين أيده الله وجعلني ماضياً على أحكام طاعته ودارجاً على أفضل ما درج عليه أحد من أهل ولايته وتمم الكلام وشكر الإنعام ثم قال: ولم أطب نفساً مع ما آلت إليه الحال بأن أُمسك من النصح لمولانا حياً كنت أم ميتاً ولا بد أن يقوم لخدمته من يصلح لها، ويجري مجراي في حراستها والذب عنها والنهوض بأعبائها. وهذا خادم أمير المؤمنين وكاتبه علي بن عيسى بن داود ابن الجراح أحد الكتاب المتقدمين ومن قد خدم آباؤه الخلفاء الماضين وكانوا مرصنين محمودين، وقد عرف مولانا مذهبه في أمانته ومناصحته، وتأدت إليه أخباره في سداده وكفايته. وخادمه العباس بن الحسن كاتب حضرتي، وكان ملازماً لي وقد تقيل أخلاقي في الخدمة، وعرف مذهبي في المدافعة عن الدولة وسلك مذهبي في المبالغة والطاعة. وعلى أيهما اعتمد، ولأيهما آثر وقدم، رجوت ألا يعدم عنده شيئاً مما كان عليه خادمه في المناصحة. وتمم القول وختمه بالوصاة بولده ووالدته وأسبابه والإحسان إليهم ومكافأته بما يستحقه فيهم.
قال عبد الرحمن: فحدثني أبو الحسن أخي قال: لما فرغ القاسم من إملاء هذه الرقعة دفعها إلي وقال: سألتك بحق ما بيننا إلا بادرت وأوصلتها من يدك، واجتهدت في التعجل بما يجري، فإنني أخاف إن تأخرت أن لا تلحقني، وأكبر أملي فيما بقي من مدتي أن أعرف ما يستقر عليه الحال من بعدي. قال أخي: فاستعفيته فلم يعفني، ولم يكن فيه فضل لمعاودتي، وعجبت من شدة نفسه، وزيادة
стр. 379
حرصه على أمور الدنيا مع حضور أجله. فمضيت ومعي العباس إلى دار السلطان وجلسنا على انتظار إذنه، ثم أذن لنا فدخلنا. فلما حصلنا في وسط دهليز الصحن السبعيني استدار العباس فصار في وجهي وقال لي: والله لئن ألقيت هذا الأمر إلي ونزلت عنه لي لأكون فيه من قبلك ومتصرفاً على أمرك. فعجبت من قوله وقلت: ستعلم ما يجري، وأرجو توفيق الله ﵎. ووصلنا إلى الخليفة وأوصلت الرقعة. فلما قرأها سأل عن خبره، فعرفته أنه في آخر رمقه وما نقدر أننا نلحقه فدمعت عيناه ثم التفت إلي وجعل يخاطبني مخاطبة من قد رد الأمر إلي واعتمد فيه علي. وقال لي في عرض قوله: أنت يا علي في نفسي مذ كنت بالرقة، وأنا أعرف أخبارك آثارك، وقد آل الأمر الآن إليك ووقع اختياري عليك، فتتجرد في القيام به وإزالة الخلل عنه، وتفعل وتصنع. قلت: أنا يا أمير المؤمنين رجل ضيق العطن وفي استقصاء وشدة لا يصلحان لمتولي هذا الأمر وشغلي بما أخدم فيه طويل عريض، وإن نقلت إلى ما هو أكثر منه بعلت ووقفت. فراجعني القول وراجعته في الاستعفاء وقلت: وهذا العباس أعرف بما كان القاسم عليه من طرق الخدمة، وإن عول عليه كنا أعوانه وأعضاده. قال: فتضمن لي القيام بالشد منه حتى يستقيم ما يناط به؟ قلت: أفعل وأبذل عمن يليني من الكتاب مثل ذلك. فدعا بالدواة وكتب الجواب بالتوجع والدعاء وقال: فإن أعوذ بالله بليت فيك بما لا أقدر على دفعه فلن أعدل عن اختيارك ورد الأمر إلى من أشرت به. فأما الولد والحرم فأولادي وحرمي، والله يصونهم ببقائك ويدفع لنا عن حوبائك.
стр. 380
وختمت الرقعة وتقدم بتسليمها إلي، فأخذتها وقبلنا الأرض وعدنا. فحين بلغنا درجة باب الخاصة من دار القاسم سمعنا الواعية فنزل من أعلمنا أنه قضى في الوقت عند وصولنا إلى الباب، قال عبد الرحمن: وكان حديث أبي الحسن أخي لنا بذلك وإسحاق بن حنين المتطبب في مجلسه فقال: أحدثك يا سيدي حديثه في هذه الحال، وذلك أنه دعاني، وقد حضر اليأس، ولم يبق إلا تردد النفس. فقال لي: يا إسحاق حبس النبض وانظر هل بقي من الذماء ما يفي بانتظار جواب الخليفة؟ فجسسته وكان قد سقط، فقلت: الحال صالحة. فقال: أعيذك بالله، لا والله ما أحسبني ألحق ذلك. ثم قال: انظروا الطيار هل أقبل؟ وتنفس مرة أو مرتين وقضى، وما زال أخي يعجب من أمره قال أخي: فلما عرفنا وفاته عدنا إلى دار السلطان، فوجدنا الخليفة قد خلا، وعرفنا خفيفاً السمرقندي الحاجب الصورة حتى أنهاها، وتقدم إلينا بالبكور في غد، وانصرفنا إلى دار القاسم وأقمنا إلى أن جهز ووري وعزينا والدته ووالده. وشاع أمر العباس، وتقررت الوزارة له واعتماد المكتفي بالله عليه، وحضر الكتاب من غد دار السلطان، وهم: العباس بن الحسن وعلي بن عيسى ومحمد بن داود بن الجراح وعلي بن محمد بن الفرات، ومحمد بن عبدون وهو أكبرهم سناً؛ لأنه ولد في سنة ست وثلاثين ومائتين، وابن الفرات في سنة إحدى وأربعين ومائتين، ومحمد بن داود في سنة ثلاث وأربعين ومائتين وعلي بن عيسى في سنة خمس وأربعين ومائتين والعباس في سنة خمسين ومائتين. ووصل العباس وعلي ابن عيسى إلى الخليفة دون غيرهما، فأمضى أمر العباس، ووصى علي بن عيسى بالضبط والاحتياط، وأدخل الناس بعد ذلك على طبقاتهم فعزوا الخليفة، وسمعوا
стр. 381
قوله في رده وزارته إلى العباس، وإقراره أصحاب الدواوين على دواوينهم. وانصرفت الجماعة مع الوزير إلى منزله، وكان له غرفة في حريم البستان الزاهر المجاور لدار القاسم على دجلة سكنها عند خدمته القاسم في التوقيع بين يديه. وعجب الناس من تقلد العباس عجباً طال، ولم تزل به الحال إلى أن ملك الأمور، وأسرف في التجبر والاستكبار، فأرداه ذاك وأورده شر مورد ونسأل الله حسن العاقبة.
وحدث عبد الرحمن قال: حدثني الوزير أبو الحسن أخي قال: كنت بمكة، فاتفق يوم شديد الحر وحر تهامة إذا اشتد ضرب به المثل قال: فصليت الظهر جماعةً في المسجد الحرام، وطفت وسعيت وركعت عند المقام، ثم انصرفت وقد مسني من الحر ما زاد علي فيه الأمر، فتمنيت في الوقت شربة سويقع بثلج، وأولعت نفسي بالفكر فيها، فزجرتها وقلت: ثلج في تهامة! وحمدت الله تعالى على نعمة العافية، فما لبثت والله أن ظهر في السماء قزع من غيم، ثم اجتمع وانتظم وجاء ببرق ورعد متصل، ثم بمطر وبل، ثم ببرد في غاية الكبر. فجمع الغلمان منه ما ملئوا به حباً من حباب الماء. وكان هذا بعد صلاة العصر، فما كان فطوري إلا على سويق وسكر وثلج وماء مائع، وبقينا على ذلك ثلاثة أيام ولله الحمد.