← История

История · id 26106

تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء

الصابئ، هلال بن المحسن

Полный текст (381 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

من وقته بخط نعمة الكاتبة، يتضمن شكر المحسن على ما كان منه، وذم علي ابن عيسى، واستصغار ما جرى عليه، وأن المحسن لو لم يمتثل ما أُمر به فيه لأفسد حاله عنده، وأنه مع ذلك قد شفع أبا الحسن بن الفرات في علي بن عيسى، ووهبه له وأمر بنزع الجبة والقيد عنه. ومضت عشرة أيام، وأُنفذ علي بن عيسى إلى ابن الفرات، وقيل له: قد حمل إليك لتطالبه بالمال المقرر عليه. وكان الباطن أن زيدان قالت لابن الفرات: لولا ما استعمله المحسن ابنك بعلي بن عيسى لسلم إليك إقامةً لجاهك لئلا يظهر من منعك عنه ما تضعف به يدك. وأشارت عليه بنقله إلى دار شفيع اللؤلؤي من وقته، وأن يظهر اختيار علي بن عيسى لذاك وسؤاله إياه. ووعدها ابن الفرات بالعمل على رأيها. وأُحضر علي بن عيسى دار ابن الفرات وهو في دار حرمه، فجلس في رواق بقرب من مجلس ابن الفرات، ومعه فائق وجه القصعة وفلفل، وكانا يشهدان عند القضاة. ولما رأى كتاب ابن الفرات علي بن عيسى قاموا إليه، وسلموا عليه، وأُذن بصلاة العصر، فقام علي بن عيسى وصلى بقوم اجتمعوا خلفه، ودخل هشام إلى ابن الفرات وقال له: أُهنئ الوزير أيده الله. فقال: بأي شيء؟ قال: تقلد علي بن عيسى في دارك، ونمس على الخدم والعامة بذلك. فقال ابن الفرات: ما أراد إلا التفاؤل بأن يقيم حقاً في هذه الدار ويأمر وينهي. ثم خرج ابن الفرات من دار حرمه إلى مجلسه، وقام إليه فائق وفلفل وأوصلا رقعة المقتدر بالله إليه بإنفاذه علي بن عيسى ليؤدي ما قرر عليه وكان فيها: إن علياً وإن كان قد أخطأ وأذنب فله خدمة وحرمة، وأريد أن تراعيه

стр. 317

في مطعمه ومشربه، وتتفقده أجمل تفقد وأحوطه، فقد ضمن الإسراع إلى أداء المال. فلما قرأ ابن الفرات الرقعة استدعي علي بن عيسى، وقربه حتى صارت ركبته مع مرفع الدواة، واجتمع الناس ينظرون، ووافى المحسن، فقام علي بن عيسى، وقد كان الأمراء والقواد وسائر الطبقات يقومون للمحسن في مجلس أبيه، فلم ينكر ابن الفرات قيام علي بن عيسى لابنه. وأعاد ابن الفرات قراءة الرقعة الواردة، ودفعها إلى المحسن حتى وقف عليها وردها بعد ذلك إلى أبيه. فأقبل ابن الفرات على الخادمين وقال: ما أقبح ما وصيت به من تفقد أبي الحسن في مطعمه ومشربه، فإن كان ذلك لتقصير يظن بي فيما هذه سبيله فما أبعدني عن مثله، وإن كان لكناية عن أمر آخر فأرجو ألا أكون في منزلة من يستجيزه أو يطلقه. وقد سلم حامد إلي مع تناهيه في العداوة لي واستعمال القبيح معي فعاملته بالجميل الذي عرف، ومعلوم فرق ما بينه وبين أبي الحسن عندي. وقد كان ابن الفرات قطع لحامد لما سلم إليه ثياباً بعشرة آلاف درهم، وأصلح له فرشاً وثيرة، وأجلسه في دار كبيرة، وأخدمه عدة غلمان وخدم، وكان يبخره في كل يوم دفعات، ويقدم إليه أحسن وأوسع طعام فاستخرج بذلك منه ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار لا يعلم بها أحد غير حامد، كان منها أربعمائة ألف وكسر من آبار بواسط ومائة ألف دينار وكسر من ودائع. وإنما جرى عليه المكروه من المحسن بغير إيثار ابن الفرات، ولأن المقتدر بالله أقام على أنه لا بد من تسليمه إلى المحسن، فإنه ضمنه منه بعد ما أخذه أبوه منه بخمسمائة ألف دينار. وخرج من المكروه إلى حد علم به أن الغرض نفسه لا ماله فأقام على التبلج ولم يؤد على يد المحسن درهماً واحداً. وجرى عليه بواسط ما أدى إلى هلاكه، وقيل:

стр. 318

إنه طلب في الطريق ما يأكله فأتوه ببيض مسموم فأكله، ولم يزل يقوم حتى مات في دار البزوفري. وكان قول ابن الفرات ما قاله قبل تسليم حامد إلى المحسن. ونرجع إلى استتمام حديث علي بن عيسى. وقال له ابن الفرات: والله لقد استأذنني حامد في الفصد عندي لوجع لحقه في ضرسه فخفت أن يجتمع عليه الفصد وعلو السن فيضعف ويتلف، فلم آذن له ومنعته. مالنا ولهذا إذا كنا نخاف على النفوس؟ فوالله لا أقام هذا الرجل في داري. وقع يا أبا عبد الله وأومأ إلى زنجي إلى شفيع الكبير يعني اللؤلؤي بالحضور، فوقع إليه، وقد كان شفيع عرف الخبر من دار السلطان فلما جاءه التوقيع أنفذ قيصراً خادمه فأجاب بالاعتذار وقال: قد انفذت ثقتي وهو يقوم مقامي، فما يراد مني؟ فرد إليه الوزير: بأن لا بد من حضورك. وحضر، فسلم إليه علي بن عيسى، ووصاه بحفظه ليؤدي المال المقرر عليه عنده. وقبل ذلك أعطي علي بن عيسى ابن الفرات تذكره له كان أولها: الكتاب إلى العمال بالإفراج عن وقوفي. فلما قرأ ذلك دعا بساكن صاحب دواته وقال: هات الكتب التي كتبت أمس من ديوان المقبوضات وأمرتك بحفظها. فأحضرها، وإذا هي بالإفراج لعلي ابن عيسى عن وقوفه وقال: قد فعلت ذلك قبل أن تسأله، وعملت فيه ضد

стр. 319

ما عاملتني به، لأن أمير المؤمنين أيده الله أمرك في نكبتي بالإفراج عن بعض وقوفي فرجعت ودافعت، حتى إذا ما لم تجد مدفعاً استخرجت ما فيها ورددتها فارغة وأنا قد أطلقتها لك بغلاتها وأموالها، وما استحللت إطلاق أيدي العمال في وقوف. فشكره علي بن عيسى وقال: أيها الوزير فني الحديث إلا هذا. ودخل المحسن في القول في الزيادة من توبيخ علي بن عيسى في فعله، فقال له قولاً لاطفه فيه وفي عرضه: أنا والله أستحليك فغلظت هذه اللفظة على المحسن وغاظته. فأجابه المحسن جواباً حشمه فسكته أبوه. ثم أقبل على علي بن عيسى فقال له: أبو أحمد كاتب أمير المؤمنين وصنيعته ووصف موضعه منه، وتفويضه إليه فاعتذر علي ابن عيسى من كلمته أشد اعتذار، ورجع أبو الحسن إلى قراءة التذكرة. وكان الباب الثاني منها: الإفراج عن دوري وعقاري ببغداد. فقال له ابن الفرات أما دورك وولدك فما عرض لهم. وأما عقارك فأنا أطلقه. ووقع بذلك. وكان الباب الثالث: كتب أمان لأولادي وأسبابي. فقال له ابن الفرات: أما أولادك فلا علقة عليهم، لأنك ما صرفتهم في أيامك ولا قلدتهم شيئاً من أعمالك، ولكني أستظهر لك ولهم بالأمان، وأما أسبابك فسم من تريد ممن لا تبعة عليه. فأسمي جماعةً. وكتب الأمان لهم ولأولاده.

стр. 320

وكان الباب الرابع: إطلاق غلة إن كانت بقيت في ضياعي. قال ابن الفرات: هذا لا يجوز لأنني لا أطلق الضياع ولا الغلة إلا بعد ان تؤدي مال التعجيل، ولكني أكتب إلى العمال بأن يحصلوا موجود الارتفاع ليحسب ذلك من مال التعجيل، فهو أعود. وكان الباب الخامس: إطلاق ضياعي بديار ربيعة والموصل والشام. فقال ابن الفرات: أما ما كان بديار ربيعة والموصل فأنا أطلقه بعد أن تؤدي ثلاثين ألف دينار، وأما ما بالشام فهو مختلط ولا أعرف ارتفاعه، ولكن عرفني مبلغه لأقفه عنك، فإنني أثق فيه بقولك: فقال: هو في هذه السنة ناقص العمارة ومقداره مائة ألف درهم، فقال: أنا أقف هذا القدر عنك. والباب السادس: إطلاق ضيعتي بالسود إذا أديت ثلاثين ألف دينار. فامتنع أبو الحسن من ذلك، ووقع في الأبواب الأول بما ذكرناه. وعرض فائق وفلفل عليه رقاعاً في حوائج لهما، فشغل بهما وبمن جرى مجراهما من أرباب المطالب. وأقبل المحسن على علي بن عيسى وقال له: ألست زعمت أن حامد بن العباس أسقط عن المادرائيين ألفي ألف ومائتي ألف دينار مصابرة، وكتب لهم مؤامرةً بذلك إلى الخليفة، وأخذ توقيع الخلافة فيها؟ وأنت وإن كنت إذ ذاك من قبله فقد جحد حامد هذا القول منك. فقال له علي بن عيسى: يجحد وهو الناظر الآمر! فقال له: فألا عارضته ومنعته؟ لأن الخليفة أقامك للاستظهار عليه. فقال: ما كنت في الوقت ألا من قبله، فلما ضمن اعتمد الخليفة علي في استيفاء ما استوفيته، ومع هذا فصناعتك ترتفع عن أن تلزمني في مثل ذلك دركاً لو كنت فعلته متعمداً، فإن المال يلزم من هو عليه.

стр. 321

وعلا صوتاهما بالقول: فأقبل ابن الفرات عليهما وقال: في أي شيء أنتما؟ فعرفه المحسن الصورة. فقال ابن الفرات: المادرائي وابن أخيه واردان، وإذا وردا كان الخطاب معهما والمناظرة لهما، وقد أسقطت المصادرة عن أبي الحسن كل تبعة، وكفاك ما عاملته به فأمسك عنه. فقال المحسن: هو شيخي، وقد علم الله أنني ما آثرت ما جرى. فقال له علي بن عيسى: كذلك الظن بك يا سيدي. ثم رجع ابن الفرات إلى قراءة ما بقي من التذكرة التي لعلي بن عيسى، فإذا فيها: يؤذن للكتاب وأصحاب الدواوين الولاة والمعطلين والقواد وكتابهم في الاجتماع معي ولا يمنع واحد منهم عني. فقال ابن الفرات: أما أصحاب الدواوين الولاة فلا يجسرون على لقائك فزعاً مني إلا رجلاً واحداً هو جار الموضع الذي أنت فيه يعني ابن الصريفيني صاحب الجيش لأن داره كانت مجاورة لدار شفيع اللؤلؤي التي في مشرعة القصب على دجلة، وانتقلت من بعد إلى أبي بكر محمد بن بدر الحمامي وسيصير إليك سراً. وأما القواد فعليك في مجيئهم إليك شناعة. فقال: إنما أريدهم لابتياع ضياعي، ومنهم داود بن حمدان، وهو يرغب فيما بديار ربيعة منها، ولا شناعة في مثل ذلك. فقال: بلى. وربما صار منه حديث، وكتابهم يجيئونك، وفيهم كفاية. ووقع بهذا. وتبع هذا الباب من التذكرة: كتاب يكون في يدي بما تقررت عليه مصادرتي، وأنه مزيل لكل تبعة وتأول عني وعن كتابي وأسبابي. فضحك ابن الفرات وقال: ما أطرف هذا بين أن تضج وتتظلم وتقول: إنه لا يجب على مثلك مصادرة، ثم تحتاط لنفسك في التبعة بأن تتنجز بها كتاباً. فقال: إي لعمري ما هي واجبة علي، ولا ارتزقت في مدة خمس سنين إلا مثل مال التعجيل وهو مائة ألف، ولكن إذا وقعت المصادرة فلي ولأسبابي في هذا الكتاب حجة في نفوسنا وأملاكنا.

стр. 322

فأقبل ابن الفرات على المحسن ابنه وقال له: أنت تتولى لأمير المؤمنين ديوان المصادرين، فاكتب له بما يريد. فقال أُوقع بأن يكتب له ذلك. قال: لا، بل تكتبه بخطك. قال: فكيف أدعو له؟ قال: بالدعاء التام. فكتب له المحسن بخطه عن نفسه كتاباً بالمصادرة، ودعا له في صدره، ثلاثة أسطر، وترجمة بالدعاء التام، وكتب: من المحسن بن أبي الحسن. كما يكتب إلى الناس كلهم، ودفع الكتاب إلى أبي غانم سعيد بن محمد المعروف بابن الشاشي خليفته على ديوان المصادرين. وبينما ابن الفرات يحادث علي بن عيسى خرج أبو علي الحسن بن أبي الحسن ابن الفرات، من دولة، وسنه إذا ذاك بضع عشرة سنين. فقام إليه علي بن عيسى، فأكبر ذاك أبو الحسن بن الفرات وقال: يا أبا الحسن أعزك الله هذا ولدك. فقال علي بن عيسى: قد خدمت السيد الماضي أبا العباس ﵀ وخدمت الوزير أيده الله، وأرجو أن أعيش حتى أخدم هذا السيد أعزه الله. فشكره ابن الفرات على قوله، وأخذ قرطاساً ووقع فيه إلى هارون بن عمران بأن يحتسب عليه من مال ضيعته بألفي دينار يحملها إلى أبي الحسن علي بن عيسى من غير دعاء معونة له على مصادرته. فقال علي بن عيسى: ما أحب التثقيل على الوزير أيده الله ولكن لا أرد تفضله مع الحاجة إليه. وأخذ المحسن الدواة وكتب له بألف دينار. وتقدم ابن الفرات إلى هارون بن عمران بأن يكتب له قبضاً بهذه الثلاثة الآلاف الدينار من مال مصادرته، ونهض علي بن عيسى بعد أن قبل يد

стр. 323

أبي الحسن بن الفرات، وضمه ابن الفرات إليه، وأكب علي بن عيسى على رأس المحسن فتطاول له تطاولاً كالقيام، وقام معه كل من كان بحضرة ابن الفرات إلا وجوه أصحاب الدواوين، ومشى بين يديه الحجاب والحواشي، ومضى إلى دار شفيع. ولم يبعد أن قام ابن الفرات لصلاة المغرب، فلما صلى دعا بهشام وابن جبير وابن فرجويه وقال: رأيتم مثل رجلة علي بن عيسى وتطأمنه للنكبة واستعانته عليها بالاستعطاف والتذلل؛ وهذه طريقة لا أحسنها، لأن كبدي في المحن كأكباد الإبل، لا جرم أنها تزداد وتتضاعف. ثم دعا بالعباس الفرغاني حاجبه وقال له: حدثهم. فقال: نعم، لما نزل علي ابن عيسى إلى طيار شفيع اللؤلؤي أجلسه في صدره وجلس بين يديه. فقال ابن الفرات: هذا غير منكر لأنا ما عاملنا بقبيح فيتصنع لنا شفيع بإذلاله، وهو مع ذلك شيخ قد رأس عليهم، وكان معظماً في أيام عبيد الله بن سليمان وله أُبوته وصناعته. وأقام علي بن عيسى في دار شفيع إلى أن أدى ثلاثمائة ألف دينار المصادرة، وأطلقت ضياعه. ثم أُبعد إلى مكة، وأطلق له ابن الفرات عشرة آلاف درهم نفقة سلمها إليه، وأعطي في أجر الجمالين ونفقات الموكلين ثمانية آلاف درهم. فلما حصل بمكة أُعيد قبض الضياع وأمر بإخراجه إلى صنعاء. وإنما تم ذلك عليه بعد خروج مؤنس إلى الرقة كالمبعد. وذكر أن علي بن عيسى لم يقبل لأحد من الكتاب في نكبته هذه معونة

стр. 324

من بذلهم ذلك له، إلا بن فرجويه فإنه حمل إليه ألف دينار. وحمل إليه الفضل والمحسن ابناً ابن الفرات ألف دينار. وكان أبو الهيجاء بن حمدان أنفذ إليه عشرة آلاف دينار فردها وقال له: لو كنت متقلداً فارس لقبلتها، وأعلم أنها تجحف بما لك، وما أُحب ثلمك. فحلف أبو الهيجاء أنها لا ترجع إلى ملكه ففرقت على الطالبيين والضعفاء. وحمل إليه هارون بن غريب جملة قبلها. وبذل له شفيع ألفي دينار فامتنع منها وقال له: لا أجمع عليك مؤونتي ومعونتي: ولأبي الميمون سالم بن عبد الله في علي بن عيسى لما أُخرج إلى مكة: سيرت الشمسة بالنحس ... فأطلعت سعداً على الأنس فأبعد الله الذي سيرت ... في الأرض أقصى مطلع الشمس لمّا غدا أهلوه في مأتم ... أصبحت الأمة في عرس فلا كلاه الله من ذاهب ... ولا رعاه الله من جبس أطلع في أيامه كلها ... على البرايا كوكب النحس وضيّق الدنيا على أهلها ... كأنها العالم في حبس يضيع الأموال من عجيبة ... وينظر الساقط من فلس أهلكه الله ولا ردّه ... فهلكه أطيب للنفس ما يؤمن الشر ولا ينقضي ... حتى يوارى النّذل في رمس

стр. 325

وزارة أبي الحسن علي ابن عيسى الثانية لما قبض علي أبي الحسن علي بن عيسى بعد نظره مع حامد بن العباس جرى أمره مع أي الحسن بن الفرات وابنه المحسن على ما ذكرناه. ثم أخرجاه إلى مكة، ومنها إلى اليمن، فكان هناك إلى أن قبض عليهما. ووزر أبو القاسم الخاقاني، فسأل مؤنس الخاقاني أن يأذن لعلي بن عيسى في الرجوع إلى مكة، ففعل، ثم سأل مؤنس المقتدر بالله من بعد تقليده الإشراف على مصر والشام، فأمر الخاقاني بذلك، وكتب إلى علي بن عيسى به، وأجري له ألفي دينار في كل شهر. وكان عامل مصر يومئذ أبو أحمد الحسن بن محمد الكرخي وعامل الشام محمد بن الحسن ابن عبد الوهاب. وتقلد أبو العباس الخصيبي الوزارة فأقره على ذلك. وقد أمر الخصيبي، فأشار مؤنس على المقتدر بالله باستقدام علي بن عيسى ورد الأمور إليه والتعويل فيها عليه. وندب سلامة الطولوني للنفوذ إلى دمشق في طريق البرية وإحضار علي بن عيسى منها، ونفذ في يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة، واستقر الأمر في مراعاة الأعمال إلى حين وصوله على أن استدعي المقتدر بالله عبيد الله بن محمد الكلوذاني في يوم الخميس الحادي عشر من ذي القعدة، وعرفه تقليده أبا الحسن علي بن عيسى الوزارة، وأمره بالنيابة عنه إلى حين وروده، فانصرف أبو القاسم إلى دار الوزارة بالمخرم في طيار الخصيبي المقبوض عنه، وجلس ونظر في الأعمال،

стр. 326

وقرأ الكتب الواردة، ووقع في الكتب الصادرة، وكتب إلى عمال الخراج والمعاون وعراض الجيوش وأصحاب الأخبار والبرد والقضاة بما رد إلى علي بن عيسى ورسم له من خلافته، وأمر ونهى وعزل وولى. وظهر في هذا اليوم أبو علي بن مقلة وأبو الفتح الفضل بن جعفر، وجاءا إلى أبي القاسم وسلما عليه، وحضر هشام بن عبد الله ونظر فيما كان ينظر فيه للخصيبي. ولم يزل الكلوذاني يدبر الأمور حتى مشى كثيراً واستخرج صدراً كبيراً. وسار علي بن عيسى من دمشق إلى جسر منبج ثم انحدر في الفرات إلى بغداد، وخرج الناس لتلقيه في سلخ المحرم وأول صفر من سنة خمس عشرة وثلاثمائة، فمنهم من لقيه بالرحبة ثم بهيت ثم بالأنبار. وورد إلى الحضرة في يوم الثلاثاء خامس صفر، وبدأ بالمقتدر بالله، فوصل إليه بعد العشاء الآخرة، ومعه مؤنس المظفر، فخاطبه خطاباً جميلاً وانصرف إلى منزله، فحمل إليه المقتدر بالله من الثياب الفاخرة والفراش الجليل والمال ما قيل: إن ثمنه وقدره نحو عشرن ألف دينار، وأمره بالاستعانة بذلك على إصلاح أمره وإقامة تجمله، وخلع عليه خلع الوزارة في يوم الخميس لسبع ليال خلون من صفر، وسار معه مؤنس المظفر إلى أن بلغ داره بسوق الثلاثاء، ثم حلف عليه علي بن عيسى فتأخر عنه، وسار بين يديه هارون بن غريب وشفيع ومفلح ونسيم وياقوت ونازوك وجميع القواد والغلمان إلى داره بباب البستان. وقدم بقدوم علي بن عيسى أخوه عبد الرحمن وقد كان خرج إليه عند تقلد الخصيبي الوزارة من غير أن يلقاه، وسليمان بن الحسن. وقد ذكرنا حاله فيما تقلد من أعمال الشام في وزارة الخصيبي وعبيد الله بن عبد الله بن الحارث، وأبو زنبور الحسين بن أحمد المادرائي. وبلغ هشام بن عبد الله أنه قد ذكر عند أبي الحسن علي بن عيسى

стр. 327

بما أفسد رأيه فيه، وذكر بما كان كاشفه فيه في أيام ابن الفرات الأخيرة، وما عامل به إبراهيم وعبد الله أخويه من القبيح قولاً وفعلاً، فاستوحش وأشفق واقتصر على أن وقف لعلي بن عيسى في الطريق، وترجل له، وعاد إلى منزله ولم يجسر على حضور داره. وكان يتقلد مع ديوان المصادرين كتابة أحمد بن بدر العم، فلما تأخر عن علي بن عيسى وقع إليه: لم أرك مد الله في عمرك أحضرتني عملا للمصادرات التي تتقلد ديوانها، ولا أنفذت إلي كتاباً بالمطالبة بشيء من مالها، ولا أخرجت إلي ما تعلم شدة الحاجة إليه من أحوال ضمانات الضمناء التي ضمنوها، وبلغني أنك متشاغل عن هذه الأعمال بغيرها، فينبغي أكرمك الله أن تخرج إلي سائر ما قبلك، وتجري على عادتك في خدمتي وملازمة حضرتي إن شاء الله. فأجابه هشام: بأنه حضر الدار للخدمة فوجد الوزير قد قام من مجلسه وعزم على الرواح وملازمة الخدمة التي يتشرف بها وأنه إنما أخر إخراج ما على المصادرات لعلمه بمذهب الوزير في البحوث عن الظلم. وعمل على المشافهة بما عنده ليخرج من المصادرات ما هو واجب مما لم يجر فيه تحريف ولا حيف. فوقع إليه: أخرج ما عندك كائناً ما كان، وبين وجوهه وأسبابه لأتقدم فيه بما يوفق الله إن شاء الله. وحضر هشام مجلسه، فقال له: ليس من مذهبي أن أذكر إساءة أحد، ولما خلصني الله تعالى من صنعاء وعدت إلى مكة عاهدته سبحانه على ترك مقابلة كل من سعي علي في ولايتي ولكبتي، ووكلت جميعهم إلى الله. ولك خدمة قديمة توجب لك حقاً، وعليك أضعافه، فإذا لم ترع ما يلزمك لم أدع رعاية ما يلزمني. ثم قال له: أموال الصدقات بفارس وكرمان معقودة على أبي عيسى أحمد بن بدر العم، وقد حل منها ثلاثمائة ألف درهم، والضرورة قائدة إلى مطالبته بأداء ذلك في بيت مال العامة لأسبب له عوضه على المسمعي من مال ضمانة الضياع والخراج بفارس، وأريد أن تكتب لي خطك بعشرة آلاف دينار من ذلك. فكتب له بمائة ألف درهم، ووقع لأهل الصدقات بالعوض منها على المسمعي، ثم ذكر له هشام أن على إسحاق بن إسماعيل من مال ضمانة النهروانات، وعلى نصير بن علي من مال ضمانة طريق خراسان وموات جلولاً، وعلى محمد بن الحسن الكرخي الملقب بالجرو من مال ضمانة نهر بوق والزاب الأسفل، وعلى ابن عرفة خليفة محمد بن القاسم الكرخي من مال الأعمال التي يتولاها صاحبه، وعلى محمد وجعفر ابني جعفر الكرخي من مال مصادرتهما، وعلى محمد بن الحسن كاتب المسمعي من مال ضمانة أعمال فارس وكرمان، وعلى خليفته ابن رستم من مال أصبهان، أموالاً كثيرة، وأنهم لم يؤدوا منذ وقع اسمه على الوزارة إلا شيئاً يسيراً. وأنه قد أحضر خطوطهم بأعيانها، وعملاً بأصول ما عليهم وما أدوه، وبقي خطوط المصادرين بما تقررت عليه أمورهم، وعملاً مفصلاً بما بقي منها على كل واحد منهم. وقال: سبيل ذلك كله أن يستوفى. فأمره علي بن عيسى بتسليم الخطوط إلى صاحب دواته بثبت، وتسلم هو العملين بيده، وقرأهما، وتقدم إلى أبي القاسم الكلوذاني بالاجتماع مع هشام على المطالبة بالمال والجد في ذلك حتى يصح في ثلاثة أيام. وأخرج علي بن عيسى جميع الأعمال إلى أبي القاسم الكلوذاني، ولزم أصحاب الدواوين مجلسه في دار علي ابن عيسى حتى ظن أنه خليفته على الدواوين كلها. فلما أخرج الكلوذاني كل ما عنده إلى علي بن عيسى وتشاغل بما أمره به من مطالبة الضمناء والمصادرين قال له علي بن عيسى: إليك أجل الدواوين، وإن ارتسمت بخلافتي اختل ما إليك منها، وليس يقوم أحد مقامك في ذلك، فينبغي أن تتوفر على ذلك فسر الكلوذاني بهذا القول لأنه خاف أن يرد ديوان السواد إلى عبد الرحمن أخيه على ما كان فعله في وزارة حامد، ويحصل هو على خلافة لا يوفيه علي بن عيسى حكمها، لأن من مذهبه أن ينظر في الأعمال بنفسه ليلاً ونهاراً. وعول على عبد الرحمن أخيه وسليمان بن الحسن في عمل من الأعمال للضمناء والعمال مما يخرجه إليهما أصحاب الدواوين، وفي مكاتبة عمال الخراج والضياع والمعاون في نواحي المغرب عنه، والنظر في سائر أعمال المغرب كما ينظر صاحب الديوان، فتحققا به ولازما مجلسه، وتجدد إشفاق هشام واستيحاشه، وذاك أنه بلغه حضور أولاد إبراهيم بن عيسى عند عمهم علي بن عيسى فلما رآهم دمعت عينه وقال: ترك أبوهم العمل معي في وزارة حامد طلباً للسلامة فلم ينفعه ذاك وأفقره ابن الفرات ثم سلمه إلى من قتله. فقال له من كان بحضرته: الذي جرى عليه من هشام مكروهاً وشتما له ولآل الجراح كلهم أعظم من القتل وخفف هشام الحضور في دار علي بن عيسى، وكان ينفذ إليه الأعمال من غير أن يلقاه. وزاد ما يتأدى إليه من ذكر أصحاب علي بن عيسى له وتضريتهم إياه عليه، فاستتر وستر حرمه، ولم يعرض له علي بن عيسى، ووقع إليه بعد أيام من استتاره توقيعاً جميلاً فأجاب عنه بأنه قد كان واثقاً بتفضل الوزير عليه وصفحه عنه. وعمل على ملازمة الخدمة ألى أن أكثر أعداؤه من الإغراء به والوقيعة فيه، فأقام في منزله واثقاً بنيته ومعولاً على عفوه ورأفته. فوقع إليه: ما صرفتك أكرمك الله فإن أحببت الحضور والخدمة وإلا فالله لك بالرشد. فلم يسكن وأقام على الاستتار. ابه لأتقدم فيه بما يوفق الله إن شاء الله. وحضر هشام مجلسه، فقال له: ليس من مذهبي أن أذكر إساءة أحد، ولما خلصني الله تعالى من صنعاء وعدت إلى مكة عاهدته سبحانه على ترك مقابلة كل من سعي علي في ولايتي ولكبتي، ووكلت جميعهم إلى الله. ولك خدمة قديمة توجب لك حقاً، وعليك أضعافه، فإذا لم ترع ما يلزمك لم أدع رعاية ما يلزمني. ثم قال له: أموال الصدقات بفارس وكرمان معقودة على أبي عيسى أحمد بن بدر العم،

стр. 328

وقد حل منها ثلاثمائة ألف درهم، والضرورة قائدة إلى مطالبته بأداء ذلك في بيت مال العامة لأسبب له عوضه على المسمعي من مال ضمانة الضياع والخراج بفارس، وأريد أن تكتب لي خطك بعشرة آلاف دينار من ذلك. فكتب له بمائة ألف درهم، ووقع لأهل الصدقات بالعوض منها على المسمعي، ثم ذكر له هشام أن على إسحاق بن إسماعيل من مال ضمانة النهروانات، وعلى نصير بن علي من مال ضمانة طريق خراسان وموات جلولاً، وعلى محمد بن الحسن الكرخي الملقب بالجرو من مال ضمانة نهر بوق والزاب الأسفل، وعلى ابن عرفة خليفة محمد بن القاسم الكرخي من مال الأعمال التي يتولاها صاحبه، وعلى محمد وجعفر ابني جعفر الكرخي من مال مصادرتهما، وعلى محمد بن الحسن كاتب المسمعي من مال ضمانة أعمال فارس وكرمان، وعلى خليفته ابن رستم من مال أصبهان، أموالاً كثيرة، وأنهم لم يؤدوا منذ وقع اسمه على الوزارة إلا شيئاً يسيراً. وأنه قد أحضر خطوطهم بأعيانها، وعملاً بأصول ما عليهم وما أدوه، وبقي خطوط المصادرين بما تقررت عليه أمورهم، وعملاً مفصلاً بما بقي منها على كل واحد منهم. وقال: سبيل ذلك كله أن يستوفى. فأمره علي بن عيسى بتسليم الخطوط إلى صاحب دواته بثبت، وتسلم هو العملين بيده، وقرأهما، وتقدم إلى أبي القاسم الكلوذاني بالاجتماع مع هشام على المطالبة بالمال والجد في ذلك حتى يصح في ثلاثة أيام. وأخرج علي بن عيسى جميع الأعمال إلى أبي القاسم الكلوذاني، ولزم أصحاب الدواوين مجلسه في دار علي ابن عيسى حتى ظن أنه خليفته على الدواوين كلها. فلما أخرج الكلوذاني كل ما عنده إلى علي بن عيسى وتشاغل بما أمره به من مطالبة الضمناء والمصادرين قال له علي بن عيسى: إليك أجل الدواوين، وإن ارتسمت

стр. 329

بخلافتي اختل ما إليك منها، وليس يقوم أحد مقامك في ذلك، فينبغي أن تتوفر على ذلك فسر الكلوذاني بهذا القول لأنه خاف أن يرد ديوان السواد إلى عبد الرحمن أخيه على ما كان فعله في وزارة حامد، ويحصل هو على خلافة لا يوفيه علي بن عيسى حكمها، لأن من مذهبه أن ينظر في الأعمال بنفسه ليلاً ونهاراً. وعول على عبد الرحمن أخيه وسليمان بن الحسن في عمل من الأعمال للضمناء والعمال مما يخرجه إليهما أصحاب الدواوين، وفي مكاتبة عمال الخراج والضياع والمعاون في نواحي المغرب عنه، والنظر في سائر أعمال المغرب كما ينظر صاحب الديوان، فتحققا به ولازما مجلسه، وتجدد إشفاق هشام واستيحاشه، وذاك أنه بلغه حضور أولاد إبراهيم بن عيسى عند عمهم علي بن عيسى فلما رآهم دمعت عينه وقال: ترك أبوهم العمل معي في وزارة حامد طلباً للسلامة فلم ينفعه ذاك وأفقره ابن الفرات ثم سلمه إلى من قتله. فقال له من كان بحضرته: الذي جرى عليه من هشام مكروهاً وشتما له ولآل الجراح كلهم أعظم من القتل وخفف هشام الحضور في دار علي بن عيسى، وكان ينفذ إليه الأعمال من غير أن يلقاه. وزاد ما يتأدى إليه من ذكر أصحاب علي بن عيسى له وتضريتهم إياه عليه، فاستتر وستر حرمه، ولم يعرض له علي بن عيسى، ووقع إليه بعد أيام من استتاره توقيعاً جميلاً فأجاب عنه بأنه قد كان واثقاً بتفضل الوزير عليه وصفحه عنه. وعمل على ملازمة الخدمة ألى أن أكثر أعداؤه من الإغراء به والوقيعة فيه، فأقام في منزله واثقاً بنيته ومعولاً على عفوه ورأفته. فوقع إليه: ما صرفتك أكرمك

стр. 330

الله فإن أحببت الحضور والخدمة وإلا فالله لك بالرشد. فلم يسكن وأقام على الاستتار. ونظر علي بن عيسى في الجاري والأرزاق، فنزل أصحاب الدواوين من الثلثين إلى النصف، وجعل لأبي القاسم الكلوذاني من خمسمائة دينار كان يقبضها في كل شهر عن ديوان السواد خمسة آلاف درهم، وقرر لأبي الفتح الفضل بن جعفر عن ديوان المشرق مائة دينار في كل شهر، ولأبي علي بن مقلة عن ديوان الخاصة والمستحدثة مائة دينار. وكان حامد أجري له ثلاثة آلاف درهم في كل شهر برسم مشيخة الكتاب، وكان يقبضها إلى أن نكبه ابن الفرات. وأسقط أرزاق كل من كان يقبض برسم الدواوين من الكتاب وأولاد الكتاب الذين يحضرون ولا يعملون، وغلمان وأسباب وأصحاب الدواوين، واقتصر بالغلمان على جاري عشرة أشهر في السنة. وبأصحاب البرد والمنفقين على ثمانية أشهر. وحذف من كان جارياً بالفرسان والرجالة برسم النوبة من الكتاب والتجار ومن لا يحمل السلاح، وأرزاق الأولاد الذين في المهود، وجميع أرزاق الخدم والحشم والجلساء والندماء والمغنين وأصحاب العنايات وأرباب الشفاعات. ثم إن علي بن عيسى رأى من اختلال النواحي في وزارة أبي القاسم ابن الخاقاني وأبي العباس الخصيبي ونقصان الارتفاع، وتضاعف النفقات، وما زيده الرجالة عند ورود القرمطي وهو مائتان وأربعون ألف دينار في السنة، ما استعظم الصورة فيه، وعلم أن الأمور لا تستقيم معه، وتبين انحراف نصر الحاجب عنه لميل مؤنس المظفر إليه وقيامه بأمره. فاستعفى المقتدر بالله من النظر استعفاء دفعه عنه وقال له: أنت عندي بمنزله المعتضد بالله، ولا بد من أن تصبر وتحتمل. فترك مديدةً ثم عاود وواصل

стр. 331

وشاور المقتدر بالله مؤنساً فيمن يقلده: وقال له: قد أسمي لي الفضل بن جعفر فلم أرده، وابن مقلة فما عندك فيه. قال: هو حدث خامل، والوزارة تحتاج إلى شيخ له ذكر وفيه فضل. فقال له: محمد بن خلف النيرماني وقد بذل تحصيل ألف ألف دينار من مال النواحي في مدة أربعة أشهر. قال: هذا رجل متهور ولا يحسن أن يكتب اسمه. وأشار بمداراة علي بن عيسى. وخاطب مؤنس علي ابن عيسى، فقال: لو كنت مقيماً بالحضرة لعملت وعولت على معاونتك ومعاضدتك، فأما وأنت خارج إلى الرقة فلا يتم لي أمر. وبلغ أبا علي بن مقلة ذلك، فجد في السعي على علي ابن عيسى. وشاور المقتدر بالله نصراً الحاجب في الثلاثة الذين هم الفضل بن جعفر وابن مقلة ومحمد بن خلف النيرماني، فقال: أما الفضل فما يدفع عن محل وصناعة، ولكنك قتلت عمه بالأمس، وبنو الفرات كلهم يدينون بالرفض، ويميلون إلى القرمطي، وابن مقلة فلا هيبة له. وأشار بمحمد بن خلف، فلم يتقبله المقتدر بالله، لأن مؤنساً وهارون بن غريب نفراه منه. وعرف ابن مقلة طعن نصر الحاجب عليه، فواصل مداراته واستصلاحه، وواقف أبا عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري على ملاقاة أبي محمد دلويه كاتب نصر واستعانته على إصلاح صاحبه. وأشار مؤنس بأبي زنبور المادرائي، فكرهه نصر وانقاد لأبي علي بن مقلة والمشورة به، وقال: يقلد فإن استقل بما ندب إليه والإ صرف واستبدل به. فاضطر المقتدر إلى أن استوزره. وحصلت له وسيلة أخرى قوت أمره، وذاك أن المقتدر بالله كان شديد التطلع إلى معرفة أخبار أبي طاهر القرمطي، ولم يكن يقف عليها إلا من جهة الحسن ابن إسماعيل الإسكافي عامل الأنبار وما يكتبه منها إلى علي بن عيسى في كل أيامه،

стр. 332

فأنفذ أبو علي علي بن مقلة طيوراً إلى الأنبار، وعول على قوم من أهلها في مكاتبته بأخبار القرمطي على الساعات. فكان يرد من ذاك ما ينفذه لوقته إلى نصر الحاجب، ويعرضه نصر على المقتدر بالله ويجعله طريقاً إلى تقريظه وإطرائه حتى قال له: إذا كانت هذه مراعاته لأمورك يا أمير المؤمنين ولا تعلق له بخدمتك فكيف يكون إذا اصطنعته واستكفيته؟ فلما كان وقت الظهر من يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الأول من سنة ست عشرة وثلاثمائة أنفذ المقتدر بالله هارون بن غريب إلى علي بن عيسى للقبض عليه، فصار إلى داره، ومعه أبو جعفر بن شيرزاد وهو متعطل إذ ذاك، فلما قرب هارون منها قدم أبا جعفر أمامه إليه، وعرفه ما أُنفذ فيه حياءً من لقائه به، وعرفه أبو جعفر الحال، فقال: أنا جالس أتوقعه. ولبس عمامة وطيلساناً وخفاً، وأخذ في كمه مصحفاً ومقراضاً. ووافى هارون فدخل إليه، وسأله صيانة حرمه وولده، ففعل، ومنع من التعرض لشيء من الدار. ولم يجد في مجلسه ولا داره أحداً من كتابه وأسبابه، وبصر بأبي علي عبد الرحمن في بيت من الدار مطلعاً في شباك، فهجم عليه وأخذه، وحملهما إلى دار السلطان، وسلم علي بن عيسى إلى زيدان القهرمانة، واعتقل عبد الرحمن عند نصر الحاجب، فكانت مدة وزارة علي بن عيسى هذه سنةً وأربعة أشهر ويومين. وادعى نصر الحاجب بسوء رأيه في أبي الحسن علي بن عيسى أنه وجد رجلاً يعرف بالجوهري وأقر بأنه رسول للقرمطي وسفير بينه وبين علي بن عيسى، وحكي عنه أن علي بن عيسى كان يكاتب القرمطي على يده، وجمع بينه وبين علي بن عيسى حتى واجهه بذلك. فقال علي بن عيسى: كذب علي وبهتني، وما خلق الله لما قاله أصلاً ولا فرعاً، وعاون أبو علي بن مقلة نصراً الحاجب إلى أن كاد المكروه يتم على علي بن عيسى، وهم المقتدر بالله بأن يضربه بالسوط على باب العامة بحضرة الفقهاء والقضاة وأصحاب الدواوين. فتوصلت السيدة إلى كشف ما ادعي عليه، حتى وقفت على بطلانه، وقررت ذاك في نفس المقتدر بالله، فزال ما كان اعتقده فيه. وتقلبت بعلي بن عيسى من بعد أمور قد ذكرناها فيما أوردناه من أخباره المنثورة وأخبار الوزراء. ورد إليه في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة في خلافة المتقي لله وإمارة بجكم، ونظر أبي عبد الله الكوفي النظر في المظالم، فجلس لذلك ونظر في خصومات بين عوام، ورد ما يتعلق بعامل وصاحب ديوان وجندي إلى أبي عبد الله الكوفي، وبالحكم إلى الحكام. فلما انهزم أبو عبد الله البريدي من كورتكين وتكينك، وخلت الوزارة من ناظر فيها ومرسم بها، استدعي المتقي لله أبا الحسن علي بن عيسى وأبا علي عبد الرحمن أخاه وأمرهما بالنظر، وكان أبو علي عبد الرحمن يدبر الأعمال وعلي بن عيسى يصل إلى حضرة المتقي لله، وجرى الأمر على ذلك تسعة أيام ثم تقلد أبو إسحاق القراريطي الوزارة، ولازما منزلهما. وتوفي أبو الحسن علي بن عيسى في يوم الجمعة لليلة خلت من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن تسع وثمانين وستة أشهر، لأن مولده كان في جمادي الآخرة سنة خمس وأربعين ومائتين. علي عبد الرحمن في بيت من الدار مطلعاً في شباك، فهجم عليه وأخذه، وحملهما إلى دار السلطان، وسلم علي بن عيسى إلى زيدان القهرمانة، واعتقل عبد الرحمن عند نصر الحاجب، فكانت مدة وزارة علي بن عيسى هذه سنةً وأربعة أشهر ويومين. وادعى نصر الحاجب بسوء رأيه في أبي الحسن علي بن عيسى أنه وجد رجلاً يعرف بالجوهري وأقر بأنه رسول للقرمطي وسفير بينه وبين علي بن عيسى، وحكي عنه أن علي بن عيسى كان يكاتب القرمطي على يده، وجمع بينه وبين

стр. 333

علي بن عيسى حتى واجهه بذلك. فقال علي بن عيسى: كذب علي وبهتني، وما خلق الله لما قاله أصلاً ولا فرعاً، وعاون أبو علي بن مقلة نصراً الحاجب إلى أن كاد المكروه يتم على علي بن عيسى، وهم المقتدر بالله بأن يضربه بالسوط على باب العامة بحضرة الفقهاء والقضاة وأصحاب الدواوين. فتوصلت السيدة إلى كشف ما ادعي عليه، حتى وقفت على بطلانه، وقررت ذاك في نفس المقتدر بالله، فزال ما كان اعتقده فيه. وتقلبت بعلي بن عيسى من بعد أمور قد ذكرناها فيما أوردناه من أخباره المنثورة وأخبار الوزراء. ورد إليه في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة في خلافة المتقي لله وإمارة بجكم، ونظر أبي عبد الله الكوفي النظر في المظالم، فجلس لذلك ونظر في خصومات بين عوام، ورد ما يتعلق بعامل وصاحب ديوان وجندي إلى أبي عبد الله الكوفي، وبالحكم إلى الحكام. فلما انهزم أبو عبد الله البريدي من كورتكين وتكينك، وخلت الوزارة من ناظر فيها ومرسم بها، استدعي المتقي لله أبا الحسن علي بن عيسى وأبا علي عبد الرحمن أخاه وأمرهما بالنظر، وكان أبو علي عبد الرحمن يدبر الأعمال وعلي بن

стр. 334

عيسى يصل إلى حضرة المتقي لله، وجرى الأمر على ذلك تسعة أيام ثم تقلد أبو إسحاق القراريطي الوزارة، ولازما منزلهما. وتوفي أبو الحسن علي بن عيسى في يوم الجمعة لليلة خلت من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن تسع وثمانين وستة أشهر، لأن مولده كان في جمادي الآخرة سنة خمس وأربعين ومائتين. أخبار أبي الحسن المنثورة حدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال: كان محمد بن جعفر العبرتائي من عمال أبي الحسن بن الفرات وخواصه، وكان يعامل أخي أبا الحسن علي بن عيسى فيما ضمنه من طساسيج طريق الجارية في الخاصة، فاستوفى عليه استيفاءً تشدد فيه، واجتهد في إصلاح نيته وقبول مبرته بكل ما يجتهد مثله مع مثله، وأخي يمتنع ويقول: يا هذا الرجل إنما بيننا أمر هذا الضمان فإن وفيت به وخرجت منه فأنت أجل الناس عندي وأقربهم مني، وإن أقمت على أمرك في المغاورة والمدافعة فأنت أبعدهم من قلبي وأشقاهم بي. فحضر عنده في بعض الأيام وكان يوم ثلاثاء، وأخي خال من العمل؛ وجرى ذكر البلدان وما خص به كل واحد منها من الطرف والألوان، فقيل: لمصر دهن البلسان وللبصرة النخل والبساتين، ولسكسكر زكاء الأرض جودة الغلات

стр. 335

وللكوفة القسوب وللأهواز القند، ولتستر الديباج والفاكهة، ولجند يسابور الدستنبو ولنهاوند الكمثرى والزعفران، ولقطربل الشراب. وذكر محمد ابن جعفر كلواذي ووصف أُترجها وتجاوزه في القد والكبر ما في السوس منه، فقال أخي على مجاز القول: أحب أن أراه. وتقوض المجلس. فلما كان وقت المغرب حضر باب أخي رسول لمحمد بن جعفر. قال عبد الرحمن فحدثني ماهر الخدام وكان عاقلاً محصلاً قال: جاءني البواب فقال: بالباب من يطلبك. فخرجت فإذا صاحب العبرتائي قد حضر، ومعه قماطر ما رأيت أدق ولا أحسن منها، وفيها أترج قد أنفذه، ومعه رقعة إلى مولاي، ورقعة إلي يسألني إيصال القماطر ووضعها بين يدي مولاي، وإذا معه خمسون ديناراً لي على التوصل إلى القبول. فدعوت بالغلمان وأشالوها إلى حضرته، وأوصلت رقعته فقرأها وقال: إفتح. ففتحنا بعض القماطر، وأخرجنا منها أترجاً مثل المساور اللطيفة لم ير مثلها حسناً ونبلاً وكبراً. فقال بعض الخدم: فيها شيء أثقل من شيء. فقال: تأمولها. فتأملناها، وإذا فيها عشر أترجات مقورة مخيطة، فسللنا الخيوط وإذا في كل أترجة ديباج فيه ألف دينار. والجميع عشرة آلاف دينار، فتقدم بردها كما كانت، ودعا بالرسول وأمر بتسليمها إليه بحضرته، فتسلمها وقال له: قل له: لم يذهب علي ما أردته بهذا الفعل، وأنت عارف بمذهبي وستعرف خبرك. قال ماهر: فبادرت مع الرسول حتى خرج ورددت عليه الخمسين دينار. فقال: أنت قد فعلت ما يجب عليك فلم ترد

стр. 336

الدنانير وهي يسيرة في جنب استحقاقات. فقلت: ما أجسر على قبول شيء مع ما جرى. وبكر أخي إلى الديوان، وابتدأ بالنظر في أمور الأعمال التي في ضمان محمد ابن جعفر، وأخرج إليه ما ألزمه فيه عند المناظرة نحو خمسين ألف دينار. وحدث أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي قال: حدثني أبو الحسن بن ظفر الكرخي بمصر قال: كنت أكتب لأبي علي الحسين بن أحمد المادرائي. ووافى أبو الحسن علي بن عيسى من مكة في أيام وزارة أبي القاسم عبد الله بن محمد ابن خاقان للإشراف على مصر والشام، فدخل إلى مصر وتحته حمار وعليه طيلسان. وكان المتولي للمعونة تسكين، فتلقاه وترجل له، وعظمت هيبته في النفوس جداً. وجلس ونظر. ثم ركب في بعض الأيام متفرجاً وعاد، فحين دخل من باب الدهليز ونحن مجتمعون في داره لإنتظاره صاح: اللصوص. ففزعنا كلنا خوفاً من أن يكون قد وقف لنا على خيانة. فلما استقر في مجلسه قال: يا معشر الناس اجتزت الساعة على جسر قارون وهو بزند من البزندات، وتسمى البزندات بمصر جسوراً فقدرت النفقة عليه عشرة دنانير ووجدت العمال يحتسبون عنه على السلطان ستين ألف دينار كل سنة. وكرر ذلك وأكثر التعجب منه والقول فيه، وكان أبو علي حاضراً، فلم يجبه عن كلامه، فقال: الشأن أنني أقول ما أقوله فلا تجيبني عنه يا أبا علي! فنهض وانصرف. واغتاظ أبو الحسن علي ابن عيسى من ذلك، وأطبق دواته وقال: لعن الله أمر السلطان إذا انتهي إلى هذا الحد. وقام ودخل، وانصرف الناس، ومضيت إلى أبي علي قلقاً بما شاهدته وسمعته، ووجدته قد أنفذ خادماً إلى علي بن عيسى يستأذنه في حضوره عنده على خلوة. فأذن له، ومضى وأطال، فجلست أنتظره. فلما عاد سألته عما جرى

стр. 337

فقال: دخلت إليه وقلت له: لم أترك جوابك سوء أدب عليك، ولا استهانةً بقولك، وإنما كرهت أن أعترف بحضرة الناس فأُلزم نفسي ما لا يلزمها، أو أجيبك بما حضرت الآن لذكره فيكون ما عليك فيه أكثر مما علي فيه، فامتنعت إكراماً لك وصيانة. ثم قلت: كم جاري؟ فقال: ثلاثة آلاف دينار في الشهر. فقلت: يمكنني وأنا عامل مصر أن أكون بغير كتاب ولا عمال ولا كراع ولا جمال ولا إعطاء ولا إفضال؟. قال: لا. قلت: أفلا تعلم أن لي حرماً وأولاداً وأقارب وأهلاً أحتاج لهم إلى مؤونة؟. قال: بلى. قلت: فأخلو من أن يرد علي زوار بكتبك وكتب أمثالك من الرؤساء فتقتضي المروءة أن أبرهم وأصلهم؟. قال: بلى لعمري. قلت: فهذا الجبار الذي أجاوره وفائق خادمه له ثمانون مرقداً وهو متسلط على الأمر كله يمكنني أن أقيمه على الطاعة وأمنعه إدخال اليد في الضياع إلا بمؤونة أتكلفها له وأولاده وخدمه وكتابه حتى يستقيم ما بيني وبينه؟. قال: هذا ما لا بد منه. قلت: فالخليفة والسيدة والخالة والقهرمانة ومؤنس ونصر الحاجب وكتابهم وأسبابهم يجوز أن لا أهاديهم في كل سنة؟.. قال: هذا رسم لا يمكن الإخلال به. قلت: فالوزراء إذا تقلد الواحد منهم هل يدخل داره شيء قبل ما يحمله خليفتي إليه؟ وإذا نكب فهل يؤدي من مال مصادرته شيئاً قبل ما يستدعيه مني؟ وهذا أنت أيدك الله وأنت أعف الوزراء ومن لا يعرف له نظير ألم أحمل إليك في وقت كذا وكذا وفي وقت كذا وكذا؟ وأُجر على عيالك في مدة كذا وكذا؟! فقال: أنا والله شاكر لذاك. فقلت: ما ذكرت هذا اعتداداً عليك، وإنما ذكرته لتعلم أنه يلزمني لغيرك مثله وأكثر منه. وهذا حق بيت المال في ضياعك بمصر والشام وهو بضعة عشر ألف دينار في السنة أديت منها درهماً واحداً؟. فقال: ما أدري، فقلت: هذا مال عظيم ولست أبرح أو أعلم أنه

стр. 338

قد حصل لك، أو كان أصحابك خانوك فيه حتى أرتجعه منهم للسلطان؟ فأعاد الشكر. فقلت يا سيدي فمصادرتي في كل وقت تزيد على ألف ألف دينار هل من الثلاثة الآلاف الدينار الجاري تكون؟. فقال: دع هذا يا أبا علي فإن كبار الرجال يغضي لهم السلطان عن كثير الأموال. وما سمعناه بعد ذلك أعاد في شيء من أمور أعمالنا قولاً. وحدث أبو محمد الصلحي قال: حدثني بعض أصحابنا قال: قال لي أبو القاسم الخاقاني في وزارته: أشرت على المقتدر بالله بتقليد أبي الحسن علي ابن عيسى الإشراف على مصر والشام، فرأيته متكرهاً لذاك ثم قال: افعل ما ترى. فأقبلت أصفه بالموالاة والثقة لأعرف ما عنده في أمره على حقيقة، فقال: هو كما تصف ولكن أحفظني عليه أن سمته تقلد وزارتي في أيام حامد ابن العباس فامتنع، وثقل علي امتناعه، وشاورته فيمن يراه لهذا الأمر فقال: أبو عمر محمد بن يوسف القاضي. فعلمت أنه غشني ولم ينصح لي. فقلت: وما لمحمد ابن يوسف يا أمير المؤمنين؟ فقال: لعمري إنه عالم ثقة إلا أنني لو فعلت ذاك لافتضحت عند ملوك الإسلام والكفر، لأنني كنت بين أمرين إما أن تتصور مملكتي بأنها خالية من كاتب يصلح للوزارة فيصغر الأمر في نفوسهم، أو أنني عدلت عن الوزراء إلى أصحاب الطيالس، فأُنسب إلى سوء الاختيار. وحدث القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي قال: حدثنا أبو طاهر المحسن ابن محمد بن الحسن الجوهري المعروف بالمقنعي أحد الشهود قال: حدثني أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى أنه كان يرتفع لأبيه من ضياعه في كل سنة عند الاعتزال والعطلة بعد ما يتصرف في النفقة ثلاثون ألف دينار. ويرتفع من ضياع

стр. 339

أبي الحسن علي بن محمد ابن الفرات إذا قبضت عنه ألف ألف دينار، وإذا وزر وردت عليه أُضعفت. قال القاضي: واتفق أن حضر هذا الحديث منه أبو الحسن أحمد بن يوسف ابن الأزرق الأنباري فقال: حدثني جماعة من أصحاب أبي الحسن علي بن عيسى أن جميع ما كان يرتفع له في السنة نيف وثمانون ألف دينار يخرج منها في أبواب البر وسبل الخير وتفقد الطالبيين والعباسيين والأنصار وأولاد المهاجرين ومصالح الحرمين نيف وأربعون ألف دينار، ويبقى الباقي لنفقاته. وأنه كان يسمع الكتاب يقولون في ضياع أبي الحسن بن الفرات: إنها ترتفع في وزارته بألف ألف دينار وعند القبض عليه ودخول يد العمال فيها بثمانمائة ألف دينار وأقل وأكثر. وحكى أبو الحسن ثابت بن سنان قال: قال لي أبو الحسن علي بن عيسى يوماً، وهو متعطل في أيام الراضي بالله في عرض حديث كان يجارينيه بعد إقرائي العمل الذي عمله في سنة ست وثلاثمائة لارتفاع الدنيا ونفقاتها: قال لي ابن الفرات يوماً وقد أُخرجت إليه من دار السلطان بعد صرفه إياي: أبطلت الرسوم وهدمت الارتفاع. فقلت: أي رسم أبطلت وارتفاع هدمت، قال: المكس بمكة فقلت له: قد أزلت هذه وأشياء كثيرة، منها ومنها وعددت الأبواب التي رفعتها وكان مال ذلك في السنة خمسمائة ألف دينار فلم أستكثرها مع ما حططته عن أمير المؤمنين من الأوزار بها، وغسلته من الأدران عن دولته فيها. ولكن انظر ما حططت وأبطلت إلى ارتفاعي وارتفاعك ونفقاتي ونفقاتك.

стр. 340

قلت: فبأي شيء أجاب. قال: خرج الخادم ففرق بيننا قبل أن يجيب. وحدث أبو عمر أحمد بن محمد بن الحسين البصري قال: لما توفي القاضي أبو الحسن بن أبي عمر ركب أبو الحسن علي بن عيسى إلى أبي نصر وأبي محمد ابنيه يعزيهما به. فلما نهض منصرفاً قال: مصيبة وجب أجرها خير من نعمةً لا يؤدى شكرها. وحدث أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق الأنباري قال: كان أبو عيسى أخو أبي صخرة جاراً لنا ببغداد، وكان عظيم الحال، كثير المال، كامل الجاه، معدوداً في شيوخ الكتاب، وقد تقلد كبار الأعمال، وخلف إسماعيل ابن بلبل على الوزارة فلما وزر أبو علي محمد بن عبيد الله الخاقاني قلده ديوان السواد، ثم صرف أبو علي وورد أبو الحسن علي بن عيسى من مكة وزيراً. فلم يره أهلاً لهذا الديوان لنقصان صناعته، وكان يغض منه إذا حضر في مجلسه، ولا يوفيه ما يقتضيه عمله، وإذا أراد عملاً أو خراجاً أو حساباً استدعاه من كتابه وواقفهم وخاطبهم عليه بمشهد منه فلا يترك له هذا الفعل جاهاً. ثم إن عرض عمل يعلم أن كتابة أبي عيسى لا تنهض به وقوله لا يعبر عن غرضه فيه خاطبه عليه على رؤوس الأشهاد ليتبين له نقصه وعجزه، فطال ذلك على أبي عيسى وزاد احتماله له فجلس عنده يوماً إلى أن تقوض مجلسه ولم يبق فيه غيره وغير إبراهيم بن عيسى أخي أبي الحسن، فقال له أبو الحسن ألك حاجة؟ قال: نعم، إذا خلا مجلس الوزير ذكرتها. فأُخبرت عن إبراهيم أنه قال: فلما سمعت قوله نهضت وانصرفت وعدت من غد إلى مجلس أخي فوجدت أبا عيسى متصدراً فيه بأمر ونهي وتبسط وعمل، وخطاب الوزير معه دون الكتاب، وقد انتقل من الثرى إلى الثريا، فدعتني نفسي

стр. 341

إلى مسألة الوزير عن أمره حتى إذا خلا قال: تقول يا بني شيئاً؟. قلت: أسأل عن فضول. قال: إن كان فضولاً فلا تسل عنه. قلت: لا بد. قال: فقل. قلت: خلا بك أبو عيسى أمس لما لم أعرفه. ثم رأيتك اليوم مقبلاً عليه ومعاملاً له بضد ما كنت تعامله به، فما سبب ذلك؟ قال: نعم، إنه خاطبني خطاباً عظم في نفسي به، وعلمت صدقه فيه فرجعت له. قال: وقد خلا بي، أنا أيد الله الوزير رجل من شيوخ الكتاب، أعرف قدر صناعتي في الكتابة، وإنني في جملة المتأخرين عن الغاية، وما يخفى علي سوء رأي الوزير في واعتماده الغض مني، وطلب فضيحتي بالرجوع إلى الكتاب في أمور ديواني وقصدي بمعضلات الأمور إبانةً لعجزي وقصوري. ويجب أن يعلم أيده الله أن باطن حالي ومالي أوفر من ظاهرها على كثرته ووفوره، وما أتصرف طلباً لفائدة، ولا حاجةً إلى مكسب، وإنما أريد قيام الجاه ونفوذ الأمر، وقد عشت طول ما مضى من عمري مستوراً في أمري مقدماً عند السلطان على كثير من نظرائي، وخلفت إسماعيل بن بلبل على الوزارة، وتقلدت كبار الأعمال واحداً بعد آخر، وسلمت على الوزراء وسلموا علي، وقد نمكن في النفوس من موضعي ومنزلتي ما لا يخرج منها، ولا يمكن أحداً إزالته عنها. وأنا بين أمور مما لحقتني الغضاضة به، إما أن توصلت إلى إزالته بما يثقل على الوزير فيزداد سوء رأيه؛ أو استعفيت ولزمت منزلي فلم أكن خاملاً؛ وجعلت نفسي حينئذ بحيث أختاره من الكون في أولياء الوزير أو أعدائه، أو عاد إلى الأولى به ووفاني حقوق ما قلدنيه. فقلت له: ليس ترى بعد ذلك يا أبا عيسى شيئاً تنكره، وسأرجع في معاملتك إلى أفضل ما تؤثره. وبكر إلي ليمتحن وعدي ويختبر ما عندي، فكان ما رأيت. وحدث القاضي أبو علي التنوخي عن أبيه وأبي الحسين بن عياش قالا: كان

стр. 342

أبو الحسن علي بن عيسى يجعل في كل باب من ورائه مستورةً ويسبل عليها ستراً طويلاً يغطيها، فإذا جلس في أُخريات النهار مجلساً حافلاً ألصق بها ظهره من وراء الستر لئلا يشاهد مستنداً، تمسكاً بالوقار. وقيل: إنه ما رئي قط متبذلاً في مجلسه، ولا متخففاً في ملبسه، ولا فارق الدراعة إلا والقميص من دونها، والمبطنة من دونه ولا الخف في أكثر أوقاته إلا إذا أوى إلى فراشه أو قعد مع حرمه. وقد فعل أبو الحسن علي ابن عيسى مع أبي علي بن مقلة مشبهاً بما فعله مع أبي عيسى أخي أبي صخرة، وذلك أنه بلغه عمل المقتدر بالله على صرفه بأبي علي وكان متقلداً له إذ ذاك على عدة دواوين فاستدعاه وطالبه بأعمال يعملها له، فوعده بها. وحضر مجلسه بعد أيام فاعتمد الغض منه بأن قال له على ملاء من الناس: كنت التمست منك أعمالاً فأخرتها، فإن كنت عاجزاً عنها وغير ناهض بها فاصدق عن نفسك. فقال أبو علي: قد أحضرتها وها هي. ووضعها بين يديه وأخذ يقرؤها ويواقفه على غلط بعد غلط فيها، ويقبل على مشايخ الكتاب فيعجبهم من ضعف صناعته وقلة بصيرته، وحتى قال له في بعض القول: هذه حياكة لا كتابة. وضرب على عمل، بعد عمل ورسم في تضاعيفه ما يجب أن يبنى عليه نظمه وترتيبه، والكتاب الحاضرون يثنون عليه بحسن الكفاية، ويغمزون على أبي علي بضعف المعرفة. ثم رمى بها إليه وقال له: قم فاعملها على هذا المثال وحررها وجئني بها، فقام يجر رجليه. فلما ولى قال أبو الحسن: إن أمراً عجز عنه ابن الفرات ونحن فيه مرتبكون، ويدعي هذا القيام به لأمر عجيب، فما مضى على هذا المجلس أربعة أو خمسة أيام حتى قبض على أبي الحسن علي بن عيسى

стр. 343

وسلم إلى أبي علي بن مقلة. فأراد الغض من علي بن عيسى بأمر يظهره وشيء يقدح فيه به، فلم يستطع ذلك، ولا قدر على أكثر من تلقيه بالقبيح، ومعاملته بالمكروه الفظيع. فحدث أبو أحمد الفضل ابن عبد الرحمن بن جعفر قال: كنت بحضرة أبي علي بن مقلة في وزارته، وقد دخل إليه علي بن عيسى، فجلس بين يديه. وكان أبو عبد الله الموسوي العلوي وأبو علي الحسن بن هارون حاضرين، فقال أبو علي بن مقلة للحسن بن هارون: اكتب رقعةً عن أبي عبد الله يشكو فيها إخلال ضيعته وقصور مراده منها وفائدته. ومثل له إيجاب مظلمة وإطلاق معونة. فكتبها الحسن وعرضها فوقع على ظهرها بإخراج الحال، وأنفذ التوقيع إلى الكاتب. فأخرج ما صدق فيه دعوى أبي عبد الله، ووقع أبو علي تحت ذلك بأن يطلق له عشرون كراً حنطة وعشرون كراً شعيراً معونةً، ويحتسب له بكذا منسوباً إلى المظلمة. فاستحسن الحاضرون فعله وما تكرم به على رجل علوي، وأخذ أبو الحسن علي بن عيسى يشكره. فقال له مجيباً. فلم لم تفعل مثل هذا يا أبا الحسن في وزارتك؟ فنهض أبو الحسن وقال: أستودع الله الوزير. وانصرف. وقيل: إن أبا عمر دخل إلى أبي الحسن علي بن عيسى يوماً وعليه قميص دبيقي شقيري مرتفع الثمن جداً، فأراد أبو الحسن أن يخجله فقال له: بكم اشتريت أيها القاضي شقة هذا القميص؟ قال: بمائة دينار. فقال أبو الحسن: ولكنه اشتريت لي شقة هذه الدراعة والقميص الذي تحتها بعشرين ديناراً. فقال له أبو عمر

стр. 344

مسرعاً: الوزير أعزه الله يجمل الثياب فلا يحتاج إلى المبالغة فيها، ويخدمه الخواص الذين يعلمون أنه يدع الكثير عن قدرة، ونحن نتجمل بالثياب ونغالي فيها، ونلاقي العوام الذين يساسون بما يروق عيونهم من جلالتها، وتقام الهيبة بما يكبر في صدورهم من فخامتها. فكأنما ألقم أبا الحسن حجراً فما، أعاد عليه قولاً ولا رد جواباً. وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو بكر محمد بن عبد الرحمن ابن قريعة قال: حدثني مكرم بن بكر بن عمر أبو يحيى بن مكرم القاضي قال: كنت أختص بأبي الحسن علي بن عيسى وربما شاورني في أموره. فدخلت له يوماً فرأيته، مهموماً فقدرت أنه بلغه عن المقتدر بالله ما يشغل قلبه فاقتضى تقسمه فقلت: أرى الوزير؟ أيده الله مفكراً، فهل حدث شيء؟ وأومأت إلى جهة الخليفة. فقال: ليس ما أنا مغموم به من ذلك الجنس، بل لما هو أعظم في نفسي منه. فقلت: إن جاز أن يعرفنيه الوزير فليفعل، فلعله يجد عندي فيه رأياً أو قولاً. قال: نعم. كتب إلي عاملنا بالثغر بأن أسارى المسلمين كانوا في بلد الروم على حال رفاهة وصيانة إلى أن ولى ملك الروم آنفاً حدثان منهم، فعسفا وعاقباهم وأجاعاهم وأعرياهم، وطالباهم بالتنصر، وأنهم في بلاء وجهد، وهذا أمر لا حيلة فيه، ولا مقدرة على دفع ما أظل هؤلاء المساكين، ولو ساعدني الخليفة على إنفاق الأموال وتجهيز الجيوش إلى هؤلاء الكفار لفعلت في ذلك غاية ما أوجبه الله علينا من بذل الوسع والإمكان. فقلت: عندي أيها الوزير رأي في هذا الأمر ربما نفع وكان أسهل مما تحسب وتقدر. قال: قل يا مبارك. قلت: بأنطاكيه عظيم للنصارى يدعى البطرك

стр. 345

وببيت المقدس آخر يقال له الجاثليق، وأمرهما ينفذ على ملك الروم، لأن أمورهم لا تتم إلا بهما، والطاعة لا تلزم جمهور رعيتهم إلا بقولهما، وربما حرما الواحد منهم فيحرم عندهم. والرجلان في ذمتنا وتحت سلطاننا، فيأمر الوزير بمكاتبة عاملي البلدين بإحضارهما وإعلامهما ما يجري على الأسارى في بلد الروم وأنه مما لم تجر به عادة، ومتى لم يزل ذلك عنهم وتستأنف حسن المعاملة معهم طولبا بجريرة ما يفعل هناك، وسلك في معاملة النصارى مثل ذلك، وننظر ما يكون الجواب. فاستدعي في الحال كاتباً وأملى عليه كتاباً في هذا المعنى وكيدةً، وأنفذها وقال لي: سريت عني قليلاً، وخففت عن قلبي شغلاً. فلما كان بعد شهرين وأيام وقد أُنسيت الحديث جاءني فرانق من بابه يستدعيني. فركبت وأنا متشوق إلى معرفة ما يريدني له، فدخلت وهو مسرور، ووجهه مسفر، فحين رآني قال لي: أحسن الله جزاءك عن نفسك ودينك وعني. فقلت: ما الخبر؟ قال: كان رأيك في أمر الأسارى ببلد الروم أصوب رأي وأصحه، وهذا رسول العامل وأومأ إلى رجل بحضرته قد ورد لذكر ما جرى في بابهم. وقال له علي بن عيسى: عرفنا الصورة. فقال الرجل: أنفذني العامل مع رسول البطرك والقاثليق الذي أنفذاه إلى قسطنطينية، وكتبا على يده إلى ملكي الروم: بأنكما قد فعلتما بأسارى المسلمين عند كما ما هو محرم عليكما ومخالف لوصية المسيح ﵇ في أمثالهم، وأمره فيمن جرى مجراهم. فإما زلتما عن هذه

стр. 346

الطريقة وعدلتما عنها إلى ما تقتضيه السنة المأثورة وأحسنتما إلى من في أيديكما، وتركتماهم على أديانهم، ولم تكرهاهم على خلاف آرائهم، وإلا لعنا كما وتبرأنا منكما وحرمناكما. فلما وصلنا إلى القسطنطينية أوصل رسول البطرك والقاثليق إلى الملكين وحجبت وخلوا به ووقفا على ما ورد معه، وتركانا أياماً ثم أحضراني إليهما، فسلمت عليهما وقال لي ترجمانهما: الملكان يقولان: الذي أُدي إلى ملك العرب من فعلنا بأسارى المسلمين كذب وشناعة، وقد أذنا في دخولك دار البلاط لتشاهدهم وتسمع شكرهم وتعلم استحالة ما ذكر لكم في أمرهم. وحملت إلى دار البلاط فرأيتهم كأنهم خارجون من القبور، وقائمون إلى النشور، ووجوههم دالة على ما كانوا فيه من الضر والعذاب، إلا أنهم في حال صيانة مستأنفة، ورفاهة مستجدة، وتأملت ثيابهم فكانت جدداً كلها، فتبينت أنني أخرت ذلك التأخير حتى غير أمرهم وجدد زيهم، وقالوا لي: نحن شاكرون للملكين فعل الله لهما وصنع مع إيمائهم إلي بأن حالهم كانت على ما تأدى إلينا، وإنما خفف عنهم وأحسن إليهم بعد حصولي هناك. وقالوا لي في عرض قولهم: كيف عرفت صورتنا؟ ومن تنبه على مراعاتنا حتى أنفذك من أجلنا؟ فقلت: ولي الوزارة الوزير أبو الحسن علي ابن عيسى وبلغه خبركم، فأنفذ وفعل كذا وكذا. فضجوا بالدعاء له، وسمعت امرأة منهم تقول: قر يا علي بن عيسى، لا نسي الله لك هذا الفعل. قال أبو يحيى بن مكرم: فلما سمع الوزير ذلك بكى بكاء شديداً، ثم سجد لله تعالى شاكراً وحامداً، وبر الرسول وصرفه. وقلت لعلي بن عيسى: أسمعك أيها الوزير تتبرم بالوزارة في خلواتك، وترغب في الانصراف عنها تحرجاً من آثامها، فلو كنت معتزلاً لها ومتخلياً منها هل كنت تقدر على مثل هذه الحال الجامعة لجمال الدنيا وثواب الآخرة وطيب السمعة وحسن العاقبة؟ أيها الوزير تتبرم بالوزارة في خلواتك، وترغب في الانصراف عنها تحرجاً من آثامها، فلو كنت معتزلاً

стр. 347

لها ومتخلياً منها هل كنت تقدر على مثل هذه الحال الجامعة لجمال الدنيا وثواب الآخرة وطيب السمعة وحسن العاقبة؟ وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني الفضل بن أحمد الحياني قال: قال لي أبو بكر الشافعي صاحب أبي الحسن علي بن عيسى: كان المحسن بن علي ابن محمد بن الفرات قبض علي في نكبة أبي الحسن علي بن عيسى، وصادرني وأوقع بي مكروهاً، وجعل التأول على اختلاطي بأبي الحسن وصحبتي إياه. فلما أُخرجنا من المحنة، وعاد أبو الحسن إلى الوزارة، طلبت الانتفاع بأمور أُخاطب فيها، وأُخلف بعض المصادرة منها، فتصديت لأخذ الرقاع بالحوائج، وعرضها على أبي الحسن. فاتفق أن عرضت عليه في بعض الأيام شيئاً استكثره وضجر علي به، فقلت: أيها الوزير إذا كان حظنا من أعدائك في أيام نكبتك الصفع، ومنك في أيام ولايتك المنع، فمتى ليت شعري يكون النفع؟ فضحك ووقع لي في جميع الرقاع، وما استثقل شيئاً رفعته إليه بعد ذلك. وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو السري عمر بن محمد القارئ قال: حدثني أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى قال: قال لي أبي: عرض علي أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي في بعض أيام وزارتي رقعةً التمس فيها محالاً، وقبل يدي، وتركتها من يدي مفكراً فيما أفعله مما أبلغ به غرضه ولا يلحقني عيب فيه. وعرض لي رأي في الركوب، فنهضت، فلما رأى ذلك قبض على يدي وقال: أنا نفي من العباس إن تركت الوزير يركب إلا بعد أن يوقع في رقعتي أو يقبل يدي كما قبلت يده. فوقعت له قائماً بما أراد، وعجبت من سوء أدبه وشدة وقاحته. قال القاضي أبو علي: وشاهدت أنا أبا بكر محمد بن الحسن بن عبد العزيز هذا

стр. 348

في سنة خمسين وثلاثمائة، وقد تقلبت به الأيام وبأهل بيته، وهو بحضرة أبي محمد المهلبي، وقد كان العيارون ثاروا بمدينة السلام وأوقعوا فتناً عظيمة، أصلها أن عربد رجل عباسي على رجل علوي في خندق طاهر وهما على نبيذ، فقتل العلوي، ونفر أهله واستغاثوا لأجله، ودخل العامة بين الفريقين، وشرفت القصة إلى ما احتيج معه إلى إقامة الديلم في الأرباع وترتيبهم في كثير من الأصقاع، وحتى أغلق العباسيون باب المسجد الجامع بالمدينة، ومنعوا من صلاة الجمعة، وزادوا في إشعال النائرة. ودبر أبو محمد الأمر بأن قبض على جماعة من وجوه العباسيين وكثير من المستورين والعيارين، وأدخل فيهم عدة قضاة وشهود وصلحاء عباسيين، وكان منهم أبو بكر بن عبد العزيز. ثم جلس لهم وأحضرهم وناظرهم، وسامهم أن يسموا له العيارين وحملة السكاكين ليقتصر على أخذهم، ويفرج عن الباقين، وأن يضمن أهل الصلاح منهم أهل الريبة، ويأخذوا على أيديهم أخذاً يحسم به مواد الفتنة. فأخذ القاضي أبو الحسن محمد بن صلح الهاشمي يقول قولاً سديداً لطيفاً في دفع ذلك واستعطاف أبي محمد المهلبي وترقيقه، والرفق به وتسكينه، واعترض أبو بكر بن عبد العزيز الخطاب، وقال قولاً فيه بعض الجفاء والغلظة. فقال له أبو محمد: يا ماض كذا وكذا، ما تدع جهلك وتبسطك، ولا تخرج هذه الخيوط من رأسك، كأني لا أعرفك قديماً وحديثاً أعرف حمقك وحمق أبيك وتدرعك في مجالس الوزراء وإيثارك أن تقول: قال الوزير وقلت. ولعلك تقدر أن المقتدر بالله على السرير، وأنني أحد وزرائه، ليس ذاك كذلك، السلطان اليوم الأمير معز الدولة الذي يرى سفك دمك قربة إلى الله تعالى وينزلك منزلة

стр. 349

الكلب. يا غلمان برجله. فجر برجله ونحن حاضرون. فقال القاضي: فلقد رأيت قلنسوة كانت على رأسه وقد سقطت. ثم قال: طبقوا عليه زورقاً وانفوه إلى عمان. فقبلت الجماعة يده وسألته الصفح عنه، وراسله المطيع لله ﵀ عليه في أمره مراسلات ترددت إلى أن تركه وألزمه بيته. وأخذ خطوط العباسيين بجميع ما كان سامهم إياه وامتنعوا منه، وقبض من بعد على جماعة كثيرة من أحداث العباسيين وأهل العيارة والدعارة منهم ومن العامة، وجعلهم في زواريق مطبقة مسمرة، وأنفذهم إلى بيروذ وبصني، وحبسهم هناك في دور بقيتهم بعد وفاة أبي محمد المهلبي بسنين، وزالت الفتن في تلك الأيام. وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عياش القاضي قال: كانت عادة أبي الحسن بن الفرات في كلامه أن يقول للإنسان: بارك الله عليك. ومن عادة أبي الحسن علي بن عيسى أن يقول: والك أو واك فكان الناس يقولون: لو لم يكن من الفرق بين الرجلين إلا حسن اللقاء وصرف ما بين القولين. وحكي أبو محمد الصلحي قال: لما صرف الراضي بالله أبا علي عبد الرحمن ابن عيسى عن وزارته ونكبه ونكب أبا الحسن علي بن عيسى وصادر أبا الحسن على ألف ألف درهم وعبد الرحمن على ثلاثة آلاف دينار وكان ذلك طريقاً وحصل أبو الحسن معتقلاً في دار الخلافة، وخاف أبو الحسن أن يكون في نفس

стр. 350

الراضي بالله عليه ما يريد معه قتله، فراسلني يقول: هذا أبو محمد وكان إذ ذاك كاتب أبي بكر بن رائق يسألني خطاب الراضي بالله عن صاحبي في نقله إلى دار وزيره إلى أن يؤدي ما قرر عليه أمره. قال: فجئت إلى الراضي بالله وقلت له: يا أمير المؤمنين، علي بن عيسى خادمك وخادم آبائك، ومن قد عرفت محله من الصناعة، وموقعه من جمال المملكة، ومن حاله وأمره كذا وكذا. فقال: هو كذلك، ولكن له عندي ذنوب. وأخذ يعدد ذنوب عبد الرحمن: فقلت له: يا مولانا، وأي درك يلزمه فيما قصر فيه أخوه؟ قال: سبحان الله، وهل دبر عبد الرحمن إلا برأيه وأمضى شيئاً أو وقفه إلا عن أمره أو أمري إياه بألا يحل ولا يعقد إلا بموافقته؟ وأقبلت أعتذر له وأجعل بإزاء كل ذنب حجة. قال: دع ذا، ما خاطبني قط إلا قال واك فهل يتلقى الخلفاء بمثل ذاك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إن هذا طبع له قد ألف منه وحفظ عليه، وعيب به في أيام خدمته للمقتدر بالله رحمة الله عليه وما استطاع أن يفارقه مع شبه عليه وتعوده إياه. فقال: أعمل على أنه خلق، أما كان يمكنه أن يغيره مع ما وصفته من فضله وعقله، أو يتحفظ معي خاصة فيه مع قلة اجتماعي معه ومخاطبتي إياه؟ وما يفعل ما يفعله إلا عن تهاون وقلة مبالاة. فقبلت الأرض مراراً بين يديه وقلت: الله الله أن يتصور مولانا ذلك فيه، وإنما هو عن سوء توفيق، والعفو من أمير المؤمنين مطلوب. ولم أزل إلى أن أمر بنقله إلى دار وزيره، ونقل وصحح ما أُخذ به خطه، وصرف إلى منزله. وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني جماعة من أهل الحضرة أن رجلاً

стр. 351

عطاراً مشهوراً بالستر والصيانة ركبه دين، فقام عن دكانه ولزم منزله، وأقبل على الصلاة والدعاء عدة ليال، فبينما هو قد صلى ذات ليلة ودعا، رأى رسول الله ﷺ في منامه وهو يقول له: امض إلى علي بن عيسى الوزير، فقد أمرته بأن يدفع إليك أربعمائة دينار تصلح حالك بها. قال العطار: وكان علي ستمائة دينار ديناً، وأصبحت فقلت: قد قال النبي ﷺ : من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي فلم لا أمضي إلى الوزير وأعرف ما عنده؟ قال: فمضيت، فلما وقفت على بابه منعت الوصول وجلست إلى أن ضاق صدري، وهممت بالانصراف، فأنا على ذاك إذ خرج الشافعي صاحبه وكان يعرفني معرفةً قريبة فقمت إليه وعرفته خبري فقال: يا هذا إن الوزير يطلبك منذ السحر، وإلى الآن قد سأل عنك كل واحد، والرسل مبثوثة في التماسك، فكن بمكانك. قال: ودخل، فما كان بأسرع من أن دعي بي، فدخلت إلى الوزير أبي الحسن، فقال لي: ما اسمك؟ قلت: فلان بن فلان العطار. قال: من أهل الكرخ؟ قلت: نعم، قال: أحسن الله يا هذا جزاؤك في قصدك إياي، فوالله ما تهنأت عيشاً منذ البارحة، لأن رسول الله ﷺ قال لي في منامي: أعط فلان بن فلان العطار بالكرخ أربعمائة دينار يصلح بها شأنه. فكنت اليوم منذ الغداة وإلى هذه الغاية أسأل عنك، وما عرفنيك أحد. يا غلام هات ألف دينار. فجيء به عيناً، فقال: خذ منه أربعمائة دينار امتثالاً لأمر رسول الله ﷺ والستمائة الباقية هدية مني إليك. فقلت: أيها الوزير ما أحب أن أزداد شيئاً من عطاء رسول الله ﷺ ، فإني أرجو البركة فيه. فبكى وقال: ما أحسن هذا اليقين؛ خذ ما بدا لك. فأخذت

стр. 352

أربعمائة دينار وانصرفت، وقصصت قصتي على صديق لي، ورجيته الدنانير وكلفته أن يخبر غرمائي بأمري، ويتوسط ما بنيهم وبيني. ففعل، وبذلوا له تأخيري بما لهم ثلاث سنين، فقلت: لا بل يأخذون مني الثلث وينظروني بالباقي. ففرقت عليهم مائتي دينار وفتحت دكاني وأدرته بالمائتين الباقية معي، فما حال الحول إلا وقد بلغ مالي ألف دينار، فوفيت غرمائي ما بقي لهم، وما زالت حالي تنمو ومالي يزيد ولله الحمد. وكان الحنابلة بنوا مسجداً، وجعلوه طريقاً إلى المشاغبة والفتنة، فتظلم إلى أبي الحسن علي بن عيسى من أمره، فوقع على ظهر القصة: أحق بناء بهدم، وتعفية رسم، بناء أُسس على غير تقوى من الله. فليلحق بقواعده إن شاء الله. وكان أبو الحسن بن نيداد يتقلد كور الأهواز، فتربص بأُزر من ارتفاع الناحية، فوقعت فيه النار واحترق، فكتب إلى علي بن عيسى كتاباً أقام به عذره، وسجع في كتابة سجعاً زاد فيه، فوقع علي بن عيسى على ظهر الكتاب: أنت يا أبا الحسن تكتب فتجيد، والاسم الحميد خير من الكلام السديد، ضيعت علينا أرزاً حصلته، وعولت بنا على كلام ألفته، وخطاب سجعته، أوجب صرفك عما توليته، والسلام. فقال أبو الحسن بن نيداد: ما صرفني غير السجع. وكتب إليه. وصل كتاب سيدنا الوزير أطال الله بقاءه مشتملاً على وصف وصرف. فأما الوصف فهو منه أدام الله تأييده مع محله من الصناعة نهاية الفخر والسعادة. وأما الصرف عن الاعتذار، بما جرى به المقدار، فما جزاء من اعتذار من حال لأدرك عليه فيها أن يصرف عن ولاية لا جناية منه عليها، والاعتذار بلفظ الصواب، أولى من الاحتجاج بسوء الخطاب.

стр. 353

فوقع علي بن عيسى عن جوابه: قد أدته البلاغة إلى الإرادة، فليكتب بإقراره على العمل، وإسعافه بالأمل، إن شاء الله. وورد الحضرة قوم من أهل ديار ربيعة يتظلمون من حيف لحقهم في معاملاتهم، فكتب على أيديهم إلى المحسن بن محمد بن عينونة العامل هناك كتاباً نسخته. بسم الله الرحمن الرحيم. في علمك أكرمك الله بما أمر الله به من العدل والإحسان، ونهى عنه من الجور والعدوان، وعاقب به الظالمين في سالف الأزمان، غني لك عن التنبيه والتوقيف، والوعظ والتخويف: وفيما رسمته لك مشافهة ومكاتبة في إنكار الظلم وإزالته، وإظهار العدل وإفاضته، كفاية وبلاغ. وقد ورد الحضرة أكرمك الله جماعة من وجوه التناء والمزارعين بديار ربيعة متظلمين مما عوملوا به في سني إحدى واثنتين وثلاث عشرة وثلاثمائة، من إكراههم على تضمن غلات بيادرهم بالحزر والتقدير وإلزامه حق الأعشار في ضياعهم على التربيع، واستخراج الخراج منهم على أوفر عبر قبل إدراك غلاتهم وثمارهم، وإكراه وجوههم وتجارهم على ابتياع الغلات السلطانية بأسعار مسرفة مجحفة. فأقلقني ما أفاضوا فيه من الشكوى، وآلمني ما انتهى إلي وصفه من عظيم البلوى، ووجدته مع قبيح ذكره وعظيم وزره عائداً بخراب الضياع، ونقصان الارتفاع. فينبغي أكرمك الله أن تجري سائر رعيتك على المعاملات القديمة، وتحملهم على الرسوم السليمة، حتى يعودوا إلى أفضل حال عهدوها، وأجمل سيرة حمدوها، وتزيل السنن الجائرة وتبطلها، وتقطع أسبابها وتحسمها، وتكتب إلي بما يكون منك في ذلك فإنني على اهتمام به، ومراعاة له، إن شاء الله.

стр. 354

وكتب إلى عبد الله بن علي الجرجرائي عامل الصلح والمبارك. وصل كتابك أكرمك الله جواباً عن الكتب النافذة إليك فيما تظلم منك فيه جماعة من الرعية، وواصلوه من الشكية، بما دللت عليه من بطلان أقوالهم، وشدة أطماعهم، وحكيت من وجوبه عليهم بالحجج الواضحة، والشواهد اللائحة، وفهمته. فأما ما وصفته من استعمالك الحق في قولك وفعلك، وحلك وعقدك، فانظر أي دعوى أدعيتها لنفسك، وماذا تحتج به غداً عند ربك. واعلم أن أقبح الناس في الدنيا ذكراً، وأعظمهم عند الله وزراً، من وصف عدلاً وأتى جوراً، وأحسن قولاً وأساء فعلاً. وأما ما ذكرت أن هؤلاء المتظلمين أوقعوا فيه المغابنة، وابتاعوه من أراضي المزارعات مصابرة، فارتجعته منهم لتبيعه بالثمن الوافر، والنقد الحاضر، فقد عدلت في أمرهم عن طريق الحكم، ألى أشنع جهات الظلم. ولو بانت دعواك وظهرت، وقامت البينة عليها ووضحت، لما جاز أن تمنعهم عما ملكوه، ولا تحول بينهم وبين ما ابتاعوه، إلا بعد أن يختاروا فسخ البيع ويرضوه، ويؤثروه ولا يأبوه، وترد عليهم من الثمن ما وزنوه، وتدفع فيما بينك وبينهم بنظر محمد بن محمد ابن حمدون ووساطته، ولا تعدل عن قبول رأيه ومشورته. وأما ما أنفذته من العمل لبقايا سنة ثمان وثلاثمائة وما قبلها وبينت أن معظمه على الطائفة المتظلمة منك، فقد وقفت عليه، وأحوال هذه البقايا مختلف، والحكم فيها واضح منكشف، وسبيل ما كان منها على الجهابذة والبلدية، وسكان المستغلات السلطانية، أن تستخرجه في أسرع الأوقات، وتستوفيه على تصرف الحالات. وما نقاه المحملون وأصحاب المناثر

стр. 355

عن نقائض قناب الحاصل، ووصفوا أن تصحيحه واجب على أرباب البيادر، فسبيلك أن تجريه مجرى أسلاف البذور التي تستنظفها، مع التوثق منها بعد شهور. وما بقي من الأسماء المجهولة ولا أشك أنه من خراج نخل وخضر في أقرحة معروفة فيجب أن تطالب مزارعي تلك الأقرحة حتى يصححوه، أو يكشفوا حاله ويوضحوه، فاعمل في ذلك بما رسمته، ولا تتجاوز ما حددته، إن شاء الله. وأما ما ذكرت أن ابن المرف الذراع أشار عليك بإيقاع المساحة عليه من حريم الأنهار، المحفوف بالنخل والأشجار، لتطالب بابتياعه، من تجده قد فاز بارتفاعه، فقد غشك هذا الذراع في مشورته، ودلك على سوء سريرته. وجميع نواحي واسط أصلحك الله من السواد المفتتح عنوة، وليس يملكه السلطان أعزه الله فيباع، لأنه فيء للمسلمين يقوم مقام الوقف على جميعهم، وإنما تبايع أهليه فيه يجري مجرى السكني لأجل ما أدوه ويؤدونه من الخراج وهو الكراء، ومن غرس في هذا الحريم نخلاً أو شجراً، أو زرعه غلةً أو خضراً، فقد نفع سلطانه أعزه الله وانتفع، وثمر ماله بما صنع. فاحذر أن يخطر هذا الباب ببالك، أو يجري ذكره على لسانك، وارجع عما يعزب عنك فهمه ويشكل عليك حكمه إلى الفقهاء، لتسلم من سمه المسبة، وتأمن سوء المغبة، إن شاء الله. وحدث أبو الحسن علي بن هشام قال: أقرأني أبو عبد الله أحمد بن محمد الحليمي كتاباً بخط أبي الحسن علي بن عيسى ذكر أنه كتبه إليه في وزارته الأخيرة وهو يتقلد طساسيج طريق خراسان، يحثه فيه على حمل المال وكانت نسخته:
следующие страницы →