Полный текст (381 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
زكرويه، فإن الله سيريح منه قبل وقت الحاج. فما ترون؟ فكل صوب رأيه، وأبو الحسن بن الفرات ساكت لا ينطق. فقال له العباس: ما عندك يا أبا الحسن. قال: ألا تخالف أمير المؤمنين، فإن ما رأى صواب كان توفيقاً، وخطأ كان على رأيه دون رأيك. فأقام على رأيه الأول وكان من الوقعة بالحاج ما كان. وكان الحسين بن حمدان ورد إلى باب الشماسية ليدخل إلى حضرة المقتدر بالله، فوقف أبو الحسن بن الفرات على أنهم يريدون الفتك به. فكتب إليه مبتدئاً: قرأت كتابك تذكر علتك بالنقرس، والخلع توافيك بمكانك. ففهم المعنى وتعالل، فوجه إليه بالخلع وولى ديار ربيعة وغيرها. وقال أبو بكر بن قرابة: شكي إلى أبي الحسن بن الفرات عامل قطربل وإغفاله عمل البزندات. فوقع إليه: ينبغي أن تراعى العمل قبل الوقت للوقت، وفي الوقت للوقت قال: وسمعته يقول: العامل في أول سنة أعمى، وفي الثانية أعور، وفي الثالثة بصير. قال: وجاراني يوماً ذكر أبي بن مقلة وسعايته به، فقال لي: سبيل كل عاقل أن يتحامى هذا الرجل ولا يقبله، فقد كان جرى مثل أمره في أيام
стр. 72
إسماعيل بن بلبل، وذلك أنه كثرت شكوى المعتمد إلى أخيه الموفق من إسماعيل، فأراد الموفق أن يقضي حقه بصرف إسماعيل إلى أن يسكن ما في نفس المعتمد، فقال له: اخرج إلى ضياعك بكوثي وأقم فيها مدة شهر معتزلاً للعمل، ثم عد بعد ذلك. وقلد مكانه الحسن ابن مخلد. فاستخلف الحسن أبا نوح، وكان أبو نوح يكاتب إسماعيل بن بلبل بأخبار الحسن، فلما عاد إسماعيل إلى الوزارة حضره أبو نوح، وجعل يخاطبه مخاطبة مأنوس به. وإسماعيل يلوي وجهه عنه. فلما خلا به أقبل عليه وقال له: إن الحال التي قدرتها قربتك مني هي التي نفرتني منك ومنعتني الثقة إليك، لأنك إذا لم تصلح لمن اصطنعك ورفعك وقلدك من العمل أكثر مما قلدتك لم تصلح لي، وما أُحب كونك بحضرتي ولا اختلاطك بخاصتي. فاختر بريد ناحية تشاكل طبعك. فاختار بريد ماء البصرة، فقلده إياه. وقال أبو الحسن بن قرابة: سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول لكاتب نجع وقد سأله تضمينه الصدقات بفارس: إنما يرغب في عقد الضمان على تاجر ملي، أو عامل وفي، أو تانيء غني. فأما أصحاب الحروب فعقد الضمان عليهم ومطالبتهم بالخروج من أموالها تستدعي منهم العصيان، وخلع طاعة السلطان. قال: وسمعته يقول: من وازن من الكتاب المحاسبة، وأوضح الحجة في المكاتبة، وألزم العامل الواجب في المعاملة، كان حقيقياً بما انتسب إليه.
стр. 73
قال: وسمعته يقول: العمارة بالرغبة، وحفظ الغلة بالرهبة. فقل استخراج وقع في أيام عمارة إلا أبطلها. وقد كان عبيد الله بن يحيى يكتب إلى العمال في أيام العمارة: أغلقوا أبواب دواوين الخراج، واصرفوا المستخرجين من حضرتكم.
قال: وسمعت هشام بن عبد الله يقول: كتب أبو الحسن بن الفرات إلى نجح وقد أنفذ أبا جعفر حمد بن إسحاق المادرائي متقلداً للخراج بدارا بجرد، من عمله: السيف تابع والقلم متبوع، وقل سيف غلب القلم إلا كان داعية الخراب.. ولما قدم عبيد الله بن سليمان من الجبل في أيام المعتضد بالله رحمة الله عليه صار إليه أبو العباس وأبو الحسن ابنا الفرات في عشي يوم، فوجداه يميز أعمالاً وكتباً، وبين يديه كانون عظيم يحرق ما لا يحتاج إليه، فدفع إلى أبي العباس إضبارة ضخمةً وقال له: يا أبا العباس هذه الإضبارة وقائع وسعايات بك وبأخيك من أسبابكما وثقاتكما وصنائعكما وردت علي بالجبل، فخبأتها لك لتعرف بها من ينبغي أن تحترس منه، وتعامل كل واحد بما يستحقه. فأكثر أبو العباس في شكره والدعاء له، وبدأ أبو الحسن يقرأ شيئاً من الإضبارة، فانتهزه أبو العباس وقال: لا تقرأ شيئاً منها. وأخذها فطرحها في الكانون وقال: ما كنت لأقابل نعمة الله على ما وهبه لي من تفضل الوزير بما يوجب الإساءة إلى أحد، ولا حاجة لي إلى قراءة ما يوحشني من أسبابي، ويجر عليهم إساءةً مني. فلما نهضنا قال عبيد الله بن سليمان: أردت التفرد بمكرمة فسبقني أبو العباس إليها وزاد علي فيها. قال وحدثني ابن الأجري صاحب ابن الفرات قال: كنت لا أكاد أحضر
стр. 74
مجلس الوزير أبي الحسن إلا ليلاً، فحضرت يوماً نهاراً لأمر سألنيه ابن أبي البغل، فوجدت عنده المحسن ابنه، فلم أخاطبه بشيء خوفاً من بوادره وشره، حتى نهض وخلا المجلس، فقلت له: ابن أبي البغل يعلم محلي من الوزير، وصار إلي البارحة ليلاً فقال لي: لم أجد من آمنه على نفسي غيرك، وقد قصدتك لتستأذن لي الوزير في الخروج إلى عبادان لأقيم بها وألبس الصوف وآمن على نفسي. قال: وإذا المحسن قد عاد، فأمسك أبو الحسن حتى قام، ثم قال: قد عرفت ذنبه إلا أنه قد لزمك ذمامه، ومن لزمك ذمامه التزمناه، لأنك واحد منا، وغير منفصل عنا، فلا تعلمن بهذا أحداً، وهذا صك على ابن فلانة بثلاثة آلاف درهم فيجعلها نفقته. قال: فأخذت الصك وخطه بالاذن له، وعدت إلى الدار فوجدت ابن أبي البغل قد صعد السطح، وألقى نفسه في خربة تجاورنا ومضى. فعدت إلى الوزير وحدثته بالصورة، فأخذ الصك وأمر بطلبه وقال: والله لو قتل أولادي جميعاً ثم دخل دارك لكان ذلك أماناً وحقناً لدمه.
وحكي أن ابن الفرات اجتاز يوماً في بعض الطرق، فاتفق أن سار تحت ميزاب، فوقع عليه منه ما لوث ثيابه وسرجه ودابته، فوقف في الطريق، وأنفذ إلى داره من يحضره خلعة ثياب أخرى، فرآه رجل عطار كان في الموضع، فقام إليه، وسأله أن يدخل إلى منزله ويقيم فيه إلى أن يعود الرسول بالثياب. ففعل وأقام عنده، وخلع ما كان عليه، وتنظف بالماء مما كان أصابه، وأحضره الغلام الثياب فلبسها، ثم سأله العطار أن يأذن له في إحضار بخور يتبخر به، فأذن له، وركب أبو الحسن. ومضت الأيام، فلما ولي الوزارة كانت حال العطار قد اختلت
стр. 75
ورزحت، فقالت له زوجته: لو مضيت إلى الوزير وتعرفت إليه بخدمتك كانت له لرجوت أن ينظر في أمرك نظراً تغير به حالك. فأعرض عن قولها واستبعد الأمل مما ذكرته، ثم ألحت عليه في القول، فمضى ودخل دار أبي الحسن وتعرض له إلى أن رآه فأمسك وانصرف، فعرف زوجته ما جرى، فأشارت عليه بالعود، فعاد ومعه رقعة يستميحه فيها، ولم يزل حتى وجد فرصة منه فعرضها عليه، فلما وقف عليها قال: سل حاجةً تقض لك، واتفق أن صار إليه من خاطبه في أمر كاتب للعيال كان محبوساً، وسأله مسألة الوزير إطلاقه، وضمن له خمسة آلاف دينار في خاصه، وللوزير عشرين ألف دينار على يده، وللحواشي خمسة آلاف دينار، ووافقه على تعديل المال عند بعض التجار بالكرخ. فلما توثق منه قصد الوزير ومعه رقعة بالصورة، فأمره بحمل المال ليطلق له الرجل، فحمل المال، فلما حصل في الدار منعه بعض الخدم من إدخاله إلى الخزانة إلى أن يؤذن في قبضه. وعرف الوزير أمره، فتقدم إلى العطار أن يفرق ما للحاشية عليهم ويأخذ جميع الباقي لنفسه. وأمر بإطلاق كاتب العيال، فاستعظم العطار ذلك وملأ قلبه، ورأى قدره يصغر عن مثله، فقال للوزير: يقنعني من هذا كله ألف دينار أُغير بها حالي. وأجعلها رأس مالي، فقال له: خذ الجميع عافاك الله ولا تكثر علي في الخطاب. فخرج من حضرته وصار إلى أبي أحمد المحسن، وعرفه الحال، وأنه يقنعه اليسير مما أعطيه، وأومى إلى حمل الباقي إليه،
стр. 76
فقال له أبو أحمد: يأمر لك الوزير بشيء وأصانعك عليه! خذ المال وانصرف. ولأبي الحسن بن الفرات:
خليليّ قد أمسيت حيران موجعا ... وقد بان شرخٌ للشباب فودّعا
ولا بدّ أن أعطي اللذاذاة حقّها ... وإن شاب رأسي في الهوى وتصلّعا
إذا كنت للأعمال غير مضيّعٍ ... فما حقّ نفسي أن أكون مضيّعا
وحدث أبو علي بن مقلة قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول دفعات: ما بخلت بشيء قط إلا ندمت على بخلي به. ولابن بسام في أبي العباس أحمد وأبي الحسن علي ابني الفرات:
لي أحمدان لدنياي وآخرتي ... ولي عليّان فانظر من أعدد لي
من خاتم الملك أضحى وسط خنصره ... ومن علا كتفيه خاتم الرسل
فللشفاعة حسبي أحمد وعلي ... وللمعيشة حسبي أحمد وعلي
منهم بإثنين ما حاولت يسهل لي ... كما بإثنين إن قصّرت يغفر لي
تشبثت راحتي منهم بأربعةٍ ... في العسر واليسر والتأميل والوجل
وله أيضاً في هجائهم:
يا ربّ إنك عدلٌ ... على البريّة شاهد
بنو الفرات ثقالٌ ... وكلهم لك جاحد
ثلاثةٌ ليس فيهم ... إلا ثقيل وبارد
يا رب إن كان لا ب ... بدّ من ثقيلٍ فواحد
ولعبد الله بن المعتز إلى أبي العباس بن الفرات:
стр. 77
يا دهر غيّر كلّ شيءٍ سوى ... رأي أبي العباس فاتركه لي
قد كان لي ذا مشرب طيّبٍ ... حيناً فشيب الآن بالحنظل
عينٌ أصابت ودّه لا رأت ... وجه حبيب أبداً مقبل
إن كان يرضى لي بذا أحمد ... فليس يرضى لي بهذا علي
وللبحتري في أبي العباس:
كرمٌ أنجز المواعيد حتّى ... ردّ فيها نسيئة الوعد نقدا
كلما قلت أعتق المدح رقي ... رجعتني له أياديه عبدا
وحدث أبو الحسين علي بن هشام قال سمعت: أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات يحدث قال: كان النهيكي العامل قد لازم أبا القاسم عبيد الله بن سليمان في نكبته، فلما ولي الوزارة قلده بادوريا، وكان يتقلدها جلة العمال. ولقد سمعت أبا العباس أخي يقول: من استقل ببادوريا استقل بديوان الخراج، ومن استقل بديوان الخراج استقل بالوزارة، وذلك لأن معاملاتها مختلفة وقصبتها الحضرة، والمعاملة فيها مع الأمراء والوزراء والقواد والكتاب والأشراف ووجوه الناس، فإذا ضبط اختلاف المعاملات، واستوفى على هذه الطبقات صلح للأمور الكبار. قال أبو الحسن بن الفرات، فأقام النهيكي في عمالة بادوريا نحو سنتين، تقلد فيهما عبد الرحمن بن محمد ابن يزداد ثم أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي الأصبغ ديوان الخراج في أيام عبيد الله بن سليمان، فلما أُطلقت أنا وأبو العباس أخي من الاعتقال، وتقلد أخي ديوان الخراج والضياع، وخلته عليهما. عاملنا النهيكي، فكنا إذا كاتبناه برفع الحساب لم يجبنا، وإذا خاطبناه بشيء في أمر العمل لم يحفل بنا، إدلالاً
стр. 78
بمكانة من الوزير وعفته، وكان عفيفاً، فلما طال ذلك منا ومنه شكوناه إلى الوزير، فوكل به من لازمه حتى رفع حسابه لعدة سنين، وتشاغلت بعمل مؤامرة، فلم أجد عليه كبير تأول. وحضرنا بين يدي الوزير لمناظرته، وقد كنت صدرت أول باب من المؤامرة بأنه فصل تفصيلاً لثمن الغلة المبيعة جملته على موجب التفصيل أكثر من الجملة التي أوردها بألف دينار، فقال: أتتبع. فتتبع إلى أن صح الباب. فقال: وماذا يكون؟ هذا غلط من الكاتب في الجملة. فبدأت أكلمه. فأسكتني أخي، وأقبل على الوزير فقال: أيها الوزير، صدق. هذا غلط في الحساب، فالدنانير في كيسي من حصلت؟ فقال الوزير: صدق أبو العباس، والله لا وليت عملاً يا لص. ثم أتبعت هذا الباب بباب آخر، وهو ما رفعه ناقصاً عما كتب به من كيل غلة عند قسمتها، فلما توجهت عليه الحجة قال: أريد كتابي بعينه، فبدأت أُكلمه، فأسكتني أخي وقال: هذا أيها الوزير طعن على ديوانك، ونسخ الكتب الواردة والنافذة شاهد عدل. فقال: صدق يا عدو الله. وأمر بجره فجر. وما برحنا حتى أخذنا خطه بثلاثة عشر ألف دينار فأهلكناه بها، وما عمل كبير عمل بعدها.
وحدث أبو الحسين قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول: ناظرت الجهظ أحد العمال على مؤامرة قد عملناها له، وكنت أنا وأخي نأخذ خطه بباب باب، فلما كثر ذلك قالي لي سراً: ليس العمل في الخط، العمل في الأداء، وستعلمون أنكم لا تحصلون مني على شيء، فسمعته أنا وسمعه الوزير أبو القاسم عبيد الله بن سليمان، لأننا كنا في مجلسه، فقال له: أعد ما قلت. فاضطرب. فقال: لا بد أن تعيده. فأعاده. فقال: إذن لا تلى لي والله عملاً أبداً،
стр. 79
قم عافك الله إلى منزلك. خرق يا غلام المؤامرة. فخرقت في الحال، وانصرف الجهظ، وما صرفه الوزير بعد ذلك. وشاع حديثه فتحاماه الناس كلهم، وهلك جوعاً في منزله حتى بلغني أنه احتاج إلى الصدقة.
وحدث أبو الحسين قال: حدثني سليمان بن الحسن بن مخلد قال: قال لي ناقد خادم أبي وثقته وكان يتولى نفقته: ما رأيت أجسر من مولاي على أخذ مال السلطان، ومن ذلك أنني باكرته يوماً وقد لبس سواده ليمض إلى دار المعتضد على الله، وهو إذ ذاك يتولى دواوين الأزمة والتوقيع وبيت المال، فقلت له: قد صككت علي البارحة للمعاملين بألف وستمائة دينار، وما عندي منها حبة واحدة. فقال لي: يا بغيض، تخاطبني الساعة! أين كنت عن خطابي البارحة لأوجه وجهاً ما لها؟ ولكن ابتعني إلى دار السلطان. فتبعته، ودخل إلى المعتمد مع الوزير عبيد الله بن يحيى، ودخل معهما أحمد ابن صالح بن شيرزاد صاحب ديوان الخراج. فلما خرج قال: امض إلى صاحب بيت المال فخذ منه ما يدفعه إليك. فظننته قد استسلف شيئاً على رزقه، ومضيت إليه، فأعطاني ثلاثين ألف دينار، فاستكثرت ذلك، وعلمت أنه ليس من الرزق، وحملتها إلى الدار وعرفته خبرها. فقال للي: أطلق منها ما وقعت به إليك، واحفظ الباقي، فليس يتفق في كل وقت مثل ما اتفق. ومضى للحديث أيام، ودعا دعوة فيها صاعد بن مخلد وإليه إذ ذاك عدة دواوين وجماعة من الكتاب، فأكلوا وناموا وانتبهوا، فإذا كاتب من كتاب أحمد بن صالح بن شيرزاد يستأذن
стр. 80
على مولاي، فأذن له، وقام إلى مجلس واستدعاه إليه، فسمعته يقول له: أخوك أبو بكر يقرأ عليك السلام يعني أحمد بن صالح ويقول: أنت تعرف رسمي مع صاحب بيت المال، وأن محاسبته في سائر الأموال إلي، وإذا تمت ثلاثون يوماً وجهت حاجبي إلى الخازن فحمله مع صاحب بيت المال إلى ديواني لينتظم دستور الختمة بحضرتي، ونحن في ذلك منذ عشرة أيام، حتى تكاملت الختمة ولم يبق إلا ثلاثون ألف دينار، ذكر صاحب بيت المال أنك خرجت إليه من حضرة الخليفة وأمرته بحملها إلى خادمك ناقد، ولست أدري في أي جهة صرفت ولا ما الحجة فيها. فأجابه مولاي بغير توقف وقال: أخي أبو بكر والله رقيع، أسأل أنا الخليفة في أي شيء صرف ما استدعاه إلى حضرته؟ يجب أن يكتب في الختمة: وما حمل إلى حضرة أمير المؤمنين في يوم كذا وكذا ثلاثون ألف دينار. فقام الكاتب خجلاً ومر ذلك في الحساب على هذا، وما تنبه عليه أحد: قال أبو الحسين وقال لي سليمان بعقب هذه الحكاية: وما رأيت لهذه القصة شبيهاً إلا ما فعله أبو الحسن بن الفرات في وزارته الأولى، فإنه نصب يوسف ابن فنحاس، وهارون بن عمران الجهبذ، فلم يدع مالاً لابن المعتز والعباس ابن الحسن ومن نكب وقتل في الفتنة، وما صح من مال المصادرين وغيرهم ممن يجري مجراهم إلا أجراه على أيديهما دون يدي صاحبي بيت مال الخاصة والعامة، وأفرد ابن فرجويه كاتبه بمحاسبتهما والاستيفاء عليهما، فكان يحاسبهما ولا يرفع إلى الدواوين شيئاً من حسابهما. فلما كان في السنة التي قبض عليه فيها كتب
стр. 81
كتاباً عن نفسه إلى مؤنس صاحب بيت المال ذكر فيه أنه حوسب يوسف ابن فنحاس وهارون بن عمران على ما حصل عندهما من كيت وكيت حتى استغرق الوجوه وكان الباقي قبلهما بعد الذي حمل إلى حضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، وصرف في مهمات أمر بها هو والسادة أيدهم الله، من الورق ألف ألف وأربعمائة وسبعون ألفاً وخمسمائة وستة وأربعون درهماً. وأمره بقبض ذلك منهما وإيراده بيت المال الخاصة، فقبضه مؤنس منهما، ومضى الأصل كله لا يعرف في أي شيء صرف، وكان مبلغه فيما ظنه الكتاب وكانوا يتعاودونه. نحو ألف ألف دينار. وفاز ابن الفرات بالمال، ولم يقم به حجة عليه. قال أبو الحسين: فحدثني أبي بعد ذلك قال: لما قلدني أبو الحسن على ابن عيسى في وزارته الأولى ديوان الدار الجامع للدواوين، أمرني بإحضار هذين الجهبذين ومطالبتهما بختماتهما لما كان حصل في أيديهما أيام وزارة ابن الفرات الأولى من الجهات المقدم ذكرها. فاستدعيتهما وطالبتهما، فأحالا على أن ابن الفرات أخذ حسابهما، وأعلمت علي بن عيسى بذاك، فأمرني بحبسهما وتهديدهما، ففعلت. وأحضراني حساباً مسوداً لم يكن منتظماً ولا متسقاً، ولم أزل ألطف بهما حتى أقرا بأنهما وصل إليهما من فضل الصرف مما ورد على أيديما وأنفقاه مائة ألف درهم، وقررت عليهما عشرة آلاف دينار، وأخذت
стр. 82
خطهما بها، فلم يقنع أبو الحسن علي بن عيسى بذلك، وأخذهما من يدي، وسلمهما إلى حمد بن محمد، وكان إليه ديوان المغرب، وأمره بأن يتتبع أمرهما بنفسه، من
غير أن يعرفه ما أخذت خطهما به، فنظر حمد في ذلك، ولم يجد في الحساب إلا إحالات على: حمل إلى الخليفة والسادة، وشيء انصرف في خاص نفقات ابن الفرات. فقال له حمد: هذا مال مسروق والقوم معهم حجة بالابراء وما عليهم طريق. وقد كان ابن الفرات أجلد من أن يدعهم يفوزون بحبة من المال. ير أن يعرفه ما أخذت خطهما به، فنظر حمد في ذلك، ولم يجد في الحساب إلا إحالات على: حمل إلى الخليفة والسادة، وشيء انصرف في خاص نفقات ابن الفرات. فقال له حمد: هذا مال مسروق والقوم معهم حجة بالابراء وما عليهم طريق. وقد كان ابن الفرات أجلد من أن يدعهم يفوزون بحبة من المال.
قال أبو الحسين: قال أبي: فردهما الوزير أبو الحسن إلي وقال: اجتهد في إلزامهما مائتي ألف درهم. فقلت. لا يمكن ذلك. فقال: اعمل على أنك طالبتهما بمرفق لنفسك يكون تتمة المائتين فقلت: إذا فعلت هذا فأي شيء يحصل لي؟ قال خذ منهما عشرين ألف درهم وألزمهما مائة وثمانين. فخرجت وجددت بهما حتى ألزمتهما ذلك، وأخذت لنفسي ما أعطانيه. فلما فرغت أخذت لهما خطه بالبراءة. فقال لي أبو الحسن علي بن عيسى: سأرسيك موضعي أنا من العمل، فإن للرئيس في كل أمر موضعاً لا يقوم فيه أحد مقامه. فأحضرهما إلى حضرته وأنا بين يديه وقال لهما: تريدان مني أن أُزيل عنكما تبعةً إن لم أُزلها بقيت عليكما وعلى ورثتكما أبداً، ولست أفعل ذلك إلا بعوض قريب لا ضرر فيه عليكما، وهو أنني أحتاج في مستهل كل شهر إلى مال أطلقه في ستة أيام، منه للرجالة ما مبلغه ثلاثون ألف درهم. وربما لم يتجه لي في أول يوم من الشهر ولا في ثانيه، وأريد أن تقرضاني في أول كل شهر مائةً وخمسين ألف درهم، وترتجعانها من مال الأهواز في مدة أيامه؛ فإن جهبذة الأهواز إليكما، ويكون هذا المال سلفاً واقفاً لكما أبداً.
стр. 83
وأضيف إلى هذا المال الوظيفة التي على حامد وترد في كل شهر وهو عشرون ألف دينار فيكون ذلك بإزاء مال القسط الأول. فتأبيا ساعةً، ولم يفارقهما حتى استجابا. فقال لي علي بن عيسى: كيف رأيت؟ قلت: ومن يفي بهذا غير الوزير؟ قال: وكان علي بن عيسى إذا حل المال وليس له وجه استسلف من التجار على سفاتج وردت من الأطراف لم تحل عشرة آلاف دينار بربح دانق ونصف فضة في كل دينار، يلزمه في كل شهر ألفان وخمسمائة درهم أرباحاً، فلم يزل هذا الرسم جارياً على يوسف بن فنحاس وهارون ابن عمران ومن قام مقامهما مدة ست عشرة سنة. وحدث أبو الحسين علي بن هشام قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو الحسن ابن الفرات قال: دخل علي المقتدر بالله يوماً وأنا في حبسه، والوزير إذ ذاك حامد ابن العباس فقال لي: أتعرف الحسن بن محمد الكرخي؛ فقلت: نعم. قال: أي إنسان هو؟ قلت: عامل، وله محل من الصناعة، وهو من صنائعي ووجوه عمالي، وقد تقلد لعبيد الله بن سليمان قبلي، وهو أخو القاسم بن محمد الكرخي، ومن بيت معروف. فقال: قد كتب إلي يخطب الوزارة ويضمن حامداً وعلي بن عيسى. فقلت له: ولا كل هذا يا أمير للمؤمنين. وإنما أطعمه فيما طلبه بلوغ حامد من مثله ما بلغه. ولعمري إن الأمر قد وهن بحامد، وإن هذا الرجل أجود حساباً
стр. 84
وأعف لساناً وأشد وقاراً منه، وليس لأنه فوق حامد ترشح لهذه المنزلة. ولا لأن الغلط وقع في أمر حامد وجب أن يسلك في مثل هذه الطريقة، وعلى أنه قد غلط في تقديره أنه يصلح لصرف حامد لأن حامداً قديم الرئاسة في العمالة وله حال عظيمة، ونعمة كبيرة، ومروءة ظاهرة وهيبة معروفة، وسن في ذلك وقدمة، وكان نشا بعيداً عن الحضرة، فلم تستشف أخلاقه وأفعاله إلا بعد الوزارة، وفيه سعة صدر وسخاء نفس يغطيان كثيراً من معايبه وترك الأمر في يده ويد علي بن عيسى أولى فإن هذا لا يقارب علي بن عيسى، ولا يلحق أحد كتابه، وإني لأقول الحق فيهما على عداوتهما لي. فأضرب المقتدر بالله عن الحسن بن محمد ثم تم التدبير لأبي الحسن بن الفرات، وصرف حامد ووزر، فحين جاءه الحسن بن محمد، وتذكر ما جرى بينه وبين المقتدر بالله في بابه هابه وتصور بعد همته وتقلب رأي المقتدر بالله من حال إلى حال، فأحب إبعاده، فقلده الموصل وأعمالها، وأخرجه إليها صارفاً لابن حماد، فانتفع الحسن بما حصل في نفس ابن الفرات. قال أبو الحسين: فكنا في بعض الليالي بحضرة ابن الفرات، وهو يعمل، وأنا مع أبي، والمجلس حافل، إذ قرأ كتاباً ورد من صاحب البريد بالموصل يذكر أن أبا أحمد الحسن هذا قد قسط في الأعمال، ومد يده إلى المال، وزاد في إظهار المروءة، وركب باللبود الطاهرية، وبين يديه عدة حجاب، وخلفه جماعة
стр. 85
غلمان، حتى أنه يسير بينهم في موكب. وأنه وصل معه من البغال والجمال والزواريق التي تحمل أثقاله شيء كثير، وهذا إنفاق وتوسع لا يقتضيه الرزق وإنما هو من الأصول. فرمى بالكتاب إلى أبي القاسم زنجي، وكان إذ ذاك حدثا يخط بحضرته. وقال له: وقع عليه: يجاب بأنه نفع الرجل من حيث أراد الاضرار به، لأنه إذا كان في مثل هذا الصقع عامل ذو وجاهة وتجمل ومروءة صلح أن يتقلد للسلطان إلى مصر
وأجناد الشام متى أنكر من عمالها حالاً. ثم أقبل على من في مجلسه وقال: حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن سليمان أن النوشجاني صاحب البريد رفع إلى المعتضد بالله بأن الأخبار شائعة ببغداد بأن حامد ابن العباس لما دخل فارس متقلداً لها كان معه مائتان وخمسون بغلاً، عليها رحله وأثقاله، ومعه عدد كثير من الغلمان والحاشية وسلم إلي المعتضد بالله كتاب النوشجاني بذلك، فقرأته وتحيرت، وخفت أن يكون قد أنكره وقدر أن حامداً قد اجتاح المال واصطلمه، وقال لي: يا أبا القاسم وقد كان كناه قرأت هذا الكتاب؟ قلت: نعم. قال: قد سرني ما قد ظهر من تجمل حامد ومروءته وما قام بذلك في نفوس الرعية من هيبته، فكم رزقه؟ فقلت: ألفان وخمسمائة دينار في كل شهر. قال: اجعلها ثلاثة آلاف ليستعين بها على مؤونته. ثم قال أبو الحسن بن الفرات عقيب هذه الحكاية: وقد فعل المعتضد بالله قريباً من هذا مع أبي العباس أحمد بن بسطام، فإن المعتضد طالبه بالعجز في
стр. 86
ضمانه واسط وحبسه في دار ابن طاهر، وقرر عليه سبعين ألف دينار يؤديها، وكان يصححها على جمل وأصحاب عبيد الله بن سليمان يطالبونه والموكلون به من قبل المعتضد بالله. فكتب النوشجاني: فيه بأنه كان يفرق في أيام ولايته عشرين كراً حنطةً في كل شهر على حاشيته والفقراء والمساكين والمستوردين من أهل معرفته، وأنه فرق ذلك في هذا الشهر على عادته. ودافع بأداء ما عليه من موافقته ودخل عبيد الله بن سليمان على المعتضد فأقرأه الرقعة وقال: قد سرني فعل ابن بسطام وقيامه بمروءته ومعروفه وجملنا بأن لم يظهر أننا ألزمناه ما أجحف به، وأحوجه إلى تغير رسمه فيما كان يطلقه ويبر به، فكم بقي عليه؟ قلت: بضعة عشر ألف دينار. فقال: اتركها عليه واردده إلى عمله، وعرفه إحمادي ما كان منه. ففعل عبيد الله الله ذلك. وحدث أبو الحسين بن هشام قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات يحدث قال: لما طال حبسي عقيب الوزارة الثانية تبينت أن المقتدر بالله لا يفرج عن ابن الحواري. وإن علم أنه من أكبر أعدائي. ولا يجيبني إلى تسليمه إلي في جملة خصومي، فتلطفت لافساد رأيه بأن راسلت المقتدر بالله قبل أن يطلقني بأربعة أشهر وعرفته أن أولادي في إضافة وفاقة، وسألته إطلاق مائة وخمسين ألف درهم لي، أحمد
стр. 87
إلى كل واحد الثلث منها لاصلاح أمره والقيام بمؤونته، وأرد العوض عنها بعد شهر من ثمن أمتعة قد بيت عند قوم من أصحاب ودائعي. فقال: هذا قدر يقبح أن نمنعه إياه مع كثير ما أخذناه من ماله، احملوا إليه ذلك، فحمل إلي. وراسلت السيدة وطلبت منها خمسين ألف درهم، فكانت تلك سبيلها، وجمعت الجميع ودفعته إلى أم كلثوم قهرمانتي، وأمرتها أن تبتاع به دنانير جدداً حساناً وتجيئني بها. ففعلت. وكانت من عادة المقتدر بالله إذا صام يوم الخميس أن يدخل إلي الحجرة التي أنا محبوس فيها، يقعد عندي ويحادثني من وقت العصر إلى وقت المغرب. فلما كان يوم الخميس قبل وقت حضوره صببت الدنانير بين يدي، فدخل وقال: ما هذا يا أبا الحسن؟ فقلت: أما يرى مولانا أمير المؤمنين كثرة هذه الدنانير، وحسنها؟ قال: بلى، فكم مبلغها؟ قلت: سبعة عشر ألف دينار. قال: ولأي شيء هي بين يديك؟ قلت. اقترضت ذلك المال من أمير المؤمنين ومن السيدة وزيدان، وصرفته فيما أردت فيه، واستدعيت ما كان لي مودعاً من أمتعة وصياغات ممن هو عنده، فأنفذه إلي لما ظهر لهم من تفضل مولانا علي، وزال بذلك طمعهم في، وبعته وحصلت ثمنه هذا لأرده على من اقترضته منه. فقال: ما أقبح هذا! أترانا نبخل عليك بما أطلقناه لك مع ما أخذناه منك مما رأيناه تعويضك عنه وردك إلى أفضل ما كانت منزلتك عندنا عليه؟ فتبسمت. فقال: مم تبسمك؟ قلت: والله يا أمير المؤمنين ما طلبت المال لحاجة إليه فإن في بقية حالي ما يغني عنه، وإنما أردته لأصرفه بالدنانير، وأضعه بحضرتك، فتشاهده وتعلم أن ابن الحواري الخائن يرتزق من مالك في كل شهر مثل مبلغه، ويقتطع مع ذلك كذا، ويأخذ كذا،
стр. 88
وذكرت معايبه ومساوئه. قال: فرأيته قد استعظم الحال، وكثر في عينه المال، ولم ينهض من مجلس حتى وعدني بتسليم ابن الحواري إلي ولم يقبل هو ولا السيدة ولا القهرمانة عوض ما أعطونيه إلا بعد جهد وسؤال. وحدث أبو الحسين بن هشام قال: كنا على مائدة أبي العباس أحمد بن عبيد الله الخصيبي في وزارته، فجرى
ذكر علي بن عيسى وابن الفرات فقال: كان ابن الفرات نافذاً في عمل الخراج وتدبير البلاد وجباية المال وافتتاح الأطراف، وأليق من علي ابن عيسى في سياسة الملك. وكان علي بن عيسى كثير التدين شديد التصون عفيفاً عن المال، وله مذهب في الترسل لا يلحقه فيه أحد ولا ابن الفرات. والتفت إلى أبي عبد الله زنجي وكان حاضراً فقال له: ما عندك في هذا يا أبا عبد الله؟ فقام قائماً وقال: من عادتي أيها الوزير إذا صحبت وزيراً أن أُحصي محاسنه وأذكرها، فأما مساوئه فلا أُخطرها مني بالاً، ولا أُجري بها لساناً، وعلى ذلك فإن أذن الوزير في الجواب قلت ما عندي. قال: قل. فقال: كانت يد أبي الحسن بن الفرات تخونه لفساد خطه، وكان يعمل النسخ بأجزل كلام وأحسنه، ويخرجها إلي فأحررها، والبارحة كنت أميز شيئاً فمرت بي ثلاث نسخ بخطه، إن أمر الوزير بإحضارها ليتبين له موقعه من الترسل أحضرتها. فقال: افعل. وأنفذ غلامه ليحضرها، وتشاغلنا بالأكل. فلما انقضى ونهض الوزير وغسل يده ونام، جلس زنجي في مجلسه من الدار على انتظار النسخ حتى حملت إليه فقرأتها، ولم أزل أُكرر النظر فيها. وكانت إحداها نسخة كتاب منه إلى مؤنس في أمر علي بن عيسى وهي: بن عيسى وابن الفرات فقال: كان ابن الفرات نافذاً في عمل الخراج وتدبير البلاد وجباية المال وافتتاح الأطراف، وأليق من علي ابن عيسى في سياسة الملك. وكان علي بن عيسى كثير التدين شديد التصون عفيفاً عن المال، وله مذهب في الترسل لا يلحقه فيه أحد ولا ابن الفرات. والتفت إلى أبي عبد الله زنجي وكان حاضراً فقال له: ما عندك في هذا يا أبا عبد الله؟ فقام قائماً وقال: من عادتي أيها الوزير إذا صحبت وزيراً أن أُحصي محاسنه وأذكرها، فأما مساوئه فلا أُخطرها مني بالاً، ولا أُجري بها لساناً، وعلى ذلك فإن أذن الوزير في الجواب قلت ما عندي. قال: قل. فقال: كانت يد أبي الحسن بن الفرات تخونه لفساد خطه، وكان يعمل النسخ بأجزل كلام وأحسنه، ويخرجها إلي فأحررها، والبارحة كنت أميز شيئاً فمرت بي ثلاث نسخ بخطه، إن أمر الوزير بإحضارها ليتبين له موقعه من الترسل أحضرتها. فقال: افعل. وأنفذ غلامه ليحضرها، وتشاغلنا بالأكل. فلما انقضى ونهض الوزير وغسل يده ونام، جلس زنجي في مجلسه من الدار على انتظار النسخ حتى حملت إليه فقرأتها، ولم أزل أُكرر النظر فيها. وكانت إحداها نسخة كتاب منه إلى مؤنس في أمر علي بن عيسى وهي: آثار علي بن عيسى أعزك الله فيما تولاه من الأعمال، وجرى على يده
стр. 89
من الأموال، تدل على عجزه وإضاعته، وتبطل ما يدعيه من صناعته وكفايته. ولما صرفت عماله عما ولوه، وطالبتهم بما اقتطعوه، أعفوا بمال جزيل قدره، عظيم خطره، متجاوز مبلغه ألف ألف دينار، وانضاف إليها ما توفر مما كانوا يفوزون به من الارتفاقات، ويستثنونه في العقود والمقاطعات، وهو أربعمائة ألف دينار، وما وجب على الحسين بن أحمد ومحمد بن علي المادرائيين من خراج ضياعهما بمصر والشام في سني ولايته، فاستدركه علي بن أحمد بن بسطام وهو ثلاثمائة ألف دينار، فتحصل الجميع ألف ألف وسبعمائة ألف دينار، وحمل منه إلى حضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ستمائة ألف دينار، وإليك أعزك الله للنفقة على القادة النافذة لمحاربة يوسف بن ديوداذ مع صلات المستأمنة وأرزاقهم خمسمائة ألف دينار، وأُطلق الباقي لقواد أمير المؤمنين أيده الله وأجناده وخواصه عوضاً عما كان علي بن عيسى حطه من أرزاقهم، ووضعه من جملة استحقاقاتهم، فكثر الشاكر، وسكن وأمن النافر، وصلحت الأحوال، وانبسطت الآمال. ولما قربت العساكر من يوسف أفرج عن الري وما يليها من الأعمال، وزال عن أهلها كل جور وعدوان، وعمرت تلك النواحي بعقب خرابها، واستوسقت الأمور بعد اضطرابها، والله الموفق المعين. وقد توفرت أعزك الله مع ذلك مني عليه العناية، ولحقته الصيانة، في نفسه وماله، وضياعه وحاله، ترفعاً عن مجازاته على أفعاله، وجرياً على عادتي في أمثاله. والله أسأل معونتي على الجميل
стр. 90
الذي أعتقده وأنويه، وتوفيقي لما يحبه ويرضيه، إنه أهل الفضل وموليه، وحسبي الله ونعم الوكيل.
ونسخة الأخرى وكانت إلى أبي عباس أحمد ابن بسطام عند تقلده الوزارة الأولى:
نعم الله عند أمير المؤمنين أطال الله بقاءه تتجدد في سائر أوقاته، وتتوكد في جميع حالاته، فليس يخلو منها قاهرةً لأعدائه، وناصرةً لأوليائه، والله يعينه على أداء حقها، والقيام بشكرها، إنه ذو فضل عظيم. وكان جماعة من جلة الكتاب والقواد ووجوه الغلمان والأجناد، حسدوا أبا أحمد العباس بن الحسن ﵀ على محله في الدولة ومنزلته، وما قام به لأمير المؤمنين أيده الله من عقد بيعته، فسعوا في إتلاف مهجته، وإزالة نعمته، وتوصل إليهم عبد الله بن المعتز بمكره وخديعته، فأوحشهم من أمير المؤمنين وشيعته، وحسن لهم الخروج عن طاعته، فنكثوا ومرقوا، وغدروا وفسقوا، وشهروا سيوف الفتنة وأظهروا أعلامها، وأضرموا نيرانها، وتفرد الحسين بن حمدان بأبي أحمد فقتله، وثنى بفاتك المعتضدي فأتلفه، وقصد المارقون دار الخلافة حتى وصلوا إلى جدرانها، وأحرقوا عدة من أبوابها، ووفق الله الخدم والأولياء المصافية والغلمان الحجرية لمحاربتهم ومنازلتهم، فانصرفوا مفلولين، واجتمعوا إلى عبد الله فعاقدوه وبايعوه، وتسمى بالخلافة في ليلته، ووازره محمد بن داود على ضلالته. وما صحبهم من غلمان
стр. 91
أمير المؤمنين أدام الله عزه وخاصته وذوي البأس من رعيته من حسن دينه. وخلص يقينه، فتحصنوا بالإبعاد في الهرب، لما خافوه من شدة الطلب، وأُسر جماعة من كتاب عبد الله وخواصه، منهم محمد بن عبدون، وعلي بن عيسى، ومحمد بن سعيد الأزرق، ويمن الكبير، ووصيف بن صوارتكين، وسرخاب الخادم، وعلي الليثي، ومحمد الرقاص وأبناء دميانة، والمعروف بأبي المثنى، ومحمد ابن يوسف، وحملوا إلى دار أمير المؤمنين أيده الله فحصلوا في أعظم بوس، وأضيق حبوس. ولما خمدت النائرة، وسكنت الفتنة الثائرة، استدعاني أمير المؤمنين أدام الله تاييده فأوصلني إلى حضرته، وخصني ببره وتكرمته، وفوض إلي تدبير مملكته، ورعاية خاصته وعامته، واعتمد علي في حياطة ملكه ودولته، وقلدني سائر دواوينه مع وزارته، وخلع علي خلعاً ألبسني بها إجلالاً وقدراً، وجمالاً وفخراً، وعدت إلى داري مغموراً بإحسانه، مثقلاً بأياديه وامتنانه. وأسأل الله معونتي على طاعته. وتبليغي غاية رضاه وإرادته بمنه وقدرته.
وكان أول ما بدأت به الجد في طلب عدو الله عبد الله بن المعتز، إلى أن هيأ الله الظفر به على يد صافي مولى أمير المؤمنين، بعد أن تنصح في الدلالة على موضعه خادم مشهور الديانة، مذكور الصيانة يعرف بسوسن الجصاصي، فأوجبت الحال إطلاق صلة لسائر الأولياء وافرة المبلغ، وأنا بتجديد البيعة عليهم متشاغل، وللخدمة مواصل، والأمور جارية على أحمد مجاريها. وأفضل المحاب فيها، والحمد لله رب العالمين. والأحوال أعزك الله بيننا توجب مشاركتك، وتقتضي مساهمتك، وقد
стр. 92
قلدتك الخراج والضياع العامة والمستحدثة بمصر ونواحيها، والكور الجارية فيها، لما أعرفه من كفايتك ومخالصتك، وأثق به من مناصحتك، وكتبت به إلى الحسين بن أحمد بتسليم هذه الأعمال إليك، وأعلمته اعتمادي فيها عليك، وأنت بصناعتك وكفايتك تستغني عن التنبيه والتبصير، وتوفي على الظن بك والتقدير إن شاء الله.
وكتب يوم الثلاثاء لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول من سنة ست وتسعين ومائتين.
ونسخة الثالثة وكانت إلى ابن بسطام في صرف سوسن عن الحجابة والقبض عليه
عوائد الله عند أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فيمن يشاقه ويناويه، توفي على غاية محابه ونهاية أمانيه، فليس يظهر أحد عصيانه ويبديه، أو يجاهر به أو يخفيه، إلا جعله الله عظةً للأنام، وأهلكه بعاجل الاصطلام، والله عزيز ذو انتقام. وممن نكث وغدر، وفسق ومرق، وطغى وبغى، وكاشف وخالف، سوسن الحاجب، فإنه كان لدم أبي أحمد العباس بن الحسن ﵀ من السافكين، وفي معاونة عبد الله بن المعتز على فتنته من المشمرين. وكان يظهر لأمير المؤمنين أطال الله بقاءه موالاة ونصراً، ويضمر عداوة وغدراً، ويسعى في إفساد ملكه ودولته، ويوحش وجوه غلمانه وخاصته، إلى أن عاجله أمير المؤمنين أدام الله عزه بسطوته
стр. 93
وأزال عن الدولة حرسها الله ما عراها من معرته، وقلد مكانه من وثق بدينه وأمانته، ونصيحته ومخالصته، فاستوسقت الأمور، واستبشر الجمهور، وارتفع الأولياء وانقمع الأعداء، والله يخير لأمير المؤمنين فيما يبرمه ويمضيه، ويوفقه لما يحبه ويرضيه بجوده، ومجده، وكرمه وحمده، إنه فعال لما يريد. هذه أعزك الله حال الباغين والمارقين، والطاغين والناكثين، ومن تغره المهلة، وتفسده الغفلة، وتزله قدماه، ويعصي مولاه، فإن العاقبة للمتقين، والدائرة على المجرمين، والسلامة في طاعة الله وطاعة أمير المؤمنين، والحمد لله رب العالمين. وقال أبو الحسين بن هشام: سمعت أبا الحسن بن الفرات يملي جواباً لبعض العمال على ظهر كتاب: ورد منه بجملة عشرة آلاف دينار، فكان ما أحسن ولا قارب الإحسان، ولا أنا بالراضي بشيء من أمره، ولا بالمؤخر عنه ما يكرهه إن أقام على ما هو عليه، وأين عشرة آلاف دينار مما يجب عليه حمله؟ ليكبت إليه في ذلك أغلظ كتاب وأفظعه، وليعرف أني إن استفسدته بعد استصلاحي إياه أنسيته ما سلف مما جرى عليه، فليختر لنفسه ما يراه أصلح لها إن شاء الله.
وحدث أبو الحسين قال: حدثني أبو القاسم سليمان بن الحسن قال: حضرت مناظرة أبي محمد حامد بن العباس وأبي الحسن علي بن عيسى وأبي علي الحسين ابن أحمد المادرائي الملقب بأبي زنبور، لأبي الحسن علي بن محمد بن الفرات وكان ذلك بدار الخلافة، وحضر نصر الحاجب والقواد والقضاة، وأُخرج ابن الفرات وعليه قميصان ورداء، فلما توسط المجلس سلم سلاماً عامً وجلس، فكان ذلك أول
стр. 94
استخفافه بالقوم، فأقبل عليه حامد وقال له: مددت رجلك، وأطمعت في المحال نفسك، وعولت على القهرمانة يعني زيدان في الشفاعة لك، والمدافعة عنك وظننت أنه يقنع منك بثلاثمائة ألف دينار ونيف، أقررت بها من ودائعك. نريد أن نحاسبك على ما أغللت في ثمانية عشر شهراً من ارتفاعك، وما انضاف إلى ذلك من رزقك، وحق بيت المال في ضياعك التي رفعت عن نفسك لنفسك بأنك أوغرته، وخمسمائة ألف دينار قد حضر من ثقاتك من يواقفك على أنك ارتجعتها من ودائعك التي بقيت لك بعد نكبتك الأولى فكتمتها السلطان أعزه الله بعد يمينك له بالصدق عن جميع مالك، فإذا فرغنا من ذلك عدلنا إلى مرافقك. فقال: أما استغلال ضيعتي فلا مطالبة تتوجه علي به، وقد ردها أمير المؤمنين علي. وأما حق بيت المال الذي أوغرنيه فالحال واحدة فيه. وأما الودائع فلم يكن بقي لي ما لم أصدق عنه فيما تقدم. وأما الثقة الذي أشرت إليه في مواقفتي، فالثقة لا يكون ساعياً لحق ويكني عن باطل. فقال له: قد علمنا أنك تحسن المناظرة، ويطول لسانك بالأقوال المحالة، هذا موقف يحتاج فيه إلى وزن المال، ولا تغتر بالصيانة عن المكروه، فإنني قد شرطت على أمير المؤمنين أعزه الله تسليمك إلي، فاحفظ نفسك ما دمت في ظله قبل أن أبسط عليك من المكاره ما لا تثبت له. قال له ابن الفرات: المكاره تبسط على من أخذ أموال السلطان وفاز بها، وضمن ضمانات باطلةً بفتاوي الفقهاء والكتاب، وحصل الفضل الكبير منها، ولولا إشفاقك من ذلك لما تعرضت لما لا تحسنه وفضحت نفسك، وهتكت المملكة بالدخول فيه.
стр. 95
فقال له حامد: ما هذا التبسط يا عاض كذا من أبيه، حتى كأنك الوزير ونحن بين يديك. فقال ابن الفرات: دار أمير المؤمنين تصان عن السخف، وحضور هؤلاء القواد القضاة يمنع عن الفحش. فيا ليت شعري يا حامد ما الذي غرك؟ وليس ما أنت فيه بيدراً تقسمه، وأكاراً تشتمه وتحلق لحيته وتضربه، وعاملاً تذبح دابته وتعلق رأسها في عنقه، فإنما هذه الدار وهذا المجلس دار ومجلس الخليفة اللذان منهما يشيع العدل في أقطار الأرض، وإنما مكنت من مناظرتي، ولم تجعل لك سبيل إلى عرضي، ولولا أنني أتصون عن فعل مثلك لاقتصصت في القول والشتم منك، ومع إمساكي فقد وجب الحد عليك فيما أطلقت به لسانك. فأقبل علي بن عيسى على حامد وقال له: يدعني الوزير أعزه الله حتى أناظره، وقال لأبي الحسن بن الفرات: يا أبا الحسن أعزك الله تعرف هذا؟ وأومى إلى أبي زنبور فقال: ما أُنكره من سوء. قال: هو أبو علي الحسين بن أحمد المادرائي عامل مصر الذي قصدته وأفقرته، وخدمته معروفة في رده مصر على السلطان دفعات. فكيف لا تعرفه؟ فقال: لم ينكر علي أني لم أُثبته؟ فإن عهدي طويل به، وكنت أعرفه يكتب لعامل نهر جوبر بعشرين ديناراً في الشهر. ثم صحب الطولونيين العصاة، فعظمت حاله ونعمته معهم، ولم أره إلى وقتي هذا. فقال علي بن عيسى لأبي زنبور: واقفه على ما ذكرت.
стр. 96
فقال نعم. وأقبل علي ابن الفرات وقال: توليت لك أعمال أجناد الشام سوى جند قنسرين والعواصم، فطالبتني من المرفق بما كنت أحمله إلى العباس ابن الحسن قبلك، وهو عشرة آلاف دينار في كل شهر. وأخذت ذلك لمدة وزارتك الأولى، فكان المبلغ أربعمائة وأربعين ألف دينار. ثم إنك نصبت في وزارتك الثانية ديواناً للمرافق، واستخرجت هذا المال وأوردته في جملة مرافق حملتها إلى أمير المؤمنين. فأمسك ابن الفرات ساعة، حتى قال نصر الحاجب بعجومته: تكلمي يا قرمطية. فقال له: أمسك يا أبا القاسم عما لا ينفعك ولا يضرني. وقال لأبي زنبو: ليس يخلو ما تدعيه من حالين، إما أن يكون حملك للمال مع رسل أو بسفاتج تجار على تجار، فإن كان مع رسل فأحضرهم أو أحضر القبوض التي كتبت على أيديهم، أو بسفايج فالقبوض مع أربابها. فقال أبو زنبور: هذا شيء لا يكتب به قبوض. فقال: إذا كان ذلك كذلك وجب أن تجعل بدلاً من أربعمائة ألف أربعة آلاف ألف لتكون الحال فيه واحدة. ثم اقبل على علي بن عيسى فقال: حكم الله ورسوله في الدعاوي معروف، وأرجو ألا يخرجني أمير المؤمنين فيه عن الانصاف. ثم قال لأبي زنبور: قد وليت
стр. 97
لأبي الحسن وأومى إلى علي بن عيسى الشام أربع سنين، فإن كنت حملت إليه هذا المرفق في هذه المدة فهو عليه، أو لم تفعل فهو عليك لاعترافك بوجوبه.
فقال به أبو زنبور: هذا لا يلزمني، ولكن ها هنا مال الاستثناء بمصر، وهو مائة ألف دينار في كل سنة، وقد أخذت منه في وزارتك الأولى سبعمائة ألف وخمسين ألف دينار. فقال له ابن الفرات: قد وليت أيضاً مصر لأبي الحسن أربع سنين، وحكم ذلك فيما يتوجه على أبي الحسن أو عليك حكم ما قبله. والآن فها هنا ثمانمائة ألف دينار واجبة لأمير المؤمنين أعزه الله ومن الواجب أن تخرجا إليه منها. فقال له علي بن عيسى: أنا معروف الطريقة ومكشوف الرأس من مثل هذه الأسباب وكشف عن رأسه. قال: وكان المقتدر بالله قريباً من الموضع فسمع ما جرى. فقال ابن الفرات: ومن ها هنا بارك الله عليك مغطى الرأس؟ ولو تكلم الناس كلهم في هذا الموضع لوجب لك ألا تتكلم. فقال: لم يا أبا الحسن؟ أعزك الله. قال: لأن لهذا الرجل يعني أبا زنبور ومحمد بن علي ابن أخيه بمصر والشام من الضياع مسافة مائة فرسخ في مائة فرسخ، وما أخذت من حق بيت المال منها في وزارتك درهماً واحداً. فمن ترك على قوم حقوق بيت المال لم لم يأخذ المرافق منهم؟ ثم التفت إلى شفيع اللؤلؤي وإليه البربد وقال له: أنت ثقة أمير المؤمنين، وقد تعين على هذا الرجل يعني أبا زنبور مال يلزمه الخروج منه
стр. 98
بإقراره واعترافه أو إقامة حجة تبرئه منه، فأنه إلى أمير المؤمنين ذلك، وطالبه به.
وأقبل عليه حامد وقال له: قد أخذت في التمويهات، وعولت يا ابن الفاعلة على دفع الحق بالمباهتات. قال له: وأي شيء في يدك من الحق حتى أدفعه يا حامد، تحمل إلى السلطان مائتين وأربعين ألف دينار في كل سنة من واسط، وتدعي أن الخاقاني الأبله المتخلف ضمنك ثمن الحاصل من زرع لم يزعر. ثم تعترف بأنك تغل ضمان هذه الناحية سبعمائة ألف دينار، وتشنع بذلك، أوليس هذا الفعل شاهد عقلك وصناعتك ومقدارك في دينك وأمانتك؟ وقد رضينا بهذا الشيخ يعني علي ابن عيسى في كشف أمرك وتأمل ما عليك، فإن شغل السلطان باستيفاء ما يلزمك مما دخلت في الوزارة لتدفعه عن نفسك لما اردت استخراجه منك أعود عليه وأنفع له. فشتمه حامد شتماً مسرفاً، وأمر أن تنتف لحيته، فلم يقدم عليه أحد حتى مد حامد يده إلى لحيته وكان جالساً بالقرب منه فأخذ منها خصلة، وصاح ابن الفرات: أوه. وضرب أبو زنبور يده إلى الدواة وكتب بأنه يضمن استخراج مائة ألف دينار من ابن الفرات في مدة ثلاثين يوماً إذا سلم إليه بعد ما أداه إلى هذا الوقت. فقال له ابن الفرات: يكون عليك ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار بالمواقفة لك في هذا المجلس، ثم تدفعها بأن تضمنني بأقل من نصفها؟ إن ذلك من أطرف الأمور، وأعجب السياسة! فقال حامد: وأنا أضمنك بسبعمائة ألف دينار عاجلة في عشرة أيام، إذا سلمت إلي وكتب حامد وأبو زنبور خطهما بما بذلا فيه. واستدعى حامد مرشداً الخادم،
стр. 99
وسلم إليخ الخطين، وأمره بعرضهما على المقتدر بالله، فدخل وعاد وقال: أمير المؤمنين يقول: أنا أعلم أن عليه وعنده من الأموال أكثر مما قلتماه وضمنتماه. وأنا أدري كيف أستخرجها منه، وأُقابله على تقاعده بي. ومكايدته إياي، فأما أن أُضمنه وأُسلمه فلا حاجة بي إلى ذلك. ثم أقيم من المجلس إلى محبسه، فما وقعت للجماعة عين عليه بعد ذلك.
قال أبو الحسين بن هشام: فلما ولي أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة حكي هذا المجلس على هذه السياقة، وزاد فيها أن علي بن عيسى قال له: ما اتقيت الله في تقليدك ديوان جيش المسلمين رجلاً نصرانياً، وجعلت أنصار الدين وحماة البيضة يقبلون يده ويمتثلون أمره. فقلت له: ما هذا شيء ابتدأته ولا ابتدعته، وقد كان الناصر لدين الله قلد الجيش إسرائيل النصراني كاتبه. وقلد المعتضد مالك بن الوليد النصراني كاتب بدر ذلك. فقال علي بن عيسى: ما فعلا صواباً. فقلت: حسبي الأسوة بهما وإن أخطأ على زعمك. ولعمري إنك لا ترى أمانتهما، ولا تعتقد طاعتهما، فلذلك لا تقتدي بآرائهما، ولا ترتضي بأفعالهما، ومع هذا فما وجدت لي روحين إذا مضى أحدهما بقي الآخر. قال: ما أردت بهذا القول؟ قلت: وجدت العباس بن الحسن قد قلد محمد بن داود بن الجراح ديوان
стр. 100
الجيش، فطمع في الوزارة، وسعى على العباس حتى قتله، وخلع أمير المؤمنين أعزه الله وأجلس عبد الله بن المعتز. فخفت أن يتم علي وعلى الدولة ما تم منه. قتال: ثم صحت، وأنا أعلم أن الخليفة يسمع: يا أمير المؤمنين، قد اجتمع هؤلاء يريدون قتلي خوفاً من علمي بمساوئهم، وما في ذممهم من الأموال التي تلزمهم، كما اجتمع الكتاب في أيام المتوكل جدك في نجاح بن سلمة حتى قتلوه، ولي عليك حق حرمة وخدمة، فاحرس نفسي. وبارك الله لك في مالي. قال: فما استوفيت القول حتى خرج الخدم وحملوني إلى موضعي، ولم أجتمع مع واحد منهم حتى جلست هذا المجلس.
وحكى أبو الحسن ثابت بن سنان أن أبا زنبور لم يقم من مجلسه الذي ناظر ابن الفرات فيه حتى قال له: إن أقررت على نفسك مصادرةً التزمت عنك خمسين ألف دينار. فلما خرج قال له علي بن عيسى ونصر الحاجب وابن الحواري: دخلت إلى الرجل لتناظره وخرجت من عنده وقد بذلت مرفقاً مصانعةً. فقال: نعم، أدخلتموني إلى رجل قال لي بعضكم لما دخلت إليه: أنظر لمن تخاطب وقال آخر: أنظر بين يديك وقال آخر الله الله في نفسك. فلم أجد أقرب إلى الصواب مما فعلته. قال: فلما تقلد ابن الفرات الثالثة قبض على ولد لأبي زنبور وأخذ خطه بخمسة وعشرين ألف دينار كانت واجبةً عليه للسلطان، وأخر مطالبته بها إلى أن وافى أبوه من الشام، ثم قال له وعدتني في المجلس الذي ناظرتني فيه بحمل خمسين ألف دينار، وقد كنت مالك أمرك في أن تفعل أو لا تفعل،
стр. 101
وهذا خط ابنك بخمسةً وعشرين ألف دينار واجبة عليه لا حجة له ولا لك في دفعها عنه وقد رددته إليك مكافأةً عما عملت وبذلت. ووجدت في هذه الحكاية من الزيادة أن حامداً قد كان أحضر أبا علي ابن مقلة معه لمواقفة ابن الفرات على استخرجه من ودائعه في وزارته الثانية، فلما طلبه وجده قد انصرف، ورساله بالعود فقال: أنا أكتب خطي. وأشهد على نفسي بجميع ما تريده مني، فأما أن أواجه ابن الفرات به فما لي وجه يثبت على ذلك. فكان هذا الفعل سبب سوء رأيه فيه.
وحدث أبو الحسين بن هشام. قال: سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد ابن عبد الحميد كاتب السيدة يحدث أبي في يوم عيد الأضحى من سنة ست وثلاثمائة قال: لما صح عند أبي الحسن بن الفرات فساد أومره عند المقتدر بالله، وتمام التدبير عليه في صرفه وتقليد حامد استدعاني وخلا بي وقال: أنت عارف بخدمة هذه المرأة وما فيه صلاح رأيها، وأريد أن تلطف في استمالتها واستعطافها حتى تبطل ما دبره أعدائي علي وأشر علي بما أفعله في أمري. فقلت له: قد دبر عليك تدبير لا ينحل سريعاً، وجنيت على نفسك في هذه الدفعة ثلاث جنايات لا يمكن تلافي الخطأ فيها. فقال: وما هي؟ قلت: أولها أن صرفت أصحاب الدواوين والعمال والمنفقين وأصحاب البرد والخرائط وأكثر القضاة وبعض المعاون. وقلدت أصحابك وذوي عناياتك، فصاروا أعداءك وسعاةً عليك، وقال الناس، إنك قلدت للعناية لا للكفاية، وحتى قال الخليفة: ما كان في هؤلاء المتصرفين من يصلح للإقرار على عمله.
стр. 102
وثانيها: أنك أخذت توقيع الخليفة برد أملاكك وضياعك عليك، وقد تفرق أكثرها في أهل الدار والقواد والخواص فانتزعت ذلك من أيديهم ولم تعوضهم عنه. وقد أنفق أكثرهم النفقات العظيمة عليه، وانضاف هؤلاء إلى أولئك وصارت كلمتهم واحدةً في السعي عليك. وثالثتها: أن حلفت للخليفة وأنت في حبسه قبل أن تقلدت من وزارته ما تقلدته أنه لم يبق لك وديعة ولا ذخيرة إلا وقد صدقته عنها، ثم قعدت في ولايتك تطالب بالودائع ظاهراً، وتستخرجها شائعاً، فكيف يمكن إصلاح فساد هذه أسبابه؟ ولكنني أُشير عليك برأي إن قبلته أحمدته. قال: وما هو؟ قلت تقسط على نفسك وكتابك وعمالك مالاً يقارب النصف من أحوالهم وتحمله إلى الخليفة فترضيه به، وأعقد لك مع السيدة عقداً يقوم بأمرك معه، وأُحلفها عليه يميناً تسكن النفس إلى مثلها. وأنت وهم قادرون على الاعتياض فيما تعطونه على مهل. فقال: أما هذا الرأي فقد أشار به علي جماعة من أسبابي، منهم موسى بن خلف وابن فرجويه، وأبو الخطاب، وهشام قال أبو الحسين: وإنما حدث ابن عبد الحميد أبي بهذا الحديث لتعلقه بذكره فخطأت جميعهم فيه، وقد كنت عندي بعيداً من الخطأ، وقد شاركتهم فيه الآن. فقلت: وكيف؟ قال: ما بذل قط وزير ولا كاتب ولا عامل بذلاً على وجه المصادرة في ولايته إلا كان من أكبر دواعي الطمع. وأكثر أسباب الحجة عليه، لأن أعداءه يقولون قد بان الآن كثرة ماله وحاله بما بذله عفواً من نفسه ووراء ذلك أضعافه. ويكون هذا القول مسموعاً مقبولاً، ويتم ما يتم وإن يدافع يوماً ومدة وقد مضى المال
стр. 103
ضائعاً. ومع هذا فأي شيء أقبح بي مع علو همتي وكثرة نعمتي من أن أُنشئ أصحاباً وعمالاً يلون بولايتي وينكبون بنكبتي ويتصرفون بتصرفي ويتعطلون بعطلتي ثم أُزيل نعمهم وأحوالهم بيدي وفي أيامي؟ القتل والله أهون من ذلك. فعجبت من كبر نفسه وعظم كرمه، وانصرفت، فقبض عليه بعد أيام. وحدث أبو الحسين قال. دخلت مع هشام والدي إلى أبي جعفر أحمد بن إسحاق ابن البهلول القاضي عقيب عيد لأهنئه به، فتطاولا الحديث، وقال له والدي في عرضه: قد كنت أُكاتب الوزير يعني ابن الفرات في محبسه وأُعرفه ما عليه القاضي من موالاته ومشاركته والتألم من محنته، ومواصلة الدعاء بتفريجها عنه، وهو الآن على شكر للقاضي واعتداد به. فلما سمع ذلك صرف من كان في مجلسه وخلوا. وقال له القاضي: ليس يخفى علي ما أراه في عين الوزير ونظره من التغير والتنكر، وإن كان ما نقضي من منزلة ولا عمل، وبالله أحلف لقد لقيت حامد بن العباس متلقياً بالمدائن لما أصعد للوزارة، فقام إلي في حراقته قياماً تاماً، وأقبل علي وسألني عن خبري وقال: هذا أمر لك ولولدك، وستعرف ما أفعله في زيادتك من العمال والأرزاق، ثم لقيته يوم خلع عليه فتطاول لي، فلما فعلت في أمر الوزير بحضرة أمير المؤمنين ما فعلته عاداني ولم يعرني طرفه من بعد، وتخوفته حتى كفاني الله أمره بتفرد علي بن عيسى بالعمل، وتشاغله هو بالضمان وسقوط الحاجة إلى لقائه، ومالي إلى الوزير ذنب يوجب انقباضه عني، واستيحاشه مني إلا أنني
стр. 104
سلمت الوديعة التي كانت له عندي، والله لقد دافعت عنها بغاية ما أمكنتني المدافعة به، مع ما اتي بحيث لا يمكن مثلي الكذب فيما يسأل عنه، حتى جاء ابن حماد كاتب موسى بن خلف وأقر بها علي، وأقام الدليل بإحضار المرأة التي كانت حملتها إلي، فلم أستطع مع هذه الحال إنكارها، ولم أجد بداً من تسليمها. وقد فعل أبو عمر مثل ذلك فيما كان عنده، غير أنه أخذ مالاً من ماله ووضعه في أكياس وختمه بخاتم نفسه وكتب عليه علي بن محمد. فلما عاد الوزير قال له: إن الوديعة بعينها عندي، وإنما غرمت ما غرمته من مالي، تقرباً إليه وتنفقاً عنده ومالي من المال ما لأبي عمر، ولا عندي من الاستحلال مثل ما عنده، ولا جرت عادتي أن أقدح في أمانتي ومروءتي بمثل فعله. والآن فأُريد أن تستل سخيمة الوزير وتصلح قلبه، وتذكره بحقي القديم عليه، ومقامي له بين يدي الخليفة المقام الذي قمته، فإن مثله يرعى ويراعى. فقال له: ما الذي أفعل وأتلطف؛ وقد اختلفت الأقوال فيما جرى ذلك اليوم، فإن رأى القاضي أن يشرحه لي. فقال أبو جعفر كنت أنا وأبو عمر وحامد وعلي ابن عيسى بحضرة الخليفة، وفي المجلس جماعة من خواصه الذين يعادون الوزير أيده الله وينحروه عنه، إذ أحضر
حامد الرجل الجندي الذي زعم أنه وجده راجعاً من أردبيل إلى قزوين، ومتردداً بينهما وبين أصبهان والبصرة، وأنه أقر له عفواً أنه رسول ابن الفرات إلى ابن أبي الساج في عقد الإمامة لرجل من الطالبيين المقيمين بطبرستان، وأن الشروع واقع من الجماعة في أخذ البيعة له، ومسير ابن أبي الساج إلى بغداد به، حتى إذا قرب عاونه ابن الفرات ومهد له من أمر الحضرة ما يجب تمهيده. وقال حامد للرجل: اصدق عما عندك. فذكر مثل ما ذكره حامد عنه، ووصف أن موسى بن خلف اختاره لابن الفرات لأنه من الدعاة إلى الطالبيين، وأن موسى قد كان مضى في وقت من الأوقات إلى ابن أبي الساج في شيء من ذلك. فلما استتم الرجل قوله اغتاظ الخليفة غيظاً شديداً بان في وجهه، واقبل على أبي عمر فقال: ما عندك فيمن فعل هذا واستجازه؟ فقال: لئن كان فعله لقد ركب عظيماً، وأقدم على أمر يضر بالمسلمين جميعاً، واستحق كذا بكلمة عظيمة لا أحفظها. قال أبو جعفر: وتبينت في وجه علي بن عيسى كراهيةً لما يجري وإنكاراً لهذه الدعوى وهزؤا بما قيل فيها، فقويت بذاك نفسي، وعطف الخليفة إلي فقال: ما عندك يا أحمد فيمن فعل ما سمعته؟ قلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني عن الجواب. قال: ولم؟ قلت: لأنه ربما أغضب من أنا محتاج إلى رضاه، وخالف رأيه وهواه، واستضررت بذلك ضرراً أتأذى به. قال: لا بد من أن تقول. فقلت: الجواب ما قال الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ ينَبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ". ومثل هذا الأمر الكبير لا يقبل فيه خبر الواحد، والعقل يمنع من قبول مثله على ابن الفرات، لأن من المحال أن يرضى ببياعة ابن أبي الساج، ولعله ما كان يؤهله لحجابته في أيام وزارته. ثم أقبلت على الرجل فقلت له: صف لي أردبيل أعليها سور أم لا؟ فلا شك في معرفتك بذلك مع ما ذكرته من دخولك إياها. واذكر لي باب دار العمارة هل هو حديد أو ملبس أم خشب؟ فلجلج في كلامه. ما كنية ابن محمود كاتب ابن أبي الساج؟ فلم يعرف ذاك. وقلت: فأين الكتب التي معك؟ قال: لما أحسست بوقوعي في أيديهم رميت بها إشفاقاً من أن يجدوها معي فأُعاقب. فقلت: يا أمير المؤمنين هذا رجل جاهل مكتسب أو مدسوس من عدو غير محصل. فقال علي بن عيسى: قد قلت ذاك للوزير فما قبل مني، وليس يخوف هذا فضلاً عن أن ينزل به مكروه إلا وقد أقر بالصورة. فأقبل الخليفة على نذير الحرمي وقال له: بحقي عليك إلا ضربته مائة مقرعة أشد ضرب إلى أن يصدق وإنما عدل بهذا الأمر عن نصر الحاجب لما كان يعرفه من عداوته لابن الفرات قال: فأُخذ الرجل من حضرة الخليفة ليضرب على بعد. فقال: لا، لا، ها هنا. فضرب بحيث يشاهده دون خمس مقارع. فقال: غررت وضمنت لي ضمانات فكذبت، ووالله ما رأيت أردبيل قط. وطلب أبو معد نزار بن محمد الضبي صاحب الشرطة فكان قد انصرف. وقال الخليفة لعلي بن عيسى: وقع إليه بأن يضربه مائة سوط ويثقله بالحديد ويطرحه في المطبق. فوالله لقد رأيت حامداً وقد كاد يسقط انخزالاً وانكساراً ووجلاً وإشفاقاً. وخرجنا وجلسنا في دار نصر الحاجب وانصرف حامد، وأخذ علي بن عيسى ينظر في أمور كلم فيها، وأخر أمر الرجل حتى قال له ابن عبدوس حاجبه: قد أُنفذ بدبر المضروب المتكذب. قال أبو جعفر: فقلت: هذا رجل قد جهل، وغمني إذ كنت سبباً لما لحقه، فإن أمكنك أن تسقط عنه المكروه المستأنف أو بعضه كان لك فيه أجر. فقال: لعن الله هذا. وأي أجر في مثله؟ ولكنني أقتصر به على خمسين مقرعة وأعفيه من السياط. ثم وقع بذلك إلى نزار وانصرف. وقد صار حامد من أشد الناس حنقاً علي وعداوةً لي. امد الرجل الجندي الذي زعم أنه وجده راجعاً من أردبيل إلى قزوين، ومتردداً بينهما وبين أصبهان والبصرة، وأنه أقر له عفواً أنه رسول ابن الفرات إلى ابن أبي الساج في عقد الإمامة لرجل من الطالبيين المقيمين بطبرستان، وأن الشروع واقع من الجماعة في أخذ البيعة له، ومسير ابن أبي الساج إلى بغداد به، حتى إذا قرب عاونه ابن الفرات
стр. 105
ومهد له من أمر الحضرة ما يجب تمهيده. وقال حامد للرجل: اصدق عما عندك. فذكر مثل ما ذكره حامد عنه، ووصف أن موسى بن خلف اختاره لابن الفرات لأنه من الدعاة إلى الطالبيين، وأن موسى قد كان مضى في وقت من الأوقات إلى ابن أبي الساج في شيء من ذلك. فلما استتم الرجل قوله اغتاظ الخليفة غيظاً شديداً بان في وجهه، واقبل على أبي عمر فقال: ما عندك فيمن فعل هذا واستجازه؟ فقال: لئن كان فعله لقد ركب عظيماً، وأقدم على أمر يضر بالمسلمين جميعاً، واستحق كذا بكلمة عظيمة لا أحفظها. قال أبو جعفر: وتبينت في وجه علي بن عيسى كراهيةً لما يجري وإنكاراً لهذه الدعوى وهزؤا بما قيل فيها، فقويت بذاك نفسي، وعطف الخليفة إلي فقال: ما عندك يا أحمد فيمن فعل ما سمعته؟ قلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني عن الجواب. قال: ولم؟ قلت: لأنه ربما أغضب من أنا محتاج إلى رضاه، وخالف رأيه وهواه، واستضررت بذلك ضرراً أتأذى به. قال: لا بد من أن تقول. فقلت: الجواب ما قال الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ ينَبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ". ومثل هذا الأمر الكبير لا يقبل فيه خبر الواحد، والعقل يمنع من قبول مثله على ابن الفرات، لأن من المحال أن يرضى ببياعة ابن أبي الساج، ولعله ما كان يؤهله لحجابته في أيام وزارته. ثم أقبلت على الرجل فقلت له: صف لي أردبيل أعليها سور أم لا؟ فلا شك في معرفتك بذلك مع ما ذكرته من دخولك إياها. واذكر لي باب دار العمارة هل هو حديد أو ملبس أم خشب؟
стр. 106
فلجلج في كلامه. ما كنية ابن محمود كاتب ابن أبي الساج؟ فلم يعرف ذاك. وقلت: فأين الكتب التي معك؟ قال: لما أحسست بوقوعي في أيديهم رميت بها إشفاقاً من أن يجدوها معي فأُعاقب. فقلت: يا أمير المؤمنين هذا رجل جاهل مكتسب أو مدسوس من عدو غير محصل. فقال علي بن عيسى: قد قلت ذاك للوزير فما قبل مني، وليس يخوف هذا فضلاً عن أن ينزل به مكروه إلا وقد أقر بالصورة. فأقبل الخليفة على نذير الحرمي وقال له: بحقي عليك إلا ضربته مائة مقرعة أشد ضرب إلى أن يصدق وإنما عدل بهذا الأمر عن نصر الحاجب لما كان يعرفه من عداوته لابن الفرات قال: فأُخذ الرجل من حضرة الخليفة ليضرب على بعد. فقال: لا، لا، ها هنا. فضرب بحيث يشاهده دون خمس مقارع. فقال: غررت وضمنت لي ضمانات فكذبت، ووالله ما رأيت أردبيل قط. وطلب أبو معد نزار بن محمد الضبي صاحب الشرطة فكان قد انصرف. وقال الخليفة لعلي بن عيسى: وقع إليه بأن يضربه مائة سوط ويثقله بالحديد ويطرحه في المطبق. فوالله لقد رأيت حامداً وقد كاد يسقط انخزالاً وانكساراً ووجلاً وإشفاقاً. وخرجنا وجلسنا في دار نصر الحاجب وانصرف حامد، وأخذ علي بن عيسى ينظر في أمور كلم فيها، وأخر أمر الرجل حتى قال له ابن عبدوس حاجبه: قد أُنفذ بدبر المضروب المتكذب. قال أبو جعفر: فقلت: هذا رجل قد جهل، وغمني إذ كنت سبباً لما لحقه، فإن أمكنك أن تسقط عنه المكروه المستأنف أو بعضه كان لك فيه أجر. فقال: لعن الله هذا. وأي أجر في مثله؟ ولكنني أقتصر به على خمسين مقرعة وأعفيه من السياط. ثم وقع
стр. 107
بذلك إلى نزار وانصرف. وقد صار حامد من أشد الناس حنقاً علي وعداوةً لي.
وحدث أبو الحسين علي بن هشام قال: لما وزر أبو الحسن بن الفرات وزارته الأولى وجد سليمان بن الحسن يتقلد مجلس المقابلة في ديوان الخاصة من قبل علي بن عيسى، وهو صاحب الديوان إذ ذاك، فقلده الديوان بأسره، وأقام يتقلده سنتين. واتفق أن قام في بعض العشيات يصلي المغرب، فسقطت من كمه رقعة بخطه فيها سعاية بابن الفرات وأسبابه، وسعي لابن عبد الحميد كاتب السيدة في الوزارة، فوقعت في يد أحد الحواشي، فحملها إلى ابن الفرات، فلما وقف عليها قبض عليه من وقته، وأنفذه في زورق مطبق إلى واسط، فصودر هناك وضرب. ثم رفع صاحب البريد إلى ابن الفرات في جملة رفوعه أن أم سليمان ماتت ببغداد ولم يحضرها ولدها ولا شاهدته قبل موتها، فاغتم بذلك وهزته الرعاية لأن كتب إليه بخطه كتاباً أقرأناه سليمان من بعده فحفظته وهو: ميزت أكرمك الله بين حقك وجرمك، فوجدت الحق يوفي على الجرم، وذكرت من سالف خدمتك في المنازل التي فيها ربيت، وبين أهلها غذيت، ما ثناني إليك، وعطفني عليك، وأعادني لك إلى أفضل ما عهدت، وأجمل ما ألفت، فثق أكرمك الله بذلك واسكن إليه، وعول في صلاح ما اختل من أمرك عليه. واعلم أنني أراعي فيك حقوق أبيك التي تقوم بتوكد السبب مقام اللحمة والنسب وتسهل ما عظم من جنايتك، وتقلل
стр. 108
ما كثر من إساءتك، ولن أدع مراعاتها والمحافظة عليها، إن شاء الله، وقد قلدتك أعمال دستميان لسنة ثمان وتسعين ومائتين وبقايا ما قبلها، وكتبت إلى أحمد ابن حبش بحمل عشرة آلاف درهم إليك، فتقلد هذه الأعمال وأظهر فيها أثراً حميداً يبين عن كفايتك، ويؤدي إلى ما احبه من زيادتك إن شاء الله.
وحدث القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي قال: حدثني أبو الحسين علي ابن هشام قال: كنت حاضراً مع أبي مجلس أبي الحسن بن الفرات في شهر ربيع الآخر سنة خمس وثلاثمائة في وزارته الثانية فسمعته يتحدث ويقول: دخل إلي أبو الهيثم العباس بن محمد بن ثوابة الأنباري في محبسي في دار المقتدر بالله وطالبني بأن أكتب له خطي بثلاثة عشر ألف ألف دينار. فقلت: هذا مال ما جرى على يدي للسلطان في طول أيام ولايتي فكيف أصادر على مثله؛ قال: قد حلفت بالطلاق على أنه لا بد أن تكتب بذلك. فكتبت له بثلاثة عشر ألف ألف، ولم أذكر درهماً ولا ديناراً. فقال اكتب ديناراً لأبرأ من يميني فكتبت وضربت عليه وخرقت الرقعة ومضغتها وقلت: قد برت يمينك ولا سبيل بعد ذلك إلى كتب شيء. فاجتهد ولم أفعل، ثم عاد إلي من غد ومعه أم موسى القهرمانة، وجدد مطالبتي وأسرف في شتمي، ورماني بالزنا، فحلفت بالطلاق والعتاق وتمام الأيمان الغموس أنني ما دخلت في محظور من هذا الجنس منذ نيف وثلاثين سنةً، وسمته أن يحلف
стр. 109
بمثل يميني على أن غلامه القائم على رأسه لم يأته في ليلته تلك. فأنكرت أم موسى هذا القول، وغطت وجهها حياء منه. فقال لها ابن ثوابة: هذا رجل بطر بالأموال التي معه، ومثله مثل المزين مع كسرى، والحجام مع الحجاج بن يوسف. فتستأمرين السادة في إنزال المكروه به حتى يذعن بما يراد منه وكان قوله: السادة، إشارةً إلى المقتدر بالله والسيدة والدته وخاطف ودستنويه أُم ولد المعتضد بالله، وهم إذ ذاك مستولون على التدبير لصغر المقتدر بالله فقامت أم موسى وعادت وقالت لابن ثوابة: يقول لك السادة: قد صدقت فيما قلت ويدك مطلقة فيه. قال ابن الفرات: وكنت في دار لطيفة، والحر شديد فتقدم بتنحية البواري عن سمائها حتى نزلت الشمس إلى صحنها، وإغلاق أبواب بيوتها، فحصلت في الشمس من غير أن أجد مستظلاً منها، ثم قيدني بقيد ثقيل، وألبسني جبة صوف قد نقعت في ماء الأكارع، وغلني بغل، وأقفل باب الحجرة وانصرف، فأشرفت على التلف. وعددت على نفسي ما عاملت الناس به، فوجدتني قد عملت كل شيء منه، من مصادرة ونهب وقبض ضياع وحبس وتقييد وتضييق وإلباس جباب الصوف، وتسليم قوم إلى أعدائهم وتمكينهم من مكروههم، ولم أذكر أنني غللت أحداً، فقلت: يا نفس هذه زيادة. ثم فكرت أن النرسي كاتب الطائي ضمنني من عبيد الله بن سليمان، فلم يسلمني إليه وسلمه إلي فسلمته إلى الحسن المعلوف المستخرج، وكان عسوفاً، وأمرته بتقييده وتعذيبه ومطالبته بمال حددته له، وألط
стр. 110
ولم يود، فتقدمت بغله ثم ندمت بعد أن غل مقدار ساعتين. وأمرت بإنزال الغل عنه. وتجاوزت الساعتين وأنا مغلول، فذكرت أمراً آخر، وهو أنه لما قرب سبكرى مأسوراً مع رسول صاحب خراسان كتبت إلى بعض عمال المشرق بمطالبته بأمواله وذخائره. فكتب بإلطاطه وامتناعه، فكتبت بأن يعل، فوصل الكتاب الأول وغل، وتلاه الثاني بعد ساعتين فحل. فلما تجاوزت عني أربع ساعات سمعت صوت غلمان مجتازين في الممر الذي فيه حجرتي، فقال الخدم الموكلون: هذا بدر الحرمي وهو صنيعتك. فاستغثت به وصحت: يا أبا الخير، لي عليك حقوق، وأنا في حال أتمنى معها الموت، فتخاطب السادة وتذكرهم حرمتي وخدمتي في تثبيت دولتهم لما قعد الناس عن نصرتهم، وافتتاحي البلدان المأخوذة، واستيفائي الأموال المنكسرة، وإن لم يكن إلا مؤاخذتي بذنب ينقم علي فالسيف فإنه أروح. فرجع ودخل إليهم وخاطبهم ورققهم، وأمروا بحل الحديد كله عني، وتغيير لباسي وأخذ شعري، وإدخالي الحمام وتسليمي إلى زيدان، وراسلوني: بأنك لا ترى بعد ذلك بؤساً. وأقمت عند زيدان مكرماً إلى أن رددت إلى هذا المجلس. قال أبو الحسين: ثم ضرب الدهر ضربه فدخلت إليه مع أبي في الوزارة الثالثة وقد غلب المحسن على رأيه وأمره. فقال له أبي: قد أسرف أبو أحمد في مكاره الناس حتى أنه يضرب من لو قال له: اكتب خطك بما يريده منه لكتب بغير ضرب. ثم يواقف المصادر على الأداء في وقت بعينه، فإن تأخر إيراد
следующие страницы →