← История

История · id 26106

تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء

الصابئ، هلال بن المحسن

Полный текст (381 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فلجلج في كلامه. ما كنية ابن محمود كاتب ابن أبي الساج؟ فلم يعرف ذاك. وقلت: فأين الكتب التي معك؟ قال: لما أحسست بوقوعي في أيديهم رميت بها إشفاقاً من أن يجدوها معي فأُعاقب. فقلت: يا أمير المؤمنين هذا رجل جاهل مكتسب أو مدسوس من عدو غير محصل. فقال علي بن عيسى: قد قلت ذاك للوزير فما قبل مني، وليس يخوف هذا فضلاً عن أن ينزل به مكروه إلا وقد أقر بالصورة. فأقبل الخليفة على نذير الحرمي وقال له: بحقي عليك إلا ضربته مائة مقرعة أشد ضرب إلى أن يصدق وإنما عدل بهذا الأمر عن نصر الحاجب لما كان يعرفه من عداوته لابن الفرات قال: فأُخذ الرجل من حضرة الخليفة ليضرب على بعد. فقال: لا، لا، ها هنا. فضرب بحيث يشاهده دون خمس مقارع. فقال: غررت وضمنت لي ضمانات فكذبت، ووالله ما رأيت أردبيل قط. وطلب أبو معد نزار بن محمد الضبي صاحب الشرطة فكان قد انصرف. وقال الخليفة لعلي بن عيسى: وقع إليه بأن يضربه مائة سوط ويثقله بالحديد ويطرحه في المطبق. فوالله لقد رأيت حامداً وقد كاد يسقط انخزالاً وانكساراً ووجلاً وإشفاقاً. وخرجنا وجلسنا في دار نصر الحاجب وانصرف حامد، وأخذ علي بن عيسى ينظر في أمور كلم فيها، وأخر أمر الرجل حتى قال له ابن عبدوس حاجبه: قد أُنفذ بدبر المضروب المتكذب. قال أبو جعفر: فقلت: هذا رجل قد جهل، وغمني إذ كنت سبباً لما لحقه، فإن أمكنك أن تسقط عنه المكروه المستأنف أو بعضه كان لك فيه أجر. فقال: لعن الله هذا. وأي أجر في مثله؟ ولكنني أقتصر به على خمسين مقرعة وأعفيه من السياط. ثم وقع

стр. 107

بذلك إلى نزار وانصرف. وقد صار حامد من أشد الناس حنقاً علي وعداوةً لي. وحدث أبو الحسين علي بن هشام قال: لما وزر أبو الحسن بن الفرات وزارته الأولى وجد سليمان بن الحسن يتقلد مجلس المقابلة في ديوان الخاصة من قبل علي بن عيسى، وهو صاحب الديوان إذ ذاك، فقلده الديوان بأسره، وأقام يتقلده سنتين. واتفق أن قام في بعض العشيات يصلي المغرب، فسقطت من كمه رقعة بخطه فيها سعاية بابن الفرات وأسبابه، وسعي لابن عبد الحميد كاتب السيدة في الوزارة، فوقعت في يد أحد الحواشي، فحملها إلى ابن الفرات، فلما وقف عليها قبض عليه من وقته، وأنفذه في زورق مطبق إلى واسط، فصودر هناك وضرب. ثم رفع صاحب البريد إلى ابن الفرات في جملة رفوعه أن أم سليمان ماتت ببغداد ولم يحضرها ولدها ولا شاهدته قبل موتها، فاغتم بذلك وهزته الرعاية لأن كتب إليه بخطه كتاباً أقرأناه سليمان من بعده فحفظته وهو: ميزت أكرمك الله بين حقك وجرمك، فوجدت الحق يوفي على الجرم، وذكرت من سالف خدمتك في المنازل التي فيها ربيت، وبين أهلها غذيت، ما ثناني إليك، وعطفني عليك، وأعادني لك إلى أفضل ما عهدت، وأجمل ما ألفت، فثق أكرمك الله بذلك واسكن إليه، وعول في صلاح ما اختل من أمرك عليه. واعلم أنني أراعي فيك حقوق أبيك التي تقوم بتوكد السبب مقام اللحمة والنسب وتسهل ما عظم من جنايتك، وتقلل

стр. 108

ما كثر من إساءتك، ولن أدع مراعاتها والمحافظة عليها، إن شاء الله، وقد قلدتك أعمال دستميان لسنة ثمان وتسعين ومائتين وبقايا ما قبلها، وكتبت إلى أحمد ابن حبش بحمل عشرة آلاف درهم إليك، فتقلد هذه الأعمال وأظهر فيها أثراً حميداً يبين عن كفايتك، ويؤدي إلى ما احبه من زيادتك إن شاء الله. وحدث القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي قال: حدثني أبو الحسين علي ابن هشام قال: كنت حاضراً مع أبي مجلس أبي الحسن بن الفرات في شهر ربيع الآخر سنة خمس وثلاثمائة في وزارته الثانية فسمعته يتحدث ويقول: دخل إلي أبو الهيثم العباس بن محمد بن ثوابة الأنباري في محبسي في دار المقتدر بالله وطالبني بأن أكتب له خطي بثلاثة عشر ألف ألف دينار. فقلت: هذا مال ما جرى على يدي للسلطان في طول أيام ولايتي فكيف أصادر على مثله؛ قال: قد حلفت بالطلاق على أنه لا بد أن تكتب بذلك. فكتبت له بثلاثة عشر ألف ألف، ولم أذكر درهماً ولا ديناراً. فقال اكتب ديناراً لأبرأ من يميني فكتبت وضربت عليه وخرقت الرقعة ومضغتها وقلت: قد برت يمينك ولا سبيل بعد ذلك إلى كتب شيء. فاجتهد ولم أفعل، ثم عاد إلي من غد ومعه أم موسى القهرمانة، وجدد مطالبتي وأسرف في شتمي، ورماني بالزنا، فحلفت بالطلاق والعتاق وتمام الأيمان الغموس أنني ما دخلت في محظور من هذا الجنس منذ نيف وثلاثين سنةً، وسمته أن يحلف

стр. 109

بمثل يميني على أن غلامه القائم على رأسه لم يأته في ليلته تلك. فأنكرت أم موسى هذا القول، وغطت وجهها حياء منه. فقال لها ابن ثوابة: هذا رجل بطر بالأموال التي معه، ومثله مثل المزين مع كسرى، والحجام مع الحجاج بن يوسف. فتستأمرين السادة في إنزال المكروه به حتى يذعن بما يراد منه وكان قوله: السادة، إشارةً إلى المقتدر بالله والسيدة والدته وخاطف ودستنويه أُم ولد المعتضد بالله، وهم إذ ذاك مستولون على التدبير لصغر المقتدر بالله فقامت أم موسى وعادت وقالت لابن ثوابة: يقول لك السادة: قد صدقت فيما قلت ويدك مطلقة فيه. قال ابن الفرات: وكنت في دار لطيفة، والحر شديد فتقدم بتنحية البواري عن سمائها حتى نزلت الشمس إلى صحنها، وإغلاق أبواب بيوتها، فحصلت في الشمس من غير أن أجد مستظلاً منها، ثم قيدني بقيد ثقيل، وألبسني جبة صوف قد نقعت في ماء الأكارع، وغلني بغل، وأقفل باب الحجرة وانصرف، فأشرفت على التلف. وعددت على نفسي ما عاملت الناس به، فوجدتني قد عملت كل شيء منه، من مصادرة ونهب وقبض ضياع وحبس وتقييد وتضييق وإلباس جباب الصوف، وتسليم قوم إلى أعدائهم وتمكينهم من مكروههم، ولم أذكر أنني غللت أحداً، فقلت: يا نفس هذه زيادة. ثم فكرت أن النرسي كاتب الطائي ضمنني من عبيد الله بن سليمان، فلم يسلمني إليه وسلمه إلي فسلمته إلى الحسن المعلوف المستخرج، وكان عسوفاً، وأمرته بتقييده وتعذيبه ومطالبته بمال حددته له، وألط

стр. 110

ولم يود، فتقدمت بغله ثم ندمت بعد أن غل مقدار ساعتين. وأمرت بإنزال الغل عنه. وتجاوزت الساعتين وأنا مغلول، فذكرت أمراً آخر، وهو أنه لما قرب سبكرى مأسوراً مع رسول صاحب خراسان كتبت إلى بعض عمال المشرق بمطالبته بأمواله وذخائره. فكتب بإلطاطه وامتناعه، فكتبت بأن يعل، فوصل الكتاب الأول وغل، وتلاه الثاني بعد ساعتين فحل. فلما تجاوزت عني أربع ساعات سمعت صوت غلمان مجتازين في الممر الذي فيه حجرتي، فقال الخدم الموكلون: هذا بدر الحرمي وهو صنيعتك. فاستغثت به وصحت: يا أبا الخير، لي عليك حقوق، وأنا في حال أتمنى معها الموت، فتخاطب السادة وتذكرهم حرمتي وخدمتي في تثبيت دولتهم لما قعد الناس عن نصرتهم، وافتتاحي البلدان المأخوذة، واستيفائي الأموال المنكسرة، وإن لم يكن إلا مؤاخذتي بذنب ينقم علي فالسيف فإنه أروح. فرجع ودخل إليهم وخاطبهم ورققهم، وأمروا بحل الحديد كله عني، وتغيير لباسي وأخذ شعري، وإدخالي الحمام وتسليمي إلى زيدان، وراسلوني: بأنك لا ترى بعد ذلك بؤساً. وأقمت عند زيدان مكرماً إلى أن رددت إلى هذا المجلس. قال أبو الحسين: ثم ضرب الدهر ضربه فدخلت إليه مع أبي في الوزارة الثالثة وقد غلب المحسن على رأيه وأمره. فقال له أبي: قد أسرف أبو أحمد في مكاره الناس حتى أنه يضرب من لو قال له: اكتب خطك بما يريده منه لكتب بغير ضرب. ثم يواقف المصادر على الأداء في وقت بعينه، فإن تأخر إيراد

стр. 111

الروز به، أعاد ضربه. ومع هذا الفعل شناعة مع خلوه من فائدة. فقال له أبو الحسن: يا أبا القاسم، لو لم يفعل أبو أحمد ما يفعله بأعدائنا ومن أساء معاملتنا لما كان من أولاد الأحرار ولكان نسل هوان. أنت تعلم أنني قد أحسنت إلى الناس دفعتين فما شكروني، وسعوا على دمي. ووالله لأسلكن بهم ضد تلك الطريقة. فلما خرجنا من حضرته قال لي أبي: سمعت أعجب من هذا القول؟ إذ كنا لم نسلم مع الإحسان نسلم مع الإساءة؟ فما مضى إلا أيام يسيرة حتى قبض عليه وجرى ما جرى في أمره. قال القاضي أبو علي التنوخي قلت لأبي الحسين بن هشام: قد عرفنا خبر المزين مع كسرى وهو أنه جلس ليصلح وجهه فقال له: أيها الملك، زوجني بنتك، فأمر بأن يقام، فأقيم. وقيل له: ما قلت؟ فقال: لم أقل شيئاً. ففعل به ذلك ثلاث دفعات. فقال الملك: لهذا المزين خطب، وأحضر أهل الرأي فأخبرهم بحاله. فقال جميعهم: ما أنطق هذا المزين إلا باعث بعثه من مال وراء ظهره. فأنفذ إلى منزله فلم يوجد له شيء. فقال الملك: احفروا مكان مقعده عند خدمته لي، فحفر فوجد تحته كنز عظيم. فقال الملك: هذا الكنز كان يخاطبني. ثم قلت لأبي الحسين: فهل تعرف خبر الحجام مع الحجاج؟ قال: نعم. بلغنا أن الحجاج احتجم ذات يوم، فلما ركب المحاجم على رقبته قال له: أُحب أيها الأمير أن تخبرني بخبرك مع ابن الأشعث، وكيف عصا عليك. فقال له: لهذا الحديث وقت آخر، وإذا فرغت من شأنك حدثتك. فأعاد مسألته وكررها، والحجاج يدفعه ويعده ويحلف له على الوفاء له. فلما فرغ ونزع المحاجم عنه، وغسل الدم، أحضر الحجام وقال له: إنا وعدناك بأن نحدثك حديث ابن الأشعث معنا، وحلفنا لك، ونحن محدثوك: يا غلام، السياط. فأُتي بها، فأمر الحجاج فجرد وعلته السياط، واقبل الحجاج يقص عليه قصة ابن الأشعث بأطول حديث. فلما فرغ استوفى الحجام خمسمائة سوط، فكاد يتلف. ثم رفع الضرب وقال له: قد وفينا لك بالوعد، وأي وقت أحببت أن تسأل خبرنا مع غير ابن الأشعث على هذا الشرط أجبناك. الطريقة. فلما خرجنا من حضرته قال لي أبي: سمعت أعجب من هذا القول؟ إذ كنا لم نسلم مع الإحسان نسلم مع الإساءة؟ فما مضى إلا أيام يسيرة حتى قبض عليه وجرى ما جرى في أمره. قال القاضي أبو علي التنوخي قلت لأبي الحسين بن هشام: قد عرفنا خبر المزين مع كسرى وهو أنه جلس ليصلح وجهه فقال له: أيها الملك، زوجني بنتك، فأمر بأن يقام، فأقيم. وقيل له: ما قلت؟ فقال: لم أقل شيئاً. ففعل به ذلك ثلاث دفعات. فقال الملك: لهذا المزين خطب، وأحضر أهل الرأي فأخبرهم بحاله. فقال جميعهم: ما أنطق هذا المزين إلا باعث بعثه من مال وراء ظهره. فأنفذ إلى منزله فلم يوجد له شيء. فقال الملك: احفروا مكان مقعده عند خدمته لي، فحفر فوجد تحته كنز عظيم. فقال الملك: هذا الكنز كان يخاطبني. ثم قلت لأبي الحسين: فهل تعرف خبر الحجام مع الحجاج؟ قال: نعم. بلغنا أن الحجاج احتجم ذات يوم، فلما ركب المحاجم على رقبته قال له: أُحب أيها الأمير أن تخبرني بخبرك مع ابن الأشعث، وكيف عصا عليك. فقال له: لهذا الحديث وقت آخر، وإذا فرغت من شأنك حدثتك. فأعاد مسألته وكررها، والحجاج يدفعه ويعده ويحلف له على الوفاء له. فلما فرغ ونزع المحاجم عنه، وغسل الدم، أحضر الحجام وقال له: إنا وعدناك بأن نحدثك حديث

стр. 112

ابن الأشعث معنا، وحلفنا لك، ونحن محدثوك: يا غلام، السياط. فأُتي بها، فأمر الحجاج فجرد وعلته السياط، واقبل الحجاج يقص عليه قصة ابن الأشعث بأطول حديث. فلما فرغ استوفى الحجام خمسمائة سوط، فكاد يتلف. ثم رفع الضرب وقال له: قد وفينا لك بالوعد، وأي وقت أحببت أن تسأل خبرنا مع غير ابن الأشعث على هذا الشرط أجبناك. وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو الحسين بن هشام قال: حدثني أبو علي بن مقلة قبل وزارته قال: عزم أبو الحسن بن الفرات في وزارته الأولى يوماً على الصبوح من غد، وكان يوم الأحد من رسمه أن يجلس للمظالم فيه. ثم قال له: كيف نتشاغل نحن بالسرور، ونصرف عن بابنا قوماً كثيرين قد قصدوا من نواح بعيدة وأقطار شاسعة مستصرخين متظلمين؟ فهذا من أمير، وهذا من عامل، وهذا من قاض، وهذا من متعزز، ويمضون مغمومين داعين علينا. والله ما أطيب نفساً بذلك، ولكن أرى أن تجلس أنت يا أبا علي ساعةً ومعك أحمد بن عبيد الله بن رشيد صاحب ديوان المظالم وتستدعيا القصص وتوقعاً منها فيما يجوز توقيعكما فيه، وتفردا ما لا بد من وقوفي عليه، وتحضرانيه لأُوقع فيه، وينصرف أرباب الظلامات مسرورين، وأتهنأ يومي بذلك. فقلت: السمع والطاعة. وبكرت من غد فقال لي: اخرج واجلس على ما واقفتك عليه. فخرجت ومعي ابن رشيد، وجلسنا ووقعنا في جمهور ما رفع إلا عشر رقاع كانت مما يحتاج إلى وقوفه عليها توقيعه بخطه فيها، وكان منها رقعة كبيرة ضخمة ترجمتها: المتظلمون من أهل روذمستان وهرمزجرد وهما ناحيتان من السيب الأسفل وجنبلاء، وكانتا إذ ذاك

стр. 113

في إقطاع السيدة. وقدرت أنها في ظلامة من وكيلها في تغيير رسم ونقص طسق. فجعلتها فيما أوردته، وعدت إلى أبي الحسن فعرفته ما جرى. فأخذ الرقاع ولم يزل يوقع فيها إلى أن انتهى إلى هذه الرقعة، فقرأها ووجهه يربد ويصفر، وينتقل من لون إلى لون، فضاق صدري وندمت على ترك قراءتها وقلت: لعل فيها أمراً يتهمني فيه، وأخذت ألوم نفسي على تفريطي فيما فرطت فيه. وفرغ منها، فكتمني ما وقف عليه فيها وقال: هاتوا أهل روذمستان وهرمزجرد. فصاح الحجاب دفعات، فلم يجب أحد، وقام وهو مهموم منكسر، ولم يذاكرنا بأمر أكل ولا شرب ودخل بعض الحجر، وتأخر أكله، وزاد شغل قلبي، وقلت لخليفة لساكن صاحب الدواة، وكان أُميا: أريد رقعةً لابن بسام الشاعر، عليها خرج لأقف عليه، ولم أزل أخدعه حتى مكنني من تفتيش ما هو مع الدواة، ولو كان ساكن حاضراً لما تم لي ذلك. وأخذت الرقعة فإذا هي رقعة بعض أعداء ابن الفرات، وقد قطعه فيها بالثلب والطعن وتعديد المساوئ والقبائح، وهدده بالسعاية، وقال فيما قاله: قد قسمت الملك بين نفسك وأولادك وأهلك وأقاربك وكتابك وحواشيك، واطرحت جميع الناس، وأقللت الفكر في عواقب هذه الأفعال، وما ترضى لمن تنقم عليه ما تنقمه بالإبعاد وتشتيت الشمل حتى تودعهم الحبوس وتفعل وتصنع. وختمها بأبيات هي: لو كان ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائماً أبداً لكن رأيت الليالي غير تاركةٍ ... ما ساء من حادثٍ أو سر مطّردا وقد سكنت إلى أني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا

стр. 114

قال وبطل صبوح أبي الحسن، ودعانا وقت الظهر فأكلنا معه على الرسم، ولم أزل أبسطه وأقول أقوالاً تسكنه، إلى أن شرب بعد انتباهه من نومه غبوقاً، ومضى على هذا اليوم أربعة أشهر وقبض عليه، واستترت عند الحسين بن عبد الأعلى. فلما خلع على أبي علي محمد بن عبيد الله بن خاقان جلسنا نتحدث ونتذاكر أمر ابن الفرات. فقال لي ابن عبد الأعلى: كنت جالساً في سوق السلاح أنتظر جواز الخاقاني بالخلع لأقوم إليه وأهنئه، فاتفق معي رجل شاب حسن الهيئة، جميل البزة، وحدثني أنه صاحب لأبي الحسين محمد بن أحمد بن أبي البغل، وأنه أنفذه من أصبهان قاصداً حتى دس إلى ابن الفرات رقعةً على لسان بعض المتظلمين، فيها كل طعن وثلب ودعاء وسب وتوعد وتهدد وفي آخرها شعر. فقلت له: على رسلك هذه الرقعة على يدي جرت ووصلت إلى ابن الفرات، وخرج الحديث متقابلاً. وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو الحسين بن هشام قال: سمعت أبي يقول لأبي علي بن مقلة في أول وزارته الأولى وقد جلس مجلساً نقض فيه الأعمال وبان منه فضل كفاية واستقلال: العمل في يد الوزير أيده الله ذليل. فقال: على هذه الحال نشأنا يا أبا القاسم، وأخذناها عمن كانت الدنيا والمملكة يطرحان الأثقال عليه فنهض بها يعني أبا الحسن بن الفرات ثم قال أبو علي: لقد رأيته جالساً في الديوان للمظالم، والوزير إذ ذاك القاسم بن عبيد الله، فتظلم إليه رجل من رسم ثقله عليه الطائي وغير به رسماً له قديماً خفيفاً، ويسأل رده إلى ما كان عليه أولاً. وهو يقول: قد سمتني أن أُبطل رسماً قرره أبو جعفر الطائي ﵀ في محله من العدل والثقة والبصيرة بأسباب العمارة، وقد درت عليه الأموال، وصلحت

стр. 115

الأحوال، وأحمده لجمهور، واستقامت عليه الأمور. وهذا سوم إعنات. ويكتب بحمله على ما رسمه أبو جعفر. ثم رأيت مرة ثانية متظلماً آخر من رسم ثقيل حففه الطائي لعلمه بأن الضيعة لا تحتمل غيره، وقد اعترض عليه فيه ويسأل إجراءه على رسم الطائي فيقول له: يا بارك الله عليك، ليس الطائي أبا بكر الصديق أو عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب الذين نقتفي آثارهم ونمضي أفعالهم. وإنما الطائي ضامن عمل، رأى ما رآه حظاً لنفسه، وما يلزم السلطان تقريره، وأنت معنت في تظلمك. ويكتب بأن يجرى على الرسم القديم الثقيل. ويخاطب كلاً من الرجلين بلسان غير اللسان الآخر شحاً على الأموال وحفظاً لها. وحكى القاضي أبو علي التنوخي قال: اجتمعت مع أبي علي بن أبي عبد الله ابن الجصاص، فرأيت شيخاً حسن المحاضرة، وحدثني قال: حدثني أبي قال: لما ولي أبو الحسن بن الفرات إحدى وزاراته قصدني قصداً قبيحاً، وأطلق لسانه في ثالباً متنقصاً، ورسم للعمال حط ضياعي ونقص معاملاتي، وأدام الغص مني والكسر بجاهي، ووسطت بيني وبينه جماعةً من الناس، وبذلت له بذلاً في مثله ما صلحت القلوب، فأقام على أمره، وأقمت على احتماله، إلى أن زاد الأمر، وسمعت حاجبه يقول وقد وليت عنه: أي بيت مال يمشي على وجه الأرض؟ أي ألفي ألف دينار مالها من يأخذها؟ فعلمت أن القول قول صاحبه، وأنني منكوب على يده. وكان عندي في الوقت ما قدرته وقيمته سبعة آلاف دينار مالاً وجوهراً سوى باقي المملوكات، فضاقت علي الدنيا، وأشفقت إشفاقاً شديداً، وسهرت أكثر

стр. 116

ليلي مفكراً في تدبير أمري. ثم عن لي الرأي آخر الليل إلى أن ركبت إلى ابن الفرات، فوجدت بابه مغلقاً لم يفتح بعد فدققته. فقال البوابون: من الطارق؟ فقلت: ابن الجصاص. فقالوا: الوزير نائم وما هذا وقت وصول. فقلت: عرفوا الحجاب أنني حضرت في مهم، فعرفوهم. فخرج إلي أحدهم وقال: الساعة تنبه، تجلس ساعةً وتدخل. قلت: الأمر أهم من ذلك. فدخل وعرفه ما قلته له. وخرج بعد ساعة وأدخلني من دار إلى أخرى حتى وصلت إلى مرقده، وهو على سريره، وحواليه خمسون فراشاً كأنهم حفظة، ووجدته مرتاعاً من قولي، وقد ظن حدوث حادثة، وأنني جئته برسالة الخليفة. فلما رآني وقال لي: ما جاء بك في هذا الوقت؟ قلت: خير، وما حدثت حادثة، ولا معي رسالة، وإنما حضرت في أمر يخص الوزير ويخصني، ولم يجز إيراده إلا على خلوة تامة. فسكن ثم قال لمن كان حواليه: انصرفوا. فمضوا وقال: هات. قلت: قصدتني أيها الوزير أعظم قصد، وشرعت في هلاكي وزوال نعمتي من كل وجه، وليس من المهجة والنعمة عوض. ولعمري إنني قد أسأت في خدمتك، وحرمت التوفيق في معاملتك، إلا أن في بعض هذه المقابلة بلاغاً وكفاية، وما تركت باباً في صلاح قلبك إلا طرقته، ولا أمراً في استعطاف رأيك إلا قصدته، ووسطت بيني وبينك فلاناً وفلاناً، وبذل لك كذا وكذا، وأنت مقيم على أمرك في أذيتي، وما حيوان أضعف من السنور، وإذا عاثت في دكان بقال ثم ملكها ولزمها ولزها إلى زواية ليخنقها وثبت عليه، وخدشت وجهه، وخرقت ثيابه، وطلبت الخلاص بكل ما تقدر عليه، وقد وجدت نفسي معك في هذه المنزلة، ورأيتها كالسنور التي هي على هذه الصورة. فإن صلحت لي، وفعلت ما تقتضيه الفتوة

стр. 117

والمروءة معي، وإلا فعلي وعلي وحلفت له أيماناً مغلظة لأقصدن الخليفة الساعة، ولأُحولن إليه ألفي ألف دينار عيناً من خزانتي، فلا يصبح إلا وهي في يديه، وأنت تعلم قدرتي عليها، ولأقولن له: خذ المال، واستوزر فلاناً، وسلم ابن الفرات إليه. نعم، ولا أذكر له إلا من يقبله قلبه، ويكون فيه نفاذ وحركة ولسان ومحرقة، ما يتعدى هذه الصفة أحد كتابك فيسلمك والله في الحال حرصاً على المال، ويراني المتقلد بمنزلة من أعطى ماله في قضاء حقه وبلوغ غرضه، فيخدمني ويتدبر بتدبيري، ويتسلمك فينتهي في مكروهك إلى حد يستخرج به المال منك، ويرده علي، وحالك تحتمله، ولكنك تفتقر بعده، فأكون قد حرست نفسي، وشفيت غيظي، وأهلكت عدوي واسترجعت مالي، وازددت محلا بصرف وزير وتقليد وزير. فلما استوفى قولي سقط في يديه وقال: يا عدو الله، أو تستحل ذلك مني؟ قلت: لست عدو الله، ولكني أستحل السعي على من يريد هلاكي وإزالة نعمتي فقال: أو أي شيء؟ قلت: تحلف لي الساعة بما أستحلفك به، على أن تكون معي لا علي، وأن تجريني على رسومي، وتحرس ضياعي، وترفع مني، وتعتقد الجميل في ولا تسعى لي في سوء، ولا تمكن مني أبداً ظاهراً أو باطناً، وتفعل كل ما تؤمنني به. فقال: وتحلف لي أيضاً على إخلاص النية، واعتقاد الطاعة، واعتماد المؤازرة والمظاهرة. فقلت: أفعل، وعملنا نسخة يمين حلف وحلفت بها على الشرائط المقدم ذكرها. وقال لي بعد ذلك: لعنك الله فما أنت إلا إبليس، والله لقدر سحرتني وعظمت مع ذلك في نفسي، وخففت ثقلاً عن قلبي، ولعمري إن المقتدر بالله لا يفرق بين موقعي وغنائي وكفايتي، وبين أخس كتابي مع الطمع الحاضر والمال المبذول، فليكن ما جرى منطوياً. فقلت: سبحان الله. فقال: إذا كان من غد فادخل إلى مجلس العموم لترى ما أُعاملك به. فقمت وقال: يا غلمان، بين يدي أبي عبد الله. فخرج بين يدي نحو مائتي غلام وعدت إلى داري. ولما طلع الفجر جئته عند الإصباح، وقد جلس في المجلس العام، فرفعني على كل من بحضرته، وقرظني تقريظاً كثيراً، ووصفني وصفاً جميلاً، حتى علم الحاضرون صلاح رأيه، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمال النواحي بصيانة ضياعي، وإعزاز وكلائي، وإمضاء رسومي، ووقع إلى كتاب الدواوين بإبطال ما ثبت فيها من الزيادة علي، وقص معاملاتي، فدعوت له وشكرته، وقمت، فقال: يا غلمان، بين يديه. فخرج الحجاب يجرون سيوفهم، والناس يشاهدونهم، ورجع جاهي واستقامت أموري. فما حدثت بذلك إلا بعد القبض عليه. قال القاضي أبو علي: فقال لي أبو علي بن الجصاص عند استتمامه لهذا الحديث: فهل فعل أبي ما فعله مما يليق بما يقال فيه ويحكى عنه؟ قلت: لا. قال: فكانت له في تلك المقالات والحماقات المروية إن كانت حقاً أغراض غير معروفة. بن الفرات إليه. نعم، ولا أذكر له إلا من يقبله قلبه، ويكون فيه نفاذ وحركة ولسان ومحرقة، ما يتعدى هذه الصفة أحد كتابك فيسلمك والله في الحال حرصاً على المال، ويراني المتقلد بمنزلة من أعطى ماله في قضاء حقه وبلوغ غرضه، فيخدمني ويتدبر بتدبيري، ويتسلمك فينتهي في مكروهك إلى حد يستخرج به المال منك، ويرده علي، وحالك تحتمله، ولكنك تفتقر بعده، فأكون قد حرست نفسي، وشفيت غيظي، وأهلكت عدوي واسترجعت مالي، وازددت محلا بصرف وزير وتقليد وزير. فلما استوفى قولي سقط في يديه وقال: يا عدو الله، أو تستحل ذلك مني؟ قلت: لست عدو الله، ولكني أستحل السعي على من يريد هلاكي وإزالة نعمتي فقال: أو أي شيء؟ قلت: تحلف لي الساعة بما أستحلفك به، على أن تكون معي لا علي، وأن تجريني على رسومي، وتحرس ضياعي، وترفع مني، وتعتقد الجميل في ولا تسعى لي في سوء، ولا تمكن مني أبداً ظاهراً أو باطناً، وتفعل كل ما تؤمنني به. فقال: وتحلف لي أيضاً على إخلاص النية، واعتقاد الطاعة، واعتماد المؤازرة والمظاهرة. فقلت: أفعل، وعملنا نسخة يمين

стр. 118

حلف وحلفت بها على الشرائط المقدم ذكرها. وقال لي بعد ذلك: لعنك الله فما أنت إلا إبليس، والله لقدر سحرتني وعظمت مع ذلك في نفسي، وخففت ثقلاً عن قلبي، ولعمري إن المقتدر بالله لا يفرق بين موقعي وغنائي وكفايتي، وبين أخس كتابي مع الطمع الحاضر والمال المبذول، فليكن ما جرى منطوياً. فقلت: سبحان الله. فقال: إذا كان من غد فادخل إلى مجلس العموم لترى ما أُعاملك به. فقمت وقال: يا غلمان، بين يدي أبي عبد الله. فخرج بين يدي نحو مائتي غلام وعدت إلى داري. ولما طلع الفجر جئته عند الإصباح، وقد جلس في المجلس العام، فرفعني على كل من بحضرته، وقرظني تقريظاً كثيراً، ووصفني وصفاً جميلاً، حتى علم الحاضرون صلاح رأيه، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمال النواحي بصيانة ضياعي، وإعزاز وكلائي، وإمضاء رسومي، ووقع إلى كتاب الدواوين بإبطال ما ثبت فيها من الزيادة علي، وقص معاملاتي، فدعوت له وشكرته، وقمت، فقال: يا غلمان، بين يديه. فخرج الحجاب يجرون سيوفهم، والناس يشاهدونهم، ورجع جاهي واستقامت أموري. فما حدثت بذلك إلا بعد القبض عليه. قال القاضي أبو علي: فقال لي أبو علي بن الجصاص عند استتمامه لهذا الحديث: فهل فعل أبي ما فعله مما يليق بما يقال فيه ويحكى عنه؟ قلت: لا. قال: فكانت له في تلك المقالات والحماقات المروية إن كانت حقاً أغراض غير معروفة.

стр. 119

وحدث أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عياش القاضي: أن رجلاً اتصلت عطلته، وانقطعت مادته، فحمل نفسه على أن زور كتاباً من أبي الحسن بن الفرات إلى أبي زنبور المادرائي عامل مصر في معناه متضمناً للوصاة به، والتأكيد في الإقبال عليه، والإحسان إليه، وخرج إليه فلقيه، وارتاب أبو زنبور بأمره لتغير الخطاب فيه عما يعهده، وزيادة تأكيد على ما جرت به العادة في مثله، وأن الدعاء للرجل في الكتاب أكثر مما يقتضيه محله. فراعاه مراعاةً قريبة، ووصله بصلة قليلة، وارتبطه عنده على وعد وعده به، وكتب إلى ابن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه، وأنفذه بعينه إليه، واستثبته. وقرأ ابن الفرات الكتاب المزور فوجد فيه ذكر الرجل بأنه من أهل الحرمات به، والموات لديه، وما يقال في ذلك، ويتبعه مما يعود بمعرفة حقه واعتماد نفعه. وعرضه على كتابه وأصحابه، وعرفهم الصورة فيه، وتعجب منها وقال لهم: ما الرأي في أمر هذا الرجل؟ فقال بعضهم: يؤدب بالضرب والحبس. وقال آخرون: تقطع إبهامه لئلا يعاود مثل هذا التزوير. وقال أحسنهم محضراً: تكشف لأبي زنبور قصته ويتقدم إليه بطرده وحرمانه مع بعد شقته. فقال لهم ابن الفرات: ما أبعدكم من الخيرية: وأنفر طباعكم عن الحرية. رجل توسل بنا، وتحمل المشقة إلى مصر في تأميل الصلاح بجاهنا، واستمداد صنع الله ورزقه بالانتساب إلينا تكون، أحسن أحواله عند أجملكم محضراً تكذيب ظنه وتخييب سعيه! والله لا كان هذا أبداً. ثم أخذ القلم ووقع بخطه على ظهر الكتاب المزور: هذا كتابي، ولست أعرف لم أنكرت أمره واعترضتك شبهة فيه؟ وليس كل من خدمنا وأوجب حقاً علينا عرفته. وهذا رجل تحرم بخدمتي، أيام استتاري

стр. 120

ونكبتي، وما أعتقده فيه أكثر مما تضمنه الكتاب من وصف ما عندي له. فأحسن تفقده، ووفره رفده، وصرفه فيما يعود عليه نفعه، وتصل إليه فوائده. ورده إلى أبي زنبور من يومه. فلما مضت مدة طويلة دخل على أبي الحسن بن الفرات رجل ذو هيئة وبزة جميلة، وأقبل يدعو له ويثني عليه ويبكي ويقبل الأرض بين يديه، فقال ابن الفرات: من أنت بارك الله عليك؟ وكانت هذه كلمته. قال: صاحب الكتاب المزور إلى أبي زنبور الذي صححه كرم الوزير وتفضله، صنع الله به وصنع. فضحك ابن الفرات وقال له: كم وصل إليك منه؟ قال: أوصل إلي من ماله وتقسيط قسطه وعمل صرفني فيه عشرين ألف دينار. فقال ابن الفرات: الحمد لله، الزمنا فإنا نعرضك لما يزداد به صلاح حالك. ثم اختبره وامتحنه فوجده كاتباً سديداً. فاستخدمه وأكسبه مالاً جزيلاً. وحدث أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي الكاتب قال: حدثني غير واحد من كتاب الحضرة أن أبا أحمد العباس بن الحسن لما مات المكتفي بالله جمع كتابه وخواصه وخلا بهم وشاورهم فيمن يقلده الخلافة. فأجمعوا وأشاروا على العباس بعبد الله بن المعتز إلا أبا الحسن بن الفرات فإنه أمسك. فقال له العباس: لم أمسكت ولم تورد ما عندك؟ فقال: هو أيها الوزير موضع إمساك. قال: ولم؟ قال: إنه وجب أن ينفرد الوزير أعزه الله بكل واحد منا فيعرف رأيه وما عنده. ثم يجمع الآراء ويختار منها بصائب فكره وثاقب نظره ما شاء. فأما أن يقول كل واحد رأيه بحضرة الباقين فربما كان عنده ما يسلك سبيل التقية في كتمانه وطيه. قال: صدقت والله، قم معي، فأخذ يده ودخلا وتركا الباقين بمكانهم. فقال له

стр. 121

ابن الفرات: قررت رأيك على ابن المعتز؟ قال: هو أكبر من يوجد. قال: وأي شيء تعمل برجل فاضل متأدب قد تحنك وتدرب وعرف الأعمال ومعاملات السواد وموقع الرعية في الأموال، وخبر المكاييل والأوزان وأسعار المأكولات والمستعملات، ومجاري الأمور والمتصرفات، وحاسب وكلاءه على ما تولوه، وضايقهم وناقشهم، وعرف من خياناتهم واقتطاعاتهم أسباب الخيانة والاقتطاع التي يدخل فيها غيرهم، فكيف يتم لنا معه أمر إن حمل كبيراً على صغير، وقاس جليلاً على دقيق؟! هذا لو كان ما بيننا وبينه عامراً وكان صدره علينا من الغيظ خالياً، فكيف وأنت تعرف رأيه؟ قال العباس: وأي شيء في نفسه علينا؟ قال: أنسيت أنه منذ ثلاثين سنة يكاتبك في حوائجه فلا تقضيها، ويسألك في معاملاته فلا تمضيها، وعمالك يصفعون وكلاءه فلا تنكر، ويتوسل في الوصول إليك ليلاً فلا تأذن، وكم رقعة جاءتك بنظم ونثر فلم تعبأ بها ولا أجبته إلى مراده فيها. وكم قد جاءني منه ما هذه سبيله فلم أُراع فيه وصولاً إلى ما يريد إيصاله إليه. وهل كان له شغل عند مقامه في منزله وخلوته بنفسه إلا معرفة أحوالنا والمسألة عن ضياعنا وارتفاعنا وحسدنا على نعمتنا؟ هذا وهو يعتقد أن الأمر كان له ولأبيه وجده، وأنه مظلوم منذ قتل أبوه، مهضوم مقصود مضغوط، فكيف يجوز أن نسلم إليه نفوسنا فنتحرس، فضلاً عن أموالنا؟ فقال العباس: صدقت والله يا أبا الحسن، فمن يقلد وليس ها هنا أحد؟! قال: تقلد جعفر بن المعتضد، فإنه صبي لا يدري أين هو، وعامة سروره أن يصرف من المكتب، فكيف أن يجعل خليفة ويملك الأعمال والأموال وتدبير النواحي

стр. 122

والرجال؟ ويكون الخليفة بالاسم وأنت هو على الحقيقة، وإلى أن يكبر قد انغرست محبتك في صدره، وحصلت محصل المعتضد في نفسه. قال: فكيف يجوز أن يبايع الناس صبياً أو يقيموه إماماً؟ فقال له: أما الجواز، فمتى اعتقدت أنت أو نحن إمامة البالغين من هؤلاء القوم؟! وأما إجابة الناس، فمتى فعل السلطان شيئاً فعورض فيه، أو أراد أمراً فوقف؟ وأكثر من ترى صنائع المعتضد، وإذا أظهرت أنك اعتمدت في ذلك مراعاة حقه، واقرار الأمر في ولده، وفرقت المال، وأطلقت البيعة، وقع الرضا، وسقط الخلاف. وطريق ما تريده أن تواقف بعض أكابر القواد وعقلاء الخدم على المضي إلى دار ابن طاهر وحمله إلى دار الخلافة، وأن تستر الأمر إلى أن يتم التدبير، وإن اعتاص معتاص مد بالعطاء والإحسان. فقال العباس: هذا هو الرأي. واستدعى في الحال مؤنساً مولى المعتضد، وأورد عليه ما ذهب فيه إلى الجنس الذي أشار به أبو الحسن في الوفاء للمعتضد، ورعاية ما كان منه في اصطناع الجماعة، ورسم له قصد دار ابن طاهر، وحمل جعفر إلى دار الخلافة والسلام عليه بها. ففعل، وماج الجند ففرق فيهم مال البيعة، ودخل عليهم من طريق الوفاء للمعتضد وتم التدبير. فلما زال أمر العباس، وكان من قتله ما كان، وانتظمت الأمور بعد قتل ابن المعتز، وتقلد أبو الحسن الوزارة، صارت ثمرة هذا الرأي له، وكان يقف بين يدي المقتدر بالله وهو صبي قاعد على السرير، فيخاطب الناس والجيش عنه. فإذا انصرفوا أمرت السيدة بأن يعدل بأبي الحسن إلى حجرة، فيجلس فيها، ويخرج المقتدر فيقوم إليه فيقبل يده ورأسه، ثم يقعد ويقعده في حجره كما يفعل الناس بأولادهم. وتقول له السيدة من وراء الباب: هذا يا أبا الحسن ولدك، وأنت قلدته

стр. 123

الخلافة أولاً وثانياً. تعني ما تقدم من مشورته على العباس به وبتقلده الخلافة، ومن بعد إزالة فتنة ابن المعتز. فيقول ابن الفرات: هذا مولاي وإمامي ورب نعمتي وابن مولاي وإمامي. وبقي على ذلك مدة وزارته الأولى، وتمكن أبو الحسن من الخزائن والأموال وفعل ما شاء وأراد. ز. فيقول ابن الفرات: هذا مولاي وإمامي ورب نعمتي وابن مولاي وإمامي. وبقي على ذلك مدة وزارته الأولى، وتمكن أبو الحسن من الخزائن والأموال وفعل ما شاء وأراد. قال أبو محمد الصلحي: قال لنا أبو علي بن مقلة، وقد جرى ذكر ابن الفرات: يا قيوم، سمعتم بمن سرق عشر خطوات سبعمائة ألف دينار؟ قلنا: كيف ذلك؟ قال: كنت بين يدي ابن الفرات في وزارته الأولى، ونحن في دار الخلافة نقرر أرزاق الجيش، ونقيم وجوه مال البيعة، ونرتب إطلاقه، وذلك عقيب فتنة ابن المعتز. فلما فرغ مما أراده، وخرج فركب طياره، وبلغ نهر المعلي. فقال: إنا لله، إنا لله، قفوا. فوقف الملاحون. فقال لي وقع إلى أبي خراسان صاحب بيت المال بحمل سبعمائة ألف دينار تضاف إلى مال البيعة وتفرق على الرجال. فقلت في نفسي: أليس قد وجهنا وجوه المال كله؟ ما هذه الزيادة؟ ووقعت بما رسمه، وعلم فيه بخطه، ودفعه إلى غلام وقال: لا تبرح من بيت المال حتى تحمل هذا المال الساعة إلى داري. ثم سار. قال: فحمل إليه بأسره، وسلم إلى خازنه، فعلمت أنه أُنسي أن يأخذ شيئاً لنفسه في الوسط، ثم ذكر أنه باب لا يتفق مثله سريعاً، ويحتمل ما احتمله من هذا الاقتطاع الكثير، فاستدرك من رأيه ما استدرك، وتنبه من فعله على ما تنبه. وحدث أبو محمد الصلحي قال. حدثنا جماعة من كتاب أبي الحسن بن الفرات وخواصه قالوا: عاد أبو الحسن من الموكب يوماً، فجلس بسواده مغموماً يفكر فكراً

стр. 124

طويلاً. فشغل ما رأينا منه قلوبنا، وظنناه لحادث حدث، فسألنا عن أمره، ودافعنا، وألححنا عليه، فحاجزنا، وقال: ما ها هنا إلا خير وسلامة. فقام ابن جبير، وكان من بيننا متهوراً مدلاً. فقال: تأمر أيها الوزير بأمر؟ قال: إلى أين؟ قال: أستتر وأستر عيالي، وسبيل هؤلاء الذين بين يديك أن يفعلوا مثل فعلي. قال: ولم؟ قال: تعود من دار الخلافة وأنت من الغم الظاهر في وجهك على هذه الصورة، ونسألك عن أمرك فتكتمنا، ولم تجر عادتك بذلك معنا، هل وراء هذا إلا القبض والصرف؟ فقال له: اجلس يا أحمق حتى أُحدثك السبب. فجلس. وقال: ويحكم، قد علمتم أنني أشكو إليكم نقصان هذا الرجل يعني المقتدر دائماً وشدة تلومه واختلاف رأيه، وإنني أحب منذ مدة أن أزوره وأعرف قدر ذلك منه، وهل هو في كل الأمور أو في بعضها، وفي صغارها أم في كبارها؟ فقلت له اليوم في أمر رجل كبير ولم يسمه ابن الفرات: يا أمير المؤمنين إن فلاناً قد فسد علينا، وليس مثله من أخرج عن أيدينا. وقد رأيت أن أُقلده كذا، واقطعه وأُسوغه كذا وأكثر لتستخلصه بذلك، وتستخلص نيته، وتستديم طاعته، ولم يجز أن أفعل أمراً إلا بعد مطالعتك، فما تأمر؟ قال: افعل. ثم حدثته طويلاً وخرجت من أمر إلى آخر، وقرب وقت انصرافي فقلت له: يا مولانا، عاودت الفكر في أمر فلان فوجدت ما نعطيه إياه مما استأذنت فيه كثيراً مؤثراً في بيت المال، ولا نأمن أن يطمع نظراؤه في مثل ذلك، وإن أجبناهم عظمت الكلفة، وإن منعناهم فسدوا، وقد رأيت رأياً آخر في أمره. قال: ما هو؟ قلت: أن نقبض عليه ونأخذ نعمه ونخلده الحبس أبداً. قال: افعل. فقلت: واويلاه كذا والله تجري حالي معه. يقال: إن ابن الفرات الكافي

стр. 125

الناصح، وهو وطأ لك الأمر، وأقامك في الخلافة وهو.. وهو ... فيقول: نعم. ويقربني ويقدمني، ثم يقف غداً بين يديه رجل فيقول: قد سرق ابن الفرات الأموال، ونهب الأعمال، وفعل وصنع. والوجه أن يقبض عليه ويصرف ويقيد ويحبس، ويقلد وزير آخر. فيقول: نعم. ويفعل ذلك بي. ثم يعاود ويقال له: لا يجوز أن يوحش ابن الفرات ويستبقى، ولا يؤمن أن يستفسد ويترك، والصواب قتله، فيقول: افعلوا. فأهلك. قال: واستشعر هذا فكان على ما قدره. وقد توارت هذه الحكاية عن جماعة عنه. ومما ذكر عن ابن الفرات أنه كان يقول: تمشية أمور السلطان على الخطأ خير من وقوفها على الصواب. ويقول أيضاً: إذا كانت لك حاجة إلى الوزير فاستطعت أن تقضيها بخازن الديوان أو كاتب سره فافعل، ولا تبلغ إليه فيها. وحدث أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي قال: حدثني أبو علي بن مقلة قال: كنت أكتب لأبي الحسن بن الفرات في التحرير أيام خلافته أبا العباس أخاه على ديوان السواد بجاري عشرة دنانير في كل شهر، ثم تقدمت حاله فأرزقني ثلاثين ديناراً في كل شهر، فلما تقلد الوزارة جعل رزقي خمسمائة دينار في الشهر، ثم أمر بقبض ما في دور القوم الذين بايعوا ابن المعتز. فحمل في الجملة صندوقان، فسألك هل علمتم ما فيهما؟ قالوا: نعم. جرائد بأسماء من يعاديك ويدبر في زوال أمرك. فقال: لا يفتحان. ثم دعا بنار، دعاءً كرره وصاح فيه، وأحضرها الفراشون

стр. 126

فأججت. وتقدم بطرحهما في النار على ما هما فلما أحرقت أقبل على من كان حاضراً وقال: والله لو فتحتها وقرأت ما فيها لفسدت نيات الناس كلهم علينا، واستشعر الخوف منا، ومع فعلنا ما فعلناه طوينا الأمور بهذا، فهدأت القلوب واطمأنت النفوس. ثم قال لي يقول هذا أبو علي بن مقلة: قد آمن الله والخليفة أعزه الله كل من بايع ابن المعتز، فاكتب الأمانات للناس جميعاً وجئني بها لأوقع فيها، ولا ترد أحداً عن أمان يطلبه، فقد أفردتك لذلك، لأنه باب مكسب كبير. وقال لمن حضر: أشيعوا قولي وتحدثوا به بين الخاص والعام ليأنس المستوحش، ويأمن المستتر. قال أبو علي: فحصل لي في كتب الأمانات مائة ألف دينار أو نحوها. وحدث محدث أن التزويرات كثرت على أبي الحسن علي بن عيسى عند صرفه وتقلد أبي الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة، وزاد الأمر فيها: فوقع ابن الفرات إلى أصحاب الدواوين توقيعاً نسخته: قد نسخ لكم أكرمكم الله آخر هذا التوقيع كتاب ورد من أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فيما انتهى إليه من حال توقيعات في أيدي الناس بخط علي بن عيسى، بزيادات ونقل وفك وإثبات، فأمر أعلى الله أمره بترك إمضاء شيء منها، فانتسخوا هذا التوقيع في مجالسكم، وامتثلوا ما أمر به فيه، ولا تنفذوا توقيعاً من علي بن عيسى بحطيطة وتسويغ واحتمال أو نقل جار، وتحروا من ايقاع حيلة في ذلك أو في شيء منه إن شاء الله. ونسخة كتاب المقتدر بالله في آخره: أمتعني الله بك وبالنعمة عندك، انتهى في الخبر حال توقيعات كثيرة زورت

стр. 127

على أنها بخط علي بن عيسى، وظهرت في الدواوين بزيادات لقوم في أرزاقهم، فرأيت ألا تمضي يا أبا الحسن أمتعني الله بك توقيعاً من علي بن عيسى في زيادة ولا نقل ولا إثبات ولا في شيء يجري هذا المجرى إلا ما كتبت به جامعاً حتى إذا اجتمعت عندك الجوامع، عرضت علي في كل ثلاثة أشهر ما يجتمع منها لأقف عليه وآمر برأي فيه. فاعمل متعني الله بك بذلك، ولا تخالفه، وعرفني امتثالك إياه إن شاء الله. وحدث أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن الحسن بن عبد الأعلى قال: كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات في وزارته الأولى، وهو جالس يعمل، إذ رفع رأسه، وترك العمل من يده، وقال: أريد رجلاً لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر يطيعني حق الطاعة فأُنفذه في مهم لي، فإذا بلغ فيه ما أرسمه له أحسنت إليه إحساناً يظهر عليه وأغنيته. فأمسك من حضر. ووثب رجل يكنى بأبي منصور أخ لابن أبي شبيب حاجب ابن الفرات فقال: أنا أيها الوزير. قال: وتفعل؟ قال: أفعل وأزيد. قال: كم ترتزق؟ قال: أرتزق مائةً وعشرين ديناراً. قال: وقعوا له بالضعف. وقال: سل حوائجك. فسأله أشياء أجابه إليها، فلما فرغ من ذلك قال: خذ توقيعي وامض إلى ديوان الخراج، وأوصله إلى كاتبي الجماعة وطالبهما بإخراج ما على محمد بن جعفر بن الحجاج، وطالبه بأداء المال، وأتلفه إلى أن يستخرج جميعه، ولا تسمح له حجة، ولا تمهله البتة. فخرج وأخذ من رجالة الباب ثلاثين رجلاً، فقلت: لأخرجن وأمضين إلى الديوان حتى أنظر ما يؤول إليه الحال. فخرجت، وصرت إلى الديوان وهو في الدار المعروفة بفتح القلانسي فدخل أبو منصور هذا إلى الصقر بن محمد،

стр. 128

وعبيد الله بن محمد الكلوذاني، وهما صاحبا المجلس شركةً، فلم يجد الكلوذاني ووجد الصقر بن محمد، فأوصل إليه التوقيع وقال له: أخرج ما على ابن الحجاج. فقال: عليه من باب واحد ألف ألف درهم، نطالبه بذلك إلى أن تفرغ بالعمل بسائر ما يلزمه وكان محمد بن جعفر من عمال أبي الحسن علي بن عيسى. قال: فأحضر ابن الحجاج وشتمه وافترى عليه، وابن الحجاج يستعطفه ويخضع له. ثم أمر بتجريده وإيقاع المكروه به فأُوقع، وهو في ذلك كله يقول: يكفي الله. ثم أمر أبو منصور بنصب ذقل، فنصب، وجعل في رأسه بكرة فيها حبل، وشدت فيه يد ابن الحجاج، ورفع إلى أعلى الدقل، وهو يستغيث ويقول: يكفي الله. فما زال معلقاً وأبو منصور يقول له: المال المال. وهو يسأله حطه وإنظاره إلى أن يواقف الكتاب على ما اخرج عليه، وهو لا يسمع فعله. فلما ضجر قال لمن يمسك الحبال: أرسلوا ابن الفاعلة وعنده أنهم يتوقفون ولا يفعلون. فأرسلوه لما رأوه عليه من الحدة والغضب. ووافى ابن الحجاج إلى الأرض، وكان بديناً سميناً، فوقع على عتق أبي منصور فدقها، وخر على وجهه، وسقط ابن الحجاج مغشياً عليه. فحمل أبو منصور إلى منزله في محمل فمات في الطريق، ورد ابن الحجاج إلى محبسه وقد تخلص من التلف. وعجب من حضر مما رأى. وكتب صاحب الخبر بالصورة إلى ابن الفرات، فورد عليه منها أعظم مورد. وبكرت عرفان زوجة ابن الحجاج إلى موسى بن خلف حتى

стр. 129

أوصلها إلى ابن الفرات، فقررت أمره على مائة ألف دينار سلمت ببعضها جعدة وقراها من طسوج كوثي، ونجم الباقي، وأطلق ابن الحجاج. وكان الناس يعجبون من قول ابن الفرات: أريد رجلاً لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر يطيعني. وحدث محمد بن عبيد الله بن جعفر بن الحسن بن الجنيد قال: حضرت أبا العباس أحمد بن محمد بن بعد شر، وبين يديه أبو الحسن بن الفرات في المكروه. وهو يقول: يا قوم بمن أسأت؟ ولمن ضربت؟ فقال له: فمن قتل حامداً والنعمان وابن الحواري؟ فقال: ما خرج حامد من داري إلا صحيحاً، ولقد كنت أُطعمه من طعامي، وأسقيه من شرابي، وأُلبسه من ثيابي، وأبخره من بخوري. وأما النعمان فذكر ما لست أعرفه في أمره. فأما ابن الحواري فسلوا هذا الفتى يعني المحسن عنه، فلعله يورد حجةً أو يظهر خطوطاً تبرئ ساحته منه. وأنا قلت للخليفة: قد أطلقت يد هذا الغلام في مطالبة الناس، وقد تخطى إلى ما فيه وهن على المملكة، فأمرني بترك الاعتراض عليه. وحدث أبو عمرو بن الجمل النصراني كاتب شفيع اللؤلؤي قال: لما قبض على أبي الحسن بن الفرات في الدفعة الثالثة من وزارته امتنع القواد من اعتقاله في دار الخلافة إشفاقاً من أن يراسل المقتدر بالله ويستعطفه ويستميله ويحتال عليه ويخدعه، واستقر الأمر على تسليمه إلى شفيع اللؤلؤي، فلما حمل إلى داره وصعد الدرجة من شاطئ دجلة لم يمسك أحد بيده، فجعل يعلق بالدرج ويصعد. ثم أقبل على شفيع

стр. 130

وأنا حاضر فقال: يا أبا الغصن، ما هكذا عاملت غيري؟ فقال له: كان غيرك أتقى لله منك يعني أبا الحسن علي بن عيسى قال: فأفرده شفيع بحبس له، ودعا طباخه سراً وقال له: استزد فإن ابن الفرات ملك، فاستزاد له، وفرغ من الطعام. فقال لي شفيع: ادخل إليه واعرض عليه الطعام، فدخلت وآذنته فقال: على كلّ حال يأكل القوم زادهم ... على البؤس والنعماء والحدثان هات الطعام. فقدم إليه، فأكل أكلاً مستوفىً منه، وسقي ماء مثلوجاً، فلم يستبرده، فاستزاد من الثلج حتى صار مائعاً، ثم شربه، وقال لي: من قلد الوزارة؟ قلت: أبو القاسم الخاقاني. قال: نكب السلطان لا أنا. فمن قلد ديوان السواد؟ قلت: أبو الفرج بن حفص. فتبسم وعجب وقال: رمي بحجره. فمن تقلد الدواوين الباقية؟ قلت: تقلد المالكي ديوان المغرب، والمصري ديوان المشرق، وابن هبنتي القنائي دواوين بيت المال والخاصة والمستحدثة وضياعك، وعبد الوهاب الخاقاني الأزمة، وصلح ديوان النفقات. فقال: لقد أُيد الوزير أعزه الله بالكفاة. ثم قال لي: أريد الاجتماع مع أبي الغصن. فقلت. هو نائم. فقال أنبهه وعرفه أن بيننا مهماً أريد مجاراته إياه. فأنبهته وعرفته ما قال. فقال: ما أُحب لقاءه، ولكن تعرف ما عنده، فعدت إليه واعتذرت وسألته عما يريد. فقال: قل له عرف أمير المؤمنين أيده الله عني أنني لا أدع نصحاً والياً ومنكوباً، وأنني حاسبت هارون بن عمران الجهبذ البارحة محاسبةً تولاها هشام صاحب بيت المال، فكان الباقي عنده من أموال المصادرين مائة ألف وخمسةً وخمسين ألف دينار ومائتين ذكرها ابن الفرات وربما عدل بها الخاقاني

стр. 131

عن بيت مال الخاصة وادعى أنه أثارها واستراح إلى تمشية أمره بها، وهي لأمير المؤمنين خاصةً. وكتب شفيع إلى المقتدر بالله بذلك عنه، ونفذ بالرقعة مع قيصر خليفته. فعاد جواب المقتدر بالله بخطه إلى شفيع بأن يبادر بنفسه إلى دار الخاقاني ويقبض على هارون بن عمران، ويأخذ المال من يده، ولا يمكن الخاقاني منه. ففعل شفيع ذلك، والخاقاني لم يعلم بعد بما عند هارون الجهبذ. وكانت هذه الحال من أول ما حير به الخاقاني وأدهشه، وحمل المال إلى بيت مال الخاصة وصحح فيه. وحدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال: حدثني أبو الحسن سعيد ابن سنجلا الكاتب. قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن إسماعيل زنجي الكاتب قال: كنت بحضرة أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات في وزارته الأخيرة، وقد رسم لي كتب كتاب عنه في مهم من أمور السلطان، فأنا متشاغل به، وقد شاع أمر مؤنس ونفوذ الكتاب إليه وهو بالرقة في الورود إلى الحضرة، وابن الفرات شديد الإشفاق من القصة حتى استؤذن لأبي الهواء نسيم الخادم، وهو من خواص الخدم وجلتهم ودخل، فلما جلس أومى إلى التخلي لتأديه رسالة، فنهض من كان في المجلس وبقيت وحدي مقشعراً من الجلوس، وأخذوا في السرار والخطاب، وأكمشت على ما في يدي من الكتاب حتى فرغت ثم قمت. فقال لي: اجلس. فجلست وأظهر ابن الفرات ما كان يسره ثم قال: بيننا يا أبا الهواء حقوق تلزمك أن تراعيها. وأنت قليل التراسل فيما بيني وبين السادة، وأريد أن أُحملك رسالة

стр. 132

تؤديها كما أقولها. فقال: أيها الوزير. إن كانت جميلة فعلت، وإن كان فيها غلظة فليس في عادتي إلا إعادة ما يحسن. فقال: لا بد من أن توردها على حالها وتتحمل لي ما في ذاك من مشقة. وقال: تقول للسادة: أنتم تعلمون ما كان مني في ابتداء هذا الأمر، فإن الخاص والعام اعتزلوكم جانباً، وأفرجوا عنكم إفراجاً كلياً غيري، فإنني أقمت على طاعتكم، وتفردت بنصرتكم، وكان غاية أملي وتقديري المقام على ما كنت عليه أتولاه من ديوان السواد، لا تشره نفسي إلى غيره ولا يدور في فكري تجاوزه، فأخذتموني بتقلد هذا الأمر والقيام به، ولم تفارقوني حتى أجبت إليه، وجددت في الأمر إلى أن انعقد وتوكد، وعاديت كل أحد في رضاكم حتى استوسقت لكم الأمور، وتكامل في حياطة دولتكم التدبير، وفتحت لكم فارس وما يليها، ووفرت عليكم الأموال ومرافقها، وكددت ديني ودنياي فيها، فلما قام لكم الأمر وعلا مناره واستحصفت لكم الطاعة ممن بعدت ودنت داره، نكبتموني فهتكت حرمتي وسلبت نعمتي وقبضت ضيعتي؛ ثم أعدتموني، فما حلت عما عهدتموه مني، ولا فارقت ما كنتم تحمدونه وتصفونه عني. ثم أوقعتم بي إيقاعاً ثانياً، فاستوعبتم بقية النعمة، وأتيتم على الأصل والتتمة، وجذبتموني إلى هذه الدفعة الثالثة، فقد علمتم ما كان مني في استخراج الأموال، وإصلاح الأحوال، والاستقصاء على جميع من خدمكم من الكتاب والعمال. ووالله لا لحقني مكروه في هذه الدفعة في

стр. 133

نفس أو ولد ولا حال إلا ولحقكم مثله، وإن تمادى أمده، من الله تعالى جده، فاعملوا ما بدا لكم. وما زال يكرر هذا وأشباهه حتى عرفه نسيم ووعاه وانصرف. وألقى ابن الفرات ذقنه على صدره ولحيته ساعةً ثم رفع رأسه فقال: سمعت ما كنا فيه؟ فقلت: نعم. وما كان لما جرى وجه، والقوم مكنوك واستناموا إليك في هذه الدفعة زيادةً على ما تقدمها. فقال: دعني من هذا يا أبا عبد الله، فوالله ليصحن ما قلت. وأُخبرك في هذا المعنى بخبر طريف جرى بين وبين أبي الحسن علي ابن عيسى، ما لهوت عنه إلا في هذه الدفعة، فإنه يتصور لي في النوم واليقظة، ويعترضني في الشغل والخلوة، وأنا أخبرك به: لما بلغ المكتفي بالله آخر أمره، كان العباس بن الحسن يجلس في كل يوم آخر النهار، فإذا فرغ من العمل جارانا خبر المكتفي بالله وعلته، وآيسنا من عافيته، وشاورنا فيمن يقوم بالأمر بعده، فلا يستقر الرأي على شيء يعتمده، إلى أن تكامل اليأس منه. فنحن في بعض العشايا عنده، وقد أردنا النهوض حتى قال: قد انقضى أمر الخليفة، وما نفترق إلا بعد تقرر الرأي على من يقعد مقعده، فما عندكم؟ فقال أبو عبد الله محمد بن داود: الله الله أيها الوزير أن نعدل عمن يقوم بهذا الأمر ونلزمه خيره وشره ونتصرف على أمره ونهيه. ونحو هذا الكلام. فقال لعلي بن عيسى: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: الله الله أيها الوزير في الإسلام، نحن جميعاً صنائع المعتضد بالله رحمة الله عليه ثم هذا الخليفة، ولكنه أمر الدين فقلد هذا شيخاً قد فهم الأمور وعرف بصواب الرأي والتدبير بعمارة هذه الثغور وحج البيت المعمور، ويقيم الحدود، ومن إذا قلت:

стр. 134

أمير المؤمنين، صدق قولك الصغير والكبير. قال ابن الفرات: فعارضت قوله بأن قلت للعباس: قلد أيها الوزير الأمر من يكون في حجرك، ويتدبر برأيك، فتسلم نعمتك ونعمتنا معك. فقال العباس: رأيي لرأيك تبع يا أبا الحسن. ونهض وانصرفنا. فلما حصلنا في بعض الممرات قبض أبو الحسن علي بن عيسى على يدي وقال: بيننا شيء. فوقفت معه، وابتدأ يحلف يميناً أغرق فيها وأبلغ على أنه ما أراد بقوله ورأيه غير الله عز ذكره وإعزاز دينه وإصلاح شؤونه. ثم حلف على أني ما أردت أنا الله بما قلته وأشرت به، وقال: كيف استجزت أن تجيء إلى رجل معروف يعني العباس فتساعده على ما يسخط الله به، ويبعد من الحق، ويزيده تسلطاً وجرأة على الظلم؟! فقلت: لا والله يا أبا الحسن أعزك الله ما نعمل إلا للدنيا، وإن جاء من يعرف أسعار الخبز واللحم لم نأمنه على نفوسنا ونعمنا. قال: فقال لي مجيباً: والله لئن تم الأمر على هذا وانتظم لا بلي بالمحنة فيه غيرك، فانظر لنفسك أو دع. فمضى ما مضى بما فيه، وصليت بما صليت به منه، ويوشك أن يصح قول أبي لحسن علي بن عيسى ولا يبعد، لأن من أراد الله كان الله معه، ومن أراد غيره خذله، فما يخلو فكري من قوله وخاصةً في هذه الدفعة، ونسأل الله حسن العاقبة. وحدث هارون بن إبراهيم النصراني الكاتب قال: حضرت مجلس القاسم ابن عبيد الله في بعض الأيام، وبين يديه كتاب الدواوين، إذ خرج إليه توقيع من المكتفي بالله يعرفه فيه ما عزم عليه من الخروج إلى سر من رأى للتصيد، ويرسم له إنفاذ من يصلح الطرق وإعداد العلوفة والمير وما تدعو إليه الحاجة للعكسر. فرمى به إلى أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات، لأنه مما كان يجري في ديوانه، وقال له: اكتب في هذا المعنى بما يؤكده، وأضف إليه منشوراً لتستحث المطالبة والإعجال، ومشاهدة ما يجري عليه الحال. فقال: نعم أعز الله الوزير وجعل التوقيع تحت فخذه، وطلب دواةً، فحضرت وتركت بين يديه، وأخذ يكرر النظر في كتب قد أخرجت إليه متعلقة بديوانه، ومضت ساعة. فقال له القاسم: كتبت الكتب؟ قال: نعم. والتفت فقال: ادعوا زنجياً الكاتب لينشئ نسخ ذلك ويحررها فإنه أعرف برسوم المناشير، فضحك القاسم بن عبيد الله ثم أقبل علي أبي عبد الله محمد بن داود بن الجراح فقال: الأمر يا أبا عبد الله مهم لا يحتمل التأخير، ومنشئ أبي الحسن غير حاضر، ولعله يحتبس. وقال لابن الفرات: ادفع إليه التوقيع ليكتب في المعنى بما يتضمن. قال: فأخذ أبو عبد الله التوقيع وكتب سريعاً بأبلغ عبارة وأشد استيفاء ووصاة. وخجل ابن الفرات. ولم تكن كتابته مقصرة ولا بلاغته متأخرة، ولكن يده كانت تخونه وتقعد به. ض الممرات قبض أبو الحسن علي بن عيسى على يدي وقال: بيننا شيء. فوقفت معه، وابتدأ يحلف يميناً أغرق فيها وأبلغ على أنه ما أراد بقوله ورأيه غير الله عز ذكره وإعزاز دينه وإصلاح شؤونه. ثم حلف على أني ما أردت أنا الله بما قلته وأشرت به، وقال: كيف استجزت أن تجيء إلى رجل معروف يعني العباس فتساعده على ما يسخط الله به، ويبعد من الحق، ويزيده تسلطاً وجرأة على الظلم؟! فقلت: لا والله يا أبا الحسن أعزك الله ما نعمل إلا للدنيا، وإن جاء من يعرف أسعار الخبز واللحم لم نأمنه على نفوسنا ونعمنا. قال: فقال لي مجيباً: والله لئن تم الأمر على هذا وانتظم لا بلي بالمحنة فيه غيرك، فانظر لنفسك أو دع. فمضى ما مضى بما فيه، وصليت بما صليت به منه، ويوشك أن يصح قول أبي لحسن علي بن عيسى ولا يبعد، لأن من أراد الله كان الله معه، ومن أراد غيره خذله، فما يخلو فكري من قوله وخاصةً في هذه الدفعة، ونسأل الله حسن العاقبة. وحدث هارون بن إبراهيم النصراني الكاتب قال: حضرت مجلس القاسم ابن عبيد الله في بعض الأيام، وبين يديه كتاب الدواوين، إذ خرج إليه توقيع من المكتفي بالله يعرفه فيه ما عزم عليه من الخروج إلى سر من رأى للتصيد، ويرسم له إنفاذ من يصلح الطرق وإعداد العلوفة والمير وما تدعو إليه الحاجة

стр. 135

للعكسر. فرمى به إلى أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات، لأنه مما كان يجري في ديوانه، وقال له: اكتب في هذا المعنى بما يؤكده، وأضف إليه منشوراً لتستحث المطالبة والإعجال، ومشاهدة ما يجري عليه الحال. فقال: نعم أعز الله الوزير وجعل التوقيع تحت فخذه، وطلب دواةً، فحضرت وتركت بين يديه، وأخذ يكرر النظر في كتب قد أخرجت إليه متعلقة بديوانه، ومضت ساعة. فقال له القاسم: كتبت الكتب؟ قال: نعم. والتفت فقال: ادعوا زنجياً الكاتب لينشئ نسخ ذلك ويحررها فإنه أعرف برسوم المناشير، فضحك القاسم بن عبيد الله ثم أقبل علي أبي عبد الله محمد بن داود بن الجراح فقال: الأمر يا أبا عبد الله مهم لا يحتمل التأخير، ومنشئ أبي الحسن غير حاضر، ولعله يحتبس. وقال لابن الفرات: ادفع إليه التوقيع ليكتب في المعنى بما يتضمن. قال: فأخذ أبو عبد الله التوقيع وكتب سريعاً بأبلغ عبارة وأشد استيفاء ووصاة. وخجل ابن الفرات. ولم تكن كتابته مقصرة ولا بلاغته متأخرة، ولكن يده كانت تخونه وتقعد به. وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: سمعت بعض شيوخ الكتاب يقول: كان أبو الحسن علي بن عيسى معظماً لصناعة الكتابة، محافظاً على مكانه منها، متحذراً من عيب يلحقه فيها، وكانت المنافسة واقعة بين أبي الحسن بن الفرات وبينه في الأعمال والمنازل والكتابة والصناعة، فاتفق أن عمل علي بن عيسى مؤامرة لعامل يعنى به أبو الحسن بن الفرات، وأخرج عليه فيها مائة ألف دينار، واعتقد مواقفته عليها وإلزامه إياها. ثم أحضره وأراه المؤامرة وقال له: قف عليها واذكر ما عندك في كل باب منها، فإن كانت لك فيه حجة تسقطه وإلا التزمته وأديته. فقال: أريد أن أقرأها قراءة تأمل، وأنظر فيها نظر تصفح، وما يكون ذلك إلا

стр. 136

في منزلي عند خلوتي بنفسي. فقال: خذها. فأخذها وجاء إلى أبي الحسن بن الفرات، فشرح له صورته، وسأله النظر في المؤامرة، وتلقينه الجواب عن كل باب منها. فقرأها ابن الفرات وقال للعامل: لولا أن علي بن عيسى قد سها فيها سهواً ظاهراً ربما خلصك لما سقط عنك درهم واحد مما أخرج عليك، وذلك أنه صدر المؤامرة بباب خرج عليك فيه فضل الكيل في غلات ناحيتك، وأنك لم تورده، وحصل عليك صدراً كبيراً من المال عنه، ثم ذكر بعد ذلك في باب آخر أنك اقتطعت من غلات المقاسمة ما لم تورده، وأقام الشاهد عليك فيه، وألزمك مالاً جزيلاً عنه. وقد كان من قانون الكتابة أن يبتدئ بذكر الاقتطاع من أصول الغلة. ثم يجعل فضل الكيل مؤخراً، فإذا صدر فضل الكيل فقد صح به الأصول، وهذا غلط فاحش وخطأ ظاهر غير محيل، والصواب أن تمضي إليه وتخلو به وتقول له: محلك في الصناعة لا يقتضي ما فعلته في هذه المؤامرة، وقد سهوت فيها سهواً قبيحاً وهو كذا وكذا، وأنا معك بين أمرين، إما أن أكشف للناس خطأك فعليك فيه ما تعرفه، وليس يكون ما يلحقك من القباحة بأقل مما تتناولني به من النكبة، وإما أن تفضلت بطي هذا الأمر وستره وإبطال المؤامرة والإمساك عنها ولك من ذلك مرفق أحمله إليك. فإن إشفاقه على جاهه، وكراهته ما يقدح في صناعته، ورغبته في المرفق، يحمله على إبطال المؤامرة. قال العامل: فمضيت سحراً إلى داره، فلما رآني قال: ما عملت في المؤامرة؟ فقلت له: بيننا شيء أقوله سراً، ودنوت إليه فقال: ما هو؟ فأوردت عليه ما كان ابن الفرات علمنيه، ونشرت المؤامرة ووقفته على المواضع، فحين شاهدها وتأملها وجم

стр. 137

وجوماً شديداً وقال: يا هذا، قد وفر الله عليك المرفق، وأسقط عنك المؤامرة، فإن أكبر الأمور عندي في هذه القصة أن وقفت على غلطي وتيقظت مستأنفاً من مثله، والله بيني وبين ابن الفرات، فإن هذا من تعريفه وتوقيفه وإلا فلست ممن يتنبه على ما هذه سبيله. ونهضت من عنده وقد كفيت الأمر، وزالت عني المؤونة والمطالبة، وربحت المرفق الذي كنت على التزامه، وعدت إلى أبي الحسن بن الفرات، وحدثته بالحديث فضحك. وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق قال: لما حمل علي بن عيسى إلى ابن الفرات في وزارته الثالثة رآه ابن الفرات وهو مقبل إليه فبدأ يكتب كتاباً، وجاء علي بن عيسى وهو كالميت خوفاً وجزعاً، فوقف قائماً وابن الفرات يكتب، وعند علي بن عيسى والحاضرين أنه لم يره، وبقي واقفاً نحو ساعة إلى أن فرغ ابن الفرات من كتابته، ثم رفع رأسه وقال: اقعد بارك الله عليك. فأكب علي ابن عيسى عليه يقبل يده ويقول: أنا عبد الوزير وخادمه وصنيعته القديم، وصنيعة أبي العباس أخيه رحمه الله تعالى، ومن لا يعرف صاحباً ولا أستاذاً غيره. فقال: هو كذلك وأنت فيه صادق، وإني لأرعى لك حق خدمتك القديمة لي ولأخي ﵀، وما عليك بأس في نفسك، ولولا طاعة السلطان ما أفسدت صنيعتنا عندك. وقرر عليه من المصادرة ما قرره، وعمل المحسن بن علي بن الفرات على قتل علي بن عيسى، فلم يدعه أبوه. واستقر الأمر على نفسه وإبعاده عن الحضرة، واختار هو الخروج إلى مكة وأظهر أنه يريد الحج والمجاورة. وخرج بعد أن ضم

стр. 138

إليه موكلون، ووصاهم المحسن بسمه في الطريق إن تمكنوا أو قتله بمكة، وعرف علي بن عيسى ذلك فتحرر في مأكله ومشربه. ووصل إلى مكة رجل يعرف بأحمد بن موسى الرازي، وكان داهيةً ذا مكر وخبث، وقد اصطنعه علي بن عيسى في وزارته، وقلده القضاء هناك. فلما اجتمع علي بن عيسى معه حدثه بحديثه، وسأله إعمال الحيلة في تخليصه وحراسة نفسه، فتلطف في ذلك بأن وضع أهل البلد وقد كانوا قدموه وأطاعوه على أن اجتمعوا وثاروا بالموكلين، وخاف أن يجري ما يلحقه فيه إثم وإنكار من السلطان، فطرح نفسه عليهم حتى خلصهم وأخرجهم ليلاً إلى بغداد، بعد أن أعطاهم نفقةً. وأقام بمكة. وقد كان أبو العباس أحمد ابن محمد بن الفرات في خلافته عبيد الله بن سليمان على الأمور عمل ديواناً سماه ديوان الدار، وجمع إليه سائر الأعمال ودبره بنفسه وكتابه، واستناب أخاه أبا الحسن علي بن عيسى، وأبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح عمه، فكانا يجلسان بحضرة أبي الحسن، ويأمرهما وينهاهما، ويسميانه أُستاذنا، على رسم أصحاب الدواوين إذ ذاك. وجرى الأمر على هذا الترتيب إلى أن عزم المعتضد بالله على إخراج المكتفي بالله إلى الجبل، ومعه عبيد الله بن سليمان، والخروج بنفسه إلى آمد والثغور، ومعه القاسم بن عبيد الله، فقال عبيد الله لأبي العباس بن الفرات: أريد كاتباً يصحبني ويتصفح أعمال كل بلد نفتحه ويقرر معاملاته على ما يدل عليه الديوان القديم من رسومه. فقال: ذلك محمد بن داود. وإليه من ديوان الدار مجلس ما فتح من

стр. 139

أعمال المشرق، وفيه الحسبانات العتيقة. وقال القاسم: وأنا أريد آخر يكون معي إلى المغرب. فقال: يكون علي بن عيسى. وخرج محمد بن داود علي بن عيسى في جملة عبيد الله والقاسم. فنفق محمد على عبيد الله وقرب منه واختص به، ورأى من فضله وصناعته ما أعجبه، وانتهى أمره معه إلى أن زوجه عبيد الله بنته، وانتزع مجلس المشرق من ديوان الدار وجعله ديواناً مفرداً وقلده محمد بن داود رئاسةً. وحصلت لعلي بن عيسى حرمة بالقاسم، وشاهد من كفايته وسداده وكتابته ونفاذه ما عظم به في عينه، فقدمه وتوفر عليه. وفعل مثل فعل أبيه مع محمد بن داود في انتزاع مجلس المغرب من ديوان الدار وتقليده علي بن عيسى رئاسة، ولم يجعلا لأبي العباس بن الفرات بعد ذلك عليهما يداً. وكان قول علي بن عيسى لابن الفرات ما قاله من أنني عبدك وصنيعتك وعبد وصنيعة أبي العباس أخيك. وقبول ابن الفرات ذلك منه وتصديقه إياه فيه، على هذا الأصل. وحدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال: كان أخي أبو إسحاق إبراهيم ابن عيسى يتقلد أعمال الزاب الأعلى في أيام عبيد الله بن سليمان خلافةً لأبي الحسن علي بن عيسى ثم رئاسةً، فصرفه بمحمد بن محمد بن حمدون بن سليمان الواسطي عنها، قال: فحدثني ابن حمدون هذا قال: أحضرني أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات فقال لي: قد صرفت إبراهيم بن عيسى بك، وأريد أن تعتقله وتضيق عليه. واتفق أن حضر أبو عبد الله محمد بن داود مسلماً عليه، وقد عرف

стр. 140

الخبر، فقال له: تتقدم أعزك الله إليه في إمضاء مقاطعتي وإجمال معاملتي. قال: فقال لي ابن الفرات: أبو عبد الله من قد عرفت محله من الوزير أبي القاسم ومنا، فاعمل تصنيعته في جميع إرادته. فلما انصرف أبو عبد الله قال لي: إياك أن تمضي مقاطعته أو تدع الاستقصاء عليه في مسامحه، ووكل بغلته حتى تستوفي حق بيت المال منها على واجبه وتمامه وكماله، وإبطال مظالمه. قال: فورد علي من ذلك أعظم مورد، وتبينت به ما في نفسه على آل الجراح، وشخصت إلى العمل، فما داجيت أبا إسحاق، وطالبته بأن يجيئني في كل يوم، فغلظ ذلك عليه، وهو لا يعلم ما تقدم به ابن الفرات في أمره، واتصلت كتب ابن الفرات إلي بالحث على ما وصاني به والتاكيد فيه اتصالاً طويته عن أبي إسحاق الإشراف على أعمال واسط كنت أدخل إليه فيقل الإقبال علي، ويظهر الانحراف عني، حتى خفت أذيته في ضيعتي، فجئته في بعض الأيام، ومعي بعض ما كان ابن الفرات يكتبه إلي في بابه. فلما خلا وجهه دنوت منه وقلت له: قد تبينت منك إعراضاً وسوء رأي، ولا شك أن ذلك لما كان مني إليك، وقد علم الله نيابتي كانت عنك، وحراستي إياك مما كنت أُطالب به فيك، ومن الدليل على صدقي هذه الكتب. وأخرجتها إليه وقرأتها عليه. فلما وقف على ما فيها أكبره وأعظمه، وبسط عذري فيما عاملته به، وعاد إلى ما أحبه. وكان تقلد أبي إسحاق الإشراف على واسط بعد أن تقلد أعمال

стр. 141

الراذانين. وكاشف ابني الفرات فيما اقتطعاه واجتذباه من الضياع السلطانية، وحسن أثره عند القاسم بن عبيد الله، فنقله إلى الإشراف على أعمال واسط نقلاً كان من سببه أن كان القاسم سيء الرأي في أبي العباس بن الفرات. فقال لأبي الحسن علي بن عيسى: قد كثرت ضياع ابني الفرات بنواحي واسط، واستضافا إليها ضياعاً سلطانية، وصارا يأخذان لمصالحهما نحو عشرين ألف دينار في السنة، وأريد رجلاً حصيفاً أرد إليه الإشراف على هذه النواحي وأُعول عليه في كشف ضياع ابني الفرات، وإثارة الفضل الذي في أيديهما، وآمن عنده محاباةً لهما وخوفاً منهما، فهل في أهلنا من يصلح لذلك؟ فوصف له أبا إسحاق بالشهامة والاستقلال، واستحضره وقلده، وانحدر وجد في النظر والكشف، وواصل كتب الكتب بما وقف عليه وعرفه، وعمل الأعمال بما اثاره واستدركه، فكان من ذلك عمل ما يقبضه وكلاء ابن الفرات لمصالح ضياعهما بواسط، وهو زيادة على عشرين ألف دينار في السنة، وعمل آخر لما اقتطعاه من ضياع السلطان وأضافاه إلى أملاكهما، وهو نيف وثلاثون بيدراً، منها بيدر يعرف باليهودي، ارتفاعه نحو الخمسين ألف درهم. وعاد إلى الحضرة وعرض الأعمال على القاسم، فقال له: تواقف ابن الفرات على أعمالك هذه؟ فقال: ما عملتها لأسترها وأخاف المناظرة عليها. فأحضره وقد حضر أبو العباس بن الفرات، وواقفه في المجلس مواقفة ألزمه فيها مالاً كثيراً، فرأى القاسم من أبي إسحاق صرامةً عجيبةً، وتبين ابن الفرات من القاسم إنكاراً همته نفسه معه.

стр. 142

قال أبو علي عبد الرحمن، فحدثني بعض أصحابنا قال: لما انصرف أبو العباس ابن الفرات من هذا المجلس إلى منزله، وهو مثخن، وجد أخاه أبا الحسن يعمل. فقال له: يا أبا الحسن ما فارقتني حتى هتكتني ونكبتني، قرأ هذا العمل. ورمى إليه بعمل المصالح وقال له: إذا كانت نفقات مصالحنا عشرين ألف دينار فأي شيء نقول للسلطان والوزير والناس في الارتفاع والاستغلال؟! ثم أعطاه العمل بالضياع المستضافة. قال: هذه الطامة الكبرى والفضيحة العظمى. قال عبد الرحمن: وهم القاسم بن عبيد الله بالقبض عليهما والإيقاع بهما، فتدافع الأمر بظهور صاحب الخال والتشاغل بخطبه والخروج إلى المغرب في طلبه. فلما عادوا لم تطل المدة حتى توفي القاسم بن عبيد الله وأبو العباس بن الفرات في آخر سنة إحدى وتسعين ومائتين. ثم ولي أبو الحسن بن الفرات الوزارة فقصد أبا إسحاق ونفاه إلى الصافية، ووزر أبو الحسن علي بن عيسى بعد ذلك وصرف، وعاد ابن الفرات فنكب أبا إسحاق وصادره على خمسين ألف دينار استخرج منها ثلاثين ألف دينار. وأقام أبو إسحاق في منزله وامتنع من العمل بعد ما لحقه. فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة أعاد القبض عليه وطالبه ببقية المصادرة، ثم بمثلها فأداه ثم بمثلها دفعة ثالثة بعد مكروه عسفه به، وأخرجه بعده إلى البصرة، وسلمه إلى ابن الأصبغ عاملها، فيقال إنه سمه، ومضى لسبيله.

стр. 143

وحدث أبو علي عبد الرحمن قال: كان سبب العداوة بين أبي الحسن بن الفرات ومحمد بن عبدون أنه غلب علي العباس بن الحسن واختص به فسعى في صرف أبي الحسن بن الفرات ونكبته لقبيح قديم كان بينه وبينه، واستمال محمد بن عبدون أبا عبد الله محمد بن داود بن الجراح عمي فمال معه، وساماً أبا الحسن علي بن عيسى أخي الدخول معهما فامتنع، وجرت في ذلك خطوب طويلة باطنة وظاهرة. وتجرد محمد بن عبدون بفضل شر وحسد كانا فيه في مكروه ابن الفرات وطالب العباس بإطلاع المكتفي بالله على خياناته واقتطاعاته وما تأثل من حاله بذاك وعظم من نعمته، وساعده محمد بن داود على أمره. قال عبد الرحمن: فأذكر، وقد صار أبو الحسن بن الفرات في بعض الأيام إلى أخي أبي الحسن علي بن عيسى في داره، فقام إليه وأكرمه، وجعل ابن الفرات يشكو إليه ما يلاقيه من محمد بن عبدون، ويعرض بمحمد بن داود عمي، وأخي يسترجع ويقول له: يكفيك الله ثم قال له أخي: أما أنا فقد عرفت إخلاصي لك، وما يراني الله تعالى مساعداً فيما يسوءك، وأما عمي فالأمر معه قريب، وسأرده وأكفيك ما تخافه منه، ومع هذا فدبر أمرك تدبيراً يصلحه مع صاحبنا وصاحبك. فقال له: أشر علي يا سيدي. فقال: استعطف الوزير. قال: قد فعلت. قال: زد، وليس بكثير أن تغرم في هذه القصة خمسين ألف دينار، وإن احتجت إلى مالي في ذلك فهو بين يديك. فتكره وقال: أريد التوثقة منك. فقال له أخي: ما تجد عندي خلافاً عليك إلا أن اليمين غير مباركة وما بنا إليها حاجة، وفي الأقوال الصادقة والآراء الصافية غنىً وكفاية. وقام فانصرف. قال عبد الرحمن: ووافي ابن عبدون في بعض الأيام إلى أبي الحسن أخي، فلما

стр. 144

جلس قال له: قد فرغنا من أمر الرجل إن كانت منك مساعدة. فقال: اللهم غفراً. وقمنا، وخلوا وتحدثا. ثم نهض ابن عبدون، وعدت أنا وإبراهيم ابن أيوب الكاتب إليه، فوجدناه مقطباً واجماً. فقال لنا مبتدئاً: ما أعجب ما نحن فيه! نعوذ بالله من البغي وجوالبه. ثم قال: وافانا هذا الرجل يعني ابن عبدون يريد أن يلفتنا عن ديننا، وذكر أن الخليفة قد استجاب إلى صرف ابن الفرات إن توليت ديوانه، فقلت له: يا هذا، إن صرفت ابن الفرات ازددت بصرفه رزقاً وأجلاً، وإن لم أصرفه نقصني الله ما قرره لي؟ قال: لا. قلت: فإن تركتموني أُدبر هذا الأمر معكم وأقوم بما إلي منه، وإلا لزمت منزلي وأرحت نفسي. فانصرف متنكراً متسخطاً وقال: هذا الأمر يراد. ومضى ابن الفرات إلى العباس فأعطاه وأرضاه. وقد كان قال للمكتفي بالله: إن حال ابن الفرات قد عظمت، وأنا آخذ منه خمسين ألف دينار أردها في بيت مال الخاصة، وأُبقي عليه صدراً من نعمته. فقال له. نعمة ابن الفرات لي، ومتى أردتها أخذتها، وما يمكني إنشاء كاتب واصطناعه والرفع منه حتى يكون حاله الحال الذي يظن فيه. وكان ما قاله المكتفي بالله وفعله من أحسن ما روي وأُثر عن كل خليفة قبله. وقد كان خفيف السرمقندي الحاجب يقوم بأمر ابني الفرات ويعضدهما ويشد منهما، فقلما طمع في أبي الحسن وانبسطت الألسن فيه. وحدث عبد الرحمن قال: لما عقد الأمر لأبي العباس عبد الله بن المعتز، ووزر له محمد ابن داود بن الجراح عمي تأخر أبو الحسن علي بن عيسى أخي عن الحضور، ووصلت مراسلة بالاستدعاء، وهو يأبى ويتوقف، حتى إذا زاد الإلحاح عليه وبلغه عن عبد الله بن المعتز أنه قال: علي بن عيسى متأخر عنا ليمضي إلى جعفر، فإن كانت

стр. 145

له خلص عمه، وإن كانت لنا خلصه عمه. وليس كذلك. فإنه لات حين مناص صار إلى القوم. فلما لم ير ابن الفرات قال لمحمد بن داود: ما فعل ابن الفرات؟ قال له: وأية فائدة في حضوره؟ قال: كل فائدة، وستعلم ما تكون عواقب تأخره وأنه لا يكون هلاك الجماعة إلا على يده. فكأن قوله وافق قدراً. ولما انتقض أمر ابن المعتز ووزر أبو الحسن بن الفرات وأُخذ علي بن عيسى ومحمد بن عبدون وحملا إلى دار بدر اللاني، كتباً رقعة إلى ابن الفرات ترجماها: لعبديه محمد بن عبدون وعلي بن عيسى. فعاد الجواب: فهمت هذه الرقعة يا أبا الحسن علي بن عيسى أطال الله بقاءك. وأدام عزك وسعادتك، وأنت تعلم ما يلزمني من حقك، وما أنا عليه لك، ولن أدع ممكناً في تخليصك واستنقاذك وردك إلى أفضل ما كنت عليه إلا أتيته وبلغته وقضيت حقك به. ولم يذكر محمد بن عبدون بشيء، فلما وقفا على ذلك لطم محمد بن عبدون على رأسه وقال: قتلني والله. وكان الأمر كما قال: ولم يدع ابن الفرات المنافسة في الرئاسة والغيرة على الوزارة حتى نفي علي بن عيسى إلى مكة. وحدث عبد الرحمن قال: لما ثقل علي أبي الحسن بن الفرات أمر سوسن وبلغه عنه عمله على الإيقاع به وشروعه لمحمد بن عبدون في الوزارة، خوف المقتدر
следующие страницы →