← Тараджим

Тараджим · id 26108

تحفة القادم

ابن الأبار

Полный текст (247 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة أسأل الله عوناً على حَمده الفَرض، وصوناً من الرَّفض، لِما يُثمر مُضاعف القَرض، ومحمداً أُصلِّي عليه وعلى آله وصحبه الذين أشبهوا نُجوم السماء في الأرض، صلاةً تُدخلني في زمرة الجنة إذا أُخرجَ بَعث النار يوم العَرض. وبعد، فهذا اقتضاب من بارع الأشعار، بل يانع الأزهار، قصرتُه على أهل الأندلس بلدي، وحصرتُه إلى من سبق وفاتَه منهم مولدي. ثمَّ ألحقتُ بهم أفراداً لحقهم شيوخُ ذلك الأوان، لأُضاهي " أنموذج " أبي عليّ ابن رَشيق، في شُعراء القيروان؛ وأضفت إلى هؤلاء، الطارئين على الجزيرة من الغُرباء، وربأتُ به عمَّا تضمنتْه تصانيف السابقين من الأُدباء؛ ليكون بريعانه وضَيعته، أبعدَ من خُسرانه وضَيعته؛ فجئتُ بجواهر لم يُبتذل مَصونها، وبأزاهر لم تُهتصر غُصونها؛ مسارعاً إلى ما لهم من أبيات سائرة، وآيات سافرة، وشارعاً في تكميل عددهم مائة شاعر وشاعرة؛ وجعلته باكورة ما بين يديّ في هذا الفن، والله المستعان ذو الطَّوْل والمَنّ.

стр. 2

ولما عارضت به " زاد المسافر " سمَّيته " تحفة القادم " وحميتُه أسجاع الناثر، اكتفاء بقوافي الناظم؛ ناسياً مَن ذَكره في ترجمةٍ أبو بحر ابن إدريس جامعه، وآتياً من روائع البديع ما يهتزّ له مُبصره وسامعه، كتشبيه لابن المُعتز فاضح، وتَشبيب إزراؤه بالرَّضِيّ واضح، أعيا الأول وله السبقُ يوم الرِّهان، وأنسى الثاني ليلةَ السَّفح وظَبية البان؛ إلى فنونٍ ذواتِ فُتون من الآداب، ساحرةٍ للألباب، وساخرةٍ من الكَلِمِ اللُّباب. وهذا أوانُ الشُّروع في المُراد، بهذا المجموع أبدأ: فالأول في الزمان، وربما قدّمت الأكبر بالمكان، إلا أن يعرض من النِّسيان، ما هو مُوكَّل بالإنسان.

стр. 3

ابن خلصة أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن فتح بن قاسم بن سليمان بن سويد بن خَلصة - بفتح الخاء المعجمة واللام والصاد - اللخمي، من أهل بلنسية، كان أستاذاً في علم اللسان والأدب فصيحاً مفوّهاً حافظاً للغات، أقرأ كتاب سيبويه بدانية وبلنسية، وله يدٌ في النثر، ثمَّ انتقل إلى المريّة وفيها توفي سنة تسع عشرة وخمسمائة، حكى ذلك ابن الصيرفي في تاريخه وقيل سنة عشرين وقيل إحدى وعشرين " وهو الصحيح ". ومن قوله في أبي العلاء ابن زُهر من قصيدة: غدَتْ عنك أفواهُ الغيومِ الدوافقِ ... تفيضُ بما تُوري زناد البوارقِ أنارَتْ جهاتُ الشَّرقِ لمَّا احتللتَه ... فكاد الدُّجى يجلو لنا وجه شارقِ

стр. 4

وكم زفرَتْ شوقاً بلنسِيَةُ المُنى ... إليكَ ولكنْ رُبَّ حسناءَ طالقِ تقلَّدَ منك الدَّهرُ عقداً وصارماً ... بهاءً لجيدٍ أو سناءً لعاتقِ ولو قُسِمَت أخلاقك الغُرّ في الدنا ... لما صوَّحَت خُضْر الرُّبى والحدائقِ وله يخاطبه وقد استدعى منه كتاباً: يا وَزَراً تُفصحُ اللَّيالي ... بأنه سِرُّهَا اللبابُ ومَنْ معاليه سافراتٌ ... والشَّمسُ من دونها نقابُ حددتَ لي فامتثلتُ أمراً ... ها أنا بالبابِ والكتاب وينسب إلى خلصة أيضاً: أبو عبد الله الضرير الداني، وليس من شرطنا لتقدم وفاته في آخر المائة الخامسة، ولأنه أيضاً مذكور في كتاب الذخيرة لابن بسام. وأبو عبد الله محمد بن يوسف بن خلصة المعافري الشاطبي أحد الرواة عن أبي عمر ابن عبد البر، وليس بمعدود في الأدباء. وأردت بهذا الانباء والانباه، التفرقةَ بينهم خيفةَ الاشتباه.

стр. 5

ابن أبي الصلت أبو الصَّلت أُمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت، من أهل إشبيلية، وسكن المَهديَّة، واتصل بأميرها يحيى بن تميم المُعزّ الصِّنهاجي، ثمَّ بابنه عليّ بن يحيى، وبعده بالحسن بن علي، آخر ملوكِ الصّنهاجيين بها. وتُوفي صدر ولايته سنة عشرين وخمسمائة، أو بعدها بيسير. وقيل توفي مع أبي عبد الله المازري في سنة ست وثلاثين، والأول أصحّ. ومن خَبره أنَّه خرج من إشبيلية ابن عشرين سنة، ولزم التعلُّم بمصر

стр. 6

عشرين سنة، ثمَّ أوطن المَهديَّة عشرين سنة. حُدثت بهذا عن أبي عبد الله ابن عبد الخالق الخطيب بها، عن بعض مَن أدركه من شيوخها. وله تواليف مُفيدة في الطبّ، وهو كان الغالب عليه، وفي الأدب والعروض والتاريخ. ومن مدائحه في يحيى بن تميم يصف فرساً له كان يُسمَّى هلالاً لغُرَّةٍ في جبهته هِلالية الشكل: شهدتُ لقد فات الجيادَ وبَذَّها ... جوادُك هذا من وِرادٍ ومن شُقرِ جوادٌ تبدَّت بين عينيه غُرَّةٌ ... تُريكَ هلالَ الفطر في غُرة الشهرِ وما اعتنَّ إلاَّ قلتُ أسأل صاحبي ... بعَيشكَ من أهدى الهلالَ إلى البدرِ كأنَّ الصَّباحَ الطَّلْقَ قَبَّلَ وَجْهَهُ ... وسالتْ على باقيهِ صافيةُ الخمرِ كأنَّك منهُ إذ جَذَبْتَ عِنانَهُ ... على منكِبِ الجَوْزاءِ أو مَفْرِق النَّسرِ كأنَّك إذ أرسلتَه فوق لُجة ... تُدَفِّعها أيدي الرِّياح إلى العبْرِ تدفّقتُما بحرَين جُوداً وجَودةً ... ومن أعجبِ الأشياءِ بحرٌ على بَحْرِ وله أيضاً فيه ويصف بعضَ مبانِيه: قُم يا غلامُ ودَعْ مُخالسةَ الكَرى ... لمُهجِّرٍ يصفُ النّوى ومُغلَّسِ

стр. 7

أو ما رأيت النَّوْرَ يَشرقُ بالنَّدى ... والفجرَ يَنْصُلُ من خضابِ الحِنْدِسِ والتُّربُ في خَلل الحديقة مُرْتَوٍ ... والغصنُ من حُلَلِ الشَّبيهِ مُكْتَسِ والرَّوضُ يبرُزُ في قلائدِ لُؤلُؤٍ ... والأرضُ ترفُلُ في غَلائِلِ سُندسِ لا تَعْدَمُ الألحاظُ كيف تصرَّفَتْ ... وَجَناتِ وَرْدٍ أو لواحظَ نَرْجسِ وله كلام في المباني السلطانية يصفُها فمن ذلك قوله: وضَّاحة حلَّتِ الأنوارُ ساحتَها ... فأزمعتْ رحلةً عن أُفقها السُّدُفُ كأنَّ رَأْدَ الضُّحى مما يُغازلها ... عن الغَزالةِ هيمانٌ بها كَلِفُ تجمَّعتْ وهي أشتاتٌ محاسنُها ... هذا الغَدير وهذِي الرَّوضةُ الأُنُفُ يُضاحكُ النُّور فيها النَّوْرَ من كَثَبٍ ... مهما بكتْ للغَواني أعينٌ ذُرُفُ خُضرٌ خمائلها زُرقٌ جداولها ... فالحُسْنُ مُتلفٌ فيها ومختلفُ دَوْح وظلٌّ يلذُّ العيشُ بينهما ... هذا يَرِفُّ كما تهوَى وذا يَرِفُ يَجري النسيمُ على أرجائها دَنِفاً ... ومِلؤه أرَجٌ يشفَى به الدَّنِفُ حاكَ الربيعُ لها من صوبِهِ حِبَراً ... كأنَّها الحُلَلُ الأفوافُ والصُّحف غَريرةٌ من بناتِ الرَّوضِ ناعمةٌ ... يَثني معاطفَها في السُّندس التَّرَف تَندى أصائلُها صُفراً غلائلُها ... كأنَّ ماءَ نُضارٍ فوقها يَكِفُ وله في المَصنع المعروف بأبي فِهر: نَمت صُعُداً في جِدَّةٍ غُرفاتُه ... على عَمَدٍ مما استجاد لها الجِدُّ تَخَيَّلن قاماتٍ وهُنَّ عقائلٌ ... سوى أنَّها لا ناطقاتٌ ولا مُلْدُ قُدودٌ كساها ضافيَ الحُسن عُرْيُها ... وأمعنَ في تَنعيمها النَّحتُ والقَدُّ

стр. 8

تُذكِّرُ جنَّاتِ الخلودِ حدائقٌ ... زواهرُ لا الزَّهراءُ منها ولا الخُلد فأسحارُها تُهدي لها الطيبَ مَنْبجٌ ... وآصالُها تُهدي الصَّبا نحوها نجدُ أنافَ على شُمِّ القُصورِ فلم تَزَلْ ... تَنَهَّدُ وجداً للقُصور وتَنهدُّ رَحيبُ المَغاني لا يضيق بوَفْدِهِ ... ولو أنَّ أهلَ الأرضِ كلَّهُمُ وَفد تلاقَى لديه النَّور والنُّور فانجلتْ ... تفاريقَ عن ساحاتهِ الظُّلَمُ الرُّبد وسُجن أبو الصلت بمصر، فقال في ذلك: عَذيريَ من دهرٍ كأنِّي وَترتُه ... بباهِرِ فَضلي فاستقادَ به منِّي تَعجَّلني بالشَّيبِ قبلَ أوانهِ ... فجرَّعني الدُّرديَّ من أوَّلِ الدَّنّ وما مرَّ بي كالسّجنِ فيه مُلمَّةٌ ... وشرٌّ من السّجنِ المُصاحَبُ في السّجن أظُنُّ اللَّيالي مُبْقِياتي لحالةٍ ... تُبدِّلُ فيها حياتي هذه عنِّي وإلاَّ فما كانتْ لتَبْقَى حُشاشتي ... على طولِ ما ألقى من الضَّيمِ والغَبنِ وقالوا حديثُ السِّنّ يسْمو إلى العُلا ... كأنَّ العُلا وقفٌ على كِبَرِ السنِّ وما ضرَّني سنُّ الحَداثة والصِّبا ... إذا لم يَضْفُ خُلْقي إلى النَّقصِ والأفْنِ فعلْمٌ بلا دَعوى ورأيٌ بلا هوًى ... ووعدٌ بلا خُلْفٍ ومنٌّ بلا مَنِّ متى صَفَتِ الدُّنيا لحُرٍّ فأبتغي ... بها طيبَ عَيشي أو خُلُوِّي من الحُزْنِ وهل هي إلاَّ دارُ كُلِّ مُلِمَّةٍ ... أمضُّ لأحشاءِ اللَّبيبِ من الطَّعنِ

стр. 9

وقال أبو الصَّلت: تَجري الأُمور على حُكم القَضاء وفي ... طيِّ الحوادِثِ مَحبوبٌ ومكروهُ فربَّما سَرَّني ما بِتُّ أحذرُهُ ... وربَّما ساءني ما بِتُّ أرجوهُ

стр. 10

ابن البراء التجيبي أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن البراء التُّجِيبي: من أهل الجزيرة الخضراء، ومعدودٌ في المجيدين من الشعراء، وله ديوان نظم ونثر كبير. فارق وطنه وهو صغير منتزحاً إلى بلاد الصحراء، وممتدحاً من كان بها من الأمراء، وأراه لم يعد إلى ذَراه، كما لم يعدم الحنين إليه في تأويبه وسُراه، فمن شعره في ذلك: عندي على الخضراءِ دَمْعٌ واكفٌ ... والقلبُ أبرَدُ حَرّهِ الرمضاءُ أودى ثِقافُ فراقِنَا بقناتنا ... فانآدتِ اليَزَنِيَّةُ السمراءُ نزحِتْ بيَ الأقدارُ عن دارِ الهوَى ... وقَذَفْنَني حيثُ الفؤادُ هواءُ فإقامتي ما بينَ أظهرِ معشرٍ ... سيَّان عندهُم الدُّجى وذُكاءُ وقال أيضاً: أحنُّ إلى أرضٍ لَبِسْتُ بها الصِّبا ... فعندي لها من أجل ذِكْرِ الصِّبا وجدُ ومن أجلِ نَصْلِ السَّيفِ أُكرِمَ جَفْنُهُ ... ومن جهَةِ الرّيَّا سما العنبرُ الوردُ وقال أيضاً: سقى واكفُ القطرِ الجزيرةَ إنَّني ... إليها وإن جَدَّ الفِراقُ لوامقُ دياراً بها فارقتُ عَصرَ شبيبتي ... فيا حبَّذا عَصْرُ الشَّبابِ المفارقُ

стр. 11

شبابٌ شَفَى نفسي وودَّعَ مسرعاً ... كما زار طَيفٌ أو تبوَّجَ بارقُ قضيتُ به حقَّ الهوَى وأطعتُهُ ... فأيامُهُ في عينِ فكري حدائقُ وقال أيضاً: بي جُؤذَرٌ هامَ الفؤادُ بحُبِّهِ ... عُنيتْ لواحظُهُ بقتلِ محبِّهِ قد أتلفَ المُهَجاتِ بين لَطافَةٍ ... في وجنتيهِ وقسوةٍ في قلبهِ وإذا رأى المرآةَ هامَ فؤادُهُ ... في حُسْنِ صورتِهِ فرقَّ لصبّه ولابن البراء في أعرج أبِنْ لي يا أبا موسى بحالٍ ... بَدَتْ لي منكَ يضحكُ من رآها تكيلُ الأرضَ باعاً بَعْدَ باعٍ ... كأنَّكَ قد عَزَمتَ على شِراها وتنبحُكَ الكلابُ بكلِّ أرضٍ ... كأنَّكَ قد طُبِعتَ على أذاها وقال بالقيروان، وقد بلغه أن أبا الفضل يوسف ابن النحوي ذم خطَّ أهل الأندلس، من قصيدة يقول فيها: تنسمْ أريجاً لم يَضُعْ من لطائمِ ... وعرِّجْ على ربعٍ لميَّةَ طاسِمِ ترحلتُ عن أَرضي فأفضتْ بيَ النَّوى ... لأرضِ ذئابٍ في ثيابِ ضراغمِ فكم فيهمُ من عائبٍ قمرَ الدّجى ... ومستنزرٍ منهلَّ قطْرِ الغمائم رمى معشري بالذمِّ منطقُ يوسفٍ ... وحُسْنُ الثّريّا مُفْحِمٌ كلَّ ذائم أبا الفضل لا ترتَبْ بأنَّك من فمي ... سليمُ أفاعٍ لستَ منها بسالمِ أراكَ سفاهاً عبتَ خطَّ مَعَاشرٍ ... بهمْ تُسْفِرُ الأيَّامُ عن وجهِ باسمِ فإن يكُ فضلاً ما تشي يدُ كاتبٍ ... فكلُّ العُلا في ما تشي يدُ راقم

стр. 12

وله من قصيدة: ما خيَّمَ المجدُ إلاَّ في منازلنا ... فليس يَعْدِلنا في الأرضِ من أحدِ إذا بَلَوْتَ فأخلاقٌ مُهذَّبةٌ ... وإن سألتَ فبذلٌ من فمٍ ويدِ من كلِّ مكرُمَةٍ فُزنا بأوفَرِها ... حفظُ الجِوارِ لنا والأخذُ بالقَوَدِ لنا نفوسٌ عن الجاراتِ معرِضَةٌ ... وفي التّقى لأفاعيهنَّ بالرَّصدِ إن شئتَ من كَلِمِ الأعرابِ أفصحَها ... فخُذْهُ عن والدٍ منَّا وعن وَلَدِ تَنْبُو حِدادُ الظُّبَا عن غَرْبِ منطقنا ... نبوَّ ظُفرِ الفتَى عن مخلبِ الأسدِ ومنها في الرّدّ على أبي الفضل إذ ذمَّ أبا عمر ابنَ عبد البرّ: معتوهُ قسطيلةٍ ينفي رياضتنا ... ومن يُرِدْ قَنَصَ العنقاءِ لم يصدِ تفيظُ دون مُناها نَفْسُ حاسِدِنا ... وكيف للغَوْرِ يعلو ذِرْوَةَ السَّنَدِ تعساً ليوسفَ أنْ مَنَّاهُ خاطرُهُ ... لحاقَنَا وهلِ العرماضُ كالثمدِ باحَتْ بذمِّ ابن عبد البر قَوْلَتُهُ ... إن الحسودَ على المحسودِ ذو حَرَد كم يُتْعِبُ النفسَ فيما ليس يبلغُهُ ... والضبعُ يعظمُ عنها كلُّ ذي لِبَدِ لو حلَّ ساحةَ قومي كان مُطَّرَحاً ... كَبَهْرَجٍ لَحِظَتْهُ عينُ مُنْتَقِدِ دعوى العلومِ تحلاَّها فأَشبههم ... كما تشابَهَ لفظُ السَّعْدِ والسُّعْدِ وتوفي أبوه وهو على حاله من الاغتراب والاضطراب، فكتب إلى أخيه مع نثر: تَبَّتْ يدُ البينِ كم من مهجةٍ عبثتْ ... بها وكم من فؤادٍ وهو مُنْصَدِعُ دنوُّ رَبْعَكَ أقصى ما أُؤَمِّلُهُ ... لكنْ منالُ الَّذي لم يُقضَ ممتنعُ

стр. 13

وكان أبوه أبو بكر أحدَ شيوخ أبي الفضل عياض، ﵀. ومما سمعه، قال: أنشدني أبو جعفر ابن الدلال ببلنسية عن أبي الحجاج ابن الشيخ سمعت منه بمالقة عن أبي طاهر السلفي سمعه منه بالإسكندرية، قال: أنشدني الإمام أبو المظفر الأبيوردي لنفسه بهمذان: وقصائدٍ تحكي الرياضَ أضعتُها ... في باخلٍ ضاعتْ به الأَحسابُ فإذا تناشدها الرواةُ وأبصروا ال ... ممدوحَ قالوا ساحرٌ كذَّابُ

стр. 14

ابن الطراوة سليمان بن محمد بن عبد الله أبو الحسين السبائي - بالسين المهملة وبالباء الموحدة - المعروف بابن الطراوة من أهل مالقة. أخذ عن أبي الحجاج الأعلم والأديب أبي بكر المرشاني وأبي مروان ابن سراج، حمل عنهم كتاب سيبويه وكان إمام العربية في عصره وصاحب التواليف المشهورة فيها، وكانت وفاته في رمضان وقيل في شوال سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. ومن شعره: وقائلةٍ أتَهْفو للغواني ... وقد أضحى بمَفْرِقِكِ النَّهارُ فقلتُ لها حَثَثْتِ على التّصابي ... أحقُّ الخيلِ بالرَّكضِ المعارُ ومنه في فقهاء مالقة: إذا رأوا جَملاً يأتي على بُعدٍ ... مَدُّوا إليه جميعاً كفَّ مقتنصِ

стр. 15

إن جئتَهم فارغاً لَزُّوك في قَرَنٍ ... وإن رأوا رشوةٍ أفْتوك بالرُّخَصِ ومنه وقد خرجوا ليستسقوا على أثر قحط في يوم غامت سماؤه فزال ذلك عند خروجهم: خرجوا ليستسقوا وقد نَشأتْ ... بحريّةٌ قَمِنٌ بها السحُّ حتَّى إذا اصطفّوا لدعوتهمْ ... وبدا لأعينهمْ بها نَضْحُ كُشِفَ الغمامُ إجابةً لهمُ ... فكأنَّما خرجوا ليستصْحوا هكذا وجدت هذه الأبيات منسوبةً إليه، وقد سبقه إلى معناها أبو عليّ المحسن ابن القاضي أبي القاسم عليّ بن أبي الفهم التنّوخي صاحب كتاب الفرج بعد الشدّة في قوله: خرجنا لنستسقي بيمنِ دعائه ... وقد كاد هُدْبُ الغيم أن يُلبسَ الأرضا فلمّا ابتدا يدعو تقشّعتِ السَّما ... فما تمَّ إلاَّ والغمامُ قد ارفضَّا

стр. 16

الأندي أحمد بن خليل أبو عمرو الأُنْدي - بالنون والدال المهملة - من أهل بلنسية، كان طبيباً أديباً شاعراً صاحبَ افتنانٍ ومقطَّعاتٍ حسان، وهو القائل: ومَذعورةٍ من حَلْيها قد ذعرتُها ... بسلّةِ مطرورِ الغِرارِ مهنَّدِ فما وجدَتْ للحَزم إلاَّ التِفاتَةً ... تُرقرِقها ما بين دمع وإثمدِ حكمتُ على ألحاظها بعضَ حُكمها ... فحسبُكَ منِّي مُعتدٍ غيرُ معتدِ وله أيضاً: وهيفاءَ رام الغُصنُ يحكي قوامها ... وقالت لها شمسُ الضُّحى أنتِ أملحُ يُقِلُّ رداحَ الردفِ منها مخصَّرٌ ... بأضيَقَ من خلخالها يتوشّحُ تَلاعبُ بالمرآة عُجباً وإنَّما ... تُلاعب ظبيَ الموتِ في الماءِ يسبحُ وله في فرس: ذو غرّةٍ إن مرَّ تحسبهُ ... ريحاً يمرُّ أمامها قَبَسُ شهمٌ كطبعكَ في الوغى يقظٌ ... سهلٌ كخُلْقِكَ في النَّدى سَلِسُ وله أيضاً: بحيث بدتْ خُضْرُ الكتائبِ مقلةً ... تخالُ بها من مُشْرَعاتِ القنا شفرا وله أيضاً: ومنزلٍ ما به أنيسٌ ... يلوح للسَّفْرِ فيه نارُ

стр. 17

علَّلتُ طرفي بها بخدٍّ ... دخانها حولَه عذارُ وله أيضاً: وغديرٍ رقَّتْ حواشيه حتَّى ... بان في قَعْرهِ الَّذي كان ساخا وكأنَّ الطيورَ إذ كرعت في ... هـ وعلَّتْ تزُقُّ فيه فِراخا

стр. 18

ابن فرتون أبو القاسم خلف بن يوسف بن فرتون الأبرش النحوي من أهل شنترين، تجول في بلاد الأندلس وغيرها معلماً بالعربية، وكان رأساً في العربية واللغة، حفظ كتاب سيبويه؛ وتوفي بقُرْطُبَة سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، فمن قوله، أنشدنا أبو الربيع ابن سالم قال أنشدنا أبو القاسم ابن سمجون قال أنشدنا أبو العباس أحمد بن أبي القاسم بن الأبرش لأبيه: لقد كنتُ أخشى أنْ تكونَ ملالةً ... فقد وقع الأمرُ الَّذي كنتُ أحذرُ فلقِّنْ لساني إن لقيتك حجةً ... فعند ارتحالي إن نسيتَ سأذكر وله بالإنشاد المذكور: لو لم يكنْ ليَ آباء أَسودُ بهم ... ولم يُثبِّتْ رجالُ العُرْبِ لي شَرفا ولم أنلْ عند مَلْكِ العصر منزلةً ... لكان في سيبويهِ الفخرُ لي وكفى

стр. 19

وزاد أبو الربيع بيتاً ثالثاً عن ابن حمير بالإنشاد عن ابن الأبرش كذلك: فكيفَ عِلْمٌ ومجدٌ قد جمعتهُما ... وكلُّ مختلقٍ في مثلِ ذا وَقَفا وبالإنشاد الأول له: رأيتُ ثلاثةً تَحكي ثلاثاً ... إذا ما كنتَ في التشبيهِ تنصِفْ فتاجو النّيلُ منفعةً وحُسناً ... ومصرٌ شنترينُ وأنت يوسُفْ وما أحسن قول شيخنا أبي الحسن ابن حريق في هذا المعنى، وأنشدنيه: أصبحَت تُدميرُ مِصْراً شَبهاً ... وأبو يوسف فيها يوسُفا ولابن الأبرش يرثي غلاماً وسيماً غرق، قاله أو تمثل به وهو: الحمدُ للهِ على كلِّ حالْ ... قد أطفأَ الماءُ سِراجَ الجَمالْ أطفأهُ ما قد كانَ مَحْيا له ... قد يطفئُ الزيتُ ضياءَ الذُّبالْ وقد أكثر الشعراء في رثاء الغريق فأجادوا، من ذلك قول أبي القاسم ابن العطار الإشبيلي في بعض الهَوزَنيين ومات غريقاً في نهر طلبيرة عند فتحها: ولما رأوا أنْ لا مقرَّ لسَيفِهِ ... سوَى هامِهم لاذوا بأجرأ منهمُ وكان من النَّهر المَعين مُعينُهم ... ومن ثَلَم السدّ الحسامُ المثلّمُ فيا عجباً للبحرِ غالتهُ نُطفةٌ ... وللأسَدِ الضّرغامِ أرداه أرقَمُ

стр. 20

العامري النحوي أبو بكر محمد بن إبراهيم القرشي العامري الخطيب النحوي من أهل شلب، وأصله من مدينة باجة. له ورسم أن يُكتب على قبره: لئن نفذ القدرُ السَّابقُ ... بموتي كما حكمَ الخالقُ فقد مات والدُنا آدمٌ ... ومات محمّدٌ الصادقُ ومات الملوكُ وأشياعُهم ... ولم يبقَ منْ جمعهم ناطقُ فقُلْ للذي سرَّهُ مهلكي ... تأهَّبْ فإنَّك بي لاحقُ وللناس فيما يكتبون على القبور كثير مستجاد، من ذلك قول أبي إسحاق ابن خفاجة: خليليَّ هل من وقفةٍ بتألُّمِ ... على جدثي أو نظرةٍ بترحُّمِ خليليَّ هل بعد الرَدى من ثنيّةٍ ... وهل بعد بطن الأرض دارُ مخيّمِ وإنّا حَيينا أو رَدينا لإخْوَةٌ ... فمَنْ مرَّ بي من مسلم فليسلّمِ وماذا عليه أن يقول مُحيّياً ... ألا عِمْ صباحاً أو يقول ألا اسلمِ وفاءً لأشلاءٍ كرُمْنَ على البِلَى ... فعاجَ عليها من رُفاتٍ وأعظُمِ

стр. 21

يردّد طوراً آهةَ الحُزن عندها ... ويذرفُ طوراً دمعةَ المترحّمِ وقول أبي بكر عبد الرحمن بن محمد بن مُغاوِر الكاتب - بالغين والواو المكسورة والراء: أيُّها الواقفُ اعتباراً بقبري ... استمِعْ فيه قولَ عظمي الرميمِ أودعوني بطنَ الضريح وخافوا ... من ذنوبٍ كلومُها بأديمي قلتُ لا تجزعوا عليَّ فإنِّي ... حَسَنُ الظنّ بالرءوف الرحيمِ واتركوني بما اكتسبتُ رهيناً ... غَلِقَ الرهن عند مولًى كريمِ أنشدنيهما أبو الربيع ابن سالم قال: أنشدنا أولاهما أبو رجال ابن غلبون بمرسية، قال: أنشدنا أبو إسحاق - يعني ابن خفاجة - لنفسه، وذكرها، قال أبو الربيع: وأنشدنا الثانية قائلها على باب داره بشاطبة.

стр. 22

ابن العريف أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي، ابن العريف الزاهد، من أهل المرية. ولي الحسبة ببلنسية، وقد أقرأ بسرقسطة، وبعد ذلك بَعُدَ صيته في العبادة. توفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة ودفن بمراكش، وقيل إنَّه سُمّ، وله أخبار انظرها في غير هذا الموضع، وله نثر ونظم، فمن ذلك قوله: تمشَّى والعيونُ لهُ سَوامٍ ... وفي كلِّ النفوسِ إليه حاجهْ وقد مُلِئَتْ غَلائلهُ شُعاعاً ... كما مُلئتْ من الخمرِ الزجاجهْ وله: إذا نزلَتْ بساحتكَ الرَّزايا ... فلا تجزعْ لها جَزعَ الصبيِّ فإنَّ لكلّ نازلةٍ عَزاءً ... بما قدْ كان من فقدِ النبيّ وله أيضاً: إنْ لم أمتْ شوقاً إليكَ فإنني ... سأموتُ شوقاً أو أموتُ مشوقا

стр. 23

ألبسْتَني ثوبَ الضنى فعَشِقتُهُ ... مَنْ ذا رأى قبلي ضنًى معشوقاً لا قرَّ قَلْبي من مَقَرَّ جوانحي ... إن لم يَطِرْ قلبي إليكَ خفوقاً وبرئتُ من عيني إذا هي لن تَدَعْ ... للدَّمعِ في مجرى الدُّموعِ طريقا بحلاوةِ الإخلاصِ جُدْ لي بالرِّضى ... إنِّي رأيتُكَ بالعِبادِ رفيقا وله أيضاً: قِفا وقفةً بينَ المحصّبِ والحمى ... نصافحْ بأجفانِ العيونِ المغانيا ولا تنسيا أنْ تسألا سَمُرَ اللِّوَى ... متى بات من سُمْرِ الأسنَّةِ عاريا فعهدي به والماءُ ينسابُ فوقَهُ ... سماءٌ وماءُ الوردِ ينسابُ واديا كأنَّ فؤادي في فمِ الليثِ كلّما ... رأيتُ سنا برقِ الحمى أو رآنيا أقامَ على أطلالهمْ ضوءُ بارقٍ ... من الحسنِ لا يُبقي على الأرضِ ساليا سلامٌ على الأحبابِ تحدوه لوعةٌ ... من الشَّوق لم يفقد من البينِ حاديا

стр. 24

ابن غتال أبو الحكم جعفر بن يحيى المعروف بابن غتال من أهل دانية، ولسلفه بها نباهة، وهو القائل: حُبُّكَ لذٌّ بكلِّ معنًى ... إلى كرًى ملتَ أو سهادِ إن كانَ لا بدَّ من منامٍ ... فأضلعي هاكَ عن وسادِ ونمْ على خَفْقِها هُدُوّاً ... كالطفلِ في نَهْنَهِ المهادِ أبو بكر يحيى بن بقي كان أظرف معنًى وألطف ذهناً، حيث يقول: باعدتُهُ عن أضلعٍ تشتاقُهُ ... كي لا ينامَ على وسادٍ خافقِ على أن بعض الأدباء نسبه إلى الجفاء لما قال: " باعدته عن أضلع تشتاقه " ولم يقل: " باعدت عنه أضلعاً تشتاقه "، وهذا تنبيه حسن. وأنشدنا الربيع ابن سالم قال: أنشدنا عبد الرحمن بن محمد بن مغاور، قال: أنشدنا أبو الحكم ابن غتال ارتجالاً في غلام وسيم لسعته نحلة في شفته: إن لَسَعَتْ لَعْسَاءة نحلةٌ ... ولم تَسَعْها رُخْصَةٌ في اللَّمَمْ

стр. 25

عذرتُها إذ أخذَتْ شَهْدَها ... من شفةٍ تشهدُ فيها لفم لا غروَ في النحلِ ويُوحى لها ... أن تلثمَ الزهرَ إذا ما ابتسم ودخل هو وأبو بكر ابن مغاور وصاحبٌ لهما من الأدباء حمام بيار من جهة شاطبة، فصادفوا هواء بارداً فقال ابن مغاور: شَرُفَتْ بحمامِ النوارِ بيار ... فدخانه تَعْشَى به الأبصارُ وقال الآخر: بينا ترومُ في دفئه ... يغشاك قرٌّ ما عليه قرار وقال أبو الحكم بن غتال: لو أن لي فيه عصا موسى على ... آياتها ما فرَّ عنِّي الفار فقال ابن مغاور: هذا على أنك ابن غتال، وهو اسم الهر مصغراً باللسان الأعجمي.

стр. 26

ابن عَلْقَمَة البَلَنْسي أبو محمد عبد الله بن محمد بن الخَلَف الصَدَفي من أهل بلنسية، ويُعرف بابن عَلْقَمَة، وأبوه الكاتبُ أبو عبد الله هو صاحب " تاريخ بَلَنْسية " وكتب أبو محمد هذا للقاضي أبي الحسين ابن عبد العزيز. وفيه يقول أبو العباس ابن العريف الزاهد، رحمه الله تعالى: منْ عجبِ الدَّهرِ وآياته ... سُكَّرَةٌ تُعزَى إلى عَلْقَمَهْ خيفَ عليها العينُ من طِيبِها ... فهي بأضدادِ الكُنَى مُعْلَمَهْ بقيَّةُ المعنى لذي فطنةٍ ... لأنَّها في اللفظ عِلْقٌ وَمَهْ ومن شعر أبي محمد يخاطب الأستاذ أبا عبد الله ابن خَلَصة عقيبَ إبلاله من مرضٍ أُرجِفَ فيه بموتِهِ: نَعَوْك وقاك الله كلَّ مُلمَّةٍ ... وما هو نعيٌ بل مُصَحَّفُهُ بَقْيُ ويَنْعٌ لزهرِ الجسمِ بعد ذُبولِهِ ... وبالضِّدِّ من معناه يبدُو لنا الشيُّ فهذا صحيحُ الزَّجرِ بادٍ دليلُهُ ... وللهِ فينا الحكمُ والأمرُ والنَّهيُ

стр. 27

فجاوبه ابن خَلصة بأبياتٍ منها: لئنْ كنتُ مَنْعِيّاً فما الموتُ وصمةً ... لقد نُعِيَتْ قبلي الرسالةُ والوحيُ ليُغْض عدوٌّ أو ليُظهرْ شماتةً ... فعمَّا قليلٍ يَتبعُ الميِّتَ الحيٌّ

стр. 28

ابن ورد أبو القاسم أحمد بن محمد بن عمر بن ورد التميمي، من أهل المرية. سمعت الحافظ أبا الربيع ابن سالم الكلاعي يقول: سمعت أبا الخطاب ابن الحسن، وهو ابن الجميِّل يقول: سمعت أبا موسى عيسى بن عمران - يعني قاضي الجماعة - يقول: لم يكن بالأندلس مثل أبي القاسم ابن ورد:

стр. 29

ولا أُحاشي من الأقوام من أحد توفي سنة أربعين وخمسمائة وله: سُكنَى الفنادقِ ذُلُّ ... والبيتُ منهُ أذلُّ فإنْ دُفعتَ إليها ... فحُجرةٌ لا أقلُّ وله: كلُّ خِلًّ صحبْتُهُ ... من ذوي المجدِ والعُلى أنا منهُ بواحدٍ ... منْ عَظِيمَيْنِ مُبتلَى باصطبارٍ على الأذى ... أو فراقٍ على القلى واعتبرْ حالَ من دنا ... منهُمُ بالذي عَلا ودعِ النَّاسَ كلّهمْ ... تُعفَ من فادح البَلا غيرَ تَسْليمةِ اللّقا ... والَّذي بعدها فَلا هاكَها من مجرِّبٍ ... فاغتَنِمْها معجِّلا وله في ابنٍ صغير: فلذَةُ كِبْدي أَمَسُّها بيدي ... يقولُ إن حاول الكلام أَغُ لو جمعَ الواصفونَ أن يصفوا ... مقدارَ حبّي لهُ لما بَلَغوا وحدثني أبو الربيع ابن سالم بلفظه ثمَّ بقراءتي عليه، قال: حدثني أبو عبد الله ابن أبي عمر، هو ابن عيّاد، عن أبيه، قال: حدثني أبو بكر بن إبراهيم بن نجاح الواعظ قال: دخلنا على أبي القاسم ابن ورد عائدين له في مرضه، الَّذي توفي فيه، فسألناه عن حاله فأنشد بعدما استند لنفسه: عَشْرُ الثمانينَ وعمرٌ طويلْ ... لم يبقَ للصحبةِ إلاَّ القليلْ لا تحسبوني ثاوياً فيكمُ ... فقدْ دنا الموتُ وآنَ الرَّحيلْ

стр. 30

ابن أبي ركب أبو الطاهر إسماعيل بن مسعود الخُشني ابن أبي رُكَب، من أهل جَيّان. هو عَمّ أبي ذَرّ. من قوله: يقولُ النَّاسُ في مَثَلٍ ... تذكَّرْ غائباً تَرَهْ فما لي لا أرى سَكني ... ولا أنسَى تذكُّرهْ أنشدناه أبو الربيع عن ابن حُميد قال: أنشدناه أبو بكر ابن مسعود لأخيه إسماعيل. وحدثني أبو الربيع بلفظه قال: حدثني أبو الحسين ابن زرقون أن أباه

стр. 31

شيخنا، ﵀ حدَّثه قال: كنَّا يوماً بسَبتة في جُملة من الطلبة، ومعنا أبو الطاهر إسماعيل بن مسعود، وكان أبو الطاهر هذا أديباً شاعراً فاضلاً، فمرَّ بنا رجل صَنَع، وفي يده مِحبرة أبنوس، وقد احتفل في عملها وتأَنق في حِليتها، فأراناها وقال: إن هذه المحبرة أريد أن أقصد بها بعض الكُبراء وأرغب أن تُتِمُّوا لي احتفالي فيها، بأن تصنعوا لي بينكم أبياتَ شعرٍ أدفعها معها، رجاءَ أن يكون ذلك أنجحَ لغرضي منها. قال أبي: فأطرقنا نفكِّرُ في مَطلبه، وبَدَرَنا أبو الطاهر، فقال: وافْتك من عُددِ العُلا زِنجيَّةٌ ... في حُلّةٍ من حِليةٍ تتبخترُ سوداءُ صفراءُ الحليِّ كأنَّها ... ليلٌ تُطرِّزُهُ نجومٌ تَزْهر فسُرَّ الرَّجُل بها وسأل كَتْبَها، فكُتبت له. وانفصل عنَّا شاكراً ما كان من إسعافه. فلم يغبْ عنَّا إلاَّ يسيراً، وإذا به قد عاد إلينا وفي يده قلم نُحاس مُذهَّبٌ، فقال لنا: وهذا مما أعددته للدفع مع هذه المِحبرة، وأُنسيت قبلُ ذِكرَهُ لكم، فتفضَّلوا بإكمال الصنيعة، فبَدَرَ أيضاً أبو الطاهر وقال: حَملتْ بأصفرَ من نِجَارِ حُلِيِّها ... تُخفيهِ أحياناً وحيناً يظهرُ خَرسانُ إلاَّ حين يرضعُ ثَديها ... فتراه يَنْطِقُ ما يشاءُ ويَذْكر وحُكي لي أن أبا الطاهر هذا حضر مع جماعة من أصحابه، فيهم أبو عبد الله ابن زرقون متنزِّهاً في بعض الأعوام، وفي عَقب شعبان منه. فلما تملأوا بالطعام، قال أبو الطاهر لابن زرقون: أجزْ يا أبا عبد الله، فقال: حَمِدْتُ لشعبانَ المُباركِ شَبعةً ... تُسهِّلُ عندي الجُوعَ في رمضانِ كما حَمِدَ الصَّبُّ المُتَيَّمُ زَورةً ... تحمَّل فيها الهجرَ طولَ زمانِ

стр. 32

فقال أبو الطاهر: دَعَوْها بشَعبانيَّة ولوَ انَّهم ... دَعَوْها بشَبْعانيّة لشَفاني وحدثني بهذه الحكاية شيخُنا أبو الربيع، وأنشدني الأبيات لابن زرقون، وقال: " أكلة " مكان " شبعة ".

стр. 33

ابن ولاد أبو بكر محمد وَلاّد من أهل شَلْطيش بغرب الأندلس، ومن شعره: نَطْوي سُبوتاً وآحاداً ونَنْشرها ... ونحن في الطيّ بين السَّبتِ والأحَدِ فعُدَّ ما شئتَ من سبتٍ ومن أحدٍ ... حتَّى تصيرَ مع المدخولِ في العددِ وهذا كما قال أبو بكر ابن دريد في رثاء أبي جعفر الطبري: ما زلتَ تكتبُ في التاريخ مجتهداً ... حتَّى رأيتُكَ في التاريخ مكتوبا وكان لابن ولاد هذا حفيد صغير يتعلم في الكتاب فتغدَّى معه يوماً وقد خبر منه نبلاً وفطنةً، فسأله إجازة قوله: أكَلْنا الخبزَ ... مصبوغاً بزيتِ فقال الصبيّ: غذاءً نافعاً ... في وسط بيتِ فقال ابن ولاد: فلو شيءٌ يردُّ ... الميتَ حيّاً فقال الصبي: لكان الخبزُ يٌح ... يي كلَّ مَيْتِ

стр. 34

وله في علَّةٍ طاولته: ملَّني العائداتُ والعوَّادُ ... وجفاني الكرى فَلَيْلي سُهادُ قد أَلِفْتُ الفراشَ حولاً عليلاً ... وبكبْدي من السَّقام كُبادُ إنَّما الداءُ والدواءُ في الل ... هـ وإن كانَ للطَّبيب اجتهادُ وله مما وُجد بخطّه بعد موته: أرجوك يا ربِّ في سرِّي وفي عَلَني ... إنَّ الرجاءَ إليكَ اليومَ يحملني مَن ذا يونّسني في القبر منفرداً ... إن لم تكنْ أنت يا مولاي تونسني وسوف يضحك خلٌّ قد بكى جزعاً ... بعدي ويسلو الَّذي قد كانَ يندبني ذنبي عظيمٌ ومنك العفوُ ذو عِظَمٍ ... فكيف يا ربِّ من عفوٍ تُخيّبني سمَّيتَ نفسَكَ رحماناً فقد وَثِقَتْ ... نفسي بأنَّك يا رحمانُ ترحمني

стр. 35

التطيلي الأصغر أبو إسحاق إبراهيم بن محمد التُّطَيلي - بضم التاء المثناة من فوق وفتح الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها لام وياء النسبة - الضرير، نشأ بقُرْطُبَة وسكن إشبيلية، وكان يُعرف بالتطيلي الأصغر، واشتهر بالشعر بعد أبي العباس التطيلي الأعمى بزمان يسير، وهو القائل من قصيدةٍ، منها في عماه: يَثْني إلى وطءِ ما يغتاله قَدَماً ... يُهوِي إلى لمسِ ما يعدو عليه يدا يمشي فتحسبُهُ يقضي الصَّلاةَ خطاً ... إذا استوى راكعاً من ركعةٍ سجدا تهوي به قدماه صولَجَيْ لَعِبٍ ... تنزو السِّلامُ كراتٍ عنهما بددا مخالطٌ لبني الدُّنيا مفارقُهُمْ ... قد غابَ عنه من الأشياء ما شهدا شمسُ الظَّهيرةِ أعشتْ كوكَبَيْ بصري ... كذا سنا النّجم في ضوءِ الضّحى خَمَدا إن نازَعَ الدَّهرُ في ثنتَيْنِ من عَدَدي ... فواحدٌ في ضلوعي يبهرُ العَدَدا يَغنى عن الشُّهْبِ في أجفانه مُقَلاً ... مَن كانت الشَّمسُ في أضلاعه خَلدا مَنْ طالَ خُلقاً نَفَى في خَلقه قِصَراً ... لا تَقْدُرِ الجِلْدَ منه واقدُرِ الجَلدا

стр. 36

لا يُدركُ الرمحُ شأوَ السهمِ في غَرَضٍ ... ولو تسلسَلَ فيه لَدْنُهُ مددا لك يكف أنِّي غريبُ الشّخصِ في نَفَري ... حتَّى غدوتُ غريبَ الطّبع متّحدا ومنها: إن تجفُ حمصٌ فتجفو غيرَ ذي رحمٍ ... تعصُّباً فيه إذ مجدا وغاظها أن رأتْ إنجابَ ضَرَّتها ... ومن رأى كرماً في ندِّهِ حقدا فإن نمتني وليداً دارُ قُرْطُبَةٍ ... وأنكرتني وسنّي قد وفى رشدا فعُذْرُها أن أمَّ الليثِ تُرضعُهُ ... شِبلاً وتمنعُ منه دَرَّها أَسدا وهو القائل: أتاك العِذارُ على غرَّةٍ ... وقد كنتَ في غَفلة فانتَبِهْ وقد كنتَ تأبى زكاةَ الجمالِ ... فصار شُجاعاً وطُوّقتَ بهْ ومن شعره: ومعذَّرٍ رقَّتْ له خمرُ الصِّبا ... حيث العِذارُ حبَابُها المترَقْرِقُ ديباجُ حُسنٍ كانَ غُفلاً ناقصاً ... فأتمَّه عَلَمُ الشَّباب المونقُ وشكا الجمالُ مقيله في وَرْده ... فأظلَّهُ آسُ العذار المشرقُ عامت بماء الفضل شامةُ خدِّهِ ... فغدا العذار زُوَيرقاً لا يغرقُ إن كانَ يمحو نَقْشَهُ مِنْ وجهِهِ ... فطُلَى الغزالِ بمسكها تَتَفلَّقُ وله من قصيدة يصف رمحاً: وأسمرَ يضحَى في شُعاعِ سنانِهِ ... وإن كانَ من خفقِ اللواءِ لفي ظلِّ حوَى جُرأَةَ الأعرابِ من سُمرةِ القنا ... وحاز دهاءَ الروم من زُرقةِ النصل

стр. 37

علا نَصْلُهُ للشهبِ فانحطَّ لَدْنُهُ ... إلى القُضْبِ عن فرعٍ يحنُّ إلى الأصلِ يقدِّمُهُ بأسُ الحديد إلى الوغى ... فيعطفُهُ لينُ القضيبِ إلى الدّلِّ ومنها يصف سيفاً: وأبيضَ يحكي الموتَ فعلاً ودقّةً ... فلولا شعاعُ الصَّقْلِ لم يبدُ عنْ نَصْلِ يذيبُ بماء الصقلِ كلَّ مُفاضةٍ ... فما تقعُ الغربانُ إلاَّ على مُهْلِ وقد عجمت دودَ النوائبِ نصلُهُ ... فعضَّتْ وما أبدَتْ سوى أثَرِ النملِ وله يصف قلماً: وأعجمِ الصوتِ قد ألقتْ به العَرَبُ ... أقلُّ شيءٍ لديه الشعرُ والخطبُ يَزْهَى بياناً إذا ما شُقَّ مقولُهُ ... وإذ يقطُّ ففي إفصاحِهِ العجبُ

стр. 38

ابن عطية أبو عبد الله محمد بن علي بن عطية الكاتب، ﵀، من أهل بلنسية، ويُعرف بابن الشواش. كان أبرع أهل عصره خطّاً، والتنافسُ فيما يوجد من وراقته مُتصل إلى اليوم. له يخاطب أبو الحسن ابن الزقّاق مُعترضاً ومختبراً من قصيدة طويلة: يا مُهدياً قِطعاً زانتْ مَعانيها ... ألفاظُها زِينةَ الأسلاكِ للعُنقِ عند امتحانِ الفتَى تبدو حقيقتُه ... أصِدْقَ دعوى أتى أم قَوْلَ مُختلقِ والطِّرْفُ ليست تُرى في القيدِ خِبرته ... حتَّى يَمُرَّ مع الفُرسانِ في طَلَقِ وقد بعثتُ بها غَرَّاءَ حالِيةً ... تَبغي جوابَ معانيها على نَسَقِ فإنْ تُجاوبْ على قلتُه فأنا ... أُقِرُّ أنَّكَ مَعصومٌ من السَّرقِ وأولها: يا زائراً صدَّه عن مضجعي أرقِي ... والصُّبحُ يَفترُّ ثغراً في لَمى الغَسَقِ

стр. 39

الاقليمي أبو عبد الله محمد بن شَبيه - بالشين المعجمة المفتوحة والباء المكسورة بواحدة من أسفلها بعدها ياء باثنتين - الاقليمي الكاتب من إقليم غرناطة، ويلقَّب بالعقرب، وهو القائل يخاطب القاضي أبا محمد ابن سماك، وقد حمل عليه في قضية، فملح ما شاء، أفادني ذلك الحافظ أبو الربيع ابن سالم، وأنشدنيه عن أبي جعفر ابن حكم عنه: للهِ حيٌّ يا أُميمُ حَواكِ ... وحمائمٌ فوقَ الغصونِ حَواكِ غَنَّينَ حتَّى خلتُهنَّ عَنَيْنَني ... بغنائهنَّ فنُحْتُ في مَغْناكِ أذكَرْنني ما كنتُ قد أُنسيتُهُ ... لقديم هذا الدَّهر من شكواكِ أشكُو الزّمانَ إلى الزّمانِ ومَنْ شكا ... نَكَدَ الزّمانِ إلى الزّمانِ فشاكِ شكوايَ بالقاضي إليه وما أرى ... في الجوِّ يشكو عقرب بسماكِ يا ابنَ السماكِ المستقلّ برمحه ... والعُزْلُ ترهبُ ذا السّلاحِ الشَّاكي راعِ الجوارَ فبيننا في جوّنا ... حقُّ السُّرى والسيرِ في الأفلاكِ وابسطْ ليَ الخُلُقَ المشوبَ ببسطةٍ ... ظَرْفَ الكرامِ بعفَّةِ النساكِ وأنا أذكّر لم يفتْ من لم يمتْ ... فدراكِ ثمَّ دراكِ ثمَّ دراكِ

стр. 40

ابن محارب أبو محمد مُحارب بن محمد بن مُحارب: من أهل وادي آش، له يمدح القاضي أبا الفضل عياض بن موسى بن عياض أثناء مقامةٍ من إنشائه: غَدا سَلِسَ القِيادِ فما يُراضُ ... وعَمَّ جَميعَ لِمَّته البَياضُ وأَضحى القلبُ لا تُصيبه هِندٌ ... ولا سلمَى ولا الحَدَقُ المِراضُ ولا يُشْجيه طِيبُ نَسيمِ نَجْدٍ ... ولا تُسليه بالزَّهَرِ الرِّياضُ وإنْ غنَّى الحَمامُ بغُصْنِ أيْكٍ ... فمِن عضِّ الزَّمانِ به عِضَاضُ وقائلةٍ أتكرعُ في ثِمادٍ ... وقد لاحتْ لرائدها الحِياضُ إلى كم ذا تقولُ لكُلِّ خَطْبٍ ... مقالةَ من ألمَّ بها المَخاضُ وتَنقبضُ انقباضَ العَيِّ حتَّى ... أضرَّ بكَ السُّكون والانقباض وَوَجْدُ بني عِياضٍ بالمَعالي ... مَدَى الدُّنيا حديثٌ مُستفاضُ إذا قُصِدوا أثاروا الجُودَ بحراً ... وسالُوا بالمكارم ثمَّ فاضوا فقلتُ لها ومَن منهم عِياذي ... فقالت ذاك سيّدهم عِياض
следующие страницы →