← Тараджим

Тараджим · id 26108

تحفة القادم

ابن الأبار

Полный текст (247 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لا يُدركُ الرمحُ شأوَ السهمِ في غَرَضٍ ... ولو تسلسَلَ فيه لَدْنُهُ مددا لك يكف أنِّي غريبُ الشّخصِ في نَفَري ... حتَّى غدوتُ غريبَ الطّبع متّحدا ومنها: إن تجفُ حمصٌ فتجفو غيرَ ذي رحمٍ ... تعصُّباً فيه إذ مجدا وغاظها أن رأتْ إنجابَ ضَرَّتها ... ومن رأى كرماً في ندِّهِ حقدا فإن نمتني وليداً دارُ قُرْطُبَةٍ ... وأنكرتني وسنّي قد وفى رشدا فعُذْرُها أن أمَّ الليثِ تُرضعُهُ ... شِبلاً وتمنعُ منه دَرَّها أَسدا وهو القائل: أتاك العِذارُ على غرَّةٍ ... وقد كنتَ في غَفلة فانتَبِهْ وقد كنتَ تأبى زكاةَ الجمالِ ... فصار شُجاعاً وطُوّقتَ بهْ ومن شعره: ومعذَّرٍ رقَّتْ له خمرُ الصِّبا ... حيث العِذارُ حبَابُها المترَقْرِقُ ديباجُ حُسنٍ كانَ غُفلاً ناقصاً ... فأتمَّه عَلَمُ الشَّباب المونقُ وشكا الجمالُ مقيله في وَرْده ... فأظلَّهُ آسُ العذار المشرقُ عامت بماء الفضل شامةُ خدِّهِ ... فغدا العذار زُوَيرقاً لا يغرقُ إن كانَ يمحو نَقْشَهُ مِنْ وجهِهِ ... فطُلَى الغزالِ بمسكها تَتَفلَّقُ وله من قصيدة يصف رمحاً: وأسمرَ يضحَى في شُعاعِ سنانِهِ ... وإن كانَ من خفقِ اللواءِ لفي ظلِّ حوَى جُرأَةَ الأعرابِ من سُمرةِ القنا ... وحاز دهاءَ الروم من زُرقةِ النصل

стр. 37

علا نَصْلُهُ للشهبِ فانحطَّ لَدْنُهُ ... إلى القُضْبِ عن فرعٍ يحنُّ إلى الأصلِ يقدِّمُهُ بأسُ الحديد إلى الوغى ... فيعطفُهُ لينُ القضيبِ إلى الدّلِّ ومنها يصف سيفاً: وأبيضَ يحكي الموتَ فعلاً ودقّةً ... فلولا شعاعُ الصَّقْلِ لم يبدُ عنْ نَصْلِ يذيبُ بماء الصقلِ كلَّ مُفاضةٍ ... فما تقعُ الغربانُ إلاَّ على مُهْلِ وقد عجمت دودَ النوائبِ نصلُهُ ... فعضَّتْ وما أبدَتْ سوى أثَرِ النملِ وله يصف قلماً: وأعجمِ الصوتِ قد ألقتْ به العَرَبُ ... أقلُّ شيءٍ لديه الشعرُ والخطبُ يَزْهَى بياناً إذا ما شُقَّ مقولُهُ ... وإذ يقطُّ ففي إفصاحِهِ العجبُ

стр. 38

ابن عطية أبو عبد الله محمد بن علي بن عطية الكاتب، ﵀، من أهل بلنسية، ويُعرف بابن الشواش. كان أبرع أهل عصره خطّاً، والتنافسُ فيما يوجد من وراقته مُتصل إلى اليوم. له يخاطب أبو الحسن ابن الزقّاق مُعترضاً ومختبراً من قصيدة طويلة: يا مُهدياً قِطعاً زانتْ مَعانيها ... ألفاظُها زِينةَ الأسلاكِ للعُنقِ عند امتحانِ الفتَى تبدو حقيقتُه ... أصِدْقَ دعوى أتى أم قَوْلَ مُختلقِ والطِّرْفُ ليست تُرى في القيدِ خِبرته ... حتَّى يَمُرَّ مع الفُرسانِ في طَلَقِ وقد بعثتُ بها غَرَّاءَ حالِيةً ... تَبغي جوابَ معانيها على نَسَقِ فإنْ تُجاوبْ على قلتُه فأنا ... أُقِرُّ أنَّكَ مَعصومٌ من السَّرقِ وأولها: يا زائراً صدَّه عن مضجعي أرقِي ... والصُّبحُ يَفترُّ ثغراً في لَمى الغَسَقِ

стр. 39

الاقليمي أبو عبد الله محمد بن شَبيه - بالشين المعجمة المفتوحة والباء المكسورة بواحدة من أسفلها بعدها ياء باثنتين - الاقليمي الكاتب من إقليم غرناطة، ويلقَّب بالعقرب، وهو القائل يخاطب القاضي أبا محمد ابن سماك، وقد حمل عليه في قضية، فملح ما شاء، أفادني ذلك الحافظ أبو الربيع ابن سالم، وأنشدنيه عن أبي جعفر ابن حكم عنه: للهِ حيٌّ يا أُميمُ حَواكِ ... وحمائمٌ فوقَ الغصونِ حَواكِ غَنَّينَ حتَّى خلتُهنَّ عَنَيْنَني ... بغنائهنَّ فنُحْتُ في مَغْناكِ أذكَرْنني ما كنتُ قد أُنسيتُهُ ... لقديم هذا الدَّهر من شكواكِ أشكُو الزّمانَ إلى الزّمانِ ومَنْ شكا ... نَكَدَ الزّمانِ إلى الزّمانِ فشاكِ شكوايَ بالقاضي إليه وما أرى ... في الجوِّ يشكو عقرب بسماكِ يا ابنَ السماكِ المستقلّ برمحه ... والعُزْلُ ترهبُ ذا السّلاحِ الشَّاكي راعِ الجوارَ فبيننا في جوّنا ... حقُّ السُّرى والسيرِ في الأفلاكِ وابسطْ ليَ الخُلُقَ المشوبَ ببسطةٍ ... ظَرْفَ الكرامِ بعفَّةِ النساكِ وأنا أذكّر لم يفتْ من لم يمتْ ... فدراكِ ثمَّ دراكِ ثمَّ دراكِ

стр. 40

ابن محارب أبو محمد مُحارب بن محمد بن مُحارب: من أهل وادي آش، له يمدح القاضي أبا الفضل عياض بن موسى بن عياض أثناء مقامةٍ من إنشائه: غَدا سَلِسَ القِيادِ فما يُراضُ ... وعَمَّ جَميعَ لِمَّته البَياضُ وأَضحى القلبُ لا تُصيبه هِندٌ ... ولا سلمَى ولا الحَدَقُ المِراضُ ولا يُشْجيه طِيبُ نَسيمِ نَجْدٍ ... ولا تُسليه بالزَّهَرِ الرِّياضُ وإنْ غنَّى الحَمامُ بغُصْنِ أيْكٍ ... فمِن عضِّ الزَّمانِ به عِضَاضُ وقائلةٍ أتكرعُ في ثِمادٍ ... وقد لاحتْ لرائدها الحِياضُ إلى كم ذا تقولُ لكُلِّ خَطْبٍ ... مقالةَ من ألمَّ بها المَخاضُ وتَنقبضُ انقباضَ العَيِّ حتَّى ... أضرَّ بكَ السُّكون والانقباض وَوَجْدُ بني عِياضٍ بالمَعالي ... مَدَى الدُّنيا حديثٌ مُستفاضُ إذا قُصِدوا أثاروا الجُودَ بحراً ... وسالُوا بالمكارم ثمَّ فاضوا فقلتُ لها ومَن منهم عِياذي ... فقالت ذاك سيّدهم عِياض

стр. 41

إمامٌ زانَهُ عِلْمٌ وحِلم ... له بالخُطةِ العُليا انتهاض يُقارضُ من أساء بحُسْنِ صَبرٍ ... وأمرُ الدِّينِ والدُّنيا قِراض ففي الآداب جَدْولُ ماءِ مُزنٍ ... وفي الآراء نَحرٌ لا يُخاض ويُبرمُ ما يَرومُ فليس يُخشَى ... على أمرٍ قد ابرمه مُضاض يَهيم بكُل مَعْلُوةٍ وفَضْلٍ ... كما قد هامَ بالعَلْيا مُضاض ومَن تَعْلَقْ حِبالَ بني عِياضٍ ... يداه فلا يُضامُ ولا يُهاضُ قلت: أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد العزيز الشاطبي صاحبنا بحضرة تونس قال: أنشدنا الإمام تقيّ الدين أبو عمرو ابن الصلاح لنفسه في " مشارق الأنوار " وكان لا يُغبُّ مطالعته والاستفادةَ منه بعد قعوده لإسماع الحديث بالدار الأشرفية بدمشق: مَشارقُ أنوارٍ تبدَّتْ بِسَبتةٍ ... وذا عجبٌ كونُ المَشارِقِ بالغَرْبِ وذكر الأبيات التي أولها: " ظلموا عياضاً " ونسبها إلى عامر المالقي.

стр. 42

الهواري ميمون الهواري من أهل قُرْطُبَة، وأحد القادمين من فقهائها ونبهائها مُرسية غزاةً مع الأمير تميم بن يوسف بن تاشفين، والقاضي أبو الوليد ابن رشد فيهم ومدار أمرهم عليه، ومصرف حكمهم إليه، وكانوا قد نزلوا بظاهرها فلقيهم أبو محمد ابن أبي جعفر هنالك، ودار بينهم في مجتمعهم ذلك ما أفضى إلى التفضيل بين لا إله إلاَّ الله وبين الحمد لله، فغلب أبو الوليد

стр. 43

الهيللة وأبى أبو محمد إلاَّ الحمدلة، فقال ميمون هذا يخاطبه زارياً عليه، وكتب بها إليه: أعِدْ نظراً فيما كتبتَ ولا تكُنْ ... بغير سهامٍ للنضالِ منازعا فدونك تسليمَ العلومِ لأهلها ... وحسبُكَ منها أنْ تكونَ متابعا أخِلْتَ ابنَ رشدٍ كالذين عهدتهمْ ... ومن دونه تلقى الهزبرَ المدافعا فقال أبو جعفر ابن وضاح يراجعه عن ابن أبي جعفر: لعمركَ ما نبَّهْتَ منِّيَ نائماً ... ودونكَ فاسْمَعْها إذا كنتَ سامعا فلو سلمتْ تلك العلومُ لأهلها ... لما كنتَ فيما تدَّعيه منازعا ولو ضمَّنا عندَ التناظرِ مجلسٌ ... سقيناك منها السمَّ لا شكَّ ناقعا

стр. 44

ابن الجائزة أبو زكريا يحيى بن الجائزة من أهل شريش: له وقد استأذن على قاضي بلده، فحجب، وقيل هو جالس مع أبي الأصبغ ابن غراب الفقيه، فكتب إليه: لَعمْرُ أبيكَ ما هذا صوابُ ... يكونُ وزيركَ الأعلى الغرابُ إذا نعب الغرابُ بدارِ قومٍ ... فيوشكُ أن يصاحبها الخرابُ

стр. 45

ابن الأصبغ أبو الحسين محمد بن عبيد الله بن الأصبغ القرشي المرواني: من أهل قُرْطُبَة وسكن شاطبة. أخبرنا به القاضي أبو سليمان ابن حوط الله إذناً قال أنشدني أبو جعفر أحمد بن يوسف بن عياد، قال أنشدني أبي، قال: أنشدني أبو عبد الله الشاطبي لنفسه؛ كذا قال ابن حوط الله، والصواب ما كتب قبل في نسبه وكتبته، ومن خط ابن عياد نقلت ذلك: تثنَّتْ فاسترابَ الخيزرانُ ... وفاهتْ فاستذلَّ الأقحوانُ وأبدت من تثَنّيها فنوناً ... قلوبُ العاشقين لها مكانُ وقالت لا يُباءُ بنا قتيلٌ ... وليس لخائفٍ عندي أمانُ أرى رِضوانَ ملتمساً محلّي ... كأنّ الأرضَ عاد بها الجنان وقالت للغزالة حُسْنُ وجهي ... وثغري يُجتنى منه الجمانُ وقالت عبشميٌّ من قريشٍ ... ولا مال يعين ولا زمان

стр. 46

ابن صبرة أبو مروان وليد بن إسماعيل بن صَبْرة الغافقي: من أهل رُوقة من عَمَل سَرَقُسطة بالثغر الشرقي، وكان فارساً أديباً ذا نظم ونثر، له يفخر، وكان القاضي أبو جعفر ابن عمر مُعجباً بشعره: لَعمرُ أبيك الخير إنِّي لكاتبٌ ... ولكنْ صُدورُ الدَّارعينِ القَراطِسُ أخُطُّ بخَطِّيٍّ وأشكُلُ بالظُّبا ... فيقرؤه الأُميُّ واللَّيلُ دامسُ لئن قالتِ الكُتَّابُ إنِّيَ كاتبٌ ... لقد قالتِ الفُرسانُ إنِّيَ فارسُ وسمعت أبا القاسم ابن حسَّان الكَلبي بداره بإشبيلية يحكي أن ابن صبرة هذا قصد أبا القاسم بن قَسيّ، عند ثورته بغرب الأندلس، ومرَّ في طريقه بقومٍ أنكروه، وسمع بعضهم يقول من هذا؟ فقال يجاوبه بديهاً: إنِّي امرؤ غافقيٌّ ليس لي حَسبٌ ... إلاَّ الأَقبُّ وعسَّالٌ ونَصَّالُ من آلِ صَبْرة قد سمعتَ بهم ... سُحبٌ إذا سُئلُوا أُسْدٌ إذا صالوا وأنشدنا الحافظ أبو الربيع ابن سالم، وكتبتُه من خطه، قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن علي بن قابل، قال: أنشدنا وليد بن سبرة لنفسه، مما يُكتب في قَوس:

стр. 47

تألَّفتُ من عَظمِ وعُودٍ كأنَّني ... هلالٌ وعند النَّزعِ بَدرُ تَمامِ فَبِي تَدْرَكُ الأرْواحُ يومَ كريهةٍ ... إذا بَعُدت عن ذابلٍ وحسامِ وإن رَدَّ عن رُوحٍ حُساماً وذابلاً ... دِلاصٌ فيما تَسطيع ردَّ سِهامي كأنَّ سهامِي لَحْظُ عَفراءَ في الوغَى ... وكُلُّ كَمِيٍّ عُروةُ بن حِزام وهو " ابن سبرة " بالسين بخط أبي الربيع، ونقلته عن ابن حيان بالصاد، وهكذا يوجد بخطه. وله ردٌّ على ابن غَرْسية. ولم أقف على تاريخ وفاته، ولا على وفاة المذكورين قبله إلى أبي القاسم ابن ورد، فإن قدّمتُ وأخرتُ فعن غير قصد.

стр. 48

خزرون أبو المجد خزرون البربري: من أهل إشبيلية؛ له من قصيدة في يحيى بن الحاج من أمراء الملثّمين: هذا النَّسيمُ يهزُّ من زهرِ الرُّبى ... فَمُرِ الحمامةَ يا غضا أن تَنْدُبا أبكى أُوار البَرقِ مُقلةَ دِيمَةٍ ... فاستضحَكَتْ ثَغْرَ الأقاحةِ أشنبا منها: فوَّارَةٌ كالسَّابريةِ نَثْرةً ... سحَّتْ مكانَ السَّمهريَّةِ مِذْنَبا قالوا هي المرآةُ أُخلصَ صَقْلُها ... ولربَّما صَدِئَتْ فكانَ الطُّحلُبا والى الخميلَةِ حيثُ ألقت زَوْرها ... أحوى أظلَّ صِوارَهُ والرَّبربا وكتب في يوم طلٍّ إلى أحد الملثمين وقد مطله بما وصله به وكيلٌ له يعرف بفلُّوس: يا مشبهَ البومِ إلاَّ في تجهُّمِهِ ... أنت المليُّ وجَدّي في المفاليس أنا العقابُ تدلَّتْ من شواهقها ... فكيف تُمسكُ رزقي كفُّ فلّوس وله: مضَى يتلفَّتُ السّحرَ الحلالا ... ويأنفُ أن يقولَ رَنا غزالا وفي خطواتهِ نشواتُ تيهٍ ... تعربدُ في معاطفِهِ دَلالا بذلتُ له الهوَى فنأى مِراراً ... وباعدتُ الكَرى فدنا خيالا

стр. 49

ودونَ الأجرَعَيْنِ مَقيلُ خِشفٍ ... توخَّى الظّلَّ والشَّبِمَ الزُّلالا يناغمُ ظبيةً مُلئتْ حذاراً ... فتحسبُ كلَّ ما وطئت حِبالا

стр. 50

ابن سلام المعافري أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن سلام المعافري: من أهل شاطبة، هو خال شيخنا الحافظ أبي عمرو بن عات، توفي في حدود الخمسين وخمسمائة. له في الثلج: ولم أرَ مثلَ الثلج في حُسن منظرٍ ... تَقَرَّ به عينٌ وتشنَؤُهُ النفسُ فنارٌ بلا نور يضيءُ له سناً ... وقطرٌ بلا ماءٍ يقلّبه اللمس وأصبحَ ثغرُ الأرضِ يفترُّ ضاحكاً ... فقد ذاب خوفاً أن تقبّله الشَّمس وله ارتجالاً في وسيم مرَّ به: بنفسي وإن ضنَّ الحبيبُ بنفسه ... ولم يُبقِ بعضي للفراق على بعضِ رمى مقلتي واعتلَّ لي بجفونِهِ ... وقد رنَّقَتْ في عينه سِنَةُ الغمض وأبدى له الإعراضُ ليتاً مورّداً ... فأبصرتُ غُصْنَ الوردِ في السوسنِ الغض

стр. 51

ابن جحاف أبو محمد عبد الله بن عبيد الرحمن بن جَحَّاف المعافري من أهل بلنسية. من أرباب البيوت القديمة فيها والنَّباهة، وأبوه مسمًى على التصغير وهو والَّذي قبله مذكوران في " التكملة " توفي في صفر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، ومن شعره ورواه أبو عمر ابن عياد عنه: هتَّ البُدور على الغُصون المُيَّسِ ... طَلَعَتْ فكان مَقامُها في الأنفسِ يرفُلْنَ في حللِ الحَرير تأوُّداً ... وقد انتَقَبْنَ براقِعاً مِن سندسِ وإذا مررنَ أثرنَ ما بي من هوًى ... يا حُسنهنَّ وحسنَ ذاك الملبسِ ومنه: يا أيُّها القمرُ الَّذي ... قدْ صرتُ فيه كالسُّهَى أدَمي بخدِّك أمْ جرَى ... ماءُ العقيقِ على المَهَا خُذْ مُهجَتي وهبِ الرِّضَى ... واجعلهُما هاءً وها

стр. 52

ابن قزمان محمد بن عيسى بن عبد الملك بن قُزمان القرطبي المتفرّد بإبداع الزجل، وتوفي سنة أربع وخمسين وخمسمائة، والأمير أبو عبد الله محمد بن سعد إذ ذاك محاصر في قُرْطُبَة؛ فمن قوله: يا رُبَّ يومٍ زارني فيه مَن ... أطلعَ من غرَّتهِ كوكبا ذو شفةٍ لمياءَ معسولةٍ ... ينشعُ من خدَّيه ماءُ الصبَا قلتُ له هَبْ لي بها قُبلةً ... فقال لي مبتسماً مرحبا فذقتُ شيئاً لم أذقْ مثلَهُ ... للهِ ما أحلَى وما أعذبا أسعدني اللهُ بإسعاده ... يا شقوتي يا شقوتي لو أبَى ومن شعره: كثير المال تبذلُهُ فيفنَى ... وقد يبقَى من الذكرِ القليلُ

стр. 53

ومَن غرستْ يداه ثمارَ جُودٍ ... ففي ظلِّ الثناءِ له مقيلُ ومنه: يمسكُ الفارسُ رمحاً بيدٍ ... وأنا أُمسكُ فيها قَصَبَهْ فكِلانا بَطَلٌ في حربه ... إنَّ الأقلامَ رماحُ الكَتَبَهْ ومنه: وعهدي بالشباب وحسنُ قدِّي ... حكى ألِفَ ابن مُقلةَ في الكتَابِ وقد أصبحتُ مُنحنياً كأنِّي ... أُفتِّشُ في الترابِ على شبابي وقال يعتذر ارتجالاً: يا أهل ذا المجلس السَّامي سرادقُهُ ... ما مِلتُ لكنَّني مالتْ بيَ الراحُ فإن أكنْ مُطفئاً مصباحَ بيتكمُ ... فكلّ مَن فيكمُ في البيت مصباحُ وله: خليليَّ ما لي بالتّجلّد حيلة الأبيات المشهورة. ومن أزجال ابن قزمان: أُفني زماني على اختياري ... ونقطع العمر باجتهاد لم يحلُ حسّ الطَّرَبْ بداري ... حتَّى يميلْ راسِ للوساد واحدْ مؤذّنْ سكنْ جواري ... شيخ مليحْ أزهد العباد

стр. 54

إذا طلعْ في السحرْ يَعِظْني ... يقول حيَّ على الفلاحْ يبدّل العودْ سماعَ أُذني ... حيَّ على العشق للملاحْ نهارِ أم ليلِ كانْ مودّي ... لم نخل من شُربِ أو مجونْ لمَّا يكون الحبيب عندي ... ليس نعرف النَّوم إيش يكونْ وانا هو شيخ الخلاعَه وحدي ... نسهَرْ إذا نامت العيونْ وليلة الهجر تفتقِدْني ... إذا طلعْ كوكب الصَّباحْ لا شكَّ بين الغصونْ تَجِدْني ... نعلّم القُمرِي النواحْ لأيْ سببْ قُلِّيَ انتَ غضبانْ ... إيش اخبروكْ عنِّي من قبيحْ أكثَرْ نحبَّكْ من كلِّ إنسانْ ... ونكتم السرّ ما نبيحْ إيَّاكَ أن تبتلى بهجرانْ ... تذوق ما ذقتُ يا مليحْ من الجفا والصدودْ أَجِرْني ... فقال مَن يعشق الملاحْ يكونْ أخا ذلَّةٍ وحُزنِ ... فقلت زدني فلا براحْ

стр. 55

ابن سيد الجراوي أبو العباس أحمد بن الحسن بن سيد الجُراوي - بالجيم والراء وبعدها ألف وواو - الأستاذ من أّهل مالقة وليس باللص وإنَّما توافقا في الاسم والكنية والنسب، ذاك من أهل إشبيلية وهو كنانيّ النسب، وكلاهما أقرأ الأدب والعربية، تقدمت وفاة المالقي منهما، وغلط أبو بحر صفوان بن إدريس في كنية الإشبيلي منهما عند ذكره في كتاب " زاد المسافر " وقد ذكرتُهما جميعاً في كتاب " التكملة ". ومن قوله: وبينَ ضلوعي للصبابةِ لوعةٌ ... بحُكْمِ الهوَى تقضي عليَّ ولا أَقضي جَنى ناظري منها على القلبِ ما جنى ... فيا مَن رأى بعضاً يعين على بعضِ وأورد له أيضاً: لمَّا رأيتُك عينَ الزّمانِ ... وأنَّ إليكَ تُحثُّ الخطا

стр. 56

بكرتُ إليك بكورَ الغرابِ ... ورُحتُ عليك رواحَ القَطا هكذا أُنشد الأول على الخَرْم وعيوب الشعر الجائزة للعرب لا تجوز للمُحدَثين ومَن احتجّ بهم عندي ليس بمصيب، على أنَّه وقع في شعر حبيب: هُنَّ عوادي يوسفٍ وصواحبُهْ وقرأتُ لعباس بن ناصح الأندلسي في ديوان شعره: إنَّك بالصبر لا تُوبَنُ ... وفي الجَزَع الخلقُ الأشْيَنُ ووافقهما أبو الطيب في قوله: لا يُحزِن الله الأميرَ فإنَّني ... لآخذُ من حالاتِهِ بنصيبِ وحسبنا اليوم القبول، إذا نقَّحنا وجوَّدنا ما نقول. ولابن سيد المالقي ما قاله في جريح بسهم: حَسَدَتْكَ نُشَّابُ القسيِّ لأنْ رأتْ ... عينيك أمضَى في الإصابةِ مقصدا فجنَتْ عليك ويا لها ممَّا جنَتْ ... لهفي عليك فكَم خشيتُ الحُسَّدا

стр. 57

ابن سكن أبو بكر بن سَكَن: من أهلِ شِلْب، لم أقف على اسمه؛ له من قصيدة يمدح: أخجلتَ الشَّمسَ لدى الحَمَلِ ... وَسَمَتْ قَدماك على زُحَلِ وكسفتَ الشُّهْبَ بنيِّرةٍ ... من شهبِ ظُباً بذُرى الأَسل أحرقتَ عُداتكَ إذ مَردوا ... من لمعِ شِفارِكَ بالشُّعَل سجدتْ في الأرضِ رُءوسهمُ ... بظُبا الأسيافِ على عجلِ لزموا تقبيلَ الأثلَبِ إذ ... أخْلَوْا يُمناك من القُبَلِ كُحِلْتَ بمراوِدِ سُمْركمُ ... حَلَقُ الماذيَّةِ كالمقلِ وجنتْ راحاتُ بنُودِكُمُ ... لحَفيظتكم ثَمَر القُلَل قَبضت بأناملَ من عَذَبٍ ... وسَطَتْ بشَبا ظُفُرٍ عَصِل ولا أحسن إشارة، ولا أبين عبارة، لمن أراد الكلام على هذه العروض من قول شيخنا أبي الحسن علي بن محمد بن حريق في قصيدة فريدة أنشدنيها وقرأتها عليه، وكان ممدوحه بها قد قال له، لما علم أنَّه

стр. 58

ما استعمل في ذلك مِقْوَلَة: خُذ في الأشعار على الخَبَب ... فقصُورك عنه من العَجِب هذا وبنُو الآداب قضَوْا ... لك بالعلْياءِ من الرُّتب فقال: أَبُعَيْدَ الشَّيبِ هوًى وصِبَا ... كلا لا لهوَ ولا لَعبَا ومنها: ذَرَتِ السِّتون بُرادَتها ... في مسكِ عِذارِك فاشتهبَا فخُذن في شُكرِ الكَبرةِ ما ... جاءَ الإصباحُ وما ذَهَبا فيها أحرزت مَعارف ما ... أبليتَ لجدّته الحِقَبا والخمرُ إذا عَتِقت وُصفت ... أغلى ثمناً منها عِنَبا وبقيّة عمرِ المرءِ له ... إن كانَ بها طبّاً دَرِبا يَبني فيها بإنابته ... ما هدَّمه أيامَ صِبا ويُنبّه عَين تُقًى هَجعت ... ويُعمِّر بيتَ حِجًى خَربا ويُحبِّر فيها الشِّعر على ... وزنٍ هَزِج يُدعَى الخَببا وَحْشٍ في العُرب منازلُهُ ... مجهولِ الأصلِ إذا نُسبا سَهل التقطيع ولكنْ لم ... يُنْطِقْ باريكَ به العَربا نَكِرتْه فلم يَضربْ وَتِداً ... في الحيِّ ولم يَمدُد سَببا وقلت أنا من قصيدة أمدح فيها الأمير أبا زكريا:

стр. 59

قامتْ بالحقِّ خلافتُه ... يتقلَّدُهُ ويُقلِّدُه وأتى والدينُ إلى تَلَفٍ ... فتَلافَى الدينَ يُجدِّده ما أَوقده العُدوان غدا ... يُطفيه العدلُ ويُخمده وكأنَّ عِداه وصارمَه ... ليلٌ والصُّبحُ يُبدِّده قُبضتْ أيدي الكُفَّارِ به ... لما بُسطت فيهم يدُه ولابن سكن في حَبّ المُلوك وأحسنَ ما شاء: ودَوحٍ تَهَدَّلَ أغصانُهُ ... رَعى الطَّرفَ من حُسنه ما اشتهَى فما احمرَّ منه فُصوصُ العقي ... قِ وما اسودَّ منه عُيونُ المَها وقد قال فيه أبو عمر أحمد بن عبد الله بن حربون، وأهداه: خذوا باكورةَ الثمرِ الغريبِ ... تُحدِّثكم عن الألمى الشنيبِ وما حَبُّ الملوك بعثتُ لكنْ ... بعثتُ إليكمُ حَبّ القلوب وحكى بعض الأدباء أن ابن سكن هذا كان بمجلس أُنس على نهر شِلْب بالجسر بحيث ينصبُّ النَّهر السلسال في البحر العجَّاج، وينساب العذب الزلال في الملح الأُجاج، وقد تعرَّضتْ هناك إحدى الجواري لجواز الجسر، وذكَّرته عيونَ المها بين الرُّصافة والجسر، فلما بصُرتْ به رجعت عن وجهها، وسترت ما ظهر من محاسن وجهها، فقال: وعقيلةٍ لاحتْ بشاطئِ نهرها ... كالشَّمس طالعةً لدى آفاقِها فكأنَّها بلقيسُ وافت صَرْحَها ... لو أنَّها كشفتْ لنا عن ساقها

стр. 60

حوريةٌ قمريةٌ بدويّةٌ ... ليس الجفا والصدُّ من أخلاقها ثمَّ لقي أبا بكر ابن المُنَخَّل فأنشده الأبيات فقال في ذلك: ما ضرَّها وهي الجمالُ بأسرِهِ ... لو أنَّها زُفَّت إلى عُشَّاقها

стр. 61

ابن الشوّاش المغربيّ أبو الوليد إسماعيل بن عمر الأستاذ المعروف بالشوّاش - بشينين معجمتين والواو مشدّدة بعدها ألف - من أهل شِلْب، وفي طبقة أبي بكر ابن المنخل وأبي عمر ابن حربون، وكان من القادمين من أهل بلده على سلا مهنِّئين بالبيعة المنعقدة ليلة العاشر من جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. ومن شعره في بيعة الأمير محمد بمراكش سنة سبع وأربعين وخمسمائة: أهاب به داعي الحياةِ مثوِّبا ... فبادره واستنجد الرِّيحَ مركبا وأزمعَ يقتادُ الهوَى في مراده ... وينحو سحابَ الخير حيث تسحّبا بحيثُ غمامُ السعدِ ينشأُ حافلاً ... فيهمُلُ دفّاقاً وينهلُّ صيِّبا وتنبعث الأنوارُ من مَطلع الرضى ... فتوضِحُ للحيران نهجاً ومذهبا منها: أقول لوَفْدِ الخيرِ إذ جدَّ جِدُّهم ... وقد جُشِّموا الأهواءَ شأواً مغرِّبا وشرّفهم قصدُ الإمام فجرّروا ... على عاتقِ الجَوْزاءِ ذيلاً مسحَّبا هُدًى لمطاياكم فإنَّ سبيلها ... أبرُّ مقصداً وتطلُّبا

стр. 62

سيبدو لكم عن سيركمْ عَلَمُ الهدى ... ويوري لكم زَنْدُ السعادةِ مثقبا منها: أرى جبلاً من رحمة الله خاشعاً ... يخفُّ له رَضْوَى إذا عقَد الحُبا تصوَّرَ شخصاً رُكِّب البأسُ والنّدَى ... صريحين فيه للعلا فتركّبا فلولا ندًى في راحتيه تلهّبا ... ولولا استعارُ النَّاس فيه تسرّبا

стр. 63

ابن الصقر أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن الصقر الأنصاري الخزرجي، أصله من سرقسطة، انتقل جد أبيه منها فسكن بلنسية وولد بها أبوه عبد الرحمن وولد أبو العباس هذا بالمريّة في آخر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وكان من أكابر الطلبة، وولي القضاء بإشبيلية وتوفي بمراكش في جمادى الأولى سنة تسع وستين وخمسمائة، وهو القائل: للهِ إخوانٌ تناءتْ دارهُم ... حفظوا الودادَ على النَّوى أو خانوا يُهدي لنا طيبَ الثناءِ ودادُهمْ ... كالندِّ يُهدي الطيبَ وهو دخان وله في الحضِّ على السياسة والمداراة: أرضِ العدوَّ بظاهرٍ متصنّعِ ... إن كنت مضطراً إلى استرضائِهِ كمْ من فتًى بوجهٍ باسمٍ ... وجوانحي تنقدُّ من بغضائِهِ

стр. 64

ابن أبي رَوْح أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي رَوْح، من أهل الجزيرة الخضراء، ورحل عنها إلى المشرق سنة سبعين وخمسمائة أو نحوها ولم يعُد إليها، فقال يتشوَّقها أنشدني ذلك له الأستاذ أبو عبد الله ابن هشام وغيره: أُعلِّلُ يا خضراءُ نفسيَ بالمُنَى ... وأقنعُ إنْ هبَّتْ رياحُكِ بالشَّمِّ إذا غبتِ عن عَيْني يغيبُ مَنامُها ... وكيف ينامُ اللَّيلَ ذو الوجدِ والهَمِّ تذكَّرتُ مَنْ فيها ففاضتْ مَدامعي ... فللَّهِ مَن فيها من الخالِ والعمِّ أَحنُّ إلى الخضراءِ من كلِّ موطنٍ ... حنينَ مَشُوقٍ للعناقِ وللضَّمِّ وما ذاكَ إلاَّ أنَّ جسْمي رَضيعُها ... ولا بدَّ مِن شوقِ الرَّضيع إلى الأُمِّ وله: إذا بلغتَ الحمى أو واديَ العَسَلِ ... فقفْ قليلاً به يا حاديَ الإبلِ وقلْ لقاتلتي ظلماً بلا قَوَدٍ ... هلاَّ رحمتِ قتيلَ الأعينِ النجلِ وفي هذا الوادي يقول الرصافي: كم بين شطيك من ريٍّ لجانحةٍ ... ذابتْ عليكَ صدًى يا واديَ العسلِ وما دعاها إلى وادٍ سواكَ ظماً ... إلاَّ تبيّنُ فيها فترةُ الكسلِ

стр. 65

ابن سعد الخير أبو الحسن عليّ بن إبراهيم بن محمد بن سعد الخير الأنصاري، الأستاذ من أهل بلنسية: وكان على تقدُّمه في العربية وتفنُّنه في الآداب منسوباً إلى غفلة تَغلب عليه. وله رسائل بديعة وتواليف، منها: " كتاب الحلل في شرح الجمل " ابتدأه من حيث انتهى البطليوسي، وكتاب " جذوة البيان وفريدة العِقيان "، وكتاب " القرط "، وغير ذلك. وتوفي بإشبيلية في أوائل ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. ومن شعره ونقلتُه من خطه: ألا سائِلِ الرُّكبانَ هل ظلَّ لَعلَعٌ ... كما كانَ مَطلولَ الأصائل سَجْسجا وهل وَردوا ماءَ العُذَيب مَناهلاً ... إذا صافحتْ كفُّ النَّسيم تَأَرّجا وعن حَرَجاتِ الحيّ ما لي وما لها ... تُجدِّد لي شوقاً إذا الرَّكْبُ عَرَّجا وعن أثلاثِ الجِزْع هل حال ظِلُّها ... وهل تَخِذتْ ريحُ الصَّبا فيه مَدْرجا

стр. 66

لئن ظَمِئت نفسي إليها فطالما ... وردتُ بمَغناهنَّ أشنبَ أفْلجا بحيثُ يَشِفُّ السِّترُ عن ماءِ مبسِمٍ ... أرى بابَ صَبري عن أبهمَ مُرْتجا ركبتُ الهوَى عُرْيَ السَّراة وربَّما ... ركبتُ إلى الهيجاءِ أدهمَ مُسْرَجا فيا رُبَّ يومٍ قد صَلِيتُ بحرِّهِ ... تراه بنارِ المُرْهفاتِ مُؤَجَّجا غدوتُ وجفنُ الشَّمس بالنُّور أزرق ... فغادرتُه بالنَّقع أرمدَ أدْعجا سقيتُ العَوالي بالنَّجيع فنوَّرت ... بَهاراً يُرى عند الطِّعان بَنَفْسجا وله: بأبي من بني الملوكِ غَريرٌ ... قد تردَّيتُ فيه بُرْدَ التَّصابي ضاعفتْ حُسنَه ضفيرةُ شَعرٍ ... هي منه طِرازُ بُرْدِ الشَّباب تتلوَّى على الرِّداءِ مِراحاً ... كحَبابٍ ينسابُ فوقَ حَباب وله في هذا وقد لبس ثياباً حمراء وبعينيه رَمد: ومُهَفْهفٍ يجري بصفحةِ خدِّه ... ولَماهُ من ماءِ الحياةِ عُبابُهُ وما زالَ يَهتكُ باللِّحاظِ قلوبَنا ... حتَّى تضرَّج طَرفُهُ وثِيابُهُ فبدا بحُمرةِ ذا وحُمرةِ هذه ... كالسَّيفِ يَدْمَى حدُّهُ وقِرابُهُ وله في سحابة: وساريةٍ سَحبتْ ذيلَها ... وهزَّت على الأُفقِ أعطافَها تُسَلُّ البُروق بأَرجائها ... كما سلَّتِ الزَّنجُ أسيافَها وله في رُمانة مفتّحة، وأنشدنيه له صاحب الأحكام أبو الحسن ابن أبي الفتح: وساكنةٍ من ظِلال الغصونِ ... بخِدْرٍ تَروقك أفنانُهُ

стр. 67

تُضاحكُ أترابَها فيه لمَّ ... اغدا الجوُّ تدمع أجفانه كما فَتح الليثُ فاه وقد ... تضرَّجَ بالدَّمِ أسنانه وله في حَفلة كِنَاز اصطفَّت بها جُملة غُربان: ومُخضرَّةِ الأرجاءِ قد طلَّها النّدَى ... وقابلها أنفُ الصَّبا بتنفُّسِ تبدَّتْ بها الغِربانُ سطراً كما بدتْ ... ضفيرةُ شَعرٍ فوقَ بُردةِ سُندسِ وأنشدنا له القاضي أبو الخطّاب والأستاذ في الحساب والفرائض أبو عبد الله ابن نعمان البكري عنه يصفُ دُولاباً: للهِ دولابٌ يَفيض بسَلسلٍ ... في روضةٍ قد أينعت أفنانَا قد طارَحَتْه بها الحمائمُ شَجوها ... فيُجيبها ويُرجِّعُ الألحانا فكأنَّه دَنِفٌ يَدورُ بمعهدٍ ... يبكي ويسألُ فيه عمَّنْ بانا ضاقت مَجاري طرفه عن دمعِهِ ... فتفتَّحت أضلاعه أجفانا

стр. 68

ابن هرودس أبو الحكم إبراهيم بن علي بن هَرَوْدَس - بفتح الهاء والراء وسكون الواو وفتح الدال المهملة وفي آخره سين مهملة - الأنصاري الكاتب من أهل حصن مَرْشانة من عمل المريّة، وسكن مالقة وتوفي بمراكش في الطاعون الواقع بها في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وأخبرنا أبو القاسم ابن بقي قال: أنشدنا الكاتب أبو الحكم ابن هرودس لنفسه: أَإِبراهيمُ إنَّ الموتَ آتِ ... وأنت من الغواية في سباتِ رجاؤك مثلُ ظلِّ الرمحِ طولاً ... وعمرُكَ مثلُ إبهامِ القطاةِ

стр. 69

النجار الكاتب أبو الحسن علي بن زيد النجار الكاتب من أهل إشبيلية، كتب للسلطان بعد وفاة أبي الحسن عبد الملك بن عياش سنة ثمان وستين وخمسمائة، وعاجلته منيته فتوفي بمراكش في الطاعون وفي صفر من سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، المذكورة قبلُ؛ من شعره: تغارُ بها الشَّمسُ في من يَغارُ ... ويعشقها البدرُ في من عشقْ ترى الفرعَ في موج أردافها ... وقد كاد يغرقُ أو قد غرقْ وتبصر قِلَّةَ حظِّ الوشاحِ ... منها فتعذرُهُ في القلق تُساقطُ لفظاً نثيرَ الجمان ... وتبسمُ عن مثله متَّسق وتهديكَ أنفاسَ ريحانةٍ ... تنفَّسَ عنها صديعُ الفلق وتُظلمُ من فرعها في الصَّباح ... وتصبحُ من وجهها في الغسق ومنه يرثي: أما تشتفي منِّي صروفُ زماني ... وهلاَّ كفى الأيَّامَ أنيَ فانِ وحسبُ المنايا أنْ خلعتُ شبيبتي ... ولولا حذاريها خلعتُ عناني فغيَّضْتُ أمواهَ الدُّموع بمقلتي ... وأخمدتُ نيرانَ الجوى بجناني

стр. 70

ونزَّهتُ عن سمع القيانِ مسامعي ... وقدستُ عن بنيِ الدنان بناني فأَشرق عُذْري للنهى فعذرنني ... وأظلم في عيني الصّبا فلحاني ولم تقنعِ الأيَّامُ حتَّى رمينني ... بعرضِ شمامٍ أو بركنِ أبانِ فطارَ فؤادُ البرقِ يحكي جوانحي ... وأرسل عينيه الحيا فبكاني ومنها: بدا ليَ أن الدَّهرَ ليس مُصَرِّداً ... كؤوسَ الرَّدى أو يشربَ الملوانِ وأبصرتُ ما بينَ المصارعِ مصرعي ... سريعاً رماني الدَّهر أو متواني

стр. 71

الرفاء الرصافي أبو عبد الله محمد بن غالب الرفاء الرصافي، من رصافة بلنسية، وسكن مالقة، وكان شاعر عصره، مع عدم الانتجاع بشعره، واقتصر على التعيش من صناعته، وأمداحه قليلة، وكان في قصائده كثيراً ما يذكر شوقه إلى معاهده فيأتي بما يعجب ويعجز، وعرف بعزوف النفس، فصار الأكابر يجزلون منه ويخطبون مدحه، وهو بصناعته مشتغل، إلى أن توفي بمالقة في رمضان سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وشعره مدون يتنافس فيه ولم يتزوج، روى عنه أبو علي ابن كسرى المالقي وأبو الحسين ابن جبير. فمن قوله في قصيدة يراجع أبا الحسن ابن لبال الشريشي: على أنَّني لا أرتضي الشعرَ خطّةً ... ولو صُيّرتْ خضراً مسارحيَ الغبرا كفى ضَيعَةً بالشعر أنْ لستُ جالباً ... إليَّ به نفعاً ولا دافعاً ضُرّا يقول أناسٌ لو رفعتَ قصيدةً ... لأدركتَ حتماً في الزّمانِ بها أمرا ومن دون هذا غَيْرةٌ جاهليَّةٌ ... وإن هي لم تلزمْ فقد تلزمُ الحرَّا ألم يأتهم أنِّي وأدت بحكمها ... بُنَيَّاتِ صدري قبل أن تبرحَ الصدرا

стр. 72

وله وقد قتل إنسان اسمه يوسف: يا وردةً جادتْ بها يدُ مُتحفي ... فَهَمَى لها دمعي وهاج تأسُّفي حمراءُ عاطرةُ النسيم كأنَّها ... من خدِّ مقتبَلِ الشَّبيبةِ مُترفِ عرضتْ تُذكّرني دماً من صاحبٍ ... شربتْ به الدُّنيا سلافةَ قرقفِ فلثمتُها شغفاً وقلتُ لعبرتي ... هي ما تمجُّ الأرضُ من دمِ يوسفِ وله في يوسف أيضاً: لا تسلْ بعد قتلِ يوسفَ عنِّي ... ففؤادي مثلَّمٌ كسلاحِهْ لو تأملتَ مقلتي يومَ أودى ... خلتَني باكياً ببعضِ جراحهْ ومن قوله في نائمٍ تحبَّبَ العرقُ على وجهه: ومهفهفٍ كالغصنِ إلاَّ أنَّه ... سلب التثنّي النَّومَ عن أثنائِهِ أضحى ينامُ وقد تحبَّبَ خدُّهُ ... عَرَقاً فقلت الوردُ رُشَّ بمائِهِ وقال، وهي في موسى بن رزق: وعشيةٍ لبستْ رداءَ شحوبها ... والغيمُ بالجوِّ الرقيق مقنَّعُ بلغتْ بنا أمَدَ السُّرور تألفاً ... واللَّيلُ نحو فراقنا يتطلعُ فابلل بها رمقَ الغَبوق فقد أتَى ... من دونِ قُرْصِ الشَّمسِ ما يُتَوَقَّعُ سقطت ولم يملك نديمك ردَّها ... فوددتُ يا موسى لَوَ أنَّك يوشع

стр. 73

وله من جملة قصيدة: لو جئتَ نار الهُدى من جانب الطورِ ... قبستَ ما شئتَ من علمٍ ومن نورِ من كلِّ زهراءَ لم تُرفعْ ذوائبها ... ليلاً لسارٍ ولم تُشْبَبْ لمقرورِ نورٌ طوى الله زندَ الكونِ منه على ... سقطٍ إلى زمنِ المهديِّ مذخورِ ومنه أيضاً: مرأى عليه اجتماعٌ للنفوسِ كما ... تشبّثتْ بلذيذِ العيش أجفانُ للعين والقلب في إقباله أملٌ ... كأنَّه للشَّباب الغضِّ ريعانُ وله من أبيات قالها في حائك: غزيّلٌ لم تزلْ في الغزل جائلةً ... بنانُهُ جَوَلان الفكرِ في الغَزَلِ جَذْلان تلعبُ بالمحواكِ أنمُلُه ... على السّدَى لعبَ الأيَّامِ بالدُّوَلِ ما إن يَني تعبَ الأطرافِ مشتغلاً ... أفديه من تعبِ الأطرافِ مشتغلِ جذباً بكفَّيْه أو فحصاً بأرجلُه ... تَخبُّطَ الظبي في أشراكِ مُحتبلِ وله من قصيدة يصف نهراً نضب ماؤه: فتوالتِ الأمحالُ تنقصُهُ ... حتَّى غدا كذؤابةِ النجمِ وله يصف نهراً ألقت عليه ظلها دوحة وهي فيه: ومهدَّل الشطَّين تحسِبُ أنَّه ... متسيِّلٌ من دُرّةٍ لصفائِهِ فاءتْ عليه مع العشيَّةِ سَرحةٌ ... صَدِئتْ لفيئتها صحيفةُ مائِهِ فتراه أزرقَ في غلالةِ حُمرةٍ ... كالدارع استلقى بظلِّ لوائِهِ

стр. 74

كثر التولع بهذه الأبيات عام أحد وأربعين وستمائة، فأنشدني في ذاك لنفسه الخطيب أبو القاسم بن معاوية اليحصبي صاحبنا، واسمه كنيته، ويكنى أبا الفضل: وبحرٍ طافح الشطَّين صافٍ ... نأَى عرضاه في عرضٍ وطولِ تُوافيه الجداولُ وهْي حَسْرَى ... فتشكو بثَّها شكوَى العليلِ كأنَّ الموجَ في عبرَيْه ترسٌ ... تُذهِّب مَتْنهُ كفُّ الأصيلِ تفيءُ عليه دائحةٌ حسانٌ ... فتُؤوِيَه إلى ظلٍّ ظليلِ كأنَّ مكانَ فيءِ الظلِّ منه ... مكانُ اللمسِ من سيفٍ صقيلِ وللخطيب أبي القاسم أيضاً: ويومٍ عكفنا طولَه نجتني المُنَى ... بأعذبِ نهرٍ في ألذِّ نهارِ لدى ربوةٍ غنَّاءَ طيبةِ الثرى ... وذات معين سائح وقرار على رفرف خضر بسطن لدوحة ... وَرُدِّينَ من أمثالها بازار فجَدْوَلُه في سرحةِ الماءِ مُنصُلٌ ... ولكنَّه في الجزعِ عطفُ سوارِ وأمواجه أردافُ غيدٍ نواعمٍ ... يُلَفَّعنَ بالآصال رَيْطَ نُضارِ إذا قابلتْهُ الشَّمسُ أذكاه نورها ... فبُدِّلَ منه الماءُ جذوةَ نارِ يفيءُ عليه الدوحُ ظلاًّ مضاعَفاً ... فيرجعُ منه بدره لسرارِ كأنَّ مكانَ الظلّ صفحةُ وجنةٍ ... أظلَّتْ عليها خضرةٌ لعذارِ أو البكر حاذتْ بالسَّجَنْجَل خدَّها ... وقد سترتْ من بعضه بخمارِ وقلت أنا: ونهرٍ كما ذابت سبائكُ فضَّةٍ ... حكى بمحانيه انعطافَ الأراقمِ إذا الشفقُ استولى عليه احمرارُهُ ... تبدَّى خضيباً مثلَ دامي الصوارمِ

стр. 75

وتحسبُهُ سُنَّتْ عليه مُفاضةٌ ... لأن هاب هبَّاتِ الرياحِ النواسمِ وتُطلِعه من دُكْنةٍ بعد زُرْقَةٍ ... ظلالٌ لأدواحٍ عليه نواعمِ كما انفجرَ الفجرُ المُطلُّ على الدُّجى ... ومن دونه في الأُفقِ سُحْمُ الغمائمِ وقلت أيضاً: سقياً لروض رُدْتُهُ رأدَ الضُّحى ... وحمامُهُ طرباً يناغي البلبلا شتَّى محاسنُهُ فمن زَهَرٍ على ... نَهَرٍ تسلَّلَ كالحبابِ تسلُّلا وكأنَّما حميَ الربيع لقطفه ... فاستلَّ منه يذود عنه منصلا غربتْ به شمسُ الظهيرة لا تَني ... إحراقَ صفحتِه لهيباً مُشعلا حتَّى كساه الدوحُ من أفنانِهِ ... بُرداً يمزَّقُ في الأصائلِ هلهلا فكأنَّما لمعُ الظلال بمَتْنه ... قِطَعُ الدماءِ جمدنَ حين تحلَّلا وقلت أيضاً: غازلتُ في شطَّيه أب ... كارَ المُنى عصرَ الشبابِ فالظلُّ يبدو فوقه ... كالخالِ في خدِّ الكَعابِ لا بل أدار عليه خو ... فَ الشَّمسِ منه كالنِّقابِ مثل المجرَّة جرَّ في ... ها ذيلَه جونُ السَّحابِ
следующие страницы →