← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 26140

الحجة في القراءات السبع

ابن خالويه

Полный текст (378 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قوله تعالى: لَمَّا صَبَرُوا «١» يقرأ بفتح اللام والتشديد، وبكسرها والتخفيف. فالحجة لمن شدّد: أنه أراد: حين صبروا ووقت صبروا. ودليله قولك: (ولّاك السّلطان لما صبرت). والحجة لمن خفف أنه أراد: لصبرهم، لأنه جعل (ما) مع صلتها بمعنى المصدر، و (ما) في قراءة من شدّد في موضع نصب على الظرف. ومن سورة الأحزاب قوله تعالى: بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً «٢» يقرأ بالياء والتاء. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه أتبع آخر الكلام أوله، ودليله قوله: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ «٣» إن الله كان بما يعملون خبيرا. والحجة لمن قرأه بالتاء: أنه جعله خطابا من الرّسول ﵇ لهم في حال الحضور. قوله تعالى: اللَّائِي «٤» يقرأ بهمزة مكسورة من غير ياء، وبكسرة الياء من غير همز ولا إتمام ياء، وبهمزة مكسورة ممدودة. وهذه كلها لغات في جمع (التي). فالحجة لمن همز وكسر من عير ياء: أنه اجتزأ بالهمزة من الياء. والحجة لمن كسر من غير همز ولا ياء: أنه خفف الاسم، وجمع بين ساكنين. وسهل ذلك عليه أن الأول حرف مدّ ولين، فالمدّ الذي فيه يقوم مقام الحركة. والحجة لمن همز ومدّ: أنه أتى بالكلمة على أصل ما وجب لها. قوله تعالى: تُظاهِرُونَ «٥» يقرأ بإثبات الألف وتشديد الظاء، وبالتخفيف مع فتح التاء وضمها، وبحذف الألف وتشديد الظاء. فالحجة لمن شدّد: أنه أراد: تتظاهرون فأسكن التاء الثانية، وأدغمها في الظاء فشدّد لذلك. والحجة لمن خفف وضم التاء: أنه أخذه من (ظاهر) ثم (تظاهرون) .. ولمن فتح: أنه أراد: (تتظاهرون) فأسقط إحدى التاءين. وقد ذكر الخلف في أيهما الساقط «٦» والحجة لمن حذف الألف وشدّد الظاء: أنه أخذه من (تظّهّر)، ثم تتظهّرون، فأسكن التاء وأدغمها في الظاء فشددها. وبقيت

стр. 282

الهاء على ما كانت عليه من التشديد. ومعناه: أن الرجل كان في الجاهلية إذا قال لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي حرمت عليه. فجعل الله فيها على المسلم الكفّارة. قوله تعالى: الظُّنُونَا «١» والرَّسُولَا «٢» والسَّبِيلَا «٣» يقرأن بإثبات الألف وصلا ووقفا، وبحذفها وصلا ووقفا، وبإثباتها وقفا وطرحها وصلا. فالحجة لمن أثبتها وصلا ووقفا: أنه اتبع خط المصحف، لأنها ثابتة في السّواد، وهي مع ذلك مشاكلة لما قبلها من رءوس الآي. وهذه الألفات تسمى في رءوس أبيات الشعر قوافي، وترنّما وخروجا «٤». والحجة لمن طرحها: أن هذه الألف إنما تثبت عوضا من التنوين في الوقف، ولا تنوين مع الألف واللام في وصل ولا وقف. والحجة لمن أثبتها وقفا وحذفها وصلا: أنه اتبع الخطّ في الوقف، وأخذ بمحض القياس في الوصل، على ما أوجبته العربية فكان بذلك غير خارج من الوجهين. قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً «٥» يقرأ بالياء والتاء على ما ذكرنا في أول السورة. قوله تعالى: لا مُقامَ لَكُمْ «٦» يقرأ بضم الميم وفتحها. وقد تقدم ذكر الاحتجاج عليه آنفا «٧». قوله تعالى: لَآتَوْها «٨» يقرأ بالمدّ من الإعطاء وبالقصر من المجيء. وقد ذكر فيما مضى «٩». قوله تعالى: أُسْوَةٌ «١٠» يقرأ بكسر الهمز وضمها. وهما لغتان كما قالوا: رشوة ورشوة. قوله تعالى: يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ «١١» يقرأ بتشديد العين وفتحها، وكسرها، و (يضاعف) بالياء والنون، وإثبات الألف، والتخفيف. فالحجة لمن قرأه بالياء والتشديد مع الفتح:

стр. 283

أنه جعله فعل ما لم يسم فاعله، وحذف الألف لقوله: (ضعفين) «١». ودليله قول العرب: ضعّفت لك الدّرهم مثليه. والحجة لمن قرأه بالنون والتشديد وكسر العين: أنه جعله فعلا أخبر به عن الله تعالى كإخباره عن نفسه، ونصب (العذاب) بوقوع الفعل عليه، كما رفعه في الأول بما لم يسم فاعله. والحجة لمن خفف وأثبت الألف مع الياء: أنه أخذه من: ضوعف يضاعف، وهو فعل ما لم يسمّ فاعله. والحجة لمن قرأه بالنون وإثبات الألف مع التخفيف: أنه جعله من إخبار الله تعالى عن نفسه. قوله تعالى: وَتَعْمَلْ صالِحاً «٢» يقرأ بالتاء والياء. فالتاء على المعنى لأنه اسم لمؤنث. والياء للفظ (من) لأنه مذكر لفظا و (من) تكون اسما لواحد، وجمع، ولمذكّر، ومؤنث. قوله تعالى: نُؤْتِها أَجْرَها «٣» يقرأ بالنون والياء. فالحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعله من إخبار الله تعالى عن نفسه. والحجة لمن قرأه بالياء: أنه جعله من إخبار رسوله عنه. قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ «٤» يقرأ بكسر القاف وفتحها. فالحجة لمن كسر: أنه جعله من الوقار. والحجة لمن فتح: أنه جعله من الاستقرار. قوله تعالى: أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ «٥» يقرأ بالياء والتاء. وقد ذكر الوجه في ذلك آنفا. قوله تعالى: وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ «٦» يقرأ بكسر التاء وفتحها. فالحجة لمن كسر: أنه أراد: اسم الفاعل من قولك: ختم النبيين فهو خاتمهم. ودليله قراءة (عبد الله) وختم النبيّين. والحجة لمن فتح: أنه أخذه من الخاتم الملبوس، لأنه جمال. وفيه أربع لغات: خاتم وخاتم وخاتام، وخيتام. قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ «٧» يقرأ بالتاء مضمومة، وإثبات الألف «٨»، وبفتح التاء وطرح الألف، وقد ذكرت علله في البقرة مستقصاة «٩».

стр. 284

قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ «١». يقرأ بتحقيق الهمزة، وإعراب الياء، وبحذفه وإرسال الياء. وقد ذكر «٢». قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ «٣»، إجماع القراء على الياء، إلّا ما روي عن أبي عمرو من التاء فيه، يريد: لا يحل لك شيء من النساء «٤». قوله تعالى: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ «٥» يقرأ بإشباع الضمة، وإلحاقها واوا، وباختلاس حركة الضم فيها. وقد مضى القول فيه مع أمثاله «٦» قوله تعالى: إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا «٧» يقرأ بالجمع، ويجمع الجمع. فالحجة لمن قرأه بالجمع: أنه لما جاء بعده (كبراء) وهو جمع (كبير) وجب أن يكون الذي قبله (سادة) وهو جمع (سيّد)، ليوافق الجمع في المعنى. والحجة لمن قرأه بجمع الجمع «٨». أن السادة كانوا فيهم أكبر من الكبراء، فأبانوهم منهم بجمع يتميزون به عنهم. قوله تعالى: وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً «٩» بالثاء والباء وقد ذكرت علله في البقرة «١٠» ومن سورة سبأ قوله تعالى: عالِمِ الْغَيْبِ «١١» يقرأ «علّام الغيب» و «عالم الغيب» بالخفض وعالم بالرفع. فالحجة لمن خفض: أنه جعله وصفا لقوله: (بلى وربي) «١٢» لأنه مخفوض بواو القسم. فأما علّام فهو أبلغ في المدح من عالم وعليم. ودليله قوله في آخرها: «قُلْ إِنَّ رَبِّي

стр. 285

يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ «١». وقيل: بل شدد دلالة على التكثير، لأنه مضاف إلى جمع. والحجة لمن قرأه بالرفع: أنه جعله خبر ابتداء محذوف، معناه: هو عالم الغيب. قوله تعالى: لا يَعْزُبُ «٢» يقرأ بضم الزاي وكسرها وقد ذكر «٣». قوله تعالى: مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ «٤» يقرأ بالخفض والرفع. فالحجة لمن خفض: أنّه جعله وصفا للرجز. والحجة لمن رفع: أنه جعله وصفا لقوله: (لهم عذاب). ومعنى: (أليم): مؤلم موجع. قوله تعالى: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ «٥»، أَوْ نُسْقِطْ «٦» يقرءان بالنون والياء. فالحجة لمن قرأ بالنون: أنه جعله من إخبار الله تعالى عن ذاته. والحجة لمن قرأ بالياء: أنه جعله من إخبار النبي ﷺ عن ربه . واتفق القراء على إظهار الفاء عند (الباء) «٧» إلا ما قرأه (الكسائي) مدغما. وحجته: أن مخرج الباء من الشفتين، ومخرج الفاء من باطن الشفة السفلى، وأطراف الثنايا العلى، فاتفقا في المخرج للمقاربة إلا أن في الفاء تفشيا يبطل الإدغام. فأما إدغام الباء في الفاء فصواب. قوله تعالى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ «٨» اتفاق القراء على نصب الريح إلا ما رواه «أبو بكر» «٩» عن «عاصم» بالرفع. فالحجة لمن نصب: إضمار فعل معناه: وسخرنا لسليمان الريح «١٠». فأما الحجة «لعاصم» فإنه رفعه بالابتداء «ولسليمان» الخبر.

стр. 286

قوله تعالى: كَالْجَوابِ «١» اتفق القرّاء على حذف الياء في الوقف إلا (ابن كثير) فإنه أثبتها على الأصل. قوله تعالى: تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ «٢» يقرأ بالهمز وتركه. فالحجة لمن همز: أنه أتى باللفظ على أصل الاشتقاق، لأن العصا سميت بذلك، لأن الراعي ينسئ بها الإبل عن الحوض أي يؤخرها. والحجة لمن ترك الهمز: أنه أراد التخفيف. قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ «٣». يقرأ (سبأ) بالإجراء وتركه. وقد ذكرت علله في سورة النمل «٤». و (في مساكنهم) يقرأ بالتوحيد والجمع. فالحجة لمن وحد: أنه اجتزأ بالتوحيد من الجمع. والحجة لمن جمع: أنه جعل كل موضع منهما مسكنا. قوله تعالى: ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ «٥». أجمع القراء فيه على التنوين إلا (أبا عمرو) فإنه أضاف. فالحجة لمن نوّن: أنه جعل (الخمط) و (الأثل) بدلا من الأكل، وهو هو في المعنى، ولذلك كرهوا إضافته، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه. والحجة لأبي عمرو: أنه جعل الأكل أشياء كثيرة، و (الخمط) جنسا من المأكولات، فأضاف كما يضيف الأنواع إلى الأجناس. و (الخمط): ثمر الأراك فأمّا (أكل) فيقرأ بضم الكاف على الأصل وإسكانها تخفيفا. قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ «٦». أجمع القراء على ضم الفاء دلالة على بناء ما لم يسم فاعله إلا (ابن عامر) فإنه فتحها دلالة على بناء الفعل للفاعل وهو الله «٧». ومعنى ذلك: أن الملائكة لما سمعت صليل الوحي إلى محمد ﷺ بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى ﵇، فزعت له خوفا من قيام الساعة فقالوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ «٨» فأجيبوا قالُوا الْحَقَّ «٩» أي: قال ربكم: الحق.

стр. 287

قوله تعالى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ «١». يقرأ بالياء وفتح الزاي. وبالنون وكسر الزاي. فالحجة لمن قرأه بالياء والفتح: أنه جعله فعل ما لم يسم فاعله فرفع لذلك الكفور. والحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعل الفعل لله وعدّاه إلى (الكفور) فنصبه به «٢». و (هل) يجيء في الكلام على أربعة أوجه: يكون جحدا كقوله: (وهل يجازى إلا الكفور). ودليل ذلك مجيء التحقيق بعدها. وتكون استفهاما كقوله: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ «٣». ويكون أمرا كقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٤». ويكون بمعنى «قد» كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ «٥». قوله تعالى: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا «٦». يقرأ بتشديد العين وكسرها من غير ألف، وبالتخفيف وإثبات الألف بين الباء والعين. فالحجة لمن شدّد: أنه أراد: التكرير يعني بعد بعد وهو ضد: القرب. والحجة لمن أدخل الألف وخفف: أنه استجفى أن يأتي بالعين مشددة فأدخل الألف، وخفف، كقوله تعالى: عَقَّدْتُمُ «٧» و (عاقدتم). وقد ذكرت علله هناك بأبين من هذا، وهما في حال التشديد والتخفيف عند الكوفيين مجزومان بلام مقدرة، حذفت مع حرف المضارعة. وعند البصريين مبنيا على معنى الطّلب بلفظ الأمر على ما وجب للفعل في الأصل. قوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ «٨». يقرأ بتشديد الدّال وتخفيفها. ومعناهما قريب وذلك أن إبليس لعنه الله قال: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ «٩» ظانا لذلك،

стр. 288

لا متيقنا فلما تابعه عليه من سبقت له الشقوة عند الله صدّق ظنّه عليهم. قوله تعالى: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ «١». يقرأ بضم الهمزة دلالة على ما لم يسم فاعله، ونصبها إخبارا بالفعل عن الله . قوله تعالى: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ «٢». يقرأ بالتوحيد والجمع. فالحجة لمن وحّد: أنه اجتزأ بالواحد عن الجمع كقوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها «٣» يريد به الملائكة. والحجة لمن جمع قوله تعالى: لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ «٤». وكلّ صواب اللفظ، قريب المعنى. قوله تعالى: وَأَنَّى لَهُمُ «٥» يقرأ بالتفخيم على الأصل، وبالإمالة لمكان الياء، وبين بين، تعديلا بين اللغتين. قوله تعالى: التَّناوُشُ «٦». يقرأ بتحقيق الهمزة وإبداله. فالحجة لمن همز: أنه أراد: التباعد. والحجة لمن ترك الهمز: أنه أراد: التناول. وأنشد (لرؤبة) «٧» في الهمز الذي هو بمعنى البعد قوله: كم ساق من دار امرئ جحيش ... إليك ناش القدر النّئوش «٨» وأنشد لغيره في ترك الهمز الذي هو بمعنى: التناول قوله: فهي تنوش الحوض نوشا من علا ... نوشا به تقطع أجواز الفلا «٩»

стр. 289

من سورة فاطر قوله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ «١». يقرأ بالرفع والخفض. فالحجة لمن رفع: أنه أراد: هل غير الله من خالق أو يجعله نعتا لخالق قبل دخول (من) أو يجعل (هل) بمعنى (ما) و (غيرا) بمعنى: إلّا كقوله: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ «٢». والحجة لمن خفض: أنه جعله نعتا لخالق، أراد: هل من خالق غير الله يرزقكم. قوله تعالى: كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ «٣». يقرأ بضم الياء وفتح الزاي والرفع، وبالنون مفتوحة وكسر الزاي والنصب. فالحجة لمن ضم: أنه دلّ بالفعل على بنائه لما لم يسمّ فاعله، فرفع ما أتى بعده به. والحجة لمن قرأه بالنون والفتح: أنه أراد: حكاية ما أخبر الله عن نفسه، ونصب قوله: (كل كفور) بتعدّي الفعل إليه. قوله تعالى: يَدْخُلُونَها «٤». يقرأ بفتح الياء وضم الخاء، وبضم الياء وفتح الخاء. فالحجة لمن قرأه بفتح الياء: أنه جعل الدخول فعلا لهم، والتّحلية إلى غيرهم ففرّق بين الفعلين لهذا المعنى. والحجة لمن قرأه بضم الياء: أنه جعله فعل ما لم يسم فاعله وزاوج بذلك بين هذا الفعل وبين قوله: يدخلونها، ويحلون، ليشاكل بذلك بين اللفظين. قوله تعالى: وَلُؤْلُؤاً «٥». يقرأ بالهمز، وتركه، وبالنصب والخفض. وقد ذكر بجميع وجوهه في سورة الحج «٦». قوله تعالى: فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ «٧». يقرأ بالتوحيد والجمع. فالحجة لمن وحّد: قوله

стр. 290

فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ «١». والحجة لمن قرأه بالجمع أنه وجده مكتوبا في السّواد بالتاء فأخذ بما وجده في الخط. وفرق بينهما بعض أهل النظر بفرقان مستحسن: فقال من وحّد، أراد: الرسول ﵇ ودليله: قوله تعالى: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ «٢». ومن جمع أراد: القرآن، ودليله: قوله تعالى: وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ «٣». قوله تعالى: وَمَكْرَ السَّيِّئِ «٤» أجمع القراء فيه على كسر الياء وخفض الهمزة إلّا ما قرأه (حمزة) بوقف الهمزة كالجزم في الفعل، وإنما فعل ذلك تخفيفا للحرف لاجتماع الكسرات وتواليها مع الهمزة، كما خفّف (أبو عمرو) في قوله: بارِئِكُمْ «٥». فإن قيل: فهلّا فعل في الثاني «٦» كما فعل في الأول؟ فقل: لم تتوال الكسرات في الثاني، كما توالت في الأوّل، لأنه لما انضمت الهمزة للرفع زال الاستثقال، فأتى به على أصل ما أوجبه الإعراب له من الرفع. فاعرف حجته في ذلك فقد نسب إلى الوهم. ومن سورة يس قوله تعالى: يس وَالْقُرْآنِ «٧». يقرأ بإدغام النون في الواو وإظهارها. فالحجة لمن أدغم: أنه أتى به على الأصل. والحجة لمن أظهر: أن حروف التهجي ليست كغيرها لأنها ينوى بها الوقف على كلّ حرف منها، فكأنه بذلك منفرد مما بعده. فإن قيل: فيلزم من أدغم النون هاهنا في الواو أن يدغم في قوله ن وَالْقَلَمِ «٨» فقل: هذا لا يلزم، لأن الياء «٩» أخفّ من الواو «١٠» وأسهل في اللفظ. وقد ذكرت الإمالة والتفخيم فيما تقدم «١١». قوله تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ «١٢». يقرأ برفع اللّام ونصبها. فالحجة لمن رفع:

стр. 291

أنه جعله خبر ابتداء محذوف. معناه: هذا تنزيل العزيز. والحجة لمن نصب: أنه أراد المصدر كما قال تعالى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ «١». قوله تعالى: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا «٢». يقرءان بضم السين وفتحها. وقد ذكرت علله في الكهف «٣». قوله تعالى: فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ «٤». أجمع القراء على تشديد الزّاي فيه إلّا ما رواه (أبو بكر) عن (عاصم) من التخفيف. فمعنى التشديد: قوّينا ومنه: أعزّك الله. ومعنى التخفيف: غلبنا ومنه: «من عزّ بزّ» أي من غلب: أخذ السّلب. قوله تعالى: أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ «٥». يقرأ بهمزتين محققتين، وبهمزة وياء. وقد ذكر فيما مضى «٦». قوله تعالى: وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ «٧». يقرأ بإثبات الهاء وطرحها. فالحجة لمن أثبتها: أنه أتى بالكلام على أصل ما وجب، لأن الهاء عائدة على (ما) في صلتها، لأنها من أسماء النواقص التي تحتاج إلى صلة وعائد. والحجة لمن حذفها: أنه لما اجتمع في الصلة فعل وفاعل ومفعول خفف الكلمة بحذف المفعول، لأنه فضلة في الكلام. قوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ «٨». يقرأ بالرفع والنصب. فالحجة لمن رفع: أنه ابتدأه وجعل ما بعده خبرا عنه، والهاء عائدة عليه وبها صلح الكلام. والحجة لمن نصب: أنه أضمر فعلا فسّره ما بعده فكأنه في التقدير: وقدّرنا القمر قدّرناه. فإن تقدم قبل الاسم حرف هو بالفعل أولى، وتأخر بعده ما له صدر الكلام كالأمر والنهي. والاستفهام كان وجه الكلام النصب، لأنك بالفعل تأمر وعنه تنهي، وتستفهم ودليل ذلك إجماع القرّاء على نصب قوله: أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ «٩». والرفع عند النحويين جائز، وإن كان ضعيفا. قوله تعالى: وَهُمْ يَخِصِّمُونَ «١٠» يقرأ بإسكان الخاء والتخفيف، وبتشديد الصاد

стр. 292

أيضا مع الإسكان، وبفتح الياء والخاء وكسر الصاد والتشديد، وبفتح الياء وكسر الخاء والصاد. وبكسر الياء والخاء والصاد. وقد ذكرت علله مستقصاة في نظائره «١». قوله تعالى: فِي شُغُلٍ «٢». يقرأ بضمتين متواليتين، وبضم الشين وإسكان الغين. فقيل هما لغتان فصيحتان. وقيل: الأصل: الضم، والإسكان: تخفيف. وقيل معنى شغلهم: افتضاض الأبكار. وقيل: استماع النّغم والألحان. قوله تعالى: فِي ظِلالٍ «٣» يقرأ بضم الظاء وفتح اللام من غير ألف بين اللامين وبكسر الظاء وألف بين اللامين. فالحجة لمن ضم الظاء: أنه جعله جمع (ظلّة). ودليله قوله تعالى: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ «٤». والحجة لمن كسر الظاء: أنه جعله جمع (ظل وهو ما ستر من الشمس في أول النهار إلى وقت الزوال. وما ستر بعد ذلك فهو فيء، لأنه ظلّ فاء من مكان إلى مكان أي: رجع. ودليله قوله تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ «٥». قوله تعالى: وَأَنِ اعْبُدُونِي «٦» يقرأ بضم النون وكسرها. وقد تقدم القول فيه آنفا «٧» فأما الياء فثابتة وصلا ووقفا، لأنها مكتوبة في السّواد. قوله تعالى: جِبِلًّا كَثِيراً «٨». يقرأ بضم الجيم والباء «٩». وبإسكانها مع التخفيف، وبكسر الجيم والباء وتشديد اللام. وكلها لغات، معناها: الخلقة والطّبع، وما جبل الإنسان عليه. قوله تعالى: نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ «١٠». يقرأ بضم النون والتشديد، وبفتحها والتخفيف فقيل: هما لغتان بمعنى واحد. وقيل معنى التشديد: التكثير والترداد. ومعنى التخفيف: المرة الواحدة. وفرق (أبو عمرو) بينهما فقال: نكّست الرجل عن دابته بالتشديد،

стр. 293

ونكس في مرضه ردّ فيه. ومعناه: نعيده إلى أرذل العمر يريد به: الهرم. قوله تعالى: أَفَلا يَعْقِلُونَ «١» يقرأ بالياء والتاء على ما قدّمناه. قوله تعالى: أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ «٢». يقرأ بالتوحيد والجمع. وقد تقدّم الاحتجاج في نظائره بما يغني عن إعادته ومثله: لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ «٣» ومكاناتهم. قوله تعالى: لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا «٤». يقرأ بالياء والتاء. فالحجة لمن قرأه بالياء: قوله وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ «٥». والحجة لمن قرأه بالتاء: أنه جعله ﵇ مخاطبا. ووجه الياء أن يكون للقرآن، لقوله تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ «٦». قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ «٧» يقرأ بالرفع والنصب. وقد ذكر وجه ذلك «٨». ومن سورة والصافات قوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فَالتَّالِياتِ ذِكْراً «٩». يقرأن بإدغام التاء في الصّاد والزاي والذال، وإظهارها. فالحجة لمن أدغم قرب مخرج التاء منهن. والحجة لمن أظهر: أن التاء متحركة والألف ساكنة قبلها فالإظهار أحسن من الجمع بين ساكنين. فإن قيل: ما وجه قوله فَالتَّالِياتِ ذِكْراً ولم يقل (تلوا) كما قال (صفّا) و (زجرا)؟ فقل: إنّ (تلوت) له في الكلام معنيان: تلوت الرجل. معناه: اتّبعته، وجئت بعده. ودليله قوله: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها «١٠». وتلوت القرآن: إذا قرأته. فلما التبس لفظهما أبان الله بقوله (ذكرا): أنّ المراد هاهنا: التّلاوة لا الاتباع. فإن قيل: ما وجه التأنيث في هذه الألفاظ؟ فقل: ليدل بذلك على معنى الجمع. وقيل: التاليات هاهنا: جبريل وحده، كما قال في قوله: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ «١١». قوله تعالى: بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ «١٢». يقرأ بالتنوين والنصب والخفض معا، وبترك

стр. 294

التنوين والإضافة. فالحجة لمن نوّن ونصب: أنه عند أهل البصرة شبيه بالمصدر، لأن المصدر عندهم إذا نوّن عمل الفعل، وكذلك إذا أضيف إلى الفاعل أو المفعول. وهو عند أهل الكوفة منصوب بمشتق من المصدر. والحجة لمن نون وخفض: أنه أبدل: (الكواكب) من الزينة لأنها هي الزينة وهذا يدل الشيء من الشيء، وهو هو في المعنى. والحجة لمن حذف التنوين، وأضاف: أنه أتى بالكلام على أصل ما وجب له، لأن الاسم إذا ألفى الاسم بنفسه ولم يكن الثاني وصفا للأول ولا بدلا منه ولا مبتدأ بعده أزال التنوين وعمل فيه الخفض، لأن التنوين معاقب للإضافة، فلذلك لا يجتمعان في الاسم. قوله تعالى: لا يَسَّمَّعُونَ «١». يقرأ بتشديد السين والميم، وبإسكان السين والتخفيف. فالحجة لمن شدّد: أنه أراد يتسمعون، فأسكن التاء وأدغمها في السين فصارتا سينا مشددة. والحجة لمن خفف: أنه أخذه من سمع يسمع. ومعناه: أنّ الشياطين كانت تسرق السمع من السماء فتلقيه إلى أوليائها من الإنس قبل مولد محمد ﵇ فتبديه، فلما ولد صلى الله عليه رجموا بالنجوم، فامتنعوا من الاستماع، وهذا من أدلّ دليل على صحة نبوته ﷺ . قوله تعالى: بَلْ عَجِبْتَ «٢». يقرأ بضم التاء وفتحها. فالحجة لمن ضم: أنه من إخبار الله تعالى عن نفسه. ودليله قول النبي ﷺ : «عجب ربكم من ألّكم وقنوطكم «٣». فالعجب من الله إنكار لأفعالهم: من إنكارهم البعث، وسخرياتهم من القرآن، وازدرائهم بالرسول جرأة على الله، وتمرّدا، وعدوانا، وتكبّرا. فهذا العجب من الله . والفرق بينه وبين عجب المخلوقين: أنّ المخلوق لا يعجب إلا عند نظره إلى ما لم يكن في علمه، ولا جرت العادة بمثله فبهره ما رأى من ذلك فيتعجب من ذلك. وقد جاء في القرآن ما يقارب معنى ذلك كقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ «٤»، وكقوله:

стр. 295

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ «١»، وكقوله: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «٢»، فالمكر من الله والاستهزاء والمحبة على غير ما هي من الخلق وبخلافها، فكذلك العجب منه بخلاف ما هو من المخلوقين، لأنها منه على طريق المجازاة بأفعالهم وإتيان اللفظ مردودا على اللفظ. والحجة لمن فتح: أنه جعل التاء للنبي ﷺ . ومعناه: بل عجبت يا محمد من وحي الله إليك، وهم يسخرون. قوله تعالى: وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ «٣» يقرأ هاهنا وفي الواقعة «٤» بكسر الزّاي وفتحها. فالحجة لمن قرأه بالكسر: أنه أراد: لا ينفد شرابهم. والحجة لمن فتح: أنه أراد: لا تزول عقولهم إذا شربوها بالسّكر. وفرّق (عاصم) بينهما فقرأها هنا بالفتح، وفي (الواقعة) بالكسر فقيل: إنه جمع بين اللغتين ليعلم بجوازهما. وفرّق بعضهم بين ذلك فقال: إنما فتح هاهنا لقوله: لا فِيها غَوْلٌ «٥» وهو كلّ ما اغتال الإنسان فأهلكه وذهب بعقله. وكسر في الواقعة لأن الله تعالى وصف الجنة، وفاكهتها وجعل شرابها من معين، والمعين لا ينفد، فكان ذهاب العقل في (الصافات) أشبه، ونفاد الشراب في (الواقعة) أشكل. قوله تعالى: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ «٦». إجماع القراء على فتح الياء إلّا ما قرأه (حمزة) من ضمها. فمن فتح، أخذه من: زفّ يزفّ. ومن ضم أخذه من: أزفّ يزف. وهما لغتان معناهما: الإسراع في المشي. قوله تعالى: ماذا تَرى «٧» يقرأ بفتح التاء، وإمالة الراء، وتفخيمها. وبضم التاء وكسر الراء بياء الإمالة فالحجة لمن فتح التاء: أنه أراد به: معنى الرّويّة، والرأي. وقد ذكر وجه الإمالة والتفخيم فيما سلف. والحجة لمن ضمّ وكسر الراء: أنه أراد به المشورة، والأصل فيه: (ترائي) فنقل كسرة الهمزة إلى الرّاء، وحذف الهمزة لسكونها

стр. 296

وسكون الياء. واشتقاق المشورة من قولهم: «شرت» العسل إذا أخرجته من الخليّة ومعناه: استخراج الرأي. قوله تعالى: وَإِنَّ إِلْياسَ «١». أجمع القراء على فتح النون وقطع الألف بعدها إلا (ابن عامر) فإنه وصلها. فالحجة لمن قطع: أنه شاكل بهذه الألف، أخواتها في أوائل الأسماء الأعجمية. والحجة لمن وصلها: أنها الداخلة مع اللام للتعريف، فكان الاسم عنده قبل دخولها عليه (ياس). قوله تعالى: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ «٢» يقرأ بكسر الهمزة وقصرها وإسكان اللام بعدها، وبفتح الهمزة ومدّها وكسر اللام بعدها. فالحجة لمن كسر الهمزة: أنه أراد. (إلياس) فزاد في آخره الياء والنون، ليساوي به ما قبله من رءوس الآي، ودليله ما قرأه (ابن مسعود) «٣»: «سلام على إدراسين» يريد: إدريس. والحجة لمن فتح الهمزة: أنه جعل اسمين: أحدهما: مضاف إلى الآخر. معناه: سلام على آل محمد ﷺ وعليهم، لأنه قيل في تفسير قوله يس: يريد يا محمد. واختلف الناس في قولهم: آل محمد، فقيل معناه: من آل إليه بنسب أو قرابة. وقيل من كان على دينه، ودليله قوله تعالى: وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ «٤». وقيل آله: أصحابه، وأهله، وذريته. فأما أهل صناعة النحو فأجمعوا: أن الأصل في (آل) (أهل) فقلبت الهاء همزة ومدّت ودليلهم على صحة ذلك: أنك لو صغّرت آلا لقلت: أهيلا ولم تقل: أويلا لأنهم صغّروه على أصله لا على لفظه. وقال حذّاق النحويين: الحجة لمن قرأ: (إدراسين) و (إلياسين) فإنما جمع، لأنه أراد بذلك: اسم النبي ﷺ وضمّ إليه من تابعه على دينه كما قالوا: (المسامعة) و (المهالبة) «٥».

стр. 297

قوله تعالى: اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ «١» يقرأ بالنصب والرفع. فالحجة لمن نصب: أنه جعله بدلا من قوله: وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ «٢»، الله ربكم ورب آبائكم الأولين، يحتمل أن يكون أضمر فعلا كالذي أظهر فنصب به، أو أضمر (أعني) فإن العرب تنصب بإضماره مدحا وتعظيما. والحجة لمن رفع: أنه أضمر اسما ابتدأ به، وجعل اسم الله تعالى خبرا له، لأن الكلام الذي قبله قد تم فكأنه قال: هو الله ربكم. ودليله قوله: سُورَةٌ أَنْزَلْناها «٣» وبَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ «٤» يريد بهما، هذه سورة وهذه براءة من الله. أو يبتدئ باسم الله مستأنفا له، فيرفعه ويجعل قوله (ربكم) الخبر ويعطف عليه ما بعده. ومن سورة ص قوله تعالى: ما لَها مِنْ فَواقٍ «٥». يقرأ بضم الفاء وفتحها. فقيل: هما لغتان بمعنى واحد. وقيل: من ضمّ أراد: قدر ما بين الحلبتين للناقة. ومن فتح أراد: من راحة. قوله تعالى: بِالسُّوقِ «٦» إسكان الواو إجماع، إلّا ما روي عن (ابن كثير) من الهمز، وقد ذكر آنفا «٧». قوله تعالى: بِنُصْبٍ «٨». أجمع القرّاء على ضم النون، إلا ما رواه (حفص) «٩» عن (عاصم) بالفتح وهما لغتان. معناهما: ما يصيب البدن من تعب الضرّ، وألم الوجع. ومعنى العذاب هاهنا: ذهاب المال والولد.

стр. 298

فإن قيل: ما وجه مدحه بالصبر وقد شكا بهذا القول؟ فقل: إن شكواه هاهنا على طريق الاستغاثة بالله، والسؤال له، وإنما وجه الذم أن يشكو إلى مخلوق مثله لا يملك له ضرّا ولا نفعا. ودليل ذلك قول يعقوب ﵇ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ «١»، لأن كل غني فقير إليه وكل قوي ضعيف لديه ولم يعط أحد الاسترجاع عند المصائب إلّا نبينا ﷺ وأمته، ودليل ذلك قول يعقوب لما تولى عن أولاده: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ «٢». قوله تعالى: وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ «٣». إسكان الياء إجماع إلّا ما رواه (حفص) عن (عاصم) بالفتح لقلة الاسم وكذلك قوله: وَعَزَّنِي «٤» بالتشديد إجماع إلّا ما رواه أيضا عنه بالتشديد وإثبات الألف «٥». وهما لغتان معناهما: غالبتني وغلبتني. قوله تعالى: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ «٦». يقرأ بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مضمومة. وبهمزة واحدة، وبهمزة وواو بعدها. ومثله: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا «٧». فالحجة لمن أثبت الهمزتين: أنه أتى بالكلام على أصله ووفّاه ما أوجبه القياس له، الأولى همزة الاستفهام، والثانية ألف القطع. والحجة لمن قرأه بهمزة واحدة: أنه أخبر ولم يستفهم. والحجة لمن قرأه بهمزة، وواو: أنه حقّق الأولى وخفّف الثانية وكانت مضمومة فصارت في اللفظ واوا. قوله تعالى: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ «٨». إجماع القراء على لفظ الجمع إلّا ما قرأه ابن كثير من التوحيد. فالحجة لمن جمع: أنه أتى بالكلام على ما أوجب له من تفصيل الجمع بعده «٩». والحجة لمن وحّد: أنّه اجتزأ بلفظ الواحد من الجمع لدلالة ما يأتي عليه.

стр. 299

قوله تعالى: بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ «١». يقرأ بالتنوين، والإضافة. فمن نوّن أبدل (ذكرى) من (خالصة) وموضعها على هذا خفض، ومن حذف التنوين أضاف لاختلاف اللفظ كقوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ «٢» ولا يبين فيها إعراب لحلول ألف التأنيث فيها طرفا، ولم يأت على بنائها إلّا (شعري) اسم نجم. قوله تعالى: هذا ما تُوعَدُونَ «٣». يقرأ هاهنا بالياء والتاء. فالتّاء لمعنى مخاطبة الحاضر، والياء للإخبار عن الغائبين، وقد شرحت علله في مواضعه «٤». قوله تعالى: وَغَسَّاقٌ «٥» يقرأ بتشديد السين وتخفيفها هاهنا، وفي عَمَّ يَتَساءَلُونَ «٦» وهما لغتان «٧»، وقيل: معناه: شراب قاتل ببرده ونتنه. وقيل: ما يسيل من صديد أهل النار. قوله تعالى: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ «٨». إجماع القراء على فتح الهمزة والتوحيد «٩» إلا ما قرأه «أبو عمرو» من ضمّها دلالة على الجمع. فالحجة لمن قرأه بالتوحيد قوله تعالى: مِنْ شَكْلِهِ، ولم يقل من شكلهم. والحجة لمن جمع: أنه شاكل بالجمع بينه وبين قوله (أزواج) ولم يقل (زوج)، وهما في الوجهين لا ينصرفان، لأن (آخر) وزنه (أفعل) ففيه علتان: (الصفة) و (مثال الفعل) و (أخر): وزنه (فعل) ففيه علتان: (الجمع) و (العدل). ووجه عدله: أن أصله أن يعرّف بالألف واللام، فلما عرّف بغيرهما تركوا صرفه. ومثله: (سحر)

стр. 300

إذا أردت به سحر يومك بعينه لم تصرفه، لأنه معدول عن مثل ذلك. قوله تعالى: مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ «١». يقرأ بقطع الألف ووصلها. فالحجة لمن قطع أنه: جعلها ألف الاستفهام، دخلت على ألف الوصل، فسقطت لدخولها. ولمن وصل وجهان: أحدهما: أنه أخبر بالفعل ولم يدخل عليه استفهاما. والثاني: أنه طرح ألف الاستفهام لدلالة قوله أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ «٢» عليها. وهذا من كلام العرب، قال امرؤ القيس: تروح من الحيّ أم تبتكر ... وماذا يضيرك لو تنتظر «٣» أراد: أتروح، فحذف الألف. ويحتمل أن يكون حذف الألف لتقدّم الاستفهام في قوله: ما لَنا لا نَرى رِجالًا «٤». قوله تعالى: سِخْرِيًّا «٥». يقرأ بضم السين وكسرها. وقد ذكر فيما سلف. قوله تعالى: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ «٦». يقرءان بالنصب معا، وبرفع الحق الأول، ونصب الثاني. فالحجة لمن نصبهما: أنه أراد في الأول الإغراء. معناه: فاتبعوا الحق، وأعمل الفعل المؤخر في الثاني. والحجة لمن رفع الأول: أنه أضمر له ما يرفعه. يريد: فهذا الحق، ونصب الثاني بالفعل المؤخر، أو يكون أراد: فأنا الحق، وأقول: الحق، فأقام الفاء في الأول مقام (أنا) وهذا بعيد.

стр. 301

ومن سورة الزّمر قوله تعالى: يَرْضَهُ لَكُمْ «١». يقرأ بضم الهاء وإثبات واو بعدها. وباختلاس الضمة من غير واو، والهاء بالإسكان. فالحجة لمن أشبع، الهاء ولفظ الواو: أنه لما ذهبت الألف من يرضى علامة للجزم، أتت الهاء وقبلها فتحة فردّ حركتها إلى ما كان لها في الأصل، وأتبعها الواو تبيينا للحركة، وشاهد ذلك قول ذي الرمة: كأنّه كوكب في إثر عفرية ... مسوّم في سواد الليل منقضب «٢» والحجة لمن اختلس: أن الأصل عنده: (يرضاه لكم) فلما حذفت الألف للجزم بقيت الهاء على الحركة التي كانت عليها قبل حذف الألف وأنشد: له زجل كأنّه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير «٣» والحجة لمن أسكن: أنه لما اتصلت الهاء بالفعل اتصالا لا يمكن انفصالها منه توهّم أنها آخر الفعل، فأسكنها تخفيفا، ليدل بذلك على الجزم. فأما الهاء في قوله: (يرضه لكم، فكناية عن الشكر لقوله: أوّلا (وإن تشكروا) فالشكر من العبد: رضاه بما قسم الله له، والثناء عليه بما أولاه، والشكر من الله تعالى: الزيادة في النعم، وجزيل الثواب. قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ «٤». يقرأ بتشديد الميم وتخفيفها. فالحجة لمن شدّد: أنه ردّه على قوله: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا «٥» فكأنه قال: أهذا خير أمن هو قانت؟ أي:

стр. 302

مصلّ. والقانت في اللغة: (الداعي)، (والساكت) «١»، و (المصلّي)، وهو هاهنا: المصلي لقوله: (ساجدا) و (قائما). والحجة لمن خفف: أنه أقام الألف مقام حرف النداء، فكأنه قال: يا من هو قانت، وهو مشهور في كلام العرب، لأنها تنبه المنادي بخمس أدوات وهن: يا زيد، وأيا زيد، وهيا زيد، وأي زيد، وأزيد. قوله تعالى: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ «٢». يقرأ بحذف الياء، وإثباتها وفتحها. فالحجة لمن حذف: أنها لما سقطت لالتقاء الساكنين خطّا سقطت لفظا. والحجة لمن أثبتها: أنه إنما تسقط ياء الإضافة في النداء لكثرة الحذف فيه والاستعمال. فأمّا في غيره فلا، وفتحها لالتقاء الساكنين. فإن قيل: فما معنى قوله: فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ «٣»؟ وليس فيه إلّا حسن، فقل: إن الله ذكر الطاعة في كتابه، وأمر بها، ووصف الجنة، ورغّب فيها، وذكر المعصية، ونهى عنها، والنار، وحذر منها، فإذا: تلا القارئ كتاب ربه تبع الطاعة فعمل بها، وارتاح إلى الجنة فتقرب منها. فهذا معنى: أحسنه. قوله تعالى: وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ «٤». يقرأ بإثبات الألف، وكسر اللام، وبحذفها وفتح اللام. فالحجة لمن أثبتها: أنه أراد به: خالصا لا شركة فيه. والحجة لمن حذفها: أنه أراد: المصدر من قولك سلم سلما كما تقول حذر حذرا. وليس بمعنى الصّلح الذي هو ضد الحرب، لأنه لا وجه لذلك هاهنا، لأن هذا مثل، ضربه الله للكافر المعاند «٥». (ومعنى) «٦»: شركاء متشاكسين: أي: متنازعين مختلفين- وللمؤمن الذي عبد إلها واحدا «٧». قوله تعالى: بِكافٍ عَبْدَهُ «٨». يقرأ بالتوحيد والجمع. فالحجة لمن وحّد: أنه

стр. 303

قصد بذلك النبي ﷺ . ودليله قوله تعالى مخاطبا له: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ «١» يعني الأصنام. والحجة لمن جمع: أنه أراد بذلك: كفاية الله لجميع أنبيائه، لأن كل أمة قد كادت نبيها، كما كيد محمد ﵇، فدخل في الجملة معهم. ودليله قوله تعالى: حكاية عن قوم هود إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ «٢». قوله تعالى: هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ «٣». ومُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ «٤» يقرءان بالتنوين والنصب، وبحذف التنوين والخفض. فالحجة لمن نوّن: أنه أراد: الحال والاستقبال، ولمن أضاف: أنه أراد: ما ثبت ومضى. وقد ذكر هذا فيما مضى بأبين «٥» من هذا الشرح. قوله تعالى: الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ «٦». يقرأ بضم القاف وفتح الياء ورفع الموت. وبفتح القاف وإسكان الياء، ونصب الموت. فالحجة لمن ضم القاف: أنه دل بذلك على بناء الفعل لما لم يسم فاعله وفتح الياء لكسرة (الضاد) قبلها ورفع (الموت)، لأنه قام مقام الفاعل. والحجة لمن فتح: أنه أخبر بالفعل عن الله تعالى لتقدّم اسمه في قوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ «٧» وأسكن الياء للفتحة قبلها، ونصب الموت بتعدّي الفعل إليه. قوله تعالى: بِمَفازَتِهِمْ «٨» يقرأ بالتوحيد والجمع. وقد ذكر في نظائره من العلل ما يغني عن إعادته «٩». قوله تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا «١٠». يقرأ بحذف الياء. وإثباتها. فالحجة لمن حذف أنه: استعمل الحذف في النداء لكثرة دوره في الكلام. والحجة لمن أثبت: أنه أتى به على الأصل. وقيل: هذه أرجى آية في كتاب الله لمن يئس من التوبة. وقيل: بل قوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ «١١». وقيل: بل قول إبراهيم وَلكِنْ

стр. 304

لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي «١» فقيل: بتحقيق الإجابة. وقيل: بل بالعيان، لأن المخبر ليس كالمعاين. قوله تعالى: تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ «٢». يقرأ بإدغام النون وتشديدها، وبالتخفيف وإظهارها وبتحريك الياء وإسكانها. وقد تقدم من الاحتجاج في ذلك ما فيه كفاية «٣» قوله تعالى: فُتِحَتْ أَبْوابُها «٤» وَفُتِحَتْ أَبْوابُها «٥» يقرءان بالتشديد والتخفيف. فالحجة لمن شدد: أنه أراد: تكرير الفعل، لأن كل باب منها فتح. ودليله: إجماعهم على التشديد في قوله: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ «٦» ومفتحة لهم الأبواب «٧». والحجة لمن خفف: أنه دل بذلك على فتحها مرّة واحدة، فكان التخفيف أولى، لأن الفعل لم يتردد، ولم يكثر. فإن قيل: فما وجه دخول الواو في إحداهما دون الآخر؟ فقل: فيه غير وجه. قال قوم: هي زائدة، فدخولها وخروجها واحد كما يزاد غيرها من الحروف. وقال آخرون: العرب تعدّ من واحد إلى سبعة وتسميه «عشرا» ثم يأتون بهذه الواو فيسمونها «واو العشر» ليدلوا بذلك على انقضاء عدد، وذلك في مثل قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ «٨» فلما سمّي سبعة أتى بعد ذلك بالواو، ومثله قوله: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ «٩»، ومثله قوله تعالى في صفة الجنة وَفُتِحَتْ أَبْوابُها «١٠»، لأن للجنة ثمانية أبواب، وللنار سبعة «١١».

стр. 305

وقال أبو العباس (المبرد): إذا وجدت حرفا في كتاب الله له معنى حسن لم أجعله ملغى، ولكن التقدير: حتى إذا جاءوها وصلوا، وفتحت لهم، أبوابها. ومثله، فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ «١» معناه- والله أعلم- أذعن لأمر الله. ومن سورة المؤمن قوله تعالى: حم «٢» يقرأ بتفخيم الحاء، وإمالتها، وبين ذلك وقد تقدّم القول فيه عند ذكر حروف المعجم فيما سلف. فإن قيل: فما موضع (حم) من الإعراب؟ فقل: قال قوم: موضع (حم) نصب بإضمار فعل معناه: (اتل) أو (اقرأ) حم. وقيل موضعها خفض بالقسم إلا أنّها لا تنصرف، وما لا ينصرف، فالنصب أولى به من الخفض، لأنه مشبّه بالفعل فمنع ما لا يكون إعرابا في الفعل وهو الخفض. قال الكميت: وجدنا لكم في آل حاميم- آية ... تأوّلها منا تقيّ ومعرب «٣» وقيل هي اسم للسورة ودليل عليها. قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ «٤» بالتاء والياء. وقد تقدم القول فيه آنفا «٥». قوله تعالى: يَوْمَ التَّلاقِ «٦» ويَوْمَ التَّنادِ «٧» يقرءان بإثبات الياء وصلا، وبحذفها وقفا. وبإثباتها وصلا ووقفا، وبحذفها وصلا ووقفا، وقد تقدّمت الحجة في أمثاله

стр. 306

بما يدل عليه «١». ومعنى التلاق: التقاء السماء والأرض. ومعنى التناد: قيل: تناديهم من قبورهم. وقيل: ينادي أصحاب الجنة أصحاب النار، وأصحاب الأعراف. قوله تعالى: أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً «٢». يقرأ بالهاء في (منهم) ونصب (أشد) بعده إلّا ما قرأه (ابن عامر) بالكاف في موضع الهاء ورفع (أشدّ). وليس في نصب (أشد) خلاف بين الناس ورفع ذلك لحن. فالحجة لمن قرأه بالهاء: أنه أتى بالكلام على سياقه. ودليله قوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ «٣». ونصب (أشد)، لأنه جعله الخبر (لكان) السابقة وجعل (هم) فاصلة عند البصريين وعمادا عند الكوفيين، ليفرّق بذلك بين الوصف لاسم (كان) وبين الخبر كقولك: كان زيد الظريف قائما في الوصف، وكان زيد هو الظريف في الخبر، ودليل ذلك قوله تعالى: إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ «٤». فإن قيل: فإنّ الفاصلة لا تدخل على خبر كان إلا إذا كان معرفة فقل: إن (أفعل) متى وصل ب (من) كان معرفة. والحجة لمن قرأه بالرفع والكاف: أنه جعل (هم) اسما مبتدأ و (أشد) الخبر، فرفعهما وجعلهما جملة في موضع نصب بخبر (كان)، فأما الكاف: فحجته فيها أن العرب ترجع من الغيبة في الخطاب إلى الحضرة. ودليله قوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ «٥». وقد تقدّم من هذا ما يستدل به على معناه. قوله تعالى: أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ «٦». يقرأ بأو، وبالواو، وبضم الياء وفتحها، وبنصب (الفساد) ورفعه. فالحجة لمن قرأ بأو: أنه جعل الحرف لأحد الحالين على طريق الشك أو الإباحة لأن ل (أو) في الكلام أربعة أوجه: الشك، والإباحة، والتخيير، وإيجاب أحد الشيئين منهما كقوله: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ «٧». «٨» والحجة لمن قرأ بالواو: أنه جعل الحرف للحالين معا فاختار الواو، لأنها جامعة بين الشيئين،

стр. 307

لأنه جمع بها هاهنا بين التبديل وبين ظهور الفساد. والحجة لمن ضم الياء: أنه ردّ الكلام على أوله وأتى به على سياقه، فأضمر الفاعل فيه كما أضمره في قوله: أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ «١» فنصب (الفساد) بتعدّي الفعل إليه. والحجة لمن فتح الياء: أنه قطع الفساد وظهوره من التبديل، فأفرده بفعله، ورفعه به. ومعناه: فإن يبدّل دينكم ظهر في الأرض الفساد قوله تعالى: إِنِّي عُذْتُ «٢». يقرأ بإدغام الذال في التاء لقرب المخرج. وبإظهار الذال على الأصل، لأن الحرفين غير متجانسين. قوله تعالى: عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ «٣». إجماع القراء هاهنا على الإضافة إلا (أبا عمرو) فإنه نوّن (القلب). فالحجة لمن أضاف: أنه جعل القلب خلفا من اسم محذوف «٤»، فأقامه مقامه عند الكوفيين. وهو عند البصريين صفة قامت مقام الموصوف. ومعناه عندهم «٥»: على كل قلب رجل متكبّر. أو يريد به: التقديم والتأخير، كما حكى عن بعض فصحاء العرب: أن فلانا لممّن يرجّل شعره كل يوم جمعة أراد كلّ يوم جمعة فقدّم وأخر. والحجة لأبي عمرو: أنه جعل الفعل للقلب لأنه ملك البدن ومستقر الكبر، لأن الكبر إذا سكنه تكبّر له صاحبه، ودليل ذلك قوله فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ «٦»، لأن الأعناق إذا ذلت وخضعت ذل لذلك وخضع أربابها. ومعنى تكبّر القلب: قسوته، لأنه إذا قسا ترك الطاعة. والجبار في اللغة: الذي يقتل على الغضب ودليله قوله: بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ «٧». فإن قيل: فقد مدح الله نفسه بهذا الاسم الذي ذم به خلقه. فقل: موضع المدح لله تعالى أنه أجبر عباده على ما أراد منهم وأحياهم وأماتهم فهي صفة لا تليق إلا به ومدح لا يجب إلا له فإذا اكتسى ذلك من لا يجب له كان مذموما به.

стр. 308

ولم يأت «فعّال» من «أفعل» إلّا في ثلاثة أفعال: قالوا: أجبر فهو جبّار، وأدرك فهو درّاك، وأسأر فهو سآر. قوله تعالى: فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى «١». أجمع القراء على رفعه عطفا على قوله: أَبْلُغُ «٢» إلا ما روى (حفص) عن عاصم بالنصب لأنه جعل الفاء فيه جوابا للفعل، فنصب بها تشبيها ل (لعل) بليت، لأن (ليت) في التّمنّي أخت (لعلّ) في الترجّي. ومثله ما رواه عنه أيضا في (عبس): فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى «٣». قوله تعالى: وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ «٤». يقرأ بضم الصاد وفتحها. فالحجة لمن ضم: أنه دل بالضم على بناء ما لم يسمّ فاعله، وعطفه على قوله: وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ «٥». والحجة لمن فتح: أنه جعل الفعل لفرعون، فاستتر اسمه فيه لتقدمه قبل ذلك. وفيه حجة لأهل السنة. قوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ «٦». يقرأ بقطع الألف ووصلها. فالحجة لمن قطع: أنه جعله أمرا من الله للزّبانية، فنصب آل فرعون بتعدّي الفعل إليهم، لأن دخول النار ليس مما يختارونه ولا ذلك إليهم، وإنما يكرهون عليه. والحجة لمن وصل: أنه جعل الفعل حكاية عما يقال لهم، وأضمر القول هاهنا كما أضمر في قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ «٧» يريد «والله أعلم». فيقال لهم: أفلم، ونصب (آل فرعون) على هذه القراءة بالنداء المضاف كما قال تعالى: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا «٨» يريد- والله أعلم- يا ذريّة من حملنا مع نوح. قوله تعالى: يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ «٩». يقرأ بضم الياء وفتح الخاء، وبفتح الياء وضم الخاء.

стр. 309

فالحجة لمن ضم: أنه أتى بالفعل على بناء ما لم يسم فاعله ليقربه من قوله: يُرْزَقُونَ «١» فيتفقا بلفظ واحد في بنائهما. والحجة لمن فتح الياء أنه أراد: أنهم إذا أدخلوا دخلوا فنسب الدخول إليهم. ودليله قوله تعالى: وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ «٢» وإنما الله أماتهم لقوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا «٣» فنسب الفعل إليهم على هذا الوجه سعة ومجازا ومثله سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ «٤» يقرأ بضم الياء وفتحها. ومعنى داخرين: صاغرين. قوله تعالى: لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ «٥». يقرأ بالتاء دلالة على تأنيث المعذرة، وبالياء للحائل بين الفعل والاسم، أو لأن تأنيث الاسم ليس بحقيقي. قوله تعالى: ما تَتَذَكَّرُونَ «٦». يقرأ بالياء والتاء. ويقرأ بتاءين. فالحجة لمن قرأه بالياء والتاء: أنه جعل الياء دلالة على الاستقبال وعلامة للغيبة، والتاء داخلة على فعّل لتدل على استفادة الذكر شيئا بعد شيء كما تقول: تحفّظت القرآن، وتنجّزت حوائجي. والحجة لمن قرأه بالتاءين: أنه دلّ بالأولى على الاستقبال والحضور، وبالثانية على ما قدمناه، و (قليلا) ينتصب بقوله: (يتذكرون)، والوقف تام على قوله : (ولا المسيء). ثم يبتدئ بما بعده. ومن سورة حم السجدة (فصّلت) قوله تعالى: فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ «٧» بقرأ بإسكان الحاء وكسرها. فالحجة لمن أسكن: أنه أراد: جمع (نحس) ودليله قوله تعالى: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ «٨». ويحتمل أن يكون أراد كسر الحاء، فأسكنها تخفيفا. والحجة لمن كسر: أنه جعله جمعا للصفة من قول العرب: هذا يوم نحس، وزن: هذا رجل هرم.

стр. 310

قال الشاعر: أبلغ جذاما ولخما أنّ إخوتهم ... طيّا وبهراء قوم نصرهم نحس «١» قوله تعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ «٢». يقرأ بالياء والرفع، وبالنون والنصب. فالحجة لمن قرأ بالياء: أنه أراد الإخبار بفعل ما لم يسمّ فاعله. فرفع الإسم به. والحجة لمن قرأ بالنون: أنه جعله من إخبار الله تعالى عن نفسه فنصب الاسم بتعدي الفعل إليه. قوله تعالى: مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها «٣». يقرأ بالتوحيد، والجمع. وقد ذكر من الحجة في أمثاله ما يغني عن إعادة قول فيه «٤». قوله تعالى: ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ «٥». يقرأ بهمزتين محققتين، وبهمزة ومدّة بعدها. فالحجة لمن حقق: أنه أتى بالكلام على واجبه، لأن الهمزة الأولى للإنكار لقولهم، والتوبيخ لهم. والثانية ألف قطع. والحجة لمن أبدل من ألف القطع مدّة: أنه استثقل الجمع بين همزتين، فخفّف إحداهما بالمدّ. ومعناه: لو فعلنا هذا لقالوا: أقرآن أعجمي ونبيّ عربي؟ هذا محال. والفرق بين الأعجميّ والعجميّ: أن الأعجميّ الذي لا يتكلم بالعربية وإن كان عربي الأصل، والعجميّ: منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا. قوله تعالى: أَرِنَا الَّذَيْنِ «٦». يقرأ بكسر الراء باختلاس «٧» حركتها وبإسكانها «٨». وقد ذكر فيما مضى «٩». قوله تعالى: وَنَأى بِجانِبِهِ مذكور في بني إسرائيل بوجوه القراءة فيه وشرح علله «١٠».

стр. 311

ومن سورة حم عسق (الشورى) قوله تعالى: عسق «١». أجمع القراء على إدغام النون في القاف، وبينهما متباعد في المخرج، وأظهر «حمزة» النون عند الميم في طسم «٢». فالحجة في الإظهار: أنّ الميم قد أفردت من السين في أول سورة (النّمل)، وألحقت بها في أول (الشعراء) و (القصص) فبيّن «٣» فيهما ليعلم أن الميم زائدة على هجاء السين، ولم تنفرد السين من القاف فيحتاج في ذلك إلى فصل، فبنى فيه الكلام على الأصل «٤»، والنون تدغم عند الميم وتخفى عند القاف، والمخفي بمنزلة المظهر، فلما ثقل عليه التشديد وكرهه في (طسم) أظهر، ولما كان المخفي بمنزلة المظهر لم يحتج إلى إظهار ثان. قوله تعالى: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ «٥». يقرأ بكسر الحاء وفتحها. فالحجة لمن كسر: أنه جعله فعلا لله فرفع لفظ الاسم بفعله. والحجة لمن فتحها: أنه جعل الفعل مبنيا لما لم يسمّ فاعله، ورفع اسم الله تعالى بدلا من الضمير الذي في الفعل، أو بإعادة فعل مضمر، أو بإضمار اسم مبتدأ يكون اسم الله تعالى خبرا له. قوله تعالى: يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ «٦». يقرأ بالياء والتاء فيه، وفي «تكاد» والنون مع التاء، والياء والتخفيف، وبالتاء في مكان النون بعد التاء، والياء والتشديد. وتقدّم شرح جميع علل ذلك في سورة مريم بما يغني عن إعادة قول فيه «٧». قوله تعالى: وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ «٨» يقرأ بالتاء والياء على ما قدّمناه في أمثاله. قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ «٩». اتفقت المصاحف على حذفها خطّا. واختلف القرّاء في اللفظ بها.

стр. 312

فمنهم من أثبتها وصلا ووقفا، واحتج: أنه إنما كان حذفها لمقارنة التنوين فلما زال التنوين بدخول الألف واللام عادت إلى أصلها. ومنهم من حذفها وقفا وأثبتها وصلا ليكون متبعا للخط وقفا، وللأصل وصلا. ومنهم من حذفها وقفا ووصلا. واحتج بأن النكرة الأصل، والمعرفة فرع عليها، فلما حذفت الياء في النكرة لمقارنة التنوين، ثم لما دخلت الألف واللام دخلتا على شيء قد حذف أصلا، فلم يعيداه لأن الأصل أقوى من الفرع. قوله تعالى: وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ «١». يقرأ بالنصب والرفع. فالحجة لمن نصب: أنه صرفه عن المجزوم، والنّصب بالواو عند الكوفيين، وبإضمار «أن» عند البصريين. ودليل ذلك قوله تعالى: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «٢» بالنصب والحجة لمن رفع: أنه استأنف بالواو لتمام الشرط والجزاء بابتدائه وجوابه. قوله تعالى: كَبائِرَ الْإِثْمِ «٣». يقرأ بالتوحيد والجمع،. فالحجة لمن وحّد: أنه أراد: به الشرك بالله فقط، لأن الله تعالى أوجب على نفسه غفران ما سواه من الذنوب، ولذلك سماه ظلما عظيما. والحجة لمن جمع: أنه أراد بذلك: الشرك، والقتل، والزّنا، والقذف، وشرب الخمر، والفرار من الزّحف، وعقوق الوالدين، فذلك سبع. وقال: «ابن عباس» «٤»: هي إلى سبعين أقرب منها إلى سبع. وقيل: هي من أول «النساء» إلى قوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ وإذا ثبت أنّ أكبر المعاصي الشرك بالله، فأكبر الطاعات الإيمان بالله، وهو: الإقرار باللسان، والتصديق بالقلب. وقيل: أكبر من الشرك ما ادّعاه فرعون لنفسه من الربوبية. وقيل: إذا اجتمعت صغائر الذنوب صارت كبيرة. قوله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ «٥». يقرءان بالرفع والنصب. فالحجة لمن رفع: أنه استأنف ب (أو) فخرج من النصب إلى الرفع. والحجة لمن نصب أنه عطفه على معنى قوله: (إلّا وحيا)، لأنه بمعنى: أن يوحي. إليه أو يرسل رسولا، فيوحى، فيعطف

стр. 313

بعضا على بعض ب (أو) وبالفاء. ومعنى قوله: (إلّا وحيا) يريد: إلهاما، أو من وراء حجاب، كما كلّم موسى، أو يرسل رسولا يريد به: جبريل ﷺ ، وعلى جميع النبيين والملائكة والمقرّبين. ومن سورة الزخرف قوله تعالى: أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ «١». يقرأ بفتح الهمزة وكسرها. فالحجة لمن فتح: أنه قدّر «أن» تقدير «إذ» ودليله قوله: أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى «٢» يريد: إذ جاءه الأعمى، وقدّر (كنتم) بعده تقدير الفعل الماضي لفظا ومعنى، وموضع (أن) على هذا نصب وخفض، وقد ذكر. والحجة لمن كسر: أنه جعل أن (إن) حرف شرط، وجعل الفعل بمعنى المستقبل، وحذف الجواب علما بالمراد. قوله تعالى: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ «٣». يقرأ بفتح الياء وإسكان النون والتخفيف، وبضم الياء وفتح النون والتشديد. فالحجة لمن خفف: أنه جعل الفعل من قولهم: نشأ الغلام فهو ناشئ. والحجة لمن شدّد: أنه جعل الفعل لمفعول به لم يسمّ فاعله. ودليله قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً «٤». فأنشأت، ونشأت بمعنى واحد. قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ «٥». يقرأ بالباء والألف جمع «عبد» وبالنون من غير ألف على أنه ظرف. فالحجة لمن قرأه بالجمع: أن الملائكة عباد الله. ودليل ذلك قوله: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ «٦». والحجة لمن قرأه بالنون على معنى الظرف. قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ «٧». والجمع هاهنا أولى، لأن الله إنما أكذبهم في قولهم: إن الملائكة بناته بأن عرفهم أنهم عباده، لا بناته.

стр. 314

قوله تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ «١». يقرأ بفتح الهمزة والشين، وبضمها وإسكان الشين. فالحجة لمن فتح: أنه جعل الألف للتوبيخ، وأخذ الفعل من شهد يشهد، فجعله فعلا لفاعل. والحجة لمن ضم: أن جعله فعل ما لم يسمّ فاعلة. ودليله قوله تعالى: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ «٢» التي ينظرون، ولا خلق الأرض التي يمشون عليها، ولا خلق أنفسهم. وهذا من أوكد الحجج عليهم، لأن من لم يشهد خلق ما يعاينه ويقرب منه، فكيف يعرف خلق ما بعد منه، وغاب عنه.؟ قوله تعالى: قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ «٣». يقرأ بألف بين القاف واللام على الإخبار، وطرح الألف، على طريق الأمر. وقد تقدّمت الحجة في نظائره بما فيه كفاية. قوله تعالى: لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ «٤». يقرأ بفتح السين وإسكان القاف على التوحيد. وبضمهما على الجمع. فالحجة لمن وحّد: أنه أراد: أعلاهم وأظلّهم ودليله قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ «٥». والحجة لمن جمع: أنه وافق بذلك بين اللفظين في قوله: مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ «٦». قوله تعالى: لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا «٧». يقرأ بتشديد الميم وتخفيفها. وقد ذكرت علله فيما مضى «٨». قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَنا «٩». يقرأ بالتوحيد وبالتثنية. فالحجة لمن وحّد: أنه أفرد «العاشي» عن ذكر الرحمن بالفعل. ودليله توحيد الفعل بعده في قوله: قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ «١٠». والحجة لمن قرأه بالتثنية: أنه أراد: والشيطان المقيّض له الذي قارنه، لأنهما جميعا جاءا، فكان الخطاب من أحدهما بعد المجيء «١١». وأراد بالمشرقين هاهنا: بعد ما بين المشرق والمغرب، فأتى بالأشهر من الاسمين. قوله تعالى: أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ «١٢». إجماع القرّاء على إثبات الألف بين السين والواو إلّا ما رواه (حفص) عن (عاصم) من حذفها وإسكان السين. فالحجة لمن أثبت الألف:

стр. 315

أنه أراد: جمع الجمع. والحجة لمن حذفها أنه أراد: الجمع فقط، فأما القرق بين السّوار والأسوار فالسّوار لليد، والأسوار من أساورة الفرس. قوله تعالى: فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً «١». يقرأ بفتح السين واللام وبضمهما. فالحجة لمن فتح: أنه أراد: جمع «سالف». والحجة لمن ضم: أنه أراد: جمع «سليف». قوله تعالى: يَصِدُّونَ «٢». يقرأ بكسر الصاد وضمها. فالحجة لمن ضم: أنه أراد: يعدلون ويعرضون، ودليله قوله: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ «٣». والحجة لمن كسر: أنه أراد: يصيحون، ودليله على ذلك مجيء «منه» قبلها ولو كانت بمعنى الإعراض لجاءت معها «عن» كقوله: أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ «٤». وقيل: كسر الصاد، وضمها، وإدخال الألف في أول الفعل وإخراجها بمعنى واحد. قوله تعالى: يا أَيُّهَا السَّاحِرُ «٥». يقرأ بطرح الألف والوقوف على الهاء ساكنة، وبإثبات الألف والوقوف عليها. وقد تقدّم القول في علله آنفا. فإن قيل: لم نحلوه: اسم السّحر، وقد سألوه الدعاء لهم؟ فقل: في ذلك جوابان، أحدهما: أن السّحر في اللغة: دقّة العلم بالشيء، ولطافة النّظر، وحسن العبارة بأطرف الألفاظ. ومنه قولهم: فلان يسحر بكلامه، ويسمون هذا الضرب: السّحر الحلال. والثاني: أنهم خاطبوه بما كان قد تقدّم له عندهم من تشبيهه بالساحر، لأن الأغلب عليهم كان السحر في زمانه. قوله تعالى: أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ «٦». يقرأ بكسر الهمزة وفتحها. فالحجة لمن كسر: أنه جعل الكلام تامّا عند قوله «إِذْ ظَلَمْتُمْ» ثم استأنف (إنكم) فكسرها. والحجة لمن فتح: أنه جعل آخر الكلام متّصلا بأوله «٧» فكأنه قال: ولن ينفعكم اليوم

стр. 316

اشتراككم في العذاب إذ ظلمتم أنفسكم في الدنيا فيكون موضع «أنكم» هاهنا رفعا، والكاف والميم في موضع نصب. قوله تعالى: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ «١». يقرأ بإثبات الياء وحذفها. وقد تقدم ذكره «٢». قوله تعالى: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ «٣». يقرأ بالاستفهام على طريق التوبيخ، وبالإخبار. وقد ذكرت علل ذلك فيما سلف «٤». قوله تعالى: ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ «٥». يقرأ بإثبات هاء «٦» بعد الباء وبحذفها. فالحجة لمن أثبتها: أنه أظهر مفعول تشتهي، لأنه عائد على «ما». والحجة لمن حذفها: أنه لما اجتمع في كلمة واحدة فعل وفاعل ومفعول خفّفها بطرح المفعول لأنه فضلة في الكلام. قوله تعالى: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ «٧». يقرأ بالياء والتاء على ما قدمناه في أمثاله «٨». فأما ضم أوله فإجماع. قوله تعالى: وَقِيلِهِ يا رَبِّ «٩». يقرأ بالنصب والخفض «١٠». فالحجة لمن نصب: أنه عطفه على قوله: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ «١١» وقيله. والحجة لمن خفض: أنه ردّه على قوله: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ «١٢»، وعلم قيله.

стр. 317

قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ «١» يقرأ بالياء والتاء على ما تقدّم من القول في أمثاله. ومن سورة الدخان قوله تعالى: رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٢». يقرأ بالرفع والخفض هاهنا وفي الْمُزَّمِّلُ «٣» وعَمَّ يَتَساءَلُونَ «٤». فالحجة لمن خفض: أنه جعله بدلا من الاسم الذي قبله. والحجة لمن رفع: أنه جعله مبتدأ، أو خبرا لمبتدإ، أو أبدله من قوله: هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «٥» ربّ. قوله تعالى: فَاعْتِلُوهُ «٦». يقرأ بكسر التاء وضمّها وهما لغتان: كقوله: يَعْرِشُونَ «٧»، يَعْكُفُونَ «٨». وقد ذكرت علله فيما مضى. قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ «٩». يقرأ بكسر الهمزة وفتحها. فالحجة لمن كسر: أنه جعل تمام الكلام عند قوله «ذق»، وابتدأ إن بالكسر. والحجة لمن فتحها: أنه أراد: حرف الخفض فحذفه، ففتح لذلك. وقيل معنى قوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ «١٠» يريد: عند نفسك، فأما عندنا فلا. وقيل: هو كناية من الله بأحسن الألفاظ. والمراد به: السفيه الأحمق، أو الذليل كقول قوم شعيب له: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ «١١». قوله تعالى: يَغْلِي فِي الْبُطُونِ «١٢». يقرأ بالياء ردا على «المهل»، وبالتاء ردّا على «الشجرة». والأثيم هاهنا: أبو جهل. قوله تعالى: فِي مَقامٍ أَمِينٍ «١٣». يقرأ بضم الميم وفتحها. وقد ذكر معنى ذلك بما فيه كفاية «١٤».

стр. 318

ومن سورة الجاثية قوله تعالى: وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ «١» وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ «٢». يقرءان بالرفع والنصب. ودليل النصب فيه كسرة التاء. فالحجة لمن رفع: أنه جعل: الآيات مبتدأة، وما تقدم من الصفة وما تعلقت به خبرا عنها. ولمن نصب وجهان: أحدهما: العطف على الأول وفيه ضعف «٣» عند النحويين، لأنه عطف على «معمولي» عاملين مختلفين على (إن) وهي تنصب، وعلى (في) وهي تخفض. والثاني: أن تبدل الآيات الثانية من الأولى، ويعطف بالثالثة على الثانية. وإن اختلفت «الآيات» فكانت إحداهن في السماء، والأخرى في الأرض فقد اتّفقا في أنهما خلق لله . قوله تعالى: وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ «٤». يقرأ بالياء والتاء على ما قدّمناه في أمثاله. قوله تعالى: لِيَجْزِيَ قَوْماً «٥». يقرأ بالياء إخبارا من الرسول ﷺ عن ربّه، وبالنون إخبارا من الله عن نفسه. قوله تعالى: لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ «٦». يقرأ برفع الميم، وخفضها. وقد تقدّم ذكر العلة فيه «٧». قوله تعالى: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ «٨». يقرأ بالنصب والرفع. فالحجة لمن نصب: أنه عدّى إليه قوله: أَنْ نَجْعَلَهُمْ سواء. والحجة لمن رفع: أنه جعل قوله كَالَّذِينَ

стр. 319

آمَنُوا «١» هو المفعول الثاني ورفع «سواء» بالابتداء و «محياهم» الخبر. وقد يجوز لمن جعل كَالَّذِينَ آمَنُوا المفعول الثاني أن ينصب سواء على الحال، ويقف عليه. قوله تعالى: وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً «٢». يقرأ بكسر الغين وإثبات الألف، وبفتحها وحذف الألف. فالحجة لمن كسر الغين: أنه جعله مصدرا مجهولا كقولك: «الولاية» و «الكفاية». والحجة لمن فتح الغين: أنه جعله كالخطفة والرّجعة. وقال بعض أهل النظر: إنما قال: غشاوة لاشتمالها على البصر بظلمتها فهي في الوزن مثل: الهداية. قوله تعالى: وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها «٣». إجماع القرّاء على الرفع إلا (حمزة) فإنه قرأه بالنصب. فالحجة لمن رفع: أن من شرط «إنّ» «٤» إذا تمّ خبرها قبل العطف عليها كان الوجه الرفع. ودليله قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ «٥». فأما حجة (حمزة) فإنه عطف بالواو لفظ «الساعة» لأنها من تمام حكاية قولهم. وعلى ذلك كان الجواب لهم في قوله: قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ «٦». قوله تعالى: فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ «٧». يقرأ بفتح الياء وضمّها. وقد ذكر. ومن سورة الأحقاف قوله تعالى: بِوالِدَيْهِ حُسْناً «٨». يقرأ بضم الحاء من غير ألف، وبألف قبل الحاء وإسكانها، وألف بعد السّين، وهما مصدران. فالأول من: حسن يحسن حسنا. والثاني: من: أحسن يحسن إحسانا. قوله تعالى: لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا «٩». يقرأ بالياء والتاء، فالياء ، أو للنبيّ ﵇، أو للقرآن، والتاء للنبي خاصة. قوله تعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً «١٠». يقرءان بضم الكاف وفتحها. وقد تقدم ذكره «١١».

стр. 320

قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ «١». يقرءان بالياء مضمومة ورفع «أحسن» بما لم يسم فاعله، وبالنون مفتوحة فيهما ونصب: «أحسن» على أنه إخبار من الفاعل عن نفسه. قوله تعالى: أُفٍّ لَكُما «٢» مذكور بعلله في بني إسرائيل «٣». قوله تعالى: وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ «٤». يقرأ بالياء والنون على ما تقدّم «٥». قوله تعالى: لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ «٦». يقرأ بفتح التاء، ونصب «مساكنهم» وبضم التاء ورفع «مساكنهم». فالحجة لمن فتح التاء ونصب: أنه جعل الخطاب للرسول ﵇ ونصب «مساكنهم» بتعدّي الفعل إليه. والحجة لمن ضم: أنه دلّ بذلك على بناء ما لم يسم فاعله ورفع الاسم بعده، لأن الفعل صار حديثا عنه. قوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ «٧». يقرأ بهمزة واحدة مقصورة كلفظ الأخبار. معناه: «ويوم يعرض الذين كفروا على النار» فيقال: «أذهبتم» أو يريد به: التوبيخ، ثم يحذف الألف، ويقتصر منها على الهمزة الباقية. وانفرد (ابن كثير) بقراءة هذا الحرف بهمزة ومدّة، فالأولى ألف التوبيخ، والمدة عوض من ألف القطع، واللفظ بالألف كلفظ الاستفهام. وكل لفظ استفهام ورد في كتاب الله فلا يخلو من أحد ستة أوجه: إمّا أن يكون توبيخا، أو تقريرا، أو تعجّبا، أو تسوية، أو إيجابا، أو أمرا. فأمّا استفهام صريح فلا يقع من الله تعالى في القرآن، لأن المستفهم مستعلم ما ليس عنده، طالب للخبر من غيره، والله عالم بالأشياء قبل كونها. فالتوبيخ: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ «٨» والتقرير:
следующие страницы →