الأغراض جميعا، وقد نسخ هذا الكتاب المصور سنة ٦٠٠ هـ بخطوط مختلفة آخرها خط صديق بن عرين محمد بن الحسين «١».
على أننا نجد كتاب الحجّة موضوع الحديث نسخ بخط واحد سنة ٤٩٦ هـ وهو موقوف على القراءات وحدها، والاحتجاج لها.
إن الذي يطمئن إليه القلب، ويرتضيه العقل أن كتاب القراءات المنسوب إلى ابن خالويه في كتب الطّبقات هو كتاب الحجة نفسه، لأنه لا يعقل أن يكرر ابن خالويه ما كتبه أستاذه ابن مجاهد في القراءات، لأن ابن مجاهد كل عمله في القراءات أنه انتخب من القراءات العديدة هذه القراءات السّبع، وليس فيه الاحتجاج النّحوي أو اللّغوي لهذه القراءات، على حين يطالعنا كتاب الحجة لابن خالويه بالتوجيه لكل قراءة، والاحتجاج لها في مجال النحو واللغة وكذلك فعل أبو علي الفارسي في حجته، اعتمد على هذه القراءات السّبع التي جمعها أستاذه ابن مجاهد، واحتج لها في ميدان النحو واللغة.
يقول الفارسي في مقدّمته: «فإن هذا كتاب تذكر فيه وجوه قراءات القراء الذين ثبتت قراءاتهم في كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد» «٢»، فأبو علي الفارسيّ كما يبدو في مقدمته، لم يرد أن يكون كتابه نسخة مكررة من كتاب أستاذه ابن مجاهد، بل كان عمله التوجيه والاحتجاج. إذا كان الأمر كذلك فهل يعقل في باب المنطق أن يأتي معاصر لأبي عليّ كانت بينهما منافسات علمية خطيرة أشرت إليها في بحثي المنشور في مجلة «اللسان العربي» - ليؤلف في القراءات وتكون مهمته تكرار كتاب أستاذه؟
إن العصر الذي ضمّ هؤلاء الأعلام كان عصر احتجاج للقراءات التي ثبتت عن ابن مجاهد، ولم يكن الأمر مقصورا على أبي عليّ الفارسيّ فقد شاركه في ذلك محمد بن الحسن الأنصاري المتوفي ٣٥١ حيث ألف كتاب السّبعة بعللها الكبير، وكتاب السّبعة الأوسط، وكتاب السّبعة الأصغر «٣» وألّف كذلك أبو محمد الحسن بن مقسم المتوفي ٣٦٢ هـ كتاب السّبعة بعللها: الكبير، والأوسط، والأصغر «٤».
стр. 37
أيصح أن يقال إذن: إن ابن خالويه اللّغوي الكبير كان عاجزا عن متابعة هذه الحركة القرآنية في عصره، وهو من خيرة أعلامه، ومن أشهر تلاميذ ابن مجاهد؟.
الواقع أنّ العقل لا يسلّم بذلك، فإن الظروف المحيطة بهذا اللون من الدراسات تلحّ على ابن خالويه أن يؤلف في القراءات، ويوجّهها، ويحتجّ لها كما فعل معاصروه. وأكبر الظنّ أن الكتاب كان عنوانه الحجّة في القراءات السّبع فعند النسخ سقطت كلمة الحجة، وهو أمر يحدث كثيرا على يد النساخ، أو اختصر عنوانه فأصبح: القراءات، واختصار العناوين ليس بدعا في مؤلفاتنا. وقد أشار إلى ذلك محققو كتاب الحجة للفارسي حيث ذكروا أن كتاب الحجة يرد «في الكتب التي تذكره بأسماء مختلفة منها: الحجّة، والحجّة في علل القراءات السبع، والحجّة في شرح القراءات السبع. «١»
ألا يدلّ ذلك على أن أبا عليّ لم يضع هذه الأسماء العديدة لكتابه، وإنما وضع اسما واحدا فقط، فجاء الرّواة، أو النّاسخون، فغيّروا وبدّلوا مما جعل اسم هذا الكتاب يتخذ صورا متعددة.
على أن ابن خالويه كان في مقدمته صريحا، فقد ذكر أن الكتاب في الاحتجاج وقد قلت: إن أنسب تسمية لهذا الكتاب هي الحجة، فكلمة الحجة تطالعك في كل سطر من سطور هذا الكتاب.
(٢) ذكرت أن كتب الطّبقات ليست حجّة قاطعة نرجع إليها في نفي نسبة الكتاب إلى ابن خالويه حيث لم تشر إليه، ذلك لأن هذه الكتب نفسها أغفلت ذكر كتب لابن خالويه، منها: كتاب أسماء الله الحسنى الذي أشار إليه ابن خالويه نفسه في كتابه:
إعراب ثلاثين سورة حيث قال: وقد صنفتها في كتاب مفرد، واشتقاق كلّ اسم منها ومعناه «٢».
وقد علق الأستاذ الناقد على هذا القول بقوله: «هذا كلام من نمط سابقه فإن كتابه الحجة جدير بأن يذكر في أول قائمة كتب ابن خالويه لو صحت النسبة وحيث لم يذكر في كتب الطبقات، ولا ذكر في باقي كتب ابن خالويه، فهذا دليل على عدم صحة نسبته إليه، لأن كتب الطبقات لم تذكره، ولأن ابن خالويه لم يشر إليه في تضاعيف كتبه».
стр. 38
أقول لأخي الناقد:
لا أحب أن أكرّر ما قلت في شأن كتب الطبقات فليس أصحابها معصومين من النسيان، وليست هذه الكتب بمأمن من الخطأ، ولا أدل على ذلك من هذا التراث الضخم الذي حوته فهارس مكتباتنا في الشرق والغرب، ولا تجد للكثير منه ذكرا في كتب الطبقات المعروفة.
ألم أقل في بحثي لإنتاج ابن خالويه العلميّ: إنني استطعت أن أنسب إلى ابن خالويه كتبا لم تضمها كتب الطبقات؟ وعددت من هذه الكتب عشرة كتب أذكر منها: كتاب الريح. وكتاب أسماء الله الحسنى، وكتاب الهاذور، وشرح ديوان أبي فراس الحمداني ..
أتسقط هذه الكتب لأنها لا توجد في البغية، أو في أنباء الرواة، أو في معجم الأدباء ... الخ؟
لو فعلنا ذلك لأجهزنا على تراثنا بأيدينا من حيث لا نشعر.
ولا أسلم أيضا للناقد الفاضل بأن ابن خالويه لم يشر إليه في تضاعيف كتبه، لأن ابن خالويه قد أشار إليه، أشار إليه في كتابه «إعراب ثلاثين سورة» عند تعرضه للقراءات في قوله تعالى: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: «أجمع العلماء على كسر الهاء في التثنية إذا قلت: عليهما، قال الله : يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا «١» إلا يعقوب الحضرمي فإنه ضم الهاء في التثنية كما ضمّها في الجمع، وقد ذكرت علة ذلك في كتاب «القراءات». «٢» وهذا التّعليل تجده في الحجة «٣». وأمّا عدم ذكره باسم الحجة فقد بينت السّرّ في ذلك، وأن هذه التسمية جاءت متأخرة عن عصر ابن خالويه.
إن ابن خالويه حينما يقول: ذكرت علة ذلك في كتاب «القراءات» أليست هذه إشارة واضحة إلى أنّ المعنيّ بذلك هو كتاب الحجة؟ وما مدلول قوله: «علة ذلك»؟
أليست العلة هي التوجيه النحوي أو اللغوي؟ وما التوجيه النحوي أو اللغوي إلا الاحتجاج، وما الاحتجاج إلا ذكر الحجة، والحجّة تتكرر في كل قراءة يعرضها.
إنّ الذي يعنيني يا سيدي أوّلا وأخيرا هو المضمون لا الشكل، والجوهر لا العرض، والمعنى لا اللفظ، وهذا كله يشير إلى أن كتاب القراءات الذي أشار إليه ابن خالويه هو في الاحتجاج، وبذلك لا نسلم للناقد الفاضل قوله: إنه لم يشر إليه في تضاعيف كتبه.
стр. 39
(٣) وحينما ذكرت أنّ التّسمية بالحجة قد تكون من عمل المتأخرين، وحتى كتاب الحجة للفارسي لم يقدمه أبو عليّ لعضد الدولة باسم الحجة.
يقول الأستاذ العابد معلّقا: «إننا نؤكّد أن النسخ العتيقة التي توجد من كتاب الحجة لأبي عليّ الفارسيّ مكتوب بظهر أول ورقة من أجزائه بخط عريق في القدم من نسخة كان يتملكها الحافظ الحجة أبو الحسن عليّ بن محمد الشاري ما صورته: الجزء السابع من كتاب الحجة لقراء الأمصار ... الخ. فمن أين الجزم بأن أبا علي الفارسي لم يسم كتابه بالحجة؟
أقول:
أخي، إن الذي دفعني إلى هذا القول هو أن عنوان الكتاب على الغلاف ليس هو الفيصل في القضية كما فهمت سيادتك .. فقد درج المؤلفون أن يذكروا في مقدمة كتبهم أسماء هذه الكتب أو موضوعاتها، ويقوم الناسخون بوضع هذه التسمية على الغلاف إن كانت مذكورة في المقدمة، أو وضع اسم ينطبق على موضوع الكتاب إن لم يكن اسمه مذكورا بنصه، على أن الغالب في مؤلفات القدامى أنهم يذكرون موضوعات كتبهم في مقدماتهم، ولا يشيرون إلى أسمائها، فعل ذلك أبو عليّ الفارسيّ حينما ذكر في مقدمة كتابه الحجة ما نصه: فإن هذا كتاب تذكر فيه وجوه قراءات القراء الذين ثبتت قراءاتهم في كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد «١» ولم يشر إلى هذه التسمية وإنما فهمت التسمية من موضوع الكتاب، ولذلك اختلف الرواة فيها كما بينت آنفا.
وفعل ذلك ابن خالويه حينما ذكر في مقدّمته ما نصه: «وأنا بعون الله ذاكر في كتابي هذا ما احتج به أهل صناعة النحو لهم في معاني اختلافهم» «٢» فكلمة «احتج» تجدها في مقدمة ابن خالويه على حين تفتقدها في مقدمة الفارسي.
وفعل ذلك أيضا الفارسيّ في كتابه: «الإغفال» حيث يقول في مقدّمته بصدد المسائل التي أغفلها الزجاج ما نصه: «ذكرناها لما اقتضت عندنا من الإيضاح للإغفال الواقع فيها» وكتب على غلاف النسخة المخطوطة «الإغفال لأبي عليّ الفارسيّ «٣».
стр. 40
وكذلك فعل أبو محمد مكّي بن أبي طالب الأندلسي في مقدمة كتابه «تفسير مشكل إعراب القرآن» حيث يقول: «فقصدت في هذا الكتاب إلى تفسير مشكل الإعراب، وذكر علله، وصعبه، ونادره، ليكون خفيف المحمل» «١» .. الخ. ولم يشر إلى أن هذا الكتاب اسمه: «تفسير مشكل إعراب القرآن» وإنما ذكر الموضوع، ولا يخفى على الراوية أو الناسخ لبّ هذا الموضوع، فاستنتج الاسم منه ونسب إليه.
ولا أبالغ إذا قلت: إن كتاب سيبويه أشهر كتاب انتشر في الآفاق لم يسمه سيبويه بهذا الاسم، وإنما جاءت التسمية من الرواة أو الدارسين أو الناسخين، يقول أستاذنا
المحقق الكبير الأستاذ عبد السلام هارون في مقدمته القيمة لتحقيق كتاب سيبويه ما نصه:
«وقد عرف كتاب سيبويه من قديم الدهر إلى يومنا هذا باسم الكتاب أو كتاب سيبويه، ومن المقطوع تاريخيا أن سيبويه لم يسمّه باسم معين» «٢».
وفي العصور المتأخرة نجد المؤلفين ينصون على تسمية كتبهم في مقدماتها وبذلك يكون عنوان الغلاف وفق عنوان اسم الكتاب المشار إليه في المقدمة فهذا ابن هشام في مقدمة كتابه المغنى يشير إلى اسم كتابه فيقول: «سميته بمغنى اللبيب عن كتب الأعاريب». والسيوطي في مقدمة كتابه الهمع يقول: «فتخيرت لهم هذه العجالة الكاملة بحل مبانيه، وتوضيح معانيه إلى أن يقول: مسماة بهمع الهوامع في شرح جمع الجوامع».
ولعل في هذا الدليل الشافي في أنّ عنوان الكتاب قد لا يكون في بعض الأحيان من وضع المؤلف، أو من تسمية المؤلف.
(٤) وقد ذكرت أنّ من الأدلة على أنّ الحجة لابن خالويه دليل التنافس العلمي في هذا العصر، ولكن هذا الدليل لم يرق في نظر الناقد فكتب يقول: «وأنا لا أدري ما وقع هذا الدليل. والتنافس العلمي ولو بلغ ما بلغ لا ينتج مثل هذا الفرض المشكوك فيه من أصله، وقد وقع التنافس في كثير من الفنون في عصره، ولم يؤلف ابن خالويه في جميع تلك العلوم المتنافس فيها»؟.
أقول:
لعل الناقد الفاضل يذكر أن أهمّ ما كان يشغل ذهن ابن خالويه هو العلوم القرآنية،
стр. 41
وإذا نافس فإنه ينافس في مجالها، أما ما عدا ذلك من ألوان المعرفة كالطب والفلك، والمنطق والفلسفة، والحساب والهندسة، فهذه علوم لا تدخل في حساب المنافسة.
وقد أشرت إلى منافسته للفارسيّ وابن جنيّ، وغيرهما كما سبق بيانه في مجال الدراسات القرآنية.
(٥) وقد قلت:
إنّ من أوضح أدلّة التوثيق لهذا الكتاب، ونسبته لابن خالويه تشابه أسلوبه ومنهجه مع مؤلفات ابن خالويه الأخرى، وهذا التشابه محصور في الإيجاز والاختصار، وموضوعات أخرى ذكرتها في بحثي، واستدللت عليها بنصوص لا تقبل الجدل، ولا تحتمل الشك.
ولكن الأخ الناقد لم يعجبه هذا التدليل فقال: «إن الأسلوب والمنهج الذي كان سائدا في عصر ابن خالويه لم يكن خاصا به بل كان عاما لدى الشخصيّات التي تتلمذ لابن مجاهد، وأبو عليّ الفارسي في كتابه لم يكن يتبع غير طريقة الإيجاز ولو نسبيا».
أقول:
لقد جعلني الناقد الفاضل أشك في أنه قرأ أو اطلع على كتاب الحجة للفارسي الذي طبع منه الجزء الأول بتحقيق أستاذنا النجدي ورفاقه، وقد أشار سيادته في نقده إلى هذا الجزء المطبوع.
من قال: إن أبا عليّ الفارسيّ في كتابه الحجة كان طابعه الإيجاز ولو نسبيا؟ إن هذا قول لا تطمئن إليه النفس وإليك الدليل:
إن الجزء الأول المطبوع من حجّة الفارسيّ يحتوي على ٣٣١ صفحة من القطع الكبير، ابتداء بفاتحة الكتاب، وانتهاء بقوله تعالى: عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آية ٢٠ من سورة البقرة. أي أنّ هذا الجزء الضخم كله توجيه لقراءات الفاتحة، ولعشرين آية من سورة البقرة، فهل هذا إيجاز يا سيدي؟
إن الأساتذة المحققين أحسوا أن نشر كتاب الحجة للفارسي قد يصل إلى أربعين جزءا على غرار الجزء الأول مما يتطلّب وقتا طويلا، وعمرا مديدا، ومنذ ثلاث سنوات لم ير النور من كتاب الحجة للفارسي غير هذا الجزء الأول، مما دفعني دفعا قويّا إلى إخراج كتاب الحجة لابن خالويه، لأنه يقدم للقارئ خلاصة موجزة للاحتجاج النحوي واللغوي للقراءات السبع في أسلوب ممتع، وفي عرض يشرق على القارئ بهاؤه، ويستولي على نفسه جماله، وقد جعل الاختصار رائده ليحقق الهدف الأكبر من تأليفه، وهو انتفاع الناس
стр. 42
به، أو كما يقول في مقدمته:
«قاصد قصد الإبانة في اقتصار من غير إطالة ولا إكثار، جامع ذلك بلفظ بين جزل، ومقال واضح سهل، ليقرب على مريده، وليسهل على مستفيده» «١».
ومن حسن الحظ أن كتاب الحجة لابن خالويه أصدرته ونشرته دار الشروق ببيروت في أوائل أغسطس سنة ١٩٧١، وهو الآن يشق طريقه إلى عقول القراء، لأنه الكتاب الوحيد في المكتبة العربية الآن الذي يمكن للقارئ الرجوع إليه عند توجيه قراءة في مجال النحو واللغة من القراءات السبع.
وإلى أخي الفاضل الأستاذ العابد أقدم دليلا ملموسا من كلام ابن جنّى تلميذ الفارسي حول هذا الكتاب، ورأي ابن جني الذي امتص ثقافة أستاذه الفارسي في هذا المجال رأي لا يتسرّب إليه الشك أو الضعف لأنه شهادة على النفس، ولأن ابن جني من الفارسيّ بمثابة الروح من الجسد. يقول ابن جني في المحتسب: «فإن أبا علي ﵀ عمل كتاب الحجة في القراءات فتجاوز فيه قدر حاجة القراء، إلى ما يجفو عنه كثير من العلماء» «٢».
ويقول في موضع آخر: «وقد كان شيخنا أبو عليّ عمل كتاب الحجة في قراءة السبعة فأغمضه وأطاله حتى منع كثيرا ممن يدّعي العربيّة فضلا عن القراء، وأجفاهم عنه «٣».
ألا يدل هذا على أنّ أبا علي الفارسي لم يكن رائده الإيجاز والاختصار كما يقول الناقد.
بل كان رائده التطويل الممل، والاستطراد المخلّ، والأسلوب المعقد كما أشار إلى ذلك تلميذه ابن جني.
وليقتنع الناقد الفاضل بما أقول فإليه هذا المثال من كتاب حجة الفارسي:
قال أبو علي في قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. «اختلفوا في إثبات الألف وإسقاطها من قوله: ملك يوم الدين ثم يبين قراءة عاصم، وقراءة غيره وبعد ذلك ينقل عن أبي بكر محمد بن السرّي نصا يستدلّ فيه على أن «ملك» يجمع (مالكا) أي ملك ذلك اليوم بما فيه، ومالك إنما يكون للشيء وحده.
ولا يكتفي بهذا، بل ينقل حكاية عن عاصم الجحدري، وبعد ذلك ينقل رواية
стр. 43
لثعلب يحتجّ فيها لقراءة الكسائي «ملك الناس» ويستطرد إلى قول أبي عبيد في تفسير معنى ملك يوم الدين ويبين أن المالك والملك يجمعهما معنى واحد ويرجعان إلى أصل وهو الرّبط والشدة، ويستدل على ذلك بالشعر العربيّ، ويستطرد مرة أخرى إلى تفسير معنى الاملاك، وهو ربط الرجل بالمرأة، ويعود من حيث بدأ إلى قراءة «ملك»، وقراءة «مالك» وسرعان ما يترك توجيه القراءة إلى موضوع آخر ليس منها فيقول: قال أبو الحسن الأخفش يقال: ملك بيّن الملك: الميم مضمومة، وتقول: مالك بين الملك والملك بفتح الميم وكسرها.
ولا يكتفي بهذا بل ينقل عن أبي عثمان فيقول: وقال أبو عثمان: شهدنا أملاك فلان وملكه، ولا يقال: ملاكه، وينتقل إلى الحديث عن إملاك المرأة وهو العقد عليها، وقد ذكره فيما قبل، ثم عاد إليه.
ومن غير وحدة أو ترابط يرجع بعد ذلك إلى قراءة «ملك» أو «مالك» فإذا فرغ من هذا اتّجه إلى الحديث عن إضافة مالك إلى يوم الدين والإضافة باب من أبواب النحو، أخذ أبو علي يشقق الحديث عنها إلى منتصف ص ٣٦، أي أن الحديث عن مالك يوم الدين تناول ٣٦ صفحة من القطع الكبير. فهل هذا إيجاز أو اختصار؟
انظر إلى ما كتبه ابن خالويه في مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال ما نصه: «يقرأ بإثبات الألف وطرحها، فالحجة لمن أثبتها أن الملك داخل تحت المالك، والدليل له قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ «١». والحجة لمن طرحها أن الملك أخص من المالك وأمدح، لأنه قد يكون المالك غير ملك، ولا يكون الملك إلا مالكا. «٢»
وقد بلغت صفحات حجة ابن خالويه بعد طبعه ٣١٨ صفحة من القطع الكبير خلاف المقدمة والفهارس مع أنه تناول توجيه القراءات السبع في القرآن الكريم كله مبتدئا بفاتحة الكتاب، ومنتهيا بسورة الناس.
(٦) ومن أدلتي في أن كتاب الحجة تصح نسبته إلى ابن خالويه: أن الاعلام الذين سجلهم ابن خالويه في كتابه كانوا أسبق منه زمنا مما يدل على أن الكتاب لم يؤلف بعد عصر ابن خالويه، ولكن هذا الدليل من الأدلة الواهية في نظر الناقد الفاضل حيث يقول:
«هذا من الاستدلالات الواهية، ومتى كان النقل عن أعلام سابقين في الزمان دليلا على تثبيت نسبة الكتاب لشخص معيّن».
стр. 44
أحبّ أن أذكّر الأستاذ النّاقد بما ذكره أستاذنا المحقق عبد السلام هارون حيث قال ما نصه في كتابه المبتكر «تحقيق النصوص ونشرها»: «وتعد الاعتبارات التاريخية من أقوى المقاييس في تصحيح نسبة الكتاب أو تزييفها، فالكتاب الذي تحشد فيه أخبار تاريخية تالية لعصر مؤلفه الذي نسب إليه جدير بأن يسقط من حساب ذلك المؤلف. ومن أمثلة ذلك كتاب نسب إلى الجاحظ وعنوانه «كتاب تنبيه الملوك والمكايد» ومنه صورة مودعة بدار الكتب المصرية برقم ٢٣٤٥ (أدب) وهذا الكتاب زيف لا ريب في ذلك، فإنك تجد من أبوابه باب «نكت من مكايد كافور الإخشيدي» و «مكيدة توزون بالمتقي لله»، وكافور الإخشيدي كان يحيا بين سنتي ٢٩٢، ٣٥٧، والمتقي لله كان يحيا بين سنتي ٢٩٧ و ٣٥٧، فهذا كله تاريخ بعد وفاة الجاحظ بعشرات من السنين «١» ومن الأمثلة على ذلك أيضا ما ذكرته في كتابي «القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية» أن كتاب إعراب القرآن للزجاج المخطوط بدار الكتب المصرية رقم ٥٢٨ تفسير ليس للزجاج بأدلة ذكرتها، منها: ورود عبارة في هذا الكتاب وقفت عندها طويلا وهي قوله في باب التقديم والتأخير: «وقد تصالح الأستاذ والغلام على أن الظرف يعمل فيه الوهم ورائحة الفعل». وذهبت أبحث من الأستاذ؟ ومن الغلام؟ لأنه إذا تمّ التعرف عليهما أو على أحد منهما، وتبين أنهما عاشا في عصر متأخر عن عصر الزجاج أمكن أن يكون ذلك دليلا يؤكد أن كتاب إعراب القرآن هذا ليس للزجاج.
أقول: بعد بحث طويل وجدت في تاريخ الأدب العربي «لبروكلمان» ما نصه:
«وكان أوفى تلاميذ ثعلب له، وأقربهم إليه أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد المطرز الورّاق البارودي، ومن ثم سمي غلام ثعلب، وتوفي غلام ثعلب ببغداد سنة ٣٤٥ هـ» «٢» على أنّ الزجاج المنسوب إليه هذا الكتاب توفي عام ٣١١ هـ «٣» ولعلّ في هذا القدر الكافي لإقناع الأخ الناقد.
(٧) وأما الدليل السابع من أدلة النقد، فإنه ينصبّ على قولي: «ومن الأدلة تقارب بعض النصوص في مؤلفات ابن خالويه الأخرى مع بعض نصوص الحجة، وقلت: إنني لا أبالغ في أن هناك نصوصا بأساليبها وكلماتها في هذه المؤلفات هي بعينها في كتاب الحجة».
стр. 45
ولكن الناقد لم يقتنع بهذا أيضا فيقول: «إن هذه المشابهة أو المقارنة بين النصوص لا تفيد شيئا في الواقع، ومجرّد إلقاء الباحث نظرة في كتاب الحجّة لأبي علي الفارسيّ المعترف به من الجميع مع مراجعة ما قاله النحويون، والقراء والمفسرون والمعاصرون، للفارسي ولابن خالويه يجد أنّ جميع تلك النصوص متشابهة ومتقاربة في المعنى حتى وفي اللفظ في بعض الأحيان، ومع ذلك التشابه، والتقارب لا يمكن أن نستدلّ بذلك على إثبات نسبة كتاب معيّن لشخص معيّن بمجرّد التشابه والتقارب».
أقول:
كنت أودّ من الزّميل الفاضل أن يذكر لي، ولو نصا واحدا من هذا التشابه والتقارب المعنويّ أو اللفظي كما ذكر.
يا سيدي ... لقد علمتنا كتب التراث أمانة النقل فإذا رجع مفسّر من المفسرين أو النحويين أو القراء إلى حجة أبي عليّ مثلا، فإنه لا ينقل نصوصا متقاربة المعنى أو متشابهة اللفظ إلا بعد أن يذكر قوله: (وقال الفارسيّ في الحجة) أما أن يعتدي على المعاني، ويكسوها ألفاظا من عنده فهذه سرقة لا تليق بعالم يعتدّ بقوله. ومن وقع فيها شهّر به، وسخر منه، والروايات على ذلك عديدة. والمعاني يا سيدي ليست مطروحة على الطريق، وإنما هي نتيجة كدّ الذهن، وإعمال الفكر، وبذل الطاقة، والاطّلاع الواسع والإلهام المبدع. كيف تتقارب المعاني، ولكل مفسر منهجه وطريقته ولكل كتاب من كتب القراءات في الاحتجاج وغيره أسلوبها الخاصّ، وطريقتها الخاصة؟ نعم إن النقول قد تعدّدت في كتب التراث، ولكنها نقول لها مصادر معروفة، وأشخاص معروفون صدرت عنهم، ونقلت منهم، ولا يصحّ التصرف فيها بالتغيير أو التبديل. وما عدا ذلك ففردية في الطّريقة، وفي المنهج وفي الأسلوب، وإلا كان تكرارا أو سطوا وكلاهما لا يليق بأولي العلم والمعرفة، هذا في مجال المعاني فما بالك في مجال تشابه اللّفظ. أظنّ أنّ توافق الخواطر قد يحدث في جملة أو كلمة أمّا أن يحدث في نصّ تتعدّد سطوره فذلك أمر لا يقبله المنطق. وقد ذكرت يا سيدي تشابه أسلوب ابن خالويه في كتاب الحجّة بأساليبه في كتبه الأخرى، لأن المؤلف واحد، والعقل واحد، والأسلوب واحد، وطريقة التفكير واحدة. وقد بيّنت أنّ في الحجة من كتاب «إعراب ثلاثين سورة» نصوصا بألفاظها ومعانيها، وأن في الحجة من كتاب «الريح» نصوصا بألفاظها ومعانيها، وقد سجلت ذلك في بحثي المنشور في مجلة اللسان العربي» نفس العدد الذي ذكر فيه نقد الأستاذ الفاضل. ألا يكفي هذا دليلا واضحا على أنّ الحجة لابن خالويه لا لغيره.
стр. 46
(٨) والناقد الفاضل لم يعترف بقدم النسخ، «لأن الناسخ مجهول أمره، ولأن الخط ليس من الخطوط المتداولة في القرن الخامس الهجري، يعرف هذا بالبداهة من له خبرة بالخطوط، وتطوّراتها، والمقابلة المذكورة لا تفيد أي شيء، ولأن كاتبها مجهول».
أقول:
إن هذا الدليل لا نسلّم للسيد الفاضل بصحته، لأن كثيرا من الكتب المخطوطة لم تظفر بذكر اسم ناسخها، وجهل الناسخ لا يقلل من قيمتها، لأن الدراسة التي تقوم حولها، وتحليل مناهجها وطريقة تأليفها، والتمرس بأسلوب مؤلفها، والخبرة بالعصر الذي نسخت فيه كل ذلك يزيل الغموض عنها، كما فعلت ذلك في دراستي لكتاب الحجة.
على أن كتاب الحجة للفارسي لم تظفر النسخة الأصل التي اعتمد عليها المحققون باسم الناسخ، فهل جهل الناسخ ينفي أنّ كتاب الحجة للفارسي. أليس من التناقض أن أثبت أن كتاب الحجة منسوب للفارسيّ مع جهل الناسخ، وأنفي نسبة كتاب الحجة لابن خالويه لأن الناسخ مجهول؟
أما جهل ناسخ الحجة للفارسي فإليك الدليل:
قال المحققون: «اعتمدنا في تحقيق كتاب الحجة على نسختين، كتبت أولاهما سنة ٣٩٠ هـ بخطّ النسخ الواضح، وضبطت كلماتها بالشكل ضبطا كاملا وهي في مكتبة بلدية الاسكندرية برقم ٣٥٧٠ ع، وفي دار الكتب المصرية صورة منها برقم ٤٦٢ قراءات.
وفي خزانة مجمع اللغة العربية مصورة منها كذلك، وقد جعل المحققون هذه النسخة هي الأصل لأنها الأقدم في النسخ، ولم يشيروا إلى اسم الناسخ لأنه غير موجود».
من هذا، يتبيّن أنّ ظاهرة كتابة اسم الناسخ قد تتخلف في كثير من الكتب المخطوطة وليس الجهل بالناسخ ينقص من قدر المخطوط، ويقلل من قيمته، وإلا لما اعترفنا بكتاب الحجّة للفارسيّ، وهو لا يتطرّق إليه الشك.
مع أنّ هذه النسخة كما يقول المحققون كتبت بخطوط مختلفة فقد ذكروا ما نصه:
«ويلاحظ أن خطّ الصفحتين الأولى والثانية مخالف لخط سائر الصفحات في كلّ من الجزء الأول، والثاني، والسابع، وخط الصفحات الأولى والثانية والأخيرة مخالف
لخط سائر صفحات الجزء الثالث، وخط الصفحتين الأوليين والصفحتين الأخيرتين مخالف لخط سائر صفحات الجزء الرابع، وخط الصفحة الأخيرة مخالف لخط سائر
стр. 47
صفحات الجزء السادس» «١».
وكتاب الحجة لابن خالويه كتب بخط واحد، لم يتخلف في صفحة واحدة من صفحات هذا الكتاب.
وأحب أن أطمئن الأخ الفاضل إلى أن هذا الخط الذي كتبت به نسخة الحجة من الخطوط المتداولة في القرن الخامس، وقد رجعت إلى أستاذنا المحقق عبد السلام هارون، وعرضت عليه صفحات مصورة من هذه النسخة، فأقر بما لا يدع مجالا للشك أنها من خطوط القرن الخامس الهجري. وكذلك أقر هذا الزميل المحقق الأستاذ عبد الستار فراج رئيس قسم التراث بوزارة الثقافة بالكويت.
ومما يجدر ذكره أن الأستاذ الدكتور شوقي ضيف رغب في أن يقوم طالب من طلاب الدراسات العليا لتحقيق نسخة الحجة لابن خالويه للحصول على الدكتوراة تحت إشرافه وفعلا بدأ الطّالب يستعد لتسجيل هذا الموضوع في كلية الآداب- جامعة القاهرة، ولما علم الدكتور الفاضل أني قمت بتحقيقه، وفرغت منه، عدل عنه، اكتفاء بتحقيقي.
ولا أنسى أن أذكر للناقد أن خبراء الخطوط بدار الكتب المصرية عرضوا هذا الكتاب في معرض الخطوط العربية القديمة على أنه واحد من الكتب التي تبيّن معالم الخطوط في القرن الخامس الهجري.
ولعلّي بهذا أكون قد بينت للناقد الفاضل وجهة نظري في أدلته مؤيدة بالدليل بعيدة عن هوى النفس، أو عن داء التعصّب للرأي.
بقيت ملاحظات أخرى عامة، أحب أن أوجه نظر الناقد الفاضل إليها:
(١) تناقض الناقد مع نفسه: فعنوان تعقيبه حمل العبارة التالية:
(نسبة الحجة إلى ابن خالويه لا تصحّ) ثم ذكر بعد ذلك في السطور الأخيرة من تعقيبه أنه (لا يمكن أن ننفيه عنه نفيا قاطعا).
ومن حقّي أن أسأل الناقد: هل يجوز في مجال البحث العلمي أن تنفي ثم تنفي هذا النفي ولو بدرجة ما؟ لأن نفي النفي إثبات، كان الأجدر أن يكون عنوان نقدك: «نسبة الحجة إلى ابن خالويه فيها نظر» أو ليست مؤكدة، أو يتطرق إليها الشك، أما أن تنفي
стр. 48
هذه النسبة بلا النافية، ثم تعود بعد ذلك لتنفي ما نفيت، هذا أمر لا يتلاءم مع منهج البحث.
(٢) أثبت الناقد في السطور الأخيرة من نقده: «أن الذي تميل إليه النفس هو أن كتاب الحجة هذا هو أحد المختصرات التي اختصر بها كتاب الحجة الأصلي لأبي علي الفارسي لعالم مجهول».
أقول:
إن الناقد الفاضل نقد نفسه بهذا القول، ألم يقل بعد ذلك بسطور «والذي يجعلنا نميل إلى نفي هذه النسبة هو أن جميع المصادر التي ترجمت لابن خالويه لم تذكر في قائمة كتبه تأليفه الحجة، ولم يعرّج أصحاب المعاجم والفهارس وطبقات القراء عليه» هذا القول ذاته موجه إليك يا سيدي، فإذا كان حجّة ابن خالويه مختصرا لحجة الفارسي فلم لم تشر إليه المعاجم والفهارس وطبقات القراء مع شدة اعتناء العلماء بحجة الفارسي، فقد ذكروا أن مكّي ابن أبي طالب المتوفي ٤٣٧ هـ اختصره في كتاب سماه: منتخب الحجّة في القراءات، واختصره أيضا أبو طاهر اسماعيل بن خلف الأندلسي المتوفي ٤٥٥ هـ، ومحمد بن شريح الرعيني المتوفي ٤٧٦ هـ. «١»
ولم يشر أحد إلى أن عالما مجهولا لخّص حجه الفارسيّ، وبذلك يكون الناقد وقع فيما نقد به غيره.
والحقيقة أن حجة ابن خالويه تبعد كل البعد أن تكون تلخيصا أو اختصارا لحجة الفارسي، وذلك لأمرين:
أ- إن مقدمة حجة ابن خالويه تختلف في منهجها عن مقدّمة الحجة للفارسي، فابن خالويه يقول في مقدمته: «وبعد، فإني قد تدبّرت قراءة الأئمة السبعة من أهل الأمصار الخمسة المعروفين بصحة النقل، واتقان الحفظ، المأمونين على تأدية الرواية واللفظ، فرأيت كلّا منهم قد ذهب في إعراب ما انفرد به من حرفه مذهبا من مذاهب العربية لا يدفع. وقصد من القياس وجها لا يمنع فوافق باللفظ والحكاية طريق النقل والرواية، إلى أن يقول: وأنا بعون الله ذاكر في كتابي هذا ما احتجّ به أهل صناعة النحو لهم في
стр. 49
معاني اختلافهم، وتارك ذكر اجتماعهم وائتلافهم إلى أن يقول: وقاصد قصد الإبانة في اقتصار من غير إطالة ولا إكثار، إلى أن يقول: جامعا ذلك بلفظ بين جزل، ومقال واضح سهل ليقرب على مريده، وليسهل على مستفيده» «١».
والفارسي يقول في مقدمته: «فإن هذا كتاب تذكر فيه وجوه قراءات القراء الذين ثبتت قراءاتهم في كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المترجم بمعرفة قراءات أهل الأمصار والحجاز، والعراق، والشام بعد أن نقدم ذكر كل حرف من ذلك على حسب ما رواه، وأخذناه عنه، وقد كان أبو بكر محمد بن السرّي شرع في
تفسير صدر من ذلك في كتاب كان ابتدأ باملائه، وارتفع منه تبييض ما في سورة البقرة من وجوه الاختلاف عنهم، وأنا أسند إليه ما فسر من ذلك في كتابي هذا، وإلى الله أرغب في تيسير ما قصدته» «٢». وبمقارنة المقدمتين نتبين في وضوح وجلاء أن المنهجين مختلفان، ولا يليق بعالم مختصر أن يتطاول هذا التطاول، ويكتب هذه المقدمة بهذا المنهج الذي رسمه، وكتابه تلخيص لكتاب معروف، وما الدافع إلى عدم الإشارة إلى هذا التلخيص.
ب- ولو كانت حجة ابن خالويه تلخيصا لحجة الفارسي لرأينا تشابها في اللفظ وتقاربا في المعنى، واتحادا في الفكرة مع أن الكتابين مختلفان لفظا ومعنى، وفكرة ومنهجا، وإن اتحد موضوعهما، (٣) أود أن أقول لأخي الفاضل إن كتب المعاجم والفهارس لا يعتمد عليها كل الاعتماد، لأن بعضا منها نسب كتبا إلى غير أصحابها، وفهارس المخطوطات في دور الكتب العربية تحتاج إلى نظر، لتفهرس من جديد، فكثير من المخطوطات قالوا عنها: إنها مجهولة النسبة، وكثير من المخطوطات نسبت إلى غير أصحابها، ولا أدل على ذلك من هذا التصحيح الذي قمت به لبعض المخطوطات: وهذه أمثلة منها:
١) إعراب القرآن المؤلف مجهول ..
جاء في فهارس المخطوطات لمصورة لمعهد إحياء المخطوطات العربية بالجامعة العربية ما نصه: «إعراب القرآن لمؤلف مجهول. الجزء الثاني من نسخة كتبت في القرن التاسع، يبتدئ من أول سورة الأنعام، وينتهي بآخر سورة الاسراء. «٣»
стр. 50
وبعد بحث طويل استطعت أن أثبت أن هذا الجزء ليس لمؤلف مجهول، وإنما هو لمؤلف معلوم، وهو السّمين الحلبي، حيث قارنت نصوصه بنصوص النسخة المخطوطة بدار الكتب المصرية رقم ٣٢١ - تفسير- فوجدت النصوص متحدة متماثلة. نفس النصوص ونفس الأسلوب، ونفس الألفاظ «١».
٢) معاني للقرآن للزجاج ..
تضم دار الكتب المصرية نسختين مخطوطتين من هذا الكتاب.
- نسخة رقم ١١١ - تفسير، وقد وثقتها برجوعي إلى كتاب «الإغفال» لأبي علي الفارسي لأنه ضم كثيرا من نصوص معاني القرآن للزجاج ثم علق عليها مصلحا ما أخطأ فيه الزجاج، فرأيت أن نسبة هذه النسخة إلى الزجاج صحيحة، لأن النصوص التي أوردها الفارسيّ في الاغفال هي نفس النصوص التي أوردها الزجاج في المعاني.
- نسخة رقم ٦٣٦ - تفسير، وبعد تمحيص استطعت أن أثبت هذه النسخة ليست للزجاج، والزجاج منها بريء «٢».
٣) إعراب القرآن للزجاج رقم ٥٢٨ - تفسير- دار الكتب المصرية ليست للزجاج كما بينت سابقا في هذا البحث.
٤) البرهان في علوم القرآن للحوفي: نسخة رقم ٢٠٥٠٣ بدار الكتب المصرية. وقد صورت منها النسخة رقم ٢٠٧٨٤ ب والنسخة رقم ٢٠٧٨٥ ب.
ومع مجهود التصوير المكرر لهذه النسخة، فإنها ليست للحوفي، بل هي نسخة من إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس. «٣»
وبتوفيق الله لم يسبقني أحد إلى هذه التصحيحات أو التحقيقات، ولا فخر في ذلك، فإن ما يبذل حول الدراسات القرآنية قليل بالنسبة لما يجب أن يكون. وقد ألقت هذه التحقيقات على هذه المخطوطات ضوءا كاشفا يحملنا على أن نعيد النظر في هذه المخطوطات لتقويمها من جديد حتى لا تختلط القيم، وتضطرب الأمور.
стр. 51
وبعد فإني أقدم شكري العميق للأخ الفاضل الأستاذ العابد، على هذا النقد البريء الذي تفضل به مشكورا.
أشكره لأنه أتاح لي فرصة طيّبة لبيان وجهة نظري في نسبة كتاب الحجة إلى صاحبه وأشكره لأنه أثار القراء نحو هذا الكتاب ليطلعوا على ما فيه بأنفسهم، والقارئ شريك الناقد والباحث في أن يكون له رأي والفكر ليس وقفا على أحد.
ومن حسن الحظ فإن الكتاب قد تمّ طبعه في دار الشروق ببيروت، وقد رأى النور بنشره، وأسعده الحظ في أن يبعث من جديد بعد إحدى وعشرين وألف سنة ...
والله أسأل أن يجنّبنا الخطأ، وأن يهدينا سواء السّبيل.
ومن حسن الحظّ بعد نشر هذه المقدّمة رأيت في مقدّمة الزّبيري لكتابه: «تاج العروس» أنّ من المراجع التي اعتمد عليها في كتابه: كتاب الحجة في القراءات السّبع لابن خالويه.
وبذلك قطعت جهيزة قول كل خطيب.
عبد العال سالم مكرم- الكويت
стр. 52
صورة لغلاف كتاب الحجة
стр. 53
صورة الصفحة الأولى من كتاب الحجة
стр. 54
صورة الصفحة الثانية من كتاب الحجة
стр. 55
صورة الصفحة الأخيرة لكتاب الحجّة
стр. 56
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ربّ يسّر الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله. لقد جاءت رسل ربنا بالحق، ومقال الصدق، صلّى الله عليهم أجمعين، وعلى محمد خاتم النبيّين، وعلى آله الكرام الطيّبين، الأخيار الطّاهرين. وبعد، فإني تدبّرت قراءة الأئمّة السّبعة «١» من أهل الأمصار الخمسة «٢» المعروفين بصحة النقل، وإتقان الحفظ، المأمونين على تأدية الرواية،
стр. 57
واللفظ، فرأيت كلّا منهم قد ذهب في إعراب ما انفرد به من حرفه «١» مذهبا من مذاهب العربية لا يدفع، وقصد من القياس وجها لا يمنع، فوافق باللفظ والحكاية طريق النقل والرواية غير مؤثر للاختيار على واجب الآثار «٢». وأنا بعون الله ذاكر في كتابي هذا ما احتج به أهل صناعة النحو لهم في معاني اختلافهم، وتارك ذكر اجتماعهم وائتلافهم، معتمد فيه على ذكر القراءة المشهورة، ومنكب «٣» عن الروايات الشاذة المنكورة، وقاصد قصد الإبانة في اقتصار، من غير إطالة ولا إكثار، محتذيا لمن تقدّم في مقالهم، مترجما عن ألفاظهم واعتلالهم، جامعا ذلك بلفظ بيّن جذل، ومقال واضح سهل؛ ليقرب على مريده، وليسهل على مستفيده، والله الموفق للسّداد، والهادي إلى سبيل الرشاد، وهو حسي وإليه معاد.
ذكر اختلافهم في فاتحة الكتاب
قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ «٤». يقرأ بإثبات الألف، وطرحها. فالحجة لمن أثبتها:
أن الملك داخل تحت المالك. والدّليل له: قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ «٥».
والحجة لمن طرحها: أن الملك أخص من المالك وأمدح؛ لأنه قد يكون المالك غير ملك، ولا يكون الملك إلا مالكا.
قوله تعالى: الصِّراطَ. تقرأ بالصاد والسّين وإشمام «٦» الزّاي. فالحجة لمن قرأ بالسّين:
أنه جاء به على أصل الكلمة. والحجة لمن قرأ بالصّاد: أنه أبدلها من السّين لتؤاخي السّين في الهمس «٧» والصّفير «٨»، وتؤاخي الطاء في الإطباق «٩»، لأن السين مهموسة والطاء مجهورة،
стр. 58
والحجة لمن أشمّ الزّاي: أنها تؤاخي السّين في الصفير وتؤاخي الطّاء في الجهر.
قوله تعالى: عَلَيْهِمْ. يقرأ بكسر الهاء، وضمها، وإسكان الميم، وضمها وإلحاق واو بعدها. فالحجة لمن كسر الهاء: أنها لما جاورت الياء كره الخروج من كسر إلى ضم، لأن ذلك مما تستثقله العرب، وتتجافاه في أسمائها. والحجة لمن ضم الهاء: أنه أتى بها على أصل ما كانت عليه قبل دخول حرف الخفض عليها. والحجة لمن ضم الميم وألحقها الواو:
أنه جعل الواو علما للجمع كما كانت الألف علما للتثنية. والحجة لمن أسكنها وحذف الواو: أنّ الواو لما وقعت طرفا وقبلها حركة حذفها إذ لم يمكنه قلبها، ونابت الميم عنها، لأنها زائدة. وليس قولك: قاموا «١» كقولك: عليهمو.
الخلف في سورة البقرة
قوله تعالى: فِيهِ هُدىً «٢». يقرأ بالإدغام «٣» والإظهار. فالحجة لمن أدغم: مماثلة الحرفين، لأن الإدغام على وجهين: مماثلة الحرفين، ومقاربتهما. فالمماثلة: كونهما من جنس واحد.
والمقاربة «٤»: أن يتقاربا في المخرج كقرب القاف من الكاف، والميم من الباء، واللام من النون.
وإنما وجب الإدغام في ذلك لأن النطق بالمتماثلين والمتقاربين ثقيل، فخفّفوه بالإدغام، إذ لم يمكن حذف أحد الحرفين. والحجة لمن أظهر: أنه أتى بالكلام على أصل ما وجب له، ووفّاه حقّ لفظه، لأن الإظهار الأصل، والإدغام فرع عليه.
فإن كان الحرف الأول ساكنا لعلّة أو لعامل دخل عليه كان الإدغام أولى من الإظهار.
стр. 59
قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ «١» يقرأ بالهمز «٢»، وتركه فيه، وفيما ضارعه «٣». فالحجة لمن همز: أنه أتى بالكلمة على أصلها، وكمال لفظها، لأن الهمزة حرف صحيح معدود في حروف المعجم. والحجة لمن تركه: أنه نحا التخفيف، فأدرج اللفظ، وسهّل ذلك عليه سكونها وبعد مخرجها «٤»، وكان طرحها في ذلك لا يخل بالكلام ولا يحيل «٥» المعنى.
فإن كان سكونها علامة للجزم، أو كان تركها أثقل من الإتيان بها أثبتها، لئلا تخرج من لغة إلى أخرى، كقوله تعالى: أَوْ نُنْسِها «٦». إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ «٧». وكقوله: تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ «٨».
فإن قيل: فإنّ تارك الهمز في «يؤمنون» يهمز الكأس، والرأس، والبأس، فقل:
هذه أسماء، والاسم خفيف، وتلك أفعال، والفعل ثقيل، فهمز لما استخف، وحذف لما استثقل. ومن القرّاء من يهمز إذا أدرج ولا يهمز إذا وقف، ويطرح حركة الهمزة على الساكن قبلها أبدا، فيقرأ إذا وقف: مَوْئِلًا «٩»: وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ «١٠». ومِنْهُنَّ جُزْءاً «١١» لأن هذه الأحرف في السّواد كذلك. فأما قوله: هُزُواً «١٢» وكُفُواً «١٣». فبالواو؛ لأنها ثابتة في السّواد.
ومنهم أيضا: من يحذف الهمزات ساكنها، أو متحركها، وينقل الحركة إلى الساكن
стр. 60
قبلها فيقرأ: قَدْ أَفْلَحَ «١»، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ «٢». والحجة له في ذلك: أن الهمزة المتحركة أثقل من الساكنة، فإذا طرحت الساكنة طلبا للتخفيف كانت المتحركة بالطّرح أولى.
قوله تعالى: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ «٣». تقرأ بمدّ الألف، وقصرها «٤». فالحجة لمن مدّ:
ان الألف خفيفة، والهمزة كذلك، فقوّاها بالمدّ، ليصح في اللفظ. وهذا مدّ حرف لحرف.
والحجة لمن قصر أنه أتى بالكلام على أصله، لأن الحرفين من كلمتين، فكأن الوقف منويّ عند تمام الحرف.
وقياس هذا الباب قياس الإدغام في الحرفين المثلين إذا أتيا في كلمتين كنت في إدغام الأول بالخيار، وإظهاره. وإذا كانا في كلمة واحدة وجب الإدغام كقوله: وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ «٥». وكذلك الممدود، إذا كان في كلمتين كنت مخيرا. وإذا كان في كلمة وجب مدّه كقوله: مِنَ السَّماءِ ماءً «٦» والحروف اللّواتي يقع بهن المد ثلاثة: واو، وياء، وألف، لكون ما قبلهن منهنّ.
فالواو كقوله: قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ «٧». والياء كقوله: وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً «٨». والألف كقوله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ «٩».
قوله تعالى: أَأَنْذَرْتَهُمْ «١٠». يقرأ وما شاكله من الهمزتين المتفقتين بتحقيق الأولى «١١»
стр. 61
وتعويض مدّة من الثانية، وبتحقيقهما متواليتين، وبهمزتين «١» بينهما مدّة. فالحجة لمن قرأ بالهمز والتعويض: أنه كره الجمع بين همزتين متواليتين، فخفّف الثانية، وعوّض منها مدّة كما قالوا. آدم وآزر، وإن تفاضلوا في المدّ على قدر أصولهم. ومن حققهما فالحجة له: أنه أتى بالكلام محققا على واجبه، لأن الهمزة الأولى ألف التسوية بلفظ الاستفهام، والثانية ألف القطع، وكل واحدة منهما داخلة لمعنى. والحجة لمن حققهما وفصل بمدّة بينهما: أنه استجفى الجمع بينهما، ففصل بالمدّة، لأنه كره تليين إحداهما، فصحّح اللفظ بينهما، وكلّ ذلك من فصيح كلام العرب.
قوله تعالى: وَعَلى أَبْصارِهِمْ «٢». تقرأ بالإمالة «٣» والتفخيم «٤»، وكذلك ما شاكله مما كانت الراء مكسورة في آخره. فالحجة لمن أماله: أن للعرب في إمالة ما كانت الراء في آخره مكسورة رغبة ليست في غيرها من الحروف للتكرير «٥» الذي فيها، فلما كانت الكسرة للخفض في آخر الاسم، والألف قبلها مستعلية «٦» أمال ما قبل الألف، لتسهل له الإمالة، ويكون اللفظ من وجه واحد. والحجة لمن فخّم: أنه أتى بالكلام على أصله، ووجهه الذي كان له لأن الأصل التفخيم، والإمالة فرع عليه.
стр. 62
فإن قيل: فيلزم من أمال «النار» أن يميل «الجار» فقل: لما كثر دور «النار» في القرآن أمالوها، ولما قلّ دور «الجار» في القرآن أبقوه على أصله.
قوله تعالى: غِشاوَةٌ وَلَهُمْ «١». يقرأ بالرفع والنصب. فالحجة لمن رفع: أنه استأنف الكلام مبتدئا، ونوى به التقديم، وبالخبر التأخير، فكأنه قال: وغشاوة على أبصارهم.
والحجة لمن نصب: أنه أضمر مع الواو فعلا عطفه على قوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ «٢» وجعل على أبصارهم غشاوة، وإضمار الفعل إذا كان عليه دليل كثير مستعمل في كلام العرب، ومنه قول الشاعر «٣»:
ورأيت زوجك في الوغى ... متقلّدا سيفا ورمحا
يريد: وحاملا رمحا.
قوله تعالى: مَنْ يَقُولُ «٤». يقرأ مدغما بغنة «٥» وبغير غنّة، لأن النون والتنوين يدغمان عند ستة أحرف، يجمعها قولك: «يرملون» ويظهران عند ستة أحرف، وهن: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء. ويخفيان عند سائر الحروف. فالنون الساكنة والتنوين يدغمان في اللام والراء بغير غنّة، وفي الواو كذلك في قراءة (حمزة) «٦».
ويدغمان في الميم والنون بغنّة لا غير. فالحجة لمن أدغم في اللام والراء والياء والواو بغير غنة: أن اللام والراء حرفان شديدان، والغنة من الأنف فبعدت منهما، والياء والواو رخوتان «٧»، فجرتا مع النون والتنوين في غنة، الخياشيم «٨».
واتفقوا على إدغام النون والتنوين عند الميم بغنة لا غير، لمشاركة الميم لهما في الخروج
стр. 63
من الخياشيم، واستدلوا على ذلك بأن المتكلم بالميم والنون الساكنة لو أمسك بأنفه لأخلّ ذلك بلفظهما.
قوله تعالى: وَما يَخْدَعُونَ «١». يقرأ بضم الياء «٢» وإثبات الألف، وبفتح الياء وطرح الألف. فالحجة لمن أثبتها،: أنه عطف لفظ الثاني على لفظ الأول «٣» ليشاكل بين اللفظين.
والحجة لمن طرحها: أن (فاعل) لا يأتي في الكلام إلا من فاعلين يتساويان في الفعل كقولك: قاتلت فلانا وضاربته. والمعنى بينهما قريب، ألا ترى إلى قوله تعالى: قاتَلَهُمُ «٤» اللَّهُ أي: قتلهم، فكذلك: «يُخادِعُونَ» بمعنى: «يخدعون».
قوله تعالى: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً «٥» يقرأ بالإمالة والتفخيم، وكذلك ما شاكله.
كقوله: شاء، وخاف، وجاء، وضاق. فالحجة لمن أمال كسر أوائل هذه الأفعال إذا أخبر بها المخبر عن نفسه، فقال: زدت، وخفت وما أشبه ذلك. والحجة لمن فخّم:
أنه أتى باللفظ، على أصل ما يجب للأفعال الثلاثية من فتح أوائلها إذا سمّي فاعلوها.
فإن زدت في أوائل هذه الأفعال حرفا من حروف المضارعة اتفقوا على التفخيم، كقوله تعالى أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ «٦» فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ «٧».
وقد أمال بعض القرّاء، من هذه الأفعال بعضا، وفخم بعضا. والحجة له في ذلك:
أنه أتى باللغتين ليعلم أنّ القارئ بهما غير خارج عن ألفاظ العرب.
قوله تعالى: بِما كانُوا يَكْذِبُونَ «٨». يقرأ بالتشديد بالذال، وبضم الياء، وبفتح الياء «٩» وتخفيف الذال. فالحجة لمن شدّد: أن ذلك تردّد منهم إلى النبي ﷺ مرة بعد أخرى فيما جاء به. والحجة لمن خفف: أنه أراد بما كانوا يكذبون عليك بأنك
стр. 64
ساحر، وأنك مجنون، فأضمر حرف الجر لأن كذّب بالتشديد يتعدى بلفظه، وكذب بالتخفيف لا يتعدّى إلا بحرف جر. ومعنى القراءتين قريب، لأن من كذّب بما جاء به النبي ﷺ فقد كذب.
قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ «١». يقرأ وما شاكله من الأفعال بالكسر، وبإشمام «٢» أوله الضمّ. فالحجة لمن كسر أوله: أنه استثقل الكسر على الواو التي كانت عين الفعل في الأصل، فنقلها إلى فاء الفعل بعد أن أزال حركة الفاء، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كما قالوا: ميزان وميعاد. ومن ضمّ فالحجة له: أنه بقّى «٣» على فعل ما لم يسمّ فاعله دليلا في الضم، لئلا يزول بناؤه. وقد قرأ بعض القراء ذلك بكسر بعض، وضمّ بعض فالحجة له في ذلك: ما قدّمناه من إتيانه باللغتين معا.
قوله تعالى: السُّفَهاءُ أَلا «٤». يقرأ بتحقيق الهمزتين، وتحقيق «٥» الأولى وتخفيف الثانية تليينا. فالحجة لمن حقّق إتيانا باللفظ على واجبه ووفّاه حقه. والحجة لمن حقق الأولى، ولين الثانية: إنه نحا «٦» التخفيف، وأزال عن نفسه لغة الثقل. فهذا معنى القراءة في الهمزتين المختلفتين.
فأمّا المتفقتان «٧» فهم فيهما مختلفون: فمنهم من يحوّل الأولى «٨» في المكسورة ياء، والمضمومة «٩» واوا، ويترك الأولى في المفتوحة «١٠» ويحقّق الثانية «١١». ومنهم من يحقق الهمزتين معا. فالحجة لهم في ذلك: أن العرب تتسع في الهمزة ما لا تتسع في غيره فتحقق، وتلين
стр. 65
وتبدل، وتطرح. فهذه أربعة أوجه، وورد القرآن بجميعها. ومنه قراءة «الصّابيون» «١» «والخاطيون» «٢». والحجة له تأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: فِي طُغْيانِهِمْ «٣». يقرأ بالإمالة، والتفخيم، وبينهما. فالحجّة لمن أمال:
أن النون مكسورة للخفض فقربت الياء منهما «٤» ليكون اللفظ من وجه واحد. وسهل ذلك عليه لأن الطغيان هاهنا مصدر كالطّغوى «٥» في قوله تعالى: بِطَغْواها «٦»، فلما اتفقا في المعنى ساوى بينهما في الإمالة. والحجة لمن فتح: أنه أتى بالكلام على أصل ما بني عليه.
والحجة لمن قرأ بين ذلك: أنه عدل بين اللغتين فأخذ بأحسن اللفظين. فأمّا إمالة (الكسائي) «٧» ﵀ قوله تعالى: فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ «٨». فإن كان أماله سماعا من العرب فالسؤال عنه ويل، وإن كان أماله قياسا فقد وهم، لأن ألف الجمع في أمثال هذا لا تمال، ويلزمه على قياسه أن يميل قوله: أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ «٩»، وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ «١٠»، وإمالة هذا محال فإن قيل: فقد أمال غيره: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ «١١» فقل: قد عرّفناك رغبة العرب
стр. 66
في إمالة ذوات الراء حتى أمالوا «برى وترا» «١». وكذلك فرّق (أبو عمرو) «٢» بين ذوات الراء وبين غيرها، واللفظ بهما واحد، فقرأ مِنْ أَصْوافِها «٣» بالتفخيم وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها «٤» بالإمالة.
قوله تعالى: بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ «٥». يقرأ بالإمالة والتفخيم. وبينهما، وكذلك ما ضارعه من ذوات الياء اسما كان أو فعلا «٦». فمن فخّم فالحجة له: أنه أتى بالكلام على أصل ما وضع له. والحجة لمن أمال: أنه قرّب الحرف المستعلى «٧» من الياء ليعمل لسانه بالنطق من موضع واحد. والحجة لمن قرأ «بين بين»: أنه ساوى بين اللفظين. فأمّا (حمزة) «٨» فأمال ذوات الياء، وفخم ذوات الواو، ليفرّق بين المعنيين.
قوله تعالى: مَشَوْا فِيهِ «٩». قرأ ابن كثير «١٠» بإشباع كسرة «١١» الهاء، ووصلها بالياء، وكذلك كل هاء قبلها «١٢». فإن كان قبل الهاء حرف مفتوح أو ساكن ضم الهاء، ووصلها بواو نحو: «فقدّر هو» «١٣». «فلما كشفنا عنه ضرّهو» «١٤». والحجة له في ذلك أن الهاء حرف خفي، فقوّاه بحركته وحرف من جنس الحركة. وقرأ الباقون بإشارة إلى الضم والكسر من غير إثبات حرف بعد الهاء. والحجة لهم في ذلك: أنهم كرهوا أن يجمعوا بين حرفين ساكنين ليس بينهما حاجز إلا الهاء، وهي حرف خفيّ، فأسقطوه «١٥»،
стр. 67
وبقّوا الهاء على حركتها، وأصل حركتها الضم، وإنما يكسر إذا جاوز بها الهاء. وربما تركت على ضمها وقبلها الياء.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «١». قرأه حمزة بإشباع فتح الشين، ووقفة على الياء قبل الهمزة. وكذلك يفعل بكل حرف سكن قبل الهمزة. والحجة له في ذلك:
أنه أراد صحة اللفظ بالهمزة، وتحقيقها على أصلها، فجعلها كالمبتدإ. وسهل ذلك عليه أنها في حرف (عبد الله) «٢» مكتوبة في السواد (شائ) بألف.
وقرأه الباقون وما شاكله مدرجا على لفظه بالهمز من غير وقفة ولا سكتة. والحجة لهم في ذلك: أنه لا يوقف على بعض الاسم دون الإتيان على آخره، ولذلك صار الإعراب في آخر الاسم دون أوله وأوسطه، لأنه تمامه وانتهاؤه.
قوله تعالى: مِنَ السَّماءِ ماءً «٣» وقوله إِلَّا دُعاءً وَنِداءً «٤»، وما أشبه ذلك من الممدود المنصوب المنوّن. يقرأ عند الوقف عليه بإثبات الألف عوضا من التنوين، وبالمدّ على الأصل.
وبالقصر وطرح الألف. فالحجّة لمن مدّ وأثبت الألف: أن الأصل في الاسم ثلاث ألفات «٥»، فالأصل في ماء (موه) فقلبت من الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار (ماه)، ثم قلبوا من الهاء ألفا، لأنها أجلد منها، وأحمل للحركة فصار فيه ألفان، والثالثة: العوض من التنوين عند الوقف على المنصوب. والدليل على أن الأصل في «ماء» ما ذكرناه:
جمعه على أمواه. «ودعاء، ونداء» فيهما ألفان مجهولتان «٦»، وألفان أصليتان، وألفان عوض من التنوين، فوفّى اللفظ حقه من النطق. والحجة لمن قصر وطرح الألف: أن يقول: الوقف يزيل الحركة في الرّفع والخفض، فإذا زالت الحركة في الرفع والخفض سقط التنوين، لأنه تابع لها، فجعل النصب قياسا على الرفع والخفض. ويستدل على ذلك أنها مكتوبة في السّواد بألف واحد.
стр. 68
قوله تعالى: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ «١». يقرأ بإمالة (الكافرين) وبتفخيمها في موضع النصب والجر. فالحجة لمن أمال: أنه لما اجتمع في الكلمة أربع كسرات، كسرة الفاء والراء والياء، والراء يقوم مقام كسرتين جذبن الألف لسكونها بقوّتهن فأملنها فإن قيل: فيلزم على هذا الأصل أن يميل الشَّاكِرِينَ «٢» و «الجبّارين» «٣»، فقل: لا يلزمه ذلك لثلاث علل: إحداهن: الإدغام الذي فيهما وهو فرع، والإمالة فرع، ولا يجمع بين فرعين في اسم. والأخرى: أن هذين الاسمين قليلا الدّور في القرآن، ولم يكثرا ككثرة «الكافرين» فترك إمالتهما. والثالثة: أنّ الشين والجيم والياء يخرجن من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك، فلما كانتا مجاورتين للياء كرهوا الإمالة فيهما كما كرهوا في الياء.
قوله تعالى: فَأَحْياكُمْ «٤». يقرأ بالإمالة والتفخيم على ما قدّمنا القول في ذلك، وإنما ذكرت هذا الحرف، لأن، (حمزة) يميل أمثاله إذا كانت قبله الواو، ولا يميله مع الفاء. والحجّة له في ذلك: أنه فرّق بين المتصل «٥» والمنفصل لخفة أحدهما وثقل الآخر.
وعلّته في ذلك: أن الثقل واقع في اللفظ لا في الحظ، واللفظ بهذين «٦» الحرفين واحد، فمن استعمل وجها مع أحدهما لزمه استعماله مع الآخر أيضا.
قوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «٧». يقرأ بإسكان الهاء «٨» مع الواو والفاء وثمّ واللام، وبحركتها بالضم. فالحجة لمن أسكن: أنه لما اتصلت هذه الهاء بهذه الحروف أسكنت تخفيفا كما أسكنت لام الأمر في قوله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا «٩». والحجة لمن ضم: أنه أتى بلفظ الاسم على أصله قبل دخوله هذه الحروف عليه.
стр. 69
وقد فرّق (بعض القراء) بين هذه الحروف فأسكن مع ما لا يوقف عليه منها، وحرّك ما يوقف عليه. والحجة له في ذلك: أنّ الحرف إذا اتصل بالاسم اتصالا لا يمكن الوقف عليه دونه ثقل فخفّف بالإسكان، وإذا قام بنفسه قياما يمكن الوقوف عليه كان الاسم بعده كالمبتدإ فلم يمكن إسكانه.
قوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ «١». يقرأ بتحريك الياء «٢» وإسكانها. فالحجة لمن فتحها: أنها هاهنا كالهاء والكاف في قولك: إنّه، وإنّك، وهي اسم مكنى والمكنّى مبنيّ على حركة ما، فكان الفتح أولى بها، لأنها جاءت بعد الكسر. والحجة لمن أسكن:
أن يقول: الحركة على الياء ثقيلة، وأصل البناء السكون، فأسكنتها تخفيفا.
والقرّاء يختلفون في هذه الياء وما شاكلها من ياءات الإضافة عند استقبال الهمزة:
فمنهم من يفتحها مع المفتوحة، ويسكنها مع المضمومة والمكسورة استثقالا للحركة معهما.
ومنهم من يسكنها مع المضمومة، ويفتحها مع ما سواها، لأن الضمة أثقل الحركات فخفّف الكلمة بالسكون، لأنه أخف من الحركة. ومنهم من يحذفها أصلا ويجتزي بالحركة منها.
فإن اتصلت بحرف واحد فالوجه فتحها لئلا تسقط لالتقاء الساكنين فتبقى الكلمة على حرف واحد، وإسكانها جائز.
وللعرب في ياءات الإضافة أربعة أوجه: فتحها على الأصل، وإسكانها تخفيفا، وإثبات الألف «٣» بعدها تليينا للحركة، وحذفها اختصارا.
قوله تعالى فَأَزَلَّهُمَا «٤». يقرأ بإثبات الألف «٥» والتخفيف، وبطرحها والتشديد. فالحجة لمن أثبت الألف، أن يجعله من الزوال والانتقال عن الجنة. والحجة لمن طرحها، أن يجعله من الزلل، وأصله: فأزللهما، فنقلت فتحة اللام إلى الزاي فسكنت اللام فأدغمت للمماثلة.
стр. 70
قوله تعالى: أَنْبِئْهُمْ «١». قرأه (ابن عامر) «٢» بطرح الهمزة وإثبات الباء، وكسر الهاء.
فإن كان جعله من أنبى ينبى غير مهموز فهو لحن، وإن كان خفف الهمزة وجعلها ياء وهو يريدها كان وجها.
قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ «٣». تقرأ برفع آدم ونصب «٤» الكلمات.
وبنصب آدم ورفع الكلمات. فالحجة لمن رفع آدم: أن الله تعالى لما علّم آدم الكلمات فأمره بهن تلقّاهنّ بالقبول عنه. والحجة لمن نصب آدم أن يقول: ما تلقّاك فقد تلقّيته وما نالك فقد نلته. وهذا يسمّيه النحويون: المشاركة في الفعل.
قوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ «٥». رواه (ورش) «٦» عن (نافع) «٧» بإسكان الياء وما شاكل ذلك من الياءات فجمع بين ساكنين، لأن الألف قبل الياء كالمتحركة للمدّ «٨» الذي قبلها، ولذلك قرأ (أبو عمرو): «واللّاي يئسن» «٩» بإسكان الياء. والاختيار ما عليه القرّاء من فتحها.
فأما قوله تعالى: عَلَيَّ «١٠» وإِلَيَّ «١١» ولَدَيَّ «١٢» فلا يجوز في يائهن إلّا الفتح لالتقاء الساكنين.
وأمال (الكسائي) (هداي) وفتحه الباقون: فالحجة لمن أمال: أنها من ذوات الياء لتثنيتهم إياها (هديان) كما تقول: فتيان. والحجّة لمن فخم: أنها وإن كانت في
стр. 71
الأصل من ذوات الياء فقد انقلبت الياء فيها بالإضافة إلى لفظ الألف، فاستعمال اللفظ أولى من الرجوع إلى الأصل.
قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ «١». كان (ابن كثير) «٢» يمدّ إسرائيل «٣» أكثر من مد «بني». والحجة له في ذلك: أن مدّ (بني) لأجل استقبال الهمزة فهي مدّ حرف لحرف، والمدّ في «اسرائيل» من أصل بنية الكلمة لا لأجل غيرها. وسوّى الباقون بين مدّتيهما لأنهما في اللفظ بهما سيّان.
قوله تعالى: «ولا تقبل منهما شفاعة» «٤». تقرأ بالياء والتاء. فالحجة لمن قرأ بالتاء:
أنه دل بها على تأنيث الشفاعة.
ولمن قرأ بالياء ثلاث حجج: أولاهن: أنه لما فصل بين الفعل والاسم بفاصل جعله عوضا من تأنيث الفعل. والثانية أن تأنيث الشفاعة لا حقيقة له ولا معنى تحته، فتأنيثه وتذكيره سيّان. والثالثة: قول (ابن مسعود) «٥»: إذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوه بالياء «٦».
قوله تعالى: «وإذ وعدنا» «٧». هاهنا، وفي الأعراف «٨»، وطه «٩» يقرأن بإثبات ألف
стр. 72
بين الواو والعين، وبطرحها. فالحجة لمن أثبت الألف: أن الله تعالى وعد موسى ﵇ وعدا فقبله، فصار شريكا فيه، فجاء الفعل ب «فاعلت» لأنه بنيّة فعل الاثنين. فإذا جاء للواحد فهو قليل. والحجة لمن طرح الألف: أن يقول: الله هو المنفرد بالوعد والوعيد، وإنما تكون المواعدة بين المخلوقين، فلما انفرد الله تعالى بذلك كان فعلت فيه أولى من فاعلت.
قوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ «١». تقرأ بالإظهار والإدغام. فالحجّة لمن أظهر: أنه أتى بالكلمة على أصلها، واغتنم الثواب على كلّ حرف منها. والحجّة لمن أدغم: أنّ الظاء والثاء، والذال مخرجهنّ من طرف اللسان، وأطراف الثّنايا العلى «٢» فوجب الإدغام لمقاربة المخرج والمجانسة.
فإن قيل: فيلزم من أدغم: (اتخذتم) أن يدغم لَبِثْتُمْ «٣» فقل: إنّ مدغم (اتخذتم) ومظهر «لبثتم» أتى باللغتين معا ليعلم من قرأ بهما أنه غير خارج عن الصواب.
قوله تعالى: إِلى بارِئِكُمْ «٤». رواه (اليزيدي) «٥» عن أبي عمرو «٦» بإسكان الهمزة فيه وفي قوله: يَأْمُرُكُمْ «٧»، وَيَنْصُرْكُمْ «٨»، ويَلْعَنُهُمُ «٩»، ويَجْمَعُكُمْ «١٠» وأَسْلِحَتِكُمْ «١١» يسكّن ذلك كله كراهية لتوالي الحركات، واستشهد على ذلك بقول امرئ القيس «١٢»:
стр. 73
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
«١» أراد: «أشرب» فأسكن الباء تخفيفا.
وحكى سيبويه «٢» عن هارون «٣» (بارئكم) باختلاس الهمزة والحركة فيما رواه (اليزيدي) «٤» عنه. بالإسكان، لأن أبا عمرو كان يميل إلى التخفيف فيرى من سمعه يختلس بسرعة أنه أسكن.
وقرأ الباقون بالإشباع، والحركة. والحجّة لهم: أنهم أتوا بالكلمة على أصل ما وجب لها.
قوله تعالى: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً «٥»، وَأَرِنا مَناسِكَنا «٦»، وما شاكله. يقرأ بكسر الراء وإسكانها. فالحجّة لمن كسر: أنه يقول: الأصل في هذا الفعل (أرإينا) على وزن «أكرمنا» فنقلت كسرة الهمزة إلى الراء، وحذفت الهمزة تخفيفا للكلمة، وسقطت الياء للأمر.
ولمن أسكن الراء حجّتان: إحداهما: أنه أسكنها، والأصل كسرها تخفيفا كما قالوا في فخذ: فخذ. والثانية: أنه بقّى الراء على سكونها وحذف الهمزة بحركتها ولم ينقلها.
فأمّا ما روي عن أبي عمرو من إمالة قوله: فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ «٧»، وما شاكله فغلط
стр. 74
عليه، لأن الإمالة «١» من أجل الياء، فلما سقطت «٢» الياء سقطت الإمالة.
فإن قيل: فيلزم على هذا أن لا يقف على المخفوض بالإمالة، لأن الكسرة قد زالت بالوقف، فقل: من شرطه أن يشمّ الكسرة في الوقف فأمال الإشارة، ليعلم أنه كذلك يصل. فإن كانت هذه الرواية صحّت «٣» فإنما أراد أن يعلم أنه كذلك يقف، وفي هذا بعض الوهن، ولكنّه عذر له، والمشهور عنه في ذلك الفتح «٤».
قوله تعالى: «يغفر لكم خطاياكم» «٥». تقرأ بالتاء والياء وضمهما، وبالنون. فالحجّة لمن قرأها بالتاء والياء ما قدّمناه في قوله: «ولا تقبل منها شفاعة» «٦» والضمّ دلالة على بناء الفعل لما لم يسمّ فاعله.
ولمن قرأ بالياء حجّة رابعة، وهي: أن «خطايا» جمع، وجمع ما لا يعقل مشبه لجمع من يعقل من النساء، فكما ذكّر الفعل في قوله: وَقالَ نِسْوَةٌ «٧» لتذكير لفظ الجمع، فكذلك يجوز التذكير في قوله: نَغْفِرْ، لأنه فعل للخطايا، ولفظها لفظ جمع.
فإن قيل: لم اتفقت القرّاء على قوله: خَطاياكُمْ هاهنا، واختلفوا في الأعراف «٨» وسورة نوح «٩»؟ فقل: لأن هذه كتبت بالألف في المصحف فأدّى اللفظ ما تضمّنه السّواد، وتينك كتبتا بالتاء من غير ألف، وهما في الحالين جمعان ل «خطية»، فخطايا جمع تكسير، وخطيئات جمع سلامة. وكان الأصل في خطايا: (خطائئ) على وزن (فعائل)، فاستثقل «١٠» الجمع بين همزتين فقلبوا الثانية ياء لانكسار ما قبلها فصار (خطائي)، فوجب سقوط الياء لسكونها، وسكون التنوين، فكرهوا ذهاب الياء مع خفاء الهمزة،
стр. 75
فقلبوا من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا فصار: خطاءا بثلاث ألفات، فكرهوا الجمع من ثلاث صور، فقلبوا من الألف الوسطى ياء فصار: «خطايا».
وأدغم (أبو عمرو) وحده الرّاء في اللام من (يغفر لكم) وما شاكله في القرآن، وهو ضعيف عند البصريين. وقد روى عنه الإظهار. والحجة له في ذلك: أنه لما كانت تدغم في الراء كقوله: قُلْ رَبِّ «١»، بَلْ رانَ «٢» كانت الراء بهذه المثابة تدغم في اللام.
قوله تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ «٣» يقرأ بكسر الهاء والميم، وبضمّهما، وبكسر الهاء وضم الميم في كل موضع استقبلتهما فيه ألف ولام. فالحجة لمن كسرهما: أنه كسر الهاء لمجاورة الياء، وكسر الميم لالتقاء الساكنين. والحجة لمن ضمّهما: أنه لما ضم الهاء على أصل ما كانت عليه حرّك الميم أيضا بالضمّ على الأصل، لأنه كان (همو) قبل دخول حرف الجر عليه. والحجة لمن كسر الهاء، مجاورة الياء. وضمّ الميم، لأنه لم يجد بدّا من حركتها، فحرّكها بما قد كان في الأصل لها.
فإن قيل: فلم وافق (الكسائي) (حمزة) هاهنا وخالفه في قوله: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ «٤»؟
فقل: لما كانت الميم ساكنة كره الخروج من ياء إلى ضمة فكسر الهاء لمجاورة الياء هناك وبقّى الميم على سكونها ولمّا لم يجد هاهنا بدّا من حركة الميم لالتقاء الساكنين- فلو ترك الهاء على كسرها لمجاورة الياء لخرج من كسر إلى ضم- ردّ الهاء إلى أصلها وحرّك الميم بالضم لالتقاء الساكنين.
قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ «٥». يقرأ بالهمز وتركه، وكذلك «النبوّة» و «الأنبياء».
فالحجّة لمن همز: أنه أخذه من قوله: «أنبأ بالحق» إذا أخبر به، ومنه: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ «٦». والحجّة لمن ترك من ثلاثة أوجه: أولها. أن الهمز مستثقل في كلامهم، والدليل عليه قوله ﷺ : «لست نبيء الله» «٧» كأنه كره الهمز لأن قريشا