← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 26142

أحكام العيدين

علي بن حسن الحلبي

Полный текст (91 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

اعلم أن النبي ﷺ لَازَمَ هذه الصلاةَ في العيدين، ولم يتركها في عيد من الأعياد، وأمر الناس بالخروج إليها، حتى أمَرَ بخروج النساء العواتق (١) ، وذوات الخدور، والحُيَّض، وأمر الحُيَّض أنْ يعتزلن الصلاة، وَيَشْهَدْنَ الخير ودعوة المسلمين، حتى أمر مَن لا جلباب لها أن تُلبِسَها صاحبتُها (٢) . وهذا كله يدل على أن هذه الصلاة واجبة وجوباً مؤكداً على الأعيان لا على الكفاية، والأمر بالخروج يستلزم الأمر بالصلاة لمن لا عذر له، بفحوى

стр. 37

الخطاب، لأن الخروج وسيلة إليها، ووجوب الوسيلة يستلزم وجوب المتوسل إليه. والرجال أوْلى من النساء بذلك. ثم قال ﵀: ومن الأدلة على وجوبها: أنها مُسقِطةٌ للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد (١) ، وما ليس بواجب لا يُسقِط ما كان واجباً، وقد ثبت أنه ﷺ لازمها جماعة منذ شُرعت إلى أن مات، وانضم إلى هذه الملازمةِ الدائمةِ أمرُهُ للناس بان يخرجوا إلى الصلاة (٢) .

стр. 38

وقال شيخُنا الألباني في "تمام المنّة" (ص ٣٤٤) بعد إيرادهِ حديثَ أُمّ عطيّة: "فالأمرُ المذكورُ يدلُّ على الوجوب، وإذا وجب الخروجُ وجبت الصلاةُ مِن باب أوْلى كما لا يخفى، فالحق وجوبُها لا سُنيَّتُها فَحَسْبُ..". -١٢- وَقْتُ صلاةِ العْيدِ . عن عبد الله بن بُسْرٍ صاحبِ النبي ﷺ أنه خرج مع الناس يومَ فطرٍ أو أضحى، فأنكر إبطاءَ الإِمام، وقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح (١) .

стр. 39

وهذا أصحُّ (١) ما في الباب، وُيروى غَيْرُه لكنّه لا يثبت من حيث إسنادُهُ. وقال ابنُ القَيِّم: وكان [ ﷺ ] ، يُؤخِّر صلاة عيد الفطر ويُعجِّل الأضحى، وكان ابن عمر- مع شدة اتباعه للسنة- لا يخرج حتى تطلع الشمس (٢) . وقال صِدِّيق حَسن خان: وقتهما بعد ارتفاع الشمس قِيْدَ رمح إلى الزوال، وقد وقع الإجماع على ما أفادته الأحاديثُ - وإنْ كانت لا تقوم بمثلها الحجة- وأما آخر وقتهما، فزوال الشمس (٣) .

стр. 40

وقال الشيخُ أبو بكرٍ الجزائريُّ: ووقتهما: من ارتفاع الشمس قِيْدَ رمحٍ إلى الزوال، والأفضل أن تُصلى الأضحى في أول الوقت ليتمكن الناس من ذبح أضاحيهم، وأن تؤخر صلاة الفطر ليتمكن الناس من إخراج صدقاتهم (١) . تنبيه: إذا لم يُعْلَم يومُ العيد إلا في وقت مُتأخّرٍ صُلِّيَت صلاةُ العيد مِن الغَدِ: فقد روى أبو داود (١١٥٧) والنسائي (٣/ ١٨٠) وابن ماجه (١٦٥٣) بسند صحيحٍ عن أبي عُمير بن أنَس، عن عُمومةٍ له مِن أصحاب النبي ﷺ يشهدون أنهم رَأَوُا الهلال بالأمس، فامرهم أن يُفطروا، وإذا أصبحوا أن يَغدوا إلى مُصَلاهم.

стр. 41

-١٣- لا أذان ولا إقامةَ لِلْعيدَيْنِ عن جابر بن سَمُرة ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مَرة، ولا مرتين، بغير أذان ولا إقامة (١) . وفي ابن عباس وجابر ﵄، قالا: لم يكن يُؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى (٢) . قال ابن القيم: وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان، ولا إقامة، ولا قول: الصلاة جامعة، والسنةُ أنه لا يُفعل شيءٌ من ذلك (٣) .

стр. 42

وقال الإمام الصّنْعَانِي مُعَلِّقاً على آثار الباب: وهو دليل على عدم شرعيتهما في صلاة العيد، فإنهما بدعة (١) . -١٤- صِفَةُ صَلاةِ الْعيدِ أولاً: هي ركعتانِ، لروايةِ عُمَرَ ﵁: "صلاةُ السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، تمامٌ غيرُ قَصْرٍ، على لسان محمد ﷺ " (٢) . ثانياً: تبدأ الركعة الأولى- كسائر الصلوات- بتكبيرة الإحرام، ثم يُكَبّر فيها سبع تكبيرات، وفي

стр. 43

الركعة الثانية خمس تكبيرات، سوى تكبيرة الانتقال. عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى: في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمساً، سوى تكبيرتي الركوع (١) . قال الإِمام البَغَويُّ: وهذا قول أكثر أهل العلم مِن الصحابة فَمَن

стр. 44

بَعدَهم، أنه يكبر في صلاة العيد في الأولى سبعاً سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة القيام قبل القراءة، رُوي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعلي، و ٠٠٠ (١) . ثالثاً: لم يصحَّ عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات العيد (٢) ، لكنْ قال ابنُ القيم: وكان ابنُ عمر- مع تَحَرِّيهِ للاتِّباع- يرفع يديه مع كل تكبيرة (٣) . قلت: وخير الهدي هديُ محمد ﷺ . قال شيخُنا الألباني في "تمام المنة" (ص ٣٤٨) :

стр. 45

وكونُه رُوي عن عُمَرَ وابنهِ لا يجعلُه سُنّةً، ولا سيّما أن رواية عمر وابنه ها هنا لا تصحُّ. أما عن عمر: فرواه البيهقي بسند ضعيف. وأما عن ابنهِ فلم أقِف عليها الآن ". وقال شيخُنا في "أحكام الجنائز" (ص ١٤٨) في مسألةٍ قريبةِ الحكم مِن هذه: "فمن كان يَظُنُّ أنَّه- أي ابن عمر- لا يفعل ذلك إلا بتوقيفٍ مِن النبي ﷺ ، فله أنْ يَرْفَعَ ". رابعاً: لم يصحَّ عن النبي ﷺ ذِكرٌ معين بين تكبيرات العيد، لكنْ ثبت (١) عن ابن مسعود ﵁ أنه قال عن صلاة العيد: "بين كل تكبيرتين حمدٌ لله ، وثناءٌ على الله ".

стр. 46

قال ابن القَيِّم ﵀: [وكان ﷺ ] يسكت بين كُلِّ تكبيرتين سكتةً يسيرة، ولم يُحْفَظْ عنه ذِكْرٌ مُعَيًّنٌ بين التكبيرات. قلتُ: وما قلتُه في مسألةِ رفع اليدين مع التكبيرات أقولُه فى هذه المسألةِ أيضاً. خامس: فإذا أتَمّ التكبيرَ، أخذ في القراءةِ بفاتحة الكتاب، ثم يقرأُ بعدها: (ق. وَالقُرْآنِ المَجيْد) في إحدى الركعتين، وفي الأخرى: (اقْتَرَبَت السَّاعَةُ وَانْشَق القَمَر) (١) . وكان رُبَّما قرأ فيهما: (سَبحِ اسْمَ ربّكَ الأعْلَى) و: (هَلْ أتَاكَ حَدِيْثُ الغَاشِيةِ) (٢) .

стр. 47

قال ابن القيم ﵀: صَحَّ عنه هذا وهذا، ولم يصحَّ عنه غير ذلك (١) . سادساً: وباقي هيئاتها، كغيرها من الصلوات المعتادة، لا تختلف عنها شيئاً (٢) . سابعاً: مَن فاتته صلاة العيد جماعة، يُصَلّي ركعتين. قال الِإمام البخاري ﵀:

стр. 48

"باب إذا فاته العيد يُصلي ركعتين " (١) . قال الحافظ ابن حَجَر في "الفتح " (٢/٥٥٠) تعقيباً على الترجمةِ: "في هذه الترجمةِ حُكمان: أ- مشروعيّة استدراك صلاة العيد إذا فاتت مع الجماعة، سواءٌ كانت بالاضطرار أو بالاختيار. ب- وكونها تقضى ركعتين ". وقال عطاء: إذا فاته العيد صَلّى ركعتين (٢) . وقال العلامة وليّ الله الدهلوي: هذا هو مذهب الشافعي، أن الرجل إذا فاتته الصلاة مع الإمام، صلى ركعتين حتى يدرك فضيلة صلاة العيد، وإن فاتته فضيلة الجماعة مع الإمام.

стр. 49

وأما عند الحنفية، فلا قضاء (١) لصلاة العيد عندهم، ولو فاتته مع الِإمام فاتته رأساً (٢) . وقال الإمام مالك في "الموطأ" (٣) : "وكُلُّ مَن صلّى لنفسهِ العيدَين مِن رجلٍ أو امرأةٍ فإني أرى أن يُكَبِّر في الأولى سبعاً، قبلَ القراءةِ، وخمساً في الآخرة قبلَ القراءةِ". والمتأخِّر عن صلاة العيد، يُصَلّي ما فاته على صِفَتِهِ، كسائر الصلوات (٤) . ثامناً: التكبيرُ سُنّةٌ لا تَبْطُلُ الصلاةُ بتركهِ عَمْداً أو

стр. 50

سَهْواً بلا خلافٍ (١) ، وتارِكُه- لا شَكَّ- مخالفٌ لسُنة النبي ﷺ . -١٥- الْخُطْبَةُ بَعدَ الصَّلاةِ والسُّنَّةُ في خطبة العيد أن تكون بعد الصلاة، وبَوًب البخاريُّ في "صحيحه " (٢) : "باب الخطبة بعد العيد". عن ابن عباس قال: "شهدتُ العيد مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فكلهم كانوا يُصَلُّون قبل الخُطبة" (٣) .

стр. 51

وعن ابن عمر: "إن النبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ، وعمر، كانوا يُصَلُّون العيدين قبل الخُطبةِ" (١) . قال وليُّ الله الدهلوي معلقاً على تبويب البخاريّ السابق (٢) : يعني أن سنةَ النبي ﷺ ومعمولَ الخلفاء الراشدين ذلك، وما وقع من التغيير- أعني تقديم الخطبة على الصلاة قياسأ على الجمعة- فهو بدعةٌ صدرت من مروان (٣) .

стр. 52

وقال الإمام الترمذي (١) : والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: أن صلاة العيدين قبل الخطبة، ويقال: إنَّ أول مَن خطب قبل الصلاة مروانُ بن الحكم (٢) . -١٦- الْخُطْبَةُ والتَّخْييرُ بِحُضورِها عن أبي سعيد الخُدري قال: "كان النبي ﷺ يخرج يوم العيد والأضحى إلى المصلى، فاول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مقابلَ الناس-

стр. 53

والناس جلوسٌ على صفوفهم- فَيَعَظُهم ويوصيهم ويأمرهم (١) .. وخطبةُ العيد كسائر الخُطَب، تُفتتح بالحمد والثناء على الله ﷻ : قال ابن القيم ﵀: وكان [ ﷺ ] يفتتحُ خُطَبَهُ كلَّها بالحمدِ للهِ، ولم يُحفظ عنه في حديثٍ واحدٍ أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير، وإنما روى ابنُ ماجه في "سننه " (٢) عن سعد القرظ مؤذن النبي ﷺ أنه كان يُكثر التكبير بين أضعاف الخطبة، ويُكثر التكبير في خطبتي

стр. 54

العيدين، وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها ْبه (١) ... ولمْ يصحَّ في السُّنَّة أنً خُطبةَ العيد خُطبتان يفصلُ بينهما بِجِلسةٍ! والواردُ في ذلك حديث ضعيفٌ جدّاً رواه البزّار في "مسنده" (رقم: ٥٣ - مسند سعد) عن شيْخهِ عبد الله بن شَبِيب بسنده عن سَعْدٍ ﵁ أنّ النبى ﷺ .. كان يخطُبُ خُطبتين، يفصلُ بينَهما بِجِلْسَةٍ. وعبدُالله بن شَبِيب قال البخاريُّ فيه: "مُنكر الحديث". فتبقى خُطبةُ العيد واحدةً على الأصل. وحضورُ الخطبة ليس واجباً كالصلاة، لما ورد عن عبد الله بن السائب، قال: شهدتُ العيد مع النبيّ ﷺ فلما قضى الصلاة قال: "إنَا نخطب، فمن

стр. 55

أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب" (١) . قالِ ابن القيم ﵀ (٢) : ورخَّص ﷺ لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة أو أن يذهب (٣) . -١٧- اجتماعُ الجُمعةِ والعيدِ روى أبو دا ود (١٠٧٠) والنًسائي (٣/ ١٩٤) وا بن ماجه (١٣١٠) وا بن خُزيمة (١٤٦٤) والدارمي (١٦٢٠) وأحمد (٤/٣٧٢) عن إياس بن أبي رَمْلَةَ الشاميّ قال:

стр. 56

شهدتُ معاويةَ بن أبي سفيان وهو يسألى زَيْدَ بن أرقم قال: أشهدتَ مع رسولِ الله ﷺ عيدينِ اجْتَمعَا في يوم؟ قال: نعم. قال: فكيف صَنعَ؟ قال: صفى العيد ثم رخَّص في الجمعة، فقال: "مَن شاء أن يُصَلِّي فَليُصَلّ " (١) . وفي الباب عن أبي هريرة وغيره، عن النبيّ ﷺ . وهذا ما عمل به الصحابةُ ﵃: فقد روى عبد الرزَاق في "المصنف" (٣/٣٠٥) وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/١٨٧) بسند صحيحٍ عن علي ﵁، أنَه اجتمع عيدان

стр. 57

في يوم، فقال: "مَن أراد أن يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّع، ومَن أراد أن يجلسَ فليجلسْ ". وفي "صحيح البخاري " (٥٢٥١) نحوُهُ عن عثمان ﵁. وفي "سنن أبي داود" (١٠٧٢) ، و"مصنف عبد الرزّاق" (رقم: ٥٧٢٥) بسندٍ صحيح عن ابن الزبير أنّه قال: "عيدان اجتمعا في يوم واحدٍ، فجمعهما جميعاً بِجَعْلِهما واحداً، وصلّى يوم الجمعة ركعتين بُكرةً صلاةَ الفِطْر، ثم لم يَزِد حتى صلّى العصر.. ". وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٣/٣٨٤) تعقيباً على هذه الروايةِ: "ظاهرُهُ أئه لم يُصَل الظهرَ. وفيه أن الجمعةَ إذا سقطت بوجهٍ منِ الوجوهِ

стр. 58

المُسوِّغة لم يجب على مَن سقطت عنه أن يُصَلِّيَ الظهرَ؛ وإليه ذهب عطاءٌ. والظاهرُ أنه يقولُ بذلك القائلون بأن الجمعةَ الأصلُ، وأنت خبيرٌ بأنَ الذي افترضه الله تعالى على عباده في يوم الجمعةِ هو صلاة الجمعةِ، فإيجابُ صلاةِ الظهر على مَن تركها لعذرٍ أو لغير عذرٍ محتاجٌ إلى دليل، ولا دليل يَصْلُحُ للتمسّك به على ذلك فيما أعلم". -١٨- التّهْنِئةُ بالْعِيدِ سُئل شيخ الِإسلام ابن تيمية عن التهنئة فأجاب (١) : أما التهنئة يوم العيد، بقول بعضهم لبعض إذا

стр. 59

لقيه بعد صلاة العيد: تقبّل اللهُ منا ومنكم، و: أحالَ اللهُ عليك، ونحو ذلك، فهذا قد رُوي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ورخَّص فيه الأئمة، كأحمدَ وغيرِه، لكن قال أحمد: أنا لا أبتدىء أحداً، فإن ابتدأني أحدٌ أجبتُه، وذلك لأنّ جوابَ التحية واجبٌ، وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأموراً بها، ولا هو أيضاً مما نُهي عنه، فَمَن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة، والله أعلم (١) . قال الحافظ ابن حجر (٢) : وَرُوِّينا في "المَحَامِليّات" بإسناد حسن عن جُبير

стр. 60

ابن نُفير قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبّلَ الله منا ومنك ". وذكر ابنُ قُدامة في "المُغْني " (٢/٢٥٩) أنّ محمد بن زياد قال: "كنتُ مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحابِ النبي ﷺ فكانوا إذا رَجَعُوا من العيد يقولُ بعضُهم لبعض: تقبّل اللهُ منا ومنك ". قال أحمدُ: إسنادُ حديثِ أبي أُمامة جيد (١) . وأمّا قولُ عامّةِ الناسِ بعضِهم لبعض: "كل عام وأنتم بخير" وما أشْبَهَهُ!! فهو مردودٌ غيرُ مقبولٍ، بل هو مِن بابِ قوله سبحانه: (أتستبدلون الذي هُوَ أدنى بالّذي هُوَ خَيْر) .

стр. 61

-١٩- الأُضحيةُ هي شاةٌ تذبح بعد صلاة عيد الأضحى، تقرُّباً إلى الله تعالى، إذ يقول : (قُلْ إِنَّ صلاَتي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتي للهِ رَبِّ العَالَمِين لا شَرِيْكَ لَهُ) [الأنعام: ١٦٢] ، والنُّسُكُ هنا هو: الذبح تقرباً إليه جلَّ شأنه (١) . واختلف العلماءُ في حكمها، والذي يترجّحُ من الأدلةِ المختلفةِ هو الوجوبُ، وإليك- أخي المسلم- الأحاديثَ التي استدل بها الموجبون: الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن كان له سَعَةٌ ولم يُضحِّ فلا يقربَنّ مُصلانا" (٢) .

стр. 62

ووجه الاستدلال به: أنه لما نهى مَن كان ذا سعة عن قربان المُصَلى إذا لم يُضَحّ، دَلّ على أنه قد ترك واجباً، فكأنه لا فائدة مِن التقرّب إلى الله مع ترك هذا الواجب. الثاني: عن جُنْدُب بن عبد الله البَجَلي، قال: شهدتُ النبيّ ﷺ يوم النحر، قال: "مَن ذبح قبل أن يصلي فليُعد مكانها أخرى، ومَن لم يذبح فليذبح " (١) . والأمرُ ظاهر في الوجوبِ، ولم يَأتِ (٢) ما يصرفُهُ عن ظاهره. الثالث: عن مِخْنَف بنِ سُلَيم أنه شهد النبي ﷺ

стр. 63

يخطب يوم عرفة، قال: "على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعَتيرة (١) ، أتدرون ما العَتيرة؟ هذه التي يقول عنها الناسً: رَجَبِيَّة" (٢) . وهذا فيه الأمر بالوجوب، أما العَتيرة فهي منسوخة، وَنَسْخها لا يستلزم نسخ الأضحية، فهي باقية على الأصل. قال ابن الأثير:

стр. 64

والعَتيرة منسوخة، وإنما كان ذلك في صدر الإسلام (١) . أما المخالفون، فإنّ أكبَر شبهاتهم على أن الأضحية سنة هي قولُه ﷺ : "إذا دخل العشر، فأراد أحدكم أن يُضحي فلا يمسَّ من شعره، ولامن بشره شيئاً" (٢) . فقالوا (٣) :

стр. 65

فيه دليل على أنّ الأضحية غير واجبة، لأنه ﷺ قال: "فإذا أراد أحدكم أن يضحي.. " ولو كانت واجبة لم يُفوِّض إلى إرادته. وقد ردّ على هذه الشبهة شيخُ الِإسلام ابنُ تيمية ﵀ بعد أن رجح الوجوب قائلًا (١) : ونفاةُ الوجوب ليس معهم نصٌّ، فإنَّ عمدتهم قولُه ﷺ : ((من أراد أن يضحي.. " قالوا: والواجب لا يُعلَّق بالِإرادة! وهذا كلام مجمل، فإن الواجب لا يُوَكّل إلى إرادة العبد فيقال: إن شئت فافعله، بل قد يُعلّق الواجب بالشرط لبيان حكم من الأحكام، كقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَلَاةِ فَاْغْسِلُوا) [المائدة: ٦] ، وقد قدّروا فيه: إذا أردتم القيام، وقَدّروا: إذا أردت القراءةَ فاستعذ، والطهارة واجبة، والقراءة في الصلاة واجبة، وقد قال: إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ

стр. 66

لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أنْ يَسْتَقيمَ) [التكوير:٢٧] ، ومشيئة الاستقامة واجبة. ثم قال ﵀ (١) : وأيضاً فليس كل أحد يجب عليه أن يُضحي، وإنما تجب على القادر، فهو الذي يريد أن يُضحي، كما قال: "من أراد الحجّ فليتعجل، فإنه قد تضل الضالة، وتعرض الحاجة" (٢) ، والحج فرض على المستطيع، فقوله: "مَن أراد أن يُضحي.." كقوله: "من أراد الحج.. "..

стр. 67

وقد أجاب على استدلالهم المذكور، الإمامُ العينيّ (١) ﵀ شارحاً قولَ صاحب "الهداية" (٢) - وهو: "والمراد بالِإرادة فيما رُوي- والله أعلم- ما هو ضد السهو، لا التخيير" فقال العيني ﵀: أي: ليس المراد التخيير بين الترك والِإباحة، فصار كأنه قال: مَن قَصَدَ أن يضحي منكم، وهذا لا يدل على نفي الوجوب، كما في قوله: "من أراد الصلاة فليتوضأ" (٣) ، وقوله: "من أراد منكم الجمعة

стр. 68

فليغتسل " (١) أي: مَن قَصدَ، ولم يُرد التخيير، فَكَذا هذا. اما استدلالُ عدمِ الموُجبين بتضْحيةِ النبي ﷺ عن أُمّته- كما في "سنن أبي داود" (٢٨١٠) و "سنن الترمذي" (١٥٧٤) و "مسند أحمد" (٣/٣٥٦) بالسند الصحيح عن جابر- فليس هو استدلالاً قائماً؛ إذ يُحمل هذا- جَمْعاً بين الأدلة- على غير القادِر مِن الأمّةِ. ومَن كان غيرَ قادرٍ على التضحيةِ سَقَطَ عنه حُكْمُ الوجوب أصْلًا، واللهُ أعلمُ.

стр. 69

-٢٠- أحكام الأضحية هناك أحكامٌ متعلّقة بالأضاحي، يَجْدُرُ بالمسلم أن يعرفها ليكون على علم في عبادته، وعلى بيّنةٍ من أمره، ألَخصها بما يأتي ذِكْرُهُ إن شاء الله: أولاً: كان النبي ﷺ يضحي بكبشين (١) ، وكان ينحرهما بعد صلاة العيد، وأخبر ﷺ أن: "مَن ذبح قبل الصلاة فليس مِن النسك في شيء، وإنما هو لحم قَدَّمه لأهله" (٢) . ثانياً: وكان ﷺ يأمر أصحابه أن يذبحوا الجَذَع من الضَأن، والثَنِيّ مما سواه (٣) .

стр. 70

عن مُجاشِع بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إنَّ الجذع من الضأن يوفي مما يوفي منه الثنيّ من المعز" (١) . ثالثاً: ويجوز تأخير الذبح لليوم الثاني والثالث بعد العيد، لِمَا ثبت عن النبي فًيِ أنه قال: "كل أيام التشريق ذبح " (٢) .

стр. 71

قال ابن القيم: هذا مذهب أحمد، ومالك، وأبي حنيفة ﵏، قال أحمد: هو قول غير واحد من أصحاب محمد ﷺ ، وذكره الأثرم عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ (١) . رابعاً: ومن هديه ﷺ أن من أراد التضحية، ودخل أولُ يومٍ من أيامِ العَشْرِ من ذي الحجةِ، فلا يأخُذْ من شعره وبَشَرهِ شيئاً، ثبت النهي عن ذلك (٢) .

стр. 72

قال النووي في "شرح مسلم" (١٣/١٣- ١٣٩) : والمرادُ بالنهيِ عن أخْذِ الظُّفُرِ والشعرِ النهيُ عن إزالةِ الظُفُرِ بقَلْم، أو كسرٍ، أو غيرهِ، والمنعُ من إزالةِ الشعر، بحَلْقٍ، أو تقصيرٍ، أو نَتْفٍ، أو إحراقٍ، أو أخذه بِنُوْرةٍ (١) ، أو غير ذلك، وسواءٌ شعرُ الإبطِ، والشاربِ، والعانةِ، والرأسِ، وغيرِ ذلك من شعور بَدَنهِ. وقال ابن قُدامة في "المُغني" (١١/٩٦) : فإنْ فَعَل استغفر الله- تعالى- ولا فديةَ فيه إجماعاً، سواءٌ فعله عَمْداً أو نسياناً. قلتُ: وهذا منه- ﵀ إشارة إلى تحريم ذلك، ومَنْعهِ بتاتاً، وهو الظاهرُ في أصلِ النهْيِ النبويّ.

стр. 73

خامساً: وكان ﷺ يختار الأضحيةَ سليمةً من العيوب، وكان يستحسنها، ونهى أن يُضحى بمقطوعة الأذن ومكسورة القَرن (١) . وأمر بالنظر إلى سلامة الأضحية، وأن لا يُضحى بعوراء، ولا مقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء، ثبت النهي عن هذا كُلِّه (٢) . وأمّا الكبشُ الموجودُ (٣) فيجوزُ التضحية بهِ، لِمَا

стр. 74

وَرَدَ مثلُه عنه ﷺ فيما رواه أبو يعلى (١٧٩٢) والبيهقي (٢٦٨٩/٢٦٨) بسند حسّنه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/٢٢) -. سادساً: وكان ﷺ يُضحي بالمُصلى (١) . سابعاً: وكان من هديه ﷺ أن الشاة تجزىء عن الرجل، وعن أهل بيته، ولو كَثُر عددهم، كما قال عطاء بن يسار (٢) : سالت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: إنْ كان الرجل يضحي بالشاةِ عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطعمون (٣) .

стр. 75

ثامنأ: ويُستحب التكبير والتسمية عند الذبح، لما ثبت عن أنس أنه قال: "ضَحَّى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسَمًى وكَبَّر، ووضع رجله على صِفَاحِهما" (١) . تاسعاً: وأفضل الأضحية ما كانت كبشاً أقرن فحلاً أبيض يخالطه سواد حول عينيه وفي قوائمه، إذ هذا هو الوصف الذي استحبه رسول الله ﷺ وضَحَّى به. عاشراً: ويُستحب أن يباشر المسلم أضحيته بنفسه، وإن أناب غيره في ذبحها جاز ذلك بلا حرج (٣) .
следующие страницы →