← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال أبو القاسم: الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي: هذا ما حثثت - أدام الله لك العز والتأييد، والتوفيق والتسديد - على تقديمه من الموازنة بين أبي تمام حبيب أوس الطائي وأبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري في شعريهما، وقد رسمت من ذلك ما أرجو أن يكون الله قد وهب فيه السلامة، وأحسن في اعتماد الحق وتجنب الهوى المعونة منه برحمته. ووجدت - أطال الله عمرك - أكثر من شاهدته ورأيته من رواة الأشعار المتأخرين يزعمون أن شعر أب يتمام حبيب بن أوس الطائي لا يتعلق بجيده جيد أمثاله، ورديه مطروحٌ ومرذول؛ فلهذا كان مختلفاً لا يتشابه، وأن شعر الوليد ابن عبيد البحتري صحيح السبك، حسن الديباجة، وليس فيه سفسافٌ ولا ردي ولا مطروح، ولهذا صار مستوياً يشبه بعضه بعضاً.

стр. 2

ووجدتهم فاضلوا بينهما لغزارة شعريهما وكثرة جيدهما وبدائعهما، ولم يتفقوا على أيهما أشعر، كما لم يتفقوا على أحدٍ ممن وقع التفضيل بينهم من شعراء الجاهلية والإسلام والمتأخرين، وذلك كمن فضل البحتري، ونسبه إلى حلاوة اللفظ، وحسن التخلص، ووضع الكلام في مواضعه، وصحة العبارة، وقرب المآتي، وانكشاف المعاني، وهم الكتاب والأعراب والشعراء المطبوعون وأهل البلاغة، ومثل من فضل أبا تمامٍٍ، ونسبه إلى غموض المعاني ودقتها، وكثرة ما يورد مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج، وهؤلاء أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام. وإن كان كثير من الناس قد جعلهما طبقة، وذهب إلى المساواة بينهما. وإنهما لأن البحتري أعرابي الشعر، مطبوعٌ، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام؛ فهو بأن يقاس بأشجع السلمي ومنصور وأبي يعقوب المكفوف وأمثالهم من المطبوعين أولى، ولأن أبا تمام شديد التكلف، صاحب صنعةٍ، ومستكره الألفاظ والمعانين وشعره لا يشبه أشعار الأوائل، ولا على طريقتهم؛ لما فيه من

стр. 3

الاستعارات البعيدة، والمعاني المولدة، فهو بأن يكون في حيز مسلم بن الوليد ومن حذا حذوه أحق وأشبه، وعلى أنى لا أجد سبكة وصحة معانيه، ويرتفع عن سائر من ذهب هذا المذهب وسلك هذا الأسلوب؛ لكثرة محاسنه وبدائعه واختراعاته. ولست أحب أن أطلق القول بأيهما أشعر عندي؛ لتباين الناس في العلم، واختلاف مذاهبهم في الشعر، ولا أرى لأحد أن يفعل ذلك فيستهدف لذم أحد الفريقين؛ لأن الناس لم يتفقوا على أي الأربعة أشعر في امرئ القيس والنابغة وزهير والأعشى، ولا في جرير والفرزدق والأخطل، ولا في بشار ومروان والسيد، ولا في أبي نواس وأبي العتاهية ومسلم؛ لاختلاف آراء الناس في الشعر، وتباين مذاهبهم فيه. فإن كنت - أدام الله سلامتك - ممن يفضل سهل الكلام وقريبه، ويؤثر صحة السبك وحسن العبارة وحلو اللفظ وكثرة الماء والرونق فالبحتري أشعر عندك ضروةً. وإن كنت تميل إلى الصنعة، والمعاني الغامضة التي تستخرج بالغوص والفكرة، ولا تلوى على غير ذلك فأبو تمام عندك أشعر لا محالة.

стр. 4

فأما أنا فلست أفصح بتفضيل أحدهما على الآخر، ولكني أوازن بين قصيدتين من شعرهما إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية، وبين معنى ومعنى، فأقول: أيهما أشعر في تلك القصيدة، وفي ذلك المعنى، ثم أحكم أنت حينئذ على جملة ما لكل واحد منهما إذا أحطت علماً بالجيد والردئ. وأنا أبتدئ بما سمعته من احتجاج كل فرقة من أصحاب هذين الشاعرين على الفرقة الأخرى، عند تخاصمهم في تفضيل أحدهما على الآخر، وما ينعاه بعضٌ على بعضٍ؛ لتتأمل ذلك، وتزداد بصيرة وقوة في حكمك إن شئت أن تحكم، أو اعتقادك فيما لعلك تعتقده مع احتجاج الخصمين به: ١ - قال صاحب أبي تمام: كيف يجوز لقائل أن يقول إن البحتري أشعر من أبي تمام وعن أبي تمام أخذ، وعلى حذوه احتذى، ومن معانيه استقى؟ وباراه حتى قيل: الطائي الأكبر، والطائي الأصغر، واعترف البحتري بأن جيد أب يتمام خيرٌ من جيده، على كثرة جيد أبي تمام؛ فهو بهذه الخصال أن يكون أشعر من البحتري أولى من أن يكون البحتري أشعر منه.

стр. 5

٢ - قال صاحب البحتري: أما الصحبة فما صحبه ولا تلمذ له، ولا روى ذلك أحدٌ عنه، ولا نقله، ولا رأى قط أنه محتاج إليه، ودليل هذا الخبر المستفيض من اجتماعهما وتعارفهما عند أبي سعيدٍ محمد بن يوسف الثغري وقد دخل إليه البحتري بقصيدته التي أولها: أأفاق صبٌ من هوى فأفيقا؟ وأبو تمام حاضر، فلما أنشدها علق أبو تمام أبياتاً كثيرة منها، فلما فرغ من الإنشاد أقبل أبو تمام على محمد بن يوسف فقال: أيها الأمير، ما ظننت أحداً يقدم على أن يسرق شعري وينشده بحضرتي حتى اليوم، ثم اندفع ينشد ما حفظه. حتى أتى على أبيات كثيرة من القصيدة، فبهت البحتري، ورأى أبو تمام الإنكار في وجه أبي سعيد محمد بن يوسف، فحينئذ قال له أبو تمام: أيها الأمير، والله ما الشعر إلا له، وإنه أحسن فيه الإحسان كله، وأقبل يقرظه ويصف معانيه، ويذكر محاسنه، ثم جعل يفخر باليمن، وأنهم ينبوع الشعر، ولم يقنع من محمد بن يوسف حتى أضعف للبحتري الجائزة. فهذا الخبر الشائع يبطل ما ادعيتم؛ إذ كان من يقول هذه القصيدة التي هي من عين شعره وفاخر كلامه، وهو لا يعرف أبا تمام إلا أن يكون بالخبر،

стр. 6

يستغنى عن أن يصحبه أو يتلمذ له أو لغيره في الشعر. وقد أخبرني أنا رجلٌ من أهل الجزيرة - ويكنى أبا الوضاح، وكان عالما بشعر أبي تمام والبحتري وأخبارهما - أن القصيدة التي سمعها أبو تمام من البحتري عند محمد ابن يوسف وكان أول اجتماعهما وتعارفهما القصيدة التي أولها: فيم ابتدار كما الملام ولوءا؟ وأنه لما بلغ إلى قوله فيها: في منزلٍ ضنكٍ به القنا ... بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا نهض إليه أبو تمام فقبل بين عينيه: سروراً به، وتحفياً بالطائية، ثم قال: أبى الله إلا أن يكون الشعر يمنياً. ٣ - قال صاحب أبي تمام: إلا أنه - مع هذا - لا ينكر أن يكون قد استعار بعض معاني أب يتمام؛ لقرب البلدين، وكثرة ما كان يطرق سمع البحتري من شعر أبي تمام فيعلق شيئاً من معانيه، معتمداً للأخذ أو غير معتمد.

стр. 7

وليس ذلك بمانع من أن يكون البحتري أشعر منه؛ فهذا كثير قد أخذ من جميل، وتلمذ له، واستقى من معانيه، فما رأينا أحداً أطلق على كثير أن جميلاً أشعر منه، بل هو - عند أهل العلم بالشعر والرواية - أشعر من جميل. وهذا ابن سلام الجمحي ذكره في كتاب الطبقات في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام، وجعله مع البعيث والقطامى، وذكر أنه عند أهل الحجاز خاصة أشعر من جرير والفرزدق والأخطل، وجعل جميلا في الطبقة السادسة مع عبد الله بن قيس الرقيات والأحوص ونصيب، إلا أنه قال: إن جميلاً يتقدمه في النسيب. وهذا غير مقبول منه؛ لأنه إنما يحكيه عن نفسه، وأهل الحجاز إنما قدموا كثيرا من أجل نسيبه، وحسن تصرفه فيه. وقد حكى عن جرير أنه قال في بعض الروايات: كثير أنسبنا.

стр. 8

ويدل على تقدمه في النسيب قول أبي تمام في قصيدة يمدح بها أبا سعي الكاتبي أولها: من سجايا الطلول أن لا تجيبا لو يفاجى ركن المديح كثيراً ... بمعانيه خالهن نسيبا طاب فيه المديح والتذ، حتى ... فاق وصف الديار والتشبيبا أراد أن كثيراً لو فاجأه هذا المديح - على حسن نسيبه - لخاله نسيبا، وخص كثيراً لشهرته بالنسيب وبراعته، واحتمل ضرورة الشعر، ورد كثيرا إلى التكبير فقال كثيراً ولم يقل جميلا ولا جريراً ولا غيرهما، مما لا ضرورة في اسمه. وعلى أن كثيراً قد ذكر اسمه في شعره مكبراً: إما ضرورة، وإما اعتماداً لتفخيم اسمه وأن لا يأتي به محقراً، فقال: وقال لي الواشون: ويحك؟ إنهابغيرك حقا يا كثير تهيم وقد ذكر أبو تمام كثيراً في مواضع أخر فجاء به مكبراً في قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب ويصفه بالبلاغة، وهو قوله:

стр. 9

فكأن قسا في عكاظٍ يخطب ... وكثير عزة يوم بين ينسب وذلك لعلم أبي تمام بتقدم كثير في النسيب على غيره، وشهرته بالتجويد فيه، على أن جميلا لا شعر له مما يعتد به إلا في النسيب والغزل. فقد علمتم الآن أن هذه خلةٌ لا توجب لكم تفضيل أب يتمام على البحتري من أجل أنه أخذ شيئاً من معانيه. وأما قول البحتري " جيده خير من جيدي، ورديئي خير من رديئه " فهذا الخبر - إن كان صحيحاً - فهو للبحتري، لا عليه؛ لأن قوله هذا يدل على أن شعر أبي تمام شديد الاختلاف، وشعره شديد الاستواء، والمستوى الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر، وقد اجتمعا - نحن وأنتم على أن أبا تمام يعلو علوا حسناً وينحط انحطاطاً قبيحاً، وأن البحتري يعلو بتوسط، ولا يسقط، ومن لا يسقط ولا يسفسف أفضل ممن يسقط ويسفسف. والذي نرويه عن أبي علي محمد بن العلاء السجستاني - وكان

стр. 10

صديق البحتري - أنه قال: سئل البحتري عن نفسه وعن أبي تمام، فقال: هو أغوص على المعاني مني وأنا أقوم بعمود الشعر منه وهذا هو الذي يعرفه الشاميون، دونن غيره. وسمعت أبا علي محمد بن العلاء أيضاً يقول: كان البحتري عند نفسه أشعر من أبي تمام ومن سائر الشعراء المحدثين. وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه الذي ذكر فيه أخبار الشعراء نحواً من ذلك. قال أبو علي محمد بن العلاء: كان البحتري إذا شرب وأنس أنشد شعره، وقال: ألا تسمعون؟ ألا تعجبون؟ قال: وكان - مع هذا - أحسن الناس أدب نفسٍِ، لا يذكر شاعر محسنٌ أوغير محسنٍ إلا قرظه، ومدحه، وذكر أحسن ما فيه. قال أبو علي: ولم لا يفعل ذلك؟ وقد أسقط في أيامه أكثر من خمسمائة شاعر، وذهب بخيرهم، وانفرد بأخذ جوائز الخلفاء والملوك دونهم؟. فلو لم يفعل ذلك إلا استكفافاً وحذراً من بيت واحد يندر فيبقى على الزمان لكان من الحظ له أن يفعله.

стр. 11

قال: وكذلك كان أبو علي دعبل بن علي الخزاعي يهجو الملوك والخلفاء ولا يكاد يعرض لشاعر إلا ضرورة، وقد حذر في أول كتابه الذي ألفه في الشعر من التعرض للشاعر، ولو كان من أدون الناس صنعة في الشعر، وقال: رب بيت جرى على لسان مفحم قيل فيه " رب رميةٍ من غير رامٍ " فسارت به الركبا، ولذلك يقول في بعض شعره: لا تعرضن بمزحٍ لامرئٍ طبن ... ما راضه قلبه أجراه في الشفة فرب قافية بالمزح جاريةٌ ... مشئومةٌ لم يرد إنماؤها نمت ثم نرجع إلى قول الخصمين: ٥ - قال صاخب أب يتمام: فأبو تمام انفرد بمذهبٍ اخترعه، وصار فيه أولاً وإماماً متبوعاً، وشهر به حتى قيل: هذا مذهب أب يتمام، وطريقة أب يتمام، وسلك الناس نهجه، واقتفوا أثره، وهذه فضيلة عرى عن مثلها البحتري. ٤ - قال صاحب البحتري: ليس الأمر لاختراعه لهذا المذهب على ما

стр. 12

وصفتم، ولا هو بأول فيه، ولا سابق إليه، بل سلك في ذلك سبيل مسلم، واحتذى حذوه وأفرط وأسرف، وزال عن النهج المعروف، والسنن المألوف، وعلى أن مسلماً أيضاً غير مبتدع لهذا المذهب، ولا هو أولٌ فيه، ولكنه رأى هذه الأنواع التي وقع عليها اسم البديع - وهي: الاستعارة، والطباق، والتجنيس - منشورة متفرقة في أشعار المتقدمين، فقصدها، وأكثر في شعره منها، وهي في كتاب الله أيضاً موجودة، قال الله تعالى: " واشتعل الرأس شيباً " وقال ﵎: " وآيةٌ لهم الليل نسلخ منه النهار " وقال: " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة "؛ فهذه من الاستعارة التي هي مجاز في القرآن. وقال امرؤ القيس: فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل فجعل الليل يتمطى، وجعل له إردافا وكلكلاً. وقال زهير: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله

стр. 13

فجعل للصبا أفراساً ورواحل. وقال طفيلٌ الغنوى: وجعلت كورى فوق ناجيةٍ ... يقتات شحم سنامها الرحل فجعل الرحل يقتات السنام وقال لبيدٌ الجعفي: وغداة ريحٍ قد كشفت وقرةٍ ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها فجعل للشمال يداً، وللغداة زماماً؛ فهذه كلها استعارات. وقال الله جل وعز في التجنيس: " وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين "، " فأقم وجهك للدين القيم " وقال النبي ﷺ : " عصية عصت الله ورسوله، وغفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله ". وقال القطامى: ولما ردها في الشول شالت ... بذيالٍ يكون لها لفاعا

стр. 14

وقال أيضاً: كنية الحي من ذى القيظ فاحتملوا ... مستحقبين فؤاداً ما له فاد وقال جرير: وما زال معقولاً عقالٌ عن الندى ... وما زال محبوساً عن المجد حابس وقال ذو الرمة: كأن البرى والعاج عيجت متونه ... على عشرٍ يؤمى به السيل أبطح وقال ارمؤ القيس: لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسنى من دائه ما تلبسا وقال الفرزدق: خفاف أخف الله عنه سحابه ... وأوسعه من كل سافٍ وحاصب ذكر ذلك كله أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتاب البديع. قال: ومن الطباق قول الله تعالى: " ولكم في القصاص حياةٌ "

стр. 15

وقال النبي ﷺ : " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع ". وقال زهير: ليثٌ بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا فطابق بين الصدق والكذب. وقال طفيلٌ الغنوى: بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول فطابق بين قوله " يصان " وبين قوله " مبذول ". فتتبع مسلم بن الوليد هذه الأنواع، واعتدها، ووشح شعره بها، ووضعها في موضعها، ثم لم يسلم مع ذلك من الطعن، حتى قيل: إنه أول من أفسد الشعر، روى ذلك أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح، قال: وحدثني محمد بن قاسم بن مهرويه، قال: سمعت أبي يقول: أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، ثم اتبعه أبوتمام، واستحسن مذهبه، وأحب أن يجعل كل بيت من شعره غير خالٍ من بعض هذه الأصناف، فسلك

стр. 16

طريقاً وعراً واستكره الألفاظ والمعاني، ففسد شعره، وذهبت طلاوته، ونشف ماؤه؛ وقد حكى عبد الله بن المعتز في هذا الكتاب الذي لقبه بكتاب البديع أن بشاراً وأبا نواس ومسلم بن الوليد ومن تقيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم. ثم إن الطائي تفرع فيه، وأكثر منه، وأحسن في بعض ذلك، وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط، وثمرة الإسراف. قال: وإنما كان الشاعر يقول من هذا الفن البيت والبتين في القصيدة، وربما فرئ في شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيتٌ واحدٌ بديعٌ، وكان يستحسن ذلك منهم إذا أتى قدراً، ويزداد حظوة بين الكلام المرسل. وقد كان بعضهم يشبه الطائي في البديع بصالح بن عبد القدوس في الأمثال، ويقول: لو كان صالحٌ نثر أمثاله في تضاعيف شعره وجعل منها فصولا في أبياته لسبق أهل زمانه، وغلب على ميدانه. قال ابن المعتز: وهذا أعدل كلامٍ سمعته. قال صاحب البحتري: فقد سقط الآن احتجاجكم باختراع أبي تمام لهذا المذهب وسبقه إليه، وصار استكثاره منه وإفراطه فيه من أعظم ذنوبه، وأكبر عيوبه، وحصل للبحتري أنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعهودة، مع ما بحده كثيراً في شعره من الاستعارة والتجنيس والمطابقة، وانفرد بحسن العبارة،

стр. 17

وحلاوة الألفاظ، وصحة المعاني، حتى وقع الإجماع على استحسان شعره واستجادته، وروى شعره واستحسنه سائر الرواة على طبقاتهم واحتلاف مذاهبم؛ فمن نفق على الناس جميعا أولى بالفضيلة، وأحق بالتقدمة. ٥ - قال صاحب أبي تمام: إنما أعرض عن شعر أبي تمام من لم يفهمه؛ لدقة معانيه، وقصور فهمه عنه، وفهمه العلماء والنقاد في علم الشعر، وإذا عرفت هذه الطبقة فضيلته لم يضره طعن من طعن بعدها عليه. ٦ - قال صاحب البحتري: إن ابن الأعرابي وأحمد بن يحيى الشيباني - وقبلهما دعبل بن علي الخزاعي - قد كانوا علماء بالشعر وكلام العرب، وقد علمتم مذاهبهم في أبي تمام، وازدراءهم بشعره، وطعن دعبل عليه، وقوله: إن ثلث شعره محالن وثلثه مسروق، وثلثه صالح. وروى أبو عبد الله محمد بن داةد بن الجراح في كتاب الشعراء عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن الهيثم بن داود عن دعبل أنه قال: ما جعله الله من الشعراء، بل شعره بالخطب والكلام المنثور أشبه منه بالشعر، ولم يدخله في كتابه المؤلف في الشعراء.

стр. 18

وقال ابن الأعرابي في شعر أب يتمام: إن كان هذا شعراً فكلام العرب باطلٌ، روى ذلك أبو عبد الله محمد ابن داود عن البحتري عن ابن الأعرابي. وحكى محمد بن داود أيضاً عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن حذيفة بن محمد - وكان عالماً بالشعر - أنه قال: أبو تمام يريد البديع فيخرج إلى المحال. وروى عنه أنه قال: دخل إسحاق بن إبراهيم الموصلي على الحسن بن وهب وأبو تمام ينشده، فقال له إسحاق: يا هذا لقد شددت على نفسك. وذكره أيضاً أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتاب البديع. وغير هؤلاء العلماء ممن أسقط شعره كثيرٌ: منهم أبو سعيد الضرير، وأبو العميثل الأعرابي صاحبا عبد الله بن طاهر " القيمان بأمر خزانة الحكمة " بخراسان، وكانا من أعلم الناس بالشعر، وكان عبد الله بن طاهر لا يسمع من شاعر إلا إذا امتحناه وأنشدهما شعره ورضياه، فقصدهما أبو تمام بقصيدته التي يممدح فيها عبد الله بن طاهر وأولها: هن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزماً فقدماً أدرك الثأر طالبه

стр. 19

فلما سمعا هذا الابتداء أعرضا عنه، وأسقطا القصيدة، حتى عاتبهما أبو تمام، وسألهما النظر فيها، فلولا أنهما ظفرا ببيتين مسروقين فيها استحسناهما فعرضا القصيدة على عبد الله بن طاهر وأخذا له الجائزة لكان قد افتضح، وخابت سفرته، وخسرت صفقته، والبيتان: وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه أخذ معنى البيت الأول من قول البعيث: أطافت بعثٍ كالأسنة هجدٍ ... بخاشعةٍ الأصواء غبرٍ صحونها وأخذ معنى البيت الثاني من قول الآخر: غلام وغى تتحمها فأبلى ... فخان بلاءه الدهر الخؤون وكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون ولما أوصلا إليه الجائزة قالا له: لم تقول مالا يفهم؟ فقال لهما: لم لا تفهمان ما يقال؟ فكان هذا مما استحسن من جوابه. وهذا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، ما

стр. 20

علمناه دون له كبير شيء، وهذه كتبه وأماليه وإنشاداته تدل على ذلك، وكان يفضل البحتري، ويستجيد شعره، ويكثر إنشاده، ولا يميله؛ لأن البحتري كان باقياً في زمانه، أخبرنا أبو الحسن الأخفش قال: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد المبرد يقول: ما رأيت أشعر من هذا الرجل، يعني البحتري، لولا أنه ينشدني لما أنشدكم لملأت كتبي وأمالي من شعره. قال صاحب البحتري: فقد بطل احتجاجكم بالعلماء، وتفضيلكم شعره. ٧ - قال صاحب أب يتمام: أما احتجاجكم بدعبل فغير مقبولٍ ولا معولٍ عليه؛ لأن دعبلاً كان يشنأ أبا تمام ويحسده، وذلك مشهور معلوم منه؛ فلا يقبل قول شاعر في شاعر، وأما ابن الأعرابي فكان شديد التعصب عليه؛ لغرابة مذهبه، ولأنه كان يرد عليه من معانيه ما لايفهمه ولا يعلمه، فكان إذا سئل عن شيء منها يأنف أن يقول لا أدري فيعدل إلى الطعن عليه، والدليل على ذلك أنه أنشد يوماً أبياتاً من شعره، وهو لا يعلم قائلها، فاستحسنها وأمر بكتبها، فلما عرف أنه قائلها قال: خرقوا

стр. 21

والأبيات من أرجوزته التي أولها: وعاذل عذلته في عذله ... فظن أنى جاهلٌ من جهله وكان أبن الأعرابي - على علمه وتقدمه - قد حمل نفسه على هذا الظلم القبيح والتعصب الظاهر، فما تنكرون أيضاً أن تكون سائر من ذكرتموه مثل حاله؟ ١٠ - قال صاحب البحتري: لا يلزم ابن الأعرابي من الظلم والتعصب ما ادعيتم، ولا يلحقه نقصٌ في قصور فهمه عن معاني شاعرٍ عدل في شعره عن مذاهب العرب المألوفة إلى الاستعرات البعيدة المخرجة للكلام إلى الخطأ أو الإحالة، بل العيب والنقص في ذلك يلحقان أبا تمام؛ إذ عدل عن المحجة إلى طريقةٍ يجهلها ابن الأعرابي وأمثاله، وأما ما استحسنه ابن الأعرابي من شعر أب يتمام على أنه لأعرابي فأمر بكتبه، ثم أمر بتخريقه لما علم أنه قائله، فذلك غير منكر، ولا يدخل ابن الأعرابي في التعصب والظلم؛ لأن الذي يورده الأعرابي - وهو محتذٍ على غير مثال - أحلى في النفوس، وأشهى إلى الأسماع، وأحق بالزيادة والاستجادة مما يورده المحتذى على الأمثلة، وعذر ابن الأعرابي في هذا واضحٌ، وقد سبقه الأصمعي، وذلك أن لإسحاق بن إبراهيم الموصلي أنشد الأصمعي:

стр. 22

هل إلى نظرةٍ إليك سبيل ... فيروى الصدى ويسفى الغليل؟ إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثيرٌ ممن تحب القليل فقال الأصمعي: لمن تنشدني؟ فقال: لبعض الأعراب، فقال: هذا والله هو الديباج الخسرواني، قال: إنهما لليلتهما، فقال: لا جرم والله إن أثر الصنعة والتكلف بينٌ عليهما. حدثنا بهذا الحديث أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش النحوي، قال: حدثنا أبو الحسن المهراني، قال: حدثني أبو خالد يزيد بن محمد المهلبي، قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: أنشدت الأصمعي، إلا أنه ذكر عن إسحاق أنه قال له: إنهما لليلتهما، فقال الأصمعي: أفسدتهما؛ فالأصمعي في هذا غير ظالم؛ لأن إسحاق - مع علمه بالشعر، وكثرة روايته - لا ينكر له أن يورد مثل هذا؛ لأنه يقوم في النفس أنه قد احتذاه على مثال، وأخذه عن متقدم، وإنما يستطرف مثله من الأعرابي الذي لا يعول إلا على طبعه وسليقته، وابن الأعرابي في أبي تمام أعذر من الأصمعي في إسحاق؛ لأن أبا تمام كان مغرماً مشغوفاً بالشعر، وانفرد به، وجعله وكده، وألف كتباً فيه، واقتصر من كل علم عليه، فإذا أورد المعنى المستغرب لم يكن ذلك منه

стр. 23

ببدعٍ له؛ لأنه يأخذ المعاني ويحتذيها، فليس لها في النفوس حلاوة ما يورده الأعرابي القح. ٩ - قال صاحب أبي تمام: فقد أررتم لأبي تمام بالعلم والشعر والرواية، ولا محالة أن العلم في شعره أظهر منه في شعر البحتري، والشاعر العالم أفضل من الشاعر غير العالم. ١٠ - قال صاحب البحتري: فقد كان الخليل بن أحمد عالماً شاعراً، وكان الأصمعي عالماً شاعراً، وكان الكسائي كذلك، وكان خلف بن حيان الأحمر أشعر العلماء، وما بلغ بهم العلم طبقة من كان في زمانهم من الشعراء غير العلماء؛ فقد كان التجويد في الشعر ليست علته العلم، ولو كانت علته العلم لكان من يتعاطاه من العلماء أشعر ممن ليس بعالم؛ فقد سقط فضل أب يتمام من هذا الوجه على البحتري، وصار البحتري أفضل وأولى بالسبق؛ إذ كان معلوما شائعاً أن شعر العلماء دون شعر الشعراء، ومع ذلك فإن أبا تمام تعمد أن يدل في شعره على علمه باللغة وبكلام العرب؛ فيعمد لادخال ألفاظ غريبة في مواضع كثيرة من شعره، وذلك نحو قوله:

стр. 24

هن البجارى يا بجير ... أهدى لها الأبؤس الغوير وقوله: قدك اتئب أر بيت في الغلواء وقوله: أقرم بكرٍ تبارى أيها الحفض وهذا في شعره كثير موجود، والبحتري لم يقصد هذا، ولا اعتمده، ولا كان له عنده فضيلة، ولا رأى أنه علم؛ لأنه نشأ ببادية منبج، وكان يتعمد حذف الغريب والوحشي من شعره؛ ليقربه من فهم من يمتدحه، إلا أن يأتيه طبعه باللفظة بعد اللفظة في موضعها من غير طلب لها، ويرى أن ذلك أنفق له؛ فنفق، وبلغ المراد والغرض؛ ويدلك على ذلك أنه كان يكنى أبا عبادة، ولما دخل العراق تكنى أبا الحسن؛ ليزيل العنجهية والأعرابية، ويساوي ف يمذاهبه أهل الحاضرة، ويتقرب بهذه الكنية إلى أهل النباهة والكتاب من الشيعة.

стр. 25

وقد ذكر بعضهم أنه كان يكنى أبا الحسن، وأنه لما اتصل بالمتوكل وعرف مذهبه عد لإلى أب يعبادة، والأول أثبت، وقد حكى أبوعبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب الشعراء أن أبا عبادة كنية البحتري القديمة؛ فشتان ما هما، من حضري تشبه بأهل البدو فلم ينفق بالبادية، ولا عند أكثر الحاضرة، وبدوي تحضر فنفق في البدو والحضر. ١١ - قال صاحب أب يتمام: فقد عرفناكم أن أبا تمام أتى في شعره بمعانٍ فلسفية، وألفاظ غريبة، فإذا سمع بعض شعره الأعرابي لم يفهمه، فإذا فسر له فهمه واستحسنه. ١٢ - قال صاحب البحتري: هذه دعاوٍ منكم على الأعراب في استحسان شعر صاحبكم إذا فهموه، ولا يصح ذلك إلا بالامتحان، ولكنكم معترفون ومجمعون مع من هو معكم وعليكم أن لصاحبكم إحسانات وإساءات، وأن الإحسان للبحتري دون الإساءة، ومن أحسن ولم يسء أفضل ممن أحسن وأساء.

стр. 26

١٣ - قال صاحب أبي تمام: ما أجمعنا معكم أن صاحبكم لم يسء، بل هو قد أساء في قوله: يخفى الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمةٌ بغير إناء وهذا وصف للإناء لا للشلااب؛ لأنه لو ملأ الإناء دبساً لكان هذا صفته. وقال: صحكاتٌ في إثر مقام الضحك، والرعد مقام العطايا، وإنما كان يجب أن يقيم الغيث مقام العطايا، لا الرعد، وله لحون في شعره معروفة نحو قوله: ونصبته علماً بسامراء وقوله: نبرات معبد في الثقيل الأول

стр. 27

وقوله: عرج بذي سلمٍ فثم المنزل ... ليقول صبٌ ما يشاء ويفعل وأشباه لهذا كثيرة؛ فقد تساويا في الغلط. ١٤ - قال صاحب البحتري: ما نعينا على أبي تمام اللحن - وهو في شعره كثير لو تتبع - فتنعوا مثله على البحتري؛ لأن اللحن لا يكاد يعرى منه أحد من الشعراء المحدثين، ولا يسلم منه شاعر من الشعراء الإسلاميين؛ وقد جاء في أشعار المتقدمين ما علمتم من الإقواء وغير الإقواء مما لا يقوم العذر فيه إلا بالتأويلات البعيدة، وعلى أنه ليس شيء مما عبتم به البحتري من اللحن خارجا عن مقاييس العربية، ولا بعيداً من الصواب، بل قد جاء مثله كثير في أشعار القدماء والأعراب والفصحاء، ولو كان هذا موضع ذكره لذكرناه، ونحن لو رمنا أن نخرج ما في شعر أبي تمام من اللحن لكثر ذلك

стр. 28

واتسع، ولوجدنا منه ما يضيق العذر فيه، ولا يجد المتأول له مخرجاً منه إلا بالطلب والحيلة والتمحل الشديد، وذلك مثل قوله: ثانيه في كبد السماء، ولم يكن ... لأثنين ثانٍ إذ هما في الغار معنى هذا البيت أن بابك صار جاراً في الصلب لمازيار، وهو ثانية في كبد السماء، ولم يكن ثانياً لاثنين إذ هما في الغار: أي هو ثاني اثنين في الصلب لمازيار الذي هو رذيلة، وليس هو ثانياً في الغار؛ لأن هذه فضيلة؛ فكان يجب أن يقول في البيت " ولم يكن لاثنين ثانياً "؛ لأنه خبر يكن، واسمها هو اسم بابك مضمر فيها؛ فليس إلى غير النصب سبيل في البيت، وإلا بطل المعنى وفسد، وفساده أنك إذا أخليت " يكن " من ضمير بابك وجعلت قوله " ثاني " اسمها كان ذلك خطأ ظاهراً قبيحاً؛ لأنك إذا قلت: كان زيد وعمرو اثنين ولم يكن لهما ثان، كنت مخطئاً؛ لأن كل اثنين أحدهما ثانٍ للآخر، وكذلك إذا قلت: كانوا ثلاثةً ولم يكن لهم ثالث، كنت مخطئاً؛ لأن أحد الثلاثة هو ثالثهم، وإنما تكون مصيباً إذا قلت: كانا اثنين ولم يكن لهما ثالث، وثلاثةً ولم يكن لهم رابع، وأيضاً فإنه لو أراد هذا المعنى لم يكن في البيت فائدة البتة؛ لأنه كان

стр. 29

يكون المعنى حينئذٍ أن بابك ثاني مازيار، فأي فائدة في هذا مع ما فيه من الخطأ الفاحش؟ وأي تعلق لهذا المعنى بما قبله في البيت؟ وقال في آخر قصيدة: شامت بروقك آمالي بمصر، ولو ... أضحت على الطوس لم تستبعد الطوسا فأدخل في طوس الألف واللام، وهي اسم بلدة معروفة، وقال: إحدى بني بكر بن عبد مناه وإنما هي مناة في الإدراج، كما قال الله وتبارك وتعالى " ومناة الثالثة الأخرى " وإنما تكون بالهاء في الوقف، لا في الحركة والدرج. وقال في هذه القصيدة: لولا صفاتٌ في كتاب الباه وإنما هي الباءة بالمد في تقدير الباعة، وإن كان قد حكى الباه في بعض اللغات الرديئة، والردى لا يقتدى به.

стр. 30

وقال: فكم لي من هواء فيك صافٍ ... غذى جوه، وهوى وبي فقال غذى وهو غذٍ بالتخفيف. وقال في قصيدة: على الأعادي ميكالٌ وجبريل فأوقع الإعراب على الياء من الأعادي، وذلك غير جائز لمتأخر. وقال: ستين ألفاً وسبعيناً ومثلهما ... كتائب الخيل تحميها الأراجيل فنون النون من " سبعين " وهذا لا يسوغه محدثٌ، ونحو هذا مما ليست بنا حاجة إلى ذكره؛ لأنا لم نتتبعه ولا عبناه به؛ لما وصفناه في باب اللحن وكثرته في أشعاره المتأخرين، وإنما عبناه بخطائه في معانيه، وإحالته في استعارته، وكثرة ما بورده من الساقط والغث البارد، مع سوء سبكه، ورداءة طبعه، وسخافة لفظه، مما سنذكره في باب آخر من الاحتجاج عليكم. فأما ما عبتم به البحتري من قوله: يخفى الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمةٌ بغير إناء

стр. 31

فما زالت الرواة وشيوخ أهل الأدب والعلم يستحسنون هذا البيت ويستجيدونه له، وذكره عبد الله بن المعتز بالله - وقد علمتم فضله وعلمه بالشعر - في باب ما اختاره من التشبيه في كتابه الذي نسبه إلى البديع، ولكنكم أبيتم إلا إفساده، ثم أجلبتم وأكثرتم أن تنعوا على شاعر محسن بيتاً واحداً، فما زلتم تبحثون وتتحملون حتى وجدتم أبياتأً تحتمل من التأويل ما يحتمله الأول، وهو قوله: ضحكاتٌ في إثرهن العطايا ... وبروق السحاب قبل رعوده وكلا البيتين إلى الصواب أقرب، ومن الخطأ أبعد، فأما قوله: يخفي الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمةٌ بغير إناء فإنما قصد إلى وصف هيئة الشراب في الإناء، ولم يقصد إلى وصف الشراب خاصة، ولا إلى الإناء، كما ادعيتي، ولو أراد وصف الإناء لكان مصيباً؛ لأن الزجاجة أيضاً يوصف ما فيها، وتقع المبالغة في نعتها، وقد جاء في وصف أواني الشراب ما جاء، ومن أحسن ما قيل في ذلك قول علي بن العباس بن جريج الرومي يصف قدحاً:

стр. 32

تنفذ العين فيه حتى تراها ... أخطأته من رقة المستشف كهواء بلا هباء مشوب ... بضياء، أرقق بذاك وأصف وسط القدر: لم يكبر لجرعٍ ... متوالٍ، ولم يصغر لرشف لا عجول على العقول جهول ... بل حليم عنهن من غير ضعف فالزجاجة إذا رقت وصفت وسلمت من الكدر اشتد صفاؤها وبريقها، فإذا وقع فيها الشراب الرقيق اتصل الشعاعان، وامتزج الضوءان، فلم تكد الزجاجة تتبين للناظر، ولو صببنا دبساً أو عسلا أو لبناً وماء كدراً في إناء هذه صفته في الرقة لما خفى الإناء على الناظر؛ لأن هذه الأشياء لا شعاع لها ولا ضياء يتصل بشعاع الإناء وضوئه، وقد سبقه إلى هذا المعنى علي بن جبلة فقال: كأن يد النديم تدير منها ... شعاعاً لا تحيط عليه كاس وقال الآخر، أنشده أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش: وإذا ما مزجت في كأسها ... فهي والكأس معاً شيءٌ أحد فأنتم في هذه المعارضة بالخطأ أجدر، وبالعيب أحرى.

стр. 33

وأما قوله: وبروق السحاب قبل رعوده فإنه أقام الرعد مقام الغيث؛ لأنه مقدمة له، وعلم من أعلامه، ودليل من أقوى دلائله، ألا ترى أن برق الخلب لا رعد له، وقد قال الأعشى: والشعر يستنزل الكريم كما اس ... تنزل رعد السحابة السبلا فجعل الرعد هو الذي يستنزل المطر، وقال الكميت: وأنت في الشتوة الجماد إذا ... أخلف من أنجمٍ رواعدها وإذا كان البرق ذا رعدٍ فقلما يخلف. ومثل هذا في كلام العرب - مما ينوب فيه الشيء عن الشيء، إذا كان متصلا به، أو سبباً من أسبابه، أو مجاوراً له - كثيرٌ؛ فمن ذلك قولهم للمطر: سماء، ومنه قولهم: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، قال الشاعر: إذا نزل السماء بأرض قومٍ ... رعيناه وإن كانوا غضابا

стр. 34

أراد إذا سقط المطر رعيناه، يريد رعينا النبت الذي يكون عنه، ولهذا سمى النبت ندى؛ لأنه عن الندى يكون، وقالوا: ما به طرقٌ، أي ما به قوة، والطرق: الشحم، فوضعوه موضع القوة؛ لأن القوة عنه تكون، وقولهم للمزادة: راوية، وإنما الرواية البعير الذي يسقي عليه الماء، فسمى الوعاء الذي يحمله باسمه، ومن ذلك الحفض متاع البيت، فسمى البعير الذي يحمله حفضاً. ومن ذلك قول المسيب بن علسٍ: وتمد ثنى جديلها بشراع أراد بدقلٍ، فقال: بشراع؛ لأن الشراع عليه يكون. وهذا باب واسع، وأيسر من أن يحتاج إلى استقصائه. وبعد؛ فلو كان هذان البيتان خطأ - كما ادعيتم وأخذتم على هذا الشاعر المجتمع على إحسانه غلطاً من غيرهما في شعره - لما كان بذلك داخلا في جملة المسبوقين، ولا الخطاطئين في الشعر؛ لجودة

стр. 35

نظمه، واستواء نسجه، ووقوع لفظه في مواقعه، ولأن معانيه تصح بالنقد، وتخلص على السبك. أبو تمام يتبهرج شعره عند التفتيش والبحث، ولا تصح معانيه على التفسير والشرح. ١٧ - قال صاحب أب يتمام: لئن أسرفتم في الذم، وبالغتم على صاحبنا في الطعن، وتجاوزتم الحد الذي يقف عنده المحتج المناظر، إلى مذهب المسقط المغالط، والمتعصب المتحامل - فلسنا نمنع أن يكون صاحبنا قد وهم في بعض شعره، وعدل عن الوجه الأوضح في كثير من معانيه، وغير منكرٍ لفكر نتج من المحاسن ما نتج، وولد من البدائع ما ولد، أن يلحقه الكلال في الأوقات، والزلل في الأحيان. بل من الواجب لمن أحسن إحسانه أن يسامح في سهوه، ويتجاوز له عن زلله، فما رأينا أحداً من شعراء الجاهلية سلم من الطعن، ولا من أخذ الرواة عليه الغلط والعيب. هذا الأصمعي قد عاب امرأ القيس بقوله: وأركب في الروع خيفاتةً ... كسا وجهها صعفٌ منتشر وقال: شبه شعر الناصية بسعف النخلة، والشعر إذا غطى العين لم يكن الفرس كريماً، وذلك هو الغمم، والذي يحمد من الناصية الجثلة، وهي التي لم تفرط في الكثرة فتكون الفرس غماء، والغمم مكروه، ولم

стр. 36

تفرط في الخفة فتكون الفرس سفواء، والسفا أيضاً مكروهٌ في الخيل، والجيد ما قال عبيد: مضبرٌ خلقها تضبيراً ... ينشق عن وجهها السبيب وروى ذلك عنه أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني. وقال أيضاً: سمعت الأصمعي يقول: أخطأ امرؤ القيس في قوله: لها متنتان خظايا كما ... أكب على ساعديه النمر لأن المتن لا يوصف بكثرة اللحم، ويستحب منه التعريف، وكذلك الوجه كما قال طفيلٌ: معرقة الألحى تلوح متونها وأخذ عليه في قوله وصف الفرس: فللسوط ألهوبٌ، وللساق درةٌ ... وللزجر منه وقع أخرج مهذب

стр. 37

وقال: هذه الفرس بطيئة؛ لأنها تحوج إلى السوط، وإلى أن تركض بالرجل وتزجر؛ ويقال: إن أول من عابه بهذا البيت زوجته لما اجتكم إليها هو وعلقمة الفحل، فغلبت علقمة، فطلقها. وقد أخذ أيضاً عليه قوله: أغرك مني أن حبك قاتلي وقال: إذا لم يغر هذا فأي شيء يغر؟ وعيب زهير بن أبي سلمى بقوله: يخرجن من شرباتٍ ماؤها طحلٌ ... على الجذوع يخفن الغمر والغرقا وقالوا: ليس خروج الضفادع من الماء خوف الغمر والغرق، وإنما ذلك لأنها تبيض في الشطوط. وعيب على كعب ابنه قوله:

стр. 38

ضخمٌ مقلدها فعمٌ مقيدها وقالوا: إنما توصف النجائب برقة المذبح وأخذ على النابغة قوله يصف عنق المرأة بالطول: إذا ارتعثت خاف الجبان رعثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق وهذا قريب من قول أبي نواس: وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق بل أبو نواس أعذر؛ لقوله " لتخافك " يريد لتكاد تخافك، والشعراء تسقط " تكاد " في الشعر وهي تريدها. وجاء في القرآن مثل ذلك، قال الله : " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال "، أي لتكاد تزول.

стр. 39

وقال الشاعر: يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظراً يزيل مواطئ الأقدام أي: نظراً يكاد يزيل، فأضمر " يكاد " واللام إذا جاءت كانت أدل عليها، وقال الله : " وبلغت القلوب الحناجر " أي: كادت. وأخذ على النابغة قوله: ألكنى يا عيين إليك قولاً ... ستحمله الرواة إليك عني وقالوا: فاعتذر له الأصمعي، وقال: هذا مما حملته الرواة علىلنابغة! كأنه يدفع أن يكون قوله. وأخذ على المسيب قوله: وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناجٍ عليه الصيعرية مكدم قال: الصيعرية صفةٌ للنوق، لا للفحول، فسمعة طرفة بن العبد

стр. 40

- وهو صبي - فقال: استنوق الجمل، وضحك منه، ويقال: إن المسيب قال: أخرج لسانك يا فتى، فأخرجه، فقال: ويلٌ لهذا من هذا، يعني رأسه من لسانه. وأخذ على المرقش قوله: صحا قلبه عنها سوى أن ذكرةً ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما قالوا: من إذا ذكر دارت به الأرض ليس بصاحٍ. وأخذ على عدي بن ويد قوله: يبذ الجياد فارهاً متتابعاً وقالوا: لا يقال للفرس فارهٌ، وإنما يقال له: جواد، وكريم، والفاره: البغل والحمار. وأخذ عليه أيضاً قوله في صفة الخمر: والمشرف الهيدب يسعى به ... أخضر مطموثاً بماء الحريص
следующие страницы →