← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 1611–1636 · переход к 1616.

стр. 1611

ونحو هذا قول البحتري: مكرمة الأسباب فيها وسائل ... إلى غير ما يحبى بها وذرائع تنال منال الليل في كل وجهة ... وتبقى كما تبقى النجوم الطوالع وقوله: «تنال منال الليل في كل وجهة» أي في سيرها الآفاق، وهذا لا شيء أبلغ منه ولا ألطف، وأظنه أخطر بباله قول النابغة: فإنك كالليل الذي هو مدركي وقال في نحوه: بلغن الأرض لم يلغبن فيها ... وبعض الشعر يدركه اللغوب وقال في نحوه: تبيت أمام الريح منها طليعة ... وغدوتها شهر وروحتها شهر وقال أبو تمام: وسيارة في الأرض ليس بنازح ... على وخدها حزن سحيق ولا سهب تذر ذرور الشمس في كل بلدة ... وتمضي جموحاً ما يرد لها غرب قوله: «تذر ذرور الشمس» أحسن من كل ما مضى وأجود وألطف.

стр. 1612

وقال: نظمت له شعراً من الشعر تنضب الـ ... ـبحور وما داناه من حليها عقد تسير مسير الريح مطرفاته ... وما السير منها لا العنيق ولا الوخد تروح وتغدو بل يراح ويغتدى ... بها وهي حيرى لا تروح ولا تغدو تقطع آفاق البلاد سوابقاً ... وما ابتل منها لا عذار ولا خد قوله: «تسير مسير الريح مطرفاته» يعني مطرفات الشعر، أي مستحدثاته. وقول البحتري: وقول البحتري: «تبيت أمام الريح منها طليعة» أبلغ من هذا، وقد جعل فروة بن حميضة الأسدي الريح طليعة، فقال يهجو عمارة بن عقيل: يخشى الرياح بأن تكون طليعة ... أو أن تحل به عقوبة ناذر وقول البحتري أوكد، لأنه جعل قصيدته طليعة أمام الريح. وقال أبو تمام: فما بال وجه الشعر أغبر قاتم ... وأنف العلى من عطلة الشعر راغم

стр. 1613

ثم قال بعد بيت واحد: فقد هز عطفيه القريض توقعاً ... لعدلك مذ ردت إليك المظالم والذي وجهه أغبر قاتم لا يهز عطفيه، لأن هز العطف لا يكون إلا من المرح والأشر، ولا تكون المناقضة إلا هكذا، وهذا كله إنما يجلبه الشر والاستقصاء لما يكفي منه البلغة. وقال في قصيدة يعتذر فيها إلى ابن أبي دؤاد: خذها مثقفة القوافي ربها ... لسوابغ النعماء غير كنود حذاء تملأ كل إذن حكمة ... وبلاغة وتدر كل وريد كالطعنة النجلاء من يد ثائر ... بأخيه أو كالضربة الأخدود كالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الفتاة الرود كشقيقة البرد المنمنم وشيه ... في أرض مهرة أو بلاد تزيد يعطى لها البشرى الكريم ويحتبى ... بردائها في المحفل المشهود بشرى الغني أبي البنات تتابعت ... بشراؤه بالفارس المولود كرقى الأساود والأراقم طالما ... نزعت حمات سخائم وحقود

стр. 1614

والاعتذارات لا تختم بتقريض الشعر، وأن يقول: «خذها» وخاصة هذا الطويل المستقصى المعاني، لأنه في ذلك يقرض اعتذاره لإعجابه به، وهذا قبيح ومجانب للعادات، والأحسن أن يختم الاعتذار بمثل ما ختم به اعتذاره إلى موسى بن إبراهيم، وهو قوله: فإن يك جرم عن أو تك هفوة ... على خطأ مني فعذري على عمد وهذا يصلح أن يقال بعد وقوع العذر والرضى، وكذلك قول البحتري خاتماً لاعتذاره إلى الفتح: ومثلك إن أبدى الفعال أعاده ... وإن صنع المعروف زاد وتمما وقوله: ولا عذر إلا أن بدء إساءة ... لها من زيادات الوشاة تمام ويختم الاعتذار قبل وقوع الصفح بمثل قول أبي تمام: ومن يأذن إلى الواشين تسلق ... مسامعه بألسنة حداد وبمثل قول البحتري: واحترس من ضياع حلمك في الجفـ ... ـوة والإنقباض إن ضاع حلمي ولولا الإطالة لذكرت من خواتم الشعر في الاعتذارات ما يؤكد هذا ويزيد في بيانه.

стр. 1615

وقال أبو تمام: جاءتك من نظم اللسان قلادة ... سمطان فيها اللؤلؤ المكنون حذيت حذاء الحضرمية أرهفت ... وأجابها التخضير والتلسين إنسية وحشية كثرت بها ... حركات أهل الأرض وهي سكون ينبوعها خضل وحلي قريضها ... حلي الهدى ونسجها موضون أما المعاني فهي أبكار إذا ... فضت ولكن القوافي عون أحذاكما صنع الضمير يمده ... جفر إذا نضب الكلام معين ويسيء بالإحسان ظناً لا كمن ... هو بابنه وبشره مفتون وهذا كله جيد بالغ، ومن إحسانه المشهور، وأجود منه قوله: نفق المديح ببابه فكسوته ... عقداً من الياقوت غير مثقب أولى المديح بأن يكون مهذباً ... ما كان منه في أغر مهذب غربت خلائقه وأغرب واصف ... فيه فأحسن مغرب في مغرب

стр. 1616

لما كرمت نطقت فيك بمنطق ... حق فلم آثم ولم أتحوب ومتى امتدحت سواك كنت متى يضق ... عني له صدق المقالة أكذب وقال البحتري: وما عدلت عنك القصائد معدلاً ... ولا تركت فضلاً لغيرك يحسب ينظم منها لؤلؤ في سلوكه ... ومن عجب تنظيم ما لا يثقب يسر افتناني معشراً ويسوءهم ... ويخلد ما افتن فيه وأسهب ولم يبق كر الدهر غير علائق ... من القول ترضي السامعين وتطرب قوله: «ومن عجب تنظيم ما لا يثقب»، وقول أبي تمام: «غير مثقب» معنى متداول. وقال أبو تمام: إذا أنشدت في القوم ظلت كأنها ... مسرة كبر أو تداخلها عجب مفصلة باللؤلؤ المنتقى لها ... من الشعر إلا أنه اللؤلؤ الرطب أراد: مفصلة باللؤلؤ من الشعر، أي بلؤلؤ الشعر، لا بلؤلؤ الصدف، ولم يرد المنتقى من الشعر، لأنه يكون مسروقاً من الشعر، وذلك عيب فاحش على الشاعر أن يعترف به.

стр. 1617

وقوله: «إلا أنه اللؤلؤ الرطب» أي: محدث من اختراعه، ولم يكن سبق إليه. وقال البحتري: لأشكرنك إن الشكر نائله ... أبقى على حالة من نائل النشب بكل شاهدة للقوم غائبة ... عنهم جميعاً ولم يشهد ولم يغب مرصوفة باللآلي من نوادرها ... مسبوكة اللفظ والمعنى من الذهب ولم أحابك في مدح تكذبه ... بالفعل منك وبعض المدح من كذب قوله: «لم أحابك في مدح تكذبه»، وقول أبي تمام: «وإذا امتدحت سواك ...» معنى قد تداولته الشعراء أيضاً وأكثرت فيه. وقال أبو تمام: إليك أثرت من تحت التراقي ... قوافي تستدر بلا عصاب من القرطات في الآذان تبقى ... بقاء الوحي في الصم الصلاب عراض الجاه تجزع كل واد ... مكرمة وتفتح كل باب مضمنة كلال الركب تغني ... غناء الزاد عنهم والركاب إذا عارضتها في يوم فخر ... مسحت خدود سابقة عراب تصير بها وهاد القوم هضباً ... وأعلاماً وتثلم في الروابي

стр. 1618

قوله: «تستدر بلا عصاب» كما يفعل بالناقة عند الحلب، وهي العصوب، وإنما قيل لها ذلك، لأنها لا تدر حتى يعصب فخذاها. وقوله: «تصير بها وهاد القوم هضباً» يريد أحسابهم التي لا تذكر وقد نسيت يرفعها الشعر من الانخفاض إلى الارتفاع، وقوله: «وتثلم في الروابي» يعني من جزالة لفظها وصلابته، أو لعله ذهب إلى نحو قوله: «تجزع كل واد» أي تقطع وتشق، وإنما يقطع بها في السير. وقوله: «من القرطات في الآذان» يريد أن الآذان إذا سمعتها لم تنسها لحسنها، فتكون كأنها قرط في الآذان لا تفارقها، وقوله: «بقاء الوحي في الصم الصلاب» يريد الكتاب في الحجر، وهذا جار في عادات الناس أن يقولوا: مثل النقش في الحجر. وقول البحتري: «وتبقى كما تبقى النجوم الطوالع» من قولهم: ما طلع نجم، وما لاح كوكب، ونحو هذا. وقوله: «مسحت وجوه سابقة عراب» من قول تميم بن أبي بن مقبل يصف البيت من شعره:

стр. 1619

أغر غريباً يمسح الناس وجهه ... كما تمسح الأيدي الجواد المشهرا أي: هو من جنس ما يمسح الناس وجهه لحسنه، لا أن هناك له وجه يمسح. وقال البحتري: جئناك نحمل ألفاظاً مدبجة ... كأنما وشيها من يمنة اليمن تهدي القريض إلى رب القريض معاً ... كحامل العصب يهديه إلى عدن من كل زهراء كالنوار مشرقة ... أبقى من الزمن الباقي من الزمن قوله: «أبقى من الزمن الباقي من الزمن» من إغراقات أبي تمام، إلا أن هذا ليس بمستكره اللفظ ولا مما ينبو عنه القلب. وقال البحتري: تبلى الخطوب وأحداث الزمان ولا ... تبلى القوافي مثولاً والأعاريض وقال أبو تمام: فليلقينك حيث كنت قصائد ... فيها لأهل المكرمات مآرب فكأنما هي في السماع جنادل ... وكأنما هي في القلوب كواكب

стр. 1620

وإنما جعلها في السماع جنادل، وفي القلوب كواكب، ففرق بين السمع والقلب في التقسيم وحالهما واحدة، لأن الأشياء تتصور في القلوب ولا تتصور في الأسماع، فجعل جزالة اللفظ للأذن، وحسن المعاني للقلب. وقال: أما القوافي فقد حصنت غرتها ... فما يصاب دم منها ولا سلب منعت إلا من الأكفاء ناكحها ... وكان منك عليها العطف والحدب ولو عضلت عن الأكفاء أيمها ... ولم يكن لك في أطهارها أرب كانت بنات نصيب حين ضن بها ... عن الموالي ولم تحفل بها العرب قد فسر معنى البيت الأول بالثاني بقوله: «فما يصاب دم منها ولا سلب»، لأنه منع القصائد أن تقال إلا في كفء سيد رئيس، فما يصاب دم منها ولا سلب، لأنها إن قيلت في وضيع لئيم، فكأنها مما أصيب فذهب دمع وسلبه، وهذا محذو على قول ابن هرمة: كأن قصائدي لك فاصطنعني ... كرائم قد عطلن عن النكاح وقال: خذها مغربة في الأرض آنسة ... بكل فهم غريب حين تغترب

стр. 1621

من كل قافية فيها إذا اجتنيت ... من كل ما يشتهيه الهائم الوصب الجد والهزل في توشيع لحمتها ... والنبل والسخف والأشجان والطرب لا يستقي من جفير الكتب رونقها ... ولم تزل تستقي من بحرها الكتب حسيبة في صميم المدح منصبها ... إذ أكثر الشعر ملقى ما له حسب قوله: «الجد والهزل في توشيع لحمتها» بيت في غاية الحمق، ومن يمدح وزيراً فلم يضمن قصيدته الهزل والسخف؟، وإن كان هناك ما يدل على هذا فلم نبه عليه واعترف به؟، لعمري إن قوله فيها: وزير حق ووالي شطرة ورحا ... ديوان ملك وشيعي ومحتسب سخف يزيد على كل سخف. وقوله: إن القصائد يممتك شوارداً فتحرمت بنداك قبل تحرمي ما عرست حتى أتاك بفارس ... ريعانها والغزو قبل المغنم فجعلت قيمها الضمير ومكنت ... منه فصارت قيما للقيم خذها فما زالت على استقلالها ... مشغولة بمثقف ومقوم تدر الفتى من الرجاء وراءها ... وترود في كنف الرجاء القشعم

стр. 1622

زهراء أحلى في الفؤاد من المنى ... وألذ من ريق الأحبة في الفم وهذا البيت من إحسانه المشهور. وكان محمد بن الهيثم مقيماً بفارس، وأنفذ أبو تمام هذه القصيدة إليه، أظن ذاك قبل مقدمه عليه، فلذلك قال: «حتى أتاك بفارس ريعانها»، وريعان كل شيء أوله، وإنما أراد: حتى أتاك سابقها، أي: حتى أتتك سابقة، وقوله: «والغزو قبل المغنم» لأنه قصده إلى فارس، وقوله: «فجعلت قيمها الضمير» أراد أن يقول: فجعلت قلبك قيمها، يعني بالتأمل والتدبر، «ومكنت منه» بحسن معانيها «فصارت قيماً للقيم» أي على القيم، وهذا من إغراقه المكروه واستعاراته المتعسفة، وقوله: «بمثقف ومقوم» أي: بتثقيف وتقويم، وقوله: «تذر الفتى من الرجاء وراءها» يعني من الرجاء، أي: لا أرجو إلا السادة والعظماء. وقال أبو تمام: يا خاطباً مدحي إلي بجوده ... ولقد خطبت قليلة الخطاب خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب بكراً تورث في الحياة وتنثني ... في السلم وهي كثيرة الأسلاب ويزيدها مر الليالي جدة ... وتقادم الأيام حسن شباب قوله: «تورث في الحياة» أي تصير ميراثاً لولد الممدوح وأهله قبل وفاته،

стр. 1623

لأن افتخارهم بما فيها من مناقبه في حياته كفخرهم بها بعد وفاته، وقوله: «كثيرة الأسلاب» أي: يؤخذ من معانيها غصباً وسلباً وليس هناك حرب. وقال أبو تمام: إليك بعثت أبكار المعاني ... يليها سائق عجل وحادي جوائر عن ذنابى القوم حيرى ... هوادي بالجماجم والهوادي شداد الأسر سالمة النواحي ... من الإقواء فيها والسناد لها في الهاجس القدح المعلى ... وفي كتب القوافي والعماد منزهة عن السرق المورى ... مكرمة عن المعنى المعاد قوله: «جوائر عن ذنابى القوم» مثل قوله: «تذر الفتى من الرجاء وراءها». ولله در أبي عبادة إذ يقول: ويلؤم سائل البخلاء حرصاً ... وإسرافاً كما لؤم البخيل

стр. 1624

«الإسراف» الطمع. وقول أبي تمام: «لها في الهاجس القدح المعلى»، والهاجس الفكر والخاطر، و «القدح»: السهم من سهام الميسر، و «المعلى»: أكثرها نصيباً، وهذا تمثيل مستقيم، إلا أن قوله: «في كتب القوافي والعماد» ركاكة منه، وأي فضل لقافية هذه القصيدة على سائر القوافي حتى يجعل لها القدح المعلى والعماد؟، إن كان أراد هذه الألف قبل الدال، فإنه لا يقال فيها «عماد»، وإنما يقال لها «الردف»، وأظنه أراد بالعماد إقامة الوزن، وذهب إلى العروض، يقال: عمد وعماد، كما يقال: جمل وجمال، أي: في كتب القوافي والعروض، وهذا اختلال قبيح وعي، وزيادة وصف لم يكن به إليه حاجة ولو أسقط البيت. وقال: تلك القوافي قد أتينك نزعاً ... تتجشم التهجير والتغليسا من كل شاردة تغادر بعدها ... حظ الرجال من القريض خسيسا وجديدة المعنى إذا معنى التي ... تشقى بها الأسماع كان لبيسا تلهو بعاجل حسنها وتعدها ... علقاً لأعجاز الزمان نفيسا من دوحة الكلم التي لم ينفكك ... وقفاً عليك رصينه محبوسا كالنجم إن سافرت كان مواكباً ... وإذا حططت الرحل كان جليسا

стр. 1625

ومعنى هذا البيت من معانيه اللطيفة المشهورة، قوله: «لأعجاز الزمان» أراد بالأعجاز أواخر الزمان، وهذا لفظ وإن كان معناه صحيحاً، فإنه لا يكاد يستعمل بأن يقال: إذا عجز الزمان كذا وكذا، وإنما يقال: إذا كان في آخر الزمان، وإنما قال: أعجاز الزمان، من أجل قوله: «تلهو بعاجل حسنها»، فأراد أن يطابق بين عاجل وآجل، فلم يستو له آجل الزمان، فجعل مكانه أعجاز الزمان، ولو قال: أغبار الزمان، وغبر الزمان: باقي الزمان، كان أحسن من أعجاز الزمان، لأن غابر الأيام لفظ مستعمل حسن، فإذا وقع في موقع المستعمل ما هو في معناه وليس بمستعمل في ذلك قبح وهجن، ولكن ليست لأبي تمام عناية باللفظ كعنايته بالمعاني، فهو إذا جاءه المعنى أورده بأي لفظ استوى له، والبحتري عنايته مصروفة إلى تخير الألفاظ كما يتخير المعاني وذلك قوله: بمنقوشة نقش الدنانير يبتغي ... لها اللفظ مختاراً كما ينتقى التبر وقوله: مرصوفة باللآلي من نوادرها ... مسبوكة اللفظ والمعنى من الذهب وقال أبو تمام: إليك أرحنا عازب الشعر بعدما ... تمهل في روض المعاني العجائب غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب ولو كان يفنى الشعر أفنته ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب

стр. 1626

ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب وهذا من أحسانه المعروف المشهور المذكور الذي لا يدفع، وإن كان مبنياً على قول أوس بن حجر: أقول بما صبت علي غمامتي ... ودهري في حبل العشيرة أحطب وبيت أبي تمام أجود لفظاً وسبكاً وتلخيصاً للمعنى، وهو أحق به. وقال أبو تمام: ووالله لا أنفك أهدي شوارداً ... إليك يحملن الثناء المنخلا تخال به برداً عليك محبراً ... وتحسبه عقداً عليك مفصلا ألذ من السلوى وأطيب نفحة ... من المسك مفتوقاً وأيسر محملا أخف على قلب وأثقل قيمة ... وأقصر في سمع الجليس وأطولا ويزهى له قوم ولم يمدحوا به ... إذا مثل الراوي به أو تمثلا وهذا أيضاً من جيد هذا الباب ومشهوره. وقال: سوف أكسوك ما يعفي عليك ... من ثناء كالبرد برد الصناع حسن هاتيك في العيون وهذي ... حسنها في القلوب والأسماع

стр. 1627

وقال: أرى الداليتين على جفاء ... لديك وكل واحدة نضار إذا ما شعر قوم كان ليلاً ... تبلجتا كما انشق النهار وهذا غاية في حسنه لفظاً ومعنى لو كان اقتصر عليه ولكنه شره إلى أن قال: فإن كانت قصائدهم جدوباً ... تلونتا كما ازدوج البهار أغرتهما وغيرهما محلى ... بجودك والقوافي قد تعار فقوله: «وإن كانت قصائدهم جدوباً» هو كقوله: «إذا ما شعر قوم كان ليلاً» يريد مظلمة من المعاني، مجدبة منها، وقوله: «تلونتا كما ازدوج البهار» هو معنى قوله: «تبلجتا كما انشق النهار»، وإنما يريد تبلجتا بالمعاني، وكذلك تلونتا، وهذا وإن كان توكيداً للأول، وكان سائغاً جائزاً، فهو منحط المعنى عن الأول انحطاطًا كثيراً، فكأنه إنما شانه ونقصه ولم يزده. وقال البحتري: ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما ثناء كأن الروض منه منوراً ... ضحى وكأن الوشي منه مسهما

стр. 1628

وقال: أحسن أبا حسن بالشعر إذ جعلت ... عليك أنجمه بالمدح تنتثر فقد أتتك القوافي غب فائدة ... كما تفتح غب الوابل الزهر وهذا ما لا شيء أحسن منه ولا أصح منه. وقال في مثله: قد تلافى القريض جودك فارتـ ... ـث لقى مشفياً على الإنقراض نعم أبدت المصون المغطى ... منه تحت الجفون والإغماض كالغوادي أظهرن كل خفي ... مستسر في زاهرات الرياض وقال في نحوه: إن هذا القريض نبت من القو ... ل يزيد الفعال في إيناعه وهذا كله غاية في حسنه وصحته. وقال: هل يثرين في ابن نصر من تطوله ... قول على ألسن الراوين مقروض مثل الحلي جلته كف صائغه ... فيه خليطان تذهيب وتفضيض

стр. 1629

وأرسلت أفواف القوافي شوافعاً ... إليك وقد يجدي لديك رسولها زواهر نور ما يجف جنيها ... وأنجم ليل ما يخاف أفولها وقال: فله في مدائحي حكمه الأو ... في ولي في نواله الغمر حكمي كل مشهورة يؤلف منها ... بين درية الكواكب نظمي أينما قام منشد لاح نجم ... يتلالا منها على إثر نجم وقال: إليك القوافي نازعات قواصد ... يسير ضاحي وشيها وينمنم ومشرقة في النظم غر يزيدها ... بهاء وحسناً أنها لك تنظم ضوامن للحاجات إما شوافعاً ... مشفعة أو حاكمات تحكم وكأين غدت لي وهي شعر مسير ... وراحت علي وهي مال مسوم وهذا معنى في غاية الصحة والاستقامة والحسن.

стр. 1630

وقال أبو تمام: لم تسق بعد الهوى ماء أقل قذى ... كماء قافية يسقيكه فهم من كل بيت يكاد الميت يفهمه ... حسناً ويعبده القرطاس والقلم يظل سالكه والفكر مالكه ... كأنه مستهام أو به لمم مالي ومالك مثل وهي منشدة ... إلا زهير وقد أصغى له هرم قوله: «كماء قافية يسقيكه فهم»، جعل للقافية ماء يسقى، وجعل فيه قذى إلا أن قذاة أقل قذى من كل ماء الهوى، وجعل للهوى أيضاً ماء قليل القذى، وهذه استعارة في غاية الركاكة والقبح والبعد من صواب الاستعارات، لأن الهوى بأن توصف بكثرة القذى أولى من أن توصف بقلته، وقال: «يسقيكه فهم» فحرك الهاء، وهو يريد فهم قائلها، ولم يرد القافية نفسها، وإنما أراد القصيدة. وقوله: «يظل سالكه» أي سالك الفهم الذي يسلك في المعنى، والفكر مالكه، «كأنه مستهام» يعني الفهم لكثرة تردده وتسكعه. وقوله: «من كل بيت يكاد الميت يفهمه»، فالأحياء ما فهمته فهلا عن الموتى؟!

стр. 1631

وقال أبو تمام في أبي المغيث: خذها فما نالها بضر ... موت جرير ولا العيث وكن كريماً تجد كريماً ... في شكره يا أبا المغيث حكى أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح أن أبا تمام أنشد أبا المغيث هذه القصيدة وعنده يوسف بن المغيرة القشيري وكان شاعراً عالماً أديباً فقال لأبي المغيث: قد هجاك بقوله: «كن كريماً» وهذا لا يقال لكريم، وإنما يقال للئيم، فهجا أبو تمام يوسف بن المغيرة فقال: أيوسف جئت بالعجب العجيب ... تركت الناس في أمر مريب أما لو أن جهلك كان علماً ... إذاً لنفذت في علم الغيوب سمعت بكل داهبة نآد ... ولم أسمع بزجاج أديب وغرض أبي تمام في هذا معروف، وإنما أراد: كن كريماً في أمري، ولكن ليس بجيد أن يقول في مدح رجل:

стр. 1632

بنان موسى إذا استهلت ... كانت ضروباً من الغيوث حيث الندى والسدى جميعاً ... وملجأ الخائف الكريث ثم يقول بعد ذلك: «وكن كريماً»، ولو قال: واعجل بجود تجد عجولاً ... بشكره ...................... كان أحسن وأجمل، وليس بمنكر أن يقول الشاعر للممدوح: «كن كريماً»، إذا كان ممن يقال لمثله، بعد ألا يكون قدم مدحاً فاخراً يكون هذا نقصاً له. وقال البحتري: أيغضب أن يعاتب بالقوافي ... وفيها المجد والشرف الحسيب وكم من آمل هجوي ليحظى ... بذكر منه يصعد أو يصوب فكيف بسير متنخلات ... تجوب من الفيافي ما تجوب ينافس سامع فيها أباه ... إذا جعلت بسؤدده تهيب فهذا ماوجدته لهما في وصف قصائدهما، فأما أبو تمام فقد مضى له عين نادر وجيد بالغ ورديء سقوط، وقد ذكرت جودة الجيد في موضعه ورداءة الرديء، فأما العين النادر فقوله:

стр. 1633

يود وداداً أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقاً إليها مسامع وقوله: كالنجم إن سافرت كان مواكباً ... وإذا حططت الرحل كان جليسا وقوله -وإن كان محذواً على قول أوس بن حجر-: ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب وقوله: زهراء أحلى في القلوب من المنى ... وألذ من ريق الأحبة في الفم وقوله: تداركه إن المكرمات أصابع ... وإن حلي الشعر فيها خواتم وأما البحتري فقد مضى له عين نادر وجيد بالغ ولم يمض له رديء، فأما العين فقوله: فقد أتتك القوافي غب فائدة ... كما تفتح غب الوابل الزهر وهذا معنى في غاية الحسن والحلاوة، والبيت أيضاً قائم بنفسه وغير محتاج إلى ما قبله. وقوله: كالغوادي أظهرن كل خفي ... مستسر في زاهرات الرياض وهذا محتاج إلى ما قبله.

стр. 1634

وقوله: وكأين غدت لي وهي شعر مسير ... وراحت علي وهي مال مسوم فأقول في الموازنة بينهما: إن عيون شعر أبي تمام أجود من عيون شعر البحتري، وهما في جيدهما متساويان، وأطرح إساءات أبي تمام في هذا الباب فلا أعتد بها. وقد مدحت الأوائل أشعارهما ووصفتها، فقال كعب بن زهير: فمن للقوافي شابها من يحوكها ... إذا ما ثوى كعب وفوز جرول يقول فلا يعيى بشيء يقوله ... ومن قائليها من يسيء ويعمل يقومها حتى تلين متونها ... فيقصر عنها كل ما يتمثل كفيتك لا تلقى من الناس شاعراً ... تنخل منها مثل ما انتخل وقال تميم بن أبي بن مقبل: إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى ... لها قائلاً بعدي أطب وأشعرا وأكثر بيتاً شارداً ضربت به ... حزون جبال الشعر حتى تيسرا أغر غريباً يمسح الناس وجهه ... كما تمسح الأيدي الجواد المشهرا

стр. 1635

وقال سويد بن كراع -جاهلي إسلامي-: أبيت بأبواب القوافي كأنما ... أصادي بها سرباً من الوحش نزعا أكالئها حتى أعرس بعد ما ... يكون سحيراً أو بعيد فأهجعا عواصي إلا ما جعلت وراءها ... عصا مربد تغشى نحوراً وأذرعا أهبت بغر الآبدات فراجعت ... طريقاً أملته القصائد مهيعا بعيدة شأو لا يكاد يردها ... لها طالب حتى يكل ويظلعا إذا خفت أن تروى علي رددتها ... وراء التراقي خشية أن تطلعا وجشمني خوف ابن عفان ردها ... فثقفتها حولاً جريداً ومربعا وقد كان في نفسي عليها زيادة ... فلم أر إلا أن أطيع وأسمعا وقال المسيب بن علس: فلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع ترد المياه فلا تزال غريبة ... في القوم بين تمثل وسماع

стр. 1636

قوله: «وسماع» لأنهم كانوا يتغنون في النشيد. أخذ أبو تمام قوله: «فلأهدين مع الرياح قصيدة» فقال: تسير مسير الريح مطرفاته ... وما السير منها لا العنيق ولا الوخد