Полный текст (1 636 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
أتأخذه مني وقد أخذ الجوى ... مأخذه مما أسر وما أبدي
وتخطو إليه صبوتي وصبابتي ... ولم يخطه بثي ولم يعده وجدي
وقلت اسل عنه والجوانح حوله ... وكيف سلو ابن المفرغ عن برد
وقال فيه:
أنسيم هل للدهر وعد صادق ... مما يؤمله المحب الوامق
مالي فقدتك في المنام ولم تزل ... عون المشوق إذا جفاه الشائق
أمنعت أنت من الزيارة رقبة ... منهم فهل منع الخيال الطارق
اليوم جاز بي الهوى مقداره ... في أهله وعلمت أني عاشق
فليهنيء الحسن بن وهب أنه ... يلقى أحبته ونحن نفارق
стр. 1577
* باب في وصف الرياض والأنوار والسحائب والأمطار وذكر الأبنية
قال أبو تمام في وصف الزهر:
رقت حواشي الدهر فهي تمرمر ... وغدا الثرى في حليه يتكسر
نزلت مقدمة المصيف حميدة ... ويد الشتاء جديدة لا تكفر
لولا الذي غرس الشتاء بكفه ... لاقى المصيف هشائماً لا تثمر
كم ليلة آسى البلاد بنفسه ... فيها ويوم وبله مثعنجر
مطر تذوق الصحو منه وبعده ... صحو يكاد من الغضارة يمطر
وندى إذا ادهنت به لمم الثرى ... خلت السحاب أتاه وهو معذر
غيثان فالأنواء غيث ظاهر ... لك وجهه والصحو غيث مضمر
أربيعنا في تسع عشرة حجة ... حقاً لهنك للربيع الأزهر
стр. 1578
ما كانت الأيام تسلب بهجة ... لو أن حسن الأرض كان يعمر
أو لاترى الأشياء إن هي غيرت ... سمجت وحسن الأرض حين تغير
يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهاراً مشمساً قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر
دنيا معاش للورى حتى إذا ... جلي الربيع فأنما هي منظر
أضحت تصوغ بطونها لظهورها ... نوراً تكاد له القلوب تنور
من كل زاهرة ترقرق بالندى ... فكأنها عين إليه تحدر
تبدو فبحجبها الجميم كأنها ... عذراء تبدو تارة وتخفر
حتى غدت وهداتها ونجادها ... فئتين في حلل الربيع تبخر
стр. 1579
مصفرة محمرة فكأنها ... عصب تيمن في الوغى وتمضر
من فاقع غض النبات كأنه ... در يشقق قبل ثم يزعفر
أو ساطع في حمرة فكأن ما ... يدنو إليه من الهواء معصفر
صنع الذي لولا بدائع صنعه ... لم يلف أصفر بعد إذ هو أخضر
قوله: «تذوق الصحو منه» أي: تتبين أنه يقلع ولا يدوم، وأن الصحو يأتي سريعاً في أثره، وقد صحف بعض من فسر شعر أبي تمام في هذه اللفظة فقال: «يروق الصحو منه» مكان «تذوق» وقال أخر: «تذوب الصخر منه».
وقوله:
«أو لا ترى الأشياء إن هي غيرت ... سمجت .................»
وقد فسرت معناه في جملة أبيات من شعره جعلت لتفسيرها جزءاً مفرداً.
стр. 1580
وقوله: «فكأنها عين إليه تحدر» مما يسألأ عنه أيضاً أن يكون قدم كناية العين فيها، وأراد بقوله: «من كل زاهرة» يعني النور، وقد ذكره في البيت الذي قبله، فلذلك نكر، فقال: «إليه» أي: فكأن عيناً تتحدر إلى كل زاهرة، يعني عين ماء، وكان وجه الكلام: فكأنه عين إليها، أي: فكأن الندى عين إلى الزاهرة، فقلب فقال: «فكأنها عين إليه»، ومثل هذا القلب لا يسوغ لمثله، وإلى واللام تعتقبان، قال الله تعالى:
«بأن ربك أوحى لها»
стр. 1581
وقال في موضع آخر:
«وأوحى ربك إلى النحل»
فإن كان هذا يجوز في كل موضع، فلعله أراد: فكأنها عين، أي: فكأن الزاهرة عين للذي يتحدر.
وهذه أبيات حسان، وتشبيهات وتمثيلات صحيحة، ولكن الصنعة وشدة التكلف ظاهران فيها، وليس لفظها، ولا نسجها بالحلو، والجيد النادر في هذا المعنى قول البحتري:
مثالك من طيف الخيال المعاود
سقى الغيث أكناف الحمى من محلة ... إلى الحقف من رمل النقا المتقاود
ولا زال مخضر من الغيث يانع ... عليه بمحمر من اللون جاسد
شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد
فمن لؤلؤ في الأقحوان مفصل ... على نكت مصفرة كالفرائد
يذكرنا ريا الأحبة كلما ... تنفس في جنح من الليل بارد
كأن جنى الحوذان في رونق الضحى ... دنانير تبر من توأم وفارد
رباع تردت بالرياض مجودة ... بكل جديد الماء عذب الموارد
إذا راوحتها مزنة بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد
стр. 1582
قوله: «دموع التصابي» التصابي: أن يفعل ما يفعله الصبي وإن لم يكن صبياً من اللهو واللعب والغزل، فقول البحتري: «دموع التصابي» يريد دموع الدلال بدلاً وطلباً لشيء وتشوقاً إليه، لا دموع حزن وثكل ومصيبة، فتمم المعنى وحسنه وكمله بقوله: «دموع التصابي».
والفرائد: جمع فريدة، وهي شذر يصاغ كالخرز من الذهب يفصل به اللؤلؤ في العقد.
وقوله: «جديد الماء» يريد الغيث.
وقال البحتري أيضاً، وليست من فحل كلامه:
أدمع قد غرين بالهملان
ابكيا هذه المغاني التي أخـ ... ـلقها بعد عهدها بالغواني
أسعدا الغيث إذ بكاها وإن كا ... ن خلياً من كل ما تجدان
جاد فيها بمائه واستجدت ... حللاً جمة من الألوان
فهي تهتز بين إفرنده الأخـ ... ـضر حسناً ووشيه الأرجوان
في سماء من خضرة الروض فيها ... أنجم من شقائق النعمان
واصفرار من لونه وابيضاض ... كاجتماع اللجين والعقيان
وتريك الأحباب يوم تلاق ... باعتناق الحوذان والأقحوان
стр. 1583
صاغ منه الربيع شكلاً لأخلا ... ق حسين ذي الجود والإحسان
فكأن الأشجار تعلو رباها ... بنثير الياقوت والمرجان
وكأن الصبا تردد فيها ... بنسيم الكافور والزعفران
هذه أبيات كما تراها في لينها وخنوثتها وشدة تكلفها، ولكن تلك على كل حال أشف.
وقال البحتري:
أحرام أن ينجز الموعود
ذهبت جدة الشتاء ووافا ... نا شبيهاً بك الربيع الجديد
أفق مشرق وجو أضاءت ... في سنا نوره الليالي السود
وكأن الحوذان والأقحوان الـ ... ـغض نظمان لؤلؤ وفريد
قطرات من السحاب وروض ... نثرت وردها عليه الخدود
وليال كسين من رقة الصيـ ... ـف فخيلن أنهن برود
الرياح التي تهب نسيم ... والنجوم التي تطل سعود
ودنا العيد وهو للناس حتى ... يتقضى وأنت للعيد عيد
وهذا من حلو ألفاظه ونسجه، غير أنه أساء في قوله: «فخيلن أنهن برود»، لأن البرود لا توصف بالرقة، وإنما توصف بالمتانة والصفاقة، وإذا وصف الشيء ذو الألوان قيل: كأنه برد، لأن البرد قل ما يكون غزله من نسج لون
стр. 1584
واحد، وإنما يكون من ألوان، فإنما علق هذا من قول أبي تمام -الذي أخطأ كل الخطأ- يصف الحلم:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما ماريت في أنه برد
وقد ذكرت هذا في أغاليطه، ولست أدري كيف ذهب مثله على البحتري مع جودة طبعه وكثرة مذاهبه.
وقال أبو تمام:
ألا صنع البين الذي هو صانع
كأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيباً فما ترقا لهن مدامع
ربى شفعت ريح الصبا لرياضها ... إلى الغيث حتى جاد وهو هوامع
فبشر الضحى غدواً لهن مضاحك ... وجنب الثرى ليلاً لهن مضاجع
كساك من الأنوار أبيض ناصع ... وأصفر فاقع وأحمر ساطع
والأبيات الثلاثة صالحة، وهذا البيت أتيت به من أجلها، لا طائل فيه.
стр. 1585
وقال أيضاً يصف الربيع، وهي أرجوزة رديئة شديدة الاضطراب وجدت في كتاب أبي سعيد السكري هذا القدر:
إن الربيع أثر الزمان
لو كان ذا روح وذا جثمان
لكان بساماً من الفتيان
بوركت من وقت ومن أوان
فالأرض نشوى من ثرى نشوان
تختال في مفوف الألوان
في زاهر كالحدق الرواني
من ناضر وفاقع وقاني
عجبت من ذي فكرة يقظان
رأى جفون زهرة الأفنان
فشك أن كل شيء فان
... كان الغرض في ترتيب الموازنة أن أبدأ بأنواع المناسب التي ذكراها في ابتداء قصائدهما قبل المدح، ولما ذكرت ما كان من وصفهما للخمر والرياض في
стр. 1586
القصائد وجب أن أذكر ما كان من الأشعار القائمة بأنفسها في غير قصائد المدح ليكون الباب باباً واحداً.
ومن أليق الأشياء بوصف السحاب وصف الأمطار، وكان الأولى بالتأليف أن يكون قبل ذكر الرياض، وأنا الآن أجعل بابها في هذا الموضع، ليكون كل نوع مع شكله ونظيره.
وقد مضى من ذكر السحائب والأمطار في باب «الدعاء للمنازل والربوع بالسقيا» ما مضى، وهذا الباب طريقه غير ذلك الطريق.
قال أبو تمام:
حماد من نوء له حماد
في ناحرات الشهر لا الدآدي
أطلق من ضيق ومن توادي
فجاء يحدوها فنعم الحادي
سارية مسمحة القياد
مسودة مبيضة الأيادي
стр. 1587
سهادة نوامة بالوادي
كثيرة التعريس بالوهاد
نزالة عند رضى العباد
قد جعلت للغيث بالمرصاد
كأنه ضمائر الأغماد
ثم برعد صخب الإرعاد
يسلقها بألسن حداد
لما سرت في حاجة العباد
ولحق الأعجاز بالهوادي
فاختلط السواد بالسواد
أظفرت الثرى بما يغادي
ورويت هاماته الصوادي
كم قد جلت لمقتر عن زاد
وعن رواء سنة جماد
وجلبت من رزقه العتاد
من القلاص الخور والجلاد
стр. 1588
والمقربات الصفوة الجياد
ومن حبير اليمنة الأبراد
من أتحميات ومن وراد
هدية من صمد جواد
حتى تحل بالصعيد الثادي
قوله: «حماد» أي: احمدوه من نوء، كما تقول للجماعة: نزال، أي: انزلوا، وكذلك تقول للواحد.
وقوله: «في ناحرات الشهر» يريد الأيام التي هي أوائل الشهر التي نحرته، أي جاءت في نحره، و «الدآدي» الثلاثة الأيام التي هي أواخر الشهر.
و «الثأد» مهموز هو الندى، فجعل «الثأد» في مكان «الثئد»، وخفف وأسقط الهمزة من أجل القافية.
وقال أيضاً:
لم أر عيراً جمة الدؤوب
تواصل التهجير بالتأويب
أبعد من أين ومن لغوب
منها غداة الشارق المهضوب
стр. 1589
نجائباً وليس م نجيب
شبابة الأعناق بالعجوب
كالليل أو كاللوب أو كالنوب
منقادة لعارض غربيب
كالشيعة التفت إلى النقيب
أخذه بطاعة الجنوب
ناقضة لمرر الخطوب
تكف غرب الزمن العصيب
محاءة للأزمة اللزوب
محو استلام الركن للذنوب
لما بدت للأرض من قريب
تشوفت لوبله السكوب
تشوف المريض للطبيب
وطرب المحب للحبيب
стр. 1590
وفرحة الأديب بالأديب
وخيمت صادقة الشؤبوب
وقام فيها الرعد كالخطيب
وحنت الريح حنين النيب
والشمس ذات شارق محجوب
قد غربت من غير ما غروب
والأرض في ردائها القشيب
في زاهر من نبتها رطيب
بعد اشهباب الثلج والضريب
كالكهل بعد السن والتحنيب
تبدل الشباب بالمشيب
كم آنست من حاجر غريب
وغلبت من الثرى المغلوب
ونفست عن بارض مكروب
стр. 1591
وسكنت من نافر الجنوب
وأقنعت من بلد رغيب
تحفظ عهد الغيث بالمغيب
لذيذة الريق مع الصبيب
كأنها تهمي على القلوب
وهذا كله جيد نادر لفظاً ومعنى، وهو من أحسانه المشهور.
وقال أيضاً:
الروض من بين مغبوق وصطبح ... من ريق مكتفلات بالثرى دلح
دهم إذا ضحكت في أرضه طفقت ... عيون نوارها تبكي من الفرح
وقال:
أما ترى ما أصدق الأنواءا
قد أفنت الحجرة واللأواء
فلو عصرت الصخر صار ماءا
стр. 1592
من ليلة من وبلها ليلاءا
إن هي عادت ثنية عداءا
أصبحت الأرض بها سماءا
وقال أيضاً:
سارية لم تكتحل بغمض
كدراء ذات هطلان محض
موقرة من خلة وحمض
تمضي وتبقي نعماً لا تمضي
قضت بها السماء حق الأرض
وهذا كله جيد لطيف المعنى.
وقال:
يا سهم للبرق الذي استطارا
стр. 1593
بات على رغم الدجى نهارا
حتى إذا ما أنجد الأبصارا
وبلاً جهاراً وندى سرارا
آض لنا ماء وكان نارا
وهذا أيضاً جيد نادر.
وقال البحتري في صفة الغيث:
ذات ارتجاز بحنين الرعد ... مجرورة الذيل صدوق الوعد
مسفوحة الدمع بغير وجد ... لها نسيم كنسيم الورد
ورنة مثل زئير الأسد ... ولمع برق كسيوف الهند
جاءت بها ريح الصبا من نجد ... فانتثرت مثل انتثار العقد
فراحت الأرض بعيش رغد ... من وشي أنوار الربا في برد
كأنما غدراتها في الوهد ... يلعبن من حبابها بالنرد
وهذا الذي أبر البحتري فيه على كل حسن.
стр. 1594
وقال أبو تمام -ويجب أن يكتب في أول الباب قبل الرجز-:
ديمة سهلة القياد سكوب ... مستغيث بها الثرى المكروب
لو سعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب
لذ شؤبوبها وطاب فلو تسـ ... ـطيع قامت فعانقتها القلوب
فهي ماء يجري وماء يليه ... وسحاب تنشا وأخرى تصوب
كشف الروض رأسه واستسر الـ ... ـمحل فيها كما استسر المريب
وإذا الري بعد محل وجرحا ... ن لديها يبرين أو ملحوب
أيها الغيث حي أهلاً بمغدا ... ك وعند السرى وحين تؤوب
وهذه أيضاً معان حسنة وطريقة حلوة ذهب فيها إلى بعض ما ذهب إليه في الأرجوزة التي على الباء، وليس للبحتري في وصف السحاب غير هذه الأرجوزة التي ذكرتها، إلا أن يكون البيت والبيتان متفرقة في القصائد.
ولست أفضل أحدهما على الآخر في هذا الباب، لأنهما جميعاً انتهيا إلى كل غاية وإحسان.
ومما لم يقل فيه أبو تمام شيئاً وصف الأبنية والبرك، وقد قال البحتري في ذلك وأحسن كل الإحسان، وأتى فيه من ذكر الرياض والمياه بما وجب أن يوصل بهذه الأبيات التي تقدمت.
قال البحتري:
стр. 1595
حلفت لها بالله يوم التفرق
تلفت من أعلى دمشق ودوننا ... للبنان هضب كالغمام المعلق
إلى الحيرة البيضاء والكرخ بعدما ... ذممت مقامي بين بصرى وجلق
إلى معقلي عزي وداري إقامتي ... وقصد التفاتي بالهوى وتشوقي
مقاصير ملك أقبلت بوجوهها ... على منظر من عرض دجلة مونق
كأن الرياض الحو يكسين حولها ... أفانين من أفواف وشي منمق
إذا الريح هزت نورهن تضوعت ... روائحه من فأر مسك مفتق
كأن القباب البيض والشمس طلقة ... تضاحكها أنصاف بيض مفلق
ومن شرفات في السماء كأنها ... قوادم بيضان الحمام المحلق
وهذا من الحسن والصحة كما تراه.
وقال أيضاً في مدح المعتز:
لما كملت روية وعزيمة ... أعملت رأيك في ابتناء الكامل
وغدوت من بين الملوك موفقاً ... منه لأيمن حلة ومنازل
ذعر الحمام وقد ترنم فوقه ... من منظر خطر المزلة هائل
رفعت لمنخرق الرياح سموكه ... وزهت عجائب حسنه المتخايل
وكأن حيطان الزجاج بجوه ... لجج يمجن على جنوب سواحل
وكأن تفويف الرخام إذا التقى ... تأليفه بالمنظر المتقابل
حبك الغمام رصفن بين منمر ... ومسير ومقارب ومشاكل
стр. 1596
لبست من الذهب الصقيل سقوفه ... نوراً يضيء على الظلام الحافل
فترى العيون يجلن في ذي رونق ... متلهب العالي أنيق السافل
وكأنما نشرت على بستانه ... سيراء وشي اليمنة المتواصل
أغنته دجلة أن تلاحق فيضها ... عن صوب منسجم الرباب الهاطل
وتنفست فيه الصبا فتعطفت ... أشجاره من حيل وحوامل
مشى العذارى الغيد رحن عشية ... من بين خالية اليدين وعاطل
وقال في «الصبيح والمليح» قصري المتوكل:
إنما العيش أن تكون الليالي ... مفضلات طولاً على الأيام
قد صفا جانب الهواء ورقت ... لذة الماء في مزاج المدام
واستتم الصبيح في خير وقت ... فهو مغنى أنس ودار مقام
ناظر وجهة المليح فلو ينـ ... ـطق حياه معلناً بالسلام
ألبسا بهجة وقابل ذا ذا ... ك فمن ضاحك ومن بسام
كالمحبين لو أطاقا لقاء ... أفرطا في العناق والإلتزام
تنفذ الريح جريها بين قطريـ ... يه فتكبو من ونية وسآم
стр. 1597
مستمد بجدول من عباب الـ ... ـماء كالأبيض الصقيل الحسام
فإذا ما توسط البركة الخضـ ... ـراء ألقت عليه صبغ الرخام
فتراه كأنه ماء بحر ... يخدع العين وهو ماء غمام
والدواليب إذ يدرن ولا نا ... ضح يمشي بهن غير النعام
بدع أنشئت لأولي عباد اللـ ... ـه بالركن والصفا والمقام
إن خير القصور أصبح موهو ... باً بكره العدى لخير الأنام
جاور الجعفري وانحاز شبدا ... ز إليه كالراغب المعتام
حلل من منازل الملك كالأنـ ... ـجم يلمعن من سواد الظلام
معجبات تعي الصفات فما تد ... رك إلا بالظن والأوهام
فكأنا نحسها بالأماني ... أو نراها في طارق الأحلام
غرف من بناء دين ودنيا ... يوجب الله فيه أجر الإمام
شوقتنا إلى الجنان فزدنا ... في اجتناب الذنوب والآثام
وقال يصف بركة المتوكل:
ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها
يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها ... والآنسات إذ لاحت مغانيها
تحسبها أنها في فضل زينتها ... تعد واحدة والبحر ثانيها
стр. 1598
ما بال دجلة كالغيرى تنافسها ... في الحسن طوراً وأطواراً تباهيها
أما رأت كاليء الإسلام يكلؤها ... من أن تعاب وباني المجد يبنيها
كأن جن سليمان الذين ولوا ... إبداعها وأدقوا في معانيها
فلو تمر بها بلقيس عن عرض ... قالت هي الصرح تمثيلاً وتشبيهاً
تنحط فيها وفود الماء معجلة ... كالخيل خارجة من حبل مجريها
إذا علتها الصبا أبدت لها حبكاً ... مثل الجواشن مصقولاً حواشيها
فرونق الشمس أحياناً يضاحكها ... وريق الغيث أحياناً يباكيها
إذا النجوم تراءت في جوانحها ... ليلاً حسبت سماء ركبت فيها
لا يبلغ السمك المحصور غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها
يعمن فيها بأسواط مجنحة ... كالطير تنقض في جو خوافيها
لهن صحن رحيب في أسافلها ... إذا انحططن وبهو في أعاليها
صور إلى صورة الدلفين يؤنسها ... منه وفاء بعينيه يناجيها
تغني بساتينها القصوى برؤيتها ... عن السحائب منهلاً عزاليها
كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها
وزادها زينة من بعد زينتها ... أن اسمه يوم يدعى من أساميها
محفوفة برياض لا تزال ترى ... ريش الطواويس تحكيه ويحكيها
فهذا من مشهور إحسان البحتري.
وإذ قد ذكرت الأبنية فمن الواجب أن أثبت في هذا الموضع قصيدته التي
стр. 1599
على السين، التي يصف فيها إيوان كسرى، وهي التي أجمع الناس على استحسانها، والاعتراف بالفضل له فيها، وما زلت أسمع أهل العلم بالشعر يقولون أنهم لا يعرفون سينية أجود منها:
صنت نفسي عما يدنس نفسي ... وترفعت عن جداً كل جبس
وتماسكت حين زعزعني الدهـ ... ـر التماساً منه لتعسي ونكسي
بلغ من صبابة العيش عندي ... طففتها الأيام تطفيف بخس
وبعيد ما بين وارد رفه ... علل شربه ووارد خمس
وكأن الزمان أصبح محمو ... لاً هواه مع الأخس الأخس
واشترائي العراق خطة غبن ... بعد بيعي الشام بيعة وكس
لا تزرني مزاولاً لاختباري ... عند هذي الجلى فتنكر مسي
وقديماً عهدتني ذا هنات ... آبيات على الدنيات شمس
ولقد رابني نبو ابن عمي ... بعد لين من جانبيه وأنس
فإذا ما جفيت كنت حرياً ... أن أرى غير مصبح حيث أمسي
حضرت رحلي الهموم فوجهـ ... ـت إلى أبيض المدائن عنسي
أتسلي عن الحظوظ وآسى ... لمحل من آل ساسان درس
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
وهم خافضون في ظل عال ... مشرف يحسر العيون ويخسي
стр. 1600
مغلق بابه على جبل القبـ ... ـق إلى دارتي خلاط ومكس
حلل لم تكن كأطلال سعدى ... في قفار من البسابس ملس
ومساع لولا المحاباة مني ... لم تطقها مسعاة عبس وعنس
نقل الدهر عهدهن عن الجد ... ة حتى غدون أنضاء ليس
وكأن الإيوان من عدم الأنـ ... ـس وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... أحدثت فيه مأتماً بعد عرس
وهو ينبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس
وإذا ما رأيت صورة أنطا ... كية ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنوشر ... وأن يزجي الصفوف تحت الدرفس
وعراك الرجال بين يديه ... في خفوت منه وإغماض جرس
من مشيح يهوي بعامل رمح ... ومليح من السنان بترس
تصف العين أنهم جد أحيا ... ء لهم بينهم إشارة خرس
يعتلي فيهم ارتيابي حتى ... تتقراهم يداي بلمس
قد سقاني ولم يصرد ألو الغو ... ث على العسكرين شربة خلس
من مدام تقولها وهي نجم ... ضوأ الليل أو مجاجة شمس
стр. 1601
وتراها إذا أجدت سروراً ... وارتياحاً للشارب المتحسي
أفرغت في الزجاج من كل قلب ... فهي محبوبة إلى كل نفس
فتوهمت أن كسرى أبر ويـ ... ـز معاطي والبلهبذ أنسي
حلم مطبق على الشك عيني ... أم أمان غيرن ظني وحدسي
وكأن الإيوان من عجب الصنـ ... ـعة جوب في جنب أرعن جلس
يتظنى من الكآبة إذ يبـ ... ـدو لعيني مصبح أو ممسي
مزعجاً بالفراق عن أنس إلف ... عز أو مرهفاً بتطليق عرس
عكست حظه الليالي وبات الـ ... ـمشتري فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجلداً وعليه ... كلكل من كلاكل الدهر مرسي
لم يعبه أن بز من بسط الديـ ... ـباج واستل من ستور الدمقس
مشمخر تعلو له شرفات ... رفعت في رءوس رضوى وقدس
لابسات من البياض فما تبـ ... ـصر منها إلا سبائخ برس
ليس يدرى أصنع إنس لجن ... سكنوه أم صنع جن لإنس
غير أني أراه يشهد أن لم ... يك بانيه في الملوك بنكس
وكأني أرى المراتب والقو ... م إذا ما بلغت آخر حسي
وكأن الوفود ضاحين حسرى ... من وقوف خلف الزحام وحبس
стр. 1602
وكأن القيان وسط المقاصيـ ... ـر يرجعن بين حو ولعس
وكأن اللقاء أول من أمـ ... ـس ووشك الفراق أول أمس
وكأن الذي يريد اتباعاً ... طامع في لحاقهم صبح خمس
عمرت للسرور دهراً فصارت ... للتعزي رباعهم والتأسي
فلها أن أعينها بدموع ... موقفات على الصبابة حبس
ذاك عندي وليست الدار داري ... باقتراب منها ولا الجنس جنسي
غير نعمى لأهلها عند أهلي ... غرسوا من زكائها خير غرس
أيدوا ملكنا وشدو قواه ... بكماة تحت السيوف وحمس
وأعانوا على كتائب أريا ... ط بطعن على النحور ودعس
وأراني من بعد أكلف بالأشـ ... ـراف طراً من كل سنخ وأس
قوله: «وهي نجم» يريد: سقوط نجم، من وهي الشيء يهي، إذا سقط وانحل، وإنما يعني ضوء النجم إذا انقض، وغيرنا يزعم أن تلك نار في الجو، وليست من النجم، وهذا ضد ما عليه العرب في كلامها ومعانيها، وخلاف الإسلام والقرآن، ونصب «وهي نجم» لأن قوله: «تقولها» بمعنى تظنها.
وقوله: «أو مجاجة شمس» يعني ضوء الشمس وهو مجاجها على الحقيقة، لأنها تمجه على الأرض.
стр. 1603
وقوله: «من وقوف الزحام وحبس» يعني: من وقوفهم وحبسهم، فالوقوف والحبس -ها هنا- مصدران وليسا جمعين لواقف وحبيس، لأن جمع حبيس: حبس بالضم، وقد جاء في قوافيه «حبس».
وقوله: «أوشك الفراق أول أمس» يريد بأول أمس، أول نهار أمس، أي: كان اللقاء في مثل أول من أمس، أي: في اليوم الذي قبل أمس، والفراق في صدر يوم أمس، فلا يكون بينهما إلا الليلة بين اليومين، لأنه أراد التقريب بينهما، ولو أراد بأول من أمس ما أراده بأول أمس لم يكن في ذاك فائدة.
وقوله:
وكأن الذي يريد اتباعاً ... طامع في لحاقهم صبح خمس
أي: لا يقدر على لحاقهم وأدراكهم إلا بعد خمس ليال، ضرب «خمس ليال» مثلاً.
стр. 1604
* ذكر ما وصفا به قصائدهما
قال أبو تمام:
كشفت قناع الشعر عن حر وجهه ... وطيرته عن وكره وهو واقع
بغر يراها من يراها بسمعه ... ويدنو إليها ذو الحجا وهو شاسع
يود وداداً أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقاً إليها مسامع
وهذا البيت من أحسانه المشهور المعروف.
وقال:
فدونكها لولا ليان نسيبها ... لظلت صلاب الصخر منها تصدع
وقال:
جلامد تخطوها الليالي وإن سرت ... لها موضحات في رؤوس الجلامد
стр. 1605
أي تخطوها الليالي ولا تؤثر فيها، «وإن سرت» يعني الليالي، «لها موضحات في رؤوس الجلامد» يريد تأثير الجلامد في الحجارة ولا تؤثر في القصيدة، والموضحات: جمع موضحة، وهي الشجة التي قد أبدت عن العظم.
وقال:
كل يوم نوع يقفيه نوع ... وعروض يتلوه قبل عروض
وقواف قد ضج منها لما استعـ ... ـمل فيها المرفوع والمخفوض
المديح الجزيل والشكر والكد ... ومر العتاب والتحريض
وما كان ينبغي أن ينسب مرفوع القوافي ومخفوضها إلى الضجيج في مدح الممدوح، وإن كان مذهباً غير خطأ، والأجود هو المذهب الآخر، وذلك قوله:
يهيجها بذكرك قرن فكر ... إذا حرنت فتسلس في القياد
وقال البحتري:
تطوع القوافي فيكم فكأنها ... تسيل إليكم من علو قصيدها
وكم لي من محبوكة الوشي فيكم ... إذا أنشدت قام امرؤ يستعيدها
стр. 1606
وقول أبي تمام: «قد ضج منها المرفوع والمخفوض» ليس بضد لهذا المعنى، لكنه خلاف له، ولأنه لم يرد بضجيج القوافي أنها تعسرت عليه، ولا حزنت، وإنما ذهب إلى أن الاستعمال كثر عليها فملت، وليست من الاستعارة الحلوة.
وقال: «المديح الجزيل والشكر والكد»، فما وجه اقتران الكد بالشكر، وهي لفظة لا تليق بألفاظ البيت، وما أقرب معناها من معنى ضجيج القوافي.
وقال أبو تمام:
قد جاء من وصفك التفسير معتذراً ... بالعجز إن لم يغثني الله والجمل
وقد لبست أمير المؤمنين بها ... حلياً نظاماه بيت سار أو مثل
غريبة تونس الآداب وحشتها ... فما تحل على قوم فترتحل
وقوله: «إن لم يغثني الله والجمل» هو كما يقول القائل: أنا أعجز عن شرح فضائل فلان، وما فيه على التعديد: هو أجود الناس وأدمث الناس، ونحو هذا مما جرت به العادة، وقوله: «والجمل» أي: هذه الجمل التي أجملتها ولكني أجمل لك القول، وأقصره، ولا أطيله.
стр. 1607
وقال في تقصير شكره عن الواجب:
فإن يك أربى عفو شكري على ندى ... أناس لقد أربى نداه على جهدي
وقصر قولي عنه من بعد ما أرى ... أقول وأشجى أمة وأنا وحدي
بغيت بشعري فاعتلاه بجده ... فلا يبغ في شعر له أحد بعدي
والبحتري أبداً يسلك هذه الطريقة ولا يكاد يجعل نيل أحد ولا معروفه فوق شكره ومدحه، ولذلك قال:
لأشكرنك إن الشكر نائله ... أبقى على حالة من نائل النشب
وقال في الفتح بن خاقان:
وإني لمحقوق بأن لا يطولني ... نداه إذا ما طلته بالقصائد
يحكن له حوك البرود لزينة ... وينظمن من جدواه نظم القلائد
وحسب أخي النعمى جزاء إذا امتطى ... سوائر من شعر على الدهر خالد
وقال أبو تمام في هذا المعنى:
إن القوافي والمساعي لم تزل ... مثل النظام إذا أصاب فريدا
стр. 1608
هي جوهر نثر فإن ألفته ... بالنظم صار قلائداً وعقودا
في كل معترك وكل مقامة ... يأخذن منه ذمة وعهودا
فإذا القصائد لم تكن خفراءها ... لم ترض منها مشهداً مشهودا
من أجل ذلك كانت العرب الألي ... يدعون هذا سؤدداً محدودا
وتند عندهم العلى إلا على ... جعلت لها مرر القصيد قيودا
قوله: «يأخذن منه ذمة وعهودا» يعني المساعي يأخذن من الشعر، «فإذا القصائد لم تكن خفراء المعالي» بأن تضمها وتنظمها «لم ترض منها مشهداً مشهودا» أراد أن يقول: لم يذكر منها مشهد، ولم يرو، ولم يتحدث به، فجعل مكان هذا «لم ترض»، وذلك أن الشعر يقيد المآثر، والحديث عنها منثوراً يقع فيه الزيادة والنقص، ثم ينسى، فهذا هو السؤدد المحدود الذي لم يتفق له من يقيده بالشعر، وقد أوضح هذا المعنى بالبيت الأخير، وكل حسن جميل.
وقال البحتري:
أيذهب هذا الدهر لم ير موضعي ... ولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي
ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدد ... يبيع ثمينات المكارم والحمد
سوائر شعر جامع بدد العلى ... تعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي
стр. 1609
يقدر فيها صانع متعمل ... لإحكامها تقدير داود في السرد
خليلي لو في المرخ أقدح إذ أبى ... رجال مؤاتاتي إذاً لكبا زندي
وما صادفتني كدية دون مدحهم ... فكيف أراني دون معروفهم أكدي
أأضرب أكباد المطايا إليهم ... مطالبة مني وحاجاتهم عندي
قوله: «سوائر شعر جامع بدد العلى» كما قال أبو تمام:
«إلا على جعلت لها مرر القصيد قيودا»
وقوله: «لو في المرخ ....» فالمرخ أكثر الشجر ناراً، إذا قدح يوري، وفي المثل: «في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار»، أي: استكثر من النار، يقول: لو قدحت فيه لكبا زندي، أي لم يور، يذم زمانه وتعذر الأشياء عليه فيه، وهذا من إحسانه المشهور في وصفه لشعره.
وقال أبو تمام:
كما علم المستشعرون بأنهم ... بطاء عن الشعر الذي أنا قارض
كأني دينار ينادي ألا فتى ... يبارز إذ ناديت من ذا يعارض
فلا تنكروا ذل القوافي فقد رأى ... محرمها أني له الدهر رائض
стр. 1610
وهذا مرعى ولا كالسعدان، والبيت الأوسط بيت الركاكة.
وقال أيضاً:
فإن أنا لم يحمدك عني صاغراً ... عدوك فاعلم أنني غير حامد
بسياحة تنساق من غير سائق ... وتنقاد في الآفاق من غير قائد
إذا شردت سلت سخيمة شانيء ... وردت عزوباً من قلوب شوارد
أفادت صديقاً من عدو وغادرت ... أقارب دنياً من رجال أباعد
محببة ما إن تزال ترى لها ... إلى كل أفق وافداً غير وافد
ومحلفة لما ترد أذن سامع ... فتصدر إلا عن يمين وشاهد
قوله: «فإن أنا لم أحمدك عني صاغراً عدوك»، يريد إنشاد العدو للقصيدة لحسنها، ونحو ذلك قول البحتري:
ليواصلنك ركب شعر سائر ... يرويه فيك لحسنه الأعداء
وقوله: «إذا شردت سلت سخيمة شانيء»، و «أفادت صديقاً من عدو»، يعني نفسه بهذا لا الممدوح، لأن جليل المدح يزيد على عداوة العدو وشناءة الشانيء وحسد الحاسد، وإنما يريد سلت سخيمة الشانيء إذا سمع إحساني، وصار العدو لي بذلك صديقاً، وصار الغريب كالقريب، وكالذي مني، وقد بين ذلك بقوله: «محببة».
стр. 1611
ونحو هذا قول البحتري:
مكرمة الأسباب فيها وسائل ... إلى غير ما يحبى بها وذرائع
تنال منال الليل في كل وجهة ... وتبقى كما تبقى النجوم الطوالع
وقوله: «تنال منال الليل في كل وجهة» أي في سيرها الآفاق، وهذا لا شيء أبلغ منه ولا ألطف، وأظنه أخطر بباله قول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي
وقال في نحوه:
بلغن الأرض لم يلغبن فيها ... وبعض الشعر يدركه اللغوب
وقال في نحوه:
تبيت أمام الريح منها طليعة ... وغدوتها شهر وروحتها شهر
وقال أبو تمام:
وسيارة في الأرض ليس بنازح ... على وخدها حزن سحيق ولا سهب
تذر ذرور الشمس في كل بلدة ... وتمضي جموحاً ما يرد لها غرب
قوله: «تذر ذرور الشمس» أحسن من كل ما مضى وأجود وألطف.
стр. 1612
وقال:
نظمت له شعراً من الشعر تنضب الـ ... ـبحور وما داناه من حليها عقد
تسير مسير الريح مطرفاته ... وما السير منها لا العنيق ولا الوخد
تروح وتغدو بل يراح ويغتدى ... بها وهي حيرى لا تروح ولا تغدو
تقطع آفاق البلاد سوابقاً ... وما ابتل منها لا عذار ولا خد
قوله: «تسير مسير الريح مطرفاته» يعني مطرفات الشعر، أي مستحدثاته.
وقول البحتري:
وقول البحتري: «تبيت أمام الريح منها طليعة» أبلغ من هذا، وقد جعل فروة بن حميضة الأسدي الريح طليعة، فقال يهجو عمارة بن عقيل:
يخشى الرياح بأن تكون طليعة ... أو أن تحل به عقوبة ناذر
وقول البحتري أوكد، لأنه جعل قصيدته طليعة أمام الريح.
وقال أبو تمام:
فما بال وجه الشعر أغبر قاتم ... وأنف العلى من عطلة الشعر راغم
стр. 1613
ثم قال بعد بيت واحد:
فقد هز عطفيه القريض توقعاً ... لعدلك مذ ردت إليك المظالم
والذي وجهه أغبر قاتم لا يهز عطفيه، لأن هز العطف لا يكون إلا من المرح والأشر، ولا تكون المناقضة إلا هكذا، وهذا كله إنما يجلبه الشر والاستقصاء لما يكفي منه البلغة.
وقال في قصيدة يعتذر فيها إلى ابن أبي دؤاد:
خذها مثقفة القوافي ربها ... لسوابغ النعماء غير كنود
حذاء تملأ كل إذن حكمة ... وبلاغة وتدر كل وريد
كالطعنة النجلاء من يد ثائر ... بأخيه أو كالضربة الأخدود
كالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الفتاة الرود
كشقيقة البرد المنمنم وشيه ... في أرض مهرة أو بلاد تزيد
يعطى لها البشرى الكريم ويحتبى ... بردائها في المحفل المشهود
بشرى الغني أبي البنات تتابعت ... بشراؤه بالفارس المولود
كرقى الأساود والأراقم طالما ... نزعت حمات سخائم وحقود
стр. 1614
والاعتذارات لا تختم بتقريض الشعر، وأن يقول: «خذها» وخاصة هذا الطويل المستقصى المعاني، لأنه في ذلك يقرض اعتذاره لإعجابه به، وهذا قبيح ومجانب للعادات، والأحسن أن يختم الاعتذار بمثل ما ختم به اعتذاره إلى موسى بن إبراهيم، وهو قوله:
فإن يك جرم عن أو تك هفوة ... على خطأ مني فعذري على عمد
وهذا يصلح أن يقال بعد وقوع العذر والرضى، وكذلك قول البحتري خاتماً لاعتذاره إلى الفتح:
ومثلك إن أبدى الفعال أعاده ... وإن صنع المعروف زاد وتمما
وقوله:
ولا عذر إلا أن بدء إساءة ... لها من زيادات الوشاة تمام
ويختم الاعتذار قبل وقوع الصفح بمثل قول أبي تمام:
ومن يأذن إلى الواشين تسلق ... مسامعه بألسنة حداد
وبمثل قول البحتري:
واحترس من ضياع حلمك في الجفـ ... ـوة والإنقباض إن ضاع حلمي
ولولا الإطالة لذكرت من خواتم الشعر في الاعتذارات ما يؤكد هذا ويزيد في بيانه.
стр. 1615
وقال أبو تمام:
جاءتك من نظم اللسان قلادة ... سمطان فيها اللؤلؤ المكنون
حذيت حذاء الحضرمية أرهفت ... وأجابها التخضير والتلسين
إنسية وحشية كثرت بها ... حركات أهل الأرض وهي سكون
ينبوعها خضل وحلي قريضها ... حلي الهدى ونسجها موضون
أما المعاني فهي أبكار إذا ... فضت ولكن القوافي عون
أحذاكما صنع الضمير يمده ... جفر إذا نضب الكلام معين
ويسيء بالإحسان ظناً لا كمن ... هو بابنه وبشره مفتون
وهذا كله جيد بالغ، ومن إحسانه المشهور، وأجود منه قوله:
نفق المديح ببابه فكسوته ... عقداً من الياقوت غير مثقب
أولى المديح بأن يكون مهذباً ... ما كان منه في أغر مهذب
غربت خلائقه وأغرب واصف ... فيه فأحسن مغرب في مغرب
следующие страницы →