Полный текст (16 465 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
فهو منكر؛ قال ابن عساكر بعد أن أورده في ترجمة أبي حازم سلمة بن دينار: "قد أنكره أن يكون سمع من غير سهل بن سعد".
قال أبو زرعة: "نا يحيى بن صالح، قال: قلت لابن أبي حازم: سمع أبوك من أبي هريرة؟ فقال: من حدثك أن أبي سمع من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ غير سهل بن سعد فقد كذب"، قال أبو زرعة: "أبو حازم الأعرج لم يسمع من صحابي إلا من سهل بن سعد" [تاريخ دمشق (٢٢/ ٢٤)، التهذيب (٢/ ٧١)، تحفة التحصيل (١٣٢)].
ثم إن إسناده لا يصح؛ فإن إسماعيل بن قيس أبا مصعب الأنصاري: منكر الحديث [اللسان (٢/ ١٦١)]، وشيخ ابن الأعرابي؛ تميم بن عبد اللّه أبو محمد الرازي: لم أقف له على ترجمة، ولم يترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وفي روايته ما يستنكر [انظر: معجم ابن الأعرابي (١٢٥٣ - ١٢٥٧)]، والله أعلم.
وقال البخاري في رفع اليدين أيضًا (١٦): "وكان عبد اللّه بن الزبير [يعني: شيخه الحميدي]، وعلي بن عبد الله [يعني: شيخه ابن المديني]، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم [يعني: ابن راهويه]: يثبتون عامة هذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، ويرَونها حقًّا، وهؤلاء أهل العلم من أهل زمانهم".
وقال في موضع آخر (٨٤): "ولم يثبت عند أهل النظر ممن أدركنا من أهل الحجاز وأهل العراق، منهم: عبد الله بن الزبير، وعلي بن عبد الله بن جعفر، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وهؤلاء أهل العلم من أهل زمانهم، فلم يثبت عند أحد منهم علمنا في ترك رفع الأيدي عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه لم يرفع يديه".
وقال أيضًا (٨٧): "وكان ابن المبارك يرفع يديه، وهو أكثر أهل زمانه علمًا فيما نعرف، فلو لم يكن عند من لا يعلم من السلف علمٌ فاقتدى بابن المبارك فيما اتبع الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين؛ لكان أولى به من أن يقتدي [وفي نسخة: يثبته] بقول من لا يعلم".
ثم روى البخاري رفع الأيدي عن أعلام أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ثم قال (١٢١): "وهؤلاء أهل مكة، وأهل المدينة، وأهل اليمن، وأهل العراق قد تواطؤوا على رفع الأيدي"، ثم رواه عن جماعات آخرين، ثم قال (١٣٢): "من زعم أن رفع الأيدي بدعة فقد طعن في أصحاب النبي ﷺ ، والسلف، ومن بعدهم، وأهل الحجاز، وأهل المدينة، وأهل مكة، وعدة من أهل العراق، وأهل الشام، وأهل اليمن، وعلماء أهل خراسان، منهم ابن المبارك، حتى شيوخنا، … "، إلى أن قال (١٣٥): "ولم يثبت عن أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه لا يرفع يديه، وليس أسانيده أصح من رفع الأيدي" [وانظر: المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٦٢)، البدر المنير (٣/ ٥٠٤)].
• وقال الترمذي في الجامع (٢٥٦): "وبهذا يقول بعض أهل العلم من أصحاب
стр. 3712
النبي ﷺ منهم: ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس،
وعبد الله بن الزبير، وغيرهم.
ومن التابعين: الحسن البصري، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، ونافع، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
وبه يقول: مالك، ومعمر، والأوزاعي، وابن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال عبد الله بن المبارك: قد ثبت حديث من يرفع يديه، وذكر حديث الزهري عن سالم عن أبيه، ولم يثبت حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ لم يرفع إلا في أول مرة".
• وقال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٥٠): "وفي ثبوت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما قد ذكرناه عنه في أول الباب مستغنى عن قول من سواه [يعني: حديث ابن عمر المتفق عليه، وحديث علي بن أبي طالب المتقدم برقم (٧٤٤)، وما كان في معناهما]، فإن اعتلَّ مُعتلُّ بخبرِ رُوي عن ابن مسعود؛ أنه كان يرفع إذا افتتح الصلاة، فلو ثبت هذا عن ابن مسعود، لم يكن حجةً على الأخبار التي ذكرناها؛ لأن عبد الله إذا ما حفظ، وحفظ علي بن أبي طالب وابن عمر وغيرهما، وأبو حميد في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ : الزيادةَ التي ذكرناها عنهم، فغيرُ جائزٍ تركُ الزيادة التي حفظها هؤلاء من أجل أن ابن مسعود لم يحفظها، خفيت تلك الزيادة عليه؛ كما خفي عليه السُّنَّة في وضع اليدين على الركبتين، وكان يطبق يديه على فخذيه، وتبعه عليه أصحابه، والسُّنَّة التي نُقِل الناسُ إليها: وضع اليدين على الركبتين.
فلما جاز أن يخفى مثل هذه السُّنَّة التي عليها المسلمون اليوم جميعًا -لا نعلمهم اليوم يختلفون فيه- على ابن مسعود، ليجوز أن يخفى عليه ما حفظه أولئك، وأقل ما يجب على من نصح نفسه أن ينزل هذا الباب منزلة اختلاف أسامة وبلال في صلاة النبي ﷺ في الكعبة، أثبتَ بلالٌ صلاةَ رسول الله ﷺ في الكعبة، ونفى ذلك أسامةُ، وحَكَم الناسُ لبلالِ لأنه شاهدٌ، ولم يحكموا لأسامة لأنه نفى شيئًا حفظه غيره.
وكذلك يجب أن يكون حالُ حديث ابن مسعود في اقتصاره على ما حفظه، وحالُ من حفظ ما لم يحفظه ابن مسعود: أن تَثبُت الزيادة التي زادوها؛ لأنهم حفظوا ما لم يحفظ عبد الله بن مسعود، وهذا الذي قلناه بيِّنٌ واضحٌ لمن وفقه الله للقول بالصواب واتباع السنن".
• وقال الخطابي في معالم السنن (١/ ١٦٧): "والأحاديث الصحيحة التي جاءت بإثبات رفع اليدين عند الركوع، وبعد رفع الرأس منه: أولى من حديث ابن مسعود، والإثبات أولى من النفي.
وقد يجوز أن يذهب ذلك على ابن مسعود كما قد ذهب عليه الأخذ بالركبة في الركوع، وكان يطبق بيديه على الأمر الأول، وخالفه الصحابة كلهم في ذلك".
стр. 3713
• وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٠٧): "معنى رفع اليدين عند الافتتاح وغيره: خضوع، واستكانة، وابتهال، وتعظيم لله تعالى، واتباع لسُنَّة رسوله ﵇، وليس بواجب، والتكبير في كل رفع وخفض أوكد منه، وقد قال بعض العلماء: إنه من زينة الصلاة".
وقال في التمهيد (٩/ ٢١٦): "وحجة من رأى الرفع عند كل خفض ورفع: حديث ابن عمر المذكور في هذا الباب، وهو حديث ثابت، لا مطعن فيه عند أحد من أهل العلم بالحديث، ورواه عن النبي ﷺ ما رواه ابن عمر: ثلاثة عشر رجلًا من الصحابة ﵏، ذكر ذلك جماعة من المصنفين وأهل الحديث، منهم: أبو داود، وأحمد بن شعيب، والبخاري، ومسلم، وغيرهم، وأفرد لذلك بابًا: أبو بكر أحمد بن عمرو البزار، وصنف فيه كتابًا: أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة، … ".
• وقال البغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢٢): "ورفع اليدين حذو المنكبين في هذه المواضع الأربع متفق على صحته، يرويه جماعة عن رسول الله ﷺ ، منهم: عمر، وعلي بن أبي طالب، ووائل بن حجر، وأنس، وأبو هريرة، ومالك بن الحويرث، وأبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، وبه يقول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم، وإليه ذهب من التابعين: الحسن البصري، وابن سيرين، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير، ونافع، وقتادة، ومكحول، وغيرهم، وبه قال: الأوزاعي، ومالك في آخر أمره، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
قلت: ولم يذكر الشافعي رفع اليدين عند القيام من الركعتين؛ لأنه بنى قوله على حديث ابن شهاب عن سالم، ومذهبه اتباع السُّنَّة إذا ثبتت، وثبت رفع اليدين عند القيام من الركعتين برواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، وسائر الروايات.
وذهب قوم إلى أنه لا يرفع يديه إلا عند الافتتاح، يروى ذلك عن الشعبي، والنخعي، وبه قال: ابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي، واحتجوا بما روي عن عبد الله بن مسعود قال: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فصلى ولم يرفع يديه إلا أول مرة.
وروي عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود.
قلت: وأحاديث رفع اليدين في المواضع الأربع أصح وأثبت، فاتباعها أولى"، ثم نقل أقوال الأئمة في رد هذين الحديثين.
стр. 3714
• وقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٢٩٦): "والرفع في افتتاح الصلاة سُنَّة مسنونة، وليس بركن ولا فرض عند جمهور العلماء، ولا تبطل الصلاة بتركه عند أحد منهم".
وقال أيضًا (٤/ ٣٠٣): "لم يخرج البخاري في صحيحه في رفع اليدين غير حديث ابن عمر وحديث مالك بن الحويرث، وقد أفرد للرفع كتابًا، خرج فيه الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، وكذلك صنف في الرفع غير واحد من أئمة أهل الحديث، منهم: النسائي، ومحمد بن نصر المروزي، وغيرهما.
وسبب اعتنائهم بذلك: أن جميع أمصار المسلمين؛ كالحجاز واليمن ومصر والعراق كان عامة أهلها يرون رفع الأيدي في الصلاة عند الركوع والرفع منه، سوى أهل الكوفة، فكانوا لا يرفعون أيديهم في الصلاة، إلا في افتتاح الصلاة خاصة، فاعتنى علماء الأمصار بهذه المسألة، والاحتجاج لها، والرد على من خالفها.
قال الأوزاعي: ما اجتمع عليه علماء أهل الحجاز والشام والبصرة: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة، وحين يكبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، إلا أهل الكوفة، فإنهم خالفوا في ذلك أئمتهم، خرجه ابن جرير وغيره، وقال البخاري في كتابه رفع اليدين بعد أن روى الآثار في المسألة: فهؤلاء أهل مكة والمدينة واليمن والعراق قد اتفقوا على رفع الأيدي.
وقال محمد بن نصر المروزي: لا نعلم مصرًا من الأمصار تركوا الرفع بأجمعهم في الخفض والرفع منه، إلا أهل الكوفة، …
وحديث الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: مما اتفق العلماء كلهم على صحته وتلقيه بالقبول، وعليه اعتمد أئمة الإسلام في هذه المسألة، منهم: الأوزاعي وابن المبارك، وقال: ثبت عن النبي ﷺ ، كذلك قال الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم"، ثم ذكر تفصيلًا عن مالك، وذكر فِرَق الناس في هذه المسألة، وأسهب في الكلام عليها.
ولسنا بصدد الرد على شبه القائلين بعدم رفع اليدين إلا في تكبيرة الافتتاح، وقد تصدى للتصنيف في ذلك جهابذة العلماء، فممن أفرد مصنفًا في الرد عليهم: إمام المحدثين وجبل الحفظ؛ محمد بن إسماعيل البخاري، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، والنسائي، وممن أفرد له بابًا، أو أطال في إبطال شبهتهم: أبو داود، والبزار، وابن حبان، والدارقطني، وأبو نعيم الأصبهاني [صحيح ابن حبان (٥/ ١٧٠ - ٢٠٠)، سنن الدارقطني (١/ ٢٨٧ - ٢٩٥)، المحلى (٤/ ٩٣)، الاستذكار (٢/ ١٢٥)، التحبير في المعجم الكبير (١/ ١٧٩)] [وانظر أيضًا: التحقيق (١/ ٣٣١)، الموضوعات (٢/ ٢٣)، المغني (١/ ٢٩٤)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٥٤)، البدر المنير (٣/ ٤٨٠)].
***
стр. 3715
١٢٠ - باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة
٧٥٤ - . . . قال أبو داود: حدثنا نصر بن علي: أخبرنا أبو أحمد، عن العلاء بن صالح، عن زُرْعة بن عبد الرحمن، قال: سمعت ابن الزبير، يقول: صفُّ القدمين، ووضعُ اليد على اليد: من السُّنَّة.
• حديث ضعيف.
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (٢/ ٣٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧٣).
وأخرجه الطبراني في الكبير (١٤/ ٢٤٨/ ١٤٨٨١)، ومن طريقه: الضياء في المختارة (٩/ ٣٠١/ ٢٥٧).
من طريق: عمرو بن محمد الناقد [ثقة حافظ]، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري [ثقة ثبت]، قال: حدثنا العلاء بن صالح، قال: حدثنا زرعة بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الله بن الزبير، يقول: صفُّ القدمين، ووضع اليد على اليد في الصلاة: من السُّنَّة.
ورواه المزي في التهذيب (٩/ ٣٥٠) من طريق: أحمد بن عصام [بن عبد المجيد الأنصاري: ثقة. الجرح والتعديل (٢/ ٦٦)، طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٤٠)، تاريخ أصبهان (١/ ١١٩)، السير (١٣/ ٤١)]، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا العلاء بن صالح، عن زرعة، قال: سمعت ابن الزبير، يقول: وضع الأيدي على الأيدي، وصف القدمين: من السُّنَّة.
وأخرجه الدارقطني في الأفراد (١/ ٦٠٦/ ٣٥٤٥ - أطرافه).
وقال: "غريب من حديث عبد الله بن الزبير، تفرد به: العلاء بن صالح عن زرعة عنه، وتفرد به: أبو أحمد الزبيري عن العلاء".
وقال النووي في المجموع (٣/ ٢٥٨)، وفي الخلاصة (١٠٩١): "رواه أبو داود بإسناد حسن"، وجوَّد إسناده ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٥١٢).
قلت: زرعة بن عبد الرحمن، أو: زرعة أبو عبد الرحمن: روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات [التاريخ الكبير (٣/ ٤٤٠)، الجرح والتعديل (٣/ ٦٠٥)، الثقات (٤/ ٢٦٨)، التهذيب (١/ ٦٣٠)]، وقد ترجم له البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان فلم يذكروا أباه، فقالوا: زرعة، أبو عبد الرحمن، يروي عن ابن عباس [في المذي والودي والوضوء]، روى عنه مالك بن مغول، حسب، وأخشى ألا يكون هو نفسه الذي روى عن ابن الزبير، ولا عنه: العلاء بن صالح، والقول بأنهما اثنان قول قوي، فالله أعلم.
وأيًّا كان، فهو قليل الرواية جدًّا، كأن ماله عن ابن عباس سوى ما رواه عنه في
стр. 3716
المذي، وما له عن ابن الزبير سوى هذا الحديث، هذا لو كانا واحدًا، فكيف لو كانا اثنين، وعليه: فإن زرعة بن عبد الرحمن هذا: مجهول الحال.
والراوي عنه: العلاء بن صالح الكوفي: لا بأس به، وقال ابن المديني: "روى أحاديث مناكير" [التهذيب (٣/ ٣٤٤)، الميزان (٣/ ١٠١)]، ولعل هذا من مناكيره.
فهو حديث ضعيف.
روقد رُوي شقه الأول من فعل ابن الزبير، ولا يصح أيضًا:
فقد روى هشام بن عروة، قال: أخبرني من رأى ابن الزبير يصلِّي قد صفَّ بين قدميه، وألزق إحداهما بالأخرى.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١١٠/ ٧٠٧٠ و ٧٠٧١).
• وقد رُوي ما يعارض شقَّه الأول من حديث ابن مسعود:
فقد روى الأعمش، وميسرة بن حبيب:
عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة: أن عبد الله رأى رجلًا يصلِّي قد صفَّ بين قدميه، فقال: خالف السُّنَّة، ولو راوح بينهما كان أفضل. وفي رواية: أخطأ السُّنَّة، ولو راوح بينهما كان أعجب إليَّ.
وفي أخرى: رأى عبد الله رجلًا يصلِّي صافًا بين قدميه، فقال: لو راوح هذا بين قدميه كان أفضل.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١٢٨/ ٨٩٢ و ٨٩٣)، وفي الكبرى (١/ ٩٦٨/٤٦٤ و ٩٦٩)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٦٥/ ٣٣٠٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٠٩/ ٧٠٦١ و ٧٠٦٢)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٠/ ٩٣٤٦ - ٩٣٤٨)، والبيهقي (٢/ ٢٨٨).
قال النسائي: "أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، والحديث جيد".
وترجم له بقوله: "الصف بين القدمين في الصلاة".
وقال البيهقي: "وحديث ابن الزبير موصول، وحديث أبي عبيدة عن أبيه مرسل".
قلت: حديث ابن الزبير موصول لكن بإسناد ضعيف؛ وهو حديث غريب، وأما حديث ابن مسعود فرجال إسناده ثقات، وهو حديث مشهور، وقد جوَّده النسائي، واحتج به.
وأبو عبيدة: لم يسمع من أبيه، وكان ابن سبع سنين يوم مات أبوه [جامع الترمذي (١٧ و ١٧٩ و ٣٦٦ و ٦٢٢ و ١٠٦١ و ١٧١٤ و ٣٠٨٤)، سنن النسائي (٣/ ١٠٤/ ١٤٠٤)، شرح المعاني (١/ ٩٥)، معرفة الثقات (١٧٥٣)، المعرفة والتاريخ (٢/ ١٤٨ و ١٤٩ و ٥٥١)، المراسيل (٢٥٦)، تحفة التحصيل (١٦٥)، التهذيب (٢/ ٢٦٨)]، وقال الدارقطني لما سئل: سماع أبي عبيدة عن أبيه صحيح؟ قال: "يُختلف فيه، والصحيح عندي أنه لم يسمع منه، ولكنه كان صغيرًا بين يديه" [العلل (٥/ ٣٠٨/ ٩٠٣)، البدر المنير (٦/ ٥٩٤)].
وقال الدارقطني في السنن (٣/ ١٧٢ و ١٧٣) في حديث لأبي عبيدة عن أبيه: "وهذا
стр. 3717
إسناد حسن، ورواته ثقات"، ثم رواه من حديث خشف بن مالك عن ابن مسعود، ثم قال: "هذا حديث ضعيف، غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة، أحدها: أنه مخالف لما رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، بالسند الصحيح عنه الذي لا مطعن فيه، ولا تأويل عليه، وأبو عبيدة أعلم بحديث أبيه، وبمذهبه وفتياه من خشف بن مالك ونظرائه، … ".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ويقال: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن هو عالم بحال أبيه، متلق لآثاره من أكابر أصحاب أبيه، … ، ولم يكن في أصحاب عبد الله من يُتَّهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة، فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه، وإن قيل أنه لم يسمع من أبيه" [مجموع الفتاوى (٦/ ٤٠٤)].
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٦٠): "وأبو عبيدة: لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه صحيحة".
وقال أيضًا (٦/ ١٤): "وأبو عبيدة: لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه أخذها أهل بيته، فهي صحيحة عندهم".
وقال في شرح العلل (١/ ٥٤٤): "قال ابن المديني في حديث يرويه أبو عبيدة عبد الله بن مسعود عن أبيه: هو منقطع، وهو حديث ثبت.
قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه المسند؛ يعني: في الحديث المتصل، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه، وصحتها، وأنه يأت فيها بحديث منكر".
فتحصل من مجموع هذه النقول: احتجاج الأئمة بحديث أبي عبيدة عن أبيه، تصريحهم بأنه لم يسمع منه، وذلك لكونه أخذ هذه الأحاديث عن كبار أصحاب مسعود، وأهل بيته، وليس فيهم مجروح، وأنه لم يرو فيها منكرًا.
وعليه: فإن حديث ابن مسعود في المراوحة بين القدمين: حديث جيد؛ كما النسائي، بخلاف حديث ابن الزبير في صف القدمين، فإنه حديث ضعيف.
وقد ذهب أحمد وإسحاق إلى العمل بحديث ابن مسعود، وترك العمل بحديث الزبير، قال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله (٢١٢): "قلت: يَصُفَّنَّ بين قدميه، يراوح بينهما؟ قال: بل يراوح. قال إسحاق: كما قال".
وقال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٧٦): "كان مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق: لا يرون بأسًا أن يراوح المصلي بين قدميه، وكذلك نقول" [وانظر: المغني (١/ ٣٦٩)].
• وقد روي هذا المعنى مرفوعًا من حديث علي بن أبي طالب، ولا يصح:
رواه كيسان أبو عمر، عن يزيد بن بلال، عن علي، قال: كان النبي ﷺ يراوح قدميه، يقوم على كل رِجْلٍ، حتى نزلت: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ [طه: ٢].
أخرجه البزار (٣/ ١٣٦/ ٩٢٦).
стр. 3718
قال البزار: "وأحاديث يزيد بن بلال عن علي لا نعلم لها طرقًا إلا من حديث كيسان أبي عمر".
قلت: إسناده ضعيف جدًّا، وهو حديث منكر؛ يزيد بن بلال بن الحارث الفزاري: قال البخاري: "فيه نظر"، وقال ابن حبان: "منكر الحديث، يروي عن عليٍّ ما لا يشبه حديثه، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، وإن اعتبر به معتبر فيما وافق الثقات من غير أن يحتج به لم أر بذلك بأسًا"، وقال العجلي: "ثقة" [التهذيب (٤/ ٤٠٦)، الميزان (٤/ ٤٢٠)، معرفة الثقات (٢٠٠٦)، المجروحين (٣/ ١٠٥)، الكامل (٧/ ٢٧٩)]، وكيسان أبو عمر القصار: ضعيف [التهذيب (٣/ ٤٧٨)، الميزان (٣/ ٤١٧)].
***
٧٥٥ - . . . هشيم بن بشير، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبيُّ ﷺ فوضع يدَه اليمنى على اليسرى.
• حديث ضعيف.
أخرجه النسائي في المجتبى (٢/ ١٢٦/ ٨٨٨)، وفي الكبرى (١/ ٤٦٢/ ٩٦٤)، وابن ماجه (٨١١)، وبحشل في تاريخ واسط (٩٤)، وأبو يعلى (٨/ ٤٥٥/ ٥٠٤١)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، والسهمي في تاريخ جرجان (١٥٤)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٣٠)، والدارقطني (١/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١٠/ ٣١١)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١١٣)، والبيهقي (٢/ ٢٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧٢).
ولفظه عند النسائي: رآني النبي ﷺ وقد وضعت شمالي على يميني في الصلاة، فأخذ يميني فوضعها على شمالي.
قال النسائي: "غير هشيم أرسل هذا الحديث".
وقال العقيلي: "لا يتابع عليه، وهذا المتن قد روي بغير هذا الإسناد بإسناد صالح: في وضع اليمين على الشمال في الصلاة".
وقال ابن عبد البر: "أرسله يزيد بن هارون عن الحجاج عن أبي عثمان، وهشيم: أحفظ من الذي أرسله".
وقال النووي في الخلاصة (١٠٩٠)، وفي المجموع (٣/ ٢٥٨): "رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم".
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٢٤): "إسناده حسن".
قلت: اختلف في هذا الحديث على الحجاج بن أبي زينب:
стр. 3719
أ- فرواه هشيم بن بشير [ثقة ثبت]، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود به.
ب- ورواه يزيد بن هارون [ثقة متقن]، قال: أخبرنا الحجاج بن أبي زينب، قال: حدثني أبو عثمان؛ أن النبي ﷺ مرَّ برجل يصلِّي، وقد وضع شمالَه على يمينِه، فأخذ النبي ﷺ يمينَه فوضعها على شمالِه.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٣/ ٣٩٤٣)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٣٠).
ج - ورواه محمد بن الحسن المزني الواسطي [ثقة]، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: مرَّ رسول الله ﷺ برجلٍ وهو يصلي، وقد وضع يده اليسرى على اليمنى، فانتزعها، ووضع اليمنى على اليسرى.
أخرجه أحمد (٣/ ٣٨١)، وبحشل في تاريخ واسط (٩٤)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٢٧/ ٧٨٥٧)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٣٠)، والدارقطني (١/ ٢٨٧).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي سفيان إلا الحجاج بن أبي زينب، ولا عن الحجاج إلا محمد بن الحسن، تفرد به: وهب بن بقية، ورواه هشام عن الحجاج بن أبي زينب عن أبي عثمان عن أبي هريرة".
قلت: لم ينفرد به وهب، بل تابعه عليه عن محمد بن الحسن: الإمامان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وهشيم [ليس هشام] إنما رواه عنه من مسند ابن مسعود، لا من مسند أبي هريرة.
روتابعه على هذا الوجه: محمد بن يزيد الكلاعي الواسطي [ثقة ثبت]، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ مر برجلٍ … فذكره مثله.
أخرجه بحشل في تاريخ واسط (٩٤)، قال: حدثنا عمار بن خالد [الواسطي التمار: ثقة]، قال: ثنا محمد بن يزيد به.
لكن هذه الرواية وهمٌ، والمحفوظ عن محمد بن يزيد الكلاعي مثل حديث هشيم:
فقد رواه عن عمار بن خالد به هكذا: أسلم بن سهل الواسطي، لقبه بحشل [حافظ مصنف مؤرخ، وثقه خميس الحوزي وغيره، وليَّنه الدارقطني، فقال: "تكلموا فيه"، سؤالات الحاكم (١٠٦)، سؤالات السلفي (١١١)، السير (١٣/ ٥٥٣)، اللسان (٢/ ٩٧)].
وتابعه على هذا الوجه: أبو نعيم ضرار بن صرد الكوفي الطحان [ضعيف، تركه البخاري والنسائي، وكذبه ابن معين. التهذيب (٢/ ٢٢٧)، الميزان (٢/ ٣٢٧)]، فرواه عن الواسطي به هكذا من مسند جابر.
ذكره الرافعي في التدوين (٣/ ٢٥٠).
• خالف بحشلًا في إسناده: ابنُ صاعد [يحيى بن محمد بن صاعد: ثقة حافظ إمام]، وأبو الحسن علي بن العباس بن الوليد البجلي المقانعي [ثقة. سؤالات السهمي
стр. 3720
٣١٥ - ، سؤالات الحاكم (١٣٦)، الأنساب (٥/ ٣٦١)، السير (١٤/ ٤٣٠)]:
قالا: حدثنا عمار بن خالد: حدثنا محمد بن يزيد [الواسطي]، عن الحجاج بن أبي زينب السلمي، عن أبي عثمان النهدي، عن عبد الله بن مسعود، قال: مرَّ به النبي ﷺ وهو يصلي، واضعًا شمالَه على يمينه، فأخذ بيمينه فوضعها على شماله.
أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٣٠)، والدارقطني (١/ ٢٨٧)، قال: وذكره ابن صاعد. والخطيب في التاريخ (١٢/ ٣٩٧).
قال ابن عدي: "وللحجاج غير ما ذكرت من الحديث قليل، يروي عنه أهل واسط، وأرجو أنه لا بأس فيما يرويه".
• وتابع عمار بن خالد على هذا الوجه الأخير:
محمد بن العباس الضبعي [شيخ للبزار، لم أعرفه]، وعبد الله بن محمد الخطابي [هو عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أبو محمد، وقيل: أبو عمر الخطابي: ثقة. الثقات (٨/ ٣٥٦)، تاريخ بغداد (١٠/ ٢١)، الأنساب (٢/ ٣٨١)، المنتظم (١٤/ ٦٧)، تاريخ الإسلام (١٧/ ٢١٩)، التهذيب (٢/ ٣٩٠)]:
قال الضبعي: نا محمد بن يزيد الواسطي، قال: نا الحجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان، عن عبد الله، قال: مر بي رسول الله ﷺ وقد وضعت شمالي على يميني، فأخذ بميني فوضعها على شمالي.
وفي رواية الخطابي: عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ مرَّ به، وهو واضع شماله على يمينه، فأخذ يمينه فوضعها على شماله في الصلاة.
أخرجه البزار (٥/ ٢٧٠/ ١٨٨٥)، والخطيب في التاريخ (١٠/ ١٠٥).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن أبي عثمان عن عبد الله: إلا الحجاج بن أبي زينب، وهو رجل واسطي: روى عنه هشيم ويزيد بن هارون ومحمد بن يزيد".
قلت: فظهر بذلك أن محمد بن يزيد الكلاعي الواسطي قد تابع هشيمًا في هذا الحديث، كما قال الدارقطني ويأتي نقل كلامه.
• قال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٣٦٩): "الحجاج: ليس بقوي، ولا يتابع على هذا، وقد روي عنه عن أبي سفيان، عن جابر: مر رسول الله ﷺ برجل قد وضع شماله على يمينه، مثله، ورواه محمد بن الحسن الواسطي عن الحجاج، ذكر ذلك أبو أحمد بن عدي".
وقال في الأحكام الكبرى (٢/ ١٩٢): "أرسله غير هشيم، والحجاج بن أبي زينب ليس بالقوي".
وتعقبه ابن القطان فأبعد النجعة حيث وثَّق حجاجًا، وقال: "فالحديث إذن: صحيح أو حسن من الطريقين جميعًا، أعني طريق أبي عثمان عن ابن مسعود، وطريق أبي سفيان عن جابر؛ فاعلم ذلك" [بيان الوهم (٥/ ٣٤١/ ٢٥١٧)].
стр. 3721
وقد سئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: "يرويه حجاج بن أبي زينب، ويكنى أبا يوسف واسطي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود مرفوعًا، قاله هشيم، ومحمد بن يزيد الواسطي عنه.
وخالفهما: محمد بن الحسن الواسطي، فرواه عن حجاج بن أبي زينب، عن أبي سفيان، عن جابر، ووهم فيه، وقول هشيم عنه: أصح" [العلل (٥/ ٣٣٨/ ٩٣٣)].
قلت: وخالفهم أيضًا كما تقدم ذكره: يزيد بن هارون، وهو: ثقة حافظ، ثبت متقن، فرواه عن حجاج مرسلًا.
وهذا اضطراب من الحجاج بن أبي زينب، وهو قليل الحديث، وقد اختلف فيه النقاد، فقال أحمد لما سئل عنه: "أخشى أن يكون ضعيف الحديث"، وقال علي بن المديني: "شيخ من أهل واسط، ضعيف"، وقال النسائي: "ليس بالقوي"، ونقل عنه مغلطاي غير ذلك وأظنه وهمًا، وقال يحيى بن معين: "ليس به بأس"، وفي رواية: "ثقة"، وقال أبو داود: "ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي بعد أن ذكر الاختلاف عليه في هذا الحديث: "وللحجاج غير ما ذكرت من الحديث قليل، يروي عنه أهل واسط، وأرجو أنه لا بأس فيما يرويه"، وهذا مما يدل على أنه قد استنكر عليه هذا الحديث؛ إذ الغالب عليه ذكر مناكير الرجل وما يُضعَّف من أجله، وقوله: "وأرجو أنه لا بأس فيما يرويه" ليس دليلًا على تعديل الراوي دائمًا، فإن ابن عدي وإن كان يقول هذه العبارة على جهة تعديل الراوي أحيانًا، مثل ما قال في ترجمة أوس بن عبد الله أبي الجوزاء (١/ ٤١١): "وأرجو أنه لا بأس به"، ثم قال: "وأحاديثه مستقيمة مستغنية عن أن أذكر منها شيئًا في هذا الموضع"، فإنه غالبًا ما يستعمل هذه العبارة فيمن هو متكلَّم فيه، وليس بالواهي، ممن ضعفُه محتمل، أو الغالب عليه الصدق في الرواية، وقد وثقه جماعة، ويقول في أمثالهم ابن حجر في التقريب: "صدوق يخطئ"، ويقولها ابن عدي أيضًا في جماعة ممن ضعفهم هو وغيره، وبعضهم من المتروكين والهلكى، حتى قال العلامة المعلمي اليماني في الفوائد المجموعة (٤٥٩): "ليس هذا بتوثيق، وابن عدي يذكر منكرات الراوي، ثم يقول: أرجو أنه لا بأس به؛ يعني بالبأس: تعمد الكذب، ودُرُست واهٍ جدًّا" [العلل ومعرفة الرجال (١/ ٥٥٣/ ١٣١٧)، تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٣٧٩/ ٤٨٧٥)، التاريخ الكبير (٢/ ٣٧٦)، الجرح والتعديل (٣/ ١٦١)، تاريخ واسط (٩٤)، ضعفاء العقيلي (١/ ٢٨٣)، ثقات ابن حبان (٦/ ٢٠٢)، الكامل (٢/ ٢٣٠)، تاريخ أسماء الثقات (٢٥٢)، الكنى والأسماء للدولابي (٣/ ١١٦٨)، الأنساب (٣/ ٥٧٥)، ضعفاء ابن الجوزي (٧٦٩)، بيان الوهم (٥/ ٣٤٠)، السير (٧/ ٧٥)، المغني (١/ ١٥٠)، الميزان (١/ ٤٦٢)، إكمال مغلطاي (٣/ ٣٩٤)، التهذيب (١/ ٣٥٨)].
وهذا الحديث قد ضعفه الدارقطني نفسه في السنن حيث قال في الحجاج: "ليس بقوي، ولا حافظ"، ولكن سقط نقده من السنن المطبوعة، وهو في تخريج الغساني
стр. 3722
١٩٨ - ، وفي من تكلم فيه الدارقطني في كتاب السنن لابن زريق (٧٦)، وقد قال الدارقطني في الحجاج في غير هذا الموضع: "يروي عنه الواسطيون: ثقة" [سؤالات البرقاني (١٠٧)، التهذيب (١/ ٣٥٨)].
وحجاج هذا على قلة ما يروي من الحديث: له ما قد خالف فيه الثقات، وانفرد عنهم بما لا يتابع عليه، مما يؤكد سوء حفظه، وعدم ضبطه، وأن مثله لا يحتج به على انفراده، لا سيما مع تضعيف بعض الأئمة له وتليينهم له، انظر مثلًا: التاريخ الكبير (٢/ ٣٧٦)، علل الدارقطني (٨/ ٢٦٢/ ١٥٥٩).
وبذا يتبين أن الاختلاف الواقع في إسناد هذا الحديث إنما هو اضطراب من حجاج بن أبي زينب نفسه، وليس اختلافًا من الرواة عنه؛ فإنهم كلهم ثقات، وإنما التبعة فيه على حجاج، والله أعلم.
نعم؛ الحديث ليس منكر المتن، إذ يحتمل وقوع ذلك من ابن مسعود -على مكانته في العلم والفقه والفضل- في أول ما فرضت الصلاة، لكنَّ الحجاج لم يحفظ إسناده، وهذا ما يجعلنا نرُدُّ روايته؛ لكونه لم يضبطه، ولأنه لم يتابع عليه، لا سيما وقد أعله النسائي والعقيلي، ولو كان توبع عليه، ولم يُختلف عليه فيه لقبلناه، كما قبِلَ مسلمٌ حديثه: "نعم الأُدُم الخل" [صحيح مسلم (٢٠٥٢/ ١٦٩)]، حيث توبع عليه، ولم يختلف عليه فيه، وننوه بذلك إلى أن مسلمًا لم يحتج بما انفرد به حجاج، وإنما أخرج له حديثًا واحدًا توبع عليه، فلا يقال بأنه على شرطه، والله أعلم.
• وروي عن ابن مسعود من وجه آخر:
روى مندل بن علي، عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: رآني رسول الله ﷺ واضع شمالي على يميني في الصلاة، فقال: "ضع يمينك على شمالك".
وفي رواية: أن النبي ﷺ كان يأخذ شماله بيمينه في الصلاة.
أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٣١٣)، والبزار (٥/ ٣٧١/ ٢٠٠١ و ٢٠٠٢)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٧٢/ ١٠٣٥٨)، والدارقطني في السنن (١/ ٢٨٣)، وفي الأفراد (٢/ ١٥/ ٣٧٢٥ - أطرافه).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن القاسم عن أبيه عن عبد الله؛ إلا ابن أبي ليلى".
وقال الدارقطني في الأفراد: "غريب من حديث القاسم عن أبيه عن جده، تفرد به مندل عن ابن أبي ليلى عنه".
رواه عن مندل: يحيى بن آدم [ثقة حافظ]، واللفظ الأول له، ورواه أيضًا باللفظ الثاني، وإسماعيل بن أبان الوراق [ثقة]، واللفظ الثاني له، وبنحوه رواه يحيى بن عبد الحميد الحماني [حافظ؛ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث].
стр. 3723
والأقرب أن اللفظ الأول منكر [من جهة الرواية، حيث تفرد به عن يحيى بن آدم: علي بن سهل المدائني [روى عنه جماعة، وليس بذاك المشهور، ولم أر من وثقه. تاريخ بغداد (١١/ ٤٢٩)، التهذيب (٣/ ١٦٧)]، وخالفه فرواه باللفظ الثاني من فعله ﷺ : أبو بكر بن أبي شيبة [ثقة حافظ مصنف] عن يحيى بن آدم، وتابعه عليه: إسماعيل بن أبان الوراق، ويحيى بن عبد الحميد الحماني.
وعليه فلا يصلح أن يكون متابعًا لحديث أبي عثمان النهدي، لاختلاف السياق والقصة، فحديث أبي عثمان النهدي: واقعة عين لابن مسعود، وحديث القاسم عن أبيه عن جده: فيه حكاية حال النبي ﷺ في صلاته على وجه العموم.
وهو حديث منكر؛ ابن أبي ليلى: سيئ الحفظ جدًّا، وهو قليل الرواية عن القاسم بن عبد الرحمن، فهو غريب من حديث القاسم، تفرد به: مندل بن علي عن ابن أبي ليلى، ومندل: ضعيف، له غرائب وأفراد، وهذا منها، والله أعلم.
***
٧٥٦ - . . . عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد بن زيد، عن أبي جُحيفة، أن عليًّا ﵁، قال: السُّنَّةُ وضعُ الكفِّ على الكفِّ في الصلاة تحت السُّرَّة.
• حديث منكر.
قال المزي في التحفة (٧/ ١٣٧/ ١٠٣١٤ - ط دار الغرب): "هذا الحديث في رواية أبي سعيد بن الأعرابي وابن داسة وغير واحد عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم".
وقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣١٣): "هذا الحديث لا يوجد في غالب نسخ أبي داود، وإنما وجدناه في النسخة التي هي من رواية ابن داسة، … ، ولم أر من عزاه لأبي داود إلا عبد الحق في أحكامه".
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٣/ ٣٩٤٥)، وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند (١/ ١١٠)، وفي مسائله لأبيه (٢٦٠)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٩٤/ ١٢٩٠)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٥/ ٣٢٧)، والدارقطني (١/ ٢٨٦)، والبيهقي (٢/ ٣١)، والضياء في المختارة (٢/ ٣٨٦ و ٣٨٧/ ٧٧١ و ٧٧٢)، وابن الجوزي في التحقيق (٤٣٨)، والمزي في التهذيب (٩/ ٤٧٣).
رواه عن عبد الرحمن بن إسحاق: حفص بن غياث، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير.
ولفظ أبي معاوية عند ابن أبي شيبة: من سُنَّة الصلاة: وضعُ الأيدي على الأيدي تحت السُّرَر.
واختلف فيه على حفص بن غياث:
أ- فرواه محمد بن محبوب البناني [ثقة]، ونعيم بن حماد [ضعيف، وأحسن أحواله
стр. 3724
أن يقال فيه: صدوق، كثير الوهم والخطأ، له مناكير كثيرة تفرد بها عن الثقات المشاهير.
انظر: التهذيب (٤/ ٢٣٤)، الميزان (٤/ ٢٦٧)]:
عن حفص بن غياث، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد بن زيد، عن أبي جُحيفة، عن علي ﵁.
ب - ورواه أبو كريب محمد بن العلاء [ثقة حافظ]: ثنا حفص بن غياث، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ أنه كان يقول: إن من سُنَّة الصلاة: وضع اليمين على الشمال تحت السرة.
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٨٦)، والبيهقي (٢/ ٣١).
ولا يبعُد عندي أن يكون الحديث عند حفص بن غياث عن عبد الرحمن بن إسحاق على الوجهين، ويكون هذا هو أحد وجوه تخليط أبي شيبة الواسطي في هذا الحديث.
• وقد اختلف في هذا الحديث أيضًا على عبد الرحمن بن إسحاق:
أ- فرواه حفص بن غياث [من وجه] [كوفي، ثقة]، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة [كوفي، ثقة متقن]، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير [كوفي، ثقة في حديث الأعمش، قد يهِم في حديث غيره]:
عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد بن زيد، عن أبي جُحيفة، أن عليًّا ﵁، قال: السُّنَّةُ وضعُ الكفِّ على الكفِّ في الصلاة تحت السُّرَّة.
ب - ورواه عبد الواحد بن زياد [بصري، ثقة]، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سيار أبي الحكم، عن أبي وائل، عن أبي هريرة، قال: من السُّنَّة أن يضع الرجل يده اليمنى على اليسرى تحت السرة في الصلاة.
ويأتي برقم (٧٥٨).
هكذا اضطرب عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي أبو شيبة الكوفي في إسناد هذا الحديث على هذه الوجوه الثلاثة، وعبد الرحمن: ضعفوه، حتى قال فيه أحمد وأبو حاتم: "منكر الحديث"، وقال فيه البخاري: "فيه نظر"، وهذا قدح شديد [التهذيب (٤٨٦)، الميزان (٢/ ٥٤٨)] [وانظر فيما تقدم: الحديث رقم (٥٣٠)].
وقد خولف فيما رواه، فقد رُوي عن علي خلاف ذلك بإسناد أصلح من هذا، كما سيأتي في الحديث الآتي (٧٥٧).
وعليه: فهذا حديث منكر مضطرب.
وأما بقية رجال الأسانيد الثلاثة فثقات، عدا:
زياد بن زيد السوائي الأعسم، والنعمان بن سعد؛ فهما: مجهولان [التهذيب (١/ ٦٤٧) و (٤/ ٢٣١)].
ولم يعمل الإمام أحمد بهذا الحديث، قال ابنه عبد الله في مسائله (٢٦٠): "رأيت أبي إذا صلى وضع يديه أحدهما على الأخرى فوق السرة"، ثم أسند هذا الحديث عن
стр. 3725
أبيه عن ابن أبي زائدة، مما يدل على إعراضه عن العمل به، والإمام أحمد إذا لم يكن في الباب حديث صحيح؛ فإنه قد يعمل بالضعيف الذي ليس بمنكر ولا شاذ، والله أعلم.
وقال أبو داود مضعِّفًا هذا الحديث: "سمعت أحمد بن حنبل يضعّف عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي"، فهو لم يحتج به، وإنما أخرجه مبينًا حاله، مضعِّفًا إياه.
وقال أيضًا: "ورُوي عن أبي هريرة، وليس بالقوي".
وقال البيهقي في السنن: "عبد الرحمن بن إسحاق هذا هو الواسطي القرشي: جرحه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري، وغيرهم.
ورواه أيضًا: عبد الرحمن، عن سيار، عن أبي وائل، عن أبي هريرة كذلك.
وعبد الرحمن بن إسحاق: متروك".
وقال في المعرفة (١/ ٤٩٩): "والذي روي عنه تحت السرة: لم يثبت إسناده، تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو: متروك".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧٥): "وروي ذلك عن علي وأبي هريرة والنخعي، ولا يثبت ذلك عنهم، وهو قول أبي مجلز".
وقال ابن القطان في بيان الوهم (٥/ ٢٦/ ٢٢٦٣) في زياد بن زيد السوائي: "وهو لا يعرف، وليس بالأعسم، وحال هذا أيضًا مجهولة"، ثم نقل كلام الأئمة في تضعيف عبد الرحمن بن إسحاق.
وقال في موضع آخر (٥/ ٦٩٠): "وهو ضعيف".
وقال ابن الجوزي في التحقيق (٤٣٨): "وهذا لا يصح".
وقال النووي في الخلاصة (١٠٩٧): "اتفقوا على تضعيفه؛ لأنه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، منكر الحديث، مجمع على ضعفه"، وقال نحوه في المجموع (٣/ ٢٦٠)، وفي شرح مسلم (٤/ ١١٥).
وهذا الحديث قد ضعفه أيضًا: ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٣٣٩)، والذهبي في التنقيح (١/ ١٣٩)، وابن حجر في الفتح (٢/ ٢٢٤)، وفي الدراية (١/ ١٢٨)، وفي التلخيص (١/ ٢٧٢).
وانظر أيضًا: أطراف الغرائب والأفراد (١/ ١١٤/ ٤٣٩).
***
٧٥٧ - . . . عن أبي طالوت عبد السلام، عن ابن جرير الضبي، عن أبيه، قال: رأيت عليًّا ﵁ يمسك شمالَه بيمينه على الرُّسغ فوق السرة.
стр. 3726
قال أبو داود: ورُوي عن سعيد بن جبير: فوق السرة، وقال أبو مجلز: تحت السرة، ورُوي عن أبي هريرة، وليس بالقوي.
• أثر عليٍّ علَّق البخاري بعضه بلفظ أتم بصيغة الجزم، وفي إسناده جهالة.
قال المزي في التحفة (٩/ ٧/ ١٠٠٣٠ - ط دار الغرب): "هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي سعيد بن الأعرابي وغير واحد عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم".
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢١١)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٧٠/ ٣٠٩٩) و (١/ ٢٧١/ ٣١١٢) و (١/ ٣٤٣/ ٣٩٤٠) و (٢/ ٢٥٥/ ٨٧٢٢)، وابن بشران في الأول والثاني من فوائده (٧١)، والبيهقي (٢/ ٢٩)، وابن حجر في التغليق (٢/ ٤٤٢).
رواه عن أبي طالوت عبد السلام بن أبي حازم شداد العبدي: أبو بدر شجاع بن الوليد، ووكيع بن الجراح، ومسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وأبو نعيم الفضل بن دكين. وهذا لفظ أبي بدر.
وأحد ألفاظ وكيع عند ابن أبي شيبة: كان علي إذا قام في الصلاة وضع يمينَه على رُسغِ يساره، ولا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع؛ إلا أن يُصلحَ ثوبَه، أو يحُكَّ جسدَه.
فرقه على الأبواب، ولفظ الفراهيدي أتم.
ولفظ أبي نعيم عند البخاري في التاريخ: حدثنا عبد السلام بن شداد، قال: حدثني غزوان بن جرير، عن أبيه؛ أن عليًّا كان لا يبالي عن يمينه انصرف أو شماله.
وقال مسلم بن إبراهيم: ثنا عبد السلام بن أبي حازم: ثنا غزوان بن جرير، عن أبيه؛ أنه كان شديد اللزوم لعلي بن أبي طالب ﵁، قال: كان علي ﵁ إذا قام إلى الصلاة فكبر: ضرب بيده اليمنى على رسغه الأيسر، فلا يزال كذلك حتى يركع؛ إلا أن يحكَّ جلدًا، أو يُصلِح ثوبه، فإذا سلَّم: سلَّم عن يمينه: سلام عليكم، ثم يلتفت عن شماله، فيحرِّك شفتيه، فلا ندري ما يقول، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا نعبد إلا إياه، ثم يقبل على القوم بوجهه، فلا يبالي عن يمينه انصرف، أو عن شماله. أخرجه هكذا بتمامه: ابن بشران والبيهقي وابن حجر.
وعلقه البخاري بصيغة الجزم في صحيحه من (٢١) كتاب العمل في الصلاة، (١) باب استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة، قبل الحديث رقم (١١٩٨)، بقوله: "ووضع علي ﵁ كفَّه على رسغه الأيسر، إلا أن يحكَّ جلدًا، أو يُصلِح ثوبًا".
وقال البيهقي: "هذا إسناد حسن".
وقال ابن حجر: "وهو إسناد حسن".
قلت: رجال إسناده ثقات؛ عدا غزوان بن جرير الضبي، والد فضيل بن غزوان: روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات، وأبوه جرير الضبي: لم يرو عنه غير ابنه
стр. 3727
غزوان، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: "لا يُعرف"، وقال مرة: "لا يُدرى من هو"، وعلق البخاري أثرهما هذا في صحيحه بصيغة الجزم، وحسنه البيهقي وابن حجر [التهذيب (١/ ٢٩٨) و (٣/ ٣٧٥)، الميزان (١/ ٣٩٧)، المغني (١/ ١٣٠)، إكمال مغلطاي (٣/ ١٨٩)، ووهم فيما ذهب إليه، وتبعه عليه ابن حجر، وانظر: ثقات ابن حبان (٤/ ١٠٨)].
وعليه: ففي إسناده جهالة، وهو أصلح إسنادًا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي المتقدم والآتي (٧٥٦ و ٧٥٨)، لا سيما مع تعليق البخاري له بصيغة الجزم، وتحسين البيهقي وابن حجر لإسناده، والله أعلم.
رومما روي عن علي أيضًا في هذا الباب:
أ- روى موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي [ثقة ثبت]، عن حماد بن سلمة، سمع عاصمًا الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن ظبيان، عن علي ﵁: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]، وضع يده اليمنى على وسط ساعده على صدره.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٤٣٧)، ومن طريقه: البيهقي (٢/ ٢٩).
• تابع موسى بن إسماعيل على هذا الوجه:
حجاج بن منهال، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، ويزيد بن هارون، وأبو صالح الخراساني [وهم ثقات، عدا الأخير فلم أميزه]:
قالوا: ثنا حماد، عن عاصم الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن ظبيان؛ أن علي بن أبي طالب ﵁ قال في قول الله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، قال: وضع يده اليمنى على وسط ساعده الأيسر، ثم وضعهما على صدره. ولفظ أبي الوليد: وضع اليمنى على اليسرى تحت الثندوة [الثندوة للرجل والثدي للمرأة. تهذيب اللغة (١٤/ ٦٤)].
أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣٠/ ٣٢٦) (٢٤/ ٦٩١ - ط هجر)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٩١/ ١٢٨٤)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١٠/ ٣١٠)، والخطيب في الموضح (٢/ ٣٤٠)، وذكره الدارقطني في العلل (٤/ ٩٩/ ٤٥١).
• ورُوي عن موسى بن إسماعيل: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن صهبان، عن علي ﵁: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، قال: هو وضع يمينك على شمالك في الصلاة.
أخرجه الحاكم (٢/ ٥٣٧)، وعنه: البيهقي (٢/ ٢٩).
قال البيهقي: "كذا قال شيخنا: عاصم الجحدري عن عقبة بن صهبان، ورواه البخاري في التاريخ في ترجمة عقبة بن ظبيان، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، سمع عاصم الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن ظبيان، عن علي: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، وضع يده اليمنى على وسط ساعده على صدره".
قلت: رواية الحاكم وهم، والصواب رواية موسى الموافقة لرواية الجماعة.
стр. 3728
ب- ورواه عبد الرحمن بن مهدي [ثقة ثبت؛ إمام حافظ]، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن ظبيان [وفي رواية: عقبة بن صهبان]، عن أبيه، عن علي ﵁: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، قال: وضع اليد على اليد في الصلاة.
أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣٠/ ٣٢٥)، وذكره الدارقطني في العلل (٤/ ٩٩/ ٤٥١)، ولم يذكر أن ابن مهدي خالف الجماعة في إسناده غير أنه قال: عقبة بن صهبان.
ج- ورواه أبو عمر الضرير [حفص بن عمر: صدوق عالم]، قال: أخبرنا حماد بن سلمة؛ أن عاصمًا الجحدري، أخبرهم عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، قال: وضع يده اليمنى على الساعد الأيسر، ثم وضعهما على صدره.
أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٤/ ٣٢٣).
وأخشى أن يكون إسقاط عقبة بن ظبيان من الناسخ أو الطابع؛ فتكون رواية أبي عمر الضرير كالجماعة، وهو الأقرب عندي، والله أعلم.
د- ورواه مهران بن أبي عمر العطار الرازي [لا بأس به، والراوي عنه: محمد بن حميد الرازي، وهو: حافظ ضعيف، كثير المناكير]، عن حماد بن سلمة، عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن ظبيان [وفي نسخة: عن عقبة بن ظهير]، عن أبيه، عن علي ﵁: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، قال: وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى، ثم وضعهما على صدره.
أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣٠/ ٣٢٥) (٢٤/ ٦٩٠ - ط هجر).
هـ - ورواه أبو الحريش الكلابي [أحمد بن عيسى بن مخلد أبو جعفر الكوفي: روى عنه جماعة، ولم أر من وثقه. معجم الإسماعيلي (١/ ٣٤٢)، تاريخ جرجان (٧٢٧)، الإكمال (٢/ ٤٢١)]: ثنا شيبان [هو: ابن فروخ: صدوق]: ثنا حماد بن سلمة: ثنا عاصم الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن صهبان، أن عليًّا ﵁ قال في هذه الآية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، قال: وضع يده اليمنى على وسط يده اليسرى، ثم وضعهما على صدره.
أخرجه البيهقي (٢/ ٣٠).
و- ورواه مؤمَّل بن إسماعيل [وهو: صدوق، كثير الغلط، وكان سيئ الحفظ]، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا عاصم الجحدري، عن عقبة بن صهبان، عن علي ﵁ في قوله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، قال: وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.
أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٤/ ٣٢٤).
قلت: رواية جماعة الثقات عن حماد بن سلمة: هي الصواب، وأخشى أن تكون رواية ابن مهدي انقلبت على راويها، لا سيما ولم يذكر الدارقطني في علله أنها تخالف رواية الجماعة عن حماد سوى أنه قال فيها: عن عقبة بن صهبان.
стр. 3729
وعلى هذا فمن قال: عقبة بن صهبان [وهو ثقة مشهور، روى له البخاري ومسلم] فقد وهِم أو صحَّف، إنما هو عقبة بن ظبيان، وقال يزيد بن زياد: عقبة بن ظهير، وهما واحد، كما ذهب إليه أبو حاتم والخطيب في الموضح، وهو مجهول، وقد فرَّق بين هذا وبين عقبة بن صهبان الحداني الأزدي: البخاري وأبو حاتم وابن حبان وغيرهم.
فالصواب عن حماد بن سلمة: عن عاصم الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن ظبيان، عن علي بن أبي طالب.
ولم يذكر ابن أبي حاتم ولا الدارقطني عن حماد بن سلمة سوى هذا الوجه، إلا ما قال الدارقطني عن ابن مهدي.
• وخالف حماد بن سلمة في إسناده ومتنه:
يزيد بن زياد بن أبي الجعد [صدوق، وثقه: أحمد وابن معين والعجلي. تقدم ذكره تحت الحديث (٦٨٢)]، فرواه عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن ظهير، عن علي ﵁ في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، قال: وضعُ اليمين على الشمال في الصلاة، وفي رواية: وضعها على الكرسوع. ولم يقل: على صدره.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٤٣٧)، وعبد الرزاق في التفسير (٣/ ٤٠١)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٤٣/ ٣٩٤١)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٣٠/ ٣٢٥)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٤/ ٣٢٥)، وأبو جعفر النحاس في إعراب القرآن (٥/ ٢٩٨)، والدارقطني في السنن (١/ ٢٨٥)، وفي الأفراد (٢٠ - الثالث والثمانون) (١/ ١٠٦/ ٣٩٣ - أطرافه)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١٠/ ٣١٠)، البيهقي (٢/ ٢٩)، والخطيب في الموضح (٢/ ٣٤٠)، والضياء في المختارة (٢/ ٦٧٣/٢٩٢).
قال الدارقطني في الأفراد: "تفرد به يزيد بن زياد عن عاصم الجحدري عنه".
وقال ابن أبي حاتم في الجرح (٦/ ٣١٣): "اختلف حماد بن سلمة ويزيد بن زياد بن أبي الجعد في هذا الحديث، فقال حماد: عن عاصم الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن ظبيان، عن علي: في قوله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، فقال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وروى يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن ظهير، عن علي".
وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في العلل (٤/ ٩٩/ ٤٥١)، ثم قال: "والله أعلم بالصواب".
قلت: عاصم بن العجاج أبو مجشر الجحدري: ثقة [الجرح والتعديل (٦/ ٣٤٩)، الثقات (٥/ ٢٤٠)، المؤتلف للدارقطني (٤/ ٢٠٨٢)، الإكمال (٧/ ١٦٤)، تاريخ الإسلام (٨/ ١٤١)، توضيح المشتبه (٨/ ٥٦)، اللسان (٤/ ٣٧٢)]، وأبوه: لم أقف له على ترجمة، وعقبة بن ظبيان، أو عقبة بن ظهير: مجهول [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٨٩/ ١٦٤٤)، التاريخ الكبير (٦/ ٤٣٧)، الجرح والتعديل (٦/ ٣١٣)، الثقات (٥/ ٢٢٧)].
стр. 3730
فهو أثر مضطرب الإسناد، فيه من لا يُعرف.
• وممن رُوي عنه هذا التفسير أيضًا: ابن عباس:
فقد روى روح بن المسيب، قال: حدثني عمرو بن مالك النُّكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄، في قول الله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة عند النحر.
أخرجه أبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١٠/ ٣١٠)، والبيهقي (٢/ ٣١)، وعزاه ابن عبد البر إلى الأثرم [التمهيد (٢٠/ ٧٨)].
ولا يصح هذا أيضًا؛ عمرو بن مالك النُّكري: قال ابن معين: "ثقة" [سؤالات ابن الجنيد (٧٥٤)].
وهو ممن روى صلاة التسبيح، قال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي يقول: لم تثبت عندي صلاة التسبيح، وقد اختلفوا في إسناده، لم يثبت عندي، وكأنه ضعَّف عمرو بن مالك النكري" [مسائله (٣١٥ م)].
وقال البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٧): "وقال لنا مسدد: عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة، ليس من القرآن آية إلا سألتهم عنها، قال محمد [يعني: البخاري نفسه]: في إسناده نظر".
قال ابن عدي في الكامل (١/ ٤١١) (٢/ ١٠٨ - ط العلمية): "وأوس بن عبد الله أبو الجوزاء هذا يحدث عنه عمرو بن مالك النكري، يحدث عن أبي الجوزاء هذا أيضًا عن ابن عباس قدر عشرة أحاديث غير محفوظة، وأبو الجوزاء روى عن الصحابة: ابن عباس، وعائشة، وابن مسعود، وغيرهم، وأرجو أنه لا بأس به، ولا يصحَّح روايته عنهم أنه سمع منهم، وقول البخاري: في إسناده نظر؛ [يريد] أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده، وأحاديثه مستقيمة مستغنية عن أن أذكر منها شيئًا في هذا الموضع".
هكذا ضعَّف ابنُ عدي عمرَو بن مالك النكري، وبيَّن مراد البخاري من قوله السابق من عدم ثبوت سماع أبي الجوزاء المذكور في هذا السند، لا أنه أراد تضعيف أبي الجوزاء؛ إذ كيف يضعَّفه مع استقامة أحاديثه، وإخراج البخاري نفسه له في الصحيح.
فقد أخرج البخاري في صحيحه، في (٦٥) كتاب التفسير، من سورة النجم، باب: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم: ١٩]، (٤٨٥٩)، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا أبو الأشهب: حدثنا أبو الجوزاء، عن ابن عباس ﵄، في قوله: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾: كان اللاتُ رجلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الْحَاجِّ.
وأما قول ابن حجر في توجيه كلام البخاري هذا فليس بمتجِّه، فقد قال في التهذيب (١/ ١٩٤): "والنكري ضعيف عنده"؛ يعني: عند البخاري، وهذا ليس بصحيح، فإنه لا
стр. 3731
يُعرف عن البخاري تضعيفٌ صريح لعمرو بن مالك النكري، وإنما الذي ضعَّفه هو ابن عدي، حيث قال عنه في الترجمة السابقة: "يحدث عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قدر عشرة أحاديث غير محفوظة"، أو يكون ابن حجر أخذ هذا القول من قول ابن عدي: "إلا أنه ضعيف عنده" [كذا في بعض النسخ، وكذا نقلها ابن حجر في التهذيب]؛ يعني: أن النكري ضعيف عند البخاري، هكذا يمكن فهمها بعيدًا عن السياق، لكن السياق يأبى هذا الفهم، فإن ابن عدي يتكلم عن أبي الجوزاء، ويريد أن يبين أن مراد البخاري بقوله: "في إسناده نظر" عدم ثبوت السماع، لا أن أبا الجوزاء ضعيف عند البخاري، والله أعلم.
وقال مغلطاي في إكماله (٢/ ٢٩٣): "لأن البخاري لم يقل هذا تضعيفًا له [يعني: لأبي الجوزاء]، إذ لو كان كذلك لما ساغ له إخراج حديثه؛ لأنا لم نعهد منه تضعيفًا لمن يخرج حديثه، وإنما قال هذا لأجل السند الذي ذكره؛ لأن فيه عمرًا النكري، وهو ضعيف، وكذا جعفر، … ".
قلت: هكذا ضعَّف مغلطاي عمرو بن مالك النكري، والمنقول عن البخاري هو تليين جعفر بن سليمان الضبعي، ولم أر له نقلًا في تضعيف عمرو بن مالك النكري، والله أعلم.
وخلاصة هذا البحث: أن قول البخاري عن هذا السند بأن فيه نظرًا، هو تضعيف لهذا الخبر، لكن على من تُحمل التبعة، ومن هو الراوي الذي أراد البخاري إلصاق الوهم به في هذا الخبر؟ فليس معنا دليل ظاهر على أن البخاري أراد به توهيم النكري دون الضبعي، والله أعلم.
نرجع بعد ذلك لسرد أقوال الأئمة في عمرو بن مالك النكري:
فقد ذكره ابن حبان في ثقاته، وقال: "يُغرِب، ويُخطئ"، زاد مغلطاي في نقله عن الثقات: "يُعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه" [الثقات (٨/ ٤٨٧)، إكمال مغلطاي (١٠/ ٢٥١)].
ووثقه الذهبي [الميزان (٣/ ٢٨٦)، المغني (٢/ ٤٨٨)]، وقال مرة: "صدوق" [تاريخ الإسلام (٨/ ١٩٤)]، وقال ابن حجر في التقريب (٤٧٢): "صدوق، له أوهام".
وصحح له ابن خزيمة (١٦٩٦ و ١٦٩٧)، وابن حبان (٤٠١ و ٢٩٦٢).
والأقرب أن ابن حبان إنما انتقى من حديثه ما صح عنده، وإلا فإنه لما أورد ابنه يحيى [وهو ضعيف، رماه حماد بن زيد بالكذب. التهذيب (٤/ ٣٧٩)]، لما أورده في المجروحين (٣/ ١١٤)، قال: "كان منكر الرواية عن أبيه، ويحتمل أن يكون السبب في ذلك منه، أو من أبيه، أو منهما معًا"، وهذا يدل على أنه لم يكن يبرئ ساحة عمرو، وأنه لم يكن عنده ثقة يعتمد عليه، لذا قال عنه في الثقات: "يُغرِب، وُيخطئ"، وقوله هذا أقرب إلى الصواب من قوله عنه في المشاهير (١٢٢٣): "وقعت المناكير في حديثه من رواية ابنه عنه، وهو في نفسه صدوق اللهجة".
وصحح له أيضًا الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٥٣ و ٤٢٧) [وانظر: التاريخ الكبير (٦/ ٣٧١)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٥٩)، الإكمال لابن ماكولا (١/ ٤٥١)، بيان الوهم (٤/ ٦٦٥/ ٢٢٢٥)، وقال: "لا تُعرف حاله"، التهذيب (٣/ ٣٠١)].
стр. 3732
والحاصل: أن عمرو بن مالك النكري هو كما قال ابن حجر: "صدوق، له أوهام"، وكما قال ابن حبان: "يُغرِب، ويُخطئ"، فليس بذاك الذي يعتمد على حفظه، ويحتج به فيما يأتي به من غرائب، والله أعلم.
• تنبيه: ليس النكري هذا هو الذي ترجم له ابن عدي في كامله (٥/ ١٥٠)، وقال: "عمرو بن مالك النكري، بصري: منكر الحديث عن الثقات، ويسرق الحديث، سمعت أبا يعلى يقول: عمرو بن مالك النكري: كان ضعيفًا"، فإن الأخير هذا شيخ لأبي يعلى متأخر الطبقة عن صاحب الترجمة، وإنما هو عمرو بن مالك الراسبي الغُبري، أخطأ في نسبته ابن عدي، فإن ابن حجر في التهذيب (٣/ ٣٠١) بعد أن ساق كلام ابن عدي في الراسبي، قال: "إلا أنه قال [يعني: ابن عدي] في صدر الترجمة: عمرو بن مالك النكري، فوهِم؛ فإن النكري متقدم على هذا"، وقال الذهبي مفرِّقًا بين الراسبي والنكري: "وأما النكري ففي عصر الزهري" [تاريخ الإسلام (١٨/ ٣٨٠)].
وروح بن المسيب أبو رجاء الكلبي: وثقه من لم يطلع على حاله، وثقه العجلي وغيره، وقال ابن معين: "صويلح"، وقال أبو حاتم: "هو صالح، ليس بالقوي"، وسبر مروياته ابن حبان وابن عدي فضعفاه جدًّا، قال ابن حبان: "وكان روح ممن يروي عن الثقات الموضوعات، ويقلب الأسانيد، ويرفع الموقوفات، وهو أنكر حديثًا من روح بن غطيف، لا تحل الرواية عنه، ولا كتابة حديثه إلا للاختبار"، وقال ابن عدي: "يروي عن ثابت ويزيد الرقاشي أحاديث غير محفوظة" [مسند البزار (١٣/ ٣٣٩/ ٦٩٦٢)، معرفة الثقات (١/ ٣٦٥)، الجرح والتعديل (٣/ ٤٩٦)، المجروحين (١/ ٢٩٩) (١/ ٣٧٠ - ط الصميعي)، الكامل (٣/ ١٤٣)، تاريخ أسماء الثقات (٣٦٤)، الأنساب (٥/ ٩١)، اللسان (٣/ ٤٨٦)].
• والحاصل: أنه أثر ضعيف؛ بل منكر بهذا الإسناد:
قال البيهقي في المعرفة (٧/ ٢٠١): "ورواه حماد بن زيد عن عمرو عن أبي الجوزاء من قوله"؛ يعني: لم يذكر فيه ابن عباس.
• وأما أثر سعيد بن جبير:
فقد وصله البيهقي (٢/ ٣١) بسند لا بأس به إلى: زيد بن الحباب: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، قال: أمرني عطاء أن أسأل سعيدًا: أين تكون اليدان في الصلاة، فوق السرة، أو أسفل من السرة؟ فسألته عنه، فقال: فوق السرة.
ورواه عبد الرزاق: أنا ابن جريج، قال: وأنا أبو الزبير، قال: قال لي عطاء بن أبي رباح: سئل سعيد بن جبير: أين موضع اليدين في الصلاة؟ فقال: فوق السرة.
أخرجه عبد الرزاق في الأمالي (٥٤).
قال البيهقي: "وأصح أثر روي في هذا الباب أثر سعيد بن جبير وأبي مجلز، وروي عن علي ﵁: تحت السرة، وفي إسناده ضعف"، وكذا في الخلافيات (٢/ ٣٥ - مختصره).
стр. 3733
قلت: أثر سعيد إسناده صحيح.
• وأما أثر أبي مجلز لاحق بن حميد:
فقد وصله ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٣/ ٣٩٤٢)، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الحجاج بن حسان، قال: سمعت أبا مجلز -أو: سألته-، قال: قلت: كيف يصنع؟ قال: يضعُ باطنَ كفِّ يمينه على ظاهر كفِّ شماله، ويجعلها أسفلَ من السُّرَّةِ.
وعلَّقه أيضًا: البيهقي (٢/ ٣١).
وإسناده جيد.
• وممن رُوي عنه أيضًا وضعُهما تحت السرة: إبراهيم النخعي:
روى الربيع بن صبيح، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي؛ أنه كان يضع يده اليمنى على يده اليسرى تحت السرة.
أخرجه محمد بن الحسن في الآثار (١٢١)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٤٣/ ٣٩٣٩).
أبو معشر هو زياد بن كليب: ثقة، من قدماء أصحاب إبراهيم، والربيع بن صبيح: ليس بالقوي [انظر: التهذيب (١/ ٥٩٣)، الميزان (٢/ ٤١)].
وخالفه فلم يذكر موضع اليدين:
مغيرة بن مقسم الضبي [ثقة متقن]، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال: لا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٤٣/ ٣٩٤٤).
وإسناده صحيح إلى إبراهيم، وعليه: فلا يصح عن إبراهيم وضع اليدين تحت السرة.
قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧٥): "وروي ذلك عن علي وأبي هريرة والنخعي، ولا يثبت ذلك عنهم، وهو قول أبي مجلز".
***
٧٥٨ - . . . قال أبو داود: حدثنا مسدد: حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، عن سيار أبي الحكم، عن أبي وائل، قال: قال أبو هريرة: أخْذُ الأكُفِّ على الأكُفِّ في الصلاة تحت السرة.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يضعِّف عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي.
• حديث منكر.
قال المزي في التحفة (٩/ ٤٧٣/ ١٣٤٩٤ - ط دار الغرب): "هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد وأبي سعيد بن الأعرابي وغير واحد عن أبي داود، ولم يذكره أبو القاسم".
стр. 3734
أخرجه من طريق أبي داود: ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧٨).
ورواه محمد بن محبوب البناني، ويحيى بن عبد الحميد الحماني:
قال يحيى: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سيار أبي الحكم، عن أبي وائل، عن أبي هريرة، قال: من السُّنة أن يضع الرجل يده اليمنى على اليسرى تحت السرة في الصلاة.
أخرجه ابن المنذر (٣/ ٩٤/ ١٢٩١)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٦/ ٣٢٨)، والدارقطني (١/ ٢٨٤).
قال أبو داود تحت الحديث السابق عن هذا الحديث: "ورُوي عن أبي هريرة، وليس بالقوي".
وهو حديث منكر مضطرب، تقدم الكلام عليه تحت الحديث رقم (٧٥٦).
***
٧٥٩ - . . . قال أبو داود: حدثنا أبو توبة: حدثنا الهيثم -يعني: ابن حميد-، عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن طاووس، قال: كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشُذُّ بهما على صدره، وهو في الصلاة.
• مرسل بإسناد حسن.
أخرجه أبو داود أيضًا في المراسيل (٣٣)، بنفس هذا الإسناد.
وذكره المزي في التحفة (١٢/ ٣٥٦/ ١٨٨٢٩ - ط دار الغرب) وعزاه لأبي داود في المراسيل، ثم قال في الحاشية: "هو في السنن في رواية أبي سعيد ابن الأعرابي وغيره".
وهذا مرسل بإسناد رجاله ثقات؛ غير سليمان بن موسى الأشدق، وهو: صدوق، عنده مناكير [التهذيب (٢/ ١١١)]، وثور هو: ابن يزيد الحمصي، وأبو توبة هو: الربيع بن نافع.
• وفي الباب أيضًا:
١ - حديث وائل بن حجر:
وله أسانيد، تقدم الكلام عليها في موضعها من السنن، نلخصها فيما يأتي:
أ- عفان بن مسلم: حدثنا همام: حدثنا محمد بن جحادة: حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم؛ أنهما حدثاه عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة؛ كبر -وصف همام: حيال أذنيه-، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، … الحديث.
أخرجه مسلم (٤٠١)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٢٣)، وانظر هناك فيمن أخطأ فيه.
стр. 3735
ب- موسى بن عمير العنبري: حدثني علقمة بن وائل، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ كان إذا قام في الصلاة قبض على شماله بيمينه، ورأيت علقمة يفعله.
وفي رواية: رأيت رسول الله ﷺ واضعًا يمينه على شماله في الصلاة.
ورواه عبد اللّه بن المبارك، عن موسى بن عمير العنبري، وقيس بن سليم العنبري، قالا: نا علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله.
وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٢٣).
ج- شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجرًا [بن عنبس] أبا العنبس، يقول: حدثني علقمة بن وائل، عن وائل بن حجر: أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، قال: فوضع اليد اليمنى على اليد اليسرى، فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين" [يخفى بها صوته]، وسلم عن يمينه وعن يساره.
حديث مضطرب، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٢٣).
د- محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل الحضرمي: حدثني عمي سعيد بن عبد الجبار، عن أبيه، عن أمه أم يحيى، عن وائل بن حجر، قال: حضرت رسول الله ﷺ وقد أُتي بإناء فيه ماء، … فذكر حديثًا طويلًا جدًّا، وموضع الشاهد منه قوله: ثم وضع يمينه على يساره على صدره.
وهو حديث منكر، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٢٣)، وتقدم ذكر طرف منه تحت الحديث رقم (١٤٥).
هـ - أبو إسحاق السبيعي، عن عبد الجبار بن وائل، عن وائل، قال: رأيت رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة، قريبًا منِ الرسِغ، ويرفع يديه حين يوجب حتى تبلغا أذنيه، وصليت خلفه فقرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: "آمين" يجهر.
حديث صحيح بمتابعاته، لكن زيادة: قريبًا من الرسغ؛ زيادة شاذة؛ تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٢٤).
و- أسد بن موسى: ثنا المسعودي، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: لما قدم أبي على النبي ﷺ رآه يضع يده اليمنى على اليسرى، ورفع يديه مع كل تكبيرة.
وهذه رواية شاذة سندًا ومتنًا، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٧٢٥).
ز- روى سفيان الثوري، وشعبة، وبشر بن المفضل، وخالد بن عبد الله الواسطي، وأبو عوانة، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وعبد اللّه بن إدريس، وعبد الواحد بن زياد، وزهير بن معاوية، ومحمد بن فضيل، وأبو بدر شجاع بن الوليد، وغيلان بن جامع، وعَبيدة بن حميد، وقيس بن الربيع.
стр. 3736
عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: … فذكر صفة صلاة النبي ﷺ ، وموضع الشاهد منه قوله: ثم أخذ شماله بيمينه.
وهذا لفظ بشر، وابن إدريس، وخالد بن عبد الله الواسطي، وعبد الواحد بن زياد، وأبو الأحوص، وزهير بن معاوية، وغيلان بن جامع، وعَبيدة بن حميد، وقيس بن الربيع.
ولفظ أبي عوانة: ثم قبض باليمنى على اليسرى.
ولفظ ابن فضيل: ثم ضرب بيمينه على شماله فأمسكها.
ولفظ شعبة: ووضع يده اليمنى على اليسرى، وفي رواية للثوري: ورأيته ممسكًا يمينه على شماله في الصلاة، وفي أخرى: رأيت النبي ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى.
وهو حديث صحيح، تقدم برقم (٧٢٦)، وتحت الحديث رقم (٧٢٨).
وكل هذه الروايات معناها واحد، وهو قبض اليسرى باليمنى، وأما رواية الوضع فتحمل عليها؛ إذ إنها لا تخالفها لدخول الوضع في معنى القبض، فهو بعض معناه، وعليه فالصحيح من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل: رواية القبض، وقد جاء بلفظ القبض أيضًا من حديث موسى بن عمير وقيس بن سليم عن علقمة عن أبيه، وجاء بلفظ الوضع من حديث عفان عن همام عن ابن جحادة، ومن حديث أبي إسحاق عن عبد الجبار عن أبيه، والوضع داخل في معنى القبض، وفي القبض زيادة معنى جاءنا من طريق الثقات فلزمنا قبوله، والله أعلم.
• ورواه مؤمَّل بن إسماعيل، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ وقد وضع يديه على صدره، إحداهما على الأخرى.
وهذه رواية منكرة؛ خالف فيها مؤمل ثقات أصحاب الثوري، فلم يذكر أحد منهم بهذه الزيادة: على صدره، وتقدم تحت الحديث رقم (٧٢٨).
قال البيهقي في الخلافيات: "رواه الجماعة عن الثوري لم يذكر واحد منهم: على صدره؛ غير مؤمل بن إسماعيل".
• وخالف أصحاب الثوري أيضًا: علي بن قادم، قال: ثنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي ﷺ إذا قام اتكأ على إحدى يديه.
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩/ ٩٥)، بإسناد صحيح إلى علي بن قادم.
وهذا حديث منكر؛ علي بن قادم: صدوق، ضعفه ابن معين، روى عن الثوري أحاديث غير محفوظة [التهذيب (٣/ ١٨٨)، الميزان (٣/ ١٥٠)].
• وخالف جماعة الثقات الذين رووه عن عاصم: زائدة بن قدامة، فرواه عن عاصم بن كليب، بإسناده ومعناه، وقال فيه: ثم وضع يده اليمنى على ظَهر كفِّه اليسرى والرُّسْغ والساعد.
تقدم برقم (٧٢٧)، وهو حديث شاذ.
стр. 3737
٢ - حديث سهل بن سعد الساعدي:
يرويه مالك، عن أبي حازم بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي؛ أنه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.
قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك، وفي رواية البخاري: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي ﷺ يعني: أنه مرفوع، تؤيدها رواية ابن بكير عن مالك: يرفع ذلك.
قال عبد الله بن أحمد: "ينمي: يرفعه إلى النبي ﷺ ".
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢٢٦/ ٤٣٧ - رواية يحيى الليثي) (٤٢٦ - رواية أبي مصعب الزهري) (٤٠٩ - رواية ابن القاسم، بتلخيص القابسي) (١٣٣ - رواية الحدثاني) (٢٩١ - رواية محمد بن الحسن الشيبانى).
ومن طريقه: البخاري (٧٤٠)، وأبو عوانة في مستخرجه على مسلم (١/ ٤٢٩/ ١٥٩٧)، وأحمد (٥/ ٣٣٦)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٩١/ ١٢٨٦)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٩/ ٣٣٩)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٤٠/ ٥٧٧٢)، والجوهري في مسند الموطأ (٤١٦)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٨)، وفي المعرفة (١/ ٤٩٨/ ٦٨١)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٩٦)، والخطيب في الكفاية (٤١٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٣٠/ ٥٦٨)، وقال: "صحيح".
وقع في رواية معن مثل رواية البخاري عن القعنبي: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي ﷺ ، وفي رواية عبد الله بن يوسف: قال مالك: يرفع ذلك [أطراف الموطأ للداني (٣/ ١٠٩)، الكفاية (٤١٦)].
ترجم له البخاري بقوله: "باب وضع اليمنى على اليسرى".
قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٩٢): "وأما قول سهل بن سعد: كان الناس يؤمرون أن يضع الرَّجُلُ اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة: فالأغلب فيه أنه عمل معمول به في زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بعده، وقول أبي حازم: لا أعلمه إلا أنه ينمي ذلك: أي: يرفعه إلى رسول الله ﷺ ".
وقال النووي في المجموع (٣/ ٢٥٨) عن عبارة البخاري: "وهذه العبارة صريحة في الرفع إلى رسول الله ﷺ ".
لكن قد يُشكِل على ذلك قول أبي طاهر الداني في أطراف الموطأ (٣/ ١٠٨): "هذا معلول؛ لأنه ظن".
فتعقبه ابن حجر؛ حيث قال في الفتح (٢/ ٢٢٤): "ورُدَّ بأن أبا حازم لو لم يقل: لا أعلمه إلخ، لكان في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: كنا نؤمر بكذا يُصرف بظاهره إلى من له الأمر، وهو النبي ﷺ ؛ لأن الصحابي في مقام تعريف الشرع، فيحمل على من صدر عنه الشرع، ومثله قول عائشة: كنا نؤمر بقضاء الصوم، فإنه محمول على أن الآمر بذلك هو النبي ﷺ ، وأطلق البيهقي أنه لا خلاف في ذلك بين أهل النقل، والله أعلم".
стр. 3738
ثم قال: "قيل: لو كان مرفوعًا ما احتاج أبو حازم إلى قوله: لا أعلمه إلخ، والجواب: أنه أراد الانتقال إلى التصريح، فالأول لا يقال له: مرفوع، وإنما يقال: له حكم الرفع" [وانظر: تغليق التعليق (٢/ ٣٠٦)].
قلت: قد أدخله إمام الصنعة محمد بن إسماعيل البخاري في المسند الصحيح، وكفى به.
٣ - حديث هُلْب الطائي:
روى وكيع بن الجراح [ثقة حافظ، من أثبت الناس في الثوري]، وعبد الرحمن بن مهدي [ثقة ثبت، حافظ إمام، من أثبت الناس في الثوري]، وعبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ، من أصحاب الثوري]، ومحمد بن كثير العبدي [ثقة، من أصحاب الثوري]، والحسين بن حفص الأصبهاني [صدوق، من أصحاب الثوري]، وعبد الصمد بن حسان المرْورُوذي، ويقال: المرُّوذي [صدوق، خادم سفيان. اللسان (٥/ ١٨٥)، التعجيل (٦٥٧)، الجرح والتعديل (٦/ ٥١)]:
عن سفيان الثوري، عن سماك بن حرب، عن قَبيصة بن هُلْب، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ واضعًا يمينه على شماله في الصلاة، ورأَيته ينصرف عن يمينه وعن شماله.
وفي رواية: كان النبي ﷺ ينصرف مرة عن يمينه، ومرة عن شماله، وكان يمسك بيمينه على شماله في الصلاة.
أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٧)، وابنه عبد الله في زيادات المسند (٥/ ٢٢٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٢٤٠/ ٣٢٠٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٣٤٢/ ٣٩٣٤)، وفي المسند (٨٦٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٤٤٠/ ٢٤٩٤)، وابن قانع في المعجم (٣/ ١٩٩)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٦٣ و ١٦٥/ ٤١٥ و ٤٢١)، والدارقطني (١/ ٢٨٥)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١٠/ ٣١١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٧٦٢/ ٦٥٦٤)، والبيهقي (٢/ ٢٩ و ٢٩٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٣٢/ ٥٧١).
ورواه يحيى بن سعيد القطان [ثقة ثبت، حافظ إمام، من أثبت الناس في الثوري]، عن سفيان: حدثني سماك، عن قبيصة بن هُلْب، عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ ينصرف عن يمينه وعن يساره، ورأيته -قال:- يضع هذه على صدره -وصف يحيى: اليمنى على اليسرى فوق المِفْصَل-.
أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٦)، قال: حدثنا يحيى بن سعيد به. ومن طريقه: ابن الجوزي في التحقيق (٤٣٤).
هكذا رواه أحمد عن يحيى بن سعيد بهذا القيد وهذا الوصف، ورواه بندار محمد بن بشار [ثقة مكثر عن يحيى القطان وغيره، قال بأنه اختلف إلى القطان أكثر من عشرين سنة. التهذيب (٣/ ٥١٩)]، فلم يذكر قوله: على صدره، ولا وصفه: فوق المفصل:
стр. 3739
قال بندار: نا يحيى، عن سفيان، عن سماك، عن قبيصة بن الهلب، عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ ينصرف عن شقيه: عن يمينه وعن يساره، ويضع يده اليمنى على اليسرى.
أخرجه أبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ٩٦/ ٢٣٤).
فهاتان الزيادتان: "على صدره"، و"فوق المفصل" في هذا الحديث زيادتان شاذتان، غير محفوظتين، حيث لم يأت بهما بندار عن القطان، ولا تابع القطان عليها أحد من ثقات أصحاب الثوري الحفاظ المكثرين عنه، لا سيما ابن مهدي ووكيعًا، ولا تابع الثوري عليها أحد ممن روى الحديث عن سماك.
• فقد رواه أبو الأحوص [ثقة متقن، روى له مسلم عن سماك]، عن سماك، عن قبيصة بن هُلْب، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يؤُمُّنا فيأخذ شماله بيمينه، وكان ينصرف عن جانبيه جميعًا: عن يمينه وعن شماله.
أخرجه الترمذي (٢٥٢ و ٣٠١)، وابن ماجه (٨٠٩ و ٩٢٩)، وابن حبان في كتاب الصلاة (١٣/ ١٧٢٣٧/٦٣٦ - إتحاف المهرة)، وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند (٥/ ٢٢٦ و ٢٢٧)، وابن قانع في المعجم (٣/ ١٩٩)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٦٥/ ٤٢٠ و ٤٢٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٣١/ ٥٧٠) و (٣/ ٢١١/ ٧٠٣)، وابن الجوزي في التحقيق (٤٣٥).
• ورواه زائدة بن قدامة [ثقة ثبت، روى له مسلم عن سماك]، وزهير بن معاوية [ثقة ثبت، روى له مسلم عن سماك]، وإسرائيل بن أبي إسحاق [ثقة]، وعمرو بن أبي قيس [ليس به بأس]، وشريك بن عبد الله النخعي [صدوق، سيئ الحفظ؛ يخطئ كثيرًا]، وقيس بن الربيع [صدوق، تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به]، وأسباط بن نصر [ليس بالقوي، قال الساجي: "روى أحاديث لا يتابع عليها عن سماك بن حرب"، التهذيب (١/ ١٠٩)]، وحفص بن جميع [ضعيف، يحدث عن سماك بأحاديث مناكير] [لكنهما هنا قد تابعا الثقات]:
عن سماك بن حرب، عن قبيصة بن هلب الطائي، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا انفتل من الصلاة انفتل عن يمينه وعن شماله. لفظ زائدة، وبمعناه لفظ زهير وإسرائيل وأسباط وعمرو، وفي رواية لزائدة: كان رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه وعن يساره، ويضع إحدى يديه على الأخرى في الصلاة، ولأسباط وابن جميع بشقه الثاني، وفي رواية لإسرائيل: كان النبي ﷺ يضرب بإحدى يديه على الأخرى في الصلاة.
ولفظ شريك: أنه رأى رسول الله ﷺ واضعًا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة، ورأيته ينصرف عن يمينه، وعن شماله في الصلاة.
أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٧)، وابنه عبد الله في زيادات المسند (٥/ ٢٢٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٤٤٠/ ٢٤٩٣)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ١٧٦/ ٢٨٣)، وابن قانع في المعجم (٣/ ١٩٨ - ٢٠٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٦٤ -
стр. 3740
١٦٦/ ٤١٧ - ٤١٩ و ٤٢٢ و ٤٢٣ و ٤٢٦)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١٠/ ٣١١)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧٣).
زاد فيه عمرو بن أبي قيس: أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن شماله، فشذ في ذلك؛ قال أبو حاتم: "هكذا رواه عمرو، ولم يتابع عليه، إنما هو: أن النبي ﷺ كان ينفتل عن يمينه وعن شماله" [مختصر الطوسي (٢٨٣)، علل ابن أبي حاتم (٣٩٩)].
• ورواه شعبة، عن سماك، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شقيه. فلم يروِ موضع الشاهد من هذا الحديث.
أخرجه أبو داود (١٠٤١)، وابن حبان (٥/ ٣٣٩/ ١٩٩٨)، وأحمد (٥/ ٢٢٧)، وابنه عبد الله في زيادات المسند (٥/ ٢٢٦ و ٢٢٧)، والطيالسي (١٣/ ٤١٣/ ١١٨٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٣١٠٩/٢٧١)، وفي المسند (٨٦١)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٥٩٦/ ٢٤٩٠ - السفر الثاني)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٤٤١/ ٢٤٩٥)، والدولابي في الكنى (١/ ٢٦٣/ ٤٦٦)، وابن قانع في المعجم (٣/ ١٩٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٦٤/ ٤١٦).
قلت: سماك بن حرب: صدوق، تُكُلم فيه لأجل اضطرابه في حديث عكرمة خاصة، وكان لما كبر ساء حفظه؛ فربما لُقِّن فتلقن، وأما رواية القدماء عنه فهي مستقيمة، قال يعقوب بن شيبة: "وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا -مثل شعبة وسفيان- فحديثهم عنه: صحيح مستقيم" [انظر: الأحاديث المتقدمة برقم (٦٨ و ٣٧٥ و ٤٤٧ و ٦٢٢ و ٦٥٦)]، وهذا الحديث ليس من رواية سماك عن عكرمة، والتي وقع لسماك فيها الاضطراب، فقد أمنا فيه سلوك الجادة والطريق السهل، فإن قبيصة بن هلب الطائي، عن أبيه: تحتاج إلى ضبط، فهو من صحيح حديثه، والله أعلم.
وهذا الحديث رواه عنه جماعة من القدماء، منهم: سفيان وشعبة، وهما ممن سمع منه قديمًا، وزائدة بن قدامة [ثقة ثبت متقن]، وإسرائيل بن أبي إسحاق [ثقة]، وهما من طبقة شعبة وسفيان وأقرانهم، وهاتان الزيادتان: "على صدره"، و"فوق المفصل" لم يأت لهما ذكر في رواية أحد ممن روى هذا الحديث عن سماك سوى رواية شاذة عن سفيان، والله أعلم.
وهذه الزيادة مع كون الإمام أحمد هو الذي رواها عن يحيى القطان، ومع ذلك فإنه أعرض عن العمل بها، قال عبد الله ابن الإمام أحمد في مسائله (٢٦٠): "رأيت أبي إذا صلى وضع يديه أحدهما على الأخرى فوق السرة".
وقال أبو داود في مسائله لأحمد (٢٢٠ و ٢٢١): "وسمعته سئل عن وضعه؟ فقال: فوق السرة قليلًا، وإن كان تحت السرة فلا بأس، وسمعته يقول: يكره أن يكون -يعني: وضع اليدين- عند الصدر".
стр. 3741
وقال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله لأحمد وإسحاق (٢١١): "قلت: أين يضع يمينه على شماله؟ قال: كل هذا عندي واسع، قلت: إذا وضع يمينه على شماله، أين يضعهما؟ قال: فوق السُّرَّة وتحته، كل هذا واسع، كل هذا ليس بذاك، قال إسحاق: كما قال، تحت السُّرَّة أقوى في الحديث، وأقرب إلى التواضع".
ونقل ابن مفلح في الفروع (١/ ٣٦١) عن الإمام أحمد عدة روايات في المسألة، ثم قال: "ويكره وضعهما على صدره، نصَّ عليه؛ مع أنه رواه أحمد".
وانظر فيمن وهم فيه على الثوري، وعلى سماك: علل ابن أبي حاتم (١/ ١٤٢ و ١٤٣/ ٣٩٥ و ٣٩٩)، الإصابة (٣/ ٥١٧).
• يبقى الكلام بعد ذلك على قبيصة بن هلب وأبيه:
أما هُلْب: فقد أثبت له الصحبة جماعة، مع كونه لا يُعرف حديثه إلا من قبل ابنه قبيصة، وممن صرح بصحبته: ابن المديني، وأبو حاتم، وابن حبان، وغيرهم، وقال ابن المديني والبخاري وأبو حاتم ومسلم والترمذي وابن حبان وابن قانع والبيهقي وغيرهم بأن اسم هُلب: يزيد بن قنافة، وهلب لقب، وقيل في اسمه غير ذلك [التاريخ الكبير (٧/ ١٧٧)، الجرح والتعديل (٧/ ١٢٥) و (٩/ ١٢٠ و ٢٨٤)، المنفردات والوحدان (٤٣١)، الثقات (٣/ ٤٦٦) و (٥/ ٣١٩)، جامع التحصيل (٨٥٠)، وغيرها].
وأما قبيصة بن هلب: فقال ابن المديني ومسلم بأنه لم يرو عنه غير سماك بن حرب، وقال ابن المديني والنسائي: "مجهول"، وقال العجلي: "تابعي، ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح حديثه، وحسَّن حديثه هذا: الترمذي والطوسي والبغوي، وصححه ابن عبد البر [التهذيب (٣/ ٤٢٧)، الميزان (٣/ ٣٨٤)].
قال الترمذي: "حديث هلب: حديث حسن" [وكذا في المغني (١/ ٢٨١)، والمجموع (٣/ ٢٥٨)، والتحفة (٨/ ٣١٥/ ١١٧٣٥ - ط دار الغرب)، ونصب الراية (١/ ٣١٨)، والآداب الشرعية (٣/ ٢٠٠)، والفتح لابن رجب (٥/ ٢٧٩)، وغيرها] [وفي مختصر الطوسي: "حسن صحيح"].
وقال الطوسي: "وحديث هلب: حديث حسن".
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ١٥٤٩): "روى عنه ابنه قبيصة بن هلب؛ أنه رأى النبي ﷺ واضعًا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة، قال: ورأيته ينصرف عن يمينه وعن شماله في الصلاة، وهو حديث صحيح".
وقال في الاستذكار (٢/ ٢٩٠): "وأما وضع اليمنى على اليسرى: ففيه آثار ثابتة عن النبي ﷺ ؛ منها: … "، فذكر أحاديث، منها حديث هلب هذا.
وقال البغوي: "هذا حديث حسن".
قلت: الحكم على الراوي بالجهالة لا يمنع من تصحيح حديثه، فكم من راوٍ حكم أبو حاتم عليه بالجهالة ونحوها ثم صحح حديثه، فقد قال في أحمد بن إبراهيم أبي صالح
стр. 3742
الخراساني: "شيخ مجهول، والحديث الذي رواه صحيح" [الجرح والتعديل (٢/ ٣٩)].
وقال في أحمد بن المنذر، ولم يذكر له راويًا سوى الدورقي: "لا أعرفه"، وعرض ابن أبي حاتم على أبيه حديثه فقال أبو حاتم: "حديث صحيح" [الجرح والتعديل (٢/ ٧٨)].
وقال في خداش بن مهاجر، وقد ترجم له براويين: "شيخ مجهول، أرى حديثه مستقيمًا" [الجرح والتعديل (٣/ ٣٩١)].
وقال في عبد الرحمن بن شيبة، ولم يذكر له راويًا سوى الربيع بن سليمان: "لا أعرفه، وحديثه صحاح" [الجرح والتعديل (٥/ ٢٤٣)].
وقال في الفضل بن سويد: "لم يرو عنه غير محمد بن حمران، وليس بالمشهور، ولا أرى بحديثه بأسًا" [الجرح والتعديل (٧/ ٦٢)].
وعمارة بن عبد السلولي الكوفي: سمع عليًّا ﵁، روى عنه أبو إسحاق السبيعي وحده، قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: "سألت أحمد بن حنبل عن عمارة بن عبد؟ فقال: مستقيم الحديث، لا يروي عنه غير أبي إسحاق"، وقد قال فيه أبو حاتم: "هو شيخ مجهول، لا يحتج بحديثه" [الجرح والتعديل (٦/ ٣٦٧)، التهذيب (٣/ ٢١١)].
فهذا الإمام أحمد يحكم على حديثه بالاستقامة، مع كونه لم يرو عنه غير أبي إسحاق، وأبو إسحاق السبيعي يروي عن جماعة من المجاهيل، قال ابن رجب في شرح العلل (١/ ٣٧٨): "وقال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفًا؟ إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول. قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين. انتهى.
وهذا تفصيل حسن، وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي الذي تبعه عليه المتأخرون؛ أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعدًا عنه".
قلت: فدل ذلك على أن استقامة حديث الراوي تكفي في قبول حديثه، حتى لو لم يكن مشهورًا بالطلب، لا سيما من كان في طبقة التابعين، والله أعلم.
وانظر أيضًا في هذا المعنى: الجرح والتعديل (٢/ ٦٤) و (٤/ ٧٥) و (٥/ ٢٢٥) و (٦/ ١٨٨ و ٢٦٢) و (٧/ ١٤٠ و ٢٧٦) و (٨/ ٧٩ و ١٧٦)، الكامل (١/ ٦٧) (٦/ ٢٣٣)، شرح علل الترمذي (١/ ٣٧٧)، الخبر الثابت. رسالتي في المجهول.
والمقصود من هذه النقول بيانُ أن المجهولَ لا يُردُّ حديثه لمجرد جهالته؛ إذ الجهالة وصف لا يلزم منه الجرح، بل يقترن كثيرًا في كلام الأئمة الوصفُ بالجهالة مع التوثيق أو التجريح، ولكن ينظر في حديث المجهول؛ فإن كان حديثه مستقيمًا موافقًا لرواية الثقات صُحِّح حديثه واغتُفرت جهالته، حيث لم يرو منكرًا، ولم ينفرد عن الثقات بما ليس من حديثهم، لا سيما لو كان من التابعين، وهذا مثل حالتنا هذه، فإن حديث قبيصة هذا مما صح من غير طريق، كما هو ظاهر من شواهده، وقد صحح له ابن حبان وابن عبد البر،
стр. 3743
وحسن له الترمذي والطوسي والبغوي، وأثبت الصحبة لأبيه: ابن المديني، وأبو حاتم، وابن حبان، مع كون الهلب لا يُعرف إلا من رواية ابنه عنه، وفي هذا نوع من التوثيق الضمني الذي يرفع من حاله، والله أعلم.
• والحاصل: فإن حديث هلب الطائي هذا: حديث حسن، والله أعلم.
٤ - حديث غضيف بن الحارث:
رواه معاوية بن صالح، قال: حدثني يونس بن سيف العنسي، عن الحارث بن غطيف، أو: غطيف بن الحارث الكندي -شكَّ معاوية-، قال: مهما رأيتُ شيئًا فنسيتُه؛ فإني لم أنْسَ أني رأيت رسول الله ﷺ وضع يده اليمنى على اليسرى؛ يعني: في الصلاة.
كذا في رواية زيد بن الحباب.
وفي رواية عبد الرحمن بن مهدي: عن الحارث بن غضيف، أو: غضيف بن الحارث، قال: ما نسيت من الأشياء؛ لم أنْسَ أني رأيت رسول الله ﷺ واضعًا يمينه على شماله في الصلاة.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ١١٢)، وأحمد (٤/ ١٠٥) و (٥/ ٢٩٠)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٤٢٩)، وابن معين في تاريخه (٣/ ١٢/ ٤٦ و ٤٧ - رواية الدوري)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٤٢/ ٣٩٣٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٣٨٩/ ٢٤٣٣)، وسمويه في الثالث من فوائده (٥٤)، والروياني (١٥٣٦)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٢/ ٤٥٨/٧٠)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ١٨٥) و (٢/ ٣١٦)، والطبراني في الكبير (٣/ ٣٣٩٩/٢٧٦)، وأبو أحمد الحاكم في الأسامي والكنى (١/ ٣٨٦/ ٣٢٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٨٠٥ و ٨٠٦/ ٢١٢١ و ٢١٢٢) و (٤/ ٥٦٣٧/٢٢٧٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٨/ ٧٠).
• ومنهم من رواه عن معاوية فأدخل أبا راشد الحبراني [وهو: ثقة، من الثانية] بين يونس والحارث، والصحيح الأول:
أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٧/ ٣٣٠ و ٣٣١)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٧٦/ ٣٤٠٠)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٠٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٨٠٦/ ٢١٢٣ و ٢١٢٤).
هكذا رواه رشدين بن سعد [وهو ضعيف]، ورواه جماعة عن ابن وهب، كلاهما: عن معاوية بن صالح، عن يونس بن سيف، عن أبي راشد، عن الحارث بن غضيف.
ورواية الجماعة هي المحفوظة؛ فقد رواه عن معاوية بن صالح: عبد الرحمن بن مهدي، ومعن بن عيسى، وحماد بن خالد الخياط، وزيد بن الحباب، وعبد الله بن صالح، وعبد الله بن وهب [من رواية أحمد بن صالح المصري عنه] [وهم ثقات]، وغيرهم، عن معاوية به، دون ذكر أبي راشد الحبراني فيه، وهو الصواب.
قال ابن منده: "ذكر أبي راشد فيه زيادة" [الإصابة (١/ ٥٩١)].
стр. 3744
• وقد اختلف في صحابي هذا الحديث -حتى على الرواة المذكورين عن معاوية بن صالح- اختلافًا شديدًا، وأخشى أن يكون بعضه تصحيفًا، فمنهم من قال: الحارث بن غطيف، أو: غطيف بن الحارث الكندي، ومنهم من قال: غضيف بن الحارث، أو: الحارث بن غضيف، ومنهم من لم يذكر شك معاوية فيه، فقال: غطيف بن الحارث الكندي، ومنهم من قال: غضيف بن الحارث، ومنهم من قال: الحارث بن غطيف، ومنهم من قال: الحارث بن غضيف، ومنهم من قال: الحارث بن غظيف، وقيل غير ذلك.
ولأجل هذا الاختلاف فقد ترجم له من صنف في الصحابة في أكثر من موضع، وأخرجوا له في كل مرة هذا الحديث بعينه.
قال أبو حاتم وأبو زرعة: "الصحيح أنه غضيف بن الحارث" [الجرح والتعديل (٧/ ٥٤)]، وأخرج البخاري حديثه في ترجمة غضيف بن الحارث من التاريخ الكبير، وقال في التاريخ الأوسط (١/ ١٨٩/ ٨٨٨ و ٨٨٩): "أدرك النبي ﷺ ، وقال الثوري في حديثه: غطيف بن الحارث، وهو وهم".
وترجم له أحمد في الأسامي والكنى (٣٥١) بقوله: "غضيف بن الحارث، أبو أسماء"، وكذا قال في العلل ومعرفة الرجال (٣١٦ و ١٢٠٣)، وكذا في المسند في الموضع الأول، وفي الثاني: "غطيف بن الحارث".
وترجم له ابن حبان في الصحابة من ثقاته (٣/ ٣٢٦)، وقال: "غضيف بن الحارث اليماني، أبو أسماء السكوني الأزدي، من أهل اليمن، رأى النبي ﷺ واضعًا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة، سكن الشام، حديثه عند أهلها، ومن قال إنه الحارث بن غضيف فقد وهم"، ثم ترجم له مرة أخرى في ثقات التابعين (٥/ ٢٩١) من روايته عن عائشة وأبي الدرداء.
وهذا هو قول أكثر أهل العلم؛ أنه: غضيف بن الحارث [انظر: تاريخ دمشق (٤٨/ ٦٩ - ٨٣)].
والذي يظهر لي أن الأئمة جزموا بأنه: غضيف بن الحارث من مجموع مروياته، فقد روى غضيف عدة أحاديث، وأما هذا الحديث بعينه فالأقرب عندي أن الاختلاف فيه مرجعه إلى معاوية بن صالح نفسه، وهو الحضرمي الحمصي: صدوق، له إفرادات وغرائب وأوهام، وهذا من تخليطه، والله أعلم.
وممن رجح أنه الحارث بن غطيف: ابن معين [فيما حكاه عنه ابن السكن، وابن عبد البر]، والطبراني، وابن منده، وابن السكن، وقال: "ومن قال فيه: غضيف؛ فقد صحف" [الاستيعاب (١/ ٢٩٨) و (٣/ ١٢٥٣ و ١٢٥٤)، الإصابة (١/ ٥٨٦ و ٥٩١) و (٥/ ٢٧٦ و ٣٢٣)].
• وقد اختلف في غضيف بن الحارث، فمنهم من صرح بصحبته، أو اكتفى بعَدِّه في الصحابة، مثل: أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبي حاتم، وابنه، وأبي زرعة، وابن أبي
стр. 3745
خيثمة، والترمذي، وخليفة بن خياط، ويعقوب بن سفيان، وابن أبي عاصم، والروياني، والبغوي، والعقيلي، وابن قانع، وابن حبان، والطبراني، والأزدي، وأبي أحمد الحاكم، والعسكري، وابن البرقي، وأبي القاسم عبد الصمد بن سعيد القاضي، وغيرهم.
ومنهم من عدَّه في التابعين، مثل: ابن سعد، والعجلي، وابن خراش، والدارقطني.
ومنهم من جعلهما اثنين: صحابي وتابعي [انظر: الاستيعاب (١/ ٢٩٨) و (٣/ ١٢٥٣ و ١٢٥٤)، تاريخ دمشق (٤٨/ ٦٩ - ٨٣)، الإنابة (٧٧٧ و ٧٧٨)، تحفة التحصيل (٢٥٥)، الإصابة (١/ ٥٩١) و (٥/ ٣٢٣ و ٣٤٦)، التهذيب (٣/ ٣٧٦)، التقريب (٤٩١)، وغيرها].
وقال ابن منده، وابن عساكر: "مختلف في صحبته، أدرك [زمان] النبي ﷺ " [تاريخ دمشق (٤٨/ ٦٩)، فتح الباب (٤٩٤)].
وقال الذهبي: "عداده في صغار الصحابة، وله رواية، وروى أيضًا عن: عمر، وأبي عبيدة، وبلال، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وطائفة "السير (٣/ ٤٥٣)، وانظر: تاريخ الإسلام (٥/ ٥٠٦)].
وهذا هو الأقرب عندي، والله أعلم، وانظر: الإصابة (٥/ ٣٢٣ - ٣٢٦ و ٣٤٦).
قال البغوي: "لم يسند الحارث بن غطيف غير هذا".
قال مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (٥/ ١٤٠٧ - ط الباز) (٥/ ١٢٥ - ط مكتبة ابن عباس): "وقال الخلال في علله: عن عصمة: ثنا حنبل: ثنا أبو عبد الله: ثنا عبد الرحمن: ثنا معاوية -يعنى: ابن صالح-، عن يوسف بن سيف عنه، قال: وقال أبو عبد الله: هذا إسناد شامي.
وقال الدارقطني: يعني أحمد بهذا أنه لم يرض إسناده؛ لأن الحارث لا يعرف إلا بهذا الحديث، ولا نعلم يوسف بن سيف سمع منه أو لا؟ ".
قلت: هو في المسند من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وقال فيه: يونس بن سيف، وهو الصواب، ولا أدري ممن الوهم فيه، وشيخ الخلال هو: عصمة بن عصام العكبري الشيباني، روى عن حنبل، وعن الإمام أحمد، ولم يُنقل فيه جرح أو تعديل سوى قول الخلال: "كان صالح" [تاريخ بغداد (١٢/ ٢٨٨)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٧٤)].
وفي جامع التحصيل (٩٢٠): "قال الدارقطني: لا يعرف إلا بهذا الحديث -يعني: الحارث-، ولا أعلم يونس بن سيف سمع منه أم لا".
قلت: غضيف بن الحارث قد روى عدة أحاديث، بعضها عن النبي ﷺ ، وبعضها عن الصحابة، وهو رجل واحد، كما يظهر من كلام الأئمة، وهو كما قال الذهبي؛ صحابي صغير، له رواية، وروى أيضًا عن كبار الصحابة.
ويونس بن سيف الكلاعي الحمصي: صالح الحديث، ولا يُعرف له سماع من غضيف بن الحارث؛ كما قال الدارقطني، ولم يذكر البخاري له سماعًا من غضيف
стр. 3746
[التاريخ الكبير (٨/ ٤٠٥)، جامع التحصيل (٩٢٠)، شرح سنن ابن ماجه (٥/ ١٤٠٧ - ط الباز) (٥/ ١٢٥ - ط مكتبة ابن عباس)، التهذيب (٤/ ٤٦٩)].
ومعاوية بن صالح الحضرمي الحمصي: صدوق، له إفرادات وغرائب وأوهام، وقد خلَّط في صحابي هذا الحديث، ولم يضبط اسمه.
لكن مثل هذا يحتمل في الشواهد؛ فإن للحديث شواهد صحيحة، تقدم ذكرها، فهو حسن بشواهده؛ والله أعلم.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٩٠): "وأما وضع اليمنى على اليسرى: ففيه آثار ثابتة عن النبي ﷺ ؛ منها: … "، فذكر أحاديث، منها حديث غضيف هذا.
قلت: يحمل قوله هذا على كون حديث غضيف صالحًا في الشواهد، يعتضد بغيره من أحاديث الباب؛ لا أنه حجة بنفسه، والله أعلم.
٥ - حديث شداد بن شرحبيل:
رواه بقية بن الوليد، قال: ثنا حبيب بن صالح، قال: حدثني عياش بن مؤنس، عن شداد بن شرحبيل الأنصاري، قال: مهما نسيت من شيء فلم أنس أني رأيت رسول الله ﷺ قائمًا يصلي، ويده اليمنى على اليسرى، قابضًا عليها.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٢٤)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٠٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ١٥٤/ ٢١٣٨) و (٤/ ٢٤٨/ ٢٢٥١)، والبزار (١/ ٢٥٣/ ٥٢٢ - كشف الأستار)، وابن قانع في المعجم (١/ ٣٣٤)، وابن السكن (٢/ ٦٩٥ - الاستيعاب)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٧٢/ ٧١١١)، وفي مسند الشاميين (٢/ ١٦٢/ ١١١٢)، والإسماعيلي (٣/ ٣٢١ - الإصابة)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٤٥٩/ ٣٦٩٥)، وأبو محمد الخلال في المجالس العشرة (١٦)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٦٩٥)، وعلقه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٣/ ٢٨٩).
قال البخاري: "عياش لم يذكر سماعًا من شداد".
وقال ابن السكن: "ليس لشداد بن شرحبيل غير هذا الحديث"، وكذا قال البزار.
وقال ابن حجر في الإصابة (٣/ ٣٢١): "ذكره أبو القاسم عبد الصمد فيمن نزل حمص من الصحابة، قال ابن حبان: سكن الشام له صحبة، وقال ابن منده: حمصي له صحبة، وقال ابن السكن: ليس بمشهور".
قلت: هو كما قال ابن السكن، غير مشهور، ولم يصرح بصحبته البخاري وأبو حاتم، وإنما ذكروا روايته فقط، ولا تكفي في إثبات الصحبة؛ لما يأتي بيانه.
وعياش بن مؤنس [تصحف في بعض المصادر إلى عباس بن يونس]: روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات، فهو في عداد المجاهيل، ولم يذكر سماعًا من شداد [التاريخ الكبير (٧/ ٤٧)، كنى مسلم (٣١٥٤)، الجرح والتعديل (٧/ ٥)، الثقات (٥/ ٢٧١) و (٨/ ٥٠٩)، الإكمال (٦/ ٦٧) و (٧/ ٢٣١)، التوضيح (٦/ ٨٥)].
стр. 3747
قال ابن حجر في الإصابة (٣/ ٣٢١): "رواه جماعة عن بقية فأدخلوا بين عياش وشداد رجلًا، وفي رواية الإسماعيلي ومن وافقه: عن عياش عمن حدثه عن شداد".
قلت: فعلى هذا فلا تثبت صحبة شداد، ولا يصح حديثه، والله أعلم.
٦ - حديث ابن عمر:
روى يحيى بن سعيد بن سالم القداح: ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ قال: "إنا معاشر الأنبياء أمرنا بثلاث: بتعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة".
أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٠٤)، والطبراني في الصغير (١/ ١٧٦/ ٢٧٩)، وفي الأوسط (٣/ ٢٣٨/ ٣٠٢٩)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٣٤٥)، والبيهقي (٢/ ٢٩)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ٢٠٨٦/ ١٧٦٦).
قال العقيلي في يحيى بن سعيد هذا: "في حديثه مناكير"، ثم قال بعد أن أخرج هذا الحديث في ترجمته: "وهذا يروى بأصلح من هذا الإسناد".
وقال الطبراني: "لم يروه عن نافع إلا عبد العزيز، ولا عنه إلا ابنه عبد المجيد، تفرد به: يحيى بن سعيد، [ولا يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه] ".
وقال ابن عدي بعد أن أنكر على عبد المجيد عدة أحاديث: "وحديث: "إنا معاشر الأنبياء" يرويه عبد المجيد عن أبيه عن نافع عن ابن عمر، وكل هذه الأحاديث: غير محفوظة، على أنه يتثبت في حديث ابن جريج، وله عن ابن جريج أحاديث غير محفوظة، وعامة ما أنكر عليه الإرجاء".
وقال البيهقي: "تفرد به عبد المجيد، وإنما يعرف بطلحة بن عمرو -وليس بالقوي- عن عطاء عن ابن عباس، ومرة: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
ولكن الصحيح: عن محمد بن أبان الأنصاري، عن عائشة ﵂، قالت: ثلاث من النبوة، فذكرهن من قولها".
وقال في المعرفة (٣/ ٣٨٦): "ولم يثبت إسناده مرفوعًا".
وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٥٥): "رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه يحيى بن سعيد بن سالم القداح، وهو ضعيف".
قلت: هو حديث منكر؛ عبد العزيز بن أبي رواد، وابنه عبد المجيد: صدوقان، لهما أوهام ومناكير، وما أنكروه على عبد المجيد أكثر، والمتفرد بهذا الحديث: يحيى بن سعيد بن سالم القداح: ليس بالقوي، في حديثه مناكير، وهذا منها، وهو قليل الرواية [الميزان (٤/ ٣٧٨)، اللسان (٨/ ٤٤٢)]، ومن الأئمة من عدَّ هذا الحديث في مناكير عبد المجيد، ومنهم من عدَّه في مناكير القداح، كما هو ظاهر من أقوالهم.
وله علة أخرى؛ فقد قال البخاري في الكنى من التاريخ الكبير (٣١): قال أبو عاصم، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن أبيه؛ أن ابن عمر مرَّ به، وقد وضع يديه؛
стр. 3748
أحدهما على الأخرى، فضرب يديه، وقال: أظن أنه وضع شماله على يمينه.
وعلقه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٣٧٢).
وأبو عاصم هو النبيل، الضحاك بن مخلد: ثقة ثبت، وقوله أولى بالصواب، وأبو رواد: لا يُعرف [كنى البخاري (٣١)، الجرح والتعديل (٩/ ٣٧٢)، الثقات (٥/ ٤١٧)، فتح الباب (٢٨٨٧)، الاستغناء (٢/ ١١٩٤/ ١٦٤٧)، الإكمال لابن ماكولا (٤/ ١٠٥)]، والله أعلم.
٧ - حديث عائشة:
رواه سعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، وحجاج بن منهال، وشجاع بن مخلد [وهم ثقات]، عن هشيم:
قال سعيد: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا منصور بن زاذان، عن محمد بن أبان الأنصاري، عن عائشة ﵂، قالت: ثلاث من [عمل] النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع [اليد] اليمنى على اليسرى في الصلاة.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٢)، وابن المنذر (٣/ ٩٢/ ١٢٨٧)، والدارقطني (١/ ٢٨٤)، وابن بشران في الأمالي (١٣٣٩)، والبيهقي (٢/ ٢٩)، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٥١) و (٢٠/ ٨٠)، وفي الاستذكار (٢/ ٢٩٢)، وعلقه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١٩٨).
وخالفهم في متنه: عمرو بن عون [ثقة ثبت]، فرواه عن هشيم، عن منصور، عن محمد بن أبان، عن عائشة، قالت: أربع من السُّنَّة: تعجبل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع الرجل اليسرى في التشهد، ونصب اليمنى.
أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٥٠).
قلت: رواية الجماعة أولى بالصواب، وانظر: سؤالات البرذعي (٤٧٥ - ٤٧٦).
قال البخاري: "ولا نعرف لمحمد سماعًا من عائشة".
وقال البيهقي (٤/ ٢٣٨): "وروي عن عائشة ﵂ من قولها: ثلاثة من النبوة، فذكرهن، وهو أصح ما ورد فيه".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٥٠): "منصور هذا هو: منصور بن زاذان، ومحمد بن أبان هذا هو: محمد بن أبان الأنصاري المديني؛ إلا أني أظن أنه لم يدرك عائشة، وأخشى أن يكون محمد بن أبان الذي يروي عن القاسم عن عائشة عن النبي ﷺ : "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه"، وقد جعلهما العقيلي رجلين، وكذلك جعلهما أبو حاتم رجلين"، إلى أن قال: "فسقط هذا الحديث أن يحتج به في هذا الباب؛ للاختلاف في متنه ومعناه" [وانظر: التمهيد (٦/ ٩٥)].
قلت: نعم قد فرَّق بينهما البخاري وأبو حاتم والعقيلي والذهبي وابن حجر، وهو الصواب، قال ابن حجر في اللسان: "والصواب أن الراوي عن عائشة، غير الراوي عن
стр. 3749
القاسم عن عائشة، والله أعلم" [التاريخ الكبير (١/ ٣٢)، الجرح والتعديل (٧/ ١٩٨ و ١٩٩)، الميزان (٣/ ٤٥٤)، اللسان (٦/ ٤٩١)]، وجعلهما ابن حبان رجلًا واحدًا، حيث قال في الثقات (٧/ ٣٩٢): "محمد بن أبان الأنصاري: من أهل المدينة، يروي عن القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، روى عنه يحيى بن أبي كثير، ومنصور بن المعتمر "كذا"، ومن زعم أنه سمع من عائشة فقد وهِم، وليس هذا بمحمد بن أبان الجعفي، ذلك من أهل الكوفة؛ ضعيف، وهذا مدني ثبت".
وأما الذي سئل عنه ابن معين فقال: "لا أدري" [تاريخ الدوري (٤/ ٣٣٢/ ٤٦٥٢)]، فهو الذي روى عنه يحيى بن أبي كثير، وهو غير هذا.
قال النووي في المجموع (٣/ ٢٥٩): "محمد هذا: مجهول، قال البخاري: لا يُعرف له سماع من عائشة".
قلت: نعم هو مجهول، لا يُعرف إلا بهذا الإسناد وهذا الحديث، ولا يُعرف له سماع من عائشة، لكنه لم يأت فيه بما يُنكر، فالإسناد ضعيف؛ وهو صالح في الشواهد، والله أعلم.
٨ - حديث أبي هريرة:
رواه النضر بن إسماعيل، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "أُمِرنا معاشر الأنبياء أن نعجِّلَ إفطارنا، ونؤخِّرَ سحورنا، ونضرِبَ بأيماننا على شمائلنا في الصلاة".
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٨٤)، ومن طريقه: ابن الجوزي في التحقيق (٤٣٧).
وهذا إسناد ضعيف؛ ابن أبي ليلى: سيئ الحفظ جدًّا، والنضر بن إسماعيل البجلي: ليس بالقوي، عنده مناكير، ولعل هذا منها، وضعفه البيهقي (٤/ ٢٣٨).
• ورواه محمد بن المطلب [مجهول. ذيل الميزان (٦٦٦)، اللسان (٧/ ٥٠٩)]، ومحمد بن عبد الملك أبو إسماعيل الواسطي [ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يعتبر حديثه إذا بيَّن السماع في خبره، في روايته، فإنه كان مدلِّسًا، يخطئ"، قلت، وقد بيَّن السماع في روايته. التاريخ الكبير (١/ ١٦٤)، الثقات (٩/ ٤٩)، التهذيب (٣/ ٦٣٥)، طبقات المدلسين (٩٧)]:
عن أبان بن بشير المعلم، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من النبوة: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة".
أخرجه بحشل في تاريخ واسط (٩٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٨٠)، وفي الاستذكار (٢/ ٢٩٢).
وهذا حديث منكر؛ ليس هو من حديث يحيى بن أبي كثير، ولا من حديث أبي سلمة، تفرد به أبان بن بشير المكتب، وهو مجهول، وله أوهام [التاريخ الكبير (١/ ٤٥٣)،
стр. 3750
الجرح والتعديل (٢/ ٢٩٩)، الثقات (٦/ ٦٨)، علل الدارقطني (٧/ ٥٦/ ١٢٠٨)، اللسان (١/ ٢٢٠)].
٩ - حديث ابن عباس:
رواه طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "إنا معاشر الأنبياء أُمِرنا أن نؤخِّر السحور، ونعجِّل الأفطار، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في الصلاة".
أخرجه الطيالسي (٤/ ٣٧٧/ ٢٧٧٦)، وعبد بن حميد (٦٢٤)، وابن منيع (٤/ ٩٩/ ٤٨٦ - مطالب) و (٦/ ١٢٣/ ١٠٦١ - مطالب)، والسهمي في تاريخ جرجان (١٤٦)، والدارقطني (١/ ٢٨٤)، وأبو محمد الخلال في المجالس العشرة (٣٦)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٣٨)، وفي فضائل الأوقات (١٣٩)، وابن الجوزي في التحقيق (٤٣٦).
ورواه طلحة مرة، عن عطاء، عن النبي ﷺ ، مرسلًا.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٨٥).
قال البيهقي: "هذا حديث يعرف بطلحة بن عمرو المكي، وهو ضعيف، واختلف عليه؛ فقيل عنه هكذا، وقيل عنه عن عطاء عن أبي هريرة، وروي من وجه آخر ضعيف عن أبي هريرة، ومن وجه ضعيف عن ابن عمر، وروي عن عائشة ﵂ من قولها: ثلاثة من النبوة، فذكرهن، وهو أصح ما ورد فيه".
حكاه النووي في المجموع (٦/ ٣٨١)، وأقره.
وقال ابن حجر في المطالب (٤/ ٩٩): "غريب، تفرد به طلحة بن عمرو المكي، وفيه ضعف".
قلت: هو حديث منكر؛ طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي: متروك، قال ابن عدي: "عامة ما يرويه لا يُتابع عليه" [التهذيب (٢/ ٢٤٢)].
• فإن قيل: قد رواه ثقة ثبت عن عطاء بن أبي رباح:
فقد روى حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، أنه سمع عطاء بن أبي رباح، يحدث عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إنا معشر الأنبياء أُمِرنا أن نؤخِّر سحورَنا، ونعجِّل فِطرَنا، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا".
أخرجه ابن حبان في صحيحه (٥/ ٦٧/ ١٧٧٠)، وفي وصف الصلاة بالسُّنَّة (٧/ ٤٠٨/ ٨٠٧٨ - الإتحاف)، والطبراني في الكبير (١١/ ١٥٩/ ١١٤٨٥)، وفي الأوسط (٢/ ٢٤٧/ ١٨٨٤)، والضياء في المختارة (١١/ ٢٠٩/ ٢٠٠ و ٢٠١).
قال ابن حبان: "سمع هذا الخبر: ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، وطلحة بن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح".
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن الحارث إلا ابن وهب، تفرد به: حرملة بن يحيى".
следующие страницы →