Полный текст (16 465 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.
стр. 4831
قيسارية، وراق الفريابي: قال ابن أبي حاتم: "صدوق"، وله غرائب عن الفريابي عن الثوري [الجرح والتعديل (٤/ ٥٣)، علل الحديث (١٩)، الثقات لابن قطلوبغا (٤/ ٤٩٩/ ٤٤٧٧)]، وعبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم [ضعيف، حدث عن الفريابي بالبواطيل. اللسان (٤/ ٥٦٢)].
• وقد اختلف فيه على ابن أبي ليلى:
فرواه عنه الجماعة به هكذا.
ورواه وكيع بن الجراح [وهو: ثقة حافظ]، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن شيخ يقال له: هلال، عن حذيفة، قال: سألت النبي ﷺ عن كل شيء حتى عن مسح الحصي؟ فقال: "واحدةً، أو دع".
أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٥ و ٤٠٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٧٦/ ٧٨٢٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٢٦٥).
والرواية الأولى: أشبه بالصواب، والثانية: أُتي فيها ابن أبي ليلى من سوء حفظه، والله أعلم، وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الاختلاف، فقال: "ابن أبي ليلى في حديثه مثل هذا كثير، هذا من ابن أبي ليلى، مرةً يقول كذا، ومرةً يقول كذا، وقد تابع يزيدَ بنَ عطاء الثوريُّ في روايته، عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن أبيه عن أبي ذر، وهو أشبه". [العلل (١/ ٩٨/ ٢٦٣)].
ب- ورواه سفيان بن عيينة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ نحوه.
أخرجه الطيالسى (٤٧٢).
ج- ورواه ابن عيينة أيضًا، عن ابن أبي نجيح، قال: قال مجاهد: قال أبو ذر: سألت خليلي عن كل شيء حتى مسح الحصى؟ قال: "واحدة".
أخرجه الطيالسي (٤٧٢)، وعبد الرزاق (٢/ ٤٠/ ٢٤٠٤).
• وثمة اختلاف آخر على مجاهد فيه، إلا أنه رواه عنه أحد الضعفاء:
رواه ليث بن أبي سليم [ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه]، عن مجاهد، عن أبي هريرة؛ أنه كان يرخِّص في تسوية الحصى في الصلاة مرةً واحدةً، قال: وإن لم يفعل فهو أحبُّ إليَّ.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٧/ ٧٨٣٢)، هكذا موقوفًا على أبي هريرة.
والحديث قد ذكره الدارقطني في العلل (٦/ ٢٥٠/ ١١١١)، فقال: "يرويه ابن عيينة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن أبي ذر، وخالفه: ابن أبي نجيح فرواه عن مجاهد عن أبي ذر مرسلًا، وحديث الأعمش أصح".
قلت: هذه الروايات الثلاث كلها معلولة، وأشدها إعلالًا الأخيرة، فإن مجاهدًا لم يسمع من أبي ذر، وحديثه عنه مرسل، قاله أبو حاتم [المراسيل (٧٥٨)، تحفة
стр. 4832
التحصيل (٢٩٤)]، وعبد الله بن أبي نجيح: سمع من مجاهد [التاريخ الكبير (٥/ ٢٣٣)]، وإنما أرسل عنه التفسير، أخذه عن القاسم بن أبي بزة [التهذيب (٢/ ٤٤٤)]، لكن قوله هنا: "قال مجاهد"، يشعر بعدم سماعه من مجاهد، وابن أبي نجيح: مكي ثقة، إلا أن الأعمش أحفظ منه وأوسع منه رواية، وقد زاد في الإسناد رجلًا، وهي زيادة من ثقة حافظ فتقبل.
إلا أن الأعمش لم يصرح بسماعه من مجاهد، وقد تقدم الكلام على سماع الأعمش من مجاهد عند الحديث رقم (٤٨٩)، والضابط فيه: أن نقبل ما صرح فيه الأعمش بالسماع من مجاهد -من طريق صحيح ثابت عنه-، وطرح ما سوى ذلك؛ فغنه مما دلسه ولم يسمعه من مجاهد؛ فإنه لا يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، لا يثبت منها إلا ما قال فيها: "سمعت"، فهو قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يرويه عن مجاهد: مدلَّس عن الضعفاء والمتروكين.
وهذا الحديث مما لم يصرح فيه الأعمش بالسماع، فهو مدلَّس عن الضعفاء، كما قال الأئمة، ولا يُقبل من حديثه عن مجاهد إلا ما قال فيه: سمعت، وعليه: فلا يثبت مثله؛ لاحتمال أن يكون الأعمش دلسه عن مثل: الحسن بن عمارة وحكيم بن جبير، وقد تفرد به عن الأعمش: سفيان بن عيينة، ولم يكن من أصحاب الأعمش المكثرين عنه، وهو من صغار من روى عنه من الثقات، والله أعلم.
ومع ذلك فإن رواية الأعمش هذه قد توبع عليها، مما يشهد بأن لها أصلًا، لكن لا أستطيع القول بأن رواية الأعمش تعضد رواية ابن أبي ليلى بحيث تصير من قبيل الحسن لغيره، وذلك بسبب سوء حفظ ابن أبي ليلى، وكثرة أوهامه وأغلاطه وتخليطه واضطرابه، ورواية وكيع أمارة على ذلك، إضافة إلى احتمال كون الأعمش أخذه عن أحد المتروكين الذين لا يعتبر بحديثهم، فتصبح رواية ابن أبي ليلى بلا متابع، والله أعلم.
أضف إلى ذلك: أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لا يُعرف له سماع من أبي ذر، واختلف في سماعه من عثمان بن عفان، فنفاه ابن معين [في رواية يعقوب بن شيبة عنه]، فقال: "عبد الرحمن بن أبي ليلى: لم يسمع من عمر، ولا من عثمان، وقد سمع من علي" [تاريخ دمشق (٣٦/ ٨٨)]، وأثبته البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٣٦٨)؛ فإن قيل: المثبت مقدم على النافي لما معه من زيادة علم، فيقال: اختلافهم في سماعه من عثمان يقوي القول بعدم سماعه من أبي ذر، لعدم وجود دلائل قوية على هذا السماع؛ فإن ابن أبي ليلى كان له من العمر عند وفاة أبي ذر: قرابة خمسة عشر عامًا، فقد توفي أبو ذر سنة (٣٢ هـ) في خلافة عثمان، فإن قيل: لكن ذلك معارض بما روي عن ابن خراش أنه قال: "سمع من أبي ذر، وما أظنه سمع من معاذ شيئًا" [تاريخ دمشق (٣٦/ ٨٨)]، فيقال: ابن خراش رافضي متكلم في ضبطه وعدالته، ألف في الطعن علي الشيخين، ووصل مراسيل، ورفع
стр. 4833
موقوفات، فهو مبتدعٍ داعية إلى بدعته، قال فيه الذهبي: "هذا مُعَثَّر مخذول، كان علمه وبالًا، وسعيه ضلالًا، نعوذ بالله من الشقاء"، وقال أيضًا: "كان حافظ زمانه، وله الرحلة الواسعة، والاطلاع الكثير والإحاطة، وبعد هذا فما انتفع بعلمه، فلا عتب على حمير الرافضة، … " [انظر: تاريخ بغداد (١١/ ٥٧١ - ط. الغرب)، تاريخ دمشق (٣٦/ ١٠٧)، السير (١٣/ ٥٠٨)، الميزان (٢/ ٦٠٠)، اللسان (٥/ ١٤٩)].
• هذا ما ظهر لي من علل في هذين الطريقين، فهل يقوي أحدهما الآخر حتى يعل بهما حديث أبي الأحوص عن أبي ذر؟
الجواب: لا؛ فإن جهالة أبي الأحوص، والتي يخاف منها ألا يكون ضبط هذا الحديث وحفظه، هذه الجهالة المخوفة من جهة الضبط قد جبرها أمور:
منها: استماع ابن المسيب لحديثه، مع عدم إنكاره عليه.
ومنها: رواية الزهري عنه، ورضاه به وثناؤه عليه.
ومنها: تصحيح جماعة من الأئمة لحديثه هذا، واحتجاجهم به.
ومنها: أن إسناده مدني، بخلاف الإسنادين الآخرين فإنهما كوفيان في الأغلب، والحديث الذي عُرف في بلده أولى من الحديث الذي لم يُعرف إلا خارجها.
ومنها: أن أبا الأحوص من موالي بني كفار، فهو أقرب إلى أبي ذر من جهة القبيلة، فأبو ذر غفاري بالنسب، وذاك غفاري بالولاء، فهو أقرب لحفظ حديثه من الغرباء.
• وبناء على ما تقدم؛ فإن حديث أبي الأحوص عن أبي ذر قد صح فيه مطلق النهي عن مسح الحصى في الصلاة والمنع من ذلك، لا سيما وفيه معنى زائد وهو النهي عن تحريك الحصى المشعر بنوع من العبث، المنافي للخشوع، ثم جاء حديث معيقيب بالرخصة مرةً واحدةً للحاجة.
قال أبو بكر الأثرم في الناسخ (١٣٠): "وأثبت ما في ذلك حديثان: حديث أبي ذر في الكراهة، وحديث معيقيب في الرخصة، ونرى أن الرخصة بعد الكراهية".
وذهب ابن خزيمة إلى أن حديث أبي الأحوص عن أبي ذر مجمل، وحديث معيقيب وحديث ابن أبي ليلى عن أبي ذر مفسران لما أجمل في حديث أبي الأحوص، فترجم لهما ابن خزيمة بقوله: "باب ذكر الخبر المفسر للفظة المجملة التي ذكرتها؛ [يعني: من حديث أبي الأحوص]، والدليل على أن النبي ﷺ قد أباح مسح الحصى في الصلاة مرةً".
• وقد روي ذلك عن أبي ذر من طرق أخرى موقوفًا، وفي أسانيدها مقال:
أخرجها الطيالسي (٤٧١)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٨ - ٤٠/ ٢٤٠٠ - ٢٤٠٢ و ٢٤٥٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٧٨٢٨/١٧٦)، وابن المنذر (٣/ ٢٥٩/ ١٦١٣)، والبيهقي (٢/ ٢٨٥).
***
стр. 4834
٩٤٦ - قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن معيقيب؛ أن النبي ﷺ قال: "لا تمسحْ وأنت تصلي، فإن كنتَ لا بُدَّ فاعلًا فواحدةً، تسويةَ الحصى".
• حديث شاذ بهذا اللفظ، وأصله متفق عليه.
أخرجه من طريق أبي داود: ابن حزم في المحلى (٣/ ٩٥ - ٩٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١١٦).
• هكذا رواه عن هشام الدستوائي: مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي، وهو: ثقة مأمون، وقد اختلف عليه:
أ- فرواه أبو داود سليمان بن الأشعث [ثقة حافظ، إمام مصنف، صاحب السنن]، وإبراهيم بن عبد الله بن مسلم أبو مسلم الكجي [ثقة حافظ. الإرشاد (٢/ ٥٢٩)، تاريخ بغداد (٧/ ٣٦ - ط. الغرب)، السير (١٣/ ٤٢٣)، الثقات لابن قطلوبغا (٢/ ٢٠٦)]، ومحمد بن إسحاق الصغاني [ثقة ثبت]، ويوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي القاضي [ثقة حافظ. تاريخ بغداد (١٤/ ٣١٠)، الإرشاد (٢/ ٦٠٨)، السير (١٤/ ٨٥)، التذكرة (٢/ ٦٦٠)]:
قالوا: حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن معيقيب به هكذا مرفوعًا بهذا اللفظ.
أخرجه أبو داود (٩٤٦)، وأبو عوانة (١/ ٥٠٧/ ١٨٩٦)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٤٩/ ١٢٠١)، وابن قانع في المعجم (٣/ ١٢٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٥١/ ٨٢٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٥٨٩/ ٦٢٣٨) مختصرًا. والبيهقي (٢/ ٢٨٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١١٦).
ب- خالفهم في إسناده ومتنه:
محمد بن خزيمة [ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "مستقيم الحديث"، ووثقه مسلمة بن قاسم، وابن يونس. الثقات (٩/ ١٣٣)، المقفى الكبير (٥/ ٦٢٣)، الثقات لابن قطلوبغا (٨/ ٢٦٧)، تاريخ ابن يونس (٢/ ٢٠٣)]، فقال: ثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي، قال: ثنا أبان بن يزيد، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب؛ أنه سأل النبي ﷺ عن المسح؟ فقال: "إن كان لا بُدّ فاعلًا فواحدةً".
أخرجه الطحاوي في المشكل (٤/ ٦٤/ ١٤٣٢).
ورواية الجماعة هي الصواب؛ إلا أنه قد دخلها الوهم، فلا أدري ممن هو؟ فقد رواه جماعة من الحفاظ عن هشام الدستوائي بمثل رواية الجماعة عن يحيى بن أبي كثير بغير سياق الفراهيدي:
стр. 4835
• رواه عن هشام الدستوائي: يحيى بن سعيد القطان، وخالد بن الحارث، ووكيع بن الجراح، وإسماعيل بن علية [وهم: ثقات حفاظ أثبات]، ووهب بن جرير، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف [وهما: ثقتان].
وفي رواية وهب بن جرير ويحيى القطان ووكيع وخالد: أن رسول الله ﷺ قيل له: في المسح في المسجد؟ [يعني: الحصى]، قال: "إن كنتَ لا بدَّ فاعلًا فواحدةً"، قال هشام: أُراه قال: يعني: مسح الحصا، واللفظ لوهب وهو أتم، وما بين المعكوفين للقطان ووكيع.
أخرجه مسلم (٥٤٦/ ٤٧ و ٤٨)، وأبو عوانة (١/ ٥٠٧/ ١٨٩٥)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٤٩/ ١٢٠٠ و ١٢٠١)، والدارمي (١/ ٣٧٤/ ١٣٨٧)، وابن خزيمة (٢/ ٥١ و ٥٢/ ٨٩٥ و ٨٩٦)، وابن الجارود (٢١٨)، وأحمد (٣/ ٤٢٦) و (٥/ ٤٢٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٧٦/ ٧٨٢٦)، وفي المسند (٧٢٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٢٣٨/ ٣١٠)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٦٣ - ٦٤/ ١٤٣١).
• ورواه حماد بن مسعدة [ثقة]، وأبو داود الطيالسي [ثقة حافظ]: عن هشام الدستوائي به مختصرًا، قال حماد في حديثه: أن النبي ﷺ قال في تسوية الحصا: "واحدةً، أو دع"، وقال الطيالسي: سألت النبي ﷺ عن مسح الحصاة؟ فقال لي: "مرةً، أو دَع".
أخرجه أبو عوانة (١/ ٥٠٩/ ١٨٩٤)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (/ ٢/ ١٤٩ ١٢٠٠)، والطيالسي (٢/ ٥٠٩/ ١٢٨٣).
وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي: ثقة ثبت، وهو أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير.
• ورواه شيبان بن عبد الرحمن النحوي [ثقة، صاحب كتاب، من أثبت أصحاب يحيى]، عن يحيى، عن أبي سلمة، قال: حدثني معيقيب؛ أن النبي ﷺ قال في الرجل يسوِّي الترابَ حيث يسجد، قال: "إن كنت فاعلًا فواحدةً".
أخرجه البخاري (١٢٠٧)، ومسلم (٥٤٦/ ٤٩)، وأبو عوانة (١/ ٥٠٧/ ١٨٩٨)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٥٠/ ١٢٠٢)، وأحمد (٣/ ٤٢٦) و (٥/ ٤٢٦)، وابن أبي شيبة في المسند (٧٢٦)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٥١/ ٨٢٥)، والبيهقي (٢/ ٢٨٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ١٥٩/ ٦٦٤)، وقال: "هذا حديث صحيح".
• ورواه أبان بن يزيد العطار [ثقة]، وهمام بن يحيى [ثقة]، وحرب بن شداد [ثقة] [وثلاثتهم من أصحاب يحيى بن أبي كثير]:
عن يحيى، عن أبي سلمة، عن معيقيب؛ أنه سأل رسول الله ﷺ عن المسح؟ قال: "مرةً واحدةً"؛ يعني: الحصا، لفظ أبان، وفي روايةٍ لهمام: "واحدةً، وإلا فذر"، ولفظ حرب: "إن كنتَ فاعلًا فواحدةً".
أخرجه ابن قانع في المعجم (٣/ ١٢٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٨٢٧/ ٣٥١ و ٨٢٨).
стр. 4836
• ورواه الأوزاعي [ثقة فقيه إمام]: حدثني يحيى بن أبي كثير: حدثني أبو سلمة، قال: حدثني معيقيب، قال: قال رسول الله ﷺ في مسح الحصى في الصلاة [وفي رواية: سألت رسول الله ﷺ عن مسح الحصى في الصلاة؟ فقال]: "إن كنتَ [لا بدَّ] فاعلًا فمرةً واحدةً".
أخرجه الترمذي (٣٨٠)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٧/ ١١٩٢)، وفي الكبرى (١/ ٢٨٨/ ٥٣٨) و (٢/ ٣٥/ ١١١٦)، وابن ماجه (١٠٢٦)، وأبو عوانة (١/ ٥٠٧/ ١٨٩٧)، وابن حبان (٦/ ٥١/ ٢٢٧٥)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٦٠/ ١٦١٨)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٦٣/ ١٤٣٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٥٠/ ٨٢٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ١١٧).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وانظر فيمن وهم فيه على الأوزاعي: علل الدارقطني (١٤/ ٤٧/ ٣٤١١).
• وقد وهم فيه معمر بن راشد فأرسله:
رواه معمر [ثقة ثبت في الزهري وابن طاووس]، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن رسول الله ﷺ قيل له في مسح الحصى في الصلاة؟ فقال: "إن كنتَ فاعلًا فواحدةً".
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٤٠/ ٢٤٠٦).
وانظر في الغرائب: أطراف الغرائب والأفراد (٢/ ١٤٤/ ٤٤١٠).
• ورواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة: حدثني أبي [أو قال: وجدت في كتاب أبي]، عن مستلم بن سعيد، عن منصور بن زاذان، عن أبي سلمة، عن معيقيب بن أبي فاطمة، قال: سألت رسول الله ﷺ : أيسوِّي الرجلُ الحصى وهو يصلي؟ قال: "إن كان لا بد فمرةً واحدةً".
أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٣٢/ ٥٤٦٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٥٨٩/ ٦٢٣٩).
قال الطبراني بعد أن روى أحاديث بهذا الإسناد: "لم يرو هذه الأحاديث عن منصور بن زاذان إلا مستلم بن سعيد، تفرد بها: محمد بن أبي شيبة".
قلت: رجاله ثقات، وهو من غرائب محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وهو: حافظ صدوق، له غرائب.
• وللحديث شواهد، منها:
١ - حديث جابر بن عبد الله:
يرويه ابن أبي ذئب [ثقة فقيه]، وأبو أويس [عبد الله بن عبد الله بن أويس: ليس به بأس، لينه بعضهم]:
عن شرحبيل بن سعد، عن جابر، قال: سألت النبي ﷺ عن مسح الحصى في
стр. 4837
الصلاة، فقال: "واحدةً، ولو تمسك عنها خيرٌ لك من مائة ناقة كلها سود الحدق"، زاد في رواية لابن أبي ذئب، وأبي أويس: "فإن غلب أحدَكم الشيطانُ فليمسح مسحةً واحدةً".
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٨٩٧/٥٢)، وعنه: ابن حبان في وصف الصلاة بالسُّنَّة (٣/ ١٥١/ ٢٧١٣ - إتحاف المهرة)، وأحمد (٣/ ٣٠٠ و ٣٢٨ و ٣٨٤ و ٣٩٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٧٦/ ٧٨٢٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٦٠/ ١٦١٩)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٤٣٣/ ١٦٤).
وهذا حديث ضعيف، شرحبيل بن سعد: ضعيف، وقد سمع جابرًا [التهذيب (٢/ ١٥٧)، التاريخ الكبير (٤/ ٢٥١)، الجرح والتعديل (٤/ ٣٣٨)].
وانظر له وجهًا آخر عن شرحبيل بن سعد: عند ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٦/ ٧٨٢١).
٢ - حديث حذيفة:
يرويه وكيع، قال: ثنا ابن أُبي ليلى، عن شيخ يقال له: هلال، عن حذيفة، قال: سألت النبي ﷺ عن كل شيء حتى عن مسح الحصى؟ فقال: "واحدةً، أو دع".
أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٥ و ٤٠٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٧٦/ ٧٨٢٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٢٦٥).
وهذه الرواية غير محفوظة؛ أتي فيها ابن أبي ليلى من سوء حفظه، والله أعلم، وقد سبق الكلام عليها تحت الحديث السابق برقم (٩٤٥).
• وروى أبو أسامة، عن ابن عون، عن محمد، قال: قال حذيفة: هكذا، واحدةً أو دع، وبيده مسح الأرض. قال أبو أسامة: يعني: تسوية الحصى، أو: شيء في موضع سجوده.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٧/ ٧٨٦٣).
وهذا موقوف على حذيفة بإسناد منقطع، ورجاله ثقات، محمد بن سيرين روايته عن حذيفة مرسلة؛ فإنه لم يدركه، وبين وفاتيهما قرابة (٧٤) عامًا، ومات ابن سيرين وهو ابن (٧٧) عامًا، وقد ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وتوفي حذيفة في أول خلافة علي سنة (٣٦ هـ)، فكان ابن سيرين وقتئذ ابن ثلاث سنين على الأكثر [طبقات ابن سعد (٧/ ١٩٣)، التاريخ الأوسط (١/ ٢٦٠/ ١٢٦٤)، الثقات (٥/ ٣٤٩)، تحفة التحصيل (٢٧٨)، التهذيب (٣/ ٥٨٦)].
٣ - حديث علي بن أبي طالب:
روي من طرق كثيرة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا علي! إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقرأ وأنت راكع، ولا وأنت ساجد، ولا تصلِّ وأنت عاقص شعرك؛ فإنه كفل الشيطان، ولا تقْع بين السجدتين، ولا تعبث بالحصى [في الصلاة]، [ولا تفقع أصابعك وأنت في الصلاة]، ولَا تفترش ذراعيك، ولا تفتح على الإمام، ولا تتختم بالدهب، ولا تلبس القسي، [ولا المعصفر]، ولا تركب على المياثر [الحمر؛ فإنها مراكب الشيطان] ".
стр. 4838
وقد تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٦٤٧)، وهو حديث ضعيف، واختلف في رفعه ووقفه، ووقفه أصح.
وانظر في الغرائب: فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٩٢).
• وأما ما يحتج به في هذا الباب: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه:
فقد رواه صالح بن محمد، قال: حدثنا سليمان بن عمرو، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه".
أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٤/ ٨/ ٨٢٤) و (٥/ ٥٠٤/ ١٣٠٥) و (٧/ ١٥٧/ ١٦٢٠).
قلت: هو حديث باطل موضوع؛ شيخ الحكيم الترمذي هو: صالح بن محمد الترمذي، وهو: متهم ساقط [اللسان (٤/ ٢٩٦)، المجروحين (١/ ٣٧٠)، مسند الشهاب (٣٩ و ٣٩٩)، جامع بيان العلم (١/ ١٢٩)]، وشيخه هو: أبو داود النخعي الكذاب، وقد جاء منسوبًا في بعض الأسانيد التي يرويها صالح بن محمد عنه [كما في أحد المصادر السابق ذكرها]، وأبو داود النخعي هذا: مشهور بالكذب ووضع الحديث، حتى قال ابن عدي: "اجتمعوا على أنه يضع الحديث" [اللسان (٤/ ١٦٣)، الكامل (٣/ ٢٤٩)]، ثم هو قد تفرد هنا بإسناد مدني شهير، فأين أصحاب محمد بن عجلان المدنيون والغرباء عن هذا الحديث؟.
• وإنما يروى هذا الكلام موقوفًا أو مقطوعًا، ولا يصح أيضًا:
أ- فقد روى الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، قال: رأى حذيفة بن اليمان رجلًا يصلي يعبث بلحيته، فقال: لو خشع قلب هذا سكنت جوارحه.
أخرجه ابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٥٠).
وهذا إسناد رجاله ثقات؛ لكنه معضل، فإن ثور بن يزيد ولد على أقل تقدير سنة (٨٠ هـ)؛ يعني: بعد وفاة حذيفة بنحو (٤٤) سنة على الأقل، والله أعلم.
ب- وروى عبد الله بن المبارك [ثقة حجة، إمام فقيه، أثبت الناس في معمر]، وإسماعيل بن علية [ثقة ثبت]:
قال ابن المبارك: أخبرنا معمر، عن رجل، عن سعيد بن المسيب؛ أنه رأى رجلًا عبث في صلاته، فقال: لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه.
وفي رواية ابن علية: عن رجل، قال: رأى سعيد بن المسيب رجلًا وهو يعبث بلحيته في الصلاة، وقال: جوانحه، بدل: جوارحه.
أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٨٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٦٧٨٧/٨٦)، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٥١).
• ورواه عبد الرزاق [ثقة حافظ، من أثبت الناس في معمر، وهو راويته]، عن
стр. 4839
معمر، عن أبان، قال: رأى ابن المسيب رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: إنى لأرى هذا لو خشع قلبه خشعت جوارحه.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٦٦/ ٣٣٠٨).
وفي هذه الرواية عيَّن معمر الرجلَ المبهمَ الذي أبهمه في رواية ابن المبارك وابن علية، فسماه أبانًا، وهو: أبان بن أبي عياش، وهو: متروك، فسقط بذلك نسبة هذا القول إلى ابن المسيب أيضًا.
• ثم رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن رجل، قال: رآني ابن المسيب أعبث بالحصى في الصلاة، فقال: لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٢٦٦/ ٣٣٠٩).
ولا أظن هذا المبهم إلا أبانًا، فإن الثوري إذا لم يرتض الرجل أبهمه، والله أعلم.
• ورواه سعيد بن جبير [ليس بأس به]، قال: حدثنا محمد بن خالد [الضبي: ليس به بأس]، عن سعيد بن جبير، قال: نظر سعيد إلى رجل وهو قائم في الصلاة، قال: وهو يعبث بلحيته، فقال سعيد: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه.
أخرجه صالح بن أحمد في مسائله لأبيه (٧٤١).
قال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٧٢): "وروى سعيد بن خثيم عن محمد بن خالد الضبي عن سعيد بن جبير: منقطع".
وعليه: فلا يصح أيضًا عن سعيد بن جبير، والله أعلم.
• قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم".
قال ابن رجب في الفتح (٦/ ٣٩٠): "يعني: على كراهة مسح الحصى، والرخصة في المرة الواحدة منه".
واستحب ابن المنذر أن يمسح الحصى لموضع السجود قبل الدخول في الصلاة، ولا بأس إن مسحه مرة؛ لحديث معيقيب، وتركه أفضل [الأوسط (٣/ ٢٦٠)، الفتح لابن رجب (٦/ ٣٩٠)].
قال ابن عبد البر: "السُّنَّة في الصلاة أن لا يُعمِل جوارحه في غيرها، ومسح الحصباء ليس من الصلاة، فلا ينبغي أن يمسح ولا يعبث بشيء من جسده، ولا يأخذ شيئًا ولا يضعه، فإن فعل لم تنتقض بذلك صلاته، ولا سهو عليه".
وقال ابن حجر في الفتح (٣/ ٧٩): "التقييد بالحصى وبالتراب خرج للغالب؛ لكونه كان الموجود في فرش المساجد إذ ذاك، فلا يدل تعليق الحكم به على نفيه عن غيره مما يصلى عليه من الرمل والقذى وغير ذلك".
***
стр. 4840
١٧٦ - باب الرجل يصلي مختصرًا
٩٤٧ - . . . هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الاختصار في الصلاة.
قال أبو داود: يعني: يضع يده على خاصرته.
• حديث متفق على صحته.
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٩٠٣)، وهو حديث متفق عليه، أخرجه البخاري (١٢٢٠)، ومسلم (٥٤٥).
***
١٧٧ - باب الرجل يعتمد في الصلاة على عصا
٩٤٨ - . . . عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي: حدثنا أبي، عن شيبان، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن هلال بن يساف، قال: قدِمتُ الرَّقَّة، فقال لي بعض أصحابي: هل لك في رجل من أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: قلت: غنيمةٌ، فدُفِعنا إلى وابصة، قلت لصاحبي: نبدأ فننظر إلى دَلِّه، فإذا عليه قَلَنسُوَةٌ لاطِئةٌ ذاتُ أذنين، وبُرنُسُ خَزٍّ أغبرُ، وإذا هو معتمدٌ على عصًا في صلاته، فقلنا بعد أن سلَّمنا، فقال: حدثتني أم قيس بنت محصن؛ أن رسول الله ﷺ لما أسنَّ وحملَ اللحمَ، اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه.
• حديث صحيح.
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٦٧٠)، وهو حديث صحيح، وانظر للفائدة: الحديث رقم (٦٨٢).
فإن قيل: أليس في هذا الحديث نكارة؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة القاضية بأن النبي ﷺ كان يصلي قاعدًا حين كبر؟ [وسيأتي ذكرها مفصلة بعد باب، برقم (٩٥٠ - ٩٥٦)].
فيقال: كلٌّ قد حدَّث بما رأى وعلم، ولا يمنع أن يكون أكثر فعله ﷺ صلاته قاعدًا إن احتاج إلى ذلك، وأنه صلى مرة أو مرات معتمدًا على عصا فرأته أم قيس بنت محصن، فنقلت ذلك عنه، والله أعلم.
***
стр. 4841
١٧٨ - باب النهي عن الكلام في الصلاة
٩٤٩ - . . . إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شُبَيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم، قال: كان أحدُنا يكلِّمُ الرجلَ إلى جنبه في الصلاة، فنزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمِرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام.
• حديث متفق على صحته دون زيادة: ونهينا عن الكلام، فقد انفرد بها مسلم.
أخرجه البخاري في الصحيح (١٢٠٠ و ٤٥٣٤)، وفي القراءة خلف الإمام (٢٣١ و ٢٣١ م)، وفي التاريخ الكبير (٢/ ٢٧٠)، ومسلم (٥٣٩)، وأبو عوانة (١/ ٤٦٣/ -١٧١٨)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ١٣٨ - ١٣٩/ ١١٨٦)، والترمذي (٤٠٥ و ٢٩٨٦)، وقال: "حسن صحيح". وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٣٤٤/ ٣٨٨) [وتحرف عنده: هشيم إلى حسين]، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٨/ ١٢١٩)، وفي الكبرى (١/ ٢٩٨/ ٥٦٢) و (٢/ ٤٤/ ١١٤٣) و (١٠/ ٣٥/ ١٠٩٨١)، وابن خزيمة (٢/ ٣٤/ ٨٥٦ و ٨٥٧)، وابن حبان (٦/ ١٧/ ٢٢٤٥) و (٦/ ٢١/ ٢٢٤٦) و (٦/ ٢٧/ ٢٢٥٠)، وأحمد (٤/ ٣٦٨)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (٢/ ٥٧٣)، وفي الناسخ والمنسوخ (٢٢)، وسعيد بن منصور (٣/ ٩٢٣/ ٤٠٨)، وعبد بن حميد (٢٦٠)، وابن جرير الطبري في التفسير (٢/ ٥٧٠)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٩٧٦ - ٩٨١)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٢٩/ ١٥٦٥ و ١٥٦٦)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٧٠)، وفي المشكل (١٥/ ١٦٩/ ٥٩٢٧)، وفي أحكام القرآن (٣٩٨)، وابن أبي حاتم في التفسير (٢/ ٤٤٩/ ٢٣٧٧)، وأبو جعفر النحاس في معاني القرآن (١/ ٢٤١)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٩٣/ ٥٠٦٢ - ٥٠٦٤)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٦٩١)، وأبو عمرو الداني في البيان في عد آي القرآن (٢٥)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٤٨)، وفي المعرفة (٢/ ١٩٨/ ١١٧١ و ١١٧٢)، وفي القراءة خلف الامام (٢٨٤ و ٢٨٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٥٦)، وفي الاستذكار (١/ ٠٦ ٥) و (٢/ ١٩٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٢٣٣/ ٧٢٢)، وقال: "هذا حديث متفق على صحته". وفي التفسير (١/ ٣٢٥)، والحازمي في الاعتبار (٧٥).
رواه عن إسماعيل بن أبي خالد: هشيم بن بشير [واللفظ له]، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن نمير، ووكيع بن الجراح، وعيسى بن يونس، ومروان بن معاوية، ويزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد الطنافسي، وأخوه يعلى بن عبيد، وعبد الله بن المبارك، وابن أبي زائدة، وغيرهم.
ولفظ البخاري من طريق عيسى بن يونس ويحيى بن سعيد: إن كنا لنتكلَّم في الصلاة
стр. 4842
على عهد النبي ﷺ ، يكلِّم أحدُنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمِرنا بالسكوت.
ولفظ مسلم من طريق هشيم: كنا نتكلَّم في الصلاة، يكلِّم الرجلُ صاحبَه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأُمِرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام.
ولفظ هشيم عند الترمذي وأبي عبيد: كنا نتكلَّم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة، يكلِّم الرجلُ منا صاحبَه إلى جنبه، حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأُمِرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام.
ولفظ ابن المبارك عند النسائي (٥٦٢ و ١٠٩٨١)، وابن حبان (٢٢٤٥): كنا في عهد رسول الله ﷺ يكلِّم أحدُنا صاحبه في الصلاة في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمِرنا حينئذ بالسكوت.
• هكذا انفرد هشيم بن بشير بهذه الزيادة في آخره: ونهينا عن الكلام، ورواه عشرة من الثقات بدونها، ومع ذلك فإني أراها محفوظة؛ لأمور منها: احتجاج مسلم بها مع علمه بتفرد هشيم بها، ومنها: أن هشيم بن بشير: ثقة ثبت حافظ، وقد كان من أحفظ الخلق؛ حتى قدمه بعضهم على بعض كبار الحفاظ في زمانه، ومنها: أن هذه الزيادة هي في معنى الجملة التي قبلها: فأُمرنا بالسكوت، ففيها ذكر الضد المسكوت عنه، فلم تُضِف جديدًا سوى التأكيد، والله أعلم.
• وفي الباب مما جاء في نسخ الكلام في الصلاة:
١ - حديث ابن مسعود، وله طرق، منها:
أ- الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنا نُسلِّم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فيردُّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي، سلَّمنا عليه، فلم يردَّ علينا، وقال: "إن في الصلاة لشُغُلًا".
تقدم برقم (٩٢٣)، وهو حديث متفق على صحته.
ب- عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيردُّ علينا [إذا كنا بمكة] قبل أن نأتي أرض الحبشة، فلما رجعنا من عند النجاشي، أتيته وهو يصلي فسلمتُ عليه، فلم يردَّ عليَّ السلام، فأخذني ما قرُب وما بعُد، فجلست أنتظره، فلما قضى الصلاة، قلت: يا رسول الله! سلمتُ عليك وأنت تصلي فلم تردَّ عليَّ السلام، فقال: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وقد أحدث [من أمره] أن لا نتكلم في الصلاة".
تقدم برقم (٩٢٤)، وهو حديث صحيح.
ج- إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: خرجت في حاجةٍ، ونحن يسلِّم بعضنا على بعض في الصلاة، ثم رجعت فسلمت. فلم يرد علي وقال: "إن في الصلاة شغلًا".
стр. 4843
وإسناد صحيح، وقد تقدم تحت الحديث رقم (٩٢٤).
د- الزبير بن عدي، عن كلثوم بن المصطلق، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنت آتي النبي ﷺ وهو يصلي فأسلم عليه فيردَّ عليَّ، فأتيته فسلمتُ عليه وهو يصلي فلم يردَّ عليَّ، فلما سلم أشار إلى القوم، فقال: "إن الله -يعني:- أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله، وما ينبغي لكم [من تسبيح وتمجيد]، وأن تقوموا لله قانتين".
وإسناده صحيح، وقد تقدم تحت الحديث رقم (٩٢٤).
٢ - حديث معاومة بن الحكم السلمي:
رواه يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاويةَ بن الحكم السُّلَمي، قال: صليتُ مع رسول الله ﷺ ، فعطسى رجلٌ من القوم، فقلتُ: يرحمك الله، فرماني القومُ بأبصارِهم، فقلتُ: واثُكْلَ أُمِّياه! ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفتُ أنهم يُصَمِّتوني -قال عثمان: فلما رأيتهم يُسكِّتوني-، لكني سكتُّ، قال: فلما صلى رسول الله ﷺ بأبي وأمي- ما ضربني، ولا كَهَرني، ولا سبَّني، ثم قال: "إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيءٌ من كلام الناس هذا، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" أو كما قال رسول الله ﷺ الحديث.
تقدم برقم (٩٣٠)، وهو حديث صحيح.
• ولم أورد هنا حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين لكونه فيمن تكلم ساهيًا أو ظانًّا وقوع النسخ وقد تمت الصلاة.
وسوف نرجئ الكلام على من تكلم في الصلاة عامدًا أو جاهلًا أو ناسيًا، إلى موضعه من السنن، في باب السهو في السجدتين (١٠٠٨ - ١٠١٨)، إن شاء الله تعالى.
• وقد دل مجموع روايات حديث ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم وكلام جماعة من المحققين من العلماء: أن نسخ الكلام في الصلاة إنما كان بعد الهجرة إلى المدينة وقبل غزوة بدر، وهو وقت الرجوع الثاني لابن مسعود من الحبشة بعد أن كان قد هاجر إليها ثانية، والله أعلم.
• قال الطحاوي في شرح المعاني: "وصحبة زيد لرسول الله ﷺ إنما كانت بالمدينة؛ فقد ثبت بحديثه هذا أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة، بعد قدوم رسول الله ﷺ من مكة".
وقال الخطابي في أعلام الحديث (١/ ٤١٣): "نسخ الكلام في الصلاة إنما وقع بعد الهجرة بمدة يسيرة".
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٥٠٥): " … ، فالجواب أن ابن مسعود ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة في جماعة من هاجر إليها من الصحابة، وأنه من الجماعة المنصرفين من الحبشة إلى مكة حين بلغهم أن قريشًا دخلوا في الإسلام، وكان الخبر كاذبًا فأقبلوا إلى مكة في حين كون بني هاشم وبني المطلب في الشعب، ووجدوا قريشًا
стр. 4844
أشد ما كانوا على النبي ﷺ وأصحابه، ثم أمره رسول الله ﷺ فيمن أمر من أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فهاجر إلى المدينة، ثم شهد بدرًا مع من شهدها منهم".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذا يبين أن الكلام حرم عليهم لما رجعوا من عند النجاشي، وعبد الله بن مسعود شهد بدرًا مع النبي ﷺ بلا خلاف، وهو الذي أجهز على أبي جهل بن هشام، فهذا يقتضي أن تحريم الكلام قبل بدر، سواء كان ابن مسعود رجع من الحبشة إلى مكة ثم هاجر، أو قدم من الحبشة إلى المدينة بعد هجرة النبي ﷺ " [مجموع الفتاوى (٢١/ ١٤٨)].
لكن قال ابن حبان: "هذه اللفظة عن زيد بن أرقم: كنا في عهد النبي ﷺ يكلم أحدنا صاحبه في الصلاة، قد توهم عالمًا من الناس أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة؛ لأن زيد بن أرقم من الأنصار، وليس كذلك؛ لأن نسخ الكلام في الصلاة كان بمكة عند رجوع ابن مسعود وأصحابه من أرض الحبشة، ولخبر زيد بن أرقم معنيان؛ أحدهما: أنه المحتمل أن زيد بن أرقم حكى إسلام الأنصار قبل قدوم المصطفى ﷺ المدينة حيث كان مصعب بن عمير يعلمهم القرآن وأحكام الدين، وحينئذ كان الكلام مباحًا في الصلاة بمكة والمدينة سواء، فكان بالمدينة من أسلم من الأنصار قبل قدوم المصطفى ﷺ عليهم يكلم أحدهم صاحبه في الصلاة قبل نسخ الكلام فيها، فحكى زيد بن أرقم صلاتهم في تلك الأيام، لا أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة، والمعنى الثاني: أنه أراد بهذه اللفظة الأنصار وغيرهم الذين كانوا يفعلون ذلك قبل نسخ الكلام في الصلاة على ما يقول القائل في لغته: فقلنا: كذا، يريد به بعض القوم الذين فعلوا لا الكل".
ثم قال بعد ذلك في موضع آخر: "لأن نسخ الكلام في الصلاة كان بمكة عند رجوع ابن مسعود من أرض الحبشة، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين".
وقال أيضًا: "وذلك أن زيد بن أرقم كان من الأنصار الذين أسلموا بالمدينة، وصلوا بها قبل هجرة المصطفى ﷺ إليها، وكانوا يصلون بالمدينة كما يصلي المسلمون بمكة في إباحة الكلام في الصلاة لهم، فلما نسخ ذلك بمكة نسخ كذلك بالمدينة، فحكى زيد ما كانوا عليه، لا أن زيدًا حكى ما لم يشهده".
وقد تعقبه ابن رجب فقال في الفتح (٦/ ٣٦٥) عن الاحتمال الأول: "هذا ضعيف؛ لوجهين:
أحدهما: أن في رواية الترمذي: كنا نتكلم خلف النبي ﷺ في الصلاة، فدل على أنه حكى حالهم في صلاتهم خلف النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة.
والثاني: أنه ذكر أنهم لم يُنهَوْا عن الكلام حتى نزلت الآية، وهي إنما نزلت بعد الهجرة بالاتفاق، فعلم أن كلامهم استمر في الصلاة بالمدينة، حتى نزلت هذه الآية".
стр. 4845
وقال عن الاحتمال الثاني: "وهذا يرده قوله: حتى نزلت الآية؛ فإنه يصرح بأن كلامهم استمر إلى حين نزولها، وهي إنما نزلت بالمدينة".
• وهناك أقوال أخرى فيها تكلف ظاهر، فلا داعي لنقلها، وقد استدل بعضهم لترجيح قوله بأدلة ضعيفة تكلمت على بعضها فيما تقدم تحت حديث ابن مسعود برقم (٩٢٤)، ومنها مثلًا:
ما أخرجه أحمد (١/ ٤٦١)، والطيالسي (٣٤٤)، وسعيد بن منصور (٢/ ١٩٠/ ٢٤٨١)، ولوين في حديثه (٣)، والبزار (٥/ ١٦٨/ ١٧٦٢)، والحاكم (٢/ ٦٢٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٦١)، وفي الدلائل (٢/ ٢٩٨).
من طريق حديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلًا، ومعنا جعفر بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون، … فذكر الحديث بطوله، وفى آخره: فجاء ابن مسعود فبادر فشهد بدرًا، وفي رواية أحمد: ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرًا.
وهو حديث منكر؛ تفرد به حديج بن معاوية عن أبي إسحاق السبيعي، وحديج: ليس بالقوي، روى عن أبي إسحاق مناكير [التهذيب (١/ ٣٦٦)، منهج النسائي في الجرح والتعديل (٣/ ١٤٢٠)]، والله أعلم.
• قال الترمذي: "حديث زيد بن أرقم: حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا: إذا تكلم الرجل عامدًا في الصلاة أو ناسيًا أعاد الصلاة، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة، وقال بعضهم: إذا تكلم عامدًا في الصلاة أعاد الصلاة، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا أجزأه، وبه يقول الشافعي".
وقال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٣٤): "أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدًا لكلامه، وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها؛ أن صلاته فاسدة.
واختلفوا فيمن تكلم في صلاته عامدًا يريد به إصلاح صلاته، … ".
وقال ابن رجب في الفتح (٦/ ٣٦٧): "وقد اتفق العلماء على أن الصلاة تبطل بكلام الآدميين فيها عمدًا لغير مصلحة الصلاة، واختلفوا في كلام الناسي والجاهل والعامد لمصلحة الصلاة".
وسوف يأتي الكلام مفصلًا على من تكلم في الصلاة عامدًا أو جاهلًا أو ناسيًا، إلى موضعه من السنن، في باب السهو في السجدتين (١٠٠٨ - ١٠١٨)، إن شاء الله تعالى.
[وانظر: صحيح ابن حبان (٦/ ١٩)، المحلى (٤/ ٥)، مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ١٤٨)، نصب الراية (٢/ ٦٩)، السيرة النبوية لابن كثير (٢/ ٥٩)، البداية والنهاية (٣/ ٩٢)، الفتح لابن رجب (٦/ ٣٦٤)، البدر المنير (٤/ ١٧٣)، الفتح لابن حجر (٣/ ٧٤)].
***
стр. 4846
١٧٩ - باب في صلاة القاعد
٩٥٠ - . . . جرير، عن منصور، عن هلال -يعني: ابن يساف-، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو، قال: حُدِّثتُ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاةُ الرجلِ قاعدًا نصفُ الصلاة"، فأتيته فوجدته يصلي جالسًا، فوضعت يدي على رأسي!، فقال: "ما لك يا عبد الله بن عمرو؟ "، قلت: حُدِّثتُ يا رسول الله أنك قلت: "صلاةُ الرجلِ قاعدًا نصفُ الصلاة"، وأنت تصلي قاعدًا؟!، قال: "أجل، ولكني لست كأحد منكم".
• حديث صحيح.
أخرجه مسلم (٧٣٥/ ١٢٠)، وأبو نعيم في مستخرجه عليه (٢/ ٣٣٠/ ١٦٦٧)، وابن خزيمة (٢/ ٢٣٦/ ١٢٣٧)، والبزار (٦/ ٣٥٢/ ٢٣٦١)، وابن نصر المروزي في قيام الليل (٣٣٠ - مختصره)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (١٠٣٩ و ٢٢٩٢)، والبيهقي (٧/ ٦٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١١١/ ٩٨٤)، وقال: "هذا حديث صحيح".
رواه عن جرير بن عبد الحميد: محمد بن قدامة بن أعين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وقتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، ويوسف بن موسى القطان [وهم ثقات].
وهذا لفظ زهير وابن أعين وقتيبة [عند مسلم وأبي داود وغيرهما]، ولفظ يوسف بن موسى [عند البزار]: قال رسول الله ﷺ : "صلاة القاعدِ على النصفِ من صلاة القائم"، قال: فأتيتُه فوجدتُه يصلي جالسًا، فقال: "ما لك يا عبد الله بن عمرو؟ " قلت: حَدَّثتنا أن: "صلاة الرجل قاعدًا نصفُ الصلاة"، وأنت تصلي قاعدًا، قال: "نعم، ولكني لستُ كأحد منكم". وبنحوها رواية إسحاق.
• ورواه سفيان الثوري، وشعبة، وزائدة بن قدامة [وهم ثقات أثبات]، وجعفر بن الحارث [أبو الأشهب الواسطي: صدوق، كثير الخطأ]، وروح بن القاسم [ثقة حافظ؛ لكن الإسناد إليه واهٍ]:
عن منصور [هو ابن المعتمر: ثقة ثبت]، عن هلال بن يساف [ثقة، من الثالثة]، عن أبي يحيى [مصدع، المعرقب الأعرج: صدوق. التهذيب (٤/ ٨٢)، سؤالات ابن طهمان (٦٧)، معرفة الثقات (١٧٢٩)، بيان الوهم (٣/ ١١١/ ٨٠٣)، فضل الرحيم (٩٧)]، عن عبد الله بن عمرو، قال: رأيت النبي ﷺ يصلي جالسًا، فقلت: حُدِّثتُ أنك قلت: "إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم"، وأنت تصلي قاعدًا، قال: "أجل، ولكني لست كأحد منكم". ورواية زائدة بنحو رواية جرير.
стр. 4847
أخرجه مسلم (٧٣٥/ ١٢٠)، وأبو عوانة (١/ ٥٣٤/ ١٩٩٩ و ٢٠٠٠)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٣٣١/ ١٦٦٨ و ١٦٦٩)، والنسائي في المجتبى (٣/ ٢٢٣/ ١٦٥٩)، وفي الكبرى (٢/ ١٤٢/ ١٣٦٥)، والدارمي (١/ ٣٧٣/ ١٣٨٤)، وابن خزيمة (٢/ ٢٣٦/ ١٢٣٧)، وابن حبان في الصلاة (٩/ ٦٢٩/ ١٢٠٨٧ - إتحاف المهرة)، وأحمد (٢/ ١٦٢ و ١٩٢ و ٢٠١ و ٢٠٣)، والطيالسي (٤/ ٤٥/ ٢٤٠٣)، وعبد الرزاق (٢/ ٤٧٢/ ٤١٢٣)، والسري بن يحيى في حديثه عن شيوخه عن الثوري (١٢٤)، وأبو بكر ابن أبي مريم فيما رواه من حديث الفريابي عن الثوري (٢٣٥)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٤٠/ ٢٧٧٩)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٥٣١ و ٥٣٢/ ١٤٤١٨ - ١٤٤٢٥)، وفي الصغير (٢/ ١٦٠/ ٩٥٤)، والدارقطني فيما انتقاه من حديث أبي إسحاق المزكي وأبي بكر بن مالك القطيعي (١٧٤)، والبيهقي (٢/ ٤٩١)، وابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٥٠)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (٢/ ١٥).
• وله طرق أخرى عن عبد الله بن عمرو:
١ - روى محمد بن فضيل، وعبد الله بن إدريس:
عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: صلاة القاعد نصف صلاة القائم. هكذا موقوفًا.
أخرجه النسائي في الكبرى (٢/ ١٤٤/ ١٣٧٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٠٣/ ٤٦٣٥) (٣/ ٤٩٠/ ٤٦٦٩ - ط. عوامة).
وهذا موقوف بإسناد صحيح، ومجاهد سمع من عبد الله بن عمرو [صحيح البخاري (١٩٧٨ و ٣١٦٦ و ٥٠٥٢ و ٥٩٩١ و ٦٩١٤)، تحفة التحصيل (٢٩٥)]، وله حكم الرفع، فمثله لا يقال من قبل الرأي والاجتهاد، وقد صح مرفوعًا كما تقدم.
٢ - وروى معاوية بن هشام، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "صلاة الرجل قاعدًا على النصف من صلاته قائمًا".
أخرجه النسائي في الكبرى (٢/ ١٤٥/ ١٣٧٣)، والبزار (٦/ ٤٥٢/ ٢٤٩٢)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٤٢٩٣/ ١٤٤٢)، والخطيب في الموضح (٢/ ٤٨٩).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن الثوري عن حبيب عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو إلا معاوية بن هشام".
وقال أبو حاتم: "هذا خطأ؛ إنما هو: حبيب، عن أبي موسى الحذاء، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ " [العلل (١/ ١٨٩/ ٥٤٠)].
وقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٢١٢/ ٣١٠٤): "رواه معاوية بن هشام، عن سفيان، عن حبيب، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وغيره يرويه عن حبيب، عن أبي موسى الحذاء، عن عبد الله بن عمر. وهو الصواب" [كذا وقع عند الدارقطني: عبد الله بن عمر، وإنما هو: عبد الله بن عمرو].
стр. 4848
قلت: وهو كما قالوا؛ فإن معاوية بن هشام القصار: صدوق، كثير الخطأ، وليس بالثبت في الثوري. [التهذيب (٤/ ١١٢)، الميزان (٤/ ١٣٨)، إكمال مغلطاي (١١/ ٢٧٧)، شرح العلل (٢/ ٧٢٢)، وانظر في أوهامه على الثوري: ما تقدم برقم (١٧٨ و ٦٧٦ و ٩٢٩)]، وقد وهم عليه في إسناد هذا الحديث.
• فقد خالفه: أبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت]، ووكيع بن الجراح [ثقة حافظ]: فروياه عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي موسى الحذاء، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ [وفي رواية وكيع: أُراه عن النبي ﷺ ] قال: "صلاة الرجل قاعدًا على النصف من صلاته قائمًا".
أخرجه البخاري في الكنى من التاريخ الكبير (٦٩)، والنسائي في الكبرى (٢/ ١٤٥/ ١٣٧٤)، وأحمد (٢/ ١٩٢ - ١٩٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٥٣/ ٤٦٣٣)، وابن نصر المروزي في قيام الليل (٣٣١ - مختصره)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٥٨٤/ ١٤٤٩٨).
• خالفهما فأوقفه: عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب، عن أبي موسى، عن عبد الله بن عمرو، قال: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم.
أخرجه النسائي في الكبرى (٢/ ١٤٥/ ١٣٧٥).
قال النسائي: "وقد روى هذا الحديث غير واحد عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا".
يعني: أن رواية ابن مهدي وإن كان حافظًا مقدَّمًا في الثوري لا تُعلُّ المرفوع، فإن أبا نعيم ووكيعًا حافظان تقبل زيادتهما، وقد حفظا فيه الرفع، وهذا فضلًا عن كون الموقوف له حكم الرفع -كما سبق تقريره-، وعلى هذا فإن من رواه موقوفًا قد قصر فيه، والله أعلم.
• وتابع الثوري على هذا الوجه:
شعبة بن الحجاج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي موسى، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم".
أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ٤٤٩٧/ ١٥٨٤)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٦٢٢/ ٣٦٣٩ - أطرافه).
لكن اختلف في رفعه ورقفه على شعبة أيضًا:
أ- فرواه عنه به هكذا مرفوعًا: عفان بن مسلم [ثقة ثبت] [وأخشى ألا يكون محفوظًا عنه، إذ الراوي عنه: أحمد بن محمد بن يحيى بن مهران السوطي البغدادي، روى عنه جماعة، ولم يوثق. تاريخ بغداد (٥/ ٩٩ و ١١٨ و ٢٠٣)، تكملة الإكمال (٣/ ٣٦٨)، تاريخ الإسلام (٢١/ ٩٣)].
وأبو داود الطيالسي [ثقة حافظ، تفرد به عنه: عبد الرحمن بن محمد بن منصور؛ الملقب كُربُزان: ليس بالقوي، حدث بأشياء لا يتابعه أحد عليها. الجرح والتعديل (٥/ ٢٨٣)، الكامل (٤/ ٣١٩)، مختصر الكامل (١١٥١)، سؤالات الحاكم (١٤٥)، تاريخ بغداد (١٠/ ٢٧٣)، السير (١٣/ ١٣٨)، اللسان (٥/ ١٢٧)].
стр. 4849
ب- وخالفهما فأوقفه: علي بن الجعد [ثقة ثبت]، فرواه عن شعبة، عن حبيب، قال: سمعت أبا موسى الحذاء، قال: سألت عبد الله بن عمرو عن صلاة الرجل قاعدًا؟ فقال: على نصف أجر القائم.
أخرجه أبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٥٥١).
ويقال في هذا ما قيل في سابقه، بأن له حكم الرفع، فمثله لا يقال من قبل الرأي والاجتهاد، وقد صح مرفوعًا كما تقدم.
• خالفهما في اسم تابعي هذا الحديث:
الأعمش، فرواه عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو؛ أن النبي ﷺ مر به وهو يصلي جالسًا، فقال: "صلاة الجالس على النصف من صلاة القائم".
أخرجه ابن ماجه (١٢٢٩)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٥٨٢/ ١٤٤٩٣ و ١٤٤٩٤)، وفي الأوسط (١/ ١٠٨ - ١٠٩/ ٣٣٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٣٣) و (١٢/ ٥٠).
رواه عن الأعمش: قطبة بن عبد العزيز [ثقة، صاحب كتاب. التهذيب (٣/ ٤٤١)]، وعيسى بن يونس [ثقة مأمون].
قال ابن عبد البر: "وهذا إسناد صحيح".
قلت: وهو كما قال إن كان قول الأعمش محفوظًا.
• قال الذهبي في الميزان (٤/ ٥٧٨) عن أبي موسى الحذاء: "لا يُعرف، تفرد به حبيب بن أبي ثابت، ولعله عبد الله بن باباه؛ فإن الأعمش سماه عن حبيب عنه، ثم قال بعده صاحب التهذيب: أبو موسى الحذاء المكي: له عن عبد الله بن عمرو، واسمه صهيب، وعنه عمرو بن دينار، قلت: هو الأول، فما يظهر لي وجه التفرقة، ويكون صدوقًا".
قلت: يبدو لي أن أبا موسى الحذاء غير عبد الله بن باباه، فقد ذكر البخاري في الكنى (٦٩) الاختلاف فيه على حبيب من رواية الثوري والأعمش، ولم يقل شيئًا، وأما أبو حاتم فإنه لما ذُكر له الاختلاف بين الثوري والأعمش، رجح رواية الثوري، فقال: "الثوري أحفظ"، ولذا قال قبل ذلك: "أبو موسى الحذاء: لا يُعرف، ولا يُسمَّى". [الجرح والتعديل (٩/ ٤٣٨)، تهذيب الكمال (٣٤/ ٣٣٢ و ٣٣٣)]، والله أعلم.
قلت: وعلى هذا فرواية الثوري وشعبة مقدمة على رواية الأعمش، ويكون تابعي هذا الحديث هو أبو موسى الحذاء، لكن هناك اثنان يقال لهما أبو موسى الحذاء، هذا أحدهما، والثاني: صهيب الحذاء، أبو موسى المكي، مولى عبد الله بن عامر بن كريز، روى عن عبد الله بن عمرو، وروى عنه عمرو بن دينار [التاريخ الكبير (٤/ ٣١٦)، الجرح والتعديل (٤/ ٤٤٥)، الثقات (٤/ ٣٨١)، الميزان (٢/ ٣٢١)، المغني (٢/ ٤٤٤)، التهذيب (٢/ ٢١٩) و (٤/ ٥٩٥)]، وقد فرق بينهما البخاري وأبو حاتم وابن حبان [الكنى من التاريخ الكبير (٦٩)، الجرح والتعديل (٩/ ٤٣٨)، الثقات (٥/ ٥٨٤)].
стр. 4850
قلت: هما عندي واحد فيما يظهر، فقد اتفقا في الكنية والحرفة والرواية عن عبد الله بن عمرو وقلة الرواية، ولا يظهر لي وجه التفريق بينهما، ولذا قال المزي في التهذيب (٣٤/ ٣٣٣) في ترجمة صهيب: "يحتمل أن يكون هو والذي قبله واحدًا"؛ يعني: أبا موسى الحذاء.
قلت: والحديثان اللذان رواهما لا نكارة فيهما، لذا فقد ذكره ابن حبان في ثقاته في الموضعين المشار إليهما، ولم يستنكر أحد مروياته، بل احتج بها النسائي في صحاحه.
وحديثه هذا حديث صحيح، قد توبع عليه، وإسناده متصل، سمع رجاله بعضهم من بعض، كما في رواية علي بن الجعد عن شعبة، والاختلاف في رفعه ووقفه لا يضر، لكونه قد صح مرفوعًا، ومثله لا يقال من قبل الرأي والاجتهاد، إذا علمت ذلك، ظهر لك ضعف ما ذهب إليه ابن القطان الفاسي في انتقاده على عبد الحق الإشبيلي في سكوته على صهيب أبي موسى الحذاء، حيث قال: "لا تُعرف له حال" [بيان الوهم (٤/ ٥٩٠/ ٢١٣٢)]، فقد روى عنه اثنان من علماء التابعين، ولم يرو منكرًا، وذكره ابن حبان في الثقات، واحتج به النسائي، وصحح له الحاكم، فهو كما قال الذهبي: "صدوق"، والله أعلم.
• وللأعمش فيه إسناد آخر:
رواه سعيد بن سليمان [ثقة حافظ]: ثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: مرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا أصلي قاعدًا، فقال: "اعلم أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم".
أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ٤٣٨/ ١٤٢٨٧)، وفي الأوسط (١/ ٢٦٨/ ٨٧٠).
ومنصور بن أبي الأسود: كوفي، لا بأس به، ولم يتابع عليه عن الأعمش، والمحفوظ عندي: ما رواه قطبة وعيسى بن يونس، عن الأعمش، عن حبيب، عبد الله بن باباه، عن ابن عمرو به، كما تقدم ذكره.
ولو فرضنا ثبوته عن الأعمش، لما ذكره الترمذي في العلل (١٢٤) من متابعة قيس بن الربيع له عن الأعمش به موقوفًا؛ فهل سمعه الأعمش من مجاهد؟ الجواب: الأعمش لم يصرح هنا بسماعه من مجاهد، وقد تقدم الكلام في سماع الأعمش من مجاهد عند الحديث رقم (٤٨٩).
والضابط فيه: أن نقبل ما صرح فيه الأعمش بالسماع من مجاهد -من طريق صحيح ثابت عنه-، وطرح ما سوى ذلك؛ فإنه مما دلسه ولم يسمعه من مجاهد؛ فإنه لا يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، لا يثبت منها إلا ما قال فيها: سمعت، فهو قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يرويه عن مجاهد: مدلَّس عن الضعفاء والمتروكين.
وانظر: أطراف الغرائب والأفراد (١/ ٦١٨/ ٣٦٢١).
٣ - وروى سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم".
стр. 4851
وفي رواية الحميدي عن ابن عيينة: حدثنا الزهري، أو حُدِّثت عنه عن عيسى بن طلحة، وربما قال سفيان: أُراه عن عيسى بن طلحة، وربما لم يذكر سفيان عيسى بن طلحة أصلًا.
أخرجه النسائي في الكبرى (٢/ ١٤٦/ ١٣٧٦)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ٦٩)، والبزار (٦/ ٣٩٩/ ٢٤١٩)، وأبو أحمد الحاكم في عوالي مالك (٩٧)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (٥٦٢) [ووقع عنده: عبد الله بن عمر]، والدارقطني في الأفراد (١/ ٦١٦/ ٣٦٠٦ - أطرافه)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢٦٩)، وابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٤٩).
قال النسائي: "هذا خطأ، والصواب: الزهري، عن عبد الله بن عمرو؛ مرسل، خالفه محمد بن إسحاق".
وقال البزار: "وحديث عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو: لا نعلم رواه إلا ابن عيينة عن الزهري: ".
وقال الدارقطني: "تفرد به سفيان بن عيينة عن الزهري عنه".
• قلت: وأما حديث ابن إسحاق الذي أشار إليه النسائي:
فقد رواه وهب بن جرير، قال: أخبرنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم".
أخرجه البزار (٦/ ٣٩٩/ ٢٤٢٠)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٣٨٣/ ١٤٢٠٠)، وفي الأوسط (١/ ٢٢٦/ ٧٤٦)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٦٢١/ ٣٦٣٤ - أطرافه).
قال البزار: "وحديث أبي سلمة: لا نعلم رواه إلا وهب بن جرير عن أبيه عن ابن إسحاق عن الزهري، وقد رواه يعلى بن الحارث وشعيب بن خالد، عن الزهري، عن مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو".
وقال الطبراني: "هكذا رواه جرير بن حازم عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أبي سلمة. ورواه سفيان بن عيينة عن الزهري عن عيسى بن طلحة.
ورواه ابن جريج عن الزهري عن أنس بن مالك. ورواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سائب بن يزيد عن المطلب بن أبي وداعة.
ورواه عبيد الله بن أبي زياد الرصافي، عن الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي عن عبد الله بن عمرو. ورواه محمد بن الزبير الحراني [كذا، وإنما هو: إبراهيم بن مرة عن الزهري] عن سالم عن أبيه.
والصحيح والله أعلم: ما رواه سفيان بن عيينة" [وانظر أيضًا: علل الدارقطني (١٣/ ٢٩/ ٢٩١٩)، أطراف الغرائب والأفراد (١/ ٢٣٣/ ١١٧٢)، معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣/ ١٧٢٤/ ٤٣٦٤)].
стр. 4852
• قلت: قد أختلف على ابن عيينة في إسناد هذا الحديث:
أ- فرواه أبو بكر الحميدي، وحامد بن يحيى البلخي، ومحمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الرحمن بن بشر [وهم ثقات، وفيهم أثبت أصحاب ابن عيينة، وراويته؛ الحميدي]، وأحمد بن داود الواسطي [قال ابن حبان: "مستقيم الأمر في الحديث"، وقال مرة: "يغرب". الثقات (٨/ ٣٩ و ٤٨)، الجرح والتعديل (٢/ ٥٠)، اللسان (١/ ٤٥٧)]:
عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره.
وقال فيه الحميدي: عن ابن عيينة: حدثنا الزهري، أو حُدِّثت عنه عن عيسى بن طلحة، وربما قال سفيان: أُراه عن عيسى بن طلحة، وربما لم يذكر سفيان عيسى بن طلحة أصلًا. هكذا شك ابن عيينة في هذا الحديث، ولم يكن ضابطًا له.
ب- ورواه حسين بن علي الجعفي [ثقة]، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ قال: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم".
أخرجه البزار (١/ ٥٦٧/٢٧٤ - كشف الأستار)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٢/ ٢٨٩/ ٣٤٤).
قال الدارقطني في العلل (١٣/ ١٦٦/ ٣٠٤٨): "ولم يتابع حسين الجعفي على قوله: عن ابن عمر".
قلت: فهو وهم.
ج- وقد خالفه: عمرو بن محمد الناقد [ثقة حافظ]، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي [ثقة، مكثر عن ابن عيينة]:
قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ ، قال: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم".
أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٦٢/ ٨٥٧)، وابن المقرئ في المعجم (٥).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عمرو إلا سفيان".
وقال الذهبي في السير (٥/ ١٨٣): "هذا حديث صالح الإسناد، محفوظ المتن".
فإن قلنا: الإسناد الأول عن ابن عيينة أشهر، فيقال: قد أتى بالثالث: ثقتان، قد تواردا عليه، فيقال: قد خولف فيه ابن عيينة:
• فقد رواه ابن جريج [ثقة حافظ]، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، عن النبي ﷺ قال: "إن للقاعد في الصلاة نصف أجر القائم".
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٤٧٢/ ٤١٢٢).
قلت: ابن عيينة أثبت الناس في عمرو بن دينار، وقوله مقدم على ابن جريج، وابن عيينة ثقة حافظ مكثر، لا يستغرب منه التعدد في الأسانيد، لكن عمرو بن دينار غير مشهور بالرواية عن عمرو بن شعيب، مقل عنه جدًّا، ولو كان هذا الإسناد مشتهرًا موصولًا عن
стр. 4853
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لتناوله أصحاب عمرو بن شعيب على كثرتهم، ولذا فإنه يغلب على ظني عدم اتصال هذا الإسناد، وإلا لاشتهر بين أصحاب الرجل، ويؤكد ذلك أن الدارقطني لما ذكر الاختلاف في هذا الحديث قال: "رواه حسين الجعفي عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عمر، وغيره يرويه عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو، وقيل: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولم يتابع حسين الجعفي على قوله: عن ابن عمر" [العلل (١٣/ ١٦٤/ ٣٠٤٨)]، وكان الدارقطني أراد الإشارة إلى أن الرواية المشهورة عن ابن عيينة: عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن شعيب، عن عبد الله بن عمرو، هكذا مرسلًا بين عمرو بن شعيب وعبد الله بن عمرو، بخلاف من رواه موصولًا فذكره بصيغة تدل على التمريض أو القلة، والله أعلم.
• وقد اختلف في هذا الحديث على الزهري أيضًا:
أ- فرواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم". وتقدم ذكره.
وابن عيينة: ثقة حافظ، من الطبقة الأولى من أصحاب الزهري، وقد أخطأ عليه في غير حديث، وهذا منها؛ فإن الحميدي -وهو أثبت الناس في ابن عيينة- قد صرح في روايته أن ابن عيينة شك في هذا الحديث، هل سمعه من الزهري أم لا؟ وهل حفظ الواسطة بين الزهري وابن عمرو، أم لا؟ فلم يكن ضابطًا لإسناده، ويؤكد وهمه فيه مخالفته لكبار الحفاظ من أصحاب الزهري، كما سيأتي [وانظر أيضًا: لتمهيد لابن عبد البر (١٢/ ٤٦)].
ب- ورواه ابن إسحاق، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، مثله، وتقدم.
وابن إسحاق: صدوق، في حديثه عن الزهري مقال، وقد سلك فيه الجادة والطريق السهل.
ج- ورواه ابن جريج [ثقة حافظ، في حديثه عن الزهري مقال، قال ابن معين: "ليس بشيء في الزهري]، وصالح بن أبي الأخضر [ضعيف، وهو من الطبقة الثالثة من أصحاب الزهري]، والوليد بن محمد الموقري [متروك، يروي عن الزهري ما لا أصل له]:
عن الزهري، عن أنس [ويأتي ذكر مصادره في الشواهد، من حديث أنس، تحت الحديث رقم (٩٥٢)، وأذكر هناك كلام الأئمة فيه].
د- وروي أيضًا عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، عن المطلب بن أبي وداعة السهمي، عن النبي ﷺ .
أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٩١/ ٦٨٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٥٦١/ ٦١٨٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٤٩).
стр. 4854
قال ابن عبد البر: "وهذا عندي خطأ من صالح بن أبي الأخضر، أو ممن دونه في الإسناد.
وأما حديث الزهري، عن السائب بن يزيد، عن المطلب بن أبي وداعة، عن حفصة؛ أن النبي ﷺ كان يصلي في سبحته قاعدًا قبل وفاته بعام، ويقرأ بالسورة ويرتلها حتى تكون أطول من أطول منها، هكذا حدث به الحفاظ عن ابن شهاب بهذا الإسناد، ومنهم مالك وغيره".
قلت: حديث حفصة هو الصواب، ويأتي ذكره في شواهد حديث عائشة تحت الحديث رقم (٩٥٦)، وهو المعروف بهذا الإسناد عن الزهري.
هـ- ورواه بكر بن وائل [التيمي الكوفي: صدوق]، قال: سمعت الزهري يحدث عن مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو، قال: فشا الوجع على عهد رسول الله ﷺ ، فكثُر من يصلي وهو قاعد، فقال رسول الله ﷺ : "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم".
أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ٤٢٠/ ١٤٢٦١).
و- ورواه عبيد الله بن أبي زياد الرصافي [صدوق، قال الذهلي: "أخرج إلي جزءًا من أحاديث الزهري فنظرت فيها فوجدتها صحاحًا". التهذيب (٣/ ١٠)]، عن الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي عن عبد الله بن عمرو.
علقه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٢٦/ ٧٤٦)، وأبو نعيم معرفة الصحابة (٣/ ١٧٢٤/ ٤٣٦٤).
ز- ورواه يزيد بن عياض بن جعدبة [متروك، كذبه مالك وابن معين والنسائي. التهذيب (٤/ ٤٢٥)]، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون، فقال: … فذكره مثله.
أخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠/ ١٤١٨٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٧٢٤/ ٤٣٦٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ٣٢٩).
ح- ورواه إبراهيم بن مرة [ليس به بأس، تكلم فيه أهل بلده. انظر: التهذيب (١/ ٨٦)، والراوي عنه: صدقة بن عبد الله السمين، وهو: ضعيف، له أحاديث مناكير لا يتابع عليها. انظر: التهذيب (٢/ ٢٠٦)]، وعبد الرزاق بن عمر [الثقفي الدمشقي: متروك، منكر الحديث عن الزهري، كذبه ابن معين. التهذيب (٢/ ٥٧٢)]:
عن الزهري، قال: أخبرني سالم، عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ رأى أصحابه يُسبِّحون بعد صلاة الظهر جلوسًا، فقال: "ما بال الناس؟ "، فقال: أصاب الناسَ وعكٌ يا رسول الله، فلذلك صلوا قعودًا، قال: "صلاةُ القاعدِ على النصف من صلاة القائم"، فتجشم الناس القيام.
وفي رواية عبد الرزاق بن عمر: عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاةُ القاعدِ مثلُ نصفِ صلاةِ القائمِ".
стр. 4855
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٦٤١)، وفي المعجم الكبير (١٢/ ٢٨٢/ ١٣١٢٢)، وذكره الدارقطني في الأفراد (١/ ٢٣٤/ ١١٧٢ - أطرافه)، وفي العلل (١٢/ ٢٠٢/ ٢٦٢٠) و (١٣/ ٢٨/ ٢٩١٩).
وهو حديث باطل بهذا الإسناد من حديث سالم عن ابن عمر.
[وانظر أيضًا: التمهيد لابن عبد البر (١٢/ ٤٦)].
• قال ابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٤٧) بعد أن ذكر الاختلاف فيه على الزهري بأكثر من هذا: "وكل هذا خطأ، والله أعلم".
• والمحفوظ في هذا عن الزهري ما رواه عنه جماعة الحفاظ من أصحابه مرسلًا:
فقد رواه: مالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر العمري، ومعمر بن راشد، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد الأيلي:
عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنه قال: لما قدمنا المدينة نالنا وباءٌ من وعكها شديدٌ، فخرج رسول الله ﷺ على الناس، وهم يصلون في سُبحتهم قعودًا، فقال رسول الله ﷺ : "صلاة القاعد مثل نصف صلاة القائم" [قال: وطفق الناس حينئذ يتجشمون القيام].
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٩٨/ ٣٦٢)، وعبد الرزاق (٢/ ٤٧١/ ٤١٢٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٠٣/ ٤٦٣٤) (٣/ ٤٨٩/ ٤٦٦٨ - ط. عوامة)، وأبو أحمد الحاكم في عوالي مالك (٩٦)، وذكره الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٠٢/ ٢٦٢٠) و (١٣/ ٢٩/ ٢٩١٩)، وفي الأفراد (١/ ٢٣٣/ ١١٧٢ - أطرافه).
[وانظر أيضًا: التمهيد لابن عبد البر (١٢/ ٤٧)].
قال مسلم في التمييز: "والمحفوظ عندنا من هذا: مالك ويونس ومن تابعهما، عن الزهري، عن عبد الله بن عمرو"، قال أبو العباس الداني في أطراف الموطأ (٣/ ١٦): "يعني: من غير واسطةٍ مقطوعًا، يريد أنه لا يُحفظ للزهري متصلًا".
وقال محمد بن يحيى الذهلي: "والمحفوظ عندنا؛ يعني: أحاديث معمر، وشعيب، وعبيد الله بن عمر، وبكر بن وائل بن داود، كلهم عن الزهري، عن عبد الله بن عمرو، حديث هؤلاء؛ لأن الزهري لو كان سمعه من أنس لانتشر عنه، ولقدموا حديثه؛ لأن حديث عبد الله؛ يعني: ابن عمرو: مرسل" [قيام الليل لابن نصر المروزي (٣٣٣ - مختصره)].
وقال النسائي: "الصواب: الزهري، عن عبد الله بن عمرو؛ مرسل".
وقال أبو أحمد الحاكم: "قد اختلفوا على الزهري في رواية هذا الحديث على وجوه شتى، لكن روي عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو، وهو أقربها إلى عبد الله بن عمرو، والصحيح من باقيها المراسيل، مثل رواية مالك بن أنس، وسائرها واهية".
стр. 4856
وقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٢٩/ ٢٩١٩): "وقال مالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وغيرهما من الحفاظ: عن الزهري، عن عبد الله بن عمرو: مرسلًا، وهو الصواب".
وقال أيضًا (١٢/ ٢٠٢/ ٢٦٢٠): "ورواه مالك ومعمر، عن الزهري؛ أن عبد الله بن عمرو، لم يذكر بينهما أحدًا، وهو المحفوظ".
• ورواه بعضهم فجعله من مسند أنس:
رواه عبد الله بن جعفر المخرمي [من ولد المسور بن مخرمة]، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أنس بن مالك، قال: خرج رسول الله ﷺ على ناسٍ وهم يصلون قعودًا من مرض، فقال رسول الله ﷺ : "صلاة القاعد على مثل نصف صلاة القائم".
أخرجه النسائي في الكبرى (٢/ ١٤٣/ ١٣٦٨)، وابن ماجه (١٢٣٠)، وأحمد (٣/ ٢١٤ و ٢٤٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٠٣/ ٤٦٣٩)، والبزار (١٢/ ٣٢٤/ ٦١٨٧)، وأبو يعلى (٧/ ٣٠٠/ ٤٣٣٦)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٥٦/ ٧٤٢).
قال النسائي: "هذا خطأ، والصواب: إسماعيل، عن مولى لابن العاصي، عن عبد الله بن عمرو".
وقال البزار: "ولا نعلم يروى هذا الكلام عن أنس إلا من هذا الوجه؛ إلا حديثًا يخطئ فيه ابن جريج، رواه عن الزهري عن أنس، ولا نعلم أسند إبراهيم [كذا، وإنما هو: إسماعيل] بن محمد بن سعد عن أنس إلا هذا الحديث".
وقال محمد بن يحيى الذهلي: "وحديث أنس: من حديث المخرمي عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أنس ﵁: عندنا غير محفوظ؛ لأن مالكًا رواه عن إسماعيل بن محمد عن مولى لعمرو بن العاص أو لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو، ومالك أولى لحفظه، ولأنه عن عبد الله بن عمرو مستفيض، قال: ولا نعرفه عن أنس ﵁ من وجه يثبت".
• وهو كما قالوا، والصواب ما رواه:
مالك بن أنس، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن مولى لعمرو بن العاص، أو: لعبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة أحدكم وهو قاعد مثل نصف صلاته وهو قائم".
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٩٨/ ٣٦١)، ومن طريقه: ابن وهب في الجامع (٤٣٢)، وإسماعيل بن إسحاق القاضي في الخامس من مسند حديث مالك (١٣٢)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٤١٦/ ١٤٢٥٥)، والجوهري في مسند الموطأ (٢٧١).
• وحاصل ما تقدم: فإن طريق مجاهد وأبي موسى الحذاء متابعات قوية لحديث أبي يحيى، والطرق الأخرى وإن كان في بعضها ضعف يسير بسبب الانقطاع أو الابهام؛ فإنها تتقوى بحديث هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو، ولكن بدون قصة
стр. 4857
الوعك وتجشم الناس القيام، وبهذا يظهر أن ما يخرجه مالك في موطئه من المراسيل ونحوها مما فيه ضعف يسير تجد أن له أصلًا صحيحًا، والله أعلم.
• قال الترمذي في العلل (١٢٤): "وحديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم": هو حديث صحيح، يروى من غير وجه عن عبد الله بن عمرو".
وقد صححه مسلم، وأبو عوانة، وابن خزيمة، وابن حبان، والله أعلم.
وقال ابن العربي في المسالك في شرح الموطأ (٣/ ٤٨) عن حديث مالك عن ابن شهاب: "هذا حديث مرسل من مراسيل ابن شهاب، … ، ويتصل من وجوه صحاح".
***
٩٥١ - . . . يحيى، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، أنه سأل النبي ﷺ عن صلاة الرجل قاعدًا؟، فقال: "صلاتُه قائمًا أفضلُ من صلاته قاعدًا، وصلاته قاعدًا على النصف من صلاته قائمًا، وصلاته نائمًا على النصف من صلاته قاعدًا".
• حديث صحيح.
أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٢٤١/ ١٢٤٩)، وأحمد (٤/ ٤٣٥)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٣٦/ ٥٩٢)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٩٠)، وابن حزم في المحلى (٤/ ١٩٣).
رواه عن يحيى بن سعيد القطان: أحمد بن حنبل، ومسدد بن مسرهد، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ومحمد بن خلاد الباهلي [وهم ثقات].
• تابعه: سفيان بن حبيب، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وعبد الوارث بن سعيد، وروح بن عبادة، وأبو أسامة حماد بن أسامة، ويزيد بن زريع، ومروان بن معاوية الفزاري، ويزيد بن هارون، وعيسى بن يونس، وبشر بن المفضل، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان (١١) [وهم ثقات]:
عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين [وكان رجلًا مبسورًا]، قال: سألت النبي ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد؟ فقال: "من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد".
أخرجه البخاري (١١١٥ و ١١١٦)، والترمذي (٣٧١)، وقال: "حسن صحيح". والنسائي في المجتبى (٣/ ٢٢٤/ ١٦٦٠)، وفي الكبرى (٢/ ١٤٢/ ١٣٦٦)، وابن ماجه (١٢٣١)، وابن خزيمة (٢/ ٢٣٥/ ١٢٣٦) و (٢/ ٢٤٢/ ١٢٤٩)، وابن حبان (٦/ ٢٥٨/ ٢٥١٣)، وابن الجارود (٢٣٠)، وأحمد (٤/ ٤٤٢ و ٤٤٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٠٣/ ٤٦٣٢)، والبزار (٩/ ١٢/ ٣٥١٣)، وابن نصر المروزي في قيام الليل (٣٣٢ - مختصره)،
стр. 4858
وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٥٥١)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٣٩/ ٢٧٧٨)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٣٩٧/ ١٦٩٤)، وفي أحكام القرآن (٤٤٨)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٣٦/ ٥٩٠ و ٥٩١)، والدارقطني (١/ ٤٢٢)، وابن حزم في المحلى (٣/ ٥٦) و (٤/ ١٩٣)، والبيهقي (٢/ ٣٠٨ و ٤٩١)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٢٨٠)، وفي الموضح (٢/ ٢٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٠٨/ ٩٨٢)، وقال: "هذا حديث صحيح".
وانظر: المعجم الأوسط للطبراني (٧/ ١٤٧/ ٧١١٧).
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ في صلاة النائم على النصف من صلاة القاعد؛ إلا في هذا الحديث، وإنما يروى عن النبي من وجوهٍ في: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وإسناده حسن".
قلت: هو حديث ثابت صحيح، صححه إمام أهل الصنعة، الإمام البخاري، وصححه أيضًا: الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، واحتج به: أبو داود، والنسائي، وابن المنذر، والبيهقي، وغيرهم.
• قال البخاري بعد حديث عبد الوارث: "نائمًا عندي: مضطجعًا ها هنا".
وقال ابن خزيمة (١/ ٢٦٧): "وإنما أراد بالنائم في هذا الموضع المضطجع؛ لا النائم الزائل العقل؛ إذ النائم الزائل العقل غير مخاطب بالصلاة، لا يمكنه الصلاة لزوال العقل".
وبوب له في موضع آخر (٢/ ٢٤١): "باب تقصير أجر صلاة المضطجع عن أجر صلاة القاعد" ثم قال: "قد كنتُ أعلمتُ قبلُ أن العربَ توقع اسمَ النائم على المضطجع، وعلى النائم الزائل العقل بالنوم، وإنما أراد المصطفى ﷺ بقوله: "وصلاة النائم": المضطجع؛ لا زائل العقل بالنوم؛ إذ زائل العقل بالنوم لا يعقل الصلاة في وقت زوال العقل".
• ورواه عبد الوهاب بن عطاء الخفاف [صدوق، كان عالمًا بسعيد بن أبي عروبة؛ إلا أنه سمع منه قبل الاختلاط وبعده، فلم يميز بين هذا وهذا]، عن سعيد بن أبي عروبة، عن حسين المعلم، قال [يعني: الخفاف]: وقد سمعته من حسين، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، قال: كنت رجلًا ذا أسقام كثيرة، فسألت رسول الله ﷺ عن صلاتي قاعدًا؟ قال: "صلاتك قاعدًا على النصف من صلاتك قائمًا، وصلاة الرجل مضطجعًا على النصف من صلاته قاعدًا".
أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٣) (٨/ ٤٥٨٤/ ٢٠٢٠٤ - ط. المكنز).
• خالفه فسلك فيه الجادة والطريق السهل:
محمد بن بشر العبدي [ثقة ثبت، سماعه من ابن أبي عروبة: صحيح جيد، قال أحمد: "سماع محمد بن بشر، وعبدة منه جيد"، وقال أبو عبيد الآجري: "سألت أبا داود
стр. 4859
عن سماع محمد بن بشر من سعيد بن أبي عروبة؟ فقال: هو أحفظ من كان بالكوفة". شرح علل الترمذي (٢/ ٧٤٣)، التقييد والإيضاح (٤٢٩)]، فرواه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين مرفوعًا بنحوه مختصرًا.
أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢٣٦/ ٥٨٩)، بإسناد صحيح إلى العبدي.
قلت: الوجه الأول أشبه بالصواب، فقد تابع عبد الوهاب سعيدًا عليه، بسماعه من حسين المعلم، وفي الثاني سلوك للجادة، ولا يُعرف من حديث قتادة، إنما يُعرف من حديث حسين بن ذكوان المعلم، واشتهر عنه، لكن انفرد عبد الوهاب بزيادة: كنت رجلًا ذا أسقام كثيرة، وعبد الوهاب: صدوق، لينه جماعة من الأئمة، وضعفه أحمد في رواية [التهذيب (٢/ ٦٣٩)، الميزان (٢/ ٦٨١)، سؤالات المروذي والميموني (٤٧ و ٤٨ و ٣٥٩)].
• قال ابن حبان: "هذا إسنادٌ قد توهَّمَ من لم يُحْكِم صناعةَ الأخبار ولا تفقَّه في صحيح الآثار أنه منفصلٌ غيرُ مُتَّصِلٍ، وليس كذلك؛ لأن عبد الله بن بريدة وُلد في السنة الثالثة من خلافة عمر بن الخطاب سنة خمسَ عشرةَ، هو وسليمان بن بريدة أخوه توأمٌ، فلما وقعت فتنة عثمان بالمدينة خرج بريدة عنها بابنيه وسكن البصرة، وبها إذ ذاك عمران بن حصين وسمرة بن جندب، فسمع منهما، ومات عمران سنة اثنتين وخمسين في ولاية معاوية، ثم خرج بريدة منها بابنيه إلى سجستان، فأقام بها غازيًا مدةً، ثم خرج منها إلى مرو على طريق هراة، فلما دخلها وطَّنها، ومات سليمان بن بريدة بمرو، وهو على القضاء بها سنة خمس ومائة، فهذا يدلُّك على أن عبد الله بن بريدة سمع عمران بن حصين".
قلت: قد ورد التصريح بالسماع بين طبقات هذا السند طبقة طبقة عند أحمد في المسند (٤/ ٤٤٣)، من طريق: عبد الوارث: ثنا حسين المعلم: حدثني عبد الله بن بريدة، قال: حدثني عمران بن حصين، ووقع أيضًا التصريح بسماع عبد الله بن بريدة من عمران من نفس الطريق عند البخاري في الموضع الأول (١١١٥).
فسماع ابن بريدة من عمران ثابت في هذا الحديث بإسناد صحيح متصل، وإخراج البخاري لهذا الحديث في صحيحه يقتضي ثبوت سماعه منه، واتصال إسناده، فضلًا عن كون السماع ثابتًا في نفس إسناد البخاري من طريق عبد الوارث بن سعيد، وقد صرح بذلك البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٥١) حيث قال في ترجمة عبد الله بن بريدة: "سمع سمرة وعمران بن حصين" [التاريخ مع حاشيته].
• ورواه يحيى بن مطر المجاشعي، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، قال: كنت ذا وجع وسقم، فسألت النبي ﷺ فقال: "صلاة القاعد على نصف صلاة القائم، وصلاة المضطجع على نصف صلاة القاعد".
أخرجه أبو جعفر ابن البختري في المنتقى من السادس عشر (٨٨)، والدارقطني في الأفراد (٢/ ٨٦/ ٤١٦٢ - أطرافه).
стр. 4860
قال الدارقطني: "غريب من حديث عاصم الأحول عن عبد الله بن بريدة، تفرد به: يحيى بن مطر المجاشعي عنه".
قلت: لا يثبت مثله عن عاصم بن سليمان الأحول، لتفرد يحيى بن مطر المجاشعي به، ولم أر من تكلم فيه بجرح أو تعديل، فهو في عداد المجاهيل، وله ترجمة في تالي تلخيص المتشابه (٢/ ٤٢٢)، وهو غير يحيى بن مطر اليمامي الذي ترجم له البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان [التاريخ الكبير (٨/ ٣٠٥)، الجرح والتعديل (٩/ ١٩١)، الثقات (٧/ ٦٠١)].
• تنبيه هام:
الذي تكلم في حديث عمران هذا [مثل الخطابي وابن عبد البر (١/ ١٣٤)] بأن قال بأنه غلط أو منسوخ، أو قال بإدراج زيادة النائم؛ إنما تكلم فيه بالظن لأجل القول بعدم جواز النافلة مضطجعًا مع القدرة، وأنه لا يُعرف عن أحد من السلف قال بجوازه، فيقال: قد قال بجوازه الحسن البصري، إمام التابعين في زمانه، كما نقله عنه الترمذي بإسناد صحيح، حيث قال: "إن شاء الرجل صلى صلاة التطوع قائمًا وجالسًا ومضطجعًا"، ونقل النووي عن الشافعية وجهين في المذهب، فقال: "والثاني: وهو الصحيح؛ صحتها لحديث عمران، ولو صلى النافلة قاعدًا أو مضطجعًا للعجز عن القيام والقعود؛ فثوابه ثواب القيام بلا خلاف، كما في صلاة الفرض" [المجموع (٣/ ٢٣١)]، وقال في روضة الطالبين (١/ ٢٣٩): "ولو تنفل مضطجعًا مع القدرة على القيام والقعود جاز على الأصح"، وهو وجه في مذهب أحمد [الإنصاف مع الشرح الكبير (٤/ ٢٠١)]، وطالما قد ثبت الحديث فهو حجة على المخالفين.
ولا يعارض هذا اللفظ الذي رواه الجماعة عن حسين المعلم، بما رواه إبراهيم بن طهمان عنه، حيث يمكن حملهما على أنهما حديثان مختلفان؛ الأول: في صلاة النافلة، والثاني: في صلاة الفريضة، حيث لا يسقط فرض القيام إلا بعدم الاستطاعة، وكذلك القعود، وهذا بخلاف تنصيف أجر القاعد إذا كان قادرًا على القيام فإنما هو في النفل دون الفرض، وسيأتي نقل كلام الأئمة في ذلك، والله أعلم.
قال الطحاوي في المشكل (٤/ ٣٩٧): "ذهب قوم إلى اضطراب حديث عمران هذا؛ لاختلاف إبراهيم بن طهمان وعيسى بن يونس، فيما روياه عليه عن حسين المعلم عن ابن بريدة عن عمران، ولم يكن ذلك عندنا كما ذكروا، ولكنهما حديثان مختلفان، فحديث إبراهيم منهما جواب من النبي ﷺ لعمران في كيفية الصلاة التي سأله عنها، وحديث عيسى منهما إخبار من النبي ﷺ بعدل صلاة القاعد المتطوع من صلاة القائم، … ".
فإن قيل: رواية الجماعة عن حسين هي في صلاة الفرض أيضًا، وأراد به المريض الذي لو تحامل أمكنه القيام مع شدة المشقة والزيادة في العلة، فيجوز له أن يصلي قاعدًا، وأجره نصف أجر القائم [كما ذهب إلى ذلك الخطابي وتبعه على ذلك جماعة]،
стр. 4861
وإنما يكمل أجره بالنِّيَّة للعجز، فيقال: قد دل حديث عبد الله بن عمرو على خلاف ذلك، وأن إتمام أجر صلاة القاعد مع القدرة على القيام خاص بالنبي ﷺ ، ففيه: حُدِّثتُ أنك قلت: "إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم"، وأنت تصلي قاعدًا، قال: "أجل، ولكني لست كأحد منكم"، وهذا قطعًا في النفل دون الفرض، مع القدرة على القيام ولو مع المشقة المحتملة، لذا قال ابن مفلح في الفروع (٥/ ١٢٢): "فيتوجه أنَّه خاص به، وحمله على العذر لا يصح لعدم الفرق"، وقال النووي في الخلاصة (١/ ٣٤٣/ ١٠٣٤): "قال أصحابنا: معناه: ثوابي في النافلة قاعدًا كثوابي قائمًا"، وهو ما ترجم به ابن خزيمة وابن المنذر لحديث عبد الله بن عمرو في اختصاص النبي ﷺ بذلك.
والمشقة التي تبيح له ترك القيام في الفريضة: هي المشقة غير المحتملة، أو إذا كان لا يقدر على القيام بحال، أما مع المشقة المحتملة فلا يجوز له ترك القيام [قاله الشافعي في الأم (٢/ ١٧٨ - ط. الوفاء)]، وقد سئل أحمد عن المريض متى يصلي قاعدًا؟ قال: "إذا كان قيامه يضعفه ويوهنه، أحب إليِّ أن يصليَ قاعدًا"، وقال: "إذا أطاق القيام صلى قائمًا"، وسأله الكوسج: "متى يصلي المريض جالسًا؟ قال: إذا كان قيامه يزيده وهنًا، ويشتدُّ عليه القيام، ولا يخرج في حاجة من حوائج الدنيا، قال إسحاق: كما قال [مسائل عبد الله (٣٧٦ و ٣٧٧)، مسائل ابن هانئ (٣٦٦ و ٣٦٨)، مسائل الكوسج (٣١٤)]، وعلى هذا فلو صلى الفريضة جالسًا مع المشقة المحتملة بطلت صلاته، فكيف يقال حينئذ بأن له نصف أجر القائم.
وأما ما روي في بعض طرق حديث عبد الله بن عمرو وحديث أَنس أن الحديث ورد في المعذور، حيث روي في بعض طرق حديث ابن عمرو مثلًا: لما قدمنا المدينة نالنا وباءٌ من وعكها شديدٌ، فخرج رسول الله ﷺ على الناس، وهم يصلون في سُبحتهم قعودًا، فيقال: لا يصح من ذلك شيء يصح الاعتماد عليه في ورود الحديث في المعذور، بل لو كانت صلاة النبي ﷺ جالسًا [كما في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم، وهو حديث الباب برقم (٩٥٠)]، لو كانت لعذر لما وضع عبد الله بن عمرو يده على رأسه، ولما حصلت له هذه الدهشة، إذ لا وجه للإنكار على المعذور، وبيان ذلك: أن عبد الله بن عمرو كان يرى النبي ﷺ يصلي بهم الفريضة قائمًا، ثم رآه بعد ذلك يصلي النافلة قاعدًا، وقد أُخبر بأن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، فحصل له هذا التعجب، لذا أخبره النبي ﷺ بأنه ليس كأحد منهم، وأن أجره قاعدًا كأجره قائمًا، ولو كان جلوسه لعذر أو مرض لما احتاج إلى هذا التخصيص، والله أعلم.
ويأتي نقل كلام الأئمة في الجمع بين الحديثين في الحديث الآتي.
***
стр. 4862
٩٥٢ - . . . إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين، قال: كان بي الناصور، فسألت النبي ﷺ ؟؛ فقال: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب".
• حديث صحيح.
أخرجه البخاري (١١١٧)، والترمذي (٣٧٢)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٢٩١/ ٣٤٥)، وابن ماجة (١٢٢٣)، وابن خزيمة (٢/ ٩٠/ ٩٧٩) و (٢/ ٢٤٢/ ١٢٥٠)، وابن حبان في الصلاة (١٢/ ٣٦/ ١٥٠٣٧ - إتحاف المهرة)، وابن الجارود (٢٣١)، والحاكم (١/ ٣١٥) و (٢/ ٢٩٩)، وأحمد (٤/ ٤٢٦)، والبزار (٩/ ١٤/ ٣٥١٥)، والروياني (١٤٥)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٧٩/ ٢٣٠٦) و (٥/ ٨٠/ ٢٤١٧)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٣٩٦/ ١٦٩٣)، وفي أحكام القرآن (٤٤٦)، والدارقطني (١/ ٣٨٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٠٤ و ٣٠٥) و (٣/ ١٥٥)، وفي المعرفة (٢/ ١٣٨/ ١٠٧٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٣٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٢٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٠٩/ ٩٨٣)، وقال: "هذا حديث صحيح". وفي التفسير (١/ ٣٨٥).
رواه عن إبراهيم بن طهمان: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وعلي بن الحسن بن شقيق، وأبو عامر العقدي [وهم ثقات].
وهذا لفظ وكيع، وفي رواية له [عند البزار والطحاوي]: كان بي الباسور، ووقع عند الترمذي وغيره: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة المريض، وفي رواية ابن المبارك [عند البخاري وغيره]: كانت بي بواسير، وقال أبو عامر [عند الدارقطني]: الباسور.
قال ابن المبارك في هذا الحديث: "كان إبراهيم بن طهمان ثبتًا في الحديث".
وقد وهم الحاكم في استدراكه على البخاري، حيث قال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما أخرجه البخاري من حديث يزيد بن زريع عن حسين المعلم مختصرًا".
• قال الترمذي: "لا نعلم أحدًا روى عن حسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان.
وقد روى أبو أسامة وغير واحد عن حسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس.
ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم؛ [يعني: حديث الجماعة عن حسين المعلم]: في صلاة التطوع، حدثنا محمد بن بشار: حدثنا ابن أبي عدي، عن أشعث بن عبد الملك، عن الحسن، قال: إن شاء الرجل صلى صلاة التطوع قائمًا وجالسًا ومضطجعًا، واختلف أهل العلم في صلاة المريض إذا لم يستطع أن يصلي جالسًا، فقال
стр. 4863
بعض أهل العلم: يصلي على جنبه الأيمن، وقال بعضهم: يصلي مستلقيًا على قفاه ورجلاه إلى القبلة.
وقال سفيان الثوري في هذا الحديث: من صلى جالسًا فله نصف أجر القائم، قال: هذا للصحيح، ولمن ليس له عذر؛ يعني: في النوافل، فأما من كان له عذر من مرض أو غيره فصلى جالسًا فله مثل أجر القائم.
وقد روي في بعض هذا الحديث مثل قول سفيان الثوري".
وقال البزار: "وهذا الكلام لا نحفظه في صفة الصلاة على طاقة الإنسان عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ولا نعلم له طريقًا عن عمران إلا هذا الطريق، وإسناده حسن، ورواه عن إبراهيم بن طهمان غير واحد فاجتزينا بمن ذكرناه دون غيره".
وقال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: "فقوله ﷺ : "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم" عند العلماء، إنما هو في التطوع خاصة دون الفريضة؟، وذلك أن يصلي الرجل التطوع قاعدًا وهو قادر على القيام؛ إلا أن يكون قد طعن في السن أو عرض له ثِقَلٌ في البدن وملالةٌ وفترةٌ، فيجد القعودَ أخفَّ عليه فيصلي قاعدًا ليكون أنشط له وأقدر على كثرة القراءة والركوع والسجود، ولو تجشم القيام لأمكنه غير أنَّه يتخفف بالقعود، فإذا فعل ذلك كان له مثل أجر القائم، فأما الفريضة فإن صلاها قاعدًا وهو يقدر على القيام لم تجزه صلاته، فإن عجز عن القيام فصلاها قاعدًا فله مثل أجر القائم إن شاء الله تعالى، وكذلك المتطوع إذا عجز عن القيام لمرض أو لزمانة حلت به فصلى التطوع قاعدًا ومن نيته أن لو استطاع القيام لقام، فله مثل أجر القائم، وإنما يكون نصف أجر القائم لمن صلى قاعدًا وهو يقدر على القيام".
وبوب ابن خزيمة لحديث الجماعة بقوله (٢/ ٢٣٥): "باب تقصير أجر صلاة القاعد عن صلاة القائم في التطوع.
وقد أطال الطحاوي في تقرير هذا المعنى في مشكل الآثار (٤/ ٣٩٧)، فليراجع، وكان مما قال: "وذلك عندنا - والله أعلم - على المصلي تطوعًا قاعدًا وهو يطيق أن يصلي قائمًا، فيكون له بذلك نصف ما يكون له لو صلى قائمًا".
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٣٢) في معرض كلامه على حديث عبد الله بن عمرو: "والمراد بهذا الحديث ومثله: صلاة النافلة والله أعلم؛ لأن المصلي فرضًا جالسًا لا يخلو من أن يكون مطيقًا على القيام، أو عاجزًا عنه؛ فإن كان مطيقًا وصلى جالسًا فهذا لا تجزيه صلاته عند الجميع، وعليه إعادتها، فكيف يكون لهذا نصفُ فضلِ مصلٍّ، بل هو عاصٍ بفعله، وأما إذا كان عن القيام عاجزًا فقد سقط فرض القيام عنه؛ إذا لم يقدر عليه؛ لأنَّ الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وإذا لم يقدر على ذلك صار فرضه عند الجميع أن يصلي جالسًا، فإذا صلى كما أمر فليس المصلي قائمًا بأفضل منه؛ لأنَّ كلًّا قد أدَّى فرضه على وجهه.
стр. 4864
والأصل في هذا الباب: أن القيام في الصلاة لما وجب فرضًا بقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقوله: " ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ٢]، وقعت الرخصة في النافلة أن يصليها الإنسان جالسًا من غير عذر لكثرتها، واتصال بعضها ببعض.
وأما الفريضة فلا رخصة في ترك القيام فيها، وإنما يسقط ذلك بعدم الاستطاعة عليه، وقد أجمعوا على أن القيام في الصلاة فرض على الإيجاب لا على التخيير، وأن النافلةَ فاعلُها مخيَّرٌ في القيام فيها، فكفى بهذا بيانًا شافيًا، وبالله التوفيق، وهذا الحديث أصل في إباحة الصلاة جالسًا في النافلة".
وقال البغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٠٩): "الحديث الأول في صلاة التطوع؛ لأنَّ أداء الفرائض قاعدًا مع القدرة على القيام لا يجوز، فإن صلى القادر صلاة التطوع قاعدًا، فله نصف أجر القائم، قال سفيان الثوري: أما من له عذر من مرض أو غيره فصلى جالسًا فله مثل أجر القائم، وهل يجوز أن يصلي التطوع نائمًا مع القدرة على القيام أو القعود؟ فذهب بعضهم إلى أنَّه لا يجوز، وذهب قوم إلى جوازه، وأجره نصف أجر القاعد، وهو قول الحسن، وهو الأصح والأولى لثبوت السُّنَّة فيه.
وأما الحديث الثاني في العاجز إن لم يقدر على القيام، يصلي قاعدًا، فإن عجز عن القعود صلى نائمًا، ولا نقصان لأجره إن شاء الله.
وقيل: الحديث الأول في صلاة الفرض، وأراد به المريض الَّذي لو تحامل أمكنه القيام مع شدة المشقة والزيادة في العلة، فيجوز له أن يصلي قاعدًا، وأجره نصف أجر القائم، ولو تحمل المشقة فقام تم أجره، وكذلك النائم الَّذي لو تحامل أمكنه القعود مع شدة المشقة، فله أن يصلي نائمًا، وله نصف أجر القاعد، ولو قعد تم أجره، ويشبه أن يكون هذا جوابًا لعمران، فإنه كان مبسورًا، وعلة الباسور ليست بمانعة من القيام في الصلاة، ولكنه رخص له في القعود إذا اشتدت عليه المشقة".
وقال أبو العباس الداني في أطراف الموطأ (٣/ ١٧): "وهذا الحديث إنما هو في صلاة النافلة خاصة دون الفريضة"، ثم نقل كلام الثوري.
وقال النووي في الخلاصة (١/ ٣٤٢/ ١٠٢٩): "قال العلماء: هذا في صلاة النفل مع القدرة على القيام، فأما الفرض: فلا يجوز قاعدًا مع القدرة [على القيام] بالإجماع؛ فإن عجز لم ينقص ثوابه، ولا ينقص ثواب نفل العاجز أيضًا" [نصب الراية (٢/ ١٥٠)].
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (٤/ ٣١٦): "وهذا له محملان: أحدهما: أن يكون في النافلة عند من يجوِّزها مضطجعًا، والثاني: على المعذور، فيكون له بالفعل النصف، والتكميل بالنِّيَّة".
قلت: وفي الثاني تكلُّف ظاهر، ومعارضة لظاهر حديث عبد الله بن عمرو، والصحيح الأول.
وانظر أيضًا: غريب الحديث لأبي عبيد (٣/ ٣٤٩)، مختصر قيام الليل (٣٣٣)،
стр. 4865
معالم السنن (١/ ١٩٤)، أعلام الحديث (١/ ٦٣٠)، شرح ابن بطال لصحيح البخاري (٣/ ١٠٤)، الحاوي (٢/ ٢٩٠)، المحلى (٣/ ٦٣)، المفهم (٣/ ٢٣٧)، النهاية (٥/ ١٢٩)، المجموع شرح المهذب (٤/ ٣٥٨)، مجموع الفتاوى (٧/ ٣٦) و (٢٣/ ١٣٠ و ٢٣٤ و ٢٤٢)، بدائع الفوائد (٤/ ١٠١٢)، الصلاة وحكم تاركها (١٦٠)، الفتح لابن حجر (٢/ ٥٨٥)، الإنصاف للمرداوي (٢/ ١٨٨)، وغيرها كثير.
• ومما جاء من شواهد في أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم:
١ - حديث ابن عمر [أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٦٤١)، وفي المعجم الكبير (١٢/ ٢٨٢/ ١٣١٢٢)] [وهو حديث باطل بهذا الإسناد، وذكره الدارقطني في الأفراد (١/ ٢٣٤/ ١١٧٢ - أطرافه)، وفي العلل (١٢/ ٢٠٢/ ٢٦٢٠) و (١٣/ ٢٨/ ٢٩١٩)] [وقد تقدم الكلام عليه عند ذكر الاختلاف على الزهري في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص برقم (٩٥٠)].
[وأخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ١٤)] [وهو حديث باطل من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر، تفرد به: النعمان بن شبل الباهلي البصري، وكان متهمًا، يأتي عن الثقات بالطامات. اللسان (٨/ ٢٨٥)، والراوي عنه حفيده: محمد بن محمد بن النعمان: طعن فيه الدارقطني واتهمه. اللسان (٧/ ٤٧٠)].
[وأخرجه ابن المقرئ في المعجم (١١٨)] [تفرد به عن معتمر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري، وهو: مجهول الحال، قال الدارقطني (١٣/ ٢٨/ ٢٩١٩): "ووهم فيه، والصواب: عن عبيد الله عن الزهري مرسلًا، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ". الثقات (٨/ ٣١)، بيان الوهم (٣/ ٣٥٩/ ١١٠٥)، اللسان (١/ ٥٣٣)، التعجيل (١٣٢١)].
٢ - حديث أنس [أخرجه: أحمد (٣/ ١٣٦)، وعبد الرزاق (٢/ ٤٧١ - ٤٧٢/ ٤١٢١)، والبزار (١٣/ ٤٠ - ٤١/ ٦٣٥٢ و ٦٣٥٣)، وابن نصر المروزي في قيام الليل (٣٣٣ - مختصره)، وأبو يعلى (٦/ ٢٧٥/ ٣٥٨٣)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٦٠/ ٤٥٢)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٢٣٣/ ١٧٢ ١ - أطرافه)، وابن عبد البر في التمهيد (١٢/ ٤٨)، والضياء في المختارة (٧/ ١٩٥ و ١٩٦/ ٢٦٣١ و ٢٦٣٢)] [تقدم ذكر هذا الحديث عند ذكر الاختلاف على الزهري في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص برقم (٩٥٠)، وبينت أنَّه غير محفوظ عن الزهري، قال أبو حاتم: "هذا خطأ"، وقال البزار: "وهذا الحديث قد اختلف فيه عن الزهري، فقال عبد الرزاق ومحمد بن بكر: عن ابن جريج عن الزهري عن أَنس، وتابعهما: صالح بن أبي الأخضر على روايتهما"، وقال محمد بن يحيى الذهلي: "والمحفوظ عندنا يعني: أحاديث معمر، وشعيب، وعبيد الله بن عمر، وبكر بن وائل بن داود، كلهم عن الزهري، عن عبد الله بن عمرو، حديث هؤلاء؛ لأنَّ الزهري لو كان سمعه من أَنس لانتشر عنه، ولقدموا حديثه؛ لأنَّ حديث عبد الله؛ يعني: ابن عمرو: مرسل.
стр. 4866
وحديث أَنس: من حديث المخرمي عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أَنس ﵁: عندنا غير محفوظ؛ لأنَّ مالكًا رواه عن إسماعيل بن محمد عن مولى لعمرو بن العاص أو لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو، ومالك أولى لحفظه، ولأنه عن عبد الله بن عمرو مستفيض، قال: ولا نعرفه عن أَنس ﵁ من وجه يثبت"، وتقدم نقل كلام الدارقطني في الموضع المشار إليه].
٣ - حديث ابن عباس [أخرجه: العقيلي في الضعفاء (١/ ٢٠٧)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٤٧)] [وهو حديث باطل، تفرد به عن الحكم بن عتيبة: حماد بن يحيى الأبح، وهو: لا بأس به، يهم في الشيء بعد الشيء، وعنه: جبارة بن المغلس، وهو واهٍ، ما كان يتعمد الكذب؛ إنما كان يوضع له الحديث؛ فيحدث به، وقد أنكر عليه الإمام أحمد هذا الحديث. التهذيب (١/ ٢٨٨)، الميزان (١/ ٣٨٧)، العلل ومعرفة الرجال (١/ ٤٧١/ ١٠٩٠)، الجرح والتعديل (٢/ ٥٥٠)].
٤ - حديث أم سلمة [أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٥/ ٧٨١٤)، والحارث بن أبي أسامة (٤/ ٥٥٦/ ٦٤٨ - مطالب) (١/ ٣٣٥/ ٢٢٥ - بغية الباحث)، وابن نصر المروزي في قيام الليل (٣٣٤ - مختصره)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٦٦)] [وفي سنده رجل مبهم].
٥ - حديث السائب، أو حديث عائشة [وهو حديث مضطرب] [أخرجه الترمذي في العلل (١٢٣)، والنسائي في الكبرى (٢/ ١٤٤/ ١٣٦٩ - ١٣٧١)، وأحمد (٣/ ٤٢٥) و (٦/ ٦١ و ٦٢ و ٧١ و ٢٢٠ و ٢٢٠ - ٢٢١ و ٢٢١ و ٢٢٧)، وإسحاق بن راهويه (٣/ ٦١٦ و ٦١٧/ ١١٩٠ و ١١٩١)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (٣/ ٣٤٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٠٣/ ٤٦٣٦)، وأبو يعلى (٨/ ٣٥٦/ ٤٩٤١)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٦٨٥)، والطحاوي في المشكل (١٣/ ٢٤٠/ ٥٢٣٣)، وفي أحكام القرآن (٤٤٩/ ٤٥٠)، والطبراني في الصغير (٢/ ٢٧٩/ ١١٦٥)، والدارقطني (١/ ٣٩٧)، وأبو نعيم في تسمية الرواة عن أبي نعيم الفضل بن دكين (٢٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٦)، وفي المتفق والمفترق (١/ ٢١٧/ ٧٤) و (٣/ ١٤٦١/ ٨٥٩)] [وفي سنده اضطراب، قال الطحاوي: لم يثبت"، اضطرب فيه: إبراهيم بن مهاجر البجلي: وليس بالقوي، ولا يتابع على بعض حديثه، وهذا منها، وقد جعله مرة من مسند عائشة، ومرة من مسند السائب، وقد خولف فيه، كما أنَّه اختُلف على الرواة عنه أيضًا اختلافًا شديدًا، وانظر الحديث المتقدم برقم (٣١٦)] [وانظر: علل ابن أبي حاتم (٣٥٠)، وعلل الدارقطني (١٤/ ٣٤٢/ ٣٦٩٠)].
[وروي من طريق آخر فيه جهالة، عند الدارقطني في المؤتلف والمختلف (١/ ٣٠٢)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٥٧٦)، من مسند السائب بن نميلة، قال ابن عبد البر: "لا أعرفه بغير هذا، وأخشى أن يكون حديثه مرسلًا"، وقيل: في إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق، أبو أمية البصري، وهو: مجمع على ضعفه، وقال النسائي والدارقطني:
стр. 4867
متروك، وقال أحمد في رواية ابنه عبد الله: "ضعيف"، وفي رواية أبي طالب: "ليس هو بشيء، شبه المتروك". التهذيب (٢/ ٦٠٣)، الميزان (٢/ ٦٤٦)، الجرح والتعديل (٦/ ٦٠)، وانظر: معرفة الصحابة لابن منده (٢/ ٧٤٤)، الإصابة (٣/ ٢٥)].
٦ - حديث علي بن أبي طالب [أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٣٠)] [وهو حديث موضوع، في إسناده: جابر بن يزيد الجعفي، وهو: متروك، يكذب، وعمرو بن شمر الجعفي: متروك، منكر الحديث، كُذِّب، ورُمِي بالوضع. اللسان (٦/ ٢١٠)، وشيخ ابن عدي فيه: جعفر بن أحمد بن علي بن بيان، أبو الفضل الغافقي المصري: رافضي يضع الحديث. اللسان (٢/ ٤٤١)، قال ابن عدي بعد حديثه هذا: "وهذا غير محفوظ بهذا الإسناد؛ ولعله أيضًا غير محفوظ عن جابر الجعفي، وعن عمرو بن شمر؛ لأنَّ شيخنا جعفر بن أحمد كنا نتهمه بوضع أحاديث يرويها"].
• ومما جاء من شواهد في كيفية صلاة المريض:
١ - حديث علي مرفوعًا، وهو حديث منكر:
يرويه حسن بن حسين العرني: حدثنا حسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن حسين، عن الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال: "يصلي المريض قائمًا إن استطاع، فإن لم يستطع صلى قاعدًا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ، وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيًا ورجلاه مما يلي القبلة".
أخرجه الدارقطني (٢/ ٤٢)، ومن طريقه: البيهقي (٢/ ٣٠٧)، وابن الجوزي في التحقيق (٤١٥).
وهذا حديث منكر، الحسن بن الحسين العرني: منكر الحديث، قال الذهبي: "هو حديث منكر، وحسين بن زيد ليَّن أيضًا" [الميزان (١/ ٤٨٣)، اللسان (٣/ ٣٣)].
ولا يصح في الاستلقاء على الظهر شيء، والله أعلم.
• وأما ما روي في بعض كتب الفقه والتخريج: "يصلي المريض قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى قفاه، ورجلاه مما يلي القبلة، يومي بطرفه"، فلا أعلم له إسنادًا بهذا اللفظ، إلا أن يكون أخذه بعضهم بالمعنى من حديث علي بن أبي طالب هذا، والله أعلم [انظر: الحاوي (٢/ ١٩٧)، الهداية شرح البداية (١/ ٧٧)، فتح القدير (٢/ ٥)، تبيين الحقائق (١/ ٢٠١)، نصب الراية (٢/ ١٧٦)، وقال: "حديث غريب". الدراية (١/ ٢٠٩)، وقال: "لم أجده هكذا". وغيرها].
٢ - حديث ابن عباس:
رواه حلبس بن محمد الضبعي، قال: نا ابن جريج، عن عطاء ونافع، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: "يصلي المريض قائمًا؛ فإن نالته مشقة صلى جالسًا، فإن نالته مشقة صلى نائمًا يومئ برأسه، فإن نالته مشقة سبح".
стр. 4868
أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٢١٠/ ٣٩٩٧).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا حلبس، تفرد به: محمد بن يحيى بن فياض".
قلت: هو حديث باطل؛ حلبس بن محمد الكلابي: متروك الحديث، منكر الحديث عن الثقات، وذهب ابن عدي إلى أنَّه هو حلبس بن غالب [المجروحين (١/ ٢٧٧)، الكامل (٢/ ٤٥٧)، علل الدارقطني (٥/ ١٦٩/ ٨٠١)، المؤتلف والمختلف (٢/ ٧٦٢)، اللسان (٣/ ٢٦٣)].
والمتفرد به عنه: محمد بن يحيى بن فياض الزماني: ثقة، لكن شيخ الطبراني: علي بن سعيد بن بشير الرازي: حافظ، رحال، جوال؛ إلا أنهم تكلموا في حفظه، وتفرد بأشياء لم يتابع عليها [اللسان (٥/ ٥٤٢)].
٣ - حديث ابن عمر:
رواه عبد الرحمن، قال: ثنا الفضل بن العباس الرازي، قال: ثنا هيثم بن يمان، قال: ثنا مسلم الزنجي، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "المريض يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فمضطجعًا، فإن لم يستطع فالله أولى بالعذر".
أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٥٣٨)، قال: حدثنا عبد الرحمن به. وعنه: أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١٢٠).
مسلم بن خالد الزنجي المكي الفقيه: ليس بالقوي، كثير الغلط، قال البخاري وأبو حاتم: "منكر الحديث" [انظر: التهذيب (٤/ ٦٨) وغيره]، وفي تفرده عن عبد الله بن دينار العدوي المدني دون أصحابه الثقات على كثرتهم؛ نكارة ظاهرة، والراوي عنه: الهيثم بن اليمان: صالح الحديث؛ له أوهام تفرد بها عن الثقات [اللسان (٨/ ٣٦٥)]، والراوي عنه: الفضل بن العباس الرازي، المعروف بفضلك الرازي: ثقة حافظ [الجرح والتعديل (٧/ ٦٦)، تاريخ بغداد (١٤/ ٣٣٧ - ط. الغرب)، السير (١٢/ ٦٣٠)]، وشيخ ابن حيان هو: عبد الرحمن بن الحسن بن موسى بن محمد الضراب: وثقه أبو الشيخ ابن حيان وأبو نعيم [طبقات المحدثين (٣/ ٥٣٨)، تاريخ أصبهان (٢/ ٧٧)]، لكن أبا الشيخ ذكر أن هذا الحديث لم يكتبه إلا عنه مع أحاديث آخر، فهو من أصحاب الغرائب والأفراد.
قلت: وعليه؛ فإن هذا الإسناد غريب جدًّا؛ وهو حديث منكر.
٤ - حديث أَنس بن مالك:
رواه حفص بن عمر قاضي حلب: حدثنا مختار بن فلفل، عن أَنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ صلى على الأرض في المكتوبة قاعدًا، وقعد في التسبيح في الأرض فأومأ إيماءً.
أخرجه أبو يعلى (٧/ ٤٢/ ٣٩٥٥)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٨/ ٢٣٦٤).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن المختار إلا حفص، تفرد به محمد".
стр. 4869
يعني: محمد بن بكار بن الريان، وهو: ثقة، لكن الشأن في حفص بن عمر قاضي حلب؛ فإنه منكر الحديث، قال ابن حبان: "يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به" [اللسان (٣/ ٢٣١)].
وهذا حديث منكر؛ خالف فيه حفص الثقات فيما رووه عن المختار بن فلفل:
فقد رواه زائدة بن قدامة، قال: ثنا المختار بن فلفل، عن أَنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا"، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: "رأيت الجنّة والنار"، وحضهم على الصلاة، ونهاهم أن يسبقوه إذا كان يؤمهم بالركوع والسجود، وأن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة، وقال لهم: "إني أراكم من أمامي ومن خلفي".
زاد بعضهم فيه: وسألت أنسًا عن صلاة المريض؟ فقال: يركع ويسجد قاعدًا في المكتوبة.
وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه برقم (٦٢٤)، وقد أخرج هذه الزيادة: أحمد (٣/ ١٢٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٤٥/ ٢٨٢٣).
ورواه مختصرًا مقتصرًا على موضع الشاهد: عبد الواحد بن زياد [ثقة]، قال: ثنا المختار بن فلفل به.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٨٠/ ٢٣١٢).
٥ - حديث جابر بن عبد الله:
رواه جماعة، قالوا: ثنا أبو بكر الحنفي [عبد الكبير بن عبد المجيد: بصري ثقة]: ثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵁؛ أن رسول الله ﷺ عاد مريضًا، فرآه يصلي على وسادةٍ، فأخذها فرمى بها، فأخذ عودًا ليصلي عليه، فأخذه فرمى به، وقال: "صلِّ على الأرض إن استطعت؛ والا فأوم إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك".
أخرجه البزار (١/ ٢٧٥/ ٥٦٨ - كشف الأستار)، ومُكرَم بن أحمد البزاز في الأول من فوائده (٤٨)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٩٢) [ووقع عنده: أبو علي الحنفي، وهو خطأ إنما هو أبو بكر]، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٠٦)، وفي المعرفة (٢/ ١٤٠/ ١٠٨٢ و ١٠٨٣).
قال البزار: "لا نعلم أحدًا رواه عن الثوري إلا الحنفي".
وقال أبو نعيم: "تفرد به الحنفي".
وقال البيهقي في السنن: "وهذا الحديث يُعدُّ في أفراد أبي بكر الحنفي عن الثوري".
وقال في المعرفة: "هذا الحديث يُعدُّ في أفراد أبي بكر الحنفي، وقد تابعه: عبد الوهاب بن عطاء عن الثوري".
وقال ابن حجر في تعليقه على مختصر زوائد البزار (٤٠٤): "هذا الإسناد صحيح".
стр. 4870
• ثم روى البيهقي (٢/ ٣٠٦) قال: أخبرنا أبو سهل المروزي: ثنا أبو بكر بن خبيب: ثنا يحيى بن أبي طالب: ثنا عبد الوهاب بن عطاء: ثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄؛ أن رسول الله ﷺ عاد مريضًا، فرآه يصلي على وسادةٍ، فأخذها فرمى بها، ثم ذكر بمثله؛ إلا أنَّه قال: "صلِّ بالأرض إن استطعت".
قلت: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف: صدوق؛ لكنه غير معروف بالرواية عن الثوري، وليس من أصحابه، وإنما هو من أصحاب سعيد بن أبي عروبة، الذين لازموه وعُرفوا بطول صحبته.
كما أن يحيى بن أبي طالب جعفر بن عبد الله بن الزبرقان، وإن كان وثقه الدارقطني وغيره، فقد تكلم فيه جماعة، مثل: أبي داود؛ فقد خطَّ على حديثه، وموسى بن هارون؛ فقد كذبه، وأبي أحمد الحاكم؛ حيث قال: "ليس بالمتين" [انظر: اللسان (٨/ ٤٢٣ و ٤٥٢)، الجرح والتعديل (٩/ ١٣٤)، الثقات (٩/ ٢٧٠)، سؤالات الحاكم (٢٣٩)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٢٠)، السير (١٢/ ٦١٩)].
والراوي عنه: أبو بكر محمد بن أحمد بن خَنْب البخاري ثم البغدادي الدهقان، نزيل بخارى [وقد تصحفت خَنْب في المطبوع إلى: خبيب، وتصحفت في مواضع أخرى إلى: حبيب، أو: جناب، وانظر مثلًا: السنن الكبرى (٢/ ٤٠٣) و (٦/ ٣٧) و (٩/ ٣٤٨)، السنن الصغرى (١/ ٣٤ و ٢٩٩)، المعرفة (٢/ ١٤٠/ ١٠٨٢)، الشعب (١/ ٤٢٧/ ٦١٠) و (٣/ ٢١/ ٢٧٥٥)، الدلائل (٥/ ٤٢٥)]، قال الدارقطني: "حدَّث ببخارى بحديث كثير، وبكتب عبد الوهاب بن عطاء عن يحيى بن أبي طالب"، وقال الذهبي: "كان فقيهًا شافعي المذهب، محدثًا فهمًا، لا بأس به" [تاريخ بغداد (٢/ ١٢٧ - ط. الغرب)، الأنساب (٢/ ٤٠٤)، السير (١٥/ ٥٢٣)، تاريخ الإسلام (٢٥/ ٤٤٩)].
والراوي عنه، وهو شيخ البيهقي: أبو سهل المروزي محمد بن نصرويه بن أحمد الكُشمِيهَني، أكثر عنه البيهقي في تصانيفه، وقال عنه في السنن الصغرى (٣/ ١٩٤): "قدم من بخارى علينا، وكان ثقة"، وذكر في الدلائل (٧/ ١٤٨) أنَّه قدم عليهم نيسابور، وسمع منه البيهقي من أصل كتابه، وانظر أيضًا: السنن الكبرى (٩/ ١٧٧)؛ إلا أني لم أجد من ترجم له، ولا من وثقه سوى البيهقي، ولا من روى عنه سواه.
وفي جزم الأئمة بتفرد أبي بكر الحنفي به عن الثوري، ما يؤكد عدم ثبوته عن الخفاف، إذ لو كان مشهورًا عنه، لما فاتهم.
• قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١١٣/ ٣٠٧): "سئل أبي عن حديث رواه أبو بكر الحنفي، عن الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر؛ أن النبي ﷺ دخل على مريض، وهو يصلي على وسادة؟
قال: هذا خطأ؛ إنما هو عن جابر قوله؛ أنَّه دخل على مريض.
следующие страницы →