← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

(٤/ ٨٦)، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٧٨)، وقال: "ربما أغرب"، وقال الذهبي في السير (٩/ ٣١٧): "هو صالح الحديث، وما علمت لأحد فيه جرحا"، قلت: هو كثير التفرد عن المشاهير، وله مناكير وغرائب، وهذا منها. • وله طريق أخرى شديدة الضعف: أخرجها أبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٢/ ١٧٢/ ٢٩٢)، والبيهقي في السُّنن (٣/ ٢٨٠)، وفي المعرفة (٣/ ٣١/ ١٨٧٥)، والبغوي في الشمائل (٧٧١). ° والمحفوظ في هذا: ما رواه ابن جريج، قال: أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبي ﷺ كان يلبس في كل يوم عيد بردًا له من حبرة. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٠٤/ ٥٣٣١). قال ابن رجب في الفتح (٥/ ٣٧٢): "وهذا المرسل أشبه". قلت: وهذا مرسل أو معضل؛ وأبو جعفر هذا هو: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وروايته عن أكثر الصحابة مرسلة. ٨ - وروى عنبسة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن الأسود أو ابن أبي الأسود، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا استجدَّ ثوبًا لبسه يوم الجمعة. أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين (١/ ٣٤٧)، وفي أخلاق النبي ﷺ (٢/ ١٠٣/ ٢٥٧) و (٤/ ٩٩/ ٨٠٧)، وابن المقرئ في المعجم (٤٨٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ١٣٧)، وفي المتفق والمفترق (٢/ ٨٨٤/ ٥٣٠)، والبغوي في شرح السنَّة (١٢/ ٤٣/ ٣١١٤)، وفي الشمائل (٧٨٨)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٦٨٢/ ١١٣٤). من طرق فيها جماعة من المتروكين والمجهولين، إلى عنبسة، فمنهم من يرويه هكذا على الشك، ومنهم من يرويه عنه عن عبد الله بن أبي الأسود عن أنس، ومنهم من يرويه عنه عن عبد الله بن الأسود عن أنس، ومنهم من رواه عن عنبسة عن أبان عن أنس. قلت: هو حديث باطل؛ عنبسة بن عبد الرحمن الأموي: متروك، منكر الحديث، قال أبو حاتم: "كان يضع الحديث"، واتهمه أيضًا: الأزدي وابن حبان [التهذيب (٣/ ٣٣٣)]. • وفيه أيضًا حديث لأبي داود يأتي في كتاب اللباس برقم (٤٠٧٣)، إن شاء الله تعالى. ° وفي الجملة فإن لبس أحسن الثياب للتجمل للجمعة والعيد كان أمرا معتادا بين الصحابة، فقد روى ابن أبي شيبة (١/ ٤٨١/ ٥٥٥١)، قال: حدثنا عبيد الله، قال: أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ابن أبي ليلى، قال: أدركت أصحاب محمد ﷺ ، من أصحاب بدر، وأصحاب الشجرة، إذا كان يوم الجمعة لبسوا أحسن ثيابهم، وإن كان عندهم طيب مسوا منه، ثم راحوا إلى الجمعة. وإسناده صحيح.

стр. 5532

٢٢٠ - باب التحلُّق يومَ الجمعة قبلَ الصلاة ١٠٧٩ - . . . ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تُنشَد فيه ضالة، وأن يُنشَدَ فيه شِعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة. حديث حسن أخرجه الترمذي (٣٢٢)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٣٠٢)، والنسائي في المجتبى (٢/ ٤٧/ ٧١٤) و (٢/ ٤٨/ ٧١٥)، وفي الكبرى (١/ ٣٩٤/ ٧٩٥) و (١/ ٣٩٥/ ٧٩٦) و (٩/ ٧٦/ ٩٩٣٠)، وابن ماجه (٧٤٩ و ٧٦٦ و ١١٣٣)، وابن خزيمة (٢/ ٢٧٤/ ١٣٠٤) و (٢/ ٢٧٥/ ١٣٠٦) و (٣/ ١٥٨/ ١٨١٦)، وابن الجارود (٥٦١)، وأحمد (٢/ ١٧٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٨٢/ ٧٩٠٦)، وابن شبة في أخبار المدينة (١/ ٢٤)، والفاكهي في أخبار مكة (٢/ ١٢٠/ ١٢٦٧)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٢٦/ ٢٥١٥)، والطحاوي (٤/ ٣٥٨)، والبيهقي (٢/ ٤٤٨) و (٣/ ٢٣٤)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٣٦٩)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ٢٧٢)، وفي الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٦٢/ ١١٨٧ و ١١٨٨)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٢/ ٣٧٢/ ٤٨٥)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٩٩). فرقه بعضهم على الأبواب، أو اقتصر منه على طرف. رواه عن محمد بن عجلان: يحيى بن سعيد القطان [واللفظ له]، والليث بن سعد، وبشر بن المفضل [وهم ثقات أثبات]، وصفوان بن عيسى [ثقة]، وحاتم بن إسماعيل [صدوق]، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان [صدوق، ليس بذاك الحافظ]، ويحيى بن أيوب الغافقي [لا بأس به]، وعبد الله بن لهيعة [ضعيف]. ورواه عن يحيى بن سعيد القطان: أحمد بن حنبل، ومسدد بن مسرهد، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وبندار محمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي [وهم ثقات حفاظ]. ولفظ الليث [عند الترمذي]: نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والاشتراء فيه، وأن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة. ولفظ أبي خالد الأحمر [عند ابن خزيمة]: نهى النبي ﷺ عن البيع والابتياع، وأن ننشد الضوال، وعن تناشد الأشعارِ، وعن التحلق للحديث يوم الجمعة قبل الصلاة؛ يعني: في المسجد. وتقييد التحلق بقوله: للحديث، زيادة شاذة، انفرد بها أبو خالد الأحمر، دون بقية من روى الحديث، وفيهم ثقات حفاظ.

стр. 5533

وقد أخرج الطبراني في الأوسط (٦/ ٣٥٨/ ٦٦١٣)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٦٣/ ١١٨٩)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٩٨). من طرق عن أبي حفص عمرو بن علي [الفلاس: ثقة حافظ، إمام]، قال: سمعت المعتمر بن سليمان، يقول: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن النبي ﷺ نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل خروج الإمام. قلت لأبي حفص [القائل هو أحد الرواة عنه؛ محمد بن جعفر بن محمد الرافقي، ابن الإمام، وهو: ثقة]: سمعت هذا من يحيى؟ قال: أكثر من مائة مرة. قال أبو حفص: رأيت عبد الرحمن بن مهدي جاء إلى حلقة يحيى بن سعيد ومعاذ بن معاذ، فقعد خارجًا من الحلقة يوم الجمعة قبل الصلاة، فقال له يحيى: ادخل في الحلقة، فقال له عبد الرحمن: أنت حدثتني عن محمد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل خروج الإمام! فقال له يحيى: أنا رأيت حبيب بن الشهيد، وهشام بن حسان، وسعيد بن أبي عروبة، يتحلقون يوم الجمعة قبل خروج الإمام، فقال عبد الرحمن: هؤلاء بلغهم أن رسول الله ﷺ نهى عن التحلق يوم الجمعة، ثم تحلقوا؟ فسكت يحيى. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن معتمر وعبد الرحمن بن مهدي عن يحيى بن القطان إلا أبو حفص"، قلت: وهو ثقة حافظ، يحتمل منه التفرد بهذه القصة. وقال أبو موسى المديني: "هذا حديث مشهور من حديث ابن عجلان عن عمرو بن شعيب". قلت: وابن عجلان: ثقة؛ إلا أنه اختلطت عليه أحاديث المقبري عن أبي هريرة، وقد سبق أن فصلت الكلام على ابن عجلان [انظر مثلًا: الحديث رقم (٧٩٦)]، ومما نقلت هناك، ما قاله النسائي في عمل اليوم والليلة (٩٢): "وابن عجلان اختلطت عليه أحاديث سعيد المقبري: ما رواه سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وسعيد عن أخيه عن أبي هريرة، وغيرهما من مشايخ سعيد، فجعلها ابن عجلان كلها عن سعيد عن أبي هريرة، وابن عجلان ثقة، والله أعلم". وهذا الحديث ليس مما يرويه ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ولا عن أبيه أبي سعيد، وهي الأحاديث التي اختلطت عليه من أحاديث أبي هريرة، وإنما هو عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولم يختلف عليه في إسناده، فهو من صحيح حديث ابن عجلان، والله أعلم. ولم ينفرد به ابن عجلان؛ فقد تابعه على بعض حديثه هذا أسامة بن زيد الليثي مولاهم، وهو: صدوق، صحيح الكتاب، يخطئ إذا حدث من حفظه، وقد أنكروا عليه أحاديث [تقدمت ترجمته مفصلة عند الأحاديث رقم (٣٩٤ و ٦٠٠ و ٦١٩)]، وهو هنا قد حفظ هذا الحديث؛ حيث توبع عليه:

стр. 5534

رواه عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب؛ قالا: حدثني أسامة بن زيد [الليثي]: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن البيع والاشتراء في المسجد. أخرجه أحمد (٢/ ٢١٢)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (٥٣٥). وهذا إسناد حسن؛ لأجل ما قيل في سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [وانظر الكلام عليها مفصلا عند الحديث رقم (١٣٥)]. ومما قلت هناك: فالصحيح في سلسلة: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنه لا يقبل مطلقًا؛ فيصحح أو يحسن بمجرد الإسناد، ولا يرد مطلقا؛ فيضعف بمجرد الإسناد، ولكن ينظر في المتن فإن أتى بمتن معروف، له أصل يشهد له: قُبِل، وإن أتى بما يُنكَر رُدَّ، والله أعلم. ° وقد اشتمل حديث عبد الله بن عمرو هذا على أربعة أطراف: الأول: النهي عن البيع والشراء في المسجد [وانظر: تخريج أحاديث الذكر والدعاء برقم (٧٦) (١/ ١٤٩)]. والثاني: النهي عن نشد الضالة في المسجد، وقد سبق أن بوب له أبو داود، وأخرج فيه حديث أبي هريرة برقم (٤٧٣)، وهو في صحيح مسلم (٥٦٨)، وقد سبق تخريجه مع أحاديث الباب في أحاديث الذكر والدعاء برقم (٧٥) (١/ ١٤٨). والثالث: النهي عن إنشاد الشعر في المسجد، وسيعقد أبو داود للشعر بابًا في كتاب الأدب في آخر السنن، وسيذكر فيه قصة حسان بن ثابت وهو يُنشِد في المسجد برقم (٥٠١٣ و ٥٠١٤)، وسوف أتكلم هناك إن شاء الله تعالى عن أدلة الباب المتعارضة. والرابع: النهي عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وهذا هو موضوع الباب. وهو حديث حسن. قال الترمذي: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: حديث حسن. وعمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال محمد بن إسماعيل: رأيت أحمد وإسحاق - وذكر غيرهما - يحتجون بحديث عمرو بن شعيب. قال محمد: وقد سمع شعيب بن محمد، من عبد الله بن عمرو، ومن تكلم في حديث عمرو بن شعيب إنما ضعفه؛ لأنه يحدث عن صحيفة جده؛ كأنهم رأوا أنه لم يسمع هذه الأحاديث من جده. قال علي بن عبد الله، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه قال: حديث عمرو بن شعيب عندنا واهٍ. قلت: قد صحح أو احتج به على منع التحلق قبل صلاة الجماعة جماعة من الأئمة، مثل: أبي داود، والنسائي، وابن خزيمة، وابن ماجه، وغيرهم. قال ابن خزيمة: "باب الزجر عن الحِلَق يوم الجمعة قبل الصلاة". بل إن ابن مهدي قد احتج بهذا الحديث على عدم التحلق قبل الجمعة، ولما ناقش

стр. 5535

يحيى القطان في ذلك انقطعت حجة يحيى، حينما احتج عليه ابن مهدي بأن الذين تحلقوا قبل الجمعة لم يبلغهم الحديث، ولم يحتج عليه القطان بنكارة حديث عمرو بن شعيب وتضعيفه، بل إنه لم ينكر على ابن مهدي احتجاجه به، فهو حديث ثابت؛ لم أر قولا صريحا في إنكاره. وقال النووي في الخلاصة (٢٧٦٢): "رواه أبو داود والنسائي وآخرون بأسانيد حسنة"، قلت: مداره على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقد روي من حديث واثلة: رواه الوليد بن حماد الرملي [حافظ، يروي الواهيات. تاريخ دمشق (٦٣/ ١٢١)، السير (١٤/ ٧٨)، اللسان (٨/ ٣٨٢)]: ثنا سليمان بن عبد الرحمن [الدمشقي، ابن بنت شرحبيل: صدوق، له مناكير]: ثنا بشر بن عون: ثنا بكار بن تميم، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُتحلق يوم الجمعة قبل خروج الإمام، وليُقبلوا على القبلة، ولا يوم العيد بعد الصلاة". وفي رواية: أمرنا رسول الله ﷺ لا نتحلق يوم الجمعة قبل خروج الإمام، وليقبلوا على القبلة، ولا يوم العيدين بعد الصلاة. أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٦١/ ١٤٨)، وفي مسند الشاميين (٤/ ٣١١/ ٣٣٩٧). قال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٧٨): "رواه الطبراني في الكبير، وفيه بشر بن عون، روى أحاديث موضوعة بهذا الإسناد". قلت: هو حديث كذب موضوع؛ قال أبو حاتم عن حديث بهذا الإسناد: "هذا حديث كذب؛ وبشر وبكار: مجهولان" [علل ابن أبي حاتم (٢/ ٣٨٩/ ٢٦٧٨)]، وقال في حديث آخر بهذا الإسناد: "هذا حديث منكر" [علل ابن أبي حاتم (١/ ٣٨٢/ ١١٤١)]، وقال عنهما في الجرح والتعديل (٢/ ٣٦٢ و ٤٠٨): "مجهولان"، وقال ابن حبان في المجروحين (١/ ١٩٠) (١/ ٢١٦ - ط. الصميعي): "بشر بن عون القرشي الشامي: يروي عن بكار بن تميم عن مكحول، روى عنه سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، روى عن بكار بن تميم عن مكحول عن واثلة نسخة نسبتها مئة حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به بحال" [انظر: اللسان (٢/ ٣٠٤ و ٣٢٨)]. ° وقد رويت آثار كثيرة عن الصحابة في التحديث قبل الجمعة، وليس في التحلق، أغلبها ضعيف أو منكر، ومما ثبت عندي في ذلك: ما رواه أبو عوانة في مستخرجه على مسلم (٣/ ٤٢٠٧/٦٤)، قال: حدثنا أبو إسماعيل الترمذي: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان: ثنا زياد بن سعد، قال: سمعت ثابت الأعرج، يحدث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "شر الطعام طعام الوليمة، يُمنعُها من ياتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله". قال الحميدي: ثنا سفيان: ثنا زياد، قال: قلت لثابت الأعرج: من أين سمعت من

стр. 5536

أبي هريرة؟ فقال: كان موالي يبعثوني يوم الجمعة آخذ لهم مكانا عند المنبر، فكان أبو هريرة يجيء قبل الصلاة، فيحدِّث الناسَ، فكنت أسمع، فقال أحمد بن حنبل: ما أرى بحديثه بأسًا؛ يعني: ثابتا، وهو ابن عياض، ويحدث عنه عبيد الله ومالك وزياد. وهذا الحديث قد أخرجه مسلم في صحيحه (١٤٣٢/ ١٠٧) عن ابن أبي عمر العدني عن ابن عيينة به، بدون القصة التي في آخره، وهي قصة ثابتة؛ راويها عن الحميدي عند أبي عوانة هو: أبو إسماعيل الترمذي محمد بن إسماعيل بن يوسف السلمي: ثقة حافظ. • وأما ما روي عن مالك وغيره من أهل العلم ممن كان يتحلق قبل صلاة الجمعة، فإنه محمول على أن النهي لم يبلغهم، والله أعلم [انظر: المدونة (١/ ١٤٨)]. • قال الخطيب: "وهذا الحديث يتفرد بروايته عمرو بن شعيب، ولم يتابعه أحد عليه، وفي الاحتجاج به مقال، فيحتمل أن يكون يحيى بن سعيد ومن وافقه تركوا العمل به لذلك، أو يكون النهي مصروفا إلى من قارب من الإمام، خوفا أن يشغل عن سماع الخطبة، فأما من بعُد منه بحيث لا يبلغه صوته فتجوز له المذاكرة بالعلم في وقت الخطبة، والله أعلم". وقال في الفقيه والمتفقه: "هذا الحديث محمول على أن تكون الحلقة بقرب الإمام بحيث يشغل الكلام فيها عن استماع الخطبة، فأما إذا كان المسجد واسعًا والحلقة بعيدة من الإمام بحيث لا يدركها صوته فلا بأس بذلك، وقد رأيت كافة شيوخنا من الفقهاء والمحدثين يفعلونه، وجاء مثله عن عدة من الصحابة والتابعين ﵃". قلت: قد ثبت حديث عمرو بن شعيب هذا، ولم ينكره أحد من العلماء، وتقدم الكلام على من صحح الحديث أو احتج به، وأما التحلق أثناء الخطبة لاستماع درس: قول شاذ، بل منكر، وسيأتي بيان الصحيح في كلام ابن قدامة في آخر ما نقلته من كلام الأئمة في معنى الحديث. ثم أسند الخطيب في الجامع إلى أبي زكريا يحيى بن معين، قال: "رأيت يحيى بن سعيد القطان ومعاذ بن معاذ وحماد بن مسعدة يتحلقون يوم الجمعة قبل الصلاة، ومعهم نحو من ثلاثين رجلًا يتحدثون، والناس يصلون، ومعاذ يحدث، فإذا فرغ من الحديث، قال ليحيى: أليس هكذا يا أبا سعيد؟ فيقول له: نعم، وما يصلون البتة حتى تقام الصلاة، قال أبو زكريا: وكان حفص بن غياث وأصحابه يتحلقون أيضًا يوم الجمعة قبل الصلاة، فقال له سفيان الثوري زعموا: ما فعلت حلقتكم يا أبا عمر؟ قال: هي على حالتها". قلت: لا حجة في قول أحد بعد رسول الله ﷺ ، ولم يثبت عن أحد من الصحابة التحلق قبل الجمعة ولا أثناءها لسماع حديث أو موعظة، وإنما الذي ثبت عن بعض الصحابة: إما التحديث قبل الجمعة، ولا يلزم منه تحلق الناس حولهم، وقصة ثابت بن عياض السابق ذكرها تدل على أنه كان كلامًا يسيرًا، يحدث فيه بحديث رسول الله ﷺ إحياءً للسنن التي أماتها أمراء بني أمية، ونحو ذلك، وإما أن ذلك كان من بعضهم على

стр. 5537

سبيل الإنكار لمنكرٍ وقع فأسمع من كان يجلس حوله في الصفوف، وليس فيه نوع تحلق، وأما التحلق الذي حكاه الخطيب عن بعض العلماء فهو محمول على أن الحديث لم يبلغهم، كما قال ابن مهدي، والله أعلم. ° قال الخطابي في معالم السُّنن (١/ ٢١٣): "وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاة، وينصت للخطبة والذكر؛ فإذا فرغ منها كان الاجتماع والتحلق بعد ذلك". وقال البيهقي في السُّنن (٣/ ٢٣٤): "من كره التحلق في المسجد إذا كانت الجماعة كثيرة، والمسجد صغيرا، وكان فيه منع المصلين عن الصلاة". وقال البغوي: "وفي الحديث كراهية التحلق والاجتماع يوم الجمعة قبل الصلاة لمذاكرة العلم، بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة، ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة في المسجد وغيره". وقال ابن العربي في العارضة (٢/ ١٠٣): "وإنما نهي عنه يوم الجمعة؛ لأنهم ينبغي لهم أن يكونوا صفوفًا يستقبلون الإمام في الخطبة، ويعتدلون خلفه في الصلاة". • وقال ابن قدامة في المغني (٢/ ٨٥): "فصل: وللبعيد [يعني: من لا يسمع الخطيب لبعده] أن يذكر الله تعالى، ويقرأ القرآن، ويصلي على النبي ﷺ ، ولا يرفع صوته، قال أحمد: لا بأس أن يصلي على النبي ﷺ فيما بينه وبين نفسه، رخص له في القراءة والذكر عطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشافعي. وليس له أن يرفع صوته، ولا يذاكر في الفقه، ولا يصلي، ولا يجلس في حلقة، وذكر ابن عقيل أن له المذاكرة في الفقه وصلاة النافلة. ولنا عموم ما رويناه، وأن النبي ﷺ نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، رواه أبو داود، ولأنه إذا رفع صوته منع من هو أقرب منه من السماع، فيكون مؤذيًا له، فيكون عليه إثم من آذى المسلمين، وصد عن ذكر الله تعالى". * * * ٢٢١ - باب في اتخاذ المنبر ١٠٨٠ - . . . يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدِ القاري القرشي: ثنا أبو حازم بن دينار؛ أن رجالا أتوا سهل بن سعد الساعدي، وقد امتروا في المنبر: ممَّ عودُه؟ فسألوه عن ذلك، فقال: والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيتُه أولَ يومِ وُضِع، وأوَّلَ يومِ جلس عليه رسولُ الله ﷺ ، أرسل رسولُ الله ﷺ إلى فلانة - امرأة قد سماها سهل - أن: "مُرِي غلامَك النجارَ أن يعمل لي أعوادًا أجلسُ عليهن إذا كلمتُ الناسَ" فأمرَته، فعملها من طَرْفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلَته إلى

стр. 5538

رسول الله ﷺ ، فأمر بها فوُضِعت ههنا، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ صلى عليها، وكبَّر عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القَهْقَرى، فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: "أيها الناس إنما صنعتُ هذا لتأتموا بي، ولِتعَلَّموا صلاتي". حديث متفق على صحته أخرجه البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٤٤/ ٤٥)، وقد تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٥٩٨). ورواه أيضًا: عبد العزيز بن أبي حازم، وأبو غسان محمد بن مطرف، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، وهشام بن سعد [وهم ثقات]، وعبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي [ضعيف]، وعبد الرحمن المسعودي [صدوق، اختلط، وفي روايته زيادات انفرد بها]: ستتهم عن أبي حازم به. أخرجه البخاري (٤٤٨ و ٢٠٩٤ و ٢٥٦٩)، ومسلم (٥٤٤/ ٤٤)، وقد تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٥٩٨). ورواه سفيان بن عيينة: نا أبو حازم: سألوا سهل بن سعد: من أي شيء المنبر؟ فقال: … فذكر الحديث. أخرجه البخاري (٣٧٧)، ومسلم (٥٤٤/ ٤٥)، وتقدم تحت الحديث رقم (٥٩٨). • ومن ألفاظه التي لم أذكرها هناك، وهي محفوظة عن ابن عيينة: ما رواه ابن عيينة، عن أبي حازم، قال: أتوا سهل بن سعد فقالوا: من أي شيء منبر رسول الله ﷺ ؟ قال: ما بقي أحد من الناس أعلم به مني، قال: هو من أثل الغابة، وعمله فلان مولى فلانة لرسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يستند [قبله] إلى جذع في المسجد يصلي إليه [ويستند] إذا خطب، فلما اتخذ المنبر فقعد عليه حن الجذع، قال فأتاه رسول الله ﷺ فوطئه [بيده حتى سكن]. • وله طريق أخرى يرويها عباس بن سهل بن سعد عن أبيه [أخرجها ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٥٠ و ٢٥١)، والروياني (١٠٩٠)، والطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٨٨/ ٤١٩٦)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٢٦/ ٥٧٢٦)، وأبو نعيم في الدلائل (٣٠٩)، وابن بشران في الأمالي (٤٢٢)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٥٩)، وابن بشكوال في الغوامض (٥/ ٣٤٤)] [من ثلاثة طرق، في أحدها: ابن لهيعة، وهو: ضعيف، وفي الثاني: سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري، وهو: صدوق، له أوهام، تقدمت ترجمته تحت الحديث رقم (٨١٦)، وجود إسناده ابن رجب في الفتح (٥/ ٤٦٥)، وفي الثالث: عبد المهيمن بن عباس، وهو: منكر الحديث، روى عن آبائه أحاديث منكرة. التهذيب (٣/ ٦٣٠)].

стр. 5539

• وله عن سهل طريق أخرى، لكنها واهية [أخرجها الطبراني في الكبير (٦/ ٢٠٥/ ٦٠١٨)]. وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله: ١ - يرويه أبو نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، وخلاد بن يحيى: عن عبد الواحد بن أيمن، قال: سمعت أبي، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة [وفي رواية وكيع: إلى جذع نخلة]، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله! ألا نجعل لك منبرًا [تخطب عليه]؟ قال: "إن شئتم"، فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة دُفِع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي [وفي رواية وكيع: فأن الجذع الذي كان يقوم عليه كما يئن الصبي]، ثم نزل النبي ﷺ فضمه إليه، تئنُّ أنين الصبي الذي يسكن، قال: "كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها" [وفي رواية وكيع: فقال النبي ﷺ : "إن هذا بكى لما فقد من الذكر"]. وفي رواية: أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارًا، قال: "إن شئتِ"، قال: فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر الذي صُنِع، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها، حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي ﷺ حتى أخذها، فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت، حتى استقرت، قال: "بكت على ما كانت تسمع من الذكر". أخرجه البخاري (٤٤٩ و ٢٠٩٥ و ٣٥٨٤)، وأحمد (٣/ ٣٠٠)، وابن أبي شيبة (٦/ ٣١٩/ ٣١٧٤٨)، والطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٨٦/ ٤١٩٣)، وأبو علي الرفاء في فوائده (٢٤٢)، وأبو نعيم في الدلائل (٣٠٣)، والبيهقي في السُّنن (٣/ ١٩٥)، وفي الدلائل (٢/ ٥٦٠) و (٦/ ٦٦)، والبغوي في الشمائل (١٤٥)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (٤/ ٤٦٩/ ٣٧٣٤)، وإسماعيل الأصبهاني في الدلائل (٢١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ٣٩٣)، وابن بشكوال في الغوامض (٥/ ٣٤٢). ٢ - وروى سليمان بن بلال [مدني، ثقة]، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير [مدني، ثقة]، وسليمان بن كثير العبدي [بصري، ليس به بأس، وقد وهم في إسناد هذا الحديث، كما سيأتي بيانه]، وسويد بن عبد العزيز [دمشقي، ضعيف]، وسويد بن سعيد [الحدثاني: صدوق في نفسه؛ إلا أنه تغير بعدما عمي، وصار يتلقن، فضعِّف بسبب ذلك]: عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك؛ أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄، يقول: كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر وكان عليه، فسمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العِشار، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها، فسكنت. أخرجه البخاري (٩١٨ و ٣٥٨٥)، والدارمي (٣٤)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٥٣)، والطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٧٩ - ٣٨١/ ٤١٨٠ - ٤١٨٢)، والبيهقي في السُّنن (٣/ ١٩٥)، وفي الدلائل (٢/ ٥٦٠ و ٥٦١)، وفي الاعتقاد (٢٧٠).

стр. 5540

تنبيه: وقع في رواية: محمد بن جعفر [عند الطحاوي والدارقطني في العلل (١٣/ ٣٥٩/ ٣٢٤٥)]: عبيد الله بن حفص، قلبه، إنما هو: حفص بن عبيد الله. • وفي هذا الحديث إثبات سماع حفص بن عبيد الله بن أنس من جابر بن عبد الله، ويبدو أن أبا حاتم الرازي لم يقف على ثبوت هذا السماع، حيث نقل عنه ابنه في الجرح والتعديل (٣/ ١٧٦) قوله: "ولا يُدرى سمع من جابر وأبي هريرة، أم لا؟ ولا يثبت له السماع إلا من جده أنس بن مالك". وقد وهم في هذا الإسناد: سليمان بن كثير العبدي، فقد رواه كالجماعة [كما عند الدارمي، وانظر: إتحاف المهرة (٣/ ١١٨/ ٢٦٣٢)]، ورواه مرة أخرى، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن جابر به. أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٢٨٨) (٥/ ٢٨٢ - ط. الرشد)، وأبو الشيخ في جزء من حديثه بانتقاء ابن مردويه (٧٣)، وأبو القاسم الحرفي في الأول من فوائده (٦٦)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٥٦). قال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٣٩٧/ ٢٧٠٠): "سألت أبي عن حديث رواه سليمان بن كثير، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ؛ أنه خطب فاستند إلى خشبة فلما اتخذ المنبر حنَّت الخشبة، … وذكر الحديث، قال أبي: رواه سليمان بن بلال وسويد بن عبد العزيز، عن يحيى بن سعيد، عن حفص بن عبيد الله بن أنس، عن جابر، عن النبي ﷺ ، قال أبي: هذا أشبه، وليس لسعيد بن المسيب هاهنا معنى". وقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٣٥٩/ ٣٢٤٥) عن إسناد الجماعة: "وهو الصواب". ويأتي نقل بقية كلام الأئمة على هذا الإسناد، في آخر طريقٍ، وهو برقم (٨). ٣ - وروى إسرائيل بن أبي إسحاق، والأعمش، وزكريا بن أبي زائدة: عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن أبي كرِب [قال أبو عوانة عن الأعمش: عن كريب، وهو خطأ، نبه عليه الدارقطني]، عن جابر، قال: كان رسول الله ﷺ يخطب إلى خشبة، فلما جُعِل منبرٌ، حنت حنين الناقة إلى ولدها، فأتاها فوضع يده عليها، فسكنت. لفظ إسرائيل [عند أحمد]، ولفظ الأعمش بنحوه [عند ابن الأعرابي]. وفي رواية لإسرائيل [عند البيهقي]: كان رسول الله ﷺ إذا خطب الناس أسند ظهره إلى خشبة، فلما صنع المنبر، فقدته الخشبة، فحنت حنين الناقة الخلوج إلى ولدها، فأتاها رسول الله ﷺ فوضع يده عليها، فسكنت. ولفظ زكريا بن أبي زائدة [عند أبي يعلى]: كان النبي ﷺ يقوم إلى خشبة، يتوكأ عليها، يخطب كل جمعة، حتى أتاه رجل من الروم، وقال: إن شئتَ جعلتُ لك شيئا إذا قعدتَ عليه كنت كأنك قائم؟ قال: "نعم"، قال: فجعل له المنبر، فلما جلس عليه؛ حنت الخشبة حنين الناقة على ولدها [وفي رواية: حنين الناقة الخلوج]، حتى نزل النبي ﷺ

стр. 5541

فوضع يده عليها، فلما كان من الغد فرأيتها قد حُوِّلت، فقلنا: ما هذا؟ قال: جاء النبي ﷺ وأبو بكر وعمر فحوَّلوها. أخرجه الدارمي (٣٥)، وأحمد (٣/ ٢٩٣)، وأبو يعلى (٢/ ٣٢٩/ ١٠٦٨) و (٤/ ١٢٨/ ٢١٧٧) [وفي إسناده الثاني سقط]، والطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٨٤/ ٤١٨٩ و ٤١٩٠) و (١٠/ ٣٨٥/ ٤١٩٢)، وابن الأعرابي في المعجم (٣/ ٩٣٩/ ١٩٩٠) [لكن تحرف عنده جابر، إلى: جندب]. وأبو نعيم في الدلائل (٣٠٤)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٥٥ - ٥٥٦ و ٥٦٢)، وإسماعيل الأصبهاني في الدلائل (١٧٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ٣٩٣). قلت: لفظ ابن أبي زائدة بهذا السياق: منكر، تفرد به عنه: مسروق بن المرزبان، وقد رواه الدارمي عن فروة [هو: ابن أبي المغراء، وهو: ثقة]، عن يحيى بن زكريا، عن أبيه، به مختصرا، قال: حنت الخشبة حنين الناقة الخلوج، والوهم فيه عندي من مسروق بن المرزبان، فإنه وإن صدَّقه صالح بن محمد، وذكره ابن حبان في الثقات، لكن قال أبو حاتم: "ليس بقوي، يكتب حديثه" [الجرح والتعديل (٨/ ١٢٩ و ٣٩٧)، التهذيب (٤/ ٦٠)]، وزكريا بن أبي زائدة وإن كان ثقة؛ إلا أنه ممن سمع من أبي إسحاق بأخرة. وانظر: ما قاله الدارقطني في العلل (١٣/ ٣٠٦/ ٣١٨٥) و (١٣/ ٣٦١/ ٣٢٤٩)، وقد صوَّب قول من قال: عن سعيد بن أبي كرِب. والمحفوظ: رواية إسرائيل، وتابعه عليها الأعمش، وإسرائيل من أثبت الناس في جده أبي إسحاق. وهذا إسناد صحيح، تقدم الكلام عليه تحت الحديث رقم (٩٧). ٤ - وروى عمر بن علي المقدمي، وأبو عوانة، وأبو عبيدة عبد الملك بن معن المسعودي [وهم ثقات]: عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله ﵄؛ أن النبي ﷺ كان يخطب إلى خشبة عليه ظلة، فقال له أصحابه: لو جعلنا لك عريشًا أو شيئًا نحوه، فتجلس إليه، تكون كأنك قائم، فجُعِل المنبر، فخطب الناسَ عليه، فحنت الخشبة حنين الناقة الخلوج، فقام النبي ﷺ إليها فاحتضنها، فسكتت، وكانوا يقولون: لو لم يحتضنها لم تسكت إلى يوم القيامة. لفظ المقدمي. وفي رواية لأبي عوانة: كانت خشبة في المسجد، فكان رسول الله ﷺ يخطب إليها، فقلنا له: لو جعلنا لك مثل العريش، فقمت عليه، ففعل، فحنَّت الخشبة كما تحنُّ الناقة، فأتاها رسول الله ﷺ فاحتضنها، ووضع يده عليها، فسكنت. أخرجه الطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٨٤/ ٤١٨٨) و (١٠/ ٣٨٥/ ٤١٩١ و ٤١٩٢)، والخطابي في غريب الحديث (١/ ٤١٨)، وأبو نعيم في الدلائل (٣٠٤)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٥٥ - ٥٥٦ و ٥٦٢ و ٥٦٣).

стр. 5542

وانظر: ما قاله الدارقطني في العلل (١٣/ ٣٠٦/ ٣١٨٥) و (١٣/ ٣٢٤٩/٣٦١). وهذا إسناد صحيح، على شرط الصحيح [انظر: التحفة (٢٢٣٣ - ٢٢٣٦)]. • وقد روي بإسناد فيه وضاع [هو: أحمد بن محمد بن عمرو أبو بشر المروزي: كان يضع الحديث. اللسان (١/ ٦٤٢)]، إلى الأعمش وأبي حصين، عن أبي صالح، عن جابر بنحوه. أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين (٤/ ١١١). ٥ - وروى سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يقوم إلى أصل شجرة - أو قال: إلى جذع - ثم اتخذ منبرًا، قال: فحن الجذع - قال جابر: - حتى سمعه أهل المسجد، حتى أتاه رسول الله ﷺ فمسحه فسكن، فقال بعضهم: لو لم يأته لحن إلى يوم القيامة. أخرجه ابن ماجه (١٤١٧)، وابن حبان (١٤/ ٤٣٨/ ٦٥٠٨)، وأحمد (٣/ ٣٠٦)، الطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٨٧/ ٤١٩٥)، والآجري في الشريعة (٤/ ١٥٨٣/ ١٠٦٨). وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم [انظر: التحفة (٣١٠١ و ٣١٠٦ و ٣١٠٨)]. • ورواه أيضًا: سعيد بن إياس الجريري [ثقة، اختلط، وعنه: أبو قلابة شيبة القيسي]، والصلت بن دينار [متروك]، كلاهما: عن أبي نضرة، عن جابر به مطولًا. أخرجه الطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٨٧/ ٤١٩٤)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٤٤/ ٥٢١١)، وأبو نعيم في الدلائل (٣٠٥). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الجريري إلا شيبة أبو قلابة". وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٨٢): "رواه الطبراني في الأوسط، وقال: لم يروه عن الجريري إلا شيبة، قلت: ولم أجد من ذكره، ولا الراوي عنه". • وقد اختلف فيه على الجريري، فروي عنه هكذا عن جابر، وروي عنه من حديث أبي سعيد الخدري: رواه علي بن عاصم، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد به مطولًا. أخرجه عبد بن حميد (٨٧٣). وكلا الوجهين ضعيف عن الجريري، وفي متنه نكارة، فأما أبو قلابة شيبة القيسي؛ فمجهول [انظر: الكنى للدولابي (٢/ ٩١٤)، لا يُعرف روى عنه غير أبي الهيثم العلاء بن سلمة الهذلي البصري، وهو: مجهول أيضًا. انظر: تالي تلخيص المتشابه (٢/ ٤٥٩/ ٢٨٩)، التهذيب (٣/ ٣٤٨)، لكن وقع للخطيب وهم في اسم شيخه]. وأما علي بن عاصم الواسطي؛ فإنه: صدوق، كثير الغلط والوهم، فإذا روجع أصر ولم يرجع، لذا فقد تركه بعضهم، وهو من طبقة من سمع من الجريري بعد الاختلاط [التهذيب (٣/ ١٧٣)، الميزان (٣/ ١٣٥)، إكمال مغلطاي (٩/ ٣٥٠)، شرح علل الترمذي

стр. 5543

(٢/ ٧٤٢)، الكواكب النيرات (٢٤)]، واستغرب الذهبي حديثه هذا في السير (١٢/ ٢٣٨)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٦٩١): "وهذا إسناد جيد على شرط مسلم، ولكن في السياق غرابة". ٦ - وروى ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كان النبي ﷺ إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع المنبر واستوى عليه، اضطربت تلك السارية كحنين الناقة، حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل [إليها] رسول الله ﷺ ، فاعتنقها، فسكتت. أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٠٢/ ١٣٩٦)، في الكبرى (٢/ ٢٧٨/ ١٧٢٢)، وأبو عوانة (٣/ ٤٦٠/ ٣٤٦٠ - إتحاف المهرة)، وأحمد (٣/ ٢٩٥ و ٣٢٤)، والشافعي في الأم (١/ ١٩٩)، وفي المسند (٦٤)، وعبد الرزاق (٣/ ١٨٦/ ٥٢٥٤)، والطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٨٣/ ٤١٨٧)، والحسن بن رشيق العسكري في جزئه (٣٣)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٤٨١/ ١٧٠١)، وفي الدلائل (٢/ ٥٦١)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٢١١ / ٣٢٨٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١٣/ ٣٠٥/ ٣٧٢٤)، وقال: "هذا حديث صحيح"، وفي التفسير (١/ ٨٧). وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. ٧ - وروى عيسى بن المساور، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع، فلما بني المنبر حنَّ الجذع، فاحتضنه النبي ﷺ فسكن، قال جابر: وأنا شاهد حين حن، ثم قال رسول الله ﷺ : "لو لم أحتضنه لحن إلي يوم القيامة". أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٨٧/ ٥٩١)، وأبو نعيم في الدلائل (٣٠٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ١٦١). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا الوليد بن مسلم، تفرد به: عيسى بن المساور". قلت: هو حديث غريب، تفرد به عن أهل الشام: عيسى بن المساور الجوهري، وهو: بغدادي، لا بأس به، والأوزاعي لم يكن يقيم حديث يحيى بن أبي كثير، لم يكن عنده في كتاب، ضاع كتابه عن يحيى، فكان يحدث به من حفظه، ويهم فيه أشرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٧)]. ٨ - وروى سليمان بن كثير، قال: سمعت ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يقوم إلى جذع نخلة … ، فذكر نحوه. أخرجه الدارمي (٣٣) و (١/ ٤٤٢/ ١٥٦٢)، وبحشل في تاريخ واسط (١٦٢)، والطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٨٢/ ٤١٨٤) و (١٠/ ٣٨٣/ ٤١٨٥)، والطبراني في الأوسط (٦/ ١٠٩/ ٥٩٥٠)، والآجري في الشريعة (٤/ ١٥٨٢/ ١٠٦٧)، وابن عدي في

стр. 5544

الكامل (٣/ ٢٨٨) (٥/ ٢٨٢ - ط. الرشد)، وأبو الشيخ في جزء من حديثه بانتقاء ابن مردويه (٧٢)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠١/ ١٤٧٧ و ١٤٧٨)، وأبو القاسم الحرفي في الأول من فوائده (٦٥)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٥٦)، وإسماعيل الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٨٢/ ١٢٥). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا سليمان بن كثير". قلت: تفرد بوصله عن الزهري سليمان بن كثير العبدي، وهو: ليس به بأس إلا في الزهري؛ فإنه يخطئ عليه كثيرًا، وهذا من أوهامه عليه. • خالفه: شعيب بن أبي حمزة [ثقة، من أثبت الناس في الزهري]، فرواه عن الزهري، عن جابر بن عبد الله الأنصاري [ولم يذكر بينهما أحدًا]؛ أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع … ، فذكر نحوه. أخرجه الطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٨٣/ ٤١٣٨٢). • ورواه بإبهام الواسطة بين الزهري وجابر: محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزهري [صدوق، من الطبقة الثالثة من أصحاب الزهري]، وصالح بن كيسان [ثقة ثبت، وهو ثبت في الزهري، وأكبر منه]: فروياه عن ابن شهاب، قال: حدثني من سمع جابر بن عبد الله يقول: … فذكر الحديث. أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٥١)، والطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٨٣ / ٤١٨٦). قلت: وهذا هو الصواب؛ مرسلًا، أو بإبهام الواسطة، ولو كان الواسطة ثقة عند الزهري لصاح به. • قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ١٩٧/ ٥٦٦): "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه سليمان بن كثير، عن الزهري وعن يحيى، عن سعيد بن المسيب، عن جابر؛ أن النى ﷺ كان يخطب إلى جذع نخلة، فحنَّت، … وذكر الحديث؟ فقالا: هذا وهم؛ إنما هو يحيى بن سعيد، عن حفص بن عبيد الله، عن جابر، عن النبي ﷺ ، فأما من حديث الزهري: فهو عمَّن حدثه، عن جابر، عن النبي ﷺ ". وقال أيضًا (١/ ٩٩ / ٥٧٣١): "سألت أبي عن حديث رواه سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، عن النبي ﷺ ؛ أنه كان يخطب إلى جذع، فلما وضع المنبر فصعد عليه، حنَّ الجذع. ورواه أيضًا سليمان بن كثير، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، عن النبي ﷺ . قال أبي: جميعًا عندي خطأ. أما حديث الزهري: فإنه يُروى عن الزهري، عمَّن سمع جابرًا، عن النبي ﷺ ، ولا يسمي أحدًا، ولو كان سمع من سعيد لبادر إلى تسميته، ولم يكْنِ عنه.

стр. 5545

وأما حديث يحيى بن سعيد: فإنما هو ما يرويه عامة الثقات، عن يحيى، عن حفص بن عبيد الله بن أنس، عن جابر، عن النبي ﷺ ، وهو الصحيح". وقال ابن عدي: "وهذان الإسنادان عن الزهري هو ويحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر: لا أعلم يرويهما عنهما غير سليمان بن كثير". وقال أبو القاصم الحرفي: "هذا حديث غريب من حديث الزهري عن سعيد عن جابر، لا أعلم رواه غير سليمان بن كثير البصري أخو محمد بن كثير العبدي عنه، وغريب من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد مرفوعًا، لم نكتبه إلا من هذا الوجه". • وانظر أيضًا: الطيوريات (٤٥٥). * * * ١٠٨١ - . . . أبو عاصم، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ لما بدَّنَ؛ قال له تميمٌ الداري: ألا أتخذ لك منبرًا يا رسول الله، يجمع - أو: يحمل - عظامَك؟ قال: "بلى"، فاتخذ له منبرًا مرقاتين. حديث شاذ أخرجه اللالكائي في أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩٧ / ١٤٧٠). وعلقه البخاري في صحيحه بعد الحديث رقم (٣٥٨٣)، فقال: "ورواه أبو عاصم، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ". رواه عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد: محمد بن المثنى [أبو موسى الزمن: ثقة ثبت]، والحسن بن علي الحلواني [ثقة حافظ]. • ورواه شعيب بن عمرو الضبعي [روى عنه جمع من الثقات والمصنفين، ونعته الذهبي بالمحدث المسند. تاريخ دمشق (٢٣/ ١١٢)، السير (١٢/ ٣٠٤)]: ثنا أبو عاصم: ثنا ابن أبي رواد: حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر؛ أن تميمًا الداري، قال لرسول الله ﷺ أسنَّ وثقُل: ألا نتخذ لك منبرًا تحمل - أو: تجمع، أو كلمة تشبهها - عظامك؟ فاتخذ له مرقاتين أو ثلاثة، فجلس عليها، قال: فصعد النبي ﷺ جذعٌ كان في المسجد، كان رسول الله ﷺ إذا خطب يستند إليه، فنزل النبي ﷺ فاحتضنه، فقال له شيئًا لا أدري ما هو، ثم صعد المنبر، وكانت أساطينُ المسجد جذوعًا، وسقائفُه جريدًا. أخرجه البيهقي (٣/ ١٩٥ - ١٩٦). قلت: المحفوظ عن أبي عاصم النبيل رواية الحفاظ الضابطين؛ دون زيادة من لا يوصف بالحفظ والضبط. وعبد العزيز بن أبي رواد المكي: صدوق، له ما لا يتابع عليه، وتكلم ابن حبان في

стр. 5546

حديثه عن نافع عن ابن عمر [التهذيب (٢/ ٥٨٥)، مسائل ابن هانئ (٢١٨١ و ٢٣٢٧)، المجروحين (٢/ ١١٩)]. قال الحميدي في الجمع بين الصحيحين (٢/ ٢٨٧): "وليس لعبد العزيز بن أبي رواد في الصحيح عن نافع عن ابن عمر غير هذا الذي أخرجه عنه تعليقًا". قلت: علقه البخاري فذكر الإسناد دون المتن، إشارة إلى مطلق المتابعة، وأن أبا حفص بن العلاء لم ينفرد بهذا الحديث عن نافع، بل تابعه عليه: أخوه معاذ، وابن أبي رواد [كما سيأتي بيانه]، ولا يعني ذلك أن ابن أبي رواد أصاب في المتن الذي رواه، لكنه أصاب في إسناده، وفي بعض متنه، وأما ما زاده على غيره فلا يقبل منه، والله أعلم. فروايته هذه شاذة بذكر تميم الداري في قصة المنبر، والله أعلم. وقد روي بالقصتين من وجهين آخرين، ولا يصحان: ١ - روى أبو بكر أحمد بن عمرو بن جابر [ثقة حافظ. تاريخ دمشق (٥/ ١٠٢)، السير (١٥/ ٤٦١)، الثقات لابن قطلوبغا (١/ ٤٤٤)]: نا أبو عمر عبد العزيز بن الحسن بن بكر بن عبد الله بن عطاء بن الشرود: حدثني أبي، عن جدي: نا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ لما كبُرَ وسَنَّ وثقُلَ، قال له تميم الداري: يا رسول الله! ألا أجعل لك منبرًا أتكئ عليه ما شئتَ، أوَ أفعلُ؟ فجعل له مرقاته بموضعٍ لمجلسه الذي يجلس عليه، فلما صعد النبي ﷺ ، وكان قبل ذلك يستند إلى جذع من سواري المسجد، وكانت السواري من جذوع السعف من جريد، فصرخت الساربة صرختين شديدتين حتى سمعها الناس، فنزل عند ذلك رسول الله ﷺ فالتزمها، وقال لها شيئًا ما يُدرى ما هو؟ فسكنت. أخرجه ابن المظفر في غرائب مالك (٦١). قلت: هذا حديث باطل من حديث مالك بن أنس، تفرد به عنه: بكر بن عبد الله بن عطاء بن الشرود، يقال له: بكر بن الشرود، وهو: منكر الحديث، كذبه ابن معين، وعامة حديثه غير محفوظ [انظر: اللسان (٢/ ٣٤٦)، ضعفاء العقيلي (١/ ١٤٩)، الكامل (٢/ ٢٦)، المجروحين (١/ ١٩٦)، وغيرها]، وسئل الدارقطني عن عبد العزيز بن بكر بن الشرود؟ فقال: "هو وأبوه وجده: ضعفاء" [سؤالات السلمي (٢٠٢)، الإرشاد (١/ ٢٧٩)، اللسان (٥/ ١٩٦)]. ٢ - وروى محمد بن هارون بن حميد [ابن المجدَّر: وثقه الخطيب. معجم شيوخ الأسماعيلي (١/ ٤٤٠)، تاريخ بغداد (٤/ ٥٦٧)، تاريخ الإسلام (٢٣/ ٤٤٥)]: نا سفيان بن وكيع [ضعيف، واتُّهم]: نا عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن تميمًا الداري قال للنبي ﷺ : ألا أتخذ لك منبرًا تكلمُ الناسَ عليه؟ فاتخذ له منبرًا له أربع قوائم، فلما صعد حنَّ الجذع الذي كان يخطب إليه، فنزل النبي ﷺ فاحتضنه حتى سكن. أخرجه ابن المظفر في غرائب مالك (٦٢).

стр. 5547

• خالف سفيانَ بن وكيع: عيسى بن شاذان القطان [ثقة حافظ]، وحفص بن عمر بن الصباح الرقي، المعروف بسنجة ألف [صدوق، ليس بمتقن. تقدمت ترجمته مرارًا، آخرها تحت الحديث رقم (١٠٥٦)]، وأبو إسحاق إبراهيم بن فهد [هو: ابن حكيم الساجي البصري: ضعيف. اللسان (١/ ٣٣٣)]، وأبو عبد الرحمن عبيد بن أحمد بن الحكم القزاز البصري [قال الدارقطني: ليس له ذكر. سؤالات الحاكم (١٥٢)]، قالوا: حدثنا عبد الله بن رجاء [هو الغداني: صدوق]، قال: حدثنا أبو حفص بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع، فلما وُضِع المنبر حنَّ إليه الجذع، فأتاه فمسحه، فسكن [لفظ ابن شاذان]. أخرجه ابن قانع في المعجم (٢/ ٨٣)، وأبو أحمد الحاكم في الأسامي والكنى (١/ ق ١٢٣)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٥٦) و (٦/ ٦٦)، وفي الاعتقاد (٢٧٠)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (١/ ٣١٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥١/ ٢١٥). قلت: وهذه الرواية هي الصواب؛ فإن الحديث لا يُعرف من حديث عبيد الله بن عمر العمري، إذ لو كان من حديثه لطارت به الركبان، وانتشر في الأمصار، ولتداولته دواوين السُّنَّة المشهورة، وليس في الرواية المحفوظة قصة تميم الداري في صنع المنبر، ويزيد ذلك تأكيدًا: • ما أخرجه البخاري في الصحيح (٣٥٨٣)، قال: حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا يحيى بن كثير أبو غسان: حدثنا أبو حفص - واسمه: عمر بن العلاء -، أخو أبي عمرو بن العلاء، قال: سمعت نافعًا، عن ابن عمر ﵄: كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحوَّل إليه، فحنَّ الجذع، فأتاه فمسح يده عليه. وقال عبد الحميد: أخبرنا عثمان بن عمر: أخبرنا معاذ بن العلاء، عن نافع بهذا. ورواه أبو عاصم، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . أ. هـ. قال الحميدي في الجمع بين الصحيحين (٢/ ٢٨٧/ ١٤٦٢): "وعبد الحميد: هو عبد بن حميد الكسي، ولم يذكر له البخاري غير هذا، وما سمعه، وأخرجه أيضًا تعليقًا، فقال: ورواه أبو عاصم عن عبد العزيز بن أبي رواد؛ يعني: عن نافع في حديث الجذع، أن النبي ﷺ لما أسن وكبر، قيل: ألا تتخذ لك منبرًا؟ … الحديث، وفيه: فلما صعد حن الجذع، فنزل إليه النبي ﷺ فاحتضنه، وسارَّه بشيء، وليس لعبد العزيز بن أبي رواد في الصحيح عن نافع عن ابن عمر غير هذا، الذي أخرجه عنه تعليقًا". وممن قال بأن عبد الحميد هذا هو عبد بن حميد: ابن السكن، وأبو مسعود الدمشقي، والمزي، والذهبي، وابن حجر [ألقاب الصحابة والتابعين (٧٧)، تحفة الأشراف (٦/ ٢٣٣ / ٨٤٤٩)، السير (١٢/ ٢٣٥)، تغليق التعليق (٤/ ٥٢)]. قال ابن حجر في التغليق (٤/ ٥٢): "أما حديث عبد الحميد، وهو عبد بن حميد الحافظ المشهور، وقد رواه عبد الله بن عبد الرحمن الحافظ عن عثمان بن عمر أيضًا".

стр. 5548

• قلت: لم يقع تسمية أبي حفص بن العلاء إلا في هذه الرواية، ويحتمل أن يكون تسميته من قِبَل محمد بن المثنى، أو من البخاري نفسه: • فقد رواه بندار محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن كثير أبو غسان: حدثنا أبو حفص بن العلاء، قال: سمعت نافعًا، يحدث عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ كان يخطب إلى جذعٍ، فلما اتخد المنبر تحوَّل إليه، فحنَّ الجذع، فأتى النبي ﷺ فمسحه. أخرجه اللالكائي في أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩٧/ ١٤٦٩)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٥٦)، وإسماعيل الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٨٠/ ١٢٢)، ورشيد الدين الأموي في المشيخة البغدادية (١). هكذا كناه بندار، ولم يسمه، وإنما وقعت تسميته في صحيح البخاري. قال ابن حجر في الفتح (٦/ ٦٠٢): "تسمية أبي حفص: لم أرها إلا في رواية البخاري، والظاهر أنه هو الذي سماه". • قلت: وقد اختلف أيضًا على يحيى بن كثير في شيخه في هذا الحديث: أ - فرواه محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار [وهما: ثقتان ثبتان حافظان]، عن يحيى بن كثير، عن أبي حفص بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر. ب - ورواه أبو حفص عمرو بن علي الفلاس [ثقة حافظ إمام]، قال: حدثنا عثمان بن عمر ويحيى بن كثير أبو غسان العنبري، قالا: حدثنا معاذ بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر حن الجذع، حتى أتاه فالتزمه فسكن. أخرجه الترمذي (٥٠٥)، وإسماعيل الأصبهاني في الدلائل (٢٢). • وقد رواه عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، والعباس بن محمد الدوري، وعلي بن نصر بن علي الجهضمي، وعبد بن حميد، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني [وهم: ثقات حفاظ]: عن عثمان بن عمر: حدثنا معاذ بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ كان يخطب إلى جذعٍ، فلما اتخذ المنبر حن الجذع، حثى أتاه فمسحه [وفي رواية: فأتاه فالتزمه]. أخرجه الدارمي (٣١)، وأبو أحمد الحاكم في الأسامي والكنى (١/ ق ١٢٣)، والبيهقي في السُّنن (٣/ ١٩٦)، وفي الدلائل (٢/ ٥٥٧)، وفي الاعتقاد (٢٧٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ٣٩٠)، وابن حجر في التغليق (٤/ ٥٣)، وعلقه البخاري في الصحيح بعد الحديث رقم (٣٥٨٣). • ورواه أبو عبيدة الحداد عبد الواحد بن واصل، وبدل بن المحبر، ويحيى بن سعيد القطان، والمعتمر بن سليمان [وهم ثقات، بعضهم حفاظ]: عن معاذ بن العلاء [أخي أبي عمرو بن العلاء]، قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر؛ أن

стр. 5549

رسول الله ﷺ كان يقوم إلى جذع، فيخطب بوم الجمعة، وأنه لما صنع المنبر تحوَّل إليه، فحن الجذع، فأتاه رسول الله ﷺ فمسحه [فسكن]. أخرجه ابن حبان (١٤/ ٤٣٥ - ٤٣٦/ ٦٥٠٦)، وابن الأعرابي في المعجم (٣/ ٩٠٠/ ١٨٨٥)، وأبو محمد الفاكهي في فوائده عن ابن أبي مسرة (٢١٩)، وأبو أحمد الحاكم في الأسامي والكنى (١/ ق ١٢٣)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٥٧). • والحاصل: فهذا الحديث قد رواه خمسة من الثقات - وبعضهم حفاظ - عن معاذ بن العلاء، واختلف على يحيى بن كثير العنبري، فرواه مرة عن معاذ، ورواه مرة عن أبي حفص بن العلاء، وتابعه على الوجه الثاني: عبد الله بن رجاء الغداني، حيث قال: حدثنا أبو حفص بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر. فإما أن يكون ليحيى بن كثير أبي غسان العنبري في هذا الحديث شيخان، وهما: أبو حفص بن العلاء، ومعاذ بن العلاء، وإما أن يكون الفلاس قد حمل حديث يحيى بن كثير على حديث عثمان بن عمر، على اعتبار أن معاذًا هو نفسه أبو حفص، سماه عثمان بن عمر، وكناه يحيى بن كثير، فقال فيهما معًا: عن معاذ بن العلاء، وإنما يرويه يحيى بن كثير عن أبي حفص، لا عن معاذ، والله أعلم. وأيًّا كان فالحديث ثابت عن أبي حفص بن العلاء، فقد رواه عنه أيضًا عبد الله بن رجاء الغداني، مما يدل على أنه شخص آخر غير معاذ، وأنهما أخوان، وهذا هو ما يدل عليه سياق البخاري للحديث، حيث أسنده أولًا من طريق أبي حفص، ولذا تعمد إظهار اسمه، ثم علقه من طريق معاذ بن العلاء، ثم من طريق ابن أبي رواد، ثلاثتهم عن نافع به. ويؤكد ذلك، وهو أن أبا حفص شخص آخر غير معاذ، وليس هو هو، أن كنية معاذ: أبو غسان، قاله وكيع، ويحيى بن سعيد، ومعتمر بن سليمان، وابن معين، والبخاري، ومسلم، وأبو حاتم، والدولابي، وابن حبان، وتبعهم الناس على ذلك [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ١٥/ ١٣٩٢)، سؤالات ابن طهمان (١١٦)، سؤالات ابن محرز (١/ ١٠١/ ٤٣٩) و (١/ ١٣٩/ ٧٣٧)، التاريخ الكبير (٧/ ٣٦٥)، كنى مسلم (٢/ ٦٦٣)، كنى الدولابي (٢/ ٨٨٥)، الجرح والتعديل (٨/ ٢٤٨)، الثقات (٧/ ٤٨٢)، الأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم (١/ ق ١٢٣)، تاريغ أسماء الثقات (١٤٠٩)، سنن البيهقي (٢/ ٤٣٤)، التهذيب (٤/ ١٠٠)]، فلا يُعرف معاذ بغير هذه الكنية [وهو: ثقة، كما في مصادر ترجمته]. ثم إن الذين ترجموا لمعاذ لم يذكروا في الرواة عنه: يحيى بن كثير العنبري، ولا عبد الله بن رجاء؛ بل إنهما لا يعرفان بالرواية عن معاذ بن العلاء؛ إلا ما وقع في رواية الفلاس، وهي تحتمل الوهم لأجل جمعه بين حديث يحيى بن كثير، وحديث عثمان بن عمر.

стр. 5550

• فإن قيل: فما المانع أن يكون هذان قد أخطآ في اسم شيخهما، وبدلًا من أن يسمياه معاذًا، كنياه بأبي حفص، فأقول: كلام الأئمة دال على التفريق بينهما، لا سيما على رواية البخاري التي جعلت أبا حفص هو عمر بن العلاء، وهو قول ابن مجاهد: قال عباس الدوري في تاريخ ابن معين (٤/ ٢٧٧ / ٤٣٦٠): "قال يحيى: أبو حفص بن العلاء أخو أبي عمرو بن العلاء"، وقال في موضع آخر (٤/ ٢٦٧ / ٤٣١٤): "معاذ بن العلاء: أخو أبي عمرو بن العلاء، ولهم أخ آخر هو: أبو سفيان بن العلاء، وهؤلاء ثلاثة إخوة". وقال النسائي في كتاب الإخوة: "إخوة أربعة: معاذ، وأبو عمرو، وأبو سفيان، وعمر بنو العلاء" [تهذيب الكمال (٢١/ ٤٧٧)]. وقال ابن أبي داود: "أبو حفص بن العلاء: أخو أبي عمرو، وهم أربعة: معاذ بن العلاء، وأبو سفيان، وأبو حفص، ليس هو معاذ، ولا يعرف اسمه" [المشيخة البغدادية]. وقال أحمد بن موسى بن مجاهد [أبو بكر بن مجاهد المقرئ: ثقة مأمون، إمام القراءات في وقته. تاريخ بغداد (٥/ ١٤٤)، السير (١٥/ ٢٧٢)]: "أبو سفيان بن العلاء، وأبو عمرو بن العلاء، وأبو حفص بن العلاء، ومعاذ بن العلاء، وسنسن بن العلاء بن الريان: إخوة" [معرفة علوم الحديث (٤٧٨)، تاريخ دمشق (٦٧/ ١٠٥)]. وفي رواية [عند ابن عساكر]: "كان ولد العلاء بن عمار أربعة: أبو سفيان، واسمه شقيق [كذا، ولعلها تحرفت عن: سُنْسُن] بن العلاء، ومعاذ بن العلاء، وأبو حفص عمر بن العلاء، وأبو عمرو زبان بن العلاء، وكان آخرهم موتًا أبو عمرو بن العلاء". قلت: سُنْسُن [بسينين مهملتين مضمومتين، بعد كل واحدة نون، الأولى ساكنة. كذا ضبطه ابن ناصر الدين في التوضيح (٥/ ٢٥٥)]، هو لقب أبي سفيان بن العلاء، واسمه العُريان، على ما ذكره الدارقطني في المؤتلف (٣/ ١٢٦٦)، وتبعه على ذلك: ابن ماكولا في الإكمال (٤/ ٤١٧)، وابن ناصر الدين في التوضيح (٥/ ٢٥٥)، وغيرهما، واتفقوا على أنهم أربعة إخوة: أبو عمرو، وأبو سفيان، ومعاذ، وعمر. وقد نقل المزي في التهذيب (٣٤/ ١٢٣) عن ابن مجاهد عن غيره قوله: "فمنهم: أبو سفيان، واسمه شقيق [كذا، ولعلها تحرفت عن: سُنْسُن] بن العلاء، ومعاذ بن العلاء، وأبو حفص عمر بن العلاء، وأبو عمرو زبان بن العلاء، وكان آخرهم موتًا أبو عمرو بن العلاء". وعلى كلام ابن مجاهد فإن البخاري لم ينفرد بتسمية أبي حفص عمر، والله أعلم. وقال ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٤٥): "هم إخوة أربعة: أبو عمرو، وأبو سفيان، ومعاذ، وعمر، فأكبرهم سنًا: أبو عمرو، ثم أبو سفيان، وكان يقال لأبي سفيان: سنسن، ثم معاذ، ثم عمر، فأما أبو عمرو: فله نحو خمسين حديثًا، وأما أبو سفيان: فما له إلا حديثًا واحدًا"، فذكره، وقال: "وأما معاذ بن العلاء: فلست أحفظ له إلا حديثين: حديث

стр. 5551

الجذع، وحديث الغسل يوم الجمعة، رواهما جميعًا عن نافع عن ابن عمر، وعمر بن العلاء: لا حديث له" [وانظر أيضًا: صحيح ابن حبان (٥٦٥٦)]. قلت: قد تابع أخاه معاذًا على حديث الجذع، والله أعلم. وممن فرق بينهما أيضًا: أبو نصر الكلاباذي، والذهبي على قول له أرجال صحيح البخاري (٢/ ٥١٣/ ٧٩١)، المقتنى (١٦٥٥)]. وتردد في ذلك أبو أحمد الحاكم في الأسامي والكنى (١/ ق ١٢٣) [تهذيب الكمال (٢١/ ٤٧٧)، الفتح لابن حجر (٦/ ٦٠٢)]، وقال في آخر كلامه: "والمشهور من أولاد العلاء … : أبو عمرو وأبو سفيان ومعاذ، فأما أبو حفص عمر: فلا أعرفه إلا في الحديثين اللذين ذكرتهما، والله أعلم بصحة ذلك" [تهذيب الكمال (٢١/ ٤٧٧)، الفتح لابن رجب (٥/ ٤٦٨)، الفتح لابن حجر (٦/ ٦٠٢)]. وقال الحاكم [ابن البيع صاحب المستدرك]: "أبو سفيان بن العلاء: هو أكبر ولد العلاء بن العريان البصري، ثم معاذ، ويقال: إن أبا حفص بن العلاء هو معاذ، وقد ذكر سنسن بن العلاء، وليس له حديث" [سؤالات السجزي (٢٦٣)]. • وقد رجح الدارقطني خلاف ذلك، وجزم بأنهما واحد: قال أبو الوليد الباجي في التعديل والتجريح (٣/ ٩٤٣): "وقال أبو الحسن الدارقطني: سماه البخاري عمر، وإنما هو معاذ، فجعله واحدًا"؛ يعني: الدارقطني، قلت: قال الدارقطني في أسماء التابعين (٦٩٣): "عمر بن العلاء، أبو حفص: كذا سماه [يعني: البخاري]، وإنما هو معاذ بن العلاء". وممن رآهما واحدًا: ابن منده [فتح الباب (١٧٢٦)]. وقال المزي في التحفة (٥/ ٨٤٤٩/٦١٠): "رواه علي بن نصر بن علي الجهضمي، وأحمد بن خالد الخلال، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في آخرين، عن عثمان بن عمر، عن معاذ بن العلاء .... وقيل: إن قوله: عمر بن العلاء وهمٌ، والصواب: معاذ بن العلاء، كما وقع في رواية ت، والله أعلم". وقال في التهذيب (٢١/ ٤٧٦): "فقد اختلفوا على يحيى بن كثير فيه، إن كان محمد بن المثنى قد حفظه عنه، وإلا فالوهم فيه من محمد بن المثنى، والله أعلم، والصحيح: معاذ بن العلاء؛ قاله أحمد بن حنبل والدارقطني وغير واحد" [تهذيب التهذيب (٣/ ٢٤٦)]. وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (١٠/ ٣٧٣) (٤/ ٤٦٦ - ط. الغرب): "ورواه الناس عن عثمان بن عمر عن معاذ بن العلاء، وقيل: إن يحيى بن كثير إنما رواه عن معاذ، ورجح ذلك أحمد وغيره، وكنية معاذ بن العلاء أبو غسان، وهو مشهور، أما أبو حفص فلا يكاد يعرف".

стр. 5552

قلت: لم أقف على قول أحمد، ولو كان محفوظًا عنه لاشتهر، وقد سبق بيان عدم تفرد يحيى بن كثير، فقد تابعه عبد الله بن رجاء. وقال الذهبي في موضع آخر (١٠/ ٥٤٣) (٤/ ٥٥٧ - ط. الغرب): "أبو حفص، هو عمر بن العلاء المازني البصري، … ، وله ثلاثة إخوة: أبو عمرو ومعاذ وأبو سفيان، وقد روى عثمان بن عمر بن فارس حنين الجذع عن معاذ بن العلاء عن نافع، فلعله هو هو، وإلا فالحديث عند معاذ وأبي حفص". قلت: وهذا الأقرب، وهو ما جزم به في المقتنى (١٦٥٥) حيث قال: "أبو حفص بن العلاء، يقال: عمر أخو أبي عمرو، عنه عبد الله بن رجاء ويحيى بن كثير العنبري، وقيل: معاذ بن العلاء؛ لا، بل هو أخ لهم، يكنى أبا غسان، ورابعهم أبو سفيان". وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٤٦٨): "وخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية أبي عبيدة الحداد عن معاذ بن العلاء أيضًا، وكذا رواه وكيع ويحيى بن سعيد ومعتمر بن سليمان، عن معاذ بن العلاء، وليس لأبي حفص عمر بن العلاء ذكر في غير رواية البخاري المسندة، وقد قيل: إنها وهم من محمد بن المثنى"، قلت: قد رواه بندار وعبد الله بن رجاء، عن أبي حفص بن العلاء. وقال أيضًا (٥/ ٤٦٩): "والصحيح في هذا الحديث: معاذ بن العلاء؛ قاله أحمد والدارقطني وغيرهما". قلت: هما اثنان، لا واحد، والراجح تصرف البخاري، وعلى هذا فإن أبا حفص هذا لا يُعرف إلا برواية هذا الحديث، ولم يتفرد به، فقد تابعه عليه اثنان، وصححه البخاري، والله أعلم. • قال الترمذي: "وفي الباب [يعني: مما جاء في الخطبة على المنبر] عن أنس، وجابر، وسهل بن سعد، وأبي بن كعب، وابن عباس، وأم سلمة. حديث ابن عمر: حديث حسن غريب صحيح، ومعاذ بن العلاء هو بصري، وهو أخو أبي عمرو بن العلاء". • وله إسناد آخر عن ابن عمر، ولا يصح [أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ٣٩١)] [في إسناده: أبو جناب الكلبي يحيى بن أبي حية، وهو: ضعيف، مشهور بالتدليس]. • ومما روي في اتخاذ المنبر، أو في حنين الجذع، غير ما تقدم ذكره من حديث سهل بن سعد، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر: ١ - حديث أبي بن كعب: يرويه عبيد الله بن عمرو الرقي [ثقة فقيه]، وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام [صدوق، صحيح الكتاب]، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي [متروك، كذبه جماعة]: عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، قال: كان

стр. 5553

رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع ويخطب إليه؛ إذ كان المسجد عريشًا، فقال له رجل من أصحابه: ألا نجعل لك عريشًا تقوم عليه يراك الناس يوم الجمعة، وتسمع من خطبتك؟ قال: "نعم"، فصنع له الثلاث درجات، هن اللواتي على المنبر [أعلى المنبر]، فلما صنع المنبر ووضع في موضعه الذي وضعه فيه رسول الله ﷺ ، قال: فلما جاء رسول الله ﷺ يريد المنبر مر عليه، فلما جاوزه، خار الجذع حتى تصدَّع وانشقَّ، فرجع إليه رسول الله ﷺ فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، قال: فكان إذا صلى صلى إليه، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبيُّ بن كعب فلم يزل عنده حتى بلي، فأكلته الأرضة وعاد رفاتًا. أخرجه الدارمي (٣٦)، وابن ماجه (١٤١٤)، وأحمد (٥/ ١٣٧)، وابنه عبد الله في زيادات المسند (٥/ ١٣٨)، والشافعي في الأم (١/ ١٩٩)، وفي المسند (٦٥)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٥١ - ٢٥٢)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٢/ ٩٨٧/ ٤٢٤٥ - السفر الثاني)، والطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٧٦/ ٤١٧٦)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٣/ ٣٣٥/ ١٤٤٥) و (٣/ ٣٣٦/ ١٤٤٦)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠٠/ ١٤٧٤ و ١٤٧٥)، وأبو نعيم في الدلائل (٣٠٦)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٦٧)، وفي المعرفة (٢/ ٤٨١/ ١٧٥٢)، وأبو يعلى الفراء في ستة مجالس من أماليه (٣٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ٣٩١ و ٣٩٢)، والضياء في المختارة (٣/ ٣٩٣/ ١١٩٢). وهذا حديث حسن؛ وعبد الله بن محمد بن عقيل: سبق الكلام عليه مرارًا [انظر مثلًا: الأحاديث المتقدمة برقم (٦١ و ١٢٦ و ٢٨٧ و ٦٣٠)]، وأن حديثه إنما يُقبل أو يُرد بحسب القرائن، وهو حسن الحديث إذا لم يخالف، وابن عقيل إنما أُتي من سوء حفظه واضطرابه في الأسانيد، وهذا الحديث لم يختلف عليه لا في إسناده، ولا في متنه، وهو هنا يحكي واقعة قد ثبتت من وجوه متعددة. • تنبيهان: الأول: روى هذا الحديث بهذا اللفظ عن عبيد الله بن عمرو الرقي: زكريا بن عدي بن الصلت [ثقة حافظ]، وإسماعيل بن عبد الله بن خالد الرقي [ثقة]، وعلي بن معبد بن شداد الرقي [ثقة]، وعبد الله بن جعفر بن غيلان الرقي [ثقة]. ووقع في زيادات المسند لعبد الله بن أحمد (٥/ ١٣٨ - ١٣٩) (٩/ ٤٩٥١/ ٢١٦٥١ - ط. المكنز)، وعند أبي نعيم في الدلائل (٣٠٦)، وأبي يعلى الفراء، وابن عساكر (٤/ ٣٩١)، زيادة تفرد بها: أبو سعيد عيسى بن سالم الشاشي [يلقب عويس، روى عنه أبو زرعة، وقال ابن معين: "لا أخبره"، ووثقه الخطيب، وذكره ابن حبان في الثقات. سؤالات ابن الجنيد (٢٩٨)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٧٨)، الثقات (٨/ ٤٩٤)، تاريخ بغداد (١٢/ ٤٨٤)، تاريخ الإسلام (١٧/ ٢٩٢)، التعجيل (٨٣٨)، الثقات لابن قطلوبغا (٧/ ٤٤٩)]، حيث قال في آخره: فصغى الجذع إليه، فقال له: "اسكن"، ثم قال لأصحابه: "هذا الجذع حنَّ إلي"، فقال له النبي ﷺ : "اسكن، إن تشأ غرستك في الجنة، فيأكل منك

стр. 5554

الصالحون، وإن تشأ أعيدك كما كنت رطبًا"، فاختار الآخرة على الدنيا. قلت: هي زيادة منكرة، والمعروف رواية جماعة الثقات عن عبيد الله الرقي. • والثاني: قوله في هذا الحديث: خار الجذع حتى تصدَّع وانشقَّ، يفسره قوله: فمسحه بيده حتى سكن؛ يعني: أنه صدر منه صوت عالٍ مسموع، وقد شبهه كل صحابي بما حضره من المعاني، فقد وصفه جابر بحنين الناقة الخلوج، ووصفه مرة بصياح الصبي، ووصفه ابن عمر وابن عباس وأنس بالحنين. ٢ - حديث أبي سعيد: يرويه أبو أسامة حماد بن أسامة [ثقة ثبت]، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة [ثقة متقن]: عن مجالد بن سعيد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يخطب إلى لزق جذع، فأتاه رجل رومي، فقال: أصنع لك منبرًا تخطب عليه، فصنع له منبرًا هذا الذي ترون، قال: فلما قام عليه النبي ﷺ يخطب، حن الجذع حنين الناقة إلى ولدها، فنزل إليه رسول الله ﷺ ، فضمه إليه فسكن، فأمر به أن يحفر له ويُدفن. أخرجه الدارمي (٣٧)، وابن أبي شيبة (٦/ ٣١٩/ ٣١٧٤٩)، وأبو يعلى (٢/ ٣٢٨/ ١٠٦٧)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٣/ ١٧/ ٤٧٢)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٤/ ٨٠١/ ١٤٧٦)، وأبو نعيم في الدلائل (٣٠٨)، وإسماعيل الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٨٣/ ١٢٦). قال الطوسي: "وهذا حديث حسن". قلت: هذا إسناد ضعيف؛ أبو الوداك جبر بن نوف: صالح، ومجالد بن سعيد: ليس بالقوي، والأكثر على تضعيفه، وقال عبد الرحمن بن مهدى: "حديث مجالد عند الأحداث؛ يحيى بن سعيد وأبي أسامة: ليس بشيء، ولكن حديث شعبة وحماد بن زيد وهشيم وهؤلاء القدماء"، قال ابن أبي حاتم: "يعني: أنه تغير حفظه في آخر عمره" [الجرح والتعديل (٨/ ٣٦١)، التهذيب (٤/ ٢٤)]. والزيادة التي في آخره: فأمر به أن يحفر له ويُدفن: زيادة منكرة. ٣ - حديث ابن عباس: يرويه حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس ﵄؛ أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر، فلما اتخذ المنبر وتحوَّل إليه، حنَّ الجذع فاحتضنه، فسكن، وقال: "لو لم أحتضنه لحنَّ إلى يوم القيامة". أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٢٦)، والدارمي (٣٩) و (١/ ٤٤٢/ ١٥٦٣)، وابن ماجه (١٤١٥)، وأحمد (١/ ٢٤٩ و ٢٦٦ و ٢٦٧ و ٣٦٣)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٥٢)، وعبد بن حميد (١٣٣٦)، والبزار (١٣/ ٣٥٥/ ٦٩٩٤)، والطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٧٧/ ٤١٧٧)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٨٧/ ١٢٨٤١)، واللالكائي في

стр. 5555

أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩٨/ ١٤٧١)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٥٨)، وإسماعيل الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٨١/ ١٢٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ٣٩٣)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٧٤٠)، والضياء في المختارة (٥/ ٣٧/ ١٦٤٣) و (٥/ ٣٨ / ١٦٤٥) و (١٢/ ٣٥١ و ٣٥٢/ ٣٨٦ - ٣٨٨). قال اللالكائي: "إسناد صحيح على شرط مسلم، يلزمه إخراجه". وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٦): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات". وقال ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه (٣/ ٨١): "وقد ثبت سماع حماد بن سلمة من عمار، وهو مشهور بالرواية عنه". قلت: هو إسناد صحيح، رجاله رجال مسلم، وإن كان تُكُلِّم في عمار بن أبي عمار لأوهام وقعت له؛ فإن العمل على توثيقه، والله أعلم [انظر: التهذيب (٣/ ٢٠٣)، راجع ترجمته تحت الحديث رقم (٣٠٢)]. • رواه عن حماد بن سلمة به هكذا جماعة من ثقات أصحابه: عفان بن مسلم، وحجاج بن منهال، وبهز بن أسد، وهدبة بن خالد، وآدم بن أبي إياس، وأسد بن موسى، ويونس بن محمد المؤدب، وأبو كامل مظفر بن مدرك، ومحمد بن عبد الله بن عثمان الخزاعي، وأبو نصر عبد الملك بن عبد العزيز التمار، وكثير بن هشام، والحسن بن موسى الأشيب، وغيرهم. • وانفرد الحسن بن موسى [ثقة]، فقال: ثنا حماد بن سلمة، عن فرقد السبخي [ضعيف]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ كان يخطب إلى جذع، … فذكر مثله. أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٣١٩/ ٣١٧٤٦). قلت: رواية الجماعة هي الصواب، ولعله دخل للأشيب حديث في حديث، والله أعلم. • وله إسناد آخر واهٍ [أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ١٨٨)] [وفي إسناده: علي بن مجاهد، وهو: متروك، قال ابن معين: "كان يضع الحديث"، وكذبه يحيى بن الضريس، راجع الحديث رقم (٤٨)]. ٤ - حديث أنس: أ - يرويه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁؛ أن رسول الله ﷺ كان يخطب إلى جذع نخلة، فلما بُني المنبر، خطب على المنبر، فحنَّ الجذع، فأتاه النبي ﷺ فاحتضنه، قال: "لو لم أحتضنه لحنَّ إلى يوم القيامة". لفظ عبد الرحمن بن مهدي [عند أبي يعلى]. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٢٦)، والدارمي (٤٠) و (١/ ٤٤٢/ ١٥٦٤)، وابن ماجه (١٤١٥)، وأحمد (١/ ٢٤٩ و ٢٦٧ و ٣٦٣)، وابن أبي شيبة (٦/ ٣٢٠/

стр. 5556

٣١٧٥٠)، وعبد بن حميد (١٣٣٦)، والبزار (١٣/ ٣٥٥/ ٦٩٩٤)، وأبو يعلى (٦/ ١١٤/ ٣٣٨٤)، والطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٧٨/ ٤١٧٨)، والضياء في المختارة (٥/ ٣٧ / ١٦٤٣ و ١٦٤٤) و (٥/ ٣٨/ ١٦٤٥) و (١٢/ ٣٥١ - ٣٨٦/ ٣٥٢ و ٣٨٧). رواه عن حماد به من حديث أنس: أغلب من رواه عن حماد به من حديث ابن عباس، ومنهم من قرن الإسنادين في سياق واحد. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٦): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات". قلت: هو حديث صحيح، إسناده على شرط مسلم. ب - ورواه عمر بن يونس: حدثنا عكرمة بن عمار: حدثنا إسحاق بن أبي طلحة: حدثنا أنس بن مالك ﵁؛ أن النبي ﷺ كان يقوم يوم الجمعة فيسند ظهره إلى جذع في المسجد فيخطب الناس، فجاءه رومي، فقال: ألا أصنع لك شيئًا تقعد عليه وكأنك قائم؟ فصنع له منبرًا له درجتان، ويقعد على الثالثة، فلما قعد نبي الله ﷺ على ذلك المنبر، خار الجذع كخوار الثور، حتى ارتج المسجد حزنًا على رسول الله ﷺ ، فنزل إليه رسول الله ﷺ من المنبر، فالتزمه وهو يخور، فلما التزمه رسول الله ﷺ سكن، ثم قال: "أما والذي نفس محمد بيده لو لم ألتزمه، لما زال هكذا إلى يوم القيامة، حزنًا على رسول الله ﷺ "، فأمر به رسول الله ﷺ فدفن. أخرجه الترمذي (٣٦٢٧) مختصرًا. والدارمي (٤٢)، وابن خزيمة (٣/ ١٤٠/ ١٧٧٧)، وأبو عوانة (١/ ٤٠٨/ ٣٢١ - إتحاف المهرة)، والضياء في المختارة (٤/ ٣٥٦/ ١٥١٩) و (٤/ ٣٥٧ /١٥٢٠)، والطحاوي في شرح المشكل (١٠/ ٣٧٨/ ٤١٧٩)، وأبو بكر الكلاباذي في بحر الفوائد (١/ ١٢٢)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩٨/ ١٤٧٢)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٥٨)، وإسماعيل الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٨١/ ١٢٤). قال الترمذي: "حديث أنس: حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه". وقال اللالكائي: "إسناد صحيح على شرط مسلم، يلزمه إخراجه، وأخرجه ابن خزيمة". قلت: نعم، هو على شرط مسلم، فقد أخرج أحاديث بهذا الإسناد؛ إلا أنه زاد الدفن من حديث أنس، وهو غير محفوظ، كما تقدم في الطريق السابق، وعكرمة بن عمار: صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب كثير، وقد قال عنه الإمام أحمد مرة: "مضطرب الحديث عن غير إياس بن سلمة" [التهذيب (٣/ ١٣٣)] [وتقدمت له أحاديث وقع منه الاضطراب أو الوهم فيها، انظر مثلًا ما تقدم برقم (١٥ و ٩٧)، وما تحت الحديث رقم (٨٢١)، والحديث رقم (٨٥٥)، وانظر أيضًا: ما تحت الحديث رقم (٢٣٦)]. ج - ورواه المبارك بن فضالة، قال: حدثنا الحسن، عن أنس بن مالك [وفي رواية:

стр. 5557

سمعت أنس بن مالك]، قال: كان رسول الله ﷺ يقوم يوم الجمعة، يسند ظهره إلى سارية من خشب أو جذع أو نخلة - شك المبارك -، فلما كثر الناس، قال: "ابنوا لي منبرًا"، فبنوا له المنبر [له عتبتان]، فتحول إليه، حنت الخشبة حنين الواله، فما زالت حتى نزل رسول الله ﷺ من المنبر، فأتاها فاحتضنها، فسكنت. وكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: يا عباد الله! الخشبة تحنُّ إلى رسول الله ﷺ شوقًا إليه بمكانه من الله - عو وجل -، وأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه. قال أبو بكر بن خزيمة: "الواله: يريد المرأة إذا مات لها ولد". أخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٣٩/ ١٧٧٦)، وابن حبان (١٤/ ٤٣٦/ ٦٥٠٧)، وأحمد (٣/ ٢٢٦)، وابن المبارك في مسنده (٤٨)، وفي الزهد (١٠٢١)، والبزار (١٣/ ٢٠٧/ ٦٦٧٦)، وأبو يعلى (٥/ ١٤٢/ ٢٧٥٦)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٣٣٤١)، وابن الأعرابي في المعجم (٣/ ١٠٤٩/ ٢٢٥٧)، والآجري في الشريعة (٤/ ١٠٦٩/١٥٨٤) و (٤/ ١٥٨٥/ ١٠٧٠)، وأبو طاهر المخلص في السادس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٨) (١٠٥٧ - المخلصيات)، وفي المنتقى من سبعة أجزاء من حديثه (١٣) (٣٠٥٢ - المخلصيات)، وفي المجلس السابع من جزء فيه سبعة مجالس من أماليه (٨٢) (٣١٧٦ - المخلصيات)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٤/ ٧٩٩/ ١٤٧٣)، وابن بشران في الأمالي (١٢٣٥)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٥٩)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٢١٢/ ٢٣٨٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٤٨٥)، وإسماعيل الأصبهاني في الدلائل (٢٣). قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الحسن عن أنس؛ إلا مبارك وسالم الخياط". قلت: وهذا إسناد بصري جيد؛ الحسن البصري سمع أنس بن مالك، قاله أحمد وأبو حاتم [المراسيل (١٥١ و ١٥٣)]، والمبارك بن فضالة: صدوق، لازم الحسن بضع عشرة سنة، مكثر عنه، وقد صرح ابن فضالة بالسماع، فانتفت شبهة تدليسه، وكان الأئمة يحتجون به إذا قال: حدثنا، وقال أحمد: "ما روى عن الحسن يحتج به" [التهذيب (٤/ ١٨)]، وصحح حديثه هذا: ابن خزيمة وابن حبان. • قال الطبراني في الأوسط (٢/ ١٠٨/ ١٤٠٨): حدثنا أحمد [هو: أحمد بن محمد بن صدقة: حافظ ضابط متقن. تاريخ بغداد (٥/ ٤٠)، السير (١٤/ ٨٣)]، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن [بصري، سكن بغداد: ثقة]، قال: حدثنا حَبان بن هلال [بصري، ثقة ثبت]، عن يزيد بن إبراهيم التستري [بصري، ثقة ثبت]، قال: سمعت الحسن، يقول: أخبرني أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ كان يخطب يوم الجمعة مسندًا ظهره إلى خشبة، فلما كثر الناس، قال: "ابنوا لي منبرًا"، فبنوا له منبرًا، إنما كان عتبتين، فلما تحوَّل من الخشبة إلى المنبر، حنَّت الخشبة، قال أنس: فسمعتُ الخشبة والله، حنت حنين الناقة الوالهة، حتى نزل إليها رسول الله ﷺ من المنبر، فاحتضنها فسكتت.

стр. 5558

فقال الحسن: يا عباد الله المسلمين! الخشبة تحنُّ إلى رسول الله ﷺ شوقًا إليه لمكانه إليها، أفليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا إليه. ومن طريق الطبراني: أخرجه الضياء في المختارة (٥/ ٢٢٩/ ١٨٦١). • ثم رواه الطبراني من وجه آخر فقال في الأوسط (٤/ ٦٨ / ٣٦٣١) أيضًا: حدثنا سهل بن أبي سهل الواسطي [وثقه الخطيب. تاريخ بغداد (٩/ ١١٩)، تاريخ الإسلام (٢٢/ ١٥٨)]، قال: نا يحيى بن محمد بن السكن، قال: نا حبان بن هلال، قال: نا يزيد بن إبراهيم التستري، قال: نا الحسن، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع، فلما اتخد المنبر حنَّ الجذع، فنزل إليه النبي ﷺ فاحتضنه، فسكن. ثم قال الطبراني في الموضعين: "لم يرو هذا الحديث عن يزيد بن إبراهيم إلا حبان بن هلال، تفرد به: يحيى بن محمد بن السكن". قلت: اللفظ الأول أقرب للصواب، وهو إسناد بصري صحيح، غريب من حديث يزيد التستري. • ورُوي أيضًا من حديث جرير بن حازم، وهو غريب جدًّا من حديثه: رواه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢٥٨ / ٧٤٤١)، قال: حدثنا محمد بن أبان [أبو مسلم الأصبهاني المديني: ثقة. طبقات المحدثين (٤/ ٥٤)، تاريخ أصبهان (٢/ ٢٠٤)، تاريخ الإسلام (٢٢/ ٢٣٥)]: نا أيوب بن حسان الواسطي [الدقاق: صدوق. التهذيب (١/ ٢٠٢)]: ثنا موسى بن إسماعيل الجبلي: ثنا جرير بن حازم [ثقة، من أصحاب الحسن]، عن الحسن، عن أنس بن مالك؛ أن النبي ﷺ كان يخطب إلى خشبة، فلما اتخذ المنبر ذهب ليصعد؛ فحنت الخشبة، فنزل فمسها، فسكنت. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الحسن إلا جرير بن حازم، ولا عن جرير إلا موسى بن إسماعيل". قلت: موسى بن إسماعيل الجَبُّلي [بفتح الجيم وضم الباء المشددة المنقوطة بنقطة واحدة. الأنساب (٢/ ٢٠)]؛ قال أبو حاتم: "صالح الحديث، ليس به بأس" [الجرح والتعديل (٨/ ١٣٦)، تاريخ الإسلام (١٦/ ٤١٤)]، وقد وجدته يروي عن جرير بن حازم بواسطة ابن المبارك وغيره [انظر: مسند البزار (٤/ ١٢٥/ ١٢٩٧)]. فهو حديث غريب جدًّا من حديث جرير بن حازم البصري، تفرد به أهل واسط. • خالفهم: الصعق بن حزن [صدوق]، وحبيب بن الشهيد [ثقة ثبت]: فروياه عن الحسن بنحوه مرسلًا. أخرجه الدارمي (٣٨)، وأبو سعيد المفضل الجندي في فضائل المدينة (٤٩)، وانظر: المختارة (٥/ ٣٩). قلت: الموصول صحيح، وهو محفوظ من حديث أنس من الطريقين السابقين، والله أعلم.

стр. 5559

• وله عن أنس طريق أخرى، لكنها واهية [أخرجها الحارث بن أبي أسامة (١/ ٣٠٥/ ٢٠٠ - بغية الباحث)، وابن بشران في الأمالي (١٠٧٥ و ١١٤٢)]. ٥ - حديث أم سلمة: رواه شريك بن عبد الله النخعي [صدوق، سيئ الحفظ، وروايته هنا صحيحة، فإن الراوي عنه: إسحاق بن يوسف الأزرق، وهو ثقة، من قدماء أصحاب شريك، وممن كتب عنه من كتابه. انظر: مسائل أبي داود (١٩٩٢)، المدرج للخطيب (١/ ٤٥٤)، ما تحت الحديث رقم (٧٦٥)، والحديث رقم (٩٩٦)]، وعمرو بن أبي قيس [ليس به بأس]: عن عمار الدهني، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، قالت: كان لرسول الله ﷺ خشبة يستند إليها إذا خطب، فصنع له كرسي أو منبر، فلما فقدته خارت كما يخور الثور، حتى سمعها أهل المسجد، فأتاها رسول الله ﷺ فاحتضنها، فسكنت. أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٥٥/ ٥٢٤)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٥٦٣). وهذا إسناد صحيح. ٦ - حديث بريدة بن الحصيب مطولًا، وفيه زيادات منكرة، وروي من حديث عائشة [أخرجه الدارمي (٣٢)، وأبو طاهر المخلص في السادس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٩) (١٠٥٨ - المخلصيات)] [وهو حديث منكر بهذا السياق، وفي إسناده: صالح بن حيان، وهو: ضعيف، له أحاديث منكرة. التهذيب (٢/ ١٩٢)، والراوي عنه: تميم بن عبد المؤمن: مجهول. الجرح والتعديل (٢/ ٤٤٤)، الثقات (٨/ ١٥٦)، والراوي عنه: محمد بن حميد الرازي، وهو: حافظ، أجمع أهل بلده على ضعفه، وكذبه بعضهم، وهو كثير المناكير. التهذيب (١/ ٨٥)]. [وقد اضطرب فيه صالح بن حيان، فرواه مرة أخرى عن عبد الله بن بريدة عن عائشة به، تفرد به عنه هكذا: حبان بن علي العنزي، وهو: ضعيف] [أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٣٦٧/ ٢٢٥٠)، وأبو نعيم في الدلائل (٣١٠)]. ٧ - حديث أبي هريرة [أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، [وهو حديث باطل، وفي إسناده: محمد بن عمر الواقدي، وهو: متروك، واتهم، وفي شيخه كلام]. ٨ - حديث العباس بن عبد المطلب [أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٢٠٢)] [ولا يصح]. ٩ - عن الحسن مرسلًا [أخرجه الدارمي (٣٨)، وأبو سعيد المفضل الجندي في فضائل المدينة (٤٩)] [وتقدم ذكره في حديث أنس]. • وانظر أيضًا: كشف الأستار عن زوائد البزار (١/ ٣٠٤/ ٦٣٣ - ٦٣٥)، المعجم الكبير للطبراني (٢٥/ ١٦٧/ ٣٥٤)، أخبار أصبهان (٢/ ١٧٥)، المطالب العالية (٤/ ٦٩٣ / ٧٠٦). • ولم أذكر في هذا الباب الأحاديث الواردة في عموم الخطبة على المنبر، قال ابن

стр. 5560

رجب في الفتح (٥/ ٤٦٧): "ولو جُمِعت الأحاديث التي فيها ذكر خُطب النبي ﷺ على المنبر وكلامِه عليه لكانت كثيرة جدًّا، وكذلك أحاديث اتخاذ المنبر كثيرة أيضًا". ٢٢٢ - باب موضع المنبر ١٠٨٢ - . . . يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة [بن الأكوع]، قال: كان بين منبر رسول الله ﷺ وبين الحائط كقدر ممرِّ الشاة. • حديث متفق على صحته أخرجه البخاري (٤٩٧ و ٥٠٢)، ومسلم (٥٠٩/ ٢٦٣ و ٢٦٤)، وقد تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٦٩٦). * * * ٢٢٣ - باب الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال ١٠٨٣ - . . . حسان بن إبراهيم، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ ؛ أنه كره الصلاة نصفَ النهار إلا يومَ الجمعة، وقال: "إن جهنم تُسجَر الا يومَ الجمعة". قال أبو داود: هو مرسل، مجاهدٌ أكبرُ من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة. * حديث غريب، مع ضعف إسناده وانقطاعه أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٣٥٨/ ٧٧٢٥)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٧٣)، وأبو الحسن العيسوي في فوائده (٤٩)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ١٦٧)، والبيهقي في السُّنن (٢/ ٤٦٤) و (٣/ ١٩٣)، وفي المعرفة (٢/ ٢٧٨/ ١٣٢٧ - ١٣٢٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٢٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٢٦٠)، وابن الجوزي في التحقيق (٦٢٣). رواه عن حسان بن إبراهيم الكرماني: محمد بن عيسى ابن الطباع [واللفظ له]، ومحمد بن أبان الواسطي، وابراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي، وابراهيم بن مهدي المصيصي، وموسى بن إسماعيل الجئلي، وإسحاق بن أبي إسرائيل [وهم ثقات في الجملة، والجبُّلي تقدمت ترجمته قريبًا تحت الحديث رقم (١٠٨١)، الشاهد الرابع مما روي في اتخاذ المنبر]. ولفظ محمد بن أبان، وبنحوه لفظ الهروي والجبلي وابن أبي إسرائيل: "الصلاةُ

стр. 5561

نصفَ النهار تُكره إلا يومَ الجمعة؛ لأنَّ جنهمَ كل يومٍ تُسجَر إلا يومَ الجمعة". قال أبو داود: "هو مرسل، مجاهدٌ أكبرُ من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة". وقال الأثرم في الناسخ (٥٢): "حديث أبي قتادة فيه علل، منها: أنه لم يروه غير حسان، ومنها: أنه من حديث ليث، … ، ومنها: أن أبا الخليل لم يلق أبا قتادة" [الفتح لابن رجب (٣/ ٢٩١)، البدر المنير (٣/ ٢٧٢)]. وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي قتادة إلا أبو الخليل". وقد عدَّه ابن عدي في مناكير حسان بن إبراهيم، وقال في أول ترجمته: "سمعت أحمد بن حفص السعدي يقول: ذُكر لأحمد بن حنبل - يعني: وهو جالس - حديث حسان بن إبراهيم الكرماني، - يعني: في الصلاة يوم الجمعة نصف النهار، والنهي عنه -؟ قال: ذاك يروى عن المقبري مرسلًا، ولم يعبأ به" [الكامل (٤/ ٤٢ - ط. الرشد)]. وقال ابن عدي في آخر ترجمة حسان بأنه قد حدث بأفراد كثيرة عن عدد من شيوخه، وعدَّ منهم ليثًا؛ يعني: أنه يُغرب عليه، ويحدِّث عنه بما لا يُعرف من حديثه. وقال أبو الفتح بن أبي الفوارس: "غريب من حديث مجاهد، عن أبي الخليل، يقال: إنه عبد الله بن الخليل الهمداني، عن أبي قتادة، تفرد به عنه: ليث بن أبي سليم، والله أعلم". وقال ابن عبد البر في التمهيد: "وهذا الحديث منهم من يوقفه". وقال في الاستذكار (١/ ١٠٨): "ومنهم من أوقفه على أبي قتادة، ومثله لا يكون رأيًا". وقال ابن خزيمة في صحيحه (٤/ ١٥٥/ ٢٥٨٠) بعد أن أخرج لأبي الخليل عن أبي قتادة حديثًا في الهدي إذا عطب: "هذا الحديث مرسل؛ بين أبي الخليل وأبي قتادة رجل". وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٦٣): "في إسناده انقطاع، وقد ذكر له البيهقي شواهد ضعيفة إذا ضُمَّت قوِي الخبرُ، والله أعلم". • قلت: يمكن تلخيص كلام الأئمة في نضعيف هذا الخبر فيما يأتي: • أبو الخليل صالح بن أبي مريم: لم يسمع من أبي قتادة، قاله أبو داود والأثرم والترمذي وابن خزيمة [جامع التحصيل (٢٩٥)، تحفة التحصيل (١٥١)]. وأبو الخليل يروي عن أبي قتادة بواسطة [انظر: السُّنن الكبرى للنسائي (٣/ ٢٢٠ - ٢٢٤/ ٢٨٠٩ - ٢٨٢٦)، مسند أحمد (٥/ ٢٩٦ و ٣٠٧)]. • ومجاهد لا يُعرف له سماع من أبي قتادة، وإنما يروي عنه بواسطة، فإذا كان مجاهد أكبر من أبي الخليل ولا يُعرف له سماع، فعدم سماع أبي الخليل من أبي قتادة من باب أولى. • وليث بن أبي سليم: ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه.

стр. 5562

• وقد تفرد به حسان بن إبراهيم الكرماني، عن ليث الكوفي، على كثرة أصحاب ليث من أهل بلده ومن الغرباء، وحديث ليث مبثوث بين أصحابه، ففي تفرد حسان به غرابة شديدة. • حسان بن إبراهيم الكرماني: لا بأس به، يهم ويخطئ، كثير الأفراد [انظر: التهذيب (١/ ٣٧٩)، الميزان (١/ ٤٧٧)]، وهذا من أفراده وغرائبه، التي لا يصلح الاستشهاد بها، لشدة غرابتها، وغلبة الظن أن تكون غير محفوظة من حديث ليث بن أبي سليم، لا سيما وقد عده ابن عبدي في مناكير حسان. • وقد ذهب الإمام أحمد إلى إعلاله بما يروى عن المقبري مرسلًا، ولم يعبأ به. • وأعله ابن عبد البر بكونه روي من وجه آخر موقوفًا؛ قلت: لو كان من طريق ليث أيضًا، فما زالت علة الضعف والانقطاع باقية مع الوقف. وعلى هذا فإن حديث أبي قتادة هذا: حديث غريب، مع ضعف إسناده وانقطاعه، ولا يصلح مثله في الشواهد. • وله شاهدان: • الأول: يرويه الوليد بن حماد الرملي [حافظ، يروي الواهيات. تاريخ دمشق (٦٣/ ١٢١)، السير (١٤/ ٧٨)، اللسان (٨/ ٣٨٢)]: ثنا سليمان بن عبد الرحمن [الدمشقي، ابن بنت شرحبيل: صدوق، له مناكير]: ثنا بشر بن عون: ثنا بكار بن تميم، عن مكحول، عن واثلة، قال: سأل سائل رسول الله ﷺ : ما بال يوم الجمعة يؤذَّن فيها بالصلاة في نصف النهار، وقد نهيت عن سائر الأيام؟ فقال: "إن الله يسعِّر جهنمَ كلَّ يوم في نصف النهار، ويخبثها في يوم الجمعة". أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٦٠/ ١٤٤)، وفي مسند الشاميين (٤/ ٣١٠/ ٣٣٩٣). قال: حدثنا الوليد بن حماد به. قلت: هو حديث كذب موضوع؛ قال أبو حاتم عن حديث بهذا الإسناد: "هذا حديث كذب؛ وبشر وبكار: مجهولان" [علل ابن أبي حاتم (٢/ ٣٨٩/ ٢٦٧٨)]، وقال في حديث آخر بهذا الإسناد: "هذا حديث منكر" [علل ابن أبي حاتم (١/ ٣٨٢/ ١١٤١)]، وقال عنهما في الجرح والتعديل (٢/ ٣٦٢ و ٤٠٨): "مجهولان"، وقال ابن حبان في المجروحين (١/ ١٩٠) (١/ ٢١٦ - ط. الصميعي): "بشر بن عون القرشي الشامي: يروي عن بكار بن تميم عن مكحول، روى عنه سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، روى عن بكار بن تميم عن مكحول عن واثلة نسخة نسبتها مئة حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به بحال" [انظر: اللسان (٢/ ٣٠٤ و ٣٢٨)]. • الثاني: يرويه إبراهيم بن محمد [هو: ابن أبي يحيى الأسلمي]، قال: حدثني إسحاق بن عبد الله، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس؛ إلا يوم الجمعة.

стр. 5563

أخرجه الشافعي في الأم (٢/ ٣٩٧/ ٤١١ - ط. الوفاء)، وفي المسند (٦٣)، ومن طريقه: البيهقي في السُّنن (٢/ ٤٦٤)، وفي المعرفة (٢/ ٢٧٨ / ١٣٢٤) و (٢/ ٤٧٦/ ١٦٩٠)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٣٢٩/ ٧٧٩). رواه الشافعي في الأم هكذا موصولًا، قال: أخبرنا إبراهيم به، وقد علقه في اختلاف الحديث (١٥/ ٩٧/ ١٠١ - أم)، فقال: وروي عن إسحاق بن عبد الله، … فذكره. ومن طريقه: البيهقي في المعرفة (٢/ ٢٧٧/ ١٣٢٣). قلت: وهذا حديث باطل؛ رواه ابن أبي يحيى الأسلمي، وهو: متروك، كذبه جماعة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو: متروك أيضًا. أ - ورواه محمد بن عمر: حدثنا سعيد بن مسلم؛ سمع المقبري؛ يخبر عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة. أخرجه الحارث بن أبي أسامة (٢٠٣ - بغية الباحث)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٤٧٦/ ١٦٩١). وهذا كسابقه؛ محمد بن عمر الواقدي: متروك، واتهم، وسعيد بن مسلم هو: ابن بانَك المدني، وهو: ثقة. قال النووي في الخلاصة (٧٧٥): "كل طرقه ضعيفة". ب - ورواه عبد الرحمن بن سليمان، هو [تحرفت هو في المطبوعة إلى: عن] ابن أبي الجون العنسي [لا بأس به، وفي حديثه بعض الإنكار. التهذيب (٢/ ٥١٣)]، عن عطاء بن عجلان البصري؛ أنه حدثه عن أبي نضرة العبدي؛ أنه حدثه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة الدوسي صاحبي رسول الله ﷺ ، قالا: كان رسول الله ﷺ ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: "إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة". أخرجه البيهقي في المعرفة (٢/ ٢٧٨ /١٣٢٦)، بإسناد صحيح إلى عبد الرحمن. قلت: وهذا حديث باطل؛ عطاء بن عجلان الحنفي، أبو محمد البصري العطار: متروك، منكر الحديث جدًّا؛ كذبه ابن معين وعمرو بن علي الفلاس والجوزجاني، وكان يتلقن كلما لقِّن [التهذيب (٣/ ١٠٦)] [وتقدم ذكره والكلام عليه تحت الأحاديث رقم (٦٣٠ و ٦٧٨ و ٩٠٢)] [قال ابن العربي في المسالك (١/ ٤٦٩): "هذا حديث باطل"]. - ورواه البيهقي في السُّنن (٢/ ٤٦٤) من وجه ثالث بإسناد صحيح إلى: أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان [صدوق]، عن شيخ من أهل المدينة يقال له: عبد الله، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "تحرم - يعني: الصلاة - إذا انتصف النهار كل يوم إلا يوم الجمعة". وعبد الله المدني هذا: رجل مجهول، لا يُدرى من هو، وحديثه هذا منكر. وقد ضعف إسناده البيهقي في السُّنن، وضعفه الذهبي في تهذيبه (٢/ ٨٩٦).

стр. 5564

• وقد اختلف في هذا الحديث على سعيد المقبري، فقد رواه أيضًا: د - ابن لهيعة [ضعيف]، عن يزيد بن أبي حبيب، عن المقبري، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة نصف النهار. أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ٥/ ٨٩٥٠). قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عون بن عبد الله إلا المقبري، ولا عن المقبري إلا يزيد بن أبي حبيب، تفرد به: ابن لهيعة"، قلت: وشيخ الطبراني: ضعيف، واتهم. وما أراه إلا من تخاليط شيخ الطبراني، أو من تخاليط ابن لهيعة، فمن فوق ابن لهيعة كلهم ثقات، لكنه إسناد مدني، ثم كوفي، ثم مدني، ثم مصري. والمعروف في هذا ما رواه: الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، كما سيأتي بيانه. هـ - ورواه عبد الله بن صالح [صدوق، كثير الغلط، وكانت فيه غفلة]، قال: ثنا الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب؛ أن عبد الحميد بن عبد الحكم [أو: ابن الحكم، ولم أجد من ترجم له، وهو أكبر من الذي ترجم له ابن حبان في ثقاته (٨/ ٤٠٢)] كتب إليه؛ يذكر أن سعيد بن أبي سعيد، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: نهانا رسول الله ﷺ عن الصلا نصف النهار حتى ترتفع الشمس. أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٨٣٣/٨٩)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٤٢٢). وهذا إسناد غريب، لا يثبت مثله، ولعله من أوهام أبي صالح كاتب الليث. والمعروف في هذا ما رواه: الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، كما سيأتي بيانه. و - وروى ابن وهب: أخبرني عياض بن عبد الله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة؛ أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: أمن ساعات الليل والنهار ساعة تأمرني أن لا أصلي فيها؟ فقال رسول الله ﷺ : "إذا صليت الصبح فأقصر عن الصلاة حتى ترتفع الشسى، فإنها تطلع بين قرني الشيطان، ثم الصلاة مشهودة محضورة متقبلة حتى ينتصف النهار، فإذا انتصف النهار فأقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس، فإن حينئذ تسعَّر جهنم، وشدة الحر من فيح جهنم، فإذا زالت الشمس فالصلاة محضورة مشهودة متقبلة حتى تصليَ العصر، فإذا صليتَ العصر فأقصر عن الصلاة حتى تغيب الشمس، فإنها تغيب بين قرني الشيطان، ثم الصلاة مشهودة محضورة متقبلة حتى تصلي الصبح". أخرجه ابن وهب في الجامع (٣٣١)، ومن طريقه: ابن خزيمة (٢/ ٢٥٧/ ١٢٧٥)، وابن حبان (٤/ ٤١٨/ ١٥٥٠)، وأبو يعلى (١١/ ٤٥٧/ ٦٥٨١)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٥١٩)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٢٢٨٠)، والطحاوي في المشكل (١٠/ ١٣٣/ ٣٩٧٣)، والبيهقي (٣/ ٢٨٢ و ٣٠٢).

стр. 5565

قلت: وإسناده ليس بذاك القوي؛ عياض بن عبد الله هو: ابن عبد الرحمن بن معمر الفهري القرشي المدني، نزيل مصر: ليس بالقوي، قال الساجي: "روى عنه ابن وهب أحاديث فيها نظر"، وهذا من رواية ابن وهب عنه، نعم أخرج مسلم لعياض بن عبد الله الفهري هذا من رواية ابن وهب عنه، لكن في باب الشواهد والمتابعات، ولم يخرج له شيئا في الأصول [انظر: صحيح مسلم (٣٥٠) و (١٨٣/ ١٧٦) و (٩٨٠)، [وانظر في أوهامه: ما تقدم معنا في السُّنن برقم (٣٨٧)]. ز - ورواه ابن أبي فديك [محمد بن إسماعيل بن أبي فديك: مدني، صدوق]، عن الضحاك بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: سأل صفوانُ بن المعطل رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني سائلك عن أمر أنت به عالم، وأنا به جاهل، قال: "وما هو؟ " قال: هل من ساعات الليل والنهار ساعة تكره فيها الصلاة؟ قال: "نعم؛ إذا صليت الصبح فدع الصلاة حتى تطلع الشمس، فإنها تطلع بقرني الشيطان، ثم صلِّ فالصلاة محضورة متقبلة حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح، فإذا كانت على رأسك كالرمح فدع الصلاة، فإن تلك الساعة تسجر فيها جهنم وتفتح فيها أبوابها، حتى تزيغ الشمس عن حاجبك الأيمن، فإذا زالت فالصلاة محضورة متقبلة حتى تصلي العصر، ثم دع الصلاة حتى تغيب الشمس". أخرجه ابن ماجه (١٢٥٢)، وابن حبان (٤/ ٤٠٩/ ١٥٤٢)، والبزار (١٥/ ١٦٨/ ٨٥٢٤)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٥٢٠)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٢٢٨١)، وأبو طاهر المخلص في الخامس من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (١١٩) (٩٩٩ - المخلصيات)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٥٠٠/ ٣٨١٧)، والبيهقي (٢/ ٤٥٥). ح - خالفه: حميد بن الأسود [بصري، ليس به بأس، وله مناكير. التهذيب (١/ ٤٩٢)، الميزان (١/ ٦٠٩)]، قال: حدثنا الضحاك بن عثمان، عن المقبري، عن صفوان بن المعطل السلمي؛ أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا نبي الله! إني أسألك عما أنت به عالم، وأنا به جاهل، من الليل والنهار ساعة تكره فيها الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : "إذا صليت الصبح فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس، … "، وذكر الحديث بنحو حديث ابن أبي فديك. أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند (٥/ ٣١٢) (١٠/ ٥٣٥٠/ ٢٣١٠١ - ط. المكنز)، والحاكم (٣/ ٥١٨)، والطبراني في الكبير (٨/ ٥٣/ ٧٣٤٤) [وفي متنه اختلاف]. وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ٣٨١٦/١٥٠٠). قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". • قلت: يغلب على ظني أن الاختلاف فيه من الضحاك بن عثمان بن عبد الله الأسدي الحزامي، وهو: صدوق، يهم كثيرًا، ليَّنه بعضهم، وقال ابن عبد البر: "كان كثير الخطأ، ليس بحجة" [التهذيب (٢/ ٢٢٣)، الميزان (٢/ ٣٢٤)، إكمال مغلطاي (٧/ ٢٠)،

стр. 5566

علل ابن أبي حاتم (٣٦١)، وانظر ما تقدم تحت الحديث رقم (٨٩٥)]. • وقد وهم هؤلاء في إسناده على سعيد المقبري، وقد سلك بعضهم فيه الجادة والطريق السهل، والمحفوظ في ذلك ما رواه أحد أثبت الناس في سعيد المقبري: ط - فقد رواه: الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود؛ أنه قال: بينا نحن جلوس مع رسول الله ﷺ في المسجد جاءه رجل من بني سليم، يقال له: عمرو بن عبسة، كان ممن بايع رسول الله ﷺ بمكة، فلم ير رسول الله ﷺ حتى قدم بالمدينة، فقال: علمني يا رسول الله، ما أنت به عالم، وأنا به جاهل، وأنبئني بما ينفعني الله ولا يضرك، هل من الليل والنهار ساعة تبقى فيها الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما الليل إذا صلينا المغرب فالصلاة مقبولة مشهودة حتى نصلي صلاة الفجر فاجتنب الصلاة حتى ترتفع الشمس وتبيض؛ فإن الشمس تطلع بين قرني الشيطان، فإذا ابيضت الشمس فإن صلاة محضورة مقبولة حتى يتصف النهار، وتعتدل الشمس كأنها رمح منصوب، ويقوم كل شيء في ظله، فتلك الساعة التي تستعر فيها جهنم؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا مالت الشمس فإن الصلاة مقبولة محضورة حتى تصفر الشمس، فإنها تغرب بين قرني الشيطان". وفي روايةٍ زاد في آخر الحديث: قال الليث: وحدثني بعض إخواننا عن المقبري في هذا الحديث أنه قال: "إلا يوم الجمعة؛ فإنه لا بأس بالصلاة يومئذ نصف النهار؛ لأن جهنم لا تسعر فيه" [راجع الطريق رقم (هـ)، ولا تثبت هذه الزيادة من وجه]. أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (٣/ ٢٥٢/ ٢٨٩ - مطالب)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٢/ ٣١٩ / ٩٠١). هكذا رواه عن الليث بن سعد: عيسى بن حماد زغبة [ثقة، وهو آخر من حدث عن الليث من الثقات]، وعمرو بن محمد القرشي العنقزي الكوفي [ثقة]. والليث بن سعد من أثبت الناس في سعيد المقبري، ولم يسلك فيه الجادة، قال أحمد بن حنبل: "أصح الناس حديثًا عن سعيد المقبري: ليث بن سعد"، وقال ابن المديني: "الليث، وابن أبي ذئب: ثبتان في حديث سعيد المقبري" [العلل ومعرفة الرجال (١/ ٣٣٤/ ٦٠٢) و (١/ ٣٥٠/ ٦٥٩)، التهذيب (٣/ ٦٢٩)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٠)]. قال الدارقطني في العلل (٨/ ١٤٦/ ١٤٦٦): "وقول الليث: أصح"؛ يعني: من قول الضحاك بن عثمان، وعياض بن عبد الله. قال ابن رجب في الفتح (٣/ ٢٨٩): "وهو منقطع؛ عون لم يسمع من ابن مسعود، قال الدارقطني: قول الليث أصح؛ يعني: من قول الضحاك ويزيد بن عياض" [كذا، وإنما هو عياض بن عبد الله]. وقال ابن حجر في المطالب: "وهذا الإسناد صحيح؛ إلا أن فيه انقطاعًا؛ لأن عونًا لم يدرك عبد الله بن مسعود ﵁".

стр. 5567

قلت: وهو منقطع، كما قالا [انظر: سنن أبي داود (٨٨٦)، تحفة التحصيل (٢٥١)]. • ولم ينفرد بذلك الليث، فقد تابعه: ي - عبد الحميد بن جعفر [مدني، صدوق]، قال: أخبرني المقبري، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، قال: بينما نحن جلوس مع رسول الله ﷺ في المسجد، إذ جاء رجل من بني سليم، يقال له: عمرو بن عبسة، وكان تابع رسول الله ﷺ على الإسلام وهو بمكة، ثم لم ير رسول الله ﷺ حتى قدم المدينة، فجاءه فقال: يا رسول الله! علمني مما أنت به عالم، وأنا به جاهل، وأتني بما ينفعني، ولا تطول؛ فأي صلاة الليل والنهار سليمة؟ فذكر الحديث، وقال في آخره: أي صلاة المتطوعين أفضل؟ قال: "حين يذهب ثلث الليل"، أو قال: "حين ينتصف الليل، فتلك الساعة التي ينزل فيها الرحمن إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مذنب يستغفرني فأغفر له، هل من سائل يرغب إليَّ فأعطيه سُؤلَه، أم هل من عانٍ يرعن اليَّ [كذا في المطبوع، ولعلها: يدعوني] فأفك عانه، حتى إذا فرِق الفجر صعد الرحمن العلي الأعلى". أخرجه الدارقطني في النزول (١٢)، بإسناد صحيح إلى عبد الحميد. وعلى هذا يكون الحديث قد عاد إلى حديث عمرو بن عبسة [الآتي ذكره، وهو في صحيح مسلم]، وأنه ليس من حديث أبي هريرة، ولا من حديث صفوان بن المعطل، والله أعلم. وهذا الوجه الأخير قد رواه عن عبد الحميد: أبو بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد، وهو: بصري، ثقة. ك - ورواه خالد بن الحارث الهجيمي [وهو: بصري، ثقة ثبت]، قال: حدثني عبد الحميد بن جعفر، قال: أخبرني سعيد بن أبي سعيد؛ أنه أدرك الناس وهم يتقون الصلاة نصف النهار يوم الجمعة. أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٩١/ ١٨٣٦)، قال: وحدثونا عن إسحاق، قال: أخبرنا خالد به. هكذا أبهم ابن المنذر مشايخه الذين حدثوه بذلك، وليس كل شيوخ ابن المنذر ثقات، فقد يخفى حال بعضهم عليه [انظر مثلًا: الأوسط (٥٢٨)، وقد تقدم الكلام عليه في السُّنن تحت الحديث رقم (٣٣٥)]. وعلى فرض ثبوته؛ فيقال: كلٌّ قد حدث عن عبد الحميد بما سمع، ومثل هذا يحتمل، وتكون هذه الرواية الأخيرة مما تؤكد ضعف الاستثناء المروي من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا، والله أعلم. • وأما ما روي عن عمرو بن العاص في استثناء يوم الجمعة؛ فلا يثبت [انظر: مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٦٩/ ٥٤٢٨)]، وسيأتي بيان حكم صلاة التطوع نصف النهار يوم الجمعة في الفقرة الآتية.

стр. 5568

• وحديث أبي قتادة هذا يمكن حمله على صلاة التطوع، وعلى صلاة فريضة الجمعة نفسها: • أما صلاة التطوع قبل الجمعة، ففيها أحاديث منها: ١ - حديث سلمان الفارسي: يرويه ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، قال: أخبرني أبي، عن [عبد الله] بن وديعة، عن سلمان الفارسي، قال: قال النبي ﷺ : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام: إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى". أخرج البخاري (٨٨٣ و ٩١٠)، وتقدم تحت الحديث رقم (٣٤٣). ٢ - حديث أبي هريرة: يرويه سهيل بن أبي صالح، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قُدِّر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه، غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام". أخرجه مسلم (٢٦/ ٨٥٧)، وتقدم تحت الحديث رقم (٣٤٣). ٣ - حديث أبي هريرة وأبي سعيد: يرويه محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي أمامة بن سهل، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخطَّ أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته: كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها". حديث حسن، تقدم برقم (٣٤٣). ٤ - حديث أبي أيوب: يرويه محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمران بن أبي يحيى، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اغتسل يوم الجمعة، ومسَّ من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد، فيركع إن بدا له، ولم يؤذ أحدًا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي: كانت كفارة لما بينها، وبين الجمعة الأخرى". أخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٣٨/ ١٧٧٥)، وهو حديث حسن، تقدم تحت الحديث رقم (٣٤٣). • وظاهر هذه الأحاديث أنه يصِلُ صلَاته حتى يخرج الامام، فإذا تكلم أنصت، وليس فيها التنبيه على الانتهاء من الصلاة قبل دخول وقت النهي عند انتصاف النهار وقبل خروج الإمام، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كانت صلاة التطوع يوم الجمعة منهيًا عنها عند انتصاف النهار، لنبه على ذلك النبي ﷺ .

стр. 5569

قال البيهقي في السُّنن (٢/ ٤٦٥): "والاعتماد على أن النبي ﷺ استحب التبكير إلى الجمعة، ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام، من غير تخصيص ولا استثناء" [وانظر: مختصر الخلافيات (٢/ ٢٦٢)]. وقال ابن القيم في الزاد (١/ ٣٧٨): "فندبه إلى الصلاة ما كتب له، ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام، … "، إلى أن قال: "فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام لا انتصاف النهار. وأيضًا: فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف ولا يشعرون بوقت الزوال، والرجل يكون متشاغلًا بالصلاة لا يدري بوقت الزوال، ولا يمكنه أن يخرج ويتخطى رقاب الناس، وينظر إلى الشمس ويرجع، ولا يشرع له ذلك. وحديث أبي قتادة هذا: قال أبو داود: هو مرسل؛ لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة، والمرسل إذا اتصل به عمل، وعضده قياس، أو قول صحابي، أو كان مرسِلُه معروفًا باختيار الشيوخ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوته؛ عُمِل به". قلت: حديث أبي قتادة حديث غريب لا يصح الاستشهاد به، والعمل على الأحاديث المذكورة، والآثار الآتي ذكرها. • ومما يؤكد هذا المعنى فعل الصحابة ﵃ في عهد عمر من غير نكير: فقد روى مالك، عن ابن شهاب، عن ثعلبة بن أبي مالك؛ أنه أخبره: أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذن؛ جلسوا يتحدثون، حتى إذا سكت المؤذن وقام عمر سكتوا، فلم يتكلم أحد. لفظ الشافعي عن مالك، وبنحوه رواية أبي مصعب والقعنبي وابن بكير والحدثاني والشيباني، وانفرد الليثي بقوله: وأذن المؤذنون، وقوله: سكت المؤذنون، بصيغة الجمع، وهي لفظة شاذة. زاد يحيى الليثي، وأبو مصعب الزهري، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، ويحيى بن بكير، وسويد بن سعيد الحدثاني، ومحمد بن الحسن الشيباني: قال ابن شهاب: فخروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٦٠/ ٢٧٤ - رواية يحيى الليثي) (٢٣٨ - رواية القعنبي) (٤٣٩ و ٤٤٠ - رواية أبي مصعب الزهري) (١٣٨ - رواية الحدثاني) (٢٢٧ و ٢٢٨ - رواية الشيباني)، ومن طريقه: الشافعي في الأم (٢/ ٣٩٨/ ٤١٢)، وفي المسند (٦٣)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٩٢/ ١٨٣٧)، والبيهقي في السُّنن (٣/ ١٩٢)، وفي المعرفة (٢/ ٤٧٧/ ١٦٩٢ و ١٦٩٣). وهذا أثر صحيح، وقد صححه النووي في الخلاصة (٢٨٥١)، وثعلبة بن أبي مالك: مختلف في صحبته، وله رؤية.

стр. 5570

• ورواه معمر بن راشد [ثقة ثبت في الزهري]، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٠٧/ ٥٣٥١)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٤٨/ ٥١٧٤) و (١/ ٤٥٨ / ٥٢٩٩). ورواه معمر أيضًا، عن الزهري، قال: أخبرني ثعلبة بن أبي مالك القرظي، قال: قد كان عمر يجيء فيجلس على المنبر، والمؤذن يؤذن ونحن نتحدث، فإذا قضى المؤذن أذانه انقطع حديثنا. أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٠٨/ ٥٣٥٢). • وقد أدرج يونس بن يزيد وابن أبي ذئب قول الزهري، فجعلاه من كلام ثعلبة: • رواه ابن أبي ذئب [ثقة، لكن يضعَّف حديثه في الزهري،، عن ابن شهاب، قال: حدثني ثعلبة بن أبي مالك؛ أن قعود الإمام يقطع السُّبحةَ، وأن كلامه يقطع الكلام، وأنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالسٌ على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين كلتيهما، فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلموا. أخرجه الشافعي في الأم (٢/ ١٣/ ٤٣٩٨)، وفي المسند (٦٣)، ومن طريقه: البيهقي في السُّنن (٣/ ١٩٣)، وفي المعرفة (٢/ ٤٧٧/ ١٦٩٤). • ورواه يونس بن يزيد الأيلي [ثقة، من أصحاب الزهري]، عن ابن شهاب، قال: أخبرني ثعلبة بن أبي مالك القرظي؛ أن جلوس الإمام على المنبر يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام، وقال: إنهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر حتى يسكت المؤذن، فإذا قام عمر ﵁ على المنبر لم يتكلم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما، ثم إذا نزل عمر ﵁ عن المنبر وقضى خطبتيه تكلموا. أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٧٠)، وفي المشكل (٩/ ٤٣٥). قال البيهقي (٣/ ١٩٣): "ورواه ابن أبي ذئب ويونس عن الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك، ورواه مالك عن الزهري، فميز كلام الزهري من كلام ثعلبة كما ذكرنا، وهو المحفوظ عند محمد بن يحيى الذهلي". • وقد روي عن ثعلبة من وجه آخر: رواه عباد بن العوام [واسطي، ثقة]، عن يحيى بن سعيد [هو الأنصاري المدني: ثقة ثبت]، عن يزيد بن عبد الله [هو: ابن الهاد المدني، وهو: ثقة]، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، قال: أدركت عمر وعثمان، فكان الإمام إذا خرج يوم الجمعة تركنا الصلاة، فإذا تكلم تركنا الكلام. أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٤٧/ ٥١٧٣) و (١/ ٤٥٨/ ٥٢٩٦). وهذا إسناد صحيح. • قال الشافعي في القديم: "وخبر ثعلبة عن عامة أصحاب رسول الله ﷺ في دار
следующие страницы →