Полный текст (16 465 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
علل ابن أبي حاتم (٣٦١)، وانظر ما تقدم تحت الحديث رقم (٨٩٥)].
• وقد وهم هؤلاء في إسناده على سعيد المقبري، وقد سلك بعضهم فيه الجادة والطريق السهل، والمحفوظ في ذلك ما رواه أحد أثبت الناس في سعيد المقبري:
ط - فقد رواه: الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود؛ أنه قال: بينا نحن جلوس مع رسول الله ﷺ في المسجد جاءه رجل من بني سليم، يقال له: عمرو بن عبسة، كان ممن بايع رسول الله ﷺ بمكة، فلم ير رسول الله ﷺ حتى قدم بالمدينة، فقال: علمني يا رسول الله، ما أنت به عالم، وأنا به جاهل، وأنبئني بما ينفعني الله ولا يضرك، هل من الليل والنهار ساعة تبقى فيها الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما الليل إذا صلينا المغرب فالصلاة مقبولة مشهودة حتى نصلي صلاة الفجر فاجتنب الصلاة حتى ترتفع الشمس وتبيض؛ فإن الشمس تطلع بين قرني الشيطان، فإذا ابيضت الشمس فإن صلاة محضورة مقبولة حتى يتصف النهار، وتعتدل الشمس كأنها رمح منصوب، ويقوم كل شيء في ظله، فتلك الساعة التي تستعر فيها جهنم؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا مالت الشمس فإن الصلاة مقبولة محضورة حتى تصفر الشمس، فإنها تغرب بين قرني الشيطان".
وفي روايةٍ زاد في آخر الحديث: قال الليث: وحدثني بعض إخواننا عن المقبري في هذا الحديث أنه قال: "إلا يوم الجمعة؛ فإنه لا بأس بالصلاة يومئذ نصف النهار؛ لأن جهنم لا تسعر فيه" [راجع الطريق رقم (هـ)، ولا تثبت هذه الزيادة من وجه].
أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (٣/ ٢٥٢/ ٢٨٩ - مطالب)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٢/ ٣١٩ / ٩٠١).
هكذا رواه عن الليث بن سعد: عيسى بن حماد زغبة [ثقة، وهو آخر من حدث عن الليث من الثقات]، وعمرو بن محمد القرشي العنقزي الكوفي [ثقة].
والليث بن سعد من أثبت الناس في سعيد المقبري، ولم يسلك فيه الجادة، قال أحمد بن حنبل: "أصح الناس حديثًا عن سعيد المقبري: ليث بن سعد"، وقال ابن المديني: "الليث، وابن أبي ذئب: ثبتان في حديث سعيد المقبري" [العلل ومعرفة الرجال (١/ ٣٣٤/ ٦٠٢) و (١/ ٣٥٠/ ٦٥٩)، التهذيب (٣/ ٦٢٩)، شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٠)].
قال الدارقطني في العلل (٨/ ١٤٦/ ١٤٦٦): "وقول الليث: أصح"؛ يعني: من قول الضحاك بن عثمان، وعياض بن عبد الله.
قال ابن رجب في الفتح (٣/ ٢٨٩): "وهو منقطع؛ عون لم يسمع من ابن مسعود، قال الدارقطني: قول الليث أصح؛ يعني: من قول الضحاك ويزيد بن عياض" [كذا، وإنما هو عياض بن عبد الله].
وقال ابن حجر في المطالب: "وهذا الإسناد صحيح؛ إلا أن فيه انقطاعًا؛ لأن عونًا لم يدرك عبد الله بن مسعود ﵁".
стр. 5567
قلت: وهو منقطع، كما قالا [انظر: سنن أبي داود (٨٨٦)، تحفة التحصيل (٢٥١)].
• ولم ينفرد بذلك الليث، فقد تابعه:
ي - عبد الحميد بن جعفر [مدني، صدوق]، قال: أخبرني المقبري، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، قال: بينما نحن جلوس مع رسول الله ﷺ في المسجد، إذ جاء رجل من بني سليم، يقال له: عمرو بن عبسة، وكان تابع رسول الله ﷺ على الإسلام وهو بمكة، ثم لم ير رسول الله ﷺ حتى قدم المدينة، فجاءه فقال: يا رسول الله! علمني مما أنت به عالم، وأنا به جاهل، وأتني بما ينفعني، ولا تطول؛ فأي صلاة الليل والنهار سليمة؟ فذكر الحديث، وقال في آخره: أي صلاة المتطوعين أفضل؟ قال: "حين يذهب ثلث الليل"، أو قال: "حين ينتصف الليل، فتلك الساعة التي ينزل فيها الرحمن إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مذنب يستغفرني فأغفر له، هل من سائل يرغب إليَّ فأعطيه سُؤلَه، أم هل من عانٍ يرعن اليَّ [كذا في المطبوع، ولعلها: يدعوني] فأفك عانه، حتى إذا فرِق الفجر صعد الرحمن العلي الأعلى".
أخرجه الدارقطني في النزول (١٢)، بإسناد صحيح إلى عبد الحميد.
وعلى هذا يكون الحديث قد عاد إلى حديث عمرو بن عبسة [الآتي ذكره، وهو في صحيح مسلم]، وأنه ليس من حديث أبي هريرة، ولا من حديث صفوان بن المعطل، والله أعلم.
وهذا الوجه الأخير قد رواه عن عبد الحميد: أبو بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد، وهو: بصري، ثقة.
ك - ورواه خالد بن الحارث الهجيمي [وهو: بصري، ثقة ثبت]، قال: حدثني عبد الحميد بن جعفر، قال: أخبرني سعيد بن أبي سعيد؛ أنه أدرك الناس وهم يتقون الصلاة نصف النهار يوم الجمعة.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٩١/ ١٨٣٦)، قال: وحدثونا عن إسحاق، قال: أخبرنا خالد به.
هكذا أبهم ابن المنذر مشايخه الذين حدثوه بذلك، وليس كل شيوخ ابن المنذر ثقات، فقد يخفى حال بعضهم عليه [انظر مثلًا: الأوسط (٥٢٨)، وقد تقدم الكلام عليه في السُّنن تحت الحديث رقم (٣٣٥)].
وعلى فرض ثبوته؛ فيقال: كلٌّ قد حدث عن عبد الحميد بما سمع، ومثل هذا يحتمل، وتكون هذه الرواية الأخيرة مما تؤكد ضعف الاستثناء المروي من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا، والله أعلم.
• وأما ما روي عن عمرو بن العاص في استثناء يوم الجمعة؛ فلا يثبت [انظر: مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٦٩/ ٥٤٢٨)]، وسيأتي بيان حكم صلاة التطوع نصف النهار يوم الجمعة في الفقرة الآتية.
стр. 5568
• وحديث أبي قتادة هذا يمكن حمله على صلاة التطوع، وعلى صلاة فريضة الجمعة نفسها:
• أما صلاة التطوع قبل الجمعة، ففيها أحاديث منها:
١ - حديث سلمان الفارسي:
يرويه ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، قال: أخبرني أبي، عن [عبد الله] بن وديعة، عن سلمان الفارسي، قال: قال النبي ﷺ : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام: إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى".
أخرج البخاري (٨٨٣ و ٩١٠)، وتقدم تحت الحديث رقم (٣٤٣).
٢ - حديث أبي هريرة:
يرويه سهيل بن أبي صالح، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قُدِّر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه، غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام".
أخرجه مسلم (٢٦/ ٨٥٧)، وتقدم تحت الحديث رقم (٣٤٣).
٣ - حديث أبي هريرة وأبي سعيد:
يرويه محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي أمامة بن سهل، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخطَّ أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته: كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها".
حديث حسن، تقدم برقم (٣٤٣).
٤ - حديث أبي أيوب:
يرويه محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمران بن أبي يحيى، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اغتسل يوم الجمعة، ومسَّ من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد، فيركع إن بدا له، ولم يؤذ أحدًا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي: كانت كفارة لما بينها، وبين الجمعة الأخرى".
أخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٣٨/ ١٧٧٥)، وهو حديث حسن، تقدم تحت الحديث رقم (٣٤٣).
• وظاهر هذه الأحاديث أنه يصِلُ صلَاته حتى يخرج الامام، فإذا تكلم أنصت، وليس فيها التنبيه على الانتهاء من الصلاة قبل دخول وقت النهي عند انتصاف النهار وقبل خروج الإمام، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كانت صلاة التطوع يوم الجمعة منهيًا عنها عند انتصاف النهار، لنبه على ذلك النبي ﷺ .
стр. 5569
قال البيهقي في السُّنن (٢/ ٤٦٥): "والاعتماد على أن النبي ﷺ استحب التبكير إلى الجمعة، ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام، من غير تخصيص ولا استثناء" [وانظر: مختصر الخلافيات (٢/ ٢٦٢)].
وقال ابن القيم في الزاد (١/ ٣٧٨): "فندبه إلى الصلاة ما كتب له، ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام، … "، إلى أن قال: "فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام لا انتصاف النهار.
وأيضًا: فإن الناس يكونون في المسجد تحت السقوف ولا يشعرون بوقت الزوال، والرجل يكون متشاغلًا بالصلاة لا يدري بوقت الزوال، ولا يمكنه أن يخرج ويتخطى رقاب الناس، وينظر إلى الشمس ويرجع، ولا يشرع له ذلك.
وحديث أبي قتادة هذا: قال أبو داود: هو مرسل؛ لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة، والمرسل إذا اتصل به عمل، وعضده قياس، أو قول صحابي، أو كان مرسِلُه معروفًا باختيار الشيوخ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوته؛ عُمِل به".
قلت: حديث أبي قتادة حديث غريب لا يصح الاستشهاد به، والعمل على الأحاديث المذكورة، والآثار الآتي ذكرها.
• ومما يؤكد هذا المعنى فعل الصحابة ﵃ في عهد عمر من غير نكير:
فقد روى مالك، عن ابن شهاب، عن ثعلبة بن أبي مالك؛ أنه أخبره: أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذن؛ جلسوا يتحدثون، حتى إذا سكت المؤذن وقام عمر سكتوا، فلم يتكلم أحد. لفظ الشافعي عن مالك، وبنحوه رواية أبي مصعب والقعنبي وابن بكير والحدثاني والشيباني، وانفرد الليثي بقوله: وأذن المؤذنون، وقوله: سكت المؤذنون، بصيغة الجمع، وهي لفظة شاذة.
زاد يحيى الليثي، وأبو مصعب الزهري، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، ويحيى بن بكير، وسويد بن سعيد الحدثاني، ومحمد بن الحسن الشيباني: قال ابن شهاب: فخروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٦٠/ ٢٧٤ - رواية يحيى الليثي) (٢٣٨ - رواية القعنبي) (٤٣٩ و ٤٤٠ - رواية أبي مصعب الزهري) (١٣٨ - رواية الحدثاني) (٢٢٧ و ٢٢٨ - رواية الشيباني)، ومن طريقه: الشافعي في الأم (٢/ ٣٩٨/ ٤١٢)، وفي المسند (٦٣)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٩٢/ ١٨٣٧)، والبيهقي في السُّنن (٣/ ١٩٢)، وفي المعرفة (٢/ ٤٧٧/ ١٦٩٢ و ١٦٩٣).
وهذا أثر صحيح، وقد صححه النووي في الخلاصة (٢٨٥١)، وثعلبة بن أبي مالك: مختلف في صحبته، وله رؤية.
стр. 5570
• ورواه معمر بن راشد [ثقة ثبت في الزهري]، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٠٧/ ٥٣٥١)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٤٨/ ٥١٧٤) و (١/ ٤٥٨ / ٥٢٩٩).
ورواه معمر أيضًا، عن الزهري، قال: أخبرني ثعلبة بن أبي مالك القرظي، قال: قد كان عمر يجيء فيجلس على المنبر، والمؤذن يؤذن ونحن نتحدث، فإذا قضى المؤذن أذانه انقطع حديثنا.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٠٨/ ٥٣٥٢).
• وقد أدرج يونس بن يزيد وابن أبي ذئب قول الزهري، فجعلاه من كلام ثعلبة:
• رواه ابن أبي ذئب [ثقة، لكن يضعَّف حديثه في الزهري،، عن ابن شهاب، قال: حدثني ثعلبة بن أبي مالك؛ أن قعود الإمام يقطع السُّبحةَ، وأن كلامه يقطع الكلام، وأنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالسٌ على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين كلتيهما، فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلموا.
أخرجه الشافعي في الأم (٢/ ١٣/ ٤٣٩٨)، وفي المسند (٦٣)، ومن طريقه: البيهقي في السُّنن (٣/ ١٩٣)، وفي المعرفة (٢/ ٤٧٧/ ١٦٩٤).
• ورواه يونس بن يزيد الأيلي [ثقة، من أصحاب الزهري]، عن ابن شهاب، قال: أخبرني ثعلبة بن أبي مالك القرظي؛ أن جلوس الإمام على المنبر يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام، وقال: إنهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر حتى يسكت المؤذن، فإذا قام عمر ﵁ على المنبر لم يتكلم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما، ثم إذا نزل عمر ﵁ عن المنبر وقضى خطبتيه تكلموا.
أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٧٠)، وفي المشكل (٩/ ٤٣٥).
قال البيهقي (٣/ ١٩٣): "ورواه ابن أبي ذئب ويونس عن الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك، ورواه مالك عن الزهري، فميز كلام الزهري من كلام ثعلبة كما ذكرنا، وهو المحفوظ عند محمد بن يحيى الذهلي".
• وقد روي عن ثعلبة من وجه آخر:
رواه عباد بن العوام [واسطي، ثقة]، عن يحيى بن سعيد [هو الأنصاري المدني: ثقة ثبت]، عن يزيد بن عبد الله [هو: ابن الهاد المدني، وهو: ثقة]، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، قال: أدركت عمر وعثمان، فكان الإمام إذا خرج يوم الجمعة تركنا الصلاة، فإذا تكلم تركنا الكلام.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٤٧/ ٥١٧٣) و (١/ ٤٥٨/ ٥٢٩٦).
وهذا إسناد صحيح.
• قال الشافعي في القديم: "وخبر ثعلبة عن عامة أصحاب رسول الله ﷺ في دار
стр. 5571
الهجرة: أنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة، ويتكلمون والإمام على المنبر" [المعرفة للبيهقي (٢/ ٤٧٧)، التمهيد (٤/ ١٩)].
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١٨): "وخروج عمر إنما كان بعد الزوال، بدليل حديث طنفسة عقيل بن أبي طالب، وإذا كان خروجه بعد الزوال وقد كانوا يصلون إلى أن يخرج؛ فقد كانوا يصلون وقت استواء الشمس، والله أعلم".
وقال في الاستذكار (١/ ١٠٧): "ومعلوم أن خروج عمر كان بعد الزوال؛ بدليل حديث طنفسة عقيل، وقد مضى ذلك في صدر الكتاب، فإذا كان خروج عمر بعد الزوال وكانت صلاتهم إلى خروجه؛ فقد كانوا يصلون وقت استواء الشمس، وإلى هذا ذهب مالك؛ لأنه عمل معمول به في المدينة، لا ينكره منكر، ومثل هذا العمل عنده أقوى من خبر الواحد، فلذلك صار إليه وعوَّل عليه، ويوم الجمعة وغير الجمعة عنده سواء؛ لأن الفرق بينهما لم يصح عنده في أثر ولا نظر".
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٥٤١): "وهذا تصريح باستمرارهم في الصلاة إلى ما بعد زوال الشمس، وهو مما يستدل به على الصلاة وقت استواء الشمس وقيامها يوم الجمعة".
• وسيأتي ذكر شيء من ذلك أيضًا في طرق حديث السائب بن يزيد الآتي برقم (١٠٨٧ - ١٠٩٠).
• وأما حديث أبي هريرة:
والذي رواه الحسن بن علي السكري: ثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهل: ثنا مروان بن معاوية الفزاري: ثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ضمضم بن جوس، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "خروج الإمام يوم الجمعة للصلاة - يعني: يقطع الصلاة -، وكلامه يقطع الكلام".
أخرجه البيهقي (٣/ ١٩٣)، بإسناد صحيح إلى الحسن بن علي.
وهو حديث باطل بهذا الإسناد؛ إنما هو من كلام الزهري.
قال البيهقي: "وهذا خطأ فاحش؛ فإنما رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب، من قوله غير مرفوع، ورواه ابن أبي ذئب ويونس عن الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك، ورواه مالك عن الزهري، فميز كلام الزهري من كلام ثعلبة كما ذكرنا، وهو المحفوظ عند محمد بن يحيى الذهلي".
قلت: الراوي عن مروان بن معاوية الفزاري هو: محمد بن عبد الرحمن بن حكيم بن سهم [تحرفت في المطبوع إلى: سهل] الأنطاكي: روى عنه جماعة من الأئمة والمصنفين منهم الإمام مسلم في صحيحه، ووثقه الخطيب، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "ربما أخطأ" [التهذيب (٣/ ٦٢٥)].
والراوي عنه هو: الحسن بن علي المعمري [تحرفت في المطبوع إلى: السكري]،
стр. 5572
وهو: ثقة حافظ؛ إلا أنه رفع أحاديث وهي موقوفة، وزاد في المتون أشياء ليست فيها [انظر: الكامل (٢/ ٣٣٨)، تاريخ بغداد (٧/ ٣٦٩)، اللسان (٣/ ٧١)]، والحمل في هذا الحديث عليه، ولعله دخل له حديث في حديث.
• وقد صح في النهي عن الصلاة نصف النهار أحاديث، في الصحيح منها:
١ - حديث عقبة بن عامر:
يرويه موسى بن عُلَيّ، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهنَّ، أو أن نقبُر فيهنَّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميلَ الشمس، وحين تضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب.
أخرجه مسلم (٨٣١)، ويأتي تخريجه في السُّنن برقم (٣١٩٢)، إن شاء الله تعالى.
٢ - حديث عمرو بن عبسة:
رواه شداد بن عبد الله أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة، قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظن الناس على ضلالة … ، فذكر حديثًا طويلًا، موضع الشاهد منه، أنه قال: يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهلُه، أخبرني عن الصلاة؟ قال: "صلِّ صلاة الصبح، ثم أقصِر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ فإن الصلاة مشهودٌ محضورةٌ حتى يستقلَّ الظلُّ بالرمحِ، ثم أقصِر عن الصلاة، فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلِّ، فإن الصلاة مشهودةٌ محضورةٌ حتى تصلي العصر، ثم أقصِر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار".
أخرجه مسلم (٨٣٢)، ويأتي تخريجه في السُّنن تحت الحديث رقم (١٢٧٧)، إن شاء الله تعالى.
• وقد روي أيضًا في النهي عن الصلاة نصف النهار:
عن ابن مسعود [تقدم، وفي إسناده انقطاع].
[وله فيه حديث آخر، بلفظ: كنا نُنْهَى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، ونصفَ النهار: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٣٤/ ٧٣٥٨)، والبزار (٥/ ٢١٩/ ١٨٢٣)، وأبو يعلى (٨/ ٣٩٠/ ٤٩٧٧)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٩١/ ١٨٣٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٥١)، وفي المشكل (١٠/ ١٣١/ ٣٩٧٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٣٨ / ١٠٢٣٨)] [هكذا رواه أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود به، وإسناده كوفي جيد، وظاهره الرفع، وخالفه في لفظه وأوقفه على ابن مسعود: زائدة بن قدامة، فرواه عن عاصم به، بلفظ: فكان عبد الله ينهانا عن صلاتين في هاتين الساعتين: حين تطلع حتى ترتفع، ونصف النهار. أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٥٨/ ٩٢٨٠)، وهذا أشبه، فإن زائدة أحفظ من أبي بكر بن عياش، وله حكم الرفع، والله أعلم].
стр. 5573
وعن أبي هريرة [تقدم، ولا يصح] [وله حديث آخر: أخرجه أبو زرعة الدمشقي في الفوائد المعللة (٨٤)، وابن الأعرابي في المعجم (٢٢٠)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٥٣/ ٤٦٥٠)، وأبو نعيم في المنتخب من حديث يونس بن عبيد (٤٨)] [وهو حديث غريب جدًّا، قال ابن رجب في الفتح (٣/ ٢٩٠): وهذا غريب جدًّا، وكأنه غير محفوظ].
وعن صفوان بن المعطل [تقدم، ولا يصح].
وعن أبي عبد الله الصنابحي [أخرجه النسائي في المجتبى (١/ ٥٥٩/٢٧٥)، وفي الكبرى (٢/ ٢١٢/ ١٥٥٤)، وابن ماجه (١٢٥٣)، ومالك في الموطأ (١/ ٣٠١/ ٥٨٤)، وعنه: الشافعي في الرسالة (٣١٧)، وفي اختلاف الحديث (١٠/ ٩٦/ ١٠٠ - أم)، وفي المسند (١٦٦)، وأحمد (٤/ ٣٤٨ و ٣٤٩)، وعبد الرزاق (٢/ ٤٢٥/ ٣٩٥٠)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٢٩ وأبو يعلى (٣/ ٣٧ / ١٤٥١)، والطحاوي في المشكل (١٠/ ١٣٥/ ٣٩٧٤ و ٣٩٧٥)، وفي أحكام القرآن (٢٩٥ و ٢٩٦)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٧٤)، والجوهري في مسند الموطأ (٣٤٢)، والبيهقي في السُّنن (٢/ ٤٥٤)، وفي المعرفة (٢/ ٢٦٢/ ١٢٩٤)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣٠٠)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٣/ ٣٢٠/ ٧٧٦)، [وأبو عبد الله الصنابحي: تابعي، لا صحبة له، وحديثه مرسل، راجع الحديث رقم (٤١٨)، الشاهد الثالث، وقد جزم بإرسال هذا الحديث: البيهقي، وابن عبد البر في التمهيد (٣/ ٤)].
وعن مرة بن كعب أو: كعب بن مرة [أخرجه النسائي في الكبرى (٧/ ٥/ ٤٨٦٠ - ٤٨٦٢)، وأحمد (٤/ ٢٣٤ و ٣٢١)، وعبد الرزاق (٢/ ٤٢٥/ ٣٩٤٩)، والسري بن يحيى في حديثه عن شيوخه عن الثوري (١٢٧)، والحارث بن أبي أسامة (٧٦ و ٢١٩ - بغية الباحث)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٥/ ١١١/ ٢٠١٢)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٢٠/ ٧٥٧)، والدارقطني في العلل (١٤/ ٣٤/ ٣٣٩٨)، وابن بشران في الأمالي (٦٥٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٥٦)] [وفي سنده اختلاف، ورجح الدارقطني قول الثوري ومن تابعه، وفي سندهم رجل مبهم].
وعن علي بن أبي طالب [أخرجه البزار (٣/ ٨٦/ ٨٥٨)، [وهو حديث ضعيف، تفرد به: أيوب بن جابر السحيمي، وهو: ضعيف، تفرد به عن أبي إسحاق عن الحارث الأعور، وهو: ضعيف أيضًا، ولم يسمع منه أبو إسحاق سوى أربعة أحاديث].
وعن عبد الرحمن بن عوف [أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ١٣٣/ ٢٧٩)، ومن طريقه: الضياء في المختارة (٣/ ١٣٣/ ٩٣٥)، أواسناده حمصي ضعيف، وقد سبق الكلام عليه فيما تقدم تحت الحديث رقم (٢٢٦)].
وعن جد عبد الحميد بن سلمة الأنصاري [أخرجه ابن الأعرابي في المعجم (٣/ ١١٢٢/ ٢٤١٩)] [ولا يصح سنده، راجع ما تحت الحديث رقم (٨٦٢)، التهذيب (٢/ ٤٧٦)].
стр. 5574
وعن غيرهم أيضًا، ولا تخلو هذه الأحاديث من مقال، أو اختلاف في أسانيدها، وفي الصحيح غنية؛ إذ يثبت به الحكم المراد، والله أعلم.
• قال مالك: "لا أكره الصلاة نصف النهار إذا استوت الشمس في وسط السماء لا في يوم جمعة ولا في غير ذلك"، قال: "ولا يُعرف هذا النهي"، قال: "وما أدركتُ أهلَ الفضلِ والعُبَّادَ إلا وهم يهجرون ويصلون نصف النهار في تلك الساعة، ما يتقون شيئًا في تلك الساعة" [المدونة (١/ ١٠٧)، التمهيد (٤/ ١٧)].
قلت: أما النهي فقد ثبت، فوجب العمل بما دل عليه الدليل، ولا حجة في قول أحد بعد رسول الله ﷺ ؛ إلا أنه يستثنى يوم الجمعة لعموم الأدلة السابق إيرادها آنفًا.
وقال الشافعي في الأم (٢/ ٣٩٨): "فإذا راح الناس للجمعة صلوا حتى يصير الإمام على المنبر، فإذا صار على المنبر كفَّ منهم من كان صلى ركعتين فأكثر، وكلم حتى يأخذ في الخطبة، فإذا أخذ فيها أنصت استدلالًا بما حكيتُ، ولا يُنهى عن الصلاة نصف النهار من حضر يوم الجمعة".
وقال أيضًا: "من شأن الناس: التهجير إلى الجمعة، والصلاة إلى خروج الإمام" [المعرفة (٢/ ٢٧٩)].
وقال في القديم: "وخبر ثعلبة عن عامة أصحاب رسول الله ﷺ في دار الهجرة: أنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة، ويتكلمون والإمام على المنبر" لمعرفة للبيهقي (٢/ ٤٧٧)، التمهيد (٤/ ١٩)].
قال ابن عبد البر تعليقًا عليه في التمهيد (٤/ ١٩): "كأنه يقول: النهي عن الصلاة عند استواء الشمس صحيح، وخص منه يوم الجمعة بما روي من العمل الذي لا يكون مثله إلا توقيفًا، وبالخبر المذكور أيضًا، وبقَّى سائرَ الأيام موقوفةً على النهي".
وبهذا القول - وهو النهي عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة -: قال معاوية بن قرة، والحسن البصري، والحكم، والحسن بن حي، وأبو يوسف [انظر: مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٦٩ و ٤٧٠)، الأوسط لابن المنذر (٤/ ٩١)، اختلاف العلماء للطحاوي (١/ ٢٣٦ - مختصره)، التمهيد (٤/ ١٩)].
وبهذا القول نكون قد أعملنا جميع أدلة الباب، دون أن نهمل شيئًا منها، وهو الصواب، والله أمحلم.
• وقد قال الإمام أحمد بكراهية الصلاة في هذا الوقت مطلقًا:
ذكر الأثرم قال: "سألت أبا عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - عن الصلاة نصف النهار يوم الجمعة؟ فقال: يعجبني أن تتوقاها، فذكرت له حديث ثعلبة بن أبي مالك القرفي: كنا نصلي يوم الجمعة حتى يخرج عمر، قلت له: هذا يدل على الرخصة في الصلاة نصف النهار؟ فقال: ليس في هذا بيان؛ إنما جاء الكلام مجملًا، كنا نصلي، ثم قال: لا، ولكن حديث النبي ﷺ من وجوه: إنما نهى عن الصلاة نصف النهار وعند طلوع
стр. 5575
الشمس وعند الغروب، حديث عمرو بن عبسة، وعقبة بن عامر، والصنابحي" [التمهيد (٤/ ٢٦)].
وقال إسحاق بن منصور في مسائله (١١٩): "قلت: الصلاة نصف النهار؟ قال: أكرهه يوم الجمعة في الشتاء والصيف"، وقال في موضع آخر (٥٠٥): "قلت: تكره الصلاة نصف النهار في الشتاء والصيف؟ قال: نعم، في يوم الجمعة وغيرها"، وانظر أيضًا (٥٣٤).
وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسائله للإمام أحمد: "رأيت أبا عبد الله - يعني: أحمد - إذا كان يوم الجمعة يصلي إلى أن يعلم أن الشمس قد قاربت أن تزول، فإذا قاربت أمسك عن الصلاة حتى يؤذن المؤذن، فإذا أخذ في الأذان قام فصلى ركعتين أو أربعا، يفصل بينها بالسلام" [الفتح لابن رجب (٥/ ٥٤٢)].
وأما تصرف البخاري في صحيحه فإنه يدل على أنه يذهب في ذلك مذهب مالك، لا سيما في ترجمته التي قال فيها: "من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر"، قبل حديث ابن عمر برقم (٥٨٩).
قال ابن القيم في الزاد (١/ ٣٨٠): "اختلف الناس في كراهة الصلاة نصف النهار على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس وقت كراهة بحال، وهو مذهب مالك، الثاني: أنه وقت كراهة في يوم الجمعة وغيرها، وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب أحمد، والثالث: أنه وقت كراهة إلا يوم الجمعة، فليس بوقت كراهة، وهذا مذهب الشافعي".
قلت: ومذهب الشافعي هو الصواب لاعماله جميع أدلة الباب، دون إهمال شيء منها، والله أعلم.
• وأما إقامة صلاة الجمعة في وقت النهي:
• فقد روي ذلك من فعل الخلفاء الراشدين، ولا يصح عنهم:
رواه جعفر بن برقان [الرقي: ثقة؛ إلا في الزهري]، عن ثابت بن الحجاج الكلابي [لم يرو عنه غير جعفر بن برقان، ووثقه أبو داود وابن سعد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقد ترجم له البخاري وابن أبي حاتم بروايته عن التابعين؛ مما يعني: أنه عندهم من تابعي التابعين، ولم يذكروا له رواية عن صحابي، فضلًا عن السماع، وأما ابن حبان فترجم له مرتين في التابعين وتابعيهم، وكأنه جعله اثنين، وله رواية تدل على أنه غزا مع عوف بن مالك الأشجعي، والأقرب عندي أنه كان يرسل عن غيره من الصحابة. التاريخ الكبير (٢/ ١٦٢)، الجرح والتعديل (٢/ ٤٥٠)، الثقات (٤/ ٩٣) و (٦/ ١٢٧)، تاريخ الرقة (٧٥ و ٧٦)، التهذيب (١/ ٢٦٣)، الثقات لابن قطلوبغا (٣/ ١١٨)]، عن عبد الله بن سيدان السلمي، قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدنا مع عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: تنصَّف النهار، ثم شهدنا مع عثمان، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحدا عاب ذلك، ولا أنكره.
стр. 5576
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ١١٠)، وأبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة (٨/ ١٩٨/ ٩٢٠١ - إتحاف) (٢/ ٣٥٦ - تغليق)، وعبد الرزاق (٣/ ١٧٥/ ٥٢١٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٤٤/ ٥١٣٢)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٥٤/ ٩٩٥)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٦٥)، وأبو علي محمد بن سعيد القشيري في تاريخ الرقة (١٤)، والدارقطني (٢/ ١٧).
قال البخاري: "لا يتابع على حديثه"، وصرح العقيلي بأنه عنى هذا الحديث.
وقال ابن المنذر: "فأما حديث عبد الله بن سيدان: فغير ثابت ذلك عن أبي بكر وعمر، وقد عارضه حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر".
وقال ابن عدي في الكامل (٤/ ٢٢٢): "وهذا الذي أشار إليه البخاري هو حديث واحد، وهو: شبه المجهول".
وقال الدارقطني في ابن سيدان: "ليس بقوي" [تخريج الأحاديث الضعاف (٣٩٤)، من تكلم فيه الدارقطني في كتاب السُّنن (٢٣٦)].
وقال اللالكائي: "مجهول، لا حجة فيه".
وقال ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري (٢/ ٤٩٧): "روي عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال من طريق لا يثبت"، ثم قال: "وعبد الله بن سيدان: لا يُعرف".
وقال النووي في الخلاصة (٢٧١٠): "رواه الدارقطني وغيره، واتفقوا على ضعفه، وضعف ابن سيدان".
وقال في المجموع (٤/ ٤٣١): "وأما الأثر عن أبي بكر وعمر وعثمان: فضعيف باتفاقهم؛ لأن ابن سيدان ضعيف عندهم، ولو صح لكان متأولًا لمخالفة الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ".
وقال ابن الهمام في شرح فتح القدير (٢/ ٥٦): "لو صح لم يقدح في خصوص ما نحن فيه؛ فكيف وقد اتفقوا على ضعف ابن سيدان".
وقال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ١٩٥): "حديث ضعيف".
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٤١٥): "وهذا إسناد جيد".
وقال ابن حجر في التغليق: "رواته ثقات".
وقال في الإتحاف: "وعبد الله بن سيدان: قد ذكروه في الصحابة على قاعدتهم، ولا صحبة له؛ إلا أنه مخضرم، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه".
• وقبل أن أسوق كلام ابن حجر في الفتح؛ أقول: إن رجال هذا الإسناد ثقات؛ غير عبد الله بن سيدان؛ فإنه: تابعي، صحب أبا ذر، وروى عن عدد من الصحابة، وروى عنه: ميمون بن مهران، وثابت بن الحجاج، وحبيب بن أبي مرزوق، ولا تصح رواية عبيد الله بن الغسيل ولا جعفر بن برقان عنه، وإن كان الأول لا يُعرف، وقال ابن سعد:
стр. 5577
"ذكروا أنه قد رأى النبي ﷺ "، وتبعه على ذلك صاحب تاريخ الرقة وابن شاهين، وذكره ابن حبان في الصحابة مترددًا، فقال: "يقال: إن له صحبة"، ثم أعاده في ثقات التابعين، وقال العجلي: "جزري تابعي ثقة".
وفي المقابل: فقد ذكره العقيلي وابن عدي في الضعفاء لأجل حديثه هذا الذي قال فيه البخاري: "لا يتابع على حديثه"، وقال ابن عدي: "وهو: شبه المجهول"، وقال الدارقطني: "ليس بقوي"، وقال اللالكائي: "مجهول، لا حجة فيه"، وقال ابن بطال: "لا يُعرف"، وهو قليل الرواية، وغالب مروياته موقوفات على الصحابة، ولا يصح له عن الصحابة رواية حديث واحد مرفوع، إذ إن الأسانيد إليه لا تصح، فضلًا عن كون الذين ادعوا أنه رأى النبي ﷺ ، أو أن له صحبة: لا دليل لديهم على صحة مدعاهم، وعلى هذا: فإن الذي وصفه بالجهالة لم يخطئ في ذلك، لا سيما مع كون البخاري قد قدح في روايته لهذا الأثر، وأنه لم يتابع عليه، فجمع حينئذ بين الوصف بالجهالة، وبين عدم الضبط فيما ينقل [الطبقات الكبرى (٧/ ٤٣٨)، التاريخ الكبير (٥/ ١١٠)، معرفة الثقات (٠ ٩٠)، الجرح والتعديل (٥/ ٦٨)، الثقات (٣/ ٣٤٧) و (٥/ ٣١)، المعجم الكبير للطبراني (٧/ ١٦٥/ ٦٧١٥)، المعجم الأوسط (٦/ ٣٦٨/ ٦٦٣٧)، أسد الغابة (٣/ ٢٧٧)، الميزان (٢/ ٤٣٧)، اللسان (٤/ ٤٩٨)، الإصابة (٤/ ١٢٥)].
• وعلى هذا فإن هذا الأثر: ضعيف؛ لا يثبت، ولا تقوم به الحجة؛ في مقابل ما سيأتي ذكره من الأحاديث المرفوعة، القاضية بأن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة بعد زوال الشمس.
قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٨٧) [وما بين المعكوفين فمن كلامي]: "رجاله ثقات؛ إلا عبد الله بن سيدان، وهو بكسر المهملة بعدها تحتانية ساكنة، فإنه تابعي كبير إلا أنه غير معروف العدالة، قال ابن عدي: شبه المجهول، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه.
بل عارضه ما هو أقوى منه: فروى ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة؛ أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس؛ إسناده قوي [أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٨٥/ ٣٢٧١)، وابن المنذر (٢/ ٣٥٩/ ١٠٠٩)، والطحاوي (١/ ١٨٨)، لكنه في الظهر، وليس في الجمعة].
وفي الموطأ: عن مالك بن أبي عامر، قال: كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب تطرح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي، فإذا غشيها ظل الجدار خرج عمر؛ إسناده صحيح [أخرجه مالك في الموطأ (١٣)]، وهو ظاهر في أن عمر كان يخرج بعد زوال الشمس، وفهم منه بعضهم عكس ذلك، ولا يتجه إلا إن حمل على أن الطنفسة كانت تفرش خارج المسجد، وهو بعيد، والذي يظهر أنها كانت تفرش له داخل المسجد، وعلى هذا فكان عمر يتأخر بعد الزوال قليلًا.
وفي حديث السقيفة: عن ابن عباس قال: فلما كان يوم الجمعة وزالت الشمس خرج عمر فجلس على المنبر [أخرجه البخاري (٦٨٣٠)].
وأما علي: فروى ابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق؛ أنه صلى خلف علي الجمعة
стр. 5578
بعد ما زالت الشمس؛ إسناده صحيح [أخرجه ابن سعد في الطبقات (٦/ ٣١٤)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ١١)، وابن المنذر (٢/ ٣٥١/ ٩٨٦)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٠٨)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٤٧٥/ ١٦٨٨)، وابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٥٦)، وإسناده صحيح].
وروى أيضًا [ابن أبي شيبة (١/ ٤٤٥/ ٥١٤٤)] من طريق أبي رزين، قال: كنا نصلي مع علي الجمعة فأحيانًا نجد فيئًا وأحيانًا لا نجد؛ وهذا محمول على المبادرة عند الزوال أو التأخير قليلًا [أخرجه أيضًا: ابن المنذر (٢/ ٣٥١/ ٩٨٧)، وإسناده صحيح].
وأما النعمان بن بشير: فروى ابن أبي شيبة [(١/ ٤٤٥/ ٥١٤٥)] بإسناد صحيح عن سماك بن حرب قال: كان النعمان بن بشير يصلي بنا الجمعة بعد ما تزول الشمس، قلت: وكان النعمان أميرًا على الكوفة في أول خلافة يزيد بن معاوية [أخرجه أيضًا: ابن المنذر (٢/ ٣٥٢/ ٩٩٣)، وإسناده صحيح].
وأما عمرو بن حريث: فأخرجه ابن أبي شيبة [(١/ ٤٤٥/ ٥١٤٦)] أيضًا من طريق الوليد بن العيزار، قال: ما رأيت إمامًا كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث، فكان يصليها إذا زالت الشمس؛ إسناده صحيح أيضًا، وكان عمرو ينوب عن زياد وعن ولده في الكوفة أيضًا [أخرجه أيضًا: ابن المنذر (٢/ ٣٥٢/ ٩٩٢)].
وأما ما يعارض ذلك عن الصحابة: فروى ابن أبي شيبة [(١/ ٤٤٤/ ٥١٣٤)] من طريق عبد الله بن سلمة - وهو بكسر اللام - قال: صلى بنا عبد الله - يعني: ابن مسعود - الجمعة ضحى، وقال: خشيت عليكم الحر، وعبد الله: صدوق إلا أنه ممن تغير لما كبر، قاله شعبة وغيره [أخرجه أيضًا: الشافعي في الأم (٧/ ١٨٥)، وابن المنذر (٢/ ١٠٠/ ٦٢٨) و (٢/ ٣٥٤/ ٩٩٧)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٠٦)، وابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٥٥)، وآفته عبد الله بن سلمة، وتقدمت ترجمته عند الحديث رقم (٢٢٩)، فلا يثبت هذا الأثر، ولا يحتج به على خلاف صحيح الحديث والأثر].
و [ابن أبي شيبة (١/ ٤٤٥/ ٥١٣٥) و (١/ ٤٧٦/ ٥٥٠١) و (٦/ ١٨٧ / ٣٠٥٥٦)، من طريق سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضحى، وسعيد ذكره ابن عدي في الضعفاء" انتهى كلام الحافظ، وما بين المعكوفين لذكر مصادر التخريج والتعقيب من كلامي.
قلت: وأثر معاوية رواه أيضًا: البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٤٧٧)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ٣٢٧)، وابن المنذر (٢/ ٣٥٤ / ٩٩٨) (٣/ ٤٨/ ٩٩٢ - ط. الفلاح) [لكن وقع عنده: سويد بن سعيد، انقلب اسمه]. وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ١٠٠) و (٥٩/ ١٥٠).
قال البخاري: "ولا يتابع عليه"، واكتفى ابن عدي بإيراد كلام البخاري فيه لما ترجم لسعيد بن سويد في كامله (٥/ ٥٤٤ - ط. الرشد)، وكأنه لم ير له شيئًا مرفوعًا يذكره له، مما يدل على جهالته، وقلة مروياته [انظر: اللسان (٤/ ٥٨)].
стр. 5579
وقال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٥٠): "وممن كان يصلي الجمعة بعد زوال الشمس: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وقيس بن سعد، وعمرو بن حريث، والنعمان بن بشير، وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ "، ثم نقل هذا القول عن جمهور أهل العلم وفقهاء الأمصار.
وقد ترجم البخاري في صحيحه قبل الحديث رقم (٩٠٣)، فقال: "باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، وكذلك يروى عن عمر، وعلي، والنعمان بن بشير، وعمرو بن حريث ﵁"، وفي هذا دليل على أنه لم ير رواية عبد الله بن سيدان شيئًا.
قال ابن بطال في شرحه على البخاري (٢/ ٤٩٧): "إنما ذكر البخاري الصحابة في صدر هذا الباب؛ لأنه قد روي عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال من طريق لا يثبت"، ثم ذكره ثم قال: "وعبد الله بن سيدان: لا يُعرف، والصحيح عن الصحابة ما ذكره البخاري".
• قلت: وأصح وأصرح ما جاء عن عمر في ذلك:
ما رواه معمر بن راشد، وسفيان بن عيينة، وهشيم بن بشير:
عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: هجَّرت يوم الجمعة، فلما زالت الشمس خرج عمر، فصعد المنبر، وأخذ المؤذن في أذانه.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٥٢٠٩/١٧٥)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٣٥٦ - تغليق)، وابن منيع في مسنده (٢/ ٣٥٦ - تغليق)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ٦٥)، وابن المنذر (٢/ ٣٥١/ ٩٨٥)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٠٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٢٨٤).
وهذا مختصر من حديث السقيفة، كما قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٥٧)، وقد أخرجه مطولًا، وفيه موضع الشاهد: البخاري (٦٨٣٠).
وهذا إسناد صحيح كالشمس، وهو على شرط الشيخين.
* * *
٢٢٤ - باب في وقت الجمعة
١٠٨٤ - . . . فليح بن سليمان: حدثني عثمان بن عبد الرحمن التيمي: سمعت أنس بن مالك، يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعةَ إذا مالتِ الشمسُ.
* حديث صحيح
أخرجه البخاري (٩٠٤)، والترمذي (٥٠٣ و ٥٠٤)، وقال: "حديث حسن صحيح"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٣/ ١٦/ ٤٧١) [وفي سنده سقط]. وابن الجارود (٢٨٩)، وأحمد (١٢٨/ ٣ و ١٥٠ و ٢٢٨) (٥/ ٢٥٩٢/ ١٢٤٩٣) و (٥/
стр. 5580
٢٦٤٥/ ١٢٧١٠) و (٥/ ٢٨٣١/ ١٣٥٨٨ - ط. المكنز)، وابن وهب في الجامع (٢٢١)، والطيالسي (٣/ ٥٩٩/ ٢٢٥٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٥/ ٥١٣٦)، وحنبل بن إسحاق في جزئه (٤٣)، والبزار (١٢/ ٣٢٤/ ٦١٨٦)، وأبو يعلى (٧/ ٢٩٦/ ٤٣٢٩) و (٧/ ٢٩٧/ ٤٣٣٠)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٩١٣/ ١٢٩١ - مسند عمر)، وأبو العباس السراج في مسنده (٩٨٠ و ١٤٢٢)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٣٤٥ و ١٣٤٦ و ١٦٨٠)، وابن المنذر (٢/ ٣٤٩/ ٩٨٢)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٠١)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٠)، والبيهقي في السُّنن (١/ ٤٤٣) و (٣/ ١٩٠)، وفي المعرفة (٢/ ٦٨٣/ ١٤٧٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٢٣٩/ ١٠٦٦)، وفي الشمائل (٦٣٤).
رواه عن فليح بن سليمان: زيد بن الحباب [وهذا لفظه]، وسريج بن النعمان، وأبو داود الطيالسي، وأبو عامر العقدي، ويونس بن محمد المؤدب، وعبد الله بن وهب، ويحيى بن حسان.
ولفظ سريج بن النعمان [عند البخاري والترمذي]: أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعةَ حين تميلُ الشمسُ.
ولفظ أبي عامر [عند أحمد (٣/ ١٢٨)]: أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، وكان إذا خرج إلى مكة صلى الظهر بالشجرة سجدتين.
ورواه أحمد (٣/ ٢٢٨) وأبو يعلى (٤٣٣٠) وغيرهما، عن يونس وسريج بأطول من هذا، ولفظه: أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر بقدر ما يذهب الذاهب إلى بني حارثة بن الحارث ويرجع قبل غروب الشمس، وبقدر ما ينحر الرجل الجزور ويُبعِّضها [وفي بعض النسخ: ويُعَضِّيها] لغروب الشمس، وكان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، وكان إذا خرج إلى مكة صلى الظهر بالشجرة ركعتين.
• قال الترمذي: "حديث أنس: حديث حسن صحيح، وهو الذي أجمع عليه أكثر أهل العلم: أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس كوقت الظهر، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، ورأى بعضهم: أن صلاة الجمعة إذا صليت قبل الزوال أنها تجوز أيضًا، وقال أحمد: ومن صلاها قبل الزوال؛ فإنه لم ير عليه إعادة".
قلت: الصواب قول الجمهور، وليس مع المخالف نص صريح، ودعوى الإجماع التي احتج بها بعضهم لا يسندها دليل صحيح؛ فقد سبق أن بينت ضعف أثر عبد الله بن سيدان، وهو حجتهم على الإجماع.
• قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٨٨): "قوله: أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس؛ فيه إشعار بمواظبته ﷺ على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس".
قلت: وليس معنا دليل صحيح صريح يخالف ذلك.
• فإن قيل: ألا يعارضه ما رواه:
عبد الله بن المبارك، وإبراهيم بن محمد بن الحارث أبو إسحاق الفزاري، وشعبة،
стр. 5581
والمعتمر بن سليمان، ومحمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وعبد الله بن بكر، وأبو خالد سليمان بن حيان الأحمر، ومحمد بن إسحاق:
قال ابن المبارك: أخبرنا حميد، عن أنس، قال: كنا نبكِّر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة.
وقال أبو إسحاق الفزاري: عن حميد، قال: سمعت أنسًا، … بنحوه، ولفظ شعبة: كنا نقيل بعد الجمعة.
ولفظ ابن إسحاق [من رواية إبراهيم بن سعد عنه، عند ابن حبان]، قال: حدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم نرجع فنَقِيل.
أخرجه البخاري (٩٠٥ و ٩٤٠)، وابن ماجه (١١٠٢)، وابن خزيمة (٣/ ١٧٠/ ١٨٤١) و (٣/ ١٨٤/ ١٨٧٧)، وابن حبان (٧/ ٤٩/ ٢٨٠٩) و (٧/ ٥٠/ ٢٨١٠)، وأحمد (٣/ ٢٣٧)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٤/ ٥١٢٤)، والبيهقي (٣/ ٢٤١).
قلت: لا تعارض بينهما؛ وهذا محمول على التبكير بالجمعة في أول وقتها بعد الزوال.
• قال ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري (٢/ ٤٩٨): "وقوله: كنا نبكِّر بالجمعة، فإنما يريد أنهم كانوا يصلونها بعد الزوال في أول الوقت، وهو وقت الرواح عند العرب، وقوله: نقيل بعد الجمعة؛ يعني: أنهم كانوا يقيلون بعد الصلاة بدلًا من القائلة التي امتنعوا منها بسبب تبكيرهم إلى الجمعة".
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٨٨): "التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته، أو تقديمه على غيره، وهو المراد هنا، والمعنى: أنهم كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر، فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإبراد".
والآثار المروية عن الصحابة وغيرهم في القيلولة بعد الجمعة تؤكد هذا المعنى، وإلا لكان معناه أن الأصل عندهم أن تصلى الجمعة ضحى ثم ينصرفون منها للقيلولة قبل الزوال، وأن من صلاها بعد الزوال فلا حرج عليه، وهذا لا يقول به المخالفون، وإنما المراد: أنهم لما تركوا القيلولة قبل الظهر لأجل تبكيرهم في الرواح إلى الجمعة، وحبسهم أنفسهم في المسجد للعبادة، وانتظار خروج الإمام، فلما فرغوا من الصلاة عادوا إلى بيوتهم، فأخذوا حظهم من الراحة عوضًا عما تركوه لأجل تحصيل أجر التبكير إلى الجمعة، ويؤيد صحة هذا المعنى: حديث سهل بن سعد الآتي برقم (١٠٨٦)، ففي رواية له: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم تكون القائلة بعدُ، والله أعلم.
* * *
стр. 5582
١٠٨٥ - . . . يعلى بن الحارث: سمعت إياس بن سلمة بن الأكوع؛ يحدث عن أبيه، قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعةَ، ثم ننصرفُ وليس للحِيطان فيء.
* حديث متفق على صحته
أخرجه البخاري (٤١٦٨)، ومسلم (٨٦٠)، وأبو عوانة (٥/ ٥٧٨/ ٩٦٩ ٥ - إتحاف)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٤٥٠ / ١٩٣٦ - ١٩٣٩)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٠٠/ ١٣٩١)، وفي الكبرى (٢/ ٢٧٤/ ١٧١٠)، وابن ماجه (١١٠٠)، والدارمي (١/ ٤٣٧/ ١٥٤٦)، وابن خزيمة (٣/ ١٦٩/ ١٨٣٩)، وابن حبان (٤/ ٣٧٨/ ١٥١١) و (٤/ ٣٧٩ / ١٥١٢)، وأحمد (٤/ ٤٦ و ٥٤)، والطيالسي (٢/ ٣٠١/ ١٠٣٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٥/ ٥١٣٨)، وابن المنذر (٢/ ٣٤٩/ ٩٨٣)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٠٥)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢١/ ٦٢٥٧)، وفي الأوسط (٦/ ١٧٢/ ٦١٠٨)، والدارقطني (٢/ ١٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٣٤٠/ ٣٣٨٦)، والبيهقي (٣/ ١٩٥ و ١٩١)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٢٤٠/ ١٠٦٧).
رواه عن يعلى بن الحارث: أحمد بن عبد الله بن يونس [وهذا لفظه]،
وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ويحيى بن يعلى بن الحارث، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وعفان بن مسلم، وأبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، ويحيى بن أبي بكير، وأبو داود الطيالسي، وزيد بن الحباب، ومحمد بن بشر العبدي، ويحيى بن إسحاق السيلحيني، وأبو أحمد الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير، وأبو سلمة الخزاعي منصور بن سلمة، وغيرهم.
ولفظ ابن مهدي [عند ابن ماجه وكذا النسائي]: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم نرجع فلا نرى للحيطان فيئًا نستظل به، وفي رواية يحيى بن يعلى [عند البخاري]: … ، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به، وفي رواية أبي الوليد [عند مسلم]: … ، فنرجع وما نجد للحيطان فيئًا نستظل به.
ولفظ وكيع [عند مسلم وابن خزيمة وابن حبان]: كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفئ.
• ترجم ابن حبان لرواية وكيع بقوله: "ذكر البيان بأن الوقت الذي ذكرناه للجمعة كان ذلك بعد زوال الشمس، لا قبلُ".
وقال الماوردي في الحاوي (٢/ ٤٢٨): "وأما الجواب عن حديث سلمة: فلا دلالة فيه؛ لأن الشمس تزول في الصيف بالحجاز وليس للشمس في الحيطان ظل، وإن كان فهو شيء يسير".
وقال النووي في شرح مسلم (٦/ ١٤٨): "هذه الأحاديث ظاهرة في تعجيل الجمعة، وقد قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم:
стр. 5583
لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل وإسحاق، فجوَّزاها قبل الزوال، قال القاضي: وروي في هذا أشياء عن الصحابة لا يصح منها شيء إلا ما عليه الجمهور، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجيلها، وأنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة؛ لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها، أو فوت التبكير إليها، وقوله: نتتبع الفيء؛ إنما كان ذلك لشدة التبكير وقصر حيطانه، وفيه تصريح بأنه كان قد صار فيء يسير، وقوله: وما نجد فيئًا نستظل به؛ موافق لهذا فإنه لم ينف الفيء من أصله، وإنما نفى ما يستظل به، وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به".
وقال في المجموع (٤/ ٤٣١): "والجواب عن حديث سلمة: أنه حجة لنا في كونها بعد الزوال؛ لأنه ليس معناه أنه ليس للحيطان شيء من الفيء، وإنما معناه ليس لها فيء كثير بحيث يستظل به المار، وهذا معنى قوله: وليس للحيطان ظل يستظل به؛ فلم ينفِ أصل الظل، وإنما نفى كثيره الذي يستظل به، وأوضح منه الرواية الأخرى: نتتبع الفيء، فهذا فيه تصريح بوجود الفيء، لكنه قليل، ومعلوم أن حيطانهم قصيرة وبلادهم متوسطة من الشمس، ولا يظهر هناك الفيء بحيث يستظل به إلا بعد الزوال بزمان طويل".
وقال ابن دقيق العيد في الأحكام (٢/ ١١٨): "وقوله: وليس للحيطان فيء يستظل به؛ لا ينفي أصل الظل؛ بل ينفي ظلًا يستظلون به، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، … ، فالمراد ظل يكفي أبدانهم للاستظلال، ولا يلزم من ذلك وقوع الصلاة ولا شيء من خطبتيها قبل الزوال".
وانظر أيضًا: الفتح لابن حجر (٧/ ٤٥٠).
* * *
١٠٨٦ - . . . سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: كنا نقِيلُ ونتغدَّى بعد الجمعة.
* حديث صحيح، وهو متفق عليه من حديث أبي حازم عن سهل
أخرجه البخاري (٦٢٧٩)، وأبو عوانة (٦/ ٩٨/ ٦١٩٠ - إتحاف)، والدارقطني (٢/ ٢٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ٣٩٩).
رواه عن سفيان الثوري: محمد بن كثير العبدي، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد.
• وله طرق أخرى عن أبي حازم:
١ - رواه عبد الله بن مسلمة القعنبي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وعلي بن حجر، ومحمد بن الصباح، وإبراهيم بن محمد الشافعي، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وعبد الله بن عمران العابدي [وهم ثقات]:
стр. 5584
عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل، قال: كنا نفرح يوم الجمعة، قلت: ولم؟ قال: كانت لنا عجوز ترسل إلى بُضاعة - قال ابن مسلمة: نخل بالمدينة - فتأخذ من أصول السِّلق، فتطرحه في قِدر، وتُكَرْكِرُ حباتٍ من شعيرٍ، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا، ونسلم عليها فتقدمه إلينا، فنفرح من أجله، وما كنا نقِيلُ ولا نتغدَّى إلا بعد الجمعة [زاد بعضهم: في عهد رسول الله ﷺ ].
أخرجه مطولًا أو مختصرًا [واللفظ للبخاري (٦٢٤٨)]: البخاري (٩٣٩ و ٦٢٤٨)، ومسلم (٨٥٩)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٤٤٩/ ١٩٣٥)، والترمذي (٥٢٥)، وقال: "حسن صحيح"، وابن ماجه (١٠٩٩)، وابن خزيمة (٣/ ١٨٤/ ١٨٧٦)، وعبد الله بن أحمد في زياداته على الزهد لأبيه (١٠٨٨)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٩٤١)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٧٣/ ٥٩٠٢ و ٥٩٠٤)، والدارقطني (٢/ ١٩)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٥٧٥)، والبيهقي في السُّنن (٣/ ٢٤١) و (٧/ ٩٣)، وفي الشعب (٦/ ٤٦٠/ ٨٨٩٥)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٢٤٠/ ١٠٦٨)، وابن بشكوال في الأطعمة السرية (٥٣).
٢ - ورواه يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: إن كنا لنفرح بيوم الجمعة، … فذكره بنحو حديث عبد العزيز، وقال في آخره: والله ما فيه شحمٌ ولا وَدَكٌ.
أخرجه البخاري (٢٣٤٩ و ٥٤٠٣)، والنسائي في الرقائق من الكبرى (٣/ ٦٦٧/ ٤٧٨٤ - التحفة) [وانظر: طبعة التأصيل للسنن الكبرى (١١/ ٥٥٣/ ٢٨٠)]. والبغوي في شرح السُّنَّة (١١/ ٣٠٧ / ٢٨٦٤).
٣ - ورواه سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا أبو غسان [محمد بن مطرف]، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: كانت فينا امرأةٌ تجعل على أربعاءَ في مزرعةٍ لها سِلقًا، فكانت إذا كان يومُ جمعةٍ تنزع أصولَ السِّلق، فتجعله في قِدر، ثم تجعل عليه قبضةً من شعير تطحنها، فتكون أصولُ السِّلقِ عَرْقَه، وكنا ننصرف من صلاة الجمعة، فنسلم عليها، فتقرِّب ذلك الطعام إلينا فنلعقه، وكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك.
وفي رواية: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم تكون القائلة [بعدُ].
أخرجه البخاري (٩٣٨ و ٩٤١) [انظر: ط. التأصيل وحاشيتها (٢/ ٣٨/ ٩٤٨)]. وابن حبان (١٢/ ١٢١/ ٥٣٠٧)، والروياني (١٠٣٩)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٩٤٠)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٠٤)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٤٤/ ٥٧٨٧ و ٥٧٨٨)، والدارقطني (٢/ ٢٠).
٤ و ٥ - ورواه بشر بن المفضل [ثقة ثبت]، وسليمان بن بلال [ثقة]:
قال بشر: حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: رأيت الرجال تقيل وتتغدى يوم الجمعة، وفي رواية: كنا نقيل ونتغدى بعد الجمعة مع رسول الله ﷺ .
стр. 5585
أخرجه أبو عوانة (٦/ ٩٨/ ٦١٩٥ - إتحاف)، وأحمد (٣/ ٤٣٣) و (٥/ ٣٣٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٤/ ٥١٢٢)، والدارقطني (٢/ ٢٠).
٦ - ورواه مبشر بن مكسِّر القيسي [لا بأس به. تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٩٤/ ٣٣٢١)، الجرح والتعديل (٨/ ٣٤٣)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٧٥)]: ثنا أبو حازم: حدثني سهل بن سعد، قال: كنا نبكر إلى الجمعة مع النبي ﷺ ، ثم نرجع فنتغدى ونقيل.
أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٠).
٧ و ٨ - ورواه عبد الله بن جعفر المديني [ضعيف] [مقرونًا بابن أبي حازم]، وفضيل بن سليمان النميري [ليس بالقوي]:
عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: ما كنا نتغدَّى في عهد رسول الله ﷺ ولا نقِيلُ إلا بعد الجمعة. لفظ الترمذي من رواية ابن أبي حازم وعبد الله بن جعفر.
ولفظ فضيل بن سليمان: كنا نجمع مع رسول الله ﷺ ثم نرجع فنتغدى ونقيل.
أخرجه الترمذي (٥٢٥)، وابن خزيمة (٣/ ١٨٤/ ١٨٧٥)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٨٧/ ٥٩٤٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٢٤٠/ ١٠٦٨).
• وانظر فيمن دخل له حديث في حديث: ما أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ٩٨ / ٨٠٨٨)، وعنه: أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٣٤).
• وانظر أيضًا فيمن رواه عن أبي حازم من المتروكين والضعفاء: ما أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ٥٨٤٩/١٦٠) و (٦/ ٢٠٢/ ٦٠٠٦ و ٦٥٥٩)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٢/ ٣٧٨).
• وله إسناد آخر: أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ٢٠٥/ ٦٠١٩) [وفي إسناده: عاصم بن عبد العزيز الأشجعي، وهو: ليس بالقوي. تقدم الكلام عليه تحت الحديث رقم (٢٥٦)].
• قال ابن بطال في شرحه على البخاري (٢/ ٥٢٨): "وهذا الحديث بيِّنٌ في ردِّ قول مجاهد وأحمد بن حنبل: أن الجمعة تصلى قبل الزوال استدلالًا بقوله: وما كنا نقيل إلا بعد الجمعة، ولا يسمى بعد الجمعة وقت الغداء، فبان أن قائلتهم وغداءهم بعد الجمعة إنما كان عوضًا مما فاتهم في وقته؛ من أجل بدارِهم بالسعي إلى الصلاة والتهجير إلى الجمعة، وعلى هذا التأويل جمهور الأئمة وعامة العلماء، فلا معنى للاشتغال بما خالفهم".
وقال النووي في المجموع (٤/ ٤٣١): "وأما حديث سهل: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة؛ فمعناه: أنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة؛ لأنهم نُدِبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها" [وقد سبق أن نقلت كلامه في شرحه على مسلم، تحت حديث سلمة بن الأكوع السابق، فراجعه].
стр. 5586
وانظر: مسائل عبد الله بن أحمد (٤٥٨ و ٤٥٩).
• فائدة:
قال ابن بطال (٩/ ٤٧٦): "فيه: ما كان السلف عليه من الاقتصار في مطعمهم، وتقللهم، واقتصارهم على الدون من ذلك، ألا ترى حرصهم على السلق والشعير، وهذا يدل أنهم كانوا لا يأكلون ذلك في كل وقت، ولم تكن همتهم اتباع شهواتهم، وإنما كانت همتهم من القوت فيما يبلغهم المحل، ويدفعون سورة الجوع بما يمكن، فمن كان حريصًا أن يكون في الآخرة مع صالح سلفه فليسلك سبيلهم، وليجرِ على طريقتهم، وليقتد بهديهم، والله أعلم".
• وفي الباب أيضًا:
١ - حديث جابر بن عبد الله:
يرويه حسن بن عياش، وسليمان بن بلال:
عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ [الجمعة]، ثم نرجع فنريح نواضحنا، قال حسن: فقلت لجعفر: في أي ساعة تلك؟ قال: زوال الشمس.
أخرجه مسلم (٨٥٨)، وأبو عوانة (٣/ ٣٢٦/ ٣١٢٦ - إتحاف)، وأبو نعيم في مستخرجه عليه (٢/ ٤٤٩/ ١٩٣٤)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٠٠/ ١٣٩٠)، وفي الكبرى (٢/ ٢٧٤/ ١٧١١)، وابن حبان (٤/ ١٣٠/ ١٥٣٨)، وأحمد (٣/ ٣٣١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٥/ ٥١٣٧)، وأبو بكر المروزي في الجمعة (٥٧)، وأبو يعلى (٣/ ٤٣٤/ ١٩٢٤)، وابن المنذر (٢/ ٣٥٠/ ٩٨٤)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٠٣)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٢٩)، وابن حزم في المحلى (٥/ ٤٤)، والبيهقي (٣/ ١٩٠).
قال النووي في المجموع (٤/ ٤٣١): "حديث جابر: فيه إخبار أن الصلاة والرواح إلى جمالهم كانا حين الزوال؛ لا أن الصلاة قبله".
• وروى يحيى بن آدم، وأبو أحمد [الزبيري]، قالا: حدثنا عبد الحميد بن يزيد الأنصاري - قال أبو أحمد: مديني -، عن عقبة بن عبد الرحمن بن جابر، عن جابر، قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم نرجع فنقيل، - قال أبو أحمد: ثم نرجع إلى بني سلمة فنقيل، وهو على ميلين -.
أخرجه أحمد (٣/ ٣٣١)، وابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٧٢).
عقبة بن عبد الرحمن بن جابر: في عداد المجاهيل [التاريخ الكبير (٦/ ٤٣٥)، الجرح والتعديل (٦/ ٣١٤)، الثقات (٥/ ٢٢٧)، التعجيل (٧٤٥)]، ولا أراه ابن أبي معمر المترجم له في التهذيب (٣/ ١٢٥).
وعبد الحميد بن يزيد الأنصاري المدني: روى عنه جماعة من كبار الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات [التاريخ الكبير (٦/ ٥٠)، الجرح والتعديل (٦/ ١٩)، الثقات (٨/ ٤٠٠)].
стр. 5587
وهذا إسناد صالح في المتابعات، والله أعلم.
٢ - حديث سعد المؤذن:
يرويه هشام بن عمار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن النبي ﷺ ، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، أنه كان يؤذن يوم الجمعة على عهد رسول الله ﷺ إذا كان الفيء مثل الشراك.
أخرجه ابن ماجه (١١٠١).
تقدم تخريجه مطولًا في الشواهد تحت الحديث رقم (٥٢٠)، وهو حديث منكر.
٣ - حديث الزبير بن العوام:
رواه أبو داود الطيالسي، ويزيد بن هارون، وعبيد الله بن موسى، وأبو معاوية محمد بن خازم، وأبو قطن عمرو بن الهيثم [وهم ثقات]:
عن ابن أبي ذئب، عن مسلم بن جندب، عن الزبير بن العوام ﵁، قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم نبتدر الفيء، فما يكون إلا موضع القدم أو القدمين [وفي رواية: قدر قدم أو قدمين]. لفظ الطيالسي.
ولفظ يزيد [عند أحمد]: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم ننصرف ننبتدر في الآجام، فلا نجد إلا قدر موضع أقدامنا. قال يزيد: الآجام هي الآطام.
ولفظ عبيد الله بن موسى [عند الدارمي]: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم نرجع فنبادر الظل في أطُم بني غنم، فما هو إلا مواضع أقدامنا.
ولفظ أبي معاوية [عند ابن الأعرابي]: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم نرجع فلا نجد في الأرض من الظل إلا موضع أقدامنا.
أخرجه الدارمي (١/ ٤٣٦/ ١٥٤٥)، وابن خزيمة (٣/ ١٦٩/ ١٨٤٠)، والحاكم (١/ ٢٩١)، والضياء في المختارة (٣/ ٧٨ و ٧٩/ ٨٨٥ و ٨٨٦) و (٩/ ٣٣٧ / ٣٠٤)، وأحمد (١/ ١٦٤)، والطيالسي (١/ ١٧٥/ ١٨٨)، وأبو يعلى (٢/ ٤١/ ٦٨٠)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٥٢)، وابن الأعرابي في المعجم (٢/ ٦٧٢/ ١٣٤١)، والبيهقي (٣/ ١٩١).
• خالفهم فأبان عن علته: يحيى بن آدم [ثقة حافظ]، قال: حدثنا ابن أبي ذئب: حدثنا مسلم بن جندب: حدثني من سمع الزبير بن العوام، يقول: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم نبادر فما نجد من الظل إلا موضع أقدامنا - أو قال: فما نجد من الظل موضع أقدامنا -.
أخرجه أحمد (١/ ١٦٧).
قال ابن خزيمة: "مسلم هذا لا أدري أسمع من الزبير أم لا؟ ".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، إنما خرج البخاري عن أبي خلدة عن أنس بغير هذا اللفظ".
قلت: إسناده ضعيف؛ مسلم بن جندب لم يدرك الزبير بن العوام؛ فإن بين وفاتيهما
стр. 5588
قرابة سبعين سنة، ورواية يحيى بن آدم أكدت ذلك، وأن مسلما لم يسمعه من الزبير، وإنما سمعه من شخص مبهم، لا ندري من هو؟.
٤ - حديث أنس بن مالك:
الذي يرويه أبو خلدة خالد بن دينار، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: كان الني ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة؛ يعني: الجمعة.
هكذا رواه حرمي بن عمارة، وفي رواية له قال: حدثني أبو خلدة، قال: سمعت أنس بن مالك؛ وناداه يزيد الضبي يوم الجمعة في زمن الحجاج، فقال: يا أبا حمزة! قد شهدت الصلاة مع رسول الله ﷺ ، وشهدت الصلاة معنا، فكيف كان رسول الله ﷺ يصلي؟ قال: … فذكره. ولم يقل في آخره؛ يعني: الجمعة.
ورواه بشر بن ثابت: ثنا أبو خلدة خالد بن دينار، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان إذا كان الشتاء بكر بالظهر، وإذا كان الصيف أخرها، وكان يصلي العصر والشمس بيضاء نقية.
ورواه خالد بن الحارث: ثنا أبو خلدة: أن الحكم بن أيوب أخر الجمعة يومًا، فتكلم يزيد الضبي، قال: دخلنا الدار وأنس معه على السرير، فقال له يزيد: يا أبا حمزة! قد صليت مع النبي ﷺ وحضرت صلاتنا، فأين صلاتنا من صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقال: إذا كان الحر برد بالصلاة، وإذا كان البرد بكر بالصلاة.
ورواه سهل بن حماد، عن أبي خلدة، قال: بينا الحكم بن أيوب يخطب في البصرة؛ إذ قام يزيد الضبي فناداه، فقال: أيها الأمير، إنك لا تملك الشمس، فقال: خذاه، فأُخذ، فلما قضى الصلاة أُدخل عليه، ودخل الناس، وثم أنس بن مالك، فأقبل على أنس فقال: كيف كنتم تصلون مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يبرد بالصلا في الحر، ويبكر بها في الشتاء.
أخرجه البخاري (٩٠٦)، تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (٤٠٣).
قال ابن رجب في الفتح (٥/ ٤٢٤): "وقضية يزيد الضبي مع الحكم بن أيوب في إنكاره عليه تأخير الجمعة وهو يخطب معروفة، وكان أنس بن مالك حاضرًا، … ، فسئل أنس في ذلك الوقت عن وقت صلاة النبي ﷺ فأخبر أنه كان يعجل في البرد، ويبرد في الحر، ومراده - والله أعلم - صلاة الظهر، وهذا هو الذي أمكن أنسًا أن يقوله في ذلك الوقت، ولم يمكنه من الزيادة على ذلك، وأكثر العلماء على أن الجمعة لا يبرد بها بعد الزوال، بل تعجل في أول الوقت، … ".
وبهذا يتبين أن المراد من كلام أنس في وصف حال النبي ﷺ في الإبراد والتعجيل إنما هو في صلاة الظهر لا الجمعة، والله أعلم.
وانظر أيضًا: مجمع الزوائد (٢/ ١٨٣).
* * *
стр. 5589
٢٢٥ - باب النداء يوم الجمعة
١٠٨٧ - . . . يونس، عن ابن شهاب: أخبرني السائب بن يزيد؛ أن الأذان كان أوَّلُه حين يجلسُ الإمامُ على المنبر يومَ الجمعة في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فلما كان خلافةُ عثمان وكثُرَ الناسُ؛ أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأُذِّن به على الزَّوْراء، فثبت الأمر على ذلك.
* حديث صحيح
أخرجه البخاري (٩١٦)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٠٠/ ١٣٩٢)، وفي الكبرى (٢/ ٢٧٤/ ١٧١٢)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٧ / ٦٦٤٨ و ٦٦٤٩ و ٦٦٥١)، والبيهقي (٣/ ٢٠٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١٠/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
رواه عن يونس: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعنبسة بن خالد.
• تابع يونس بن يزيد عليه:
١ - ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة أوَّلُه إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄، فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء [لفظ آدم عند البخاري].
وفي رواية [عند ابن المنذر، وبنحوه مختصرًا عند الترمذي]: أن النداء يوم الجمعة كان أوله إذا خرج الإمام في زمان رسول الله ﷺ ، وفي زمان أبي بكر، وفي زمان عمر؛ إذا خرج الإمام، وإذا قامت الصلاة، حتى كان زمن عثمان فكثر الناس؛ فزاد النداء الثالث على الزوراء، فثبت حتى الساعة.
وفي أخرى [عند ابن خزيمة]: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر: أذانين يوم الجمعة، حتى كان زمن عثمان، فكثر الناس، فأمر بالأذان الأول بالزوراء.
أخرجه البخاري (٩١٢)، والترمذي (٥١٦)، وقال: "حسن صحيح"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٣/ ٣٦ / ٤٨٥)، وابن خزيمة (٣/ ١٣٦/ ١٧٧٣) و (٣/ ١٣٧/ ١٧٧٤)، وابن حبان (٤/ ٥٦٣/ ١٦٧٣)، وابن الجارود (٢٩٠)، وأحمد (٣/ ٤٥٠)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٩٧/ ١٦٤٤)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٥٥/ ١٧٩٠)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٧/ ٦٦٤٧)، والبيهقي (٣/ ١٩٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ٢٤٤/ ١٠٧١)، وفي التفسير (٤/ ٣٤١).
رواه عن ابن أبي ذئب: آدم بن أبي إياس، وحماد بن خالد الخياط، وابن أبي
стр. 5590
فديك، ووكيع بن الجراح، ومعن بن عيسى، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، ويحيى بن سعيد القطان، وعاصم بن علي.
قال البخاري: "الزوراء: موضع بالسوق بالمدينة".
٢ - عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن الزهري، عن السائب بن يزيد؛ أن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان ﵁، حين كثُرَ أهلُ المدينة، ولم يكن للنبي ﷺ مؤذنٌ غيرُ واحد، وكان التاذبن بوم الجمعة حبن يجلس الإمام؛ يعني: على المنبر.
أخرجه البخاري (٩١٣)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٩٧/ ١٦٤٥)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (٢٨٨٩)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٧/ ٦٦٤٩)، والبيهقي (٣/ ١٩٢).
٣ - عقيل بن خالد، عن ابن شهاب؛ أن السائب بن يزيد أخبره؛ أن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان ﵁، حين كثر أهل المسجد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام. لفظه عند البخاري، ووقع عند البيهقي بإسناد صحيح إلى عقيل: التأذين الثالث، بدل: الثاني.
أخرجه البخاري (٩١٥)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٧/ ٦٦٥٠ و ٦٦٥١)، والبيهقي (١/ ٤٢٩).
٤ - المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كان بلال يؤذِّن إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، فإذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر ﵄[زاد عند الطبراني: وأول من أحدث النداء الأخير عثمان ﵁].
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٠١/ ١٣٩٤)، وفي الكبرى (٢/ ١٧١٣/٢٧٥)، وابن قانع في المعجم (١/ ٣٠٠)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٦ / ٦٦٤٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٣٧٨/ ٣٤٨٢).
وهذا إسناد صحيح.
٥ - وروى عبد الرحمن بن مهدي [ثقة ثبت، إمام حجة]، ومحمد بن الحسن الشيباني [ضعيف]:
عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن السائب بن يزيد؛ أن عثمان بن عفان ﵁ زاد النداء الثالث [يوم الجمعة]. قال مالك: وهو النداء الأول.
أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في موطأ مالك (٢٢٥)، وأبو عروبة الحراني في الأوائل (١٣٦)، وانظر: التمهيد (١٠/ ٢٤٨).
وهذه الرواية لمالك لم أجدها في الموطأ إلا عند الشيباني تفرد بها دون أصحاب الموطآت [المطبوعة بين أيدينا]، وقد تابعه عليها ابن مهدي، وكلام ابن عبد البر - حيث
стр. 5591
علقها عن مالك - يشعر بثبوتها عنه، ومالك في هذه الرواية لم يذكر الطرف المرفوع، واقتصر فيه على فعل عثمان ﵁، والله أعلم.
٦ - صالح بن كيسان، عن ابن شهاب؛ أن السائب بن يزيد - ابنَ أختِ نمِر - أخبره، قال: إنما أمر بالتأذين الثالث عثمانُ حين كثُرَ أهلُ المدينة، ولم يكن لرسول الله ﷺ غيرُ مؤذنٍ واحدٍ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام.
أخرجه أبو داود (١٠٩٥)، وسيأتي.
وهو حديث صحيح.
٧ - محمد بن إسحاق، عن الزهري، وهو الحديث الآتي:
* * *
١٠٨٨ - قال أبو داود: حدثنا النفيلي: حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كان يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد، وأبي بكر، وعمر، ثم ساق نحو حديث يونس.
* حديث شاذ بهذه الزيادة: على باب المسجد
أخرجه من طريق أبي داود: ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٧).
هكذا رواه محمد بن سلمة الباهلي الحراني [وهو: ثقة]، عن ابن إسحاق بزيادة: على باب المسجد، ومحمد بن سلمة له أوهام على ابن إسحاق، منها على سبيل المثال: ما تقدم معنا قريبًا في السُّنن برقمي (١٠٣٢ و ١٠٦٤).
• وقد تابعه على هذه الزيادة:
أحمد بن خالد الوهبي [حمصي، صدوق]: ثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: ما كان لرسول الله ﷺ إلا مؤذن واحد، لم يكن يؤذن له غيره، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة أذن على باب المسجد، فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر ﵁ كذلك، ثم كان عمر ﵁ كذلك، حتى إذا كان عثمان كثر الناس، فأمر بالنداء الأول بالسوق على دار له يقال لها الزوراء، فكان يؤذَّن له عليها، فإذا جلس عثمان ﵁ على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة.
أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ١٤٦/ ٦٦٤٢)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (٩/ ٣٠٨)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٣٧٧ / ٣٤٨١).
• وقد خالفهما جماعة من ثقات أصحاب ابن إسحاق؛ فلم يأتوا بهذه الزيادة:
* * *
стр. 5592
١٠٨٩ - قال أبو داود: حدثنا هناد بن السري: حدثنا عبدة، عن محمد - يعني: ابن إسحاق -، عن الزهري، عن السائب، قال: لم يكن لرسول الله ﷺ إلا مؤذنٌ واحدٌ: بلالٌ، ثم ذكر معناه.
* حديث صحيح
لم أقف على من أخرجه من هذا الوجه، ومحمد بن عبدة الكلابي: ثقة ثبت، ولا أظنه ذكر باب المسجد، وقد صححته بناء على أن الأصل عدم الإتيان بهذه الزيادة، حيث قال أبو داود: "ثم ذكر معناه"، ولم يقل: مثله، كما أن بقية أصحاب ابن إسحاق الثقات لم يأتوا بها، وكذلك كل من رواه عن الزهري من الثقات.
* فقد روى هذا الحديث عن ابن إسحاق بدون هذه الزيادة: إبراهيم بن سعد [مدني، ثقة حجة، وهو أثبت الناس في ابن إسحاق]، وجرير بن عبد الحميد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن إدريس، وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، وأبو شهاب عبد ربه بن نافع الحناط [وهم ثقات]، وسفيان الثوري [ولا يصح من حديثه؛ تفرد به: إبراهيم بن أبي الليث، صاحب الأشجعي، وهو: متروك الحديث، كان يكذب. اللسان (١/ ٣٣٧)]:
عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: ما كان لرسول الله ﷺ إلا مؤذن واحد، إذا خرج أذن، وإذا نزل أقام، وأبو بكر وعمر كذلك، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دار في السوق، يقال لها: الزوراء، فإذا خرج أذن، وإذا نزل أقام.
ولفظ إبراهيم بن سعد [عند أحمد، وقد صرح فيه بسماع ابن إسحاق]: لم يكن لرسول الله ﷺ إلا مؤذن واحد في الصلوات كلها في الجمعة وغيرها، يؤذن ويقيم، قال: كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، ويقيم إذا نزل، ولأبي بكر وعمر، حتى كان عثمان.
وزاد حماد في آخره: يعلم الناس أن الجمعة قد حضرت.
أخرجه ابن ماجه (١١٣٥)، وابن خزيمة (٣/ ١٦٨/ ١٨٣٧) (٣/ ٣٠١/ ١٨٣٧ - ط. الميمان) (٥/ ٥٣/ ٤٩٣٩ - إتحاف)، وأحمد (٣/ ٤٤٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٠١/ ٢٣١١)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٦/ ٦٦٤٣ - ٦٦٤٥).
• ورواه أبو يوسف، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن السائب بن يزيد ﵁، قال: كان للنبي ﷺ مؤذن يوم الجمعة، فإذا قعد الإمام على المنبر أذن، ويقيم إذا نزل، فكان كذلك زمن أبي بكر وعمر ﵄، وصدرًا من ولاية عثمان ﵁، فلما كثر الناس أمر عثمان ﵁ المؤذن أن يقدِّم أذانًا قبل ذلك بالزوراء.
стр. 5593
أخرجه ابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٩٨/ ١٦٤٧)، قال: حدثنا بشر بن الوليد، قال: حدثنا أبو يوسف به.
وهذه الزيادة في آخره لا تثبت، أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم: صدوق، كثير الخطأ [اللسان (٦/ ٣٦٨)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٢ - ٢٦٢)، صحيح ابن خزيمة (١/ ٢٦٥)، الإرشاد (٢/ ٥٦٩)، طبقات ابن سعد (٧/ ٣٣٠)، [وانظر في أوهامه مما تقدم معنا: الأحاديث (٣٠٠ و ٤٤٠)، وما قبل (٥٣٤)، وما قبل (١٠٢١)].
وبشر بن الوليد الكندي الفقيه: صدوق، لكنه خرف، وصار لا يعقل ما يحدث به [تاريخ بغداد (٧/ ٨٠)، اللسان (٢/ ٣١٦)].
***
١٠٩٠ - . . . يعقوب بن إبراهيم بن سعد: حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب؛ أن السائب بن يزيد - ابنَ أختِ نمِر - أخبره، قال: ولم يكن لرسول الله ﷺ غيرُ مؤذِّنٍ واحدٍ، وساق هذا الحديث، وليس بتمامه.
* حديث صحيح
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٠١/ ١٣٩٣)، وفي الكبرى (٢/ ٢٧٥/ ١٧١٤)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٨/ ٦٦٥٢).
• رواه عن يعقوب بن إبراهيم: محمد بن يحيى بن فارس الذهلي [وعنه أبو داود]، وعبيد الله بن سعد بن إبراهيم الزهري.
ولفظه عند النسائي [عن الذهلي] [ومثله لفظ عبيد الله بن سعد عند الطبراني]: إنما أمر بالتأذين الثالث عثمان حين كثر أهل المدينة، ولم يكن لرسول الله ﷺ غير مؤذن واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الامام.
وهذا حديث صحيح، وقد أخرجه البخاري من حديث ابن أبي ذئب وعقيل ويونس والماجشون عن الزهري به، كما تقدم.
* ورواه أيضًا عن الزهري بعض الضعفاء والمبهمين:
أخرجه الشافعي في الأم (١/ ١٩٥)، وفي المسند (٦١)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٧/ ٦٦٥١)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٤٧٥/ ١٦٨٩).
* وللزهري فيه إسناد آخر:
فقد رواه مالك بن أنس، ومعمر بن راشد [وهما أثبت الناس في الزهري]:
عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: كان الأذان يوم الجمعة على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر أذانًا واحدًا حين يخرج الإمام، فلما كان عثمان كثر الناس فزاد الأذان الأول، وأراد أن يتهيأ الناس للجمعة.
стр. 5594
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٠٦/ ٥٣٤٢)، وأبو عروبة الحراني في الأوائل (١٣٧). وهذا مرسل بإسناد صحيح.
* قال ابن خزيمة (٣/ ١٣٧): [في قوله: وإذا قامت الصلاة: يريد النداء الثاني الإقامة، والأذان والإقامة يقال لهما: أذانان، ألم تسمع النبي ﷺ قال: "بين كل أذانين صلاة"؟ وإنما أراد: بين كل أذان وإقامة، والعرب قد تسمي الشيئين باسم الواحد إذا قرنت بينهما"، ثم أطال في ضرب الأمثلة على ذلك.
ونقل ابن المنذر (٤/ ٥٥) (٤/ ٦٣ - ط. الفلاح) بعض كلام ابن خزيمة، ثم قال: "أمر عثمان لما كثر الناس بالنداء الثالث في العدد، وهو الأول الذي بدأ به بعد زوال الشمس بين المهاجرين والأنصار، فلم يكره أحد منهم علمناه، ثم مضت الأمة عليه إلى زماننا هذا".
وقال ابن بطال في شرح البخاري (٢/ ٥٥٤) معلقًا على رواية يونس وابن أبي ذئب: "وهذا يدل أن ثم أذانًا ثانيًا، وآخر الحديث مخالف لأوله، قيل: لا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما كان يؤذن المؤذن ثم يقيم، والإقامة تسمى أذانًا، … "، ثم استدل برواية ابن أبي ذئب، ثم قال: "فبان بهذا الحديث أن الأذان الثاني المتوهم في حديث السائب إنما يعني به: الإقامة، ويشهد لصحة ذلك قوله ﵇: "بين كل أذانين صلاة لمن شاء"؛ يعني: بين كل أذان وإقامة صلاة، … ".
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٩٤): "قوله: زاد النداء الثالث، في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: فأمر عثمان بالأذان الأول، ونحوه للشافعي من هذا الوجه، ولا منافاة بينهما؛ لأنه باعتبار كونه مزيدًا يسمى ثالثًا، وباعتبار كونه جعل مقدمًا على الأذان والإقامة يسمى أولًا، ولفظ رواية عقيل الآتية بعد بابين: أن التأذين بالثاني أمر به عثمان، وتسميته ثانيًا أيضًا متوجه بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة".
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٤٦٠): "إنما سماه الثاني باعتبار الأذان عند الجلوس على المنبر، فهما أذانان بهذا الاعتبار، والإقامة لا تسمى أذانًا عند الإطلاق".
وانظر في هذا المعنى أيضًا: الخلاصة للنووي (٢٧٨١)، الفتح لابن رجب (٥/ ٤٥٠)، الفتح لابن حجر (٢/ ٣٩٥)، وغيرها.
* وممن روي عنه أن هذا الأذان بدعة:
روى مصعب بن سلام، عن هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ إذا خرج يوم الجمعة فقعد على المنبر أذن بلال.
زاد عند الطبراني والمخلص: فإذا فرغ النبي ﷺ من خطبته أقام الصلاة، والأذان الأول بدعة.
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٣٧٧/ ١٥٣٢)، والدارقطني في الأفراد (١/ ٥٩٣/ ٣٤٧٢ - أطرافه)، وأبو طاهر المخلص في الحادي عشر من فوائده بانتقاء ابن أبي
стр. 5595
الفوارس (٥٥) (٢٥٦٠ - المخلصيات)، والحاكم (١/ ٢٨٣)، وعنه: البيهقي (٣/ ٢٠٥).
قال الدارقطني: "تفرد به مصعب بن سلام عن هشام".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد؛ فإن هشام بن الغاز ممن يجمع حديثه، ولم يخرجاه".
فتعقبه الذهبي فقال في التلخيص: "مصعب: ليس بحجة".
قلت: الأكثر على تضعيفه، وهو: ضعيف، يقلب الأسانيد [انظر: التهذيب (٤/ ٨٤)]، وقد روي من وجه آخر ضعيف أيضًا:
* فقد رواه هشيم بن بشير [ثقة ثبت]، قال: أخبرنا شيخ من قريش، عن نافع، قال: سمعته يحدث عن ابن عمر؛ أنه قال: الأذان يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام، والذي قبل ذلك محدث.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٥٤٣٦/٤٧٠).
وإسناده ضعيف؛ لإبهام الراوي عن نافع.
* وروى شبابة بن سوار، قال: حدثنا هشام بن الغاز، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٥٤٣٧/٤٧٠).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح، لكن يمكن حمله على البدعة اللغوية، كما قال أبوه عمر: نعم البدعة هذه [البخاري (٢٠١٠)]، على اجتماع الناس في صلاة التراويح على إمام واحد، والمراد: أن ذلك لم يكن على عهد النبي ﷺ ، وإنما أحدثه عثمان لما رأى حاجة الناس إليه بعد اتساع المدينة، فهو داخل في سُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين التي أمرنا باتباعها، والله أعلم.
* وأما ما روي أن الناس عابوا ذلك؛ فلا يصح من ذلك شيء:
رواه الواقدي، عن عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن السائب بن يزيد، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج للصلاة أذن المؤذن ثم يقيم، وكذلك كان الأمر على عهد أبي بكر وعمر، وفي صدرٍ من أيام عثمان، ثم إن عثمان نادى النداء الثالث في السنة السابعة، فعاب الناس ذلك، وقالوا: بدعة.
أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف (٦/ ١٥٠).
وهذا إسناد واهٍ؛ محمد بن عمر الواقدي: متروك، واتهم، وشيخه هو الزهري المخرمي، وإسماعيل هو: ابن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري، وهما: ثقتان.
* قال ابن المنذر (٤/ ٥٥) (٤/ ٦٣ - ط. الفلاح): "أمر عثمان لما كثر الناس بالنداء الثالث في العدد، وهو الأول الذي بدأ به بعد زوال الشمس بين المهاجرين والأنصار، فلم يكره أحد منهم علمناه، ثم مضت الأمة عليه إلى زماننا هذا".
стр. 5596
وقال ابن رجب في الفتح (٥/ ٤٦٢): "وقوله في هذه الرواية التي خرجها البخاري هنا: فثبت الأمر على ذلك، يدل على أن هذا من حين حدده عثمان استمر، ولم يترك بعده، وهذا يدل على أن عليًّا أقرَّ عليه، ولم يبطله، فقد اجتمع على فعله خليفتان من الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين".
* فائدة:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الصلاة بعد الأذان الأول يوم الجمعة، فأجاب بجواب مفصل أطال فيه، ومما قال: "والصواب أن يقال: ليس قبل الجمعة سُنَّة راتبة مقدرة"، وقال أيضًا: "وقد احتج بعض الناس على الصلاة قبل الجمعة بقوله: "بين كل أذانين صلاة"، وعارضه غيره فقال: الأذان الذي على المنابر لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ، ولكن عثمان أمر به لما كثر الناس على عهده، ولم يكن يبلغهم الأذان حين خروجه وقعوده على المنبر، ويتوجه أن يقال: هذا الأذان لما سَنَّه عثمان واتفق المسلمون عليه صار أذانًا شرعيًا، وحينئذ فتكون الصلاة بينه وبين الأذان الثاني جائزة حسنة، وليست سُنَّة راتبة كالصلاة قبل صلاة المغرب، وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكَر عليه، ومن ترك ذلك لم ينكَر عليه، وهذا أعدل الأقوال" [مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٩٣)].
***
٢٢٦ - باب الإمام يكلِّم الرجلَ في خطبته
١٠٩١ - . . . حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي: حدثنا مخلد بن يزيد: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، قال: لما استوى رسول الله ﷺ يوم الجمعة، قال: "اجلِسوا"، فسمع ذلك ابنُ مسعود، فجلس على باب المسجد، فرآه رسول الله ﷺ ، فقال: "تعالَ يا عبدَ الله بن مسعود".
قال أبو داود: هذا يُعرف مرسلًا، إنما رواه الناس عن عطاء، عن النبي ﷺ ، ومخلد هو شيخ.
* حديث شاذ، صوابه مرسل
أخرجه الحاكم (١/ ٢٨٦)، والبيهقي (٣/ ٢٠٦)، وابن الجوزي في التحقيق (٨٠٦).
رواه عن يعقوب بن كعب الأنطاكي [وهو: ثقة]: أبو داود السجستاني [ثقة حافظ إمام]، ومحمد بن إبراهيم بن سعيد العبدي البوشنجي [ثقة حافظ فقيه].
* تابع يعقوب الأنطاكي عليه:
إسحاق بن زريق الرسعني [ذكره ابن حبان في الثقات، وكان راويًا لإبراهيم بن خالد الصنعاني، روى عنه عن سفيان الثوري: الجامع الكبير. الثقات (٨/ ١٢١)، المؤتلف للدارقطني (٢/ ١٠٢٠)، الإكمال (٤/ ٥٧)، الأنساب (٣/ ٦٤)، التوضيح (٤/ ١٨٠)، وقد
стр. 5597
سبق ذكره قبل ذلك في إسناد يرويه عن مجاهيل تحت الحديث المتقدم برقم (٢٢٧)، وفيه ما ينكر]، قال: حدثني مخلد به.
أخرجه أبو طاهر المخلص في الرابع من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٦٥) (٦٨٠ - المخلصيات)، وفي سبعة مجالس من أماليه (٢٧) (٣١٢١ - المخلصيات)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٢٨).
قال أبو داود: "هذا يُعرف مرسلًا، إنما رواه الناس عن عطاء، عن النبي ﷺ ، ومخلد هو شيخ".
ووقع في رواية الرملي عن أبي داود: "قال أبو داود: مشهور مرسل، جاء به ابن جريج عن عطاء مطلقًا" [بيان الوهم (٥/ ٤١٩/ ٢٥٨٨)].
وجرى فيه الحاكم على ظاهر السند، فقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
وقال البيهقي: "وكذلك روي عن معاذ بن معاذ عن ابن جريج، وقيل: عن عطاء قال: أبصر النبي ﷺ ابن مسعود خارجًا من المسجد، والنبي ﷺ يخطب، فقال: "تعال يا عبد الله بن مسعود"".
* قلت: اختلف في هذا الحديث على ابن جريج:
١ - فرواه مخلد بن يزيد الحراني [لا بأس به، وكان يهم]: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، قال: لما استوى رسول الله ﷺ يوم الجمعة، … فذكره هكذا متصلًا من حديث جابر.
• وتابعه على هذا الوجه:
معاذ بن معاذ [العنبري: ثقة متقن، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة]: أنبأ ابن جريج، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي ﷺ لما استوى على المنبر يوم الجمعة، قال: "اجلسوا"، فسمع ذلك ابن مسعود فجلس، فرآه، فقال: "تعال يا عبد الله بن مسعود".
أخرجه البيهقي (٣/ ٢١٨)، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ [الإسفراييني المهرجاني: قال عبد الغافر الفارسي: "كبير فاضل، صاحب قراءات"، وقال الذهبي: "المقرئ المجود"، المنتخب من السياق (١٢٧١)، تاريخ الإسلام (٢٨/ ٤٨٧)]: أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق [الإسفراييني المهرجاني، ابن أخت أبي عوانة: ثقة. السير (١٦/ ٥٠)، تاريخ الإسلام (٢٥/ ٣٤٨)]: ثنا يوسف بن يعقوب [هو: ابن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي القاضي: ثقة حافظ، وهو راوية المقدمي. تاريخ بغداد (١٤/ ٣١٠)، الإرشاد (٢/ ٦٠٨)، السير (١٤/ ٨٥)، التذكرة (٢/ ٦٦٠)]: ثنا محمد بن أبي بكر [هو: ابن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي: ثقة]: ثنا معاذ به.
قلت: معاذ بن معاذ غير معروف بالرواية عن ابن جريج، والإسناد إليه فرد غريب، ولم يعرفه أبو داود على سعة حفظه وروايته؛ فهو حديث غريب جدًّا.
стр. 5598
قال البيهقي: "ورواه عمرو بن دينار عن عطاء فأرسله".
٢ - ورواه الوليد بن مسلم [ثقة ثبت، وعنه: هشام بن عمار، وهو: صدوق، إلا أنه لما كبر صار يتلقن]: نا ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: لما استوى النبي ﷺ على المنبر، قال للناس: "اجلِسوا"، فسمعه ابن مسعود وهو على باب المسجد، فجلس، فقال له النبي ﷺ : "تعال يا ابن مسعود".
أخرجه ابن خزيمة (٣/ ١٤١/ ١٧٨٠)، والحاكم (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وعنه: البيهقي (٣/ ٢٠٥).
قال ابن خزيمة: "إن كان الوليد بن مسلم ومن دونه حفظ ابن عباس في هذا الإسناد؛ فإن أصحاب ابن جريج أرسلوا هذا الخبر عن عطاء عن النبي ﷺ ".
وجرى الحاكم فيه - على عادته - على ظاهر السند، فقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
٣ - وخالفهم أصحاب ابن جريج فأرسلوه:
رواه عبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ مصنف، وهو راوية ابن جريج]، وحفص بن غياث [كوفي، ثقة فقيه]، وروح بن عبادة [بصري، ثقة، كان ابن جريج يخصه بالحديث. التهذيب (١/ ٦١٤)]:
فرووه عن ابن جريج، عن عطاء، قال: بينا النبي ﷺ يخطب إذ قال: "اجلِسوا"، فسمعه ابن مسعود، فجلس بباب المسجد في جوف المسجد، فقال له النبي ﷺ : "تعالَ يا عبد الله". لفظ عبد الرزاق.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢١١/ ٥٣٦٨)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٥١/ ٥٢١٣) و (٧/ ٣١٤/ ٣٦٤٢٣)، والحارث بن أبي أسامة (١٠١٥ - بغية الباحث).
وهذا الوجه هو الصواب عن ابن جريج مرسلًا، وقد توبع عليه:
* تابع ابن جريج على إرساله: عمرو بن دينار:
فقد روى الحميدي، وعبد الجبار بن العلاء:
عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، قال: أبصر النبي ﷺ عبد الله بن مسعود خارجًا من المسجد، والنبي ﷺ يخطب، فقال: "تعال يا عبد الله بن مسعود".
هذا لفظ الحميدي، ولفظ عبد الجبار: أن النبي ﷺ كان على المنبر، فلما صعد قال للناس: "اجلِسوا"، وابن مسعود خارج، فسمعه فجلس، فقال رسول الله ﷺ : "تعالَ يا عبد الله".
أخرجه البيهقي (٣/ ٢١٨)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام (٢٧٩).
وهذا هو الصواب: مرسلًا؛ وعمرو بن دينار المكي: ثقة ثبت، قال أحمد: "عمرو بن دينار: أثبت الناس في عطاء"، وقال مرارًا: "أثبت الناس في عطاء: عمرو بن دينار، وابن
стр. 5599
جريج" [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٤٩٦/ ٣٢٧٢) و (٣/ ٢١٩/ ٤٩٥٠) و (٣/ ٢٥٤/ ٥١٢٣)، سؤالات الميموني (٥٠٥)، سؤالات أبي داود (٢١٤)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٣١)، تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٣٢١ و ١١٢٧)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٢١ و ٢٢)، التهذيب (٣/ ٢٦٨)].
فهو مرسل بإسناد صحيح.
* وممن أعل الحديث بالإرسال: أبو داود، والبيهقي، وتردد فيه ابن خزيمة.
وقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٣٨٣/ ٣٢٧٤): "يرويه ابن جريج، وقد اختلف عنه: فرواه معاذ بن معاذ، ومخلد بن يزيد، وأبو زيد النحوي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر.
وخالفهم إسماعيل بن عياش، فرواه عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن مسعود.
وخالفهم الوليد بن مسلم، رواه عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.
ورواه عمرو بن دينار، عن عطاء، مرسلًا، والمرسل أشبه".
وأخشى أن يكون سقط من كلام الدارقطني ذكر من رواه عن ابن جريج مرسلًا.
* وقد روى فيه ابن جريج قصة أخرى:
رواها عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ أن النبي ﷺ لما علا المنبر يوم الجمعة، قال: "اجلِسوا"، فسمع رجل من الأنصار قول النبي ﷺ ذلك، وهو بالطريق لم يدخل المسجد، فجلس في بني غنم، قال: فلما أقيمت الصلاة دخل الرجل، فقال له النبي ﷺ : "ألا رحت"، فأخبره الخبر، فقال له النبي ﷺ خيرًا، زعموا أن ذلك الرجل عبد الله بن رواحة.
أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢١١/ ٥٣٦٦).
وهذا أيضًا مرسل بإسناد صحيح؛ ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني، المعروف بربيعة الرأي: تابعي، ثقة فقيه.
• وانظر أيضًا في المراسيل: ما أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢١١/ ٥٣٦٧)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٢٥٧).
* وروي أيضًا من حديث عائشة:
رواه فضالة بن يعقوب، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن هشام بن عروة؛ أن عروة حدثه، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر يوم الجمعة، فلما جلس، قال: "اجلِسوا"، فسمع عبد الله بن رواحة قول النبي ﷺ : "اجلِسوا"، فجلس في بني غنم، فقيل: يا رسول الله! ذاك ابن رواحة جالس في بني غنم، سمعك وأنت تقول للناس: "اجلِسوا"، فجلس في مكانه.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ٦٢/ ٩١٢٨)، وأبو نعيم في الدلائل (٣٥٨)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٢٥٦) [وانقلب عنده اسم ابن مجمع]. ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ٨٧).
стр. 5600
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا إبراهيم بن إسماعيل، ولا عن إبراهيم إلا فضالة بن يعقوب، تفرد به: إبراهيم بن المنذر".
قلت: لم ينفرد به إبراهيم بن المنذر فقد تابعه عليه جماعة، لكن: إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع الأنصاري المدني: ضعيف، وفضالة بن يعقوب بن معن الأنصاري: لم أقف له على ترجمة، وقد روى عنه جماعة، وذكره المزي فيمن روى عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع [تهذيب الكمال (٢/ ٤٦)].
فهو حديث منكر؛ لتفرد إبراهيم بن إسماعيل به عن هشام بن عروة دون بقية أصحابه الثقات على كثرتهم.
* ومما جاء في باب: كلام الإمام أثناء الخطبة بعض المأمومين:
١ - قصة سليك الغطفاني:
في الداخل والإمام يخطب، قال جابر بن عبد الله: دخل رجل المسجد، ورسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال: "أصليت؟ " قال: لا، قال: "قم فصل الركعتين" وفي رواية: "صل ركعتين".
وفي رواية لمسلم: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له: "يا سليك قم فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما".
وهو حديث متفق عليه، أخرجه البخاري (٩٣٠ و ٩٣١ و ١١٦٦)، ومسلم (٨٧٥)، وله طرق وألفاظ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في السُّنن برقم (١١١٥ - ١١١٧).
٢ - حديث أبي رفاعة العدوي:
رواه سليمان بن المغيرة: حدثنا حميد بن هلال، قال: قال أبو رفاعة: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله رجل غريب، جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه! قال: فأقبل عليَّ رسولُ الله ﷺ ، وترك خطبته حتى انتهى إليَّ، فأُتيَ بكُرسي، حسبت قوائمَه حديدًا، قال: فقعد عليه رسولُ الله ﷺ ، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرَها.
أخرجه مسلم (٨٧٦)، والبخاري في الأدب المفرد (١١٦٤)، وفي التاريخ الكبير (٢/ ١٥١)، وأبو عوانة (١٤/ ٢٥٧/ ١٧٧٢٦ - إتحاف)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٢/ ٤٦٢/ ١٩٧٠)، والنسائي في المجتبى (٨/ ٢٢٠/ ٥٣٧٧)، وفي الكبرى (٨/ ٤٧٢/ ٩٧٤٠)، وابن خزيمة (٢/ ٣٥٥/ ١٤٥٧) و (٣/ ١٥١/ ١٨٠٠)، والحاكم (١/ ٢٨٦)، وأحمد (٥/ ٨٠) (٩/ ٤٨١٣/ ٢١٠٨٤ - ط. المكنز) و (١١/ ٥٧٤٤/ ٢٤٤٦٨ و ٢٤٤٦٩ - ط. المكنز) (١٤/ ٢٥٨/ ١٧٧٢٦ - إتحاف)، وابن المبارك في الجهاد (١٥٩)، وابن أبي شيبة في المسند (٦٢٠)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ١٠٩/ ٢٩٥ - السفر الثاني)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ٤٢٥/ ١٢١٧)، والدولابي في الكنى (١/ ٨٥/ ٨٢ ١)، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (١/ ٤١٣/ ٣٧٧)، وابن قانع في المعجم
стр. 5601
(١/ ١١٣)، والطبراني في الكبير (٢/ ٥٩/ ١٢٨٤)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٢/ ٤٣٣/ ٤٣٦)، وابن المقرئ في المعجم (١٢٦٩)، وابن منده في معرفة الصحابة (١/ ٣٢٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٤٥٥/ ١٣٠٨ و ١٣٠٩) و (٣/ ١٦٢٠/ ٤٠٨٩) و (٥/ ٦٧٨٧/٢٨٨٩)، وابن حزم في المحلى (٥/ ٦٦)، والبيهقي (٨/ ٢١٣)، والبغوي في الشمائل (٣٧٨).
* ورواه أبو صالح سعيد بن عبد الله السواق: نا داود بن إبراهيم العقيلي: نا أبو جزي نصر بن طريف: نا أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، عن حميد بن هلال، عن أبي رفاعة، قال: أتيت رسول الله ﷺ ، وهو يخطب على كرسي، خُيِّلَ إليَّ أن قوائمه حديد.
أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٢/ ٤٣٧/٤٣٥).
وهذا حديث باطل؛ نصر بن طريف: متروك، معروف بالوضع [اللسان (٨/ ٢٦١)]، وداود بن إبراهيم العقيلي: قال الأزدي: "مجهول كذاب، لا يحتج به" [اللسان (٣/ ٣٩٣)]، وأما سعيد بن عبد الله، أبو صالح الهمداني السواق: فقد نعته الذهبي في تاريخ الإسلام (١٩/ ١٦٣) بقوله: "الرجل الصالح، أحد حفاظ الحديث".
* ورواه من وجه آخر: القضاعي في مسند الشهاب (١١٣٧)، فقال: وأنا أبو محمد التجيبي: نا إسماعيل بن يعقوب البزاز: نا إسماعيل بن إسحاق القاضي: نا علي بن المديني: نا سفيان: نا أيوب، عن حميد بن هلال، عن رجل، قال: أتيت رسول الله ﷺ وقد ألقي له منبرٌ، خِلْتُ قوائمَه من حديد، فحفظت مما علمني، أنه قال: "إنك لا تدع شيئًا ابتغاء وجه الله إلا أثابك الله ما هو خير منه".
قلت: هذا الإسناد من لدن الإمام الكبير، شيخ الإسلام، الحافظ المتقن، الفقيه المتفنن، إسماعيل بن إسحاق القاضي [انظر ترجمته: تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٤)، السير (١٣/ ٣٣٩)] فمن فوقه: كلهم ثقات أئمة، وإسماعيل بن يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن عيسى أبو القاسم البغدادي المعروف بابن الجراب، قال ابن يونس: "كان ثقة"، ونعته الذهبي بقوله: "الشيخ المحدث الأمين" أتاريخ بغداد (٦/ ٣٥٤)، الأنساب (٢/ ٣٦)، السير (١٥/ ٤٩٧)]، وعبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد بن إسحاق بن إبراهيم بن النحاس أبو محمد المصري التجيبي، قال ابن يونس: "كان ثقة"، ونعته الذهبي بقوله: "الشيخ الإمام الفقيه، المحدث الصدوق، مسند الديار المصرية" [الإكمال لابن ماكولا (٧/ ٢٨٦)، الأنساب (٥/ ٤٦٥)، التقييد (٤٠٩)، السير (١٧/ ٣١٣)، تاريخ الإسلام (٢٨/ ٤٠٢)].
فهو حديث غريب جدًّا؛ فأين أصحاب أيوب السختياني، وأين أصحاب ابن عيينة فهم أمم، وأين أصحاب ابن المديني على كثرتهم، وأين أصحاب إسماعيل بن إسحاق القاضي، فلا نجده إلا بهذا الإسناد الفرد عند القضاعي على تأخره!!!.
* ثم أعقبه القضاعي في مسنده (١١٣٨)، بقوله: نا إسماعيل بن يعقوب [يعني: أن أبا محمد التجيبي حدثه عن إسماعيل بن يعقوب]: نا إسماعيل بن إسحاق: نا مسدد: نا
стр. 5602
يزيد بن زريع: نا خالد الحذاء، عن حميد بن هلال، عن الذي سأل النبي ﷺ ، أو عمن سمعه منه، قال: أتيت نبي الله ﷺ وهو يخطب، فقلت: علمني مما علمك الله، فنزل وألقي له كرسي قوائمه حديد، فقال: "إنك لا تدع شيئًا اتقاء الله إلا بدَّلك الله مكانه خيرًا منه".
قال رفاعة العدوي: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله! رجل غريب، جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فجاء رسول الله ﷺ وترك خطبته، فأُتي بكرسي خِلْتُ قوائمَه حديدًا، قال: فقعد رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى على خطبته، فأتى عليها.
قلت: وهذا أيضًا حديث غريب جدًّا، يقال فيه ما قيل في سابقه.
وإنما يُعرف هذا الحديث من حديث سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، وقد اشتهر عن سليمان، ورواه عنه جماعة كثيرة من الثقات، وبلغ الآفاق، فما بال رواية من هو أكثر حديثًا وأصحابًا من سليمان، مثل: أيوب السختياني، وخالد الحذاء؛ لا تصلنا روايته إلا من طريق فرد غريب، ولا يخرجه أحد من المصنفين من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد والمصنفات والمعاجم والأجزاء والمشيخات وغيرها، سوى رجل من أهل القرن الخامس، فلا تثبت الرواية بمثل هذا، والله أعلم.
زد على ذلك: قول الإمام أحمد: "سليمان بن المغيرة: أثبت في حميد بن هلال من أيوبإ، وقال إسماعيل بن علية وسفيان بن عيينة: "كان سليمان بن المغيرة أحفظ لحديث حميد بن هلال من أيوب"، بل قدمه أيوب السختياني نفسه، فقال: "ليس أحد أحفظ لحديث حميد بن هلال من سليمان بن المغيرة" [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٣٧/ ٣٥٤٦)، طبقات ابن سعد (٧/ ٢٨٠)، الجعديات (١١٦٧ و ١١٦٩ و ٣٠٨٠)].
* وقد روي بعضه من وجه آخر من غير طريق حميد بن هلال:
رواه أبو حفص السلمي [هو: عمر بن عبد الرحمن البصري: روى عنه جماعة من المصنفين، مثل: العقيلي والطبراني والرامهرمزي وابن عدي وأبي الشيخ، وذكر له ابن عدي حديثًا قلب إسناده في ترجمة مبارك بن فضالة. الكامل (٦/ ٣٢٠)]: نا حوثرة بن أشرس [صدوق. تقدمت ترجمته تحت الحديثين رقم (٤٤ و ٧٧)]: نا إبراهيم بن يزيد [العدوي البصري]، عن إسحاق بن سويد العدوي [بصري، ثقة]؛ أن أبا رفاعة رضي الله تعالى عنه، قال: أتيت النبي ﷺ وهو جالس على كلرسي، خِلْتُ قوائمَه حديدًا.
أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٢/ ٤٣٦/ ٤٣٨)، والخطيب في المتفق والمفترق (١/ ٢٠٤/ ٦٦) [وفي سنده سقط]. والبغوي في الشمائل (٨٥٢).
وهذا إسناد ضعيف؛ إبراهيم بن يزيد العدوي البصري: مجهول، روى عن إسحاق بن سويد العدوي، وروى عنه: حوثرة بن أشرس [المتفق والمفترق (١/ ٢٠٤)].
* نرجع بعد ذلك إلى حديث سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي رفاعة، وقد صححه مسلم وأبو عوانة وابن خزيمة:
стр. 5603
لكن قال ابن المديني: "حديث أبي رفاعة: أتيت النبي ﷺ وهو على كرسي من حديد؛ رواه سليمان بن المغيرة عن أبي هلال [لعلها تحرفت عن ابن هلال] عن أبي رفاعة، ولم يلق عندي أبا رفاعة" [العلل (١٣٨)، التهذيب (١/ ٥٠٠)، تحفة التحصيل (٨٥)].
وهذا الحديث رواه عن سليمان بن المغيرة، فقال في صيغة الأداء: قال، ولم يذكر عنعنةً ولا سماعًا: عبد الرحمن بن مهدي، وابن المبارك، وشيبان بن فروخ، وعفان بن مسلم، وبهز بن أسد، وعاصم بن علي.
ورواه بالعنعنة: أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وشبابة بن سوار.
وهذا مما يجعل النفس لا تطمئن لثبوت سماع هلال بن حميد من أبي رفاعة، كما أني لم أقف على ما يدل على ثبوت اللقاء أو السماع بوجه من الوجوه، وعلى هذا فإن ظاهر هذه الرواية الإرسال، والحكاية لا الرواية، ومن رواه بالعنعنة تسهل وتخفف من ألفاظ التحمل، وأن الصيغة التي جاء بها الحديث هي التي رواه بها جماعة الثقات، وهي قول حميد بن هلال: قال أبو رفاعة، وهذا ظاهره الإرسال والحكاية، وأنه يحكي واقعة لم يدركها.
ويزيد ذلك تأكيدًا أن أبا رفاعة العدوي قتل بكابل سنة أربع وأربعين [قاله ابن عبد البر. تاريخ خليفة بن خياط (٢٠٦)، الاستيعاب (٤/ ١٦٥٨)، التهذيب (٤/ ٥٢٢)]، وأما حميد بن هلال فإنه مات في آخر ولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق، قال ابن حبان: "وولي خالد على العراق سنة ست ومائة، وعزل سنة عشرين ومائة" [طبقات ابن سعد (٧/ ٢٣١)، طبقات خليفة بن خياط (١٧٥٠)، أنساب الأشراف (١١/ ٢٩٦)، الجعديات (١١٧٠)، الثقات (٤/ ٤٩) و (٤/ ١٤٧) و (٥/ ٤٣٤) و (٧/ ٤٩٤)].
وعلى هذا يكون بين وفاتيهما قرابة (٧٦) سنة، وهذا يؤيد ما ذهب إليه ابن المديني من أن حميد بن هلال لم يلق أبا رفاعة، فتكون روايته عنه مرسلة، والله أعلم.
كذلك فقد أثبت يحيى بن معين والبخاري وأبو داود سماع حميد بن هلال من أنس بن مالك، وأثبت له ابن معين وأبو داود السماع من عبد الله بن مغفل [تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ١١٧/ ٣٤٤٨)، التاريخ الكبير (٢/ ٣٤٦)، سؤالات الآجري (٤/ ق ١٠)]، وروايته عن أنس وابن مغفل في صحيح البخاري (١٢٤٦ و ٣٢١٤ و ٣١٥٣)، وأنس توفي بعد سنة (٩٠)، وابن مغفل توفي سنة (٥٧) وقيل بعدها، وهذا أيضًا مما يؤكد استبعاد سماع حميد من أبي رفاعة، لتقدم وفاته.
وحميد بن هلال: ممن لا يوثق بمراسيله، قال ابن سيرين: "كان أربعة يصدِّقون من حدثهم: أبو العالية، والحسن، وحميد بن هلال، ورجل آخر سماه"، وفي رواية أخرى: "كان الحسن وأبو العالية وحميد بن هلال: يصدِّقون من حدثهم، ولا يبالون ممن سمعوا"
стр. 5604
[العلل ومعرفة الرجال (٩٨٩)، الجعديات (١١٦٨)، سنن الدارقطني (١/ ١٧١)، تاريخ دمشق (١٨/ ١٨٨)، شرح علل الترمذي (١/ ٥٣٩)، التهذيب (١/ ٥٠٠)].
٣ - حديث أبي حازم:
يرويه شعبة، وعيسى بن يونس، وعبد الله بن نمير، ويعلى بن عبيد:
عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء أبي والنبي ﷺ يخطب فقام بين يديه في الشمس، فأمر به فحُوِّل إلى الظِّلِّ. كذا في رواية عيسى، وابن نمير، وبنحوه لفظ يعلى.
وفي رواية شعبة [في المحفوظ عنه، من رواية: غندر، وآدم بن أبي إياس، وأبي داود الطيالسي، وأبي الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب، وعلي بن الجعد]، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم؛ أن أباه جاء ورسول الله ﷺ يخطب فقعد في الشمس، قال: فأومأ إليه - أو قال: أمر به - أن يتحوَّل إلى الظل، وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يخطب، فرأى أي في الشمس ....
أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٦)، والطيالسي (٢/ ٦٣٠/ ١٣٩٤)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ٣٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٥١/ ٥٢١٤) و (٥/ ٦٣/ ٢٣٧١٩) و (٧/ ٣١٤/ ٣٦٤٢٤)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٣/ ٥٢/ ٣٧٨٦ - السفر الثالث)، وابن قانع في المعجم (٢/ ٣٠٤) [وروايته موصولة، وهي منكرة من حديث شعبة]. والطبراني في الكبير (٨/ ٢٦/ ٧٢٨١)، والحاكم (٤/ ٢٧٢) [ولفظه: "تحوَّلْ إلى الظل؛ فإنه مبارك"، وهي رواية منكرة من حديث الطيالسي عن شعبة،. وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٥١٨/ ٣٥٨٢) [وروايته موصولة، وهي منكرة من حديث شعبة] و (٤/ ١٨٩٢/ ٤٧٦٥) و (٤/ ٢٢٠٥/ ٥٥٢٢)، والبيهقي (٣/ ٢١٨)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٥٦٢).
هكذا رواه أربعتهم عن إسماعيل به مرسلًا.
* خالفهم فرواه موصولًا:
يحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وهريم بن سفيان، وعلي بن مسهر، وحفص بن غياث:
قال يحيى: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا قيس، عن أبيه، قال: جاء ورسول الله ﷺ يخطب، فقام في الشمس، فأَمر به فحوِّل إلى الظل.
وقال وكيع: حدثنا ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبيه، قال: رآني النبي ﷺ وهو يخطب، فأمرني، فحولت إلى الظل.
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١١٧٤)، وأبو داود (٤٨٢٢)، وابن خزيمة (٢/ ٣٥٣/ ١٤٥٣)، وابن حبان (٧/ ٣٩/ ٢٨٠٠)، والحاكم (٤/ ٢٧١)، وأحمد (٣/ ٤٢٦ و ٤٢٧) و (٤/ ٢٦٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ٦٣/ ٢٣٧١٩)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١/ ٤١٩/ ١٥١٣ - السفر الثاني) و (٢/ ٢٩٢/ ٢٩٨٨ - السفر الثالث) و (٣/ ٣٧/ ٣٧٢٥ -
стр. 5605
السفر الثالث)، وأبو أحمد العسكري في تصحيفات المحدثين (٢/ ٥٤٢)، والبيهقي (٣/ ٢١٨).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد؛ وإن أرسله شعبة، فإن منجاب بن الحارث وعلي بن مسهر: ثقتان".
* تنبيه: وقع في رواية حفص بن غياث، وعلي بن مسهر: فقال لي: "تحول إلى الظل"، زاد ابن مسهر: "فإنه مبارك"، وهي زيادة شاذة لو كانت محفوظة من حديث علي بن مسهر عند الحاكم، لكن شيخ الحاكم في حديث ابن مسهر هو: أبو بكر بن أبي دارم، هو: أحمد بن محمد بن السري الحافظ، وهو: رافضي كذاب، متهم بالوضع [السير (١٥/ ٥٧٦)، اللسان (١/ ٦٠٩)]، فسقطت بذلك رواية ابن مسهر، كما أن الراوي عن حفص بن غياث: يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو: حافظ، لكنه اتهم بسرقة الحديث، فلم أجد لهذه اللفظة إسنادًا ثابتًا.
* والوصل هنا زيادة تتابع عليها جماعة من الثقات الحفاظ، فوجب قبولها، لا سيما وفيهم: يحيى بن سعيد القطان ووكيع بن الجراح.
فهو حديث صحيح، محفوظ، متصل الإسناد، وإن أرسله شعبة.
وهذا الحديث مما ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجه، حيث قال بأنه يلزم على مذهبهما جميعًا إخراج حديث أبي حازم والد قيس [مع جماعة آخرين، ممن تفرد قيس بالرواية عنهم]، ثم قال: "إذ كانت أحاديثهم محفوظة، رواها جماعة من الثقات، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن الصنابح، وعن دكين، وعن أبيه، كل واحد منهم" [الإلزامات (١٠٠)].
٤ - حديث عبد الله بن بسر:
يرويه عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن وهب، وزيد بن الحباب، وبشر بن السري، وأسد بن موسى [وهم ثقات حفاظ]:
عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، قال: كنا مع عبد الله بن بسر صاحب النبي ﷺ يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال عبد الله بن بسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ :"اجلس؛ فقد آذيت، وآنيت".
قال أبو الزاهرية: وكنا نتحدَّث معه حتى يخرجَ الإمام.
أخرجه أبو داود (١١١٨)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١٠٣/ ١٣٩٩)، وفي الكبرى (٢/ ٢٧٧/ ١٧١٨)، وابن خزيمة (٣/ ١٥٦/ ١٨١١)، وابن حبان (٧/ ٢٩/ ٢٧٩٠)، وابن الجارود (٢٩٤)، والحاكم (١/ ٢٨٨)، والضياء في المختارة (٩/ ٤٧ - ٤٩/ ٢٢ - ٢٦) [ووقع في الطريق الأول وهم على الطبراني في إسناده، وهو على الصواب عند الطبراني والخطيب]. وأحمد (٤/ ١٨٨ و ١٩٠)، والبزار (٨/ ٤٣٢/ ٣٥٠٦)، وابن المنذر في الأوسط
следующие страницы →