Полный текст (16 465 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.
стр. 6301
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٩٧/ ٦٩٢٢) و (٨/ ٣٠٨/ ٣٦٣٤٣)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٤٦/ ٢٧٩٩)].
٣ - عن أبي سعيد الخدري [أخرجه أحمد (٣/ ٧٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٣٦/ ٨٥٠٥)، والبزار (٦٩١ - كشف)، وابن نصر المروزي في السُّنَّة (٣٧٨)] [وفي إسناده: عطية بن سعد العوفي، وهو: ضعيف، وابن أبي ليلى، وهو: ليس بالقوي].
٤ - عن أبي موسى الأشعري [أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٢٨٨) معلقًا. وأحمد (٤/ ٤١٣)، والبزار (٨/ ١٣٦/ ٣١٤٦)، وابن نصر المروزي في السُّنَّة (٣٨١)، وأبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٠٨٠)، والطحاوي في أحكام القرآن (٢٦٢ و ٢٦٣)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٤٦/ ٢٤٢٧)] [وفي إسناده: يونس بن الحارث الطائفي، وهو: ضعيف، ويبدو أنه كان يوقفه أولًا، ثم رفعه بعدُ، وقد وقفه غيره. أخرج الموقوف: البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٢٨٨) معلقًا. وابن أبي شيبة (٢/ ٢٣٧/ ٨٥١٤ و ٨٥١٥)، قال البخاري: "والأول أصح"، يعني: الموقوف].
٥ - عن الهرماس بن زياد [أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٠٤/ ٥٣٧)] [وفي إسناده: أبو قتادة عبد الله بن واقد الحراني، وهو: متروك، منكر الحديث].
٦ - عن أبي أمامة [أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٢٨/ ٧٥٨٣)، وفي مسند الشاميين (٤/ ٣١٧/ ٣٤١٧)] [وهو حديث باطل عن أبي أمامة، رواه عن مكحول عن أبي أمامة: العلاء بن كثير الليثي: متروك، منكر الحديث، يروي عن مكحول المنكرات، قال ابن حبان: "كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحل الاحتجاج بما روى وإن وافق فيها الثقات"، المجروحين (٢/ ١٨٢)، التهذيب (٣/ ٣٤٨)، والراوي عنه: حكيم بن خذام، وهو: متروك، منكر الحديث. اللسان (٣/ ٢٦٠)، والراوي عنه: محمد بن عقبة بن هرِم السدوسي البصري: ضعيف. التهذيب (٣/ ٦٤٩)].
***
٢٧٨ - باب الفريضة على الراحلة من غير عذر
١٢٢٨ - قال أبو داود: حدثنا محمود بن خالد: حدثنا محمد بن شعيب، عن النعمان بن المنذر، عن عطاء بن أبي رباح؛ أنه سأل عائشة ﵂: هل رُخِّص للنساء أن يُصلِّينَ على الدوابِّ؟ قالت: لم يرخَّص لهنَّ في ذلك، في شدَّةٍ ولا رخاءٍ. قال محمد: هذا في المكتوبة.
حديث مضطرب
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في السنن (٢/ ٧).
* خالف محمود بن خالد السلمي [وهو: دمشقي ثقة]، فزاد في الإسناد رجلًا:
стр. 6302
محمد بن هاشم بن سعيد البعلبكي [صدوق]، قال: حدثنا محمد -يعني: ابن شعيب بن شابور-، عن النعمان -يعني: ابن المنذر الغساني-، عن سليمان بن موسى: أخبرني عطاء؛ أنه سأل عائشة: هل رُخِّص للنساء أن يصلِّين على الدواب؟ قالت: لم يُرخَّص لهن في ذلك في شدة ولا رخاء.
أخرجه الدارقطني في الأفراد (٢/ ٤٣٨/ ٦١٠٤ - أطرافه)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ١٢٨ - ١٢٩).
قال الدارقطني: "تفرد به النعمان بن المنذر عن سليمان بن موسى عن عطاء".
وقول البعلبكي أشبه بالصواب؛ حيث زاد في الإسناد رجلًا.
فإن قيل: قد روي من وجه آخر عن النعمان بإثبات سماعه من عطاء:
* فقد روى عبد الله بن يوسف [التنيسي: ثقة متقن]: ثنا يحيى بن حمزة [دمشقي ثقة]، عن النعمان بن المنذر؛ أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول: سألت عائشة: هل رُخِّص للنساء أن يصلِّين على الدواب؟ فقالت: لم يُرخَّص لهن في شدة ولا رخاء.
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٢٣٦/ ١٢٥٥)، قال: حدثنا بكر بن سهل: ثنا عبد الله به.
ثم رواه الطبراني مرة أخرى في معجمه الأوسط (٣/ ٣٠٨/ ٣٢٤٥) بنفس إسناده ومتنه عن بكر بن سهل به؛ إلا أنه أرسله، فلم يذكر عائشة، وجعل السؤال والجواب بين النعمان وعطاء، ثم قال: "لم يرو هذا الحديث عن النعمان إلا يحيى".
ويظهر لي أن هذا الاختلاف إنما هو من الطبراني نفسه، حيث قصر بإرساله، ثم إن شيخه: بكر بن سهل الدمياطي: ضعفه النسائي، ولم يوثقه أحد، وله أوابد، وذكره الحاكم فيمن لم يحتج به في الصحيح ولم يسقط، وقال الخليلي في نسخته التي يرويها من تفسير ابن جريج: "فيه نظر"، وقال الذهبي: "حمله الناس، وهو مقارب الحال"، وحمل عليه العلامة المعلمي اليماني فقال: "ضعفه النسائي، وله زلات تثبت وهنه"، وقال أيضًا: "ضعفه النسائي، وهو أهل ذلك؛ فإن له أوابد" [الميزان (١/ ٣٤٦)، اللسان (٢/ ٣٤٤)، المعرفة (٢٥٥)، الإرشاد (١/ ٣٩١ - ٣٩٢)، الأنساب (٢/ ٤٩٤)، تاريخ دمشق (١٠/ ٣٧٩)، السير (١٣/ ٤٢٥)، تعليق العلامة المعلمي اليماني على الفوائد المجموعة (١٣٥ و ٢٢٦ و ٢٤٤ و ٤٦٧ و ٤٨١)]، وقد خولف في إسناده:
* فقد رواه مقدام: نا عبد الله بن يوسف: نا الهيثم بن حميد: ثنا النعمان بن المنذر، عن عطاء بن أبي رباح، قال: سألت عائشة: هل رخص للنساء أن يصلين على الدواب؟ فقالت: لم يُرخَّص لهنَّ في ذلك في شدة ولا في رخاء.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ٨/ ٨٩٦٠).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن النعمان بن المنذر إلا الهيثم بن حميد ويحيى بن حمزة".
стр. 6303
قلت: شيخ الطبراني أيضًا متكلم فيه؛ وهو المقدام بن داود الرعيني: ضعيف، واتُّهم [راجع ترجمته تحت الحديث المتقدم برقم (٢٣٦)، وبرقم (٧٢٨)، طريق رقم (١٤)].
ولا يثبت هذا من حديث الهيثم بن حميد الغساني [وهو: ثقة]، وإنما هو حديث يحيى بن حمزة، كما لا يثبت فيه أيضًا سماع النعمان من عطاء:
* فقد رواه حمزة بن محمد بن عيسى الكاتب [آخر من سمع من نعيم بن حماد، سمع منه جزءًا واحدًا، وثقه الخطيب، ولم يرو إلا عن نعيم. تاريخ بغداد (٨/ ١٨٠) و (١٣/ ٣٠٦)، تاريخ الإسلام (٢٣/ ٨٩)]، قال: حدثنا نعيم بن حماد [ضعيف، له مناكير كثيرة تفرد بها عن الثقات المشاهير. انظر: التهذيب (٤/ ٢٣٤)، الميزان (٤/ ٢٦٧)]: حدثنا يحيى بن حمزة، ومحمد بن يزيد الواسطي، عن النعمان بن المنذر الدمشقي، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين! هل رُخِّص للنساء الصلاة على الدواب؟ فقالت: ما رُخِّص لهنَّ في ذلك في هزل ولا جد. وقال أحدهم: في شدة ولا رخاء.
أخرجه البيهقي في المعرفة (١/ ٤٨٨/ ٦٦٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ١٣٢).
قال البيهقي: "وهذا -والله أعلم- في المكتوبة".
قلت: فلا يثبت من حديث محمد بن يزيد الواسطي الكلاعي [وهو: ثقة ثبت]، وقد توبع نعيم بن حماد في روايته عن يحيى بن حمزة، كما تقدم في رواية بكر بن سهل عن التنيسي عبد الله بن يوسف؛ إلا أنه لا يثبت بها السماع؛ لأجل بكر.
* ورواه محمد بن هارون [هو: محمد بن هارون بن محمد بن بكار بن بلال العاملي الدمشقي: ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جماعة، وأكثر عنه الطبراني. الثقات (٩/ ١٥١)، تاريخ دمشق (٧٣/ ٢٤٧ - المستدرك)، تاريخ الإسلام (٢١/ ٢٩٣)]: نا العباس بن الوليد الخلال [هو: ابن صبح الدمشقي، روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: "شيخ"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "مستقيم الأمر في الحديث"، وأثنى عليه آخرون، وامتنع أبو داود من التحديث عنه، ففي سؤالات الآجري (١٥٨٧): "كتبتُ عنه، كان عالمًا بالرجال، عالمًا بالأخبار، لا أُحدِّث عنه"، الجرح والتعديل (٦/ ٢١٥)، الثقات (٨/ ٥١٢)، تاريخ دمشق (٢٦/ ٤٣٦)، تاريخ الإسلام (١٨/ ٣٠٦)، إكمال مغلطاي (٧/ ٢٢١)، التهذيب (٢/ ٢٩٥)]: ثنا عمر بن عبد الواحد [السلمي، أبو حفص الدمشقي: ثقة]، عن النعمان بن المنذر، عن مكحول، عن عطاء بن أبي رباح؛ أنه سأل عائشة: هل رُخِّص للنساء أن يصلين على الدواب؟ فقالت: لم يُرخَّص لهن في ذلك في شدة ولا رخاء.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٤٣/ ٦٧٩٦).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن مكحول إلا النعمان بن المنذر".
стр. 6304
قلت: وإسناده إلى عمر بن عبد الواحد لا بأس به.
° وحاصل ما تقدم فيما صح عندنا من هذه الأسانيد: أن هذا الحديث يُحفظ من ثلاثة طرق:
• محمد بن شعيب بن شابور [دمشقي ثقة]، عن النعمان بن المنذر الغساني، عن سليمان بن موسى: أخبرني عطاء؛ أنه سال عائشة:. . . فذكره.
• يحيى بن حمزة [دمشقي ثقة]، عن النعمان بن المنذر الدمشقي، عن عطاء بن أبي رباح يقول: سالت عائشة:. . . فذكره.
• عمر بن عبد الواحد [دمشقي: ثقة]، عن النعمان بن المنذر، عن مكحول، عن عطاء بن أبي رباح؛ أنه سأل عائشة:. . . فذكره.
هكذا اختلف ثلاثة من ثقات الدمشقيين عن النعمان بن المنذر الدمشقي، فمنهم من جعله عن النعمان عن عطاء بلا واسطة، ومنهم من أدخل بينهما سليمان بن موسى، ومنهم من جعل الواسطة مكحولًا.
° وهذا اضطراب من النعمان بن المنذر الغساني الدمشقي، وهو: صدوق، ضرب أبو مسهر على حديثه، وأيده ابن معين، وقال النسائي بعد حديثه في الحيض: "ليس بذاك القوي" [التهذيب (٤/ ٢٣٣)، الجرح والتعديل (٨/ ٤٤٧)].
وهو حديث حجازي انفرد به أهل دمشق، وعطاء بن أبي رباح: تابعي جليل، إمام أهل مكة، كثير الأصحاب، روى عنه خلائق، أكثر عنه: ابن جريج، وعمرو بن دينار، والأوزاعي، وغيرهم، وانفراد النعمان بن المنذر به يعدُّ من غرائبه، فضلًا عن اضطرابه في إسناده، فهو حديث ضعيف، مضطرب، غريب، والله أعلم.
* قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٣١٣): "وأما ما خرجه بقي بن مخلد في مسنده: ثنا أبو كريب: ثنا يونس: ثنا عنبسة بن الأزهر، عن أبي خراش، عن عائشة، قالت: كنا إذا سافرنا مع رسول الله ﷺ نؤمر إذا جاء وقت الصلاة أن نصلي على رواحلنا.
فهو حديث لا يثبت، وعنبسة بن الأزهر: قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به، وأبو خراش: لا يعرف، ويونس، هو: ابن بكير، مختلف في أمره".
قلت: عنبسة بن الأزهر: لا بأس به، وأبو خراش: لا يعرف، والحمل فيه عليه، ويونس بن بكير: صدوق، تكلم الناس فيه، صاحب غرائب، وهذا من غرائبه [التهذيب (٤/ ٤٦٦)، الكامل (٧/ ١٧٨)، الميزان (٤/ ٤٧٧)، التقريب (٦٨٦)].
* وفي الباب:
١ - حديث ابن عمر:
يرويه حمزة بن محمد الكاتب: ثنا نعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك، والوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر ﵄؛ أنه كان يُنزِل مرضاه في السفر حتى يصلوا الفريضة في الأرض. إلا أن ابن المبارك لم يذكر نافعًا في حديثه.
стр. 6305
أخرجه البيهقي (٢/ ٧)، بإسناد صحيح إلى حمزة.
وهذا منكر، نعيم بن حماد: ضعيف، له مناكير كثيرة تفرد بها عن الثقات المشاهير، والراوي عنه: حمزة بن محمد بن عيسى الكاتب: آخر من سمع من نعيم بن حماد، سمع منه جزءًا واحدًا، وثقه الخطيب، ولم يرو إلا عن نعيم [تقدمت ترجمتهما قريبًا].
* والمعروف عن نافع في هذا ما رواه:
جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته، حيث توجهت به، يومئ إيماءً، صلاةَ الليل الا الفرائض، ويوتر على راحلته.
أخرجه البخاري (١٠٠٠)، وراجع حديث ابن عمر برقم (١٢٢٤ و ١٢٢٦).
٢ - حديث يعلى بن مرة:
يرويه عمر بن ميمون بن الرماح، عن كثير بن زياد [أبي سهل البصري، سكن بلخ: ثقة]، عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده، أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر، فانتهوا إلى مضيق، فحضرت الصلاة فمطروا، السماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فأذَّن رسولُ الله ﷺ وهو على راحلته وأقام [وفي رواية: فأمر رسول الله ﷺ المؤذِّنَ فأذَّن وأقام، وفي أخرى: فأمر بلالًا فأذَّن وأقام]، فتقدَّم على راحلته، فصلى بهم يومئ إيماءً، يجعل السجود أخفض من الركوع.
أخرجه الترمذي (٤١١)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٢/ ٣٦٢/ ٣٩٦)، وأحمد (٤/ ١٧٣)، وحرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله (١٢٣٩)، والدولابي في الكنى (١/ ٢٥٥/ ٤٥٣ و ٤٥٤)، وابن أبي حاتم في التفسير (٤/ ١٠٥٥/ ٥٩٠٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٥٦/ ٦٦٣)، والدارقطني في السنن (١/ ٣٨٠)، وفي المؤتلف (٢/ ١٠٩٩)، وابن شاهين في الخامس من الأفراد (٥)، والبيهقي (٢/ ٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٥٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٧)، والمزي في التهذيب (١٩/ ٥١٠).
هكذا رواه عن ابن الرماح: شبابة بن سوار، ويونس بن محمد المؤدب، والهيثم بن جميل، ويحيى بن أبي بكير الكرماني، وسريج بن النعمان، وزيد بن الحباب، وداود بن عمرو الضبي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، والحسن بن موسى الأشيب [وهم ثقات]، ويحيى بن عبد الحميد الحماني [صدوق حافظ؛ إلا أنه اتهم بسرقة الحديث. التهذيب (٤/ ٣٧٠)]، ومحمد بن عبد الرحمن بن غزوان [ممن يضع الحديث. اللسان (٧/ ٢٩٥)].
• تنبيه: وقع عند الدارقطني من طريق ابن غزوان الوضاع: يعلى بن أمية، والصواب: يعلى بن مرة، كما في جامع الترمذي ومسند أحمد [راجع: إتحاف المهرة (١٣/ ٧٢٠/ ١٧٣٤٣) و (١٣/ ٧٣٦/ ١٧٣٦٤)].
• وقد اختلف في إسناده على ابن الرماح:
قال الخطيب: "وهكذا رواه عن ابن رماح: يحيى بن حسان، ويحيى بن أبي بكير
стр. 6306
الكرماني، ويحيى بن عبد الحميد الحماني، ومحمد بن عبد الرحمن بن غزوان، وأحمد بن أبي طيبة الجرجاني، وغيرهم، وخالف الجماعة: يونس المؤدب، فرواه عن عمر بن الرماح، عن أبيه، عن عمرو بن يعلى، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، فزاد في الإسناد: ميمون والد عمر، ونقص منه: كثير بن زياد، ويعلى جد عمرو بن عثمان بن يعلى".
قلت: قد روي عن يونس مثل الجماعة، فلعل الاختلاف على يونس، والله أعلم.
وانظر حديث عمرو بن يعلى الآتي برقم (٤).
وهذا حديث منكر؛ عثمان بن يعلى بن مرة الثقفي: قال ابن القطان: "مجهول" [التهذيب (٣/ ٨٢)، التقريب (٥٣١)، وقال: "مجهول"]، وابنه عمرو بن عثمان: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان: "لا يُعرف حاله" [التهذيب (٣/ ٢٩٢)، التقريب (٥٨٦)، وقال: "مستور"]؛ فهما: مجهولان، لا يحتمل انفرادهما بنقل مثل هذه الواقعة التي تتوافر الهمم والدواعي على نقلها لغرابتها، ومخالفتها للمألوف من فعله ﷺ ، وكذلك مخالفتها لحديث أبي سعيد الخدري في السجود في الماء والطين، وتأتي الإشارة إليه.
والمتفرد به: عمر بن ميمون بن بحر بن سعد الرماح البلخي: وثقه ابن معين وأبو داود، وعمي في آخر عمره [التهذيب (٣/ ٢٥٢)].
قال الشافعي: "أوتر رسول الله ﷺ على البعير، ولم يصلِّ مكتوبةً علمناه على البعير" [المعرفة (١/ ٤٨٧)].
وقال في الرسالة: "وكان لا يصلي المكتوبة مسافرًا إلا بالأرض متوجهًا للقبلة". وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، تفرد به عمر بن الرماح البلخي، لا يُعرف إلا من حديثه، وقد روى عنه غير واحد من أهل العلم، وكذلك روي عن أنس بن مالك: أنه صلى في ماء وطين على دابته، والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق".
وقال ابن شاهين: "هذا حديث غريب حسن عالٍ".
وقال البيهقي: "وفي إسناده ضعف، ولم يثبت من عدالة بعض رواته ما يوجب قبول خبره، ويحتمل أن يكون ذلك في شدة الخوف".
وأخطأ النووي في الخلاصة (٨٢٣) وفي المجموع (٣/ ١٠٦) حين جوَّد إسناده، وقال: "رواه الترمذي بإسناد جيد"، وكذا ابن حجر في الإصابة (١/ ٢٥٤).
وعلق ابن القيم القول به على صحة الخبر [زاد المعاد (١/ ٤٧٦)].
وكلام ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ٢٢) في ترجمة محمد بن عمر بن الرماح لما ذكر حديث أبيه هذا يشعر باستغرابه له.
قلت: وهذا الحديث معارض لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري:
ففي رواية له:. . . فرجعنا وما نرى في السماء قَزَعةً، فجاءت سحابةٌ فمَطرتْ حتى سال سقفُ المسجد، وكان من جريد النخل، وأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين، حتى رأيت أثر الطين في جبهته.
стр. 6307
أخرجه البخاري (٦٦٩ و ٨٣٦ و ٢٠١٦ و ٢٠٣٦)، ومسلم (١١٦٧/ ٢١٦).
وفي رواية أخرى: فرأيت على أرنبة رسول الله ﷺ حين انصرف أثر الطين في جبهته وأرنبته [تقدم تخريجه برقم (٨٩٤ و ٨٩٥)].
* وقد اختلف فيه أيضًا على كثير بن زياد أبي سهل الأزدي:
• فرواه عمر بن ميمون بن الرماح [وثقه ابن معين وأبو داود، وعمي في آخر عمره. التهذيب (٣/ ٢٥٢)]، عن كثير بن زياد، عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده مرفوعًا، كما تقدم، وقد اشتهر الحديث عنه، وبه يُعرف.
٣ - حديث عمرو بن يعلى الثقفي:
• ورواه مهران بن أبي عمر [الرازي: لا بأس به، يغلط في حديث الثوري. التهذيب (٤/ ١٦٧)، الميزان (٤/ ١٩٦)، الثقات (٧/ ٥٢٣)، الإرشاد (٢/ ٦٦٢)]، وحكام بن سلم الرازي [ثقة، له غرائب عن عنبسة بن سعيد الرازي. التهذيب (١/ ٤٦١)، تاريخ بغداد (٨/ ٢٨١)، والراوي عنه: الفيض بن وثيق: قال فيه ابن معين: "كذاب خبيث"، لكن روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم، وذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه، وأخرج له الحاكم محتجًّا به، وذكره ابن حبان في الثقات، قلت: لم يوثقه معتبر، ومن روى عنه أو سكت عنه: فقد خفي عليه أمره، وكم احتج الحاكم بمن لا يصلح للاعتبار. انظر: سؤالات ابن الجنيد (٦٩٩)، الجرح والتعديل (٧/ ٨٨)، الثقات (٩/ ١٢)، ضعفاء العقيلي (١/ ٢٤٩)، تاريخ بغداد (١٢/ ٣٩٨)، الميزان (٣/ ٣٦٦)، وقال: "وهو مقارب الحال إن شاء الله تعالى"، تاريخ الإسلام (١٦/ ٣١٩)، وقال: "والظاهر أنه صالح في الحديث"، اللسان (٦/ ٣٦٤)]:
ثنا علي بن عبد الأعلى "الثعلبي الكوفي الأحول: ليس به بأس، وقال أبو حاتم والدارقطني: "ليس بالقوي"]، عن أبي سهل الأزدي، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن يعلى ﵁، قال: حضرت الصلاة صلاة المكتوبة، ونحن مع رسول الله ﷺ ، فتقدم بنا، ثم أمَّنا، فصلينا على ركابنا. وفي رواية: ونحن على ركابنا، فأمَّنا رسول الله ﷺ لم يتقدمنا. فسألت أبا سهل: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أرى كان المكان ضيقًا.
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٢٤٤/ ١٦٠٥)، والبزار (٦٨٤ - كشف الأستار)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٠٢٣/ ٥٠٨٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٠)، وابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ٢٩٦).
تنبيه: زاد مهران عند البزار وحده [بإسناد صحيح]: "عن أبي عبد الأعلى"، بين علي بن عبد الأعلى وأبي سهل، ولا أراه محفوظًا، وعبد الأعلى بن عامر الثعلبي: من الطبقة السادسة، يروي عن التابعين، وليس بذاك القوي.
قال ابن منده وأبو نعيم: "لا تصح صحبته"؛ يعني: عمرو بن يعلى [أسد الغابة (٤/ ٢٩٦)، الإصابة (٤/ ٦٩٨)].
стр. 6308
قال أبو نعيم: "رواه ابن الرماح، عن أبي سهل كثير بن زياد، عن عمرو بن عثمان بن يعلى، عن أبيه، عن جده، قال: كنا مع النبي ﷺ . . . نحوه".
وفي هذا إشارة من ابن منده وأبي نعيم إلى عدم ثبوت هذا الطريق، وأنه إنما يُعرف من حديث ابن الرماح، من حديث يعلى بن مرة، وهو غريب جدًّا من حديث عمرو بن دينار، ولا يثبت عنه، وليس من حديثه، والله أعلم.
٤ - حديث جد طلق بن علي:
• ورواه إسحاق بن عيسى بن الطباع [صدوق]، عن كثير بن أبي سهل [كذا، وإنما هو: عن كثير أبي سهل]، عن عمرو بن يعلي، عن طلق، عن أبيه، عن جده، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مضيق، فأخذتنا السماء من فوقنا، والبلة من تحتنا، فصلى بنا رسول الله ﷺ على بعير، يومئ إيماءً، ونحن من خلفه.
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٢١٩/ ٢٧٤٩)، قال: حدثنا عيسى بن يونس الطرسوسي [صدوق]: نا إسحاق به.
وهو وهم أيضًا، أقحم في إسناده طلق، إنما يرويه عمرو بن عثمان بن يعلى عن أبيه عن جده، وحديث ابن الرماح هو أشهرها، وهذه غرائب وأوهام، والله أعلم.
* وروي في ذلك عن أنس مرفوعًا، ولا يصح رفعه؛ إنما هو موقوف على أنس فعله [علل الدارقطني (١٢/ ٥/ ٢٣٣٩)].
٥ - حديث أنس بن مالك:
رواه هشام بن حسان [بصري، ثقة]، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ أنه صلى المكتوبة في رَدْغةٍ على حمار.
أخرجه ابن المقرئ في المعجم (٥١٠)، والدارقطني في العلل (١٢/ ٥/ ٢٣٣٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/ ٣٨٩).
من طرق عن: محمد بن مسلم بن وارة [ثقة حافظ، إمام كبير. تاريخ بغداد (٣/ ٢٥٦)، السير (١٣/ ٢٨)]: ثنا أبو هاشم بن أبي خداش [هو: محمد بن علي الأسدي الموصلي: ثقة]: ثنا المعافى بن عمران [موصلي: ثقة]، عن سفيان [الثوري: ثقة حجة، إمام حافظ]، عن هشام به.
قال الدارقطني: "والمحفوظ: عن أنس بن سيرين عن أنس فعله، غير مرفوع"، ثم قال: "ورواه غير المعافى، عن الثوري، عن هشام موقوفًا، وكذلك رواه شريك، وعبد الرزاق عن هشام موقوفًا، وهو الصحيح" [انظر: بيان الوهم (٢/ ٥٠٥/ ٥٠٤)، إتحاف المهرة (١/ ٤٢٦/ ٣٦٧)].
قلت: رفعه منكر، ولم يثبت أن النبي ﷺ صلى المكتوبة قط على الراحلة لا سفرًا ولا حضرًا، ولا أنه صلى على حمار.
قال أبو عبيد في غريب الحديث (٥/ ١٩٩): "قال أبو عمرو وغيره: قوله: الرزَغ:
стр. 6309
هو الطين والرطوبة"، ثم قال في الردغة: "هي الماء والطين والوحَل"، وقال الخطابي في أعلام الحديث (١/ ٤٦٥): "الرزغة: وحل شديد،. . .، وكذلك الردغة مثل الرزغة".
* وإنما صح ذلك من فعل أنس:
• فقد روى عبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ]، وأبو أسامة حماد بن أسامة [ثقة ثبت]:
عن هشام بن حسان، عن أنس بن سيرين، قال: كنت مع أنس بن مالك في يوم مطير، حتى إذا كنا بأطيط، والأرض فضفاض [يريد: كثرة المطر، وأن الماء قد علاها فطبقها. خطابي]، صلى بنا على حماره صلاة العصر، يومئ برأسه إيماءً، وجعل السجود أخفض من الركوع.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٧٣/ ٤٥١١)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٣١/ ٤٩٦٥)، والخطابي في غريب الحديث (٢/ ٥١٠).
وهذا موقوف على أنس بإسناد صحيح.
• ورواه حماد بن سلمة، وأبان بن يزيد العطار:
ثنا أنس بن سيرين، قال: أقبلنا مع أنس من الكوفة، حتى إذا كنا بأططٍ أصبحنا والأرض طين وماء، فصلى المكتوبة على دابته، ثم قال: ما صليت المكتوبة قطُّ على دابتي قبل اليوم. لفظ حماد. وفي رواية أبان: أقبلت مع أنس بن مالك من الشام حتى أتينا سواء ببط [كذا]، وحضرت الصلاة والأرض كلها غدير، فصلى على حمار، يوميء إيماءً.
أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٢٤٣/ ٦٨٠)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٦٠).
وهذا موقوف على أنس بإسناد صحيح.
• ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم الأحول، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: إنه كان يسير في ماء وطين، فحضرت الصلاة المكتوبة، فلم يستطع أن يخرج من ذلك الماء، قال: وخشينا أن تفوتنا الصلاة، فاستخرنا الله، واستقبلنا القبلة، فأومأنا على دوابنا إيماءً.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٧٤/ ٤٥١٢).
وهذا موقوف على أنس بإسناد صحيح.
وانظر: علل الدارقطني (١٢/ ٩٨/ ٢٤٧٣).
٦ - حديث عبد الله المزني:
يرويه إسماعيل بن عمرو البجلي، وصغدي بن سنان:
نا محمد بن فضاء، عن أبيه، عن علقمة بن عبد الله المزني، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كنتم في القصب أو الرداغ أو الثلج وحضرت الصلاة فأومئوا إيماءً". لفظ البجلي، ولفظ صغدي: "إذا لم تقدروا على الأرض؛ إذا كنتم في ماء أو طين، أو في قصب، أو في ثلج؛ فأومِئُوا إيماءً".
стр. 6310
وفي رواية: أن النبي ﷺ سئل عن الصلاة في الرداغ والقصباء، فقال: "إذا لم يستطع أن يسجد فليومئ إيماءً".
أخرجه البغوي في معجم الصحابة (٣/ ٤٧٧/ ٢٣١٥)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ١٣٨)، والطبراني في الكبير (١٤/ ٤٢٤/ ١٥٠٥٧)، وفي الأوسط (٨/ ٤٦/ ٧٩١٣)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٨٩) و (٦/ ١٧٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٧٢٦/ ٤٣٦٩).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن محمد بن فضاء إلا إسماعيل وصغدي بن سنان" [صححت المصحف].
وقال ابن عدي: "وهذا عن محمد بن فضاء يرويه عنه صغدي، وأظنه شاركه فيه آخر؛ إلا أنه مشهور به" [وانظر: بيان الوهم (٣/ ٣٨٢/ ١١٢٤)، الفتح لابن رجب (٢/ ٢٣٤)].
قلت: هو حديث منكر؛ فضاء بن خالد الجهضمي البصري: مجهول [التقريب (٦٢١)، علل الترمذي الكبير (٥٦٨)، ضعفاء الدارقطني (٤٧٦)، بيان الوهم (٣/ ١٨١/ ٨٩٢) و (٣/ ٣٨٢/ ١١٢٤)]، وابنه محمد: ضعيف، قليل الحديث، منكر الرواية، روى عن أبيه ما لم يتابع عليه، قال ابن حبان: "كان قليل الحديث، منكر الرواية، حدث بدون عشرة أحاديث، كلها مناكير، لم يتابع على شيء منها، فبطل الاحتجاج به، وكان يبيع الخمر"، وجمع له ابن عدي في ترجمته أربعة أحاديث، ثم قال: "ولا أعلم لمحمد بن فضاء عن أبيه عن علقمة بن عبد الله عن أبيه بهذا الإسناد غير هذه الأربعة أحاديث التي أمليتها، ولا أعرف له غير هذه الأحاديث إلا الشيء اليسير"، وهو مشتهر بحديث النهي عن كسر سكة المسلمين، وهو حديث منكر باطل، أنكره عليه جماعة من الأئمة النقاد [التاريخ الكبير (١/ ٢٠٩)، المعرفة والتاريخ (٢/ ٧٥) و (٣/ ٢٩)، جامع الترمذي (١٨٣٢)، علل الترمذي الكبير (٥٦٨)، ضعفاء العقيلي (٤/ ١٢٥)، الجرح والتعديل (٨/ ٥٦)، المجروحين (٢/ ٢٧٤)، الكامل (٦/ ١٧٠)، ضعفاء الدارقطني (٤٧٦)، السنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ٢٧٤)، معرفة السنن والآثار (٧/ ٤٨٦)، شعب الإيمان (٢/ ٢٢٧) و (٥/ ٩٥)، بيان الوهم (٣/ ١٨١/ ٨٩٢) و (٣/ ٣٨٢/ ١١٢٤)، الميزان (٤/ ٥)، التهذيب (٣/ ٦٧٤)].
وإسماعيل بن عمرو البجلي: ضعيف، صاحب غرائب ومناكير [اللسان (١/ ١٥٥)]، وصغدي بن سنان: ضعيف [اللسان (٤/ ٣٢٠)].
° قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٣١٣): "وأما استقبال القبلة في صلاة الفريضة: ففرض مع القدرة، لا يسقط إلا في حال شدة الخوف أيضًا، ويأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، وكذلك يسقط في حق من كان مربوطًا إلى غير القبلة، أو مريضًا ليس عنده من يديره إلى القبلة فيصلي بحسب حاله، وفي إعادته خلاف".
стр. 6311
٢٧٩ - باب متى يتم المسافر
١٢٢٩ - قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا حماد، (ح) وحدثنا إبراهيم بن موسى: أخبرنا ابن علية -وهذا لفظه-: أخبرنا علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ ، وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثمانيَ عشرةَ ليلةً، لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: "يا أهلَ البلد! صلُّوا أربعًا فإنا سَفْرٌ".
حديث ضعيف
* أخرجه من طريق حماد بن سلمة: أحمد (٤/ ٤٣٠)، والطيالسي (٢/ ١٧٨/ ٨٧٩) و (٢/ ٨٩٨/١٨٩)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٤٤)، والدولابي في الكنى (٢/ ٦٥١/ ١١٥٧)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٣٧/ ٢٢٤٣) و (٤/ ٣٦٥/ ٢٢٩٥)، والطحاوي (١/ ٤١٧)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٠٨/ ٥١٣)، والبيهقي (٣/ ١٣٥ و ١٥١ و ١٥٣).
رواه عن حماد: موسى بن إسماعيل، وعفان بن مسلم، ويونس بن محمد المؤدب، وروح بن عبادة، وأبو داود الطيالسي، وسليمان بن حرب، وحجاج بن منهال، ومهنا بن عبد الحميد أبو شبل صاحب السابري [وهم ثقات].
قال أحمد: حدثنا عفان: حدثنا حماد بن سلمة: أخبرنا علي بن زيد، عن أبي نضرة، أن فتى سأل عمران بن حصين عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر، فعدل إلى مجلس العُوقة، فقال: إن هذا الفتى سألني عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر، فاحفظوا عني: ما سافر رسول الله ﷺ سفرًا إلا صلى ركعتين ركعتين حتى يرجع، وإنه أقام بمكة زمان الفتح ثمانيَ عشرةَ ليلةً يصلي بالناس ركعتين ركعتين.
وحدثناه يونس بن محمد بهذا الإسناد، وزاد فيه: إلا المغرب، ثم يقول: "يا أهل مكة! قوموا فصلوا ركعتين أخريين؛ فإنا سَفْر"، ثم غزا حنينًا والطائف فصلى ركعتين ركعتين، ثم رجع إلى جِعرانة فاعتمر منها في ذي القعدة.
ثم غزوت مع أبي بكر وحججت واعتمرت، فصلى ركعتين ركعتين، ومع عمر فصلى ركعتين ركعتين، قال يونس: إلا المغرب، ومع عثمان صدرًا من إمارته فصلى ركعتين، قال يونس: إلا المغرب، ثم إن عثمان صلى بعد ذلك أربعًا.
• ورواه الطيالسي مطولًا بنحو رواية عفان؛ إلا أنه قال بعد ذكر حنين والطائف:. . . ثم حججت معه واعتمرت، فصلى ركعتين، ثم قال: "يا أهل مكة! أتموا الصلاة؛ فإنا قومٌ سَفْر"، ثم حججت مع أبي بكر واعتمرت، فصلى ركعتين [ركعتين]، ثم قال: يا أهل مكة! أتموا؛ فإنا قومٌ سَفْر، ثم حججت مع عمر واعتمرت، فصلى ركعتين
стр. 6312
[ركعتين]، ثم قال: [يا أهل مكة] أتموا الصلاة؛ فإنا قومٌ سَفْر، ثم حججت مع عثمان واعتمرت، فصلى ركعتين ركعتين، ثم إن عثمان أتمَّ [وما بين المعكوفين للبيهقي من طريق يونس بن حبيب عن الطيالسي به].
فجعل قول النبي ﷺ لأهل مكة: "يا أهل مكة! أتموا الصلاة؛ فإنا قومٌ سَفْر"، جعله الطيالسي في الحج والعمرة، وعامة من روى الحديث من ثقات أصحاب حماد بن سلمة، أو عن علي بن زيد؛ إنما جعله عام الفتح، ولم يذكروا هذا القول لأبي بكر وعمر، فشذ بذلك الطيالسي، والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما ما ذكره من قوله: "يا أهل مكة! أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر": فهذا مما قاله بمكة عام الفتح، لم يقله في حجته، وإنما هذا غلط وقع في هذه الرواية" [المجموع (٢٤/ ١٥٨) و (٢٦/ ١٣٠)، وانظر أيضًا: زاد المعاد لابن القيم (٢/ ٢٨٢)].
• تنبيه: وخالفهم أيضًا: إبراهيم بن حميد الطويل [قال أبو حاتم والعجلي: "ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "يخطئ"، وله أوهام. معرفة الثقات (٢٢)، تاريخ الإسلام (١٥/ ٥٣)، اللسان (١/ ٢٦٩)، علل الدارقطني (٥/ ٧٦/ ٧٢٣) و (٥/ ٢٦٤/ ٨٦٨)]، فرواه عن حماد بن سلمة به؛ إلا أنه قال فيه: وأقام بمكة اثني عشر يومًا، ورواية الجماعة هي الصواب من حديث عمران هذا.
أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢٠٨/ ٥١٣).
* وأخرجه من طريق ابن علية: ابن خزيمة (٣/ ٧٠/ ١٦٤٣)، وأحمد (٤/ ٤٣١ و ٤٣٢)، والشافعي في السنن (١٢)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٤٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٣٦/ ٣٨٦٠) و (٢/ ٢٠٥/ ٨١٧٤) و (٢/ ٢٠٧/ ٨١٩٥) و (٣/ ٢٥٦/ ١٣٩٧٧)، والبزار (٩/ ٧٧/ ٣٦٠٨) [ووقع فيه: ثلاث عشرة، وهي رواية منكرة]. وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٣/ ٨٤/ ٥١٦)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٠٩/ ٥١٥)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٥٧)، وفي المعرفة (٢/ ٤١٧/ ١٥٧٧)، وفي الدلائل (٥/ ١٠٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٣١٤) و (٢٢/ ٣٠٧)، وفي الاستذكار (٢/ ٢٢٩ و ٢٥٠).
رواه أحمد عن ابن علية مرة مختصرًا بنحو لفظ إبراهيم بن موسى [عند أبي داود]، ورواه مرة مطولًا، ولفظه: مرَّ عمران بن حصين بمجلسنا فقام إليه فتى من القوم فسأله عن صلاة رسول الله ﷺ في الغزو والحج والعمرة، فجاء فوقف علينا، فقال: إن هذا سألني عن أمرٍ، فأردت أن تسمعوه -أو كما قال-: غزوت مع رسول الله ﷺ فلم يصلِّ إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة، وحججت معه فلم يصلِّ إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة، وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثمانيَ عشرةَ لا يصلي إلا ركعتين، ويقول لأهل البلد: "صلوا أربعًا؛ فإنا سَفْر"، واعتمرت معه ثلاثَ عُمَرٍ فلم يصلِّ إلا ركعتين، وحججت مع أبي بكر وعمر حجَّاتٍ فلم يصليا إلا ركعتين حتى رجعا إلى المدينة.
стр. 6313
زاد في آخره عند ابن أبي شيبة وغيره: وحججت مع أبي بكر وغزوت فلم يُصلِّ إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة، وحججت مع عمر حجَّاتٍ فلم يُصلِّ إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة، وحججت مع عثمان سبع سنين من إمارته لا يصلي إلا ركعتين، ثم صلى بمنى أربعًا.
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بهذا الفعل إلا عن عمران بن حصين، ولا نعلم له طريقًا عن عمران غير هذا الطريق".
ورواه أيضًا عن علي بن زيد ابن جدعان:
١ - هشيم بن بشير [ثقة ثبت]، قال: أخبرنا علي بن زيد ابن جدعان، عن أبي نضرة، قال: سئل عمران بن حصين عن صلاة المسافر، فقال: حججت مع رسول الله ﷺ فصلى ركعتين، وحججت مع أبي بكر فصلى ركعتين، ومع عمر فصلى ركعتين، ومع عثمان ست سنين من خلافته -أو: ثمانِ سنين- فصلى ركعتين.
أخرجه الترمذي (٥٤٥) (٥٥٢ - ط. التأصيل)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٠٨/ ٥١٤).
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" [وكذا نقله عنه الطوسي في مستخرجه عليه (٣/ ٨٥)، والزيلعي في نصب الراية (٢/ ١٨٧)، والنووي في المجموع (٤/ ٢٨٢)] [ونقل عنه التحسين فقط: المزي في التحفة (١٠٨٦٢)، وابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٢٢٢)، وابن حجر في التلخيص (٢/ ٤٦)، قالوا جميعًا: "حسن"].
٢ - شعبة بن الحجاج [ثقة حجة، أمير المؤمنين في الحديث]، عن علي بن زيد، قال: سمعت أبا نضرة، قال: مرَّ على مسجدنا عمران بن حصين، فقمت إليه فأخذت بلجامه، فسألته عن الصلاة في السفر، فقال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في الحج، فكان يصلي ركعتين حتى ذهب، وأبو بكر ركعتين حتى ذهب، وعمر ركعتين حتى ذهب، وعثمان ست سنين أو ثمان، ثم أتم الصلاة بمنى أربعًا.
أخرجه أحمد (٤/ ٤٤٠)، والروياني (١١٠).
٣ - عبد الوارث بن سعيد [ثقة ثبت]، قال: ثنا علي بن زيد، عن أبي نضرة، قال: قام شاب إلى عمران بن حصين، قال: فأخذ بلجام دابته، فسأله عن صلاة السفر، فالتفت إلينا، فقال: إن هذا الفتى يسألني عن أمر، وإني أحببت أن أحدثكموه جميعًا: غزوت مع رسول الله ﷺ غزواتٍ، فلم يكن يصلي إلا ركعتين ركعتين حتى يرجع المدينة، أقام بمكة زمن الفتح ثمانيةَ عشرَ ليلةً يصلي ركعتين ركعتين، ثم يقول لأهل مكة: "صلوا أربعًا، فإنا قومٌ سَفْرٌ"، وغزوت مع أبي بكر وحججت معه، فلم يكن يصلي إلا ركعتين حتى يرجع، وحججت مع عمر حجات فلم يكن يصلي إلا ركعتين حتى يرجع، وصلاها عثمان سبع سنين من إمارته ركعتين في الحج حتى يرجع إلى المدينة، ثم صلاها بعدها أربعًا، ثم قال: هل بينت لكم؟ قلنا: نعم.
стр. 6314
أخرجه ابن خزيمة (٣/ ٧٠/ ١٦٤٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٠٩/ ٥١٦)، والبيهقي (٣/ ١٥١).
° والحاصل: فإن هذا الحديث: حديث ضعيف، وعلي بن زيد ابن جدعان: أحد علماء التابعين، ضعيف؛ وكان كثير الحديث واسع الرواية، فلم يوصف بأنه منكر الحديث، ولا حكموا على مجمل حديثه بالنكارة، وإنما وقعت المناكير في بعض حديثه، ولم يُترك، بل لينه كثير من النقاد بقولهم: "ليس بالقوي"، وهي أخف مراتب الجرح، بل هذا قريب من قول أحد المتشددين فيه، وهو أبو حاتم الرازي حيث قال عنه: "ليس بقوي، يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إليَّ من يزيد بن أبي زياد، وكان ضريرًا، وكان يتشيع"، وقال الترمذي: "وعلي بن زيد: صدوق؛ إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره"، كذلك فلم يمتنع ابن مهدي من الرواية عنه، وقد روى عنه شعبة والسفيانان والحمادان والكبار، وأما ابن حبان فهو مع تعنته في الجرح ومبالغته في الحطِّ على من له جرحة؛ فإنه لم يزد على أن ختم كلامه فيه بقوله: "فاستحق ترك الاحتجاج به"، يعني: إذا تفرد، وروى له مسلم مقرونًا بثابت البناني في موضع واحد، وقد صحح له الترمذي جملة من حديثه مما توبع عليه، وقال الذهبي: "وكان من أوعية العلم، على تشيُّعٍ قليل فيه، وسوءُ حفظه يغُضُّه من درجة الإتقان"، وقال أيضًا: "صالح الحديث" [صحيح مسلم (١٧٨٩)، جامع الترمذي (١٠٩ و ١١٤٦ و ٢٣٣٠ و ٢٦٧٨ و ٣١٤٨ و ٣١٦٨ و ٣٦١٥ و ٣٩٠٢)، الجرح والتعديل (٦/ ١٨٦)، المجروحين (٢/ ١٠٣)، الكامل (٥/ ١٩٥)، الميزان (٣/ ١٢٧)، السير (٥/ ٢٠٦)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٤٠)، تاريخ الإسلام (٨/ ٤٩٨)، المغني (٢/ ٤٤٧)، التهذيب (٣/ ١٦٢)].
وهذا الحديث قد توبع عليه ابن جدعان في مجمله من حديث عدد من الصحابة؛ إلا تحديد مدة مكث النبي ﷺ في فتح مكة بثمانية عشر يومًا، كما أنه انفرد فيه بهذه الزيادة التي لم تأت مرفوعة من غير حديث عمران هذا، وهي قول النبي ﷺ لأهل مكة بعد انصرافه من صلاته بمكة ركعتين: "صلوا أربعًا، فإنا قومٌ سَفْرٌ"، وإنما تُعرف من قول عمر ﵁، كما سيأتي بيانه.
فإذا نظرنا إلى ما توبع عليه ابن جدعان في هذا الحديث: فعليه يحمل تصحيح الترمذي وابن خزيمة.
وإذا نظرنا إلى ما انفرد به ولم يتابع عليه؛ من تحديد المدة، وزيادة قول المسافر للمقيمين خلفه، فإنه يضعف بها الحديث، والله أعلم.
لذا قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بهذا الفعل إلا عن عمران بن حصين، ولا نعلم له طريقًا عن عمران غير هذا الطريق".
وقال ابن المنذر (٤/ ٣٦٥):"قصر النبي ﷺ بمكة ثابت من غير هذا الوجه؛ لأن: علي بن زيد يُتكلَّم في حديثه، وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب حين قدم مكة، صلى ركعتين فلما سلم قال: يا أهل مكة! إنا قوم سفر؛ فأتموا الصلاة".
стр. 6315
وقال الطحاوي: "في هذا الحديث معنى لا يوجد في غيره، وهو قول رسول الله ﷺ لأهل البلد الذين صلى بهم فيه هذه الصلاة: "صلوا أربعًا؛ فإنا على سفَرٍ"، وهي سنة يتفق أهل العلم عليها، ولم نجدها في غير هذا الحديث، وهذه السُّنَّة مما تفرد به أهل البصرة دون من سواهم" [التمهيد (١٦/ ٣٠٧)].
وقال ابن حزم في المحلى (٥/ ١٨): "وهذا لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ أصلًا، وإنما هو محفوظ عن عمر ﵁.
* قلت: قد روي من وجه آخر عن أبي نضرة، ولا يثبت:
رواه سويد بن عبد العزيز: ثنا ياسين الزيات، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين، قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة أقام بها ثمانِ عشرةَ ليلةً، يصلي بأهل مكة ركعتين إلا المغرب، ثم يقول: "يا أهل مكة! أتموا صلاتكم؛ فإنا قوم سَفْر".
أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢٠٩/ ٥١٧).
قلت: هذا حديث باطل من حديث يحيى بن أبي كثير، تفرد به عنه: ياسين بن معاذ الزيات، وهو: متروك، منكر الحديث [اللسان (٨/ ٤١١)]، والراوي عنه: سويد بن عبد العزيز الدمشقي، وهو: ضعيف، يروي أحاديث منكرة [انظر: التهذيب (٢/ ١٣٤)، الميزان (٢/ ٢٥٢)، إكمال مغلطاي (٦/ ١٦٦)].
وانظر: أطراف الغرائب والأفراد (٢/ ٨٧/ ٤١٦٨).
• وإنما يُعرف هذا عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، موقوفًا عليه [عند البيهقي (٣/ ١٥٧)]، وسيأتي.
° قلت: وهذه الكلمة: أتموا صلاتكم؛ فإنا قومٌ سَفْر؛ انما ثبتت من فعل عمر بن الخطاب ﵁، من وجوه صحاح متعددة، فقد رواه عنه ابنه عبد الله، وجماعة من أصحابه، مثل: مولاه أسلم، والأسود بن يزيد، وعمرو بن ميمون، وهمام بن الحارث، وتابعهم سعيد بن المسيب:
أ - روى مالك، ومعمر بن راشد، وعمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد الأيلي، وصالح بن أبي الأخضر:
عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه؛ أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتموا صلاتكم؛ فإنا قومٌ سَفْرٌ. لفظ مالك وعمرو بن الحارث.
ولفظ معمر: صلى عمر بأهل مكة الظهر، فسلم في ركعتين، ثم قال: أتموا صلاتكم يا أهل مكة، فإنا قومٌ سَفْرٌ.
وفي رواية يونس: كان عمر بن الخطاب يصلي بأهل مكة ركعتين، ثم يسلم، ثم يقومون فيتمون صلاتهم.
стр. 6316
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢١٣/ ٤٠٤)، وابن خزيمة (٤/ ٢٥٣/ ٢٨١٣)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٤٠/ ٤٣٦٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٥٣/ ٤١٤ - مسند عمر)، والطحاوي (١/ ٤١٩)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٢٦)، وفي المعرفة (٢/ ٤٠٤/ ١٥٥١)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٨٢/ ١٠٢٩).
وهذا صحيح موقوف على عمر، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
• ورواه عكرمة بن عمار، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، مثله.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٣٦/ ٣٨٦٥).
وهذا إسناد صحيح.
ب - ورواه مالك، وسفيان الثوري، ويحيى بن أبي كثير:
عن زيد بن أسلم، عن أبيه؛ أن عمر بن الخطاب صلى للناس بمكة ركعتين، فلما انصرف قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم؛ فإنا قومٌ سَفْرٌ، ثم صلى عمر ركعتين بمنى، ولم يبلغنا أنه قال لهم شيئًا. لفظ مالك.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢١٣/ ٤٠٥) و (١/ ٥٣٩/ ١١٩٨)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٤٠/ ٤٣٧١)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٣٦/ ٣٨٦١ و ٣٨٦٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٥١/ ٤٠٨ - مسند عمر)، والطحاوي (١/ ٤١٩)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٢٦ و ١٥٧)، وفي المعرفة (٢/ ٤٠٤/ ١٥٥٢) و (٢/ ٤٣٧/ ١٦١٣ و ١٦١٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٨٣/ ١٠٣٠).
وهذا صحيح موقوف على عمر، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
ج - ورواه مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب؛ أن عمر بن الخطاب لما قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم انصرف، فقال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم؛ فإنا قومٌ سَفْرٌ، ثم صلى عمر بن الخطاب ركعتين بمنى، ولم يبلغنا أنه قال لهم شيئًا.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٥٣٨/ ١١٩٧).
وهذا صحيح موقوف على عمر.
وقد اختلف في سماع سعيد بن المسيب من عمر بن الخطاب، فأثبته أحمد بن حنبل ونفاه غيره [انظر: الجرح والتعديل (٤/ ٦١)، تاريخ الدوري (٢/ ٢٠٧)، المراسيل (٢٤٧ و ٢٤٨ و ٢٤٩ و ٢٥٥)]، والصحيح أنه رآه وكان صغيرًا، ابن ثمان سنين، ويحتمل أن يكون حفظ عنه شيئًا يسيرًا، وأما هذا فظاهره الإرسال، ويعتضد بكونه محفوظًا عن عمر من وجوه صحاح متعددة، والله أعلم.
د - ورواه عبيد الله بن عمر العمري [ثقة ثبت]، وأخوه عبد الله بن عمر [ليس بالقوي]:
عن نافع، عن ابن عمر، قال: صلى عمر بأهل مكة الظهر أو العصر، فسلم في ركعتين، ثم قال: أتموا صلاتكم يا أهل مكة؛ فإنا قومٌ سَفْرٌ. ولفظ عبيد الله: أن عمر صلى بأهل مكة ركعتين، ثم قال: أتموا صلاتكم، فإنا قومٌ سَفْرٌ.
стр. 6317
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٤٠/ ٤٣٧٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٣٦/ ٣٨٦١)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٥٣/ ٤١٣ - مسند عمر).
وهذا صحيح موقوف على عمر، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
هـ - ورواه الحكم بن عتيبة [ثقة ثبت]، والأعمش [ثقة حافظ]:
عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر؛ أنه صلى بمكة ركعتين، ثم قال: إنا قومٌ سَفْرٌ، فأتموا الصلاة.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٣٦/ ٣٨٦١ و ٣٨٦٢)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٥٢/ ٤١١ - مسند عمر)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٨٠)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٦٥/ ٢٢٩٦)، والطحاوي (١/ ٤١٩).
وهذا صحيح موقوف على عمر.
و - ورواه أبو معاوية، وشعبة:
عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث؛ أن عمر بن الخطاب صلى بمكة ركعتين، وقال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم؛ فإنا قومٌ سَفْرٌ.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٣٦/ ٣٨٦٣)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٥١/ ٤٠٩ - مسند عمر) و (١/ ٢٥٢/ ٤١٠ - مسند عمر)، والطحاوي (١/ ٤١٩).
وهذا صحيح موقوف على عمر، وهذا إسناد كوفي صحيح، وهمام بن الحارث النخعي: تابعي كبير، سمع ابن مسعود، ومات قبل ابن عباس، وذكر ابن عبد البر أنه ممن لقي عمر وسمع منه [راجع الحديث رقم (١٠٣٨)، مسألة الإسرار فيما حقه الجهر].
ز - ورواه زكريا بن أبي زائدة، ويونس بن أبي إسحاق:
عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: صليت مع عمر ركعتين بمكة، ثم قال: يا أهل مكة إنا قومٌ سَفْرٌ؛ فأتموا الصلاة.
أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٣٦/ ٣٨٦٤)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٥٢/ ٤١٢ - مسند عمر).
وهذا صحيح موقوف على عمر، وإسناده على شرط الصحيح.
• وله أسانيد أخرى لا تخلو من مقال: أخرجها أبو يوسف في الآثار (١٤٥ و ٣٧٢)، ومحمد بن الحسن في الحجة (٢/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، وفي الآثار (١/ ٤٩٤)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٥١/ ٤٠٧ - مسند عمر)، وأبو طاهر السلفي في الطيوريات (٨٣٧).
° قال ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٧٣ - مسند عمر): "وأما قول عمر ﵀ لأهل مكة: أتموا صلاتكم، فإنا قومٌ سَفْرٌ، فإنه يعني بقوله: قوم سَفْرٌ، قوم مسافرون، وهو مصدر، ولذلك لم يجمع، وهو مثل قولهم: قوم زَوْرٌ، وقوم صَوْمٌ، وفِطْرٌ، وجُنُبٌ، وعَدْلٌ، وما أشبه ذلك من المصادر، لفظ الواحد والاثنين والجميع، والمذكر
стр. 6318
والمؤنث، فيه واحد" [وانظر: جمهرة اللغة (٢/ ٧١٧) و (٣/ ١٢٥١)، الصحاح (٢/ ٦٨٦)، معجم مقاييس اللغة (٣/ ٨٢)].
***
١٢٣٠ - . . . حفص، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ أقام سبعَ عشرةَ بمكة يقصُر الصلاةَ.
قال ابن عباس: ومن أقام سبعَ عشرةَ قصر، ومن أقام أكثر أتمَّ.
قال أبو داود: قال عبَّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أقام تسع عشرة.
حديث صحيح؛ دون قوله: سبع عشرة، والمحفوظ: تسع عشرة
أخرجه ابن حبان (٦/ ٤٥٧/ ٢٧٥٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٨/ ٨٢١١)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٥٠)، وفي المعرفة (٢/ ٤٣٣/ ١٦٠٧)، وفي الدلائل (٥/ ١٠٥).
رواه عن حفص بن غياث [ثقة فقيه]: أبو كريب محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير [وهم ثقات حفاظ]، وإبراهيم بن يوسف الصيرفي [روى عنه جماعة من الأئمة والمصنفين، منهم النسائي في اليوم والليلة، وقال: "ليس بالقوي"، ووثقه غيره. الميزان (١/ ٧٦)، التهذيب (١/ ٩٦)].
هكذا رواه حفص بن غياث، فقال فيه: سبع عشرة، ووهم في ذلك، فقد رواه جماعة من الثقات، فيهم عبد الله بن المبارك، وأبو عوانة، فقالوا: تسع عشرة، وهو المحفوظ:
• رواه عبد الله بن المبارك [ثقة ثبت، إمام حجة]، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير [ثقة]، وأبو شهاب الحناط [عبد ربه بن نافع: ثقة]، وعبد الواحد بن زياد [ثقة]:
عن عاصم [الأحول]، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: أقام النبي ﷺ بمكة تسعةَ عشرَ يومًا يصلي ركعتين. لفظ ابن المبارك عند البخاري، وزاد عند البيهقي من نفس الوجه (٥٥٢٥): قال ابن عباس: فنحن نصلي ركعتين تسعة عشر يومًا، فإن أقمنا أكثر من ذلك أتممنا.
وفي رواية أبي شهاب [عند البخاري]: أقمنا مع النبي ﷺ في سفرٍ تسعَ عشرةَ نقصُر الصلاة، وقال ابن عباس: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا.
وفي رواية أبي معاوية [عند الترمذي وغيره]: سافر رسول الله ﷺ سفرًا، [فأقام] فصلى تسعةَ عشرَ يومًا ركعتين ركعتين، قال ابن عباس: فنحن نصلي فيما بيننا وبين تسع عشرة ركعتين ركعتين، فماذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعًا.
أخرجه البخاري (٤٢٩٨ و ٤٢٩٩)، والترمذي (٥٤٩)، وقال: "حسن غريب صحيح"، وابن ماجه (١٠٧٥)، وابن خزيمة (٢/ ٧٤ - ٧٥/ ٩٥٥)، وأحمد (١/ ٢٢٣)،
стр. 6319
وأبو حفص الفلاس في التاريخ (١٧٥)، والطحاوي (١/ ٤١٦)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٩٠)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٤٩) (٦/ ١٦٦/ ٥٥٢٥ و ٥٥٢٦ - ط. هجر) و (٣/ ١٥٠) (٦/ ١٦٨/ ٥٥٣١ - ط. هجر)، وفي المعرفة (٢/ ٤٣٤/ ١٦٠٨)، وفي الدلائل (٥/ ١٠٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٧٥ - ١٧٦/ ١٠٢٨)، وفي الشمائل (٦٢٨).
• تنبيهات:
أ - هكذا رواه عن عبد الله بن المبارك: عبدان عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي [ثقة حافظ]، وحِبان بن موسى المروزي [ثقة]، فقالا فيه: تسعةَ عشرَ يومًا.
وخالفهما: عبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ]، فرواه عن ابن المبارك به؛ فلم يضبط عدة الأيام في الحديث، فرواه عنه إسحاق بن إبراهيم الدبري [راوي مصنف عبد الرزاق، وهو: صدوق؛ إلا أن سماعه من عبد الرزاق متأخر جدًّا، وقد سمع منه بعد ما عمي، وروى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة. انظر: اللسان (٢/ ٣٦)]، فقال فيه: سبع عشرة [كما في المصنف ومعجم الطبراني الكبير]، ورواه عنه عبد بن حميد [ثقة حافظ، وهو من طبقة من سمع من عبد الرزاق قبل ذهاب بصره]، فقال فيه: عشرين ليلة [كما في المنتخب من مسند عبد بن حميد]، وكلاهما وهم.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٣٣/ ٤٣٣٧) [ووقع عنده: سبع عشرة]. وعبد بن حميد (٥٨٢) [ووقع عنده: عشرين ليلة]. والطبراني في الكبير (١١/ ٣٣٢/ ١١٩١٢) [ووقع عنده: سبع عشرة].
والمحفوظ في هذا ما رواه صاحبا ابن المبارك، وهما أثبت فيه من عبد الرزاق، لا سيما وقد أخرجه البخاري في صحيحه (٤٢٩٨) من طريق عبدان، والله أعلم.
• لطيفة: قال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٥٣٥): "وأما رواية: عشرين، فتبع في إيرادِها الإمامَ، ولم أرها بعد البحث عنها من سنة ثمان وأربعين وسبعمائة إلى سنة إحدى وستين، فعثرت عليها في مسند عبد بن حميد، ولله الحمد".
ب - وهِم فيه خلف بن هشام البزار [ثقة]، فرواه عن أبي شهاب الحناط به؛ إلا أنه قال فيه: سبع عشرة.
أخرجه الدارقطني (١/ ٣٨٨)، ومن طريقه: البيهقي (٣/ ١٥٠) (٦/ ١٦٧/ ٥٥٢٧ - ط. هجر).
والمحفوظ: رواية الجماعة عن أبي شهاب، كما في صحيح البخاري (٤٢٩٩)، من طريق أحمد بن عبد الله بن يونس عنه، وتابعه: داود بن عمرو الضبي، وهما ثقتان.
ج - وهِم فيه عثمان بن أبي شيبة [ثقة حافظ، وقد حُفظت عليه أوهام، انظر: ترجمته من التهذيب (٣/ ٧٧)]، فرواه عن أبي معاوية به؛ إلا أنه قال فيه: سبع عشرة.
أخرجه البيهقي (٣/ ١٥٠) (٦/ ١٦٩/ ٥٥٣٢ - ط. هجر).
стр. 6320
والمحفوظ عن أبي معاوية: رواية جماعة الحفاظ والثقات، مثل: أحمد بن حنبل، وهناد بن السري، وأبي خيثمة زهير بن حرب، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي [وهم ثقات حافظ]، وسلم بن جنادة، ومحمد بن يحيى بن الضريس الكوفي الفيدي، وعلي بن حرب الطائي، وأحمد بن حرب الموصلي، وسريج بن يونس، ومجاهد بن موسى، والفضل بن الصباح [وهم ثقات]، ومحمد بن عمرو بن يونس بن عمران الثعلبي الكوفي المعروف بالسوسي [نزيل مصر، محدِّث مكثر، روى عنه جماعة، وأكثر عنه الطحاوي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العقيلي: "حدث بمناكير"، ضعفاء العقيلي (٤/ ١١١)، الثقات (٩/ ١٣٦)، تاريخ دمشق (٥٥/ ٣٤)، اللسان (٧/ ٤١٨ و ٤٢٢)].
* ورواه أبو عوانة [ثقة ثبت]، عن عاصم [الأحول] وحصين [بن عبد الرحمن]، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أقام النبي ﷺ تسعةَ عشرَ يقصُر [الصلاة]، فنحن إذا سافرنا تسعةَ عشرَ قصرنا، وإن زدنا أتممنا.
أخرجه البخاري (١٠٨٠)، وأبو يعلى (٤/ ٢٥٤/ ٢٣٦٨)، وابن المنذر فى الأوسط (٤/ ٣٥٧/ ٢٢٨٢)، والبيهقي (٣/ ١٥٠).
هكذا رواه عن أبي عوانة: حفص بن عمر النمري أبو عمر الحوضي [ثقة ثبت]، وموسى بن إسماعيل [أبو سلمة التبوذكي: ثقة ثبت]، وشيبان بن فروخ [صدوق]، ومسدد بن مسرهد [ثقة حافظ] [لكن قال: عن عاصم الأحول أو حصين، بالشك، ولعله وقع من النساخ].
• وخالفهم: محمد بن سليمان بن حبيب لوين [ثقة]، ومعلى بن أسد [ثقة ثبت]،
فروياه عن أبي عوانة به؛ إلا أنهما قالا: سبع عشرة، أو: سبعة عشر، بدل: تسعة عشر.
أخرجه القاسم بن زكريا المطرز في فوائده (١١٠)، والدارقطني (١/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، وأبو طاهر المخلص في الأول من فوائده بانتقاء ابن أبي الفوارس (٣٤٠)، وفى السادس (٢١٩) (١٢٣٨ - المخلصيات)، وفي الثامن (٢١٧) (١٧٩٣ - المخلصيات)، والبيهقي (٣/ ١٥٠).
قلت: نقدم رواية الجماعة، فإن الوهم عنهم أبعد، وقد انتقاها البخاري فأخرجها في صحيحه محتجًّا بموضع الشاهد منها.
° وعلى هذا فقد رواه عن عاصم بن سليمان الأحول بلفظ: تسعة عشر: عبد الله بن المبارك، وأبو عوانة، وأبو معاوية الضرير، وأبو شهاب الحناط، وعبد الواحد بن زياد [في الراجح عنهم]، واختار هذه الرواية البخاري فأودعها في صحيحه، ولم ينفرد بذلك عاصم الأحول.
وخالفهم: حفص بن غياث، فقال: سبع عشرة، ووهم في ذلك، والله أعلم.
* وله طرق أخرى عن عكرمة:
أ - رواه حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أقام
стр. 6321
النبي ﷺ تسعةَ عشرَ يقصُر [الصلاة]، فنحن إذا سافرنا تسعةَ عشرَ قصرنا، وإن زدنا أتممنا.
أخرجه البخاري (١٠٨٠). وتقدم ذكره آنفًا.
ب - ورواه عبد الوارث بن سعيد [ثقة ثبت]: ثنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أقام رسول الله ﷺ زمن الفتح تسعةَ عشرَ ليلةً، يصلي ركعتين ركعتين.
أخرجه البيهقي (٣/ ١٥٠)، موصولًا بإسناد صحيح إلى عبد الوارث. وعلقه أبو داود (١٢٣٠).
• وخالفه: وكيع بن محْرِز [لا بأس به، قال البخاري: "عنده عجائب"، التهذيب (٤/ ٣١٤)]، فرواه عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ أقام بمكة سبعة عشر يومًا يقصر الصلاةَ.
أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٢٦/ ١١٨٩٢).
وهذا إسناد واهٍ؛ لا يصلح في المتابعات؛ عباد بن منصور: ليس بالقوي، له أحاديث منكرة، قيل: لم يسمع من عكرمة، وقيل: سمع منه شيئًا والبقية لم يسمعها.
قال أبو حاتم: "كان ضعيف الحديث، يكتب حديثه، ونرى أنه أخذ هذه الأحاديث عن ابن أبي يحيى عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس" [الجرح (٦/ ٨٦)].
وقال ابن حبان: "وكل ما روى عن عكرمة: سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن الحصين؛ فدلسها عن عكرمة" [المجروحين (٢/ ١٥٦) طبعة حمدي السلفي] [وانظر: التهذيب (٤/ ١٩٣)، إكمال مغلطاي (٧/ ١٧٢)، الميزان (٢/ ٣٧٦)].
وداود بن الحصين: ثقة إلا في عكرمة، فروايته عنه منكرة، قال ابن المديني: "ما روى عن عكرمة فمنكر"، وقال أبو داود: "أحاديثه عن شيوخه مستقيمة، وأحاديثه عن عكرمة: مناكير" [التهذيب (٣/ ٤)، إكمال مغلطاي (٤/ ٢٤٤)، الميزان (٢/ ٥)].
وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى: متروك، كذبه يحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن هارون، وابن معين، وابن المديني، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وابن الجارود، وقال البزار: "كان يضع الحديث" [التهذيب (١/ ١٧٦)، إكمال مغلطاي (١/ ٢٨٤)، الميزان (١/ ٥٧)].
ومن أشهر مناكير عباد عن عكرمة: حديث الحجامة والاكتحال.
ج - ورواه شريك بن عبد الله النخعي، عن ابن الأصبهاني، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ أقام بمكة سبعَ عشرةَ يصلي ركعتين.
ويأتي تخريجه برقم (١٢٣٢)، وهو حديث شاذ؛ وهم فيه شريك لسوء حفظه، فقال: سبع عشرة، والمحفوظ عن عكرمة: ما رواه عنه: عاصم بن سليمان الأحول، وحصين بن عبد الرحمن السلمي، فقالا: تسعة عشر، وهو الصواب، والله أعلم.
° قال البيهقي (٦/ ١٧٠ - ط. هجر): "اختلفت هذه الروايات في تسع عشرة وسبع عشرة كما ترى، وأصحها عندي -والله أعلم- رواية من روى تسع عشرة، وهي الرواية
стр. 6322
التي أودعها محمد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح، فأحدُ من رواها ولم يختلف عليه -علمي-: عبد الله بن المبارك، وهو أحفظ من رواه عن عاصم الأحول، والله أعلم".
وقد رد ابن عبد البر الحديث وأعله بالاضطراب، فقال في الاستذكار (٢/ ٢٤٨): "وهو حديث مختلف فيه، لا يثبت فيه شيء لكثرة اضطرابه".
قلت: بل هو حديث صحيح محفوظ، والعمدة على رواية الأكثر والأحفظ، والله أعلم.
***
١٢٣١ - . . . محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة عامَ الفنح خمسَ عشرةَ [ليلةً]، يقْصُرُ الصلاةَ.
قال أبو داود: روى هذا الحديث عبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي، وسلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، لم يذكروا فيه: ابن عباس.
حديث شاذ، صوابه مرسل
أخرجه ابن ماجه (١٥٧٦)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٥١)، وفي الدلائل (٥/ ١٠٥)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٤٨).
رواه عن محمد بن سلمة الباهلي الحراني [ثقة]: أبو جعفر النفيلي عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل الحراني [ثقة حافظ]، وأبو يوسف الصيدلاني محمد بن أحمد بن محمد الرقي [ثقة حافظ].
ومحمد بن سلمة له أوهام على ابن إسحاق، منها على سبيل المثال: ما تقدم معنا قريبًا في السنن برقمي (١٠٣٢ و ١٠٦٤)، وقد أعل أبو داود روايته هنا بالإرسال:
قال أبو داود: "روى هذا الحديث عبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي، وسلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، لم يذكروا فيه: ابن عباس".
* ورواه عبد الله بن إدريس [كوفي، ثقة ثبت]، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري،
عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: أن النبي ﷺ أقام حيث فتح مكة خمسَ عشرةَ، يقْصُرُ الصلاةَ حتى سار إلى حنين.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٧/ ٨١٩٦) و (٧/ ٤٠٨/ ٣٦٩٣٥)، والطحاوي (١/ ٤١٧)، والبيهقي (٣/ ١٥١).
رواه عن ابن إدريس به هكذا موصولًا: أبو بكر بن أبي شيبة [ثقة حافظ]، وأبو سعيد عبد الله بن سعيد الأشج [ثقة].
стр. 6323
قال البيهقي: "كذا رواه، ولا أُراه محفوظًا".
• خالفهما: الحسن بن الربيع: ثنا ابن إدريس، عن ابن إسحاق، قال: وحدثني محمد بن مسلم: ثم أقام رسول الله ﷺ بمكة خمسَ عشرةَ ليلةً يقصر الصلاة حتى سار إلى حنين. كذا في السنن، وفي الدلائل: قال: حدثنا ابن إدريس، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم بن شهاب، ومحمد بن علي بن الحسين، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعمرو بن شعيب، وعبد الله بن أبي رُهم، قالوا: لما افتتح رسول الله ﷺ أقام بها خمسة عشر.
أخرجه البيهقي في السنن (٣/ ١٥١)، وفي الدلائل (٥/ ١٠٦).
قال البيهقي في السنن: "هذا هو الصحيح مرسل".
قلت: وهو كما قال؛ فإن الحسن بن الربيع البجلي الكوفي: ثقة، من أثبت أصحاب ابن إدريس، قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي سئل عن حديث لابن إدريس، فقال: حدثنا أوثق أصحاب ابن إدريس؛ الحسن بن الربيع" [التهذيب (١/ ٣٩٥)، الجرح والتعديل (٣/ ١٤)، تاريخ بغداد (٨/ ٢٦٦)].
* وعلى هذا: فالمحفوظ عن ابن إدريس: مرسل، وقد تابعه على إرساله، جماعة من أصحاب ابن إسحاق:
فقد رواه يزيد بن هارون [ثقة متقن]، وعبدة بن سليمان [ثقة ثبت]، وزياد بن عبد الله البكائي [ثقة ثبت في مغازي ابن إسحاق، وفي غيره فيه لين]، وأحمد بن خالد الوهبي [حمصي صدوق، مكثر عن ابن إسحاق]، وسلمة بن الفضل [الأبرش: ثبت في ابن إسحاق، وفي غيره يخطئ ويخالف]، ومحمد بن عمر الواقدي [متروك]:
قال يزيد: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: أقام رسول الله ﷺ عام الفتح بمكة خمسَ عشرةَ ليلة يقصر الصلاة حتى سار إلى حنين. وفي رواية البكائي [في سيرة ابن هشام]: أقام رسول الله ﷺ بمكة بعد فتحها خمسَ عشرةَ ليلةً يقصر الصلاة.
أخرجه الواقدي في المغازي (٢/ ٢٩١)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٤٣)، وابن هشام في السيرة النبوية (٥/ ١٠٣ - ١٠٤) [وابن هشام يروي السيرة عن ابن إسحاق بواسطة: زياد بن عبد الله البكائي]. وابن جرير الطبري في التاريخ (٢/ ١٦٥)، وعلقه أبو داود هنا في السنن (١٢٣١).
قال البيهقي في الدلائل: "هذا منقطع، والأصح: رواية ابن المبارك عن عاصم الأحول، التي اعتمدها البخاري رحمه الله تعالى".
لكن ذهب ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٤٨) إلى تثبيت رواية الوصل، وقال: "ليس فيهم من يقاس بابن إدريس، وقد تابعه محمد بن سلمة، وزيادة مثلهما مقبولة".
قلت: المحفوظ عن ابن إدريس الإرسال، ولو فرضنا أن الوصل هو المحفوظ عن
стр. 6324
ابن إدريس؛ فقد أرسله جماعة من الثقات المتقنين لحديث ابن إسحاق، ورواية أصحاب الرجل المقدَّمين فيه أولى بالصواب، فهو حديث مرسل، وهو شاذ بتحديد المدة بخمسة عشر يومًا، والمحفوظ: ما رواه البخاري من رواية عكرمة عن ابن عباس: تسعة عشر يومًا، كما تقدم بيانه.
* وروي من وجه آخر عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، ولا يثبت:
• فقد روى عبد الرحمن بن الأسود البصري [روى عنه جماعة من الأئمة والثقات]، قال: حدثنا محمد بن ربيعة [الكلابي: كوفي ثقة]، عن عبد الحميد بن جعفر [مدني صدوق]:
ورواه إبراهيم بن عبد الله الخلال المروزي [لا بأس به]: ثنا عبد الله بن المبارك [ثقة ثبت، إمام حجة، صحيح السماع من ابن لهيعة]: ثنا ابن لهيعة [ضعيف]:
كلاهما عبد الحميد وابن لهيعة: عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ أقام بمكة خمسةَ عشرَ يصلي ركعتين ركعتين.
أخرجه النسائي في المجتبى (٣/ ١٢١/ ١٤٥٣)، وفي الكبرى (٢/ ٣٦٣/ ١٩٢٤)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٣٠٤/ ١٠٧٣٥)، وفي الأوسط (٨/ ٤٢/ ٧٩٠٢)، والخطيب في تاربخ بغداد (١٠/ ٢٦٨).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن عبد الله إلا عراك بن مالك، ولا عن عراك إلا يزيد، ولا عن يزيد إلا ابن لهيعة، تفرد به: ابن المبارك".
قلت: وليس كما قال، وروي عن ابن لهيعة من وجه آخر مرسلًا، وهو الصواب:
* خالفه ابن وهب:
رواه عبد الله بن وهب [ثقة، صحيح السماع من ابن لهيعة]: أخبره ابن لهيعة [ضعيف]، والليث بن سعد [ثقة ثبت، إمام]، وعمرو بن الحارث [ثقة حافظ]: عن جعفر بن ربيعة [مصري ثقة]، عن عراك بن مالك [مدني تابعي ثقة]؛ أن رسول الله ﷺ أقام بمكة عام الفتح خمسةَ عشرَ [كذا، وصوابه: خمس عشرة] ليلةً يقصر الصلاة.
أخرجه ابن وهب في الجامع (٢٠٦).
وهذا مرسل بإسناد صحيح.
• ورواه بكر بن مضر [مصري، ثقة ثبت]، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك؛ أن النبي ﷺ صلى بمكة عام الفتح خمسَ عشرةَ ليلةً، يصلي ركعتين ركعتين.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٤٣ - ١٤٤)، قال: أخبرنا محمد بن حرب المكي [بصري، نزل مكة: ثقة. الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٧)، معرفة الثقات (١٥٨٥)، الثقات (٩/ ٦٢)، الثقات لابن قطلوبغا (٨/ ٢٣٥)]: أخبرنا بكر به.
стр. 6325
وهذا مرسل بإسناد صحيح.
* قلت: وقد رواه الليث بن سعد أيضًا عن يزيد بن أبي حبيب مرسلًا:
ففي نسخة الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب [برواية عيسى بن حماد زغبة (٥٧ و ٥٨)]:
رواه الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك؛ أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ أقام خمسة عشر يومًا بمكة يقصر الصلاة ركعتين ركعتين بعد الفتح.
ثم رواه الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر؛ أن رجلًا حدثه أنه سمع عبد الأعلى بن عبد الله بن عتبة، يقول: سمعت أبي، يقول: من زاد على خمس عشرة في قرية فليُتمَّ.
والأول مرسل بإسناد صحيح.
• ورواه الواقدي، قال: حدثني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عراك بن مالك، قال: أقام رسول الله ﷺ عشرين ليلة يصلي ركعتين.
أخرجه الواقدي في المغازي (٢/ ٢٩١).
ومخرمة: لم يسمع من أبيه شيئًا، وروايته عنه إنما هي من كتاب أبيه وجادة [تقدم الكلام عليه تحت الحديث المتقدم برقم (٢٠٧)]، والواقدي: متروك.
° والحاصل: فإن المحفوظ في هذا الحديث: ما رواه الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك؛ أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ . وما رواه جعفر بن ربيعة، عن عراك مرسلًا.
فهو حديث مرسل، والله أعلم.
قال البيهقي (٣/ ١٥١): "ورواه عراك بن مالك عن النبي ﷺ مرسلًا، ورواية عكرمة عن ابن عباس أصح من ذلك كله، والله أعلم".
* وروي هذا العدد أيضًا من حديث سبرة بن معبد الجهني:
رواه عفان بن مسلم [بصري، ثقة ثبت]: أخبرنا وهيب [هو: ابن خالد: بصري، ثقة ثبت]: أخبرنا عمارة بن غزية [مدني، ثقة]: أخبرنا الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه؛ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الفتح، فأقام خمس عشرة من بين يوم وليلة.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٤٣ - ١٤٤)، قال: أخبرنا عفان به.
وهذا إسناد صحيح غريب، رجاله رجال مسلم.
***
١٢٣٢ - . . . شريك، عن ابن الأصبهاني، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ أقام بمكة سبعَ عشرةَ يصلي ركعتين.
حديث شاذ بلفظ سبع عشرة، والمحفوظ: تسع عشرة
أخرجه أحمد (١/ ٣٠٣ و ٣١٥) (٢/ ٦٦٩/ ٢٨٠٢ - ط. المكنز) و (٢/ ٦٩٦/ ٢٩٣٠ - ط. المكنز، وابنه عبد الله في زيادات المسند (١/ ٣١٥) (٢/ ٦٩٦/ ٢٩٣١ - ط. المكنز،
стр. 6326
وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٤٣، وعبد بن حميد (٥٨٥)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٥٩/ ١١٦٧٢، والدارقطني في الأفراد (١/ ٤٦٨/ ٢٥٨٢ - أطرافه)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٥٢٥)، والبيهقي (٣/ ١٥١).
رواه عن شريك: علي بن نصر الجهضمي [ثقة]، وأبو نعيم الفضل بن دكين [ثقة ثبت، وقال: بعد الفتح]، وأبو النضر هاشم بن القاسم، ويحيى بن آدم، وشاذان أسود بن عامر، وعبد الله بن عون الخراز [وهم ثقات، وقالوا: عام الفتح].
• كذا رواه عن أبي نعيم به، فقال: سبعة عشر يومًا:
محمد بن سعد، وعبد بن حميد، وعلي بن عبد العزيز البغوي [وهم ثقات حفاظ].
• وخالفهم فوهم:
محمد بن إسماعيل [أبو جعفر الصائغ البغدادي نزيل مكة: صدوق]، قال: ثنا أبو نعيم به، فقال: تسع عشرة يومًا، كذا، وصوابه: تسعة عشر يومًا، وهو وهم، والمعروف من رواية ابن الأصبهاني: سبعة عشر يومًا.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٤٣/ ٢٢٥١)، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل به.
قال الدارقطني: "تفرد به شريك عن ابن الأصبهاني".
قلت: ابن الأصبهاني هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهاني الكوفي الجهني: ثقة، من الرابعة، روى له الجماعة.
إلا أن شريك بن عبد الله النخعي كان سيئ الحفظ، وقد وهم في عدد الأيام فجعلها سبعة عشر، والمحفوظ عن عكرمة [فيما رواه عنه عاصم الأحول وحصين بن عبد الرحمن السلمي]: تسعة عشر، ومما يؤكد أن الوهم فيه من شريك، وأنه لم يضبط متن هذا الحديث؛ أنه قد وقع له أيضًا وهمٌ في الإسناد، فهكذا رواه عنه الجماعة متصلًا، ووهم مرة فرواه مرسلًا:
• رواه أبو بكر بن أبي شيبة [ثقة حافظ]، قال: حدثنا شريك، عن ابن الأصبهاني، عن عكرمة؛ أن النبى ﷺ أقام بمكة سبع عشرة يقصر الصلاة.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٧/ ٨١٩٨) (٥/ ٣٨٠/ ٨٢٨٢ - ط. عوامة).
° والخلاصة: أن المحفوظ عن ابن عباس في حديث فتح مكة: تسعة عشر يومًا، هكذا رواه عاصم الأحول وحصين عن عكرمة عن ابن عباس، وقد صححه البخاري، والله أعلم.
* ولابن عباس في مدة القصر حديث آخر؛ لكن بإسناد واهٍ:
فقد روى الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: أقام رسول الله ﷺ بخيبر أربعين ليلة يقصر الصلاة.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٣٣/ ٤٣٣٨)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٨٨) (٣/ ٤٣٢/ ٤٨٢٤ - ط. الرشد)، والرافعي في التدوين (٣/ ٢٥٤) معلقًا.
стр. 6327
قال ابن عدي: "وهذا لعل البلاء فيه من أيوب بن سويد، لا من الحسن بن عمارة".
قلت: تابع أيوبَ عليه عبدُ الرزاق والفضلُ بن موسى السيناني وأحمدُ بن خالد الوهبي، لكن انفرد فيه أيوب بن سويد بقوله: بحنين، بدل: خيبر، وأيوب هذا: ضعيف، صاحب مناكير [انظر: التهذيب (١/ ٢٠٤)، الميزان (١/ ٢٨٧)]،
• وروى البيهقي (٣/ ١٥٢)، والخطيب في تالي تلخيص المتشابه (١/ ٢٥٢)، وفي الموضح (١/ ٥٤٧).
من طريق أحمد بن خالد الوهبي [ثقة]: حدثنا الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: أقام رسول الله ﷺ بخيبر أربعين يومًا يصلي ركعتين ركعتين.
قال البيهقي: "تفرد به الحسن بن عمارة، وهو غير محتج به"، وقال في المعرفة (٢/ ٤٣٥): "غير صحيح؛ تفرد به الحسن بن عمارة، وهو متروك".
قلت: هو حديث باطل؛ تفرد به الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة، وتلون فيه، فمرة يقول: عن الحكم عن مقسم، ومرة يقول: عن الحكم عن مجاهد، والحسن: متروك الحديث، واتهم، يحدث عن الحكم بن عتيبة بما ليس من حديثه [التهذيب (١/ ٤٠٧)].
° وقد صح عن ابن عباس من وجوه أخر خلاف ما تقدم عنه من قوله: فنحن نصلي ركعتين تسعة عشر يومًا، فإن أقمنا أكثر من ذلك أتممنا:
أ - روى جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن سماك بن سلمة، عن ابن عباس، قال: إن أقمتَ في بلدٍ خمسةَ أشهرٍ فاقْصُر الصلاة.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٧/ ٨١٩٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٥٦/ ٤٢١ - مسند عمر)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥٩ - ٣٦٠/ ٢٢٨٦).
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح؛ سماك بن سلمة الضبي: ثقة، سمع ابن عباس [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٤٨٨/ ٣٢١٥)، التاريخ الكبير (٤/ ١٧٣)، الجرح والتعديل (٤/ ٢٨٠)، الثقات (٤/ ٣٤٠)، المؤتلف للدارقطني (٣/ ١٢٣٧)، التهذيب (٢/ ١١٥)، الميزان (٢/ ٢٣٤)، وقال: "قد وثقه أحمد، ولا يكاد يُعرف، روى عنه مغيرة بن مقسم فقط"، قلت: لو كان كذلك لكان أولى الناس بتجهيله: أبو حاتم الرازي، ولم يفعل، وقد وثقه أيضًا أبو داود، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "روى عنه: المغيرة بن مقسم، وأبو نهيك"، كما قال البخاري في تاريخه، واعتمد ذلك ابن حجر في التقريب، فقال: "ثقة"]، ومغيرة هو: ابن مقسم الضبي: ثقة متقن، وجرير بن عبد الحميد الضبي: ثقة، صحيح الكتاب، قال أبو الوليد الطيالسي بأنه لم ير أحدًا أروى عن مغيرة من جرير [التهذيب (١/ ٢٩٧)، الجرح (٢/ ٥٠٧)].
ب - وروى شعبة، عن أبي التياح الضبعي، عن رجل من عنزة يكنى أبا المنهال
стр. 6328
[وفي رواية: عن أبي المنهال العنزي]، قال: قلت لابن عباس: إني أقيم بالمدينة حولًا لا أشدُّ على سَيرٍ، قال: صلِّ ركعتين.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٧/ ٨٢٠١)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٥٥/ ٤١٨ و ٤١٩ - مسند عمر)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥٩/ ٢٢٨٤).
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح؛ أبو المنهال العنزي هو: عبد الرحمن بن مطعم البصري، نزيل مكة: ثقة، فإن قيل: تردد فيه البخاري، هل هما رجل واحد أم اثنان، فيقال: لم يقع هذا التردد لأبي حاتم، وترجمه ابن حبان مرتين، مرة ضمن ترجمة عبد الرحمن بن مطعم، ثم عاد وأفرد أبا المنهال بترجمة مستقلة [انظر: التاريخ الكبير (٥/ ٣٥٢)، الجرح والتعديل (٥/ ٢٨٤)، الثقات (٥/ ١٠٨ و ٥٨١)، التهذيب (٢/ ٥٥٣)]، وأبو التياح الضبعي، هو: يزيد بن حميد البصري، وهو: ثقة ثبت، من الخامسة، روى له الجماعة.
ج - وروى وكيع بن الجراح [ثقة حافظ]، قال: ثنا المثنى بن سعيد، عن أبي جمرة نصر بن عمران، قال لابن عباس: إنا نطيل القيام بالغزو بخراسان، فكيف ترى؟ فقال: صل ركعتين، وإن أقمتَ عشر سنين.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٧/ ٨٢٠٢)، ومن طريقه: ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥٩/ ٢٢٨٥).
وهذا موقوف على ابن عباس بإسناد صحيح؛ أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي البصري: ثقة ثبت، من الثالثة، روى له الجماعة، والمثنى بن سعيد الضبعي البصري: ثقة، من السادسة، روى له الجماعة.
د - شعبة، عن أبي إسحاق، قال: حدثني أبو السفر، عن سعيد بن شُفَي، عن ابن عباس، قال: جعلوا يسألونه عن الصلاة في السفر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من أهله لم يزد على ركعتين حتى يرجع [إلى أهله].
وهذا إسناد كوفي صحيح، تقدم تحت الحديث رقم (١٢٠٠).
• ورواه هشيم بن بشير، عن منصور بن زاذان، عن ابن سيرين، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا [الله] رب العالمين، فصلي ركعتين [ركعتين، حتى رجع].
وهو حديث صحيح، تقدم تحت الحديث رقم (١٢٠٠).
***
١٢٣٣ - . . . وهيب: حدثني يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس بن مالك، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة.
стр. 6329
فقلنا: هل أقمتم بها شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا.
حديث متفق على صحته
أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٣٩٩) (٤/ ٢٤١/ ١٩٦٢ - ط. التأصيل).
رواه عن وهيب بن خالد [ثقة ثبت]: موسى بن إسماعيل، ومسلم بن إبراهيم، وأحمد بن إسحاق الحضرمي [وهم ثقات حفاظ].
* تابع وهيبًا عليه جماعة من الثقات الحفاظ:
أ - رواه أبو نعيم الفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح، وزائدة بن قدامة، ومحمد بن يوسف الفريابي، وقبيصة بن عقبة، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وعبد الله بن نمير، وعبد الرزاق بن همام [وهم ثقات، وفيهم جماعة من أثبت أصحاب الثوري، والمكثرين عنه]:
عن سفيان [الثوري]، عن يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ يقصُر حتى أتى مكة، وأقمنا بها عشرًا، فلم يزل يقصر حتى رجع. وفي رواية: أقمنا مع النبي ﷺ عشرًا، نقصُر الصلاة.
أخرجه البخاري (٤٢٩٧)، ومسلم (٦٩٣)، والدارمي (١/ ٤٢٥/ ١٥١٠) (١٦٥٤ - ط. البشائر)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٣٣/ ٤٣٣٦)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٤٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٧/ ٨١٩٧)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٢٠/ ٣٤٠ - مسند عمر)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤١٨)، وفي أحكام القرآن (٣٥٧)، وأبو علي الرفاء في فوائده (٢٢٠)، والطبراني في الأوسط (٥/ ١٨١/ ٥٠٠٧)، والبيهقي (٣/ ١٤٨).
• خالفهم فوهم: أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي [صدوق، كثير الوهم، سيئ الحفظ، ليس بذاك في الثوري، وضعفه جماعة في سفيان. التقريب (٦١٩)، شرح علل الترمذي (٢/ ٧٢٦)، التهذيب (٤/ ١٨٨)]، فرواه عن الثوري به؛ إلا أنه قال: فأقام بها ثنتي عشرة ليلة؛ ووهم في ذلك
أخرجه أبو العباس السراج في مسنده (١٤٠٧)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٨٢١).
ب - ورواه معاذ بن معاذ، وغندر محمد بن جعفر، وأبو داود الطيالسي، وأبو عامر العقدي، وعمرو بن مرزوق، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وعقبة بن خالد [وهم ثقات]:
عن شعبة، عن يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁، قال: خرجنا مع النبي ﷺ فجعل يصلي ركعتين ركعتين حتى رجع، قلت: كم أقمتم؟ قال: عشرًا.
ولفظ غندر [عند أحمد]: سألت أنس بن مالك عن الصلاة في السفر؟ فقال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة فكنا نصلي ركعتين حتى نرجع إلى المدينة، فسألته: كم أقمتم بمكة؟ قال: عشرة أيام.
стр. 6330
وفي رواية معاذ [عند مسلم]: خرجنا من المدينة إلى الحج. . . الحديث، وكذا قال عقبة بن خالد [عند ابن الجارود]، وفي رواية عمرو [عند البيهقي]: خرجنا مع رسول الله ﷺ فحججنا معه. . . الحديث.
أخرجه مسلم (٦٩٣)، وأبو عوانة (٢/ ٧٥/ ٢٣٧٠ و ٢٣٧١)، وابن الجارود (٢٢٤)، وأحمد (٣/ ٢٨٢)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤١٨)، وفي أحكام القرآن (٣٥٦)، وابن المظفر في غرائب شعبة (٤٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٨٨)، والبيهقي (٣/ ١٤٨).
قال البيهقي: "هذا حديث صحيح، وإنما أراد أنس بن مالك بقوله: فأقمنا بها عشرًا؛ أي: بمكة ومنى وعرفات".
قلت: صح في رواية ابن علية عن يحيى: أقام بمكة عشرًا، فصح بذلك أن أنسًا أطلق اسم مكة على مساكنها، وما حولها من المشاعر، فأدخل ما جاور البلد في حكمها، ويأتي بيان ذلك في آخر البحث.
(ج - ي) - ورواه عبد الوارث بن سعيد، وهشيم بن بشير، وإسماعيل بن علية، وأبو عوانة، ويزيد بن زريع، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وبشر بن المفضل [وهم ثقات أثبات]، وعلي بن عاصم [الواسطي: صدوق، كثير الغلط والوهم، وقد تركه بعضهم، وزاد: إلا المغرب، فشذ بذلك]:
حدثنا يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعت أنسًا، يقول: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة.
قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا. لفظ عبد الوارث [عند البخاري]، وبنحوه رواية البقية [عند مسلم وغيره].
وفي رواية ابن علية [عند أحمد (٣/ ١٩٠)، والنسائي في الكبرى (٤١٩٦)]، قال: حدثنا يحيى بن أبي إسحاق، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ فقال: سافرنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصلى بنا ركعتين ركعتين حتى رجعنا، فسألته: هل أقام؟ قال: نعم، أقام بمكة عشرًا.
أخرجه البخاري (١٠٨١)، ومسلم (٦٩٣)، وأبو عوانة (٢/ ٧٥/ ٢٣٧٢ و ٢٣٧٣)، والترمذي (٥٤٨)، وقال: "حسن صحيح"، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٣/ ٨٦/ ٥١٧)، والنسائي في المجتبى (٣/ ١١٨/ ١٤٣٨) و (٣/ ١٢١/ ١٤٥٢)، وفي الكبرى (٢/ ٣٥٩/ ١٩٠٩) و (٢/ ٣٦٢/ ١٩٢٣) و (٤/ ٢٣١/ ٤١٩٦)، وابن ماجه (١٠٧٧)، وابن خزيمة (٢/ ٧٥/ ٩٥٦) و (٤/ ٣٢٦/ ٢٩٩٦)، وابن حبان (٦/ ٤٥٨/ ٢٧٥١) و (٦/ ٤٦٠/ ٢٧٥٤)، وأحمد (٣/ ١٨٧ و ١٩٠)، والفاكهي في أخبار مكة (٣/ ١٢٧/ ١٩٢٣) و (٥/ ٢٢٤/ ١٩٠ - القسم المفقود)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢١٩/ ٣٣٩ - مسند عمر) و (١/ ٢٢٠/ ٣٤١ - مسند عمر)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٤٠٥ و ١٤٠٦)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (١٨١٩ و ١٨٢٠)، وابن المنذر في الأوسط (٤/
стр. 6331
٣٤٦/ ٢٢٥٩)، والطحاوي في أحكام القرآن (٣٥٨ - ٣٦٠)، وابن بشران في الأمالي (٨٦٥)، وابن حزم في المحلى (٥/ ٢٦)، وفي حجة الوداع (٢١٢)، والبيهقي (٣/ ١٣٦ و ١٤٥ و ١٥٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤/ ١٧٥/ ١٠٢٧).
° قلت: حديث ابن عباس المتقدم في مكثه ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا إنما هو في فتح مكة، كما دل عليه سياق الحديث ورواياته، وأما حديث أنس هذا فإنما كان في حجة الوداع، ففي رواية معاذ عن شعبة [عند مسلم]: خرجنا من المدينة إلى الحج. . . الحديث، وفي رواية عمرو بن مرزوق عن شعبة [عند البيهقي]: خرجنا مع رسول الله ﷺ فحججنا معه. . . الحديث، وتابعهما عقبة بن خالد [عند ابن الجارود]، فهما واقعتان متغايرتان، وقد قال بالتفريق بينهما جماعة من الأئمة، منهم: مالك بن أنس، قال: "هو في حجة الوداع" [التوضيح لابن الملقن (٨/ ٤٣٥)، وانظر: الفتح لابن حجر (٢/ ٥٦٢)]، ومنهم: أحمد بن حنبل، حيث قال: "وكذلك حديث أنس ﵁ حيث قال: أقام بمكة عشرًا، فصيَّر أنسٌ هذا كله إقامةً، صبحَ رابعةٍ إلى آخر أيام التشريق" [مسائل الكوسج (٣١٢)]، ومنهم: الدارمي، فقال بعد الحديث: "وذلك في حجِّه"، ومنهم: ابن جرير الطبري، حيث أورد حديث أنس هذا في الاحتجاج به فيما صح عنده من الأخبار في قصر الصلاة في سفره ﷺ إلى مكة في حجة الوداع، ومنهم: ابن المنذر، حيث قال: "ثابت عن رسول الله ﷺ أنه خرج إلى مكة في حجة الوداع فقصر الصلاة"، ثم أسند حديث أنس هذا، وبذا يُبحث عن مراد البخاري حين أورد حديث أنس هذا في: باب مقام النبي ﷺ بمكة زمن الفتح، وقد حاول ابن حجر الاعتذار له، حيث قال في الفتح (٨/ ٢١): "فظاهر هذين الحديثين التعارض، والذي أعتقده أن حديث أنس إنما هو في حجة الوداع، فإنها هي السفرة التي أقام فيها بمكة عشرًا، لأنه دخل يوم الرابع وخرج يوم الرابع عشر، وأما حديث ابن عباس فهو في الفتح، وقد قدمت ذلك بأدلته في باب قصر الصلاة، وأوردت هناك التصريح بأن حديث أنس إنما هو في حجة الوداع، ولعل البخاري أدخله في هذا الباب إشارةً إلى ما ذكرت، ولم يفصح بذلك تشحيذًا للأذهان" [وانظر أيضًا: الفتح (٢/ ٥٦٢)].
***
١٢٣٤ - قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وابن المثنى [وهذا لفظ ابن المثنى]، قالا: حدثنا أبو أسامة، قال ابن المثنى: قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده؛ أن عليًّا ﵁ كان إذا سافر سار بعد ما تغرب الشمس حتى تكاد أن تُظلِم، ثم ينزل فيصلي المغرب، ثم يدعوا بعَشَائه فيتعشَّى، ثم يصلي العشاء، ثم يرتحل، ويقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع.
стр. 6332
قال عثمان: عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي.
سمعت أبا داود يقول: وروى أسامة بن زيد، عن حفص بن عبيد الله -يعني: ابن أنس بن مالك-؛ أن أنسًا كان يجمع بينهما حين يغيب الشفق، ويقول: كان النبي ﷺ يصنع ذلك.
ورواية الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ مثله.
***
حديث ضعيف
تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٢٢٠)، وهو حديث ضعيف، وأما حديث أنس الذي علقه أبو داود، فقد تقدم تخريجه برقم (١٢١٩)، وهو حديث صحيح.
٢٨٠ - باب إذا أقام بأرض العدو يقصر
١٢٣٥ - . . . عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.
قال أبو داود: غير معمر [يرسله] لا يسنده.
حديث شاذ، صوابه مرسل
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٣٢/ ٤٣٣٥)، ومن طريقه: أبو داود (١٢٣٥)، والترمذي في العلل (١٥٨)، وابن حبان (٦/ ٤٥٦/ ٢٧٤٩) و (٦/ ٤٥٩/ ٢٧٥٢)، وأحمد (٣/ ٢٩٥)، وعبد بن حميد (١١٣٩)، والبيهقي (٣/ ١٥٢)، وعبد الخالق بن أسد في المعجم (٦٩).
رواه عن عبد الرزاق: أحمد بن حنبل [إمام حجة، ثقة حافظ]، وأحمد بن منصور الرمادي [ثقة حافظ]، ويحيى بن موسى البلخي [ثقة]، وإسحاق بن إبراهيم الدبري [راوي المصنف، صدوق، تكلم فيه].
قال الترمذي: "سألت محمدًا [يعني: البخاري] عن هذا الحديث؟ فقال: يُروى عن ابن ثوبان عن النبي ﷺ مرسلًا".
وقال أبو داود: "غير معمر [يرسله] لا يسنده".
وقال البيهقي في السنن: "تفرد معمر بروايته مسندًا، ورواه علي بن المبارك وغيره عن يحيى عن ابن ثوبان عن النبي ﷺ مرسلًا، وروي عن الأوزاعي عن يحيى عن أنس، وقال: بضع عشرة، ولا أراه محفوظًا، وقد روي من وجه آخر عن جابر بضع عشرة".
وقال في المعرفة (٢/ ٤٣٥): "وحديث معمر. . .: غير محفوظ، وقد رواه علي بن
стр. 6333
المبارك وغيره عن يحيى مرسلًا، ليس فيه ذكر جابر، وروي عن أبي الزبير عن جابر: بضع عشرة".
وقال النووي في الخلاصة (٢٥٦٨) ردًّا على أبي داود والبيهقي: "الحديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم، ولا يقدح فيه تفرد معمر؛ فإنه ثقة حافظ، فزيادته مقبولة".
وقال ابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٥٣٨): "ومعمر: إمام مجمع على جلالته، فلا يضر تفرده به".
قلت: قد أعله بالإرسال البخاري وأبو داود والبيهقي، واجتماعهم حجة، فضلًا عن كون معمر بن راشد متكلم في حديثه عن غير الزهري وابن طاووس، فإنه: ثبت في الزهري وابن طاووس خاصة، وحديثه عنهما مستقيم، وأما حديثه عن غيرهما فيقع فيه الوهم الشيء بعد الشيء، وهذا منه، والله أعلم [انظر: شرح العلل (٢/ ٧٧٤ و ٨٠٤)].
وقد خالفه في هذا الحديث فأرسله: علي بن المبارك، وهو من ثقات أصحاب يحيى بن أبي كثير، بل هو ثبت فيه [كما قال ابن عدي في الكامل (٥/ ١٨٢)]، ولم ينفرد بذلك، بل توبع عليه [كما قال البيهقي].
* قلت: قد اختلف في هذا الحديث على يحيى بن أبي كثير:
أ - فرواه معمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.
ب - ورواه علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين ليلةً، يصلي صلاة المسافر ركعتين.
أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٨/ ٨٢٠٩).
وهذا هو الصواب، هكذا مرسلًا بإسناد صحيح إلى ابن ثوبان، وبهذا المرسل أُعلت رواية معمر بن راشد الموصولة، أعلها به: البخاري وأبو داود والبيهقي، وتقدم نقل كلامهم.
ج - ورواه عمرو بن عثمان الكلابي، قال: نا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، قال: أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة.
أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ١٨٥/ ٣٩٢٧)، قال: حدثنا علي بن سعيد الرازي [حافظ، تفرد بما لم يتابع عليه. اللسان (٥/ ٥٤٢)]، قال: نا محمد بن العباس الزيتوني [محمد بن العباس بن الوليد من أهل الزيتونة: لم أقف له على ترجمة]، قال: نا عمرو به.
وأخرجه تمام في فوائده (١٥٩)، قال: أخبرنا الحسن بن حبيب [أبو علي الحسن بن حبيب بن عبد الملك الدمشقي الفقيه الشافعي، المعروف بالحصائري: أحد الثقات الأثبات. تاريخ دمشق (١٣/ ٤٩)، السير (١٥/ ٣٨٣)، تاريخ الإسلام (٢٥/ ١٦٠)]:
стр. 6334
ثنا محمد بن إبراهيم أبو أمية الطرسوسي [صدوق]: ثنا عمرو به.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا عيسى، ولا عن عيسى إلا عمرو بن عثمان، تفرد به: محمد بن العباس"، قلت: قد توبع عليه كما ترى.
وأخرجه الدارقطني في الأفراد (١/ ٢٥٣/ ١٣١١ - أطرافه)، وقال: "غريب من حديث يحيى عنه، تفرد به عيسى بن يونس عن الأوزاعي، ولم يروه عنه بهذا اللفظ غير عمرو بن عثمان الكلابي الرقي.
ورواه القاسم بن عيسى الأذني عن عيسى بلفظ آخر، قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة عشرين ليلة يقصر الصلاة، وسار إلى خيبر، كذا كان مضبوطًا بالراء، والصواب: إلى حنين، بالنون، فإن خيبر كانت في سنة ست [كذا قال، وقد كانت في سبع]، وحنين والفتح فى عام".
وقال الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٢٥/ ٢٦٥١): "رواه عمرو بن عثمان الكلابي، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، مرفوعًا.
والصحيح: عن الأوزاعي، عن يحيى؛ أن أنسًا كان يفعل ذلك، غير مرفوع".
قال ابن حجر في التلخيص (٢/ ٤٥) معلقًا: "ويحيى: لم يسمع من أنس".
قلت: وصله منكر؛ فإن عمرو بن عثمان بن سيار الكلابي الرقي: ضعيف، قال فيه أبو حاتم: "يتكلمون فيه، كان شيخًا أعمى بالرقة، يحدث الناس من حفظه بأحاديث منكرة،. . ."، وكان يحدث من كتب غيره، وتركه النسائي والأزدي [التهذيب (٣/ ٢٩١)، الميزان (٣/ ٢٨٠)].
• وقد خالفه فأرسله: عبد الله بن جعفر الرقي [ثقة]: أخبرنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: غزا رسول الله ﷺ تبوكًا فأقام بها عشرين ليلة، يصلي بها صلاة المسافر.
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٦٧).
فهذا هو المحفوظ عن عيسى بن يونس مرسلًا، والله أعلم.
* ورواه معاوية بن عمرو [الأزدي: ثقة]، عن أبي إسحاق الفزاري [إبراهيم بن محمد بن الحارث: ثقة حافظ]، عن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: غزوت مع النبي ﷺ غزوة تبوك، فأقام بها بضع عشرة، فلم يزد على ركعتين حتى رجع.
أخرجه البيهقي (٣/ ١٥٢) (٦/ ١٧٣/ ٥٥٤٢ - ط. هجر) (٣/ ١٠٨٥/ ٤٨٦٧ - تهذيب السنن)، بإسناد صحيح إلى معاوية به.
قلت: المعروف بالرواية عن أبي الزبير هو زيد بن أبي أنيسة، وهو ثقة، وأخوه يحيى، وهو: متروك، وأما أبو أنيسة فلا يُعرف، ولم أجده في كتب الرجال والكنى.
فهو إسناد غربب.
° وفي نهاية أحاديث الباب نذكر شيئًا من فقهها:
стр. 6335
• فائدة:
قال ابن العربي في القبس (١/ ٣٣١): "ثبت الفرق بين صلاة السفر وصلاة الحضر في الدين قطعًا، ولم يُذكر حدُّ السفر الذي يقع به الفرق لا في القرآن ولا في السُّنَّة، وإنما كان كذلك لأنها كانت لفظةً عربيةً مستقرًّا علمُها عند العرب الذين خاطبهم الله تعالى بالقرآن، إلا أن الإشكال وقع في ذلك بين العلماء".
° قال الترمذي (٥٤٨): "حديث أنس حديث حسن صحيح.
وقد روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين. قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا ما بيننا وبين تسع عشرة صلينا ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا الصلاة.
وروي عن علي أنه قال: من أقام عشرة أيام أتم الصلاة.
وروي عن ابن عمر أنه قال: من أقام خمسة عشر يومًا أتم الصلاة، وروي عنه: ثنتي عشرة، وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أقام أربعًا صلَّى أربعًا، وروى عنه ذلك قتادة، وعطاء الخراساني، وروى عنه داود بن أبي هند خلاف هذا.
واختلف أهل العلم بعدُ في ذلك، فأما سفيان الثوري، وأهل الكوفة فذهبوا إلى توقيت خمس عشرة، وقالوا: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة.
وقال الأوزاعي: إذا أجمع على إقامة ثنتي عشرة أتم الصلاة.
وقال مالك، والشافعي، وأحمد: إذا أجمع على إقامة أربعة أتم الصلاة.
وأما إسحاق فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس، قال: لأنه روى عن النبي ﷺ ، ثم تأوله بعد النبي ﷺ ، إذا أجمع على إقامة تسع عشرة أتم الصلاة.
ثم أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون".
وقال أبو بكر الأثرم في الناسخ والمنسوخ (٤٣): "فأما حديث ابن عباس وعمران بن حصين في إقامة النبي ﷺ بمكة في الفتح؛ فإنه لم يكن للنبي ﷺ عزيمةٌ تُعلم.
وكذلك السُّنَّة في من لم يعزم، أنه يقصر ما أقام، كما فعل أصحاب النبي ﷺ ، أقام عدةٌ منهم سنتين يقصر الصلاة".
° قلت: ومن أصرح وأصح ما وجدته عن الصحابة: على أن المسافر يقصر ما لم يعزم على الإقامة:
ما رواه مالك، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، وابن جريج:
عن ابن شهاب الزهرى، عن سالم بن عبد الله؛ أن عبد الله بن عمر كان يقول: أصلي صلاةَ المسافر، ما لم أُجمِع مُكثًا [وفي رواية ابن عيينة: ما لم أُجمِع الإقامة]، وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢١٢/ ٤٠٠)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٣٣/ ٤٣٤٠) [وفي
стр. 6336
سنده سقط] و (٢/ ٥٣٤/ ٤٣٤١)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٤٧/ ٣٩٥ - مسند عمر)، والطحاوي (١/ ٤٢٠)، والبيهقي (٣/ ١٥٢).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
• وروى سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: أتيت سالمًا أسأله وهو عند باب المسجد، فقلت: كيف كان أبوك يصنع؛ قال: كان إذا أصدر الظَّهرَ، وقال: نحن ماكثون، أتم الصلاة، وإذا قال: اليوم وغدًا، قصر، وإن مكث عشرين ليلة.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٣٩/ ٤٣٦٥)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٤٧/ ٣٩٦ - مسند عمر). والطحاوي (١/ ٤٢٠).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
• ورواه مختصرًا: عبيد الله بن عمر العمري، وجويرية بن أسماء:
قال عبيد الله: أخبرني نافع؛ أن ابن عمر كان يقصر الصلاة ما لم يُجمع الإقامة.
وقال جويرية، عن نافع؛ أن عبد الله كان إذا أجمع المقام ببلد أتم الصلاة.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٤٨/ ٣٩٨ - مسند عمر). والبيهقي (٣/ ١٤٦).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
• بل إن ابن عمر لما لم يجمِع إقامةً قصر ستة أشهر، لأنه يرى نفسه كمن هو على ظهر سير، وإنما حبسه حابس، مع علمه بعدم زوال العارض في مدة يسيرة:
فقد روى عبيد الله بن عمر العمري [ثقة ثبت]، وداود بن قيس [ثقة]، ويحيى بن أبي كثير [ثقة ثبت]، وعطاف بن خالد [ليس به بأس]، وعبد الله بن عمر العمري [ليس بالقوي]:
عن نافع؛ أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، ولم يستطع أن يخرج من البرد، ولم يُرِد الإقامةَ. لفظ داود بن قيس، وزاد عبد الله بن عمر: وكان يقول: إذا أزمعت إقامة فأتم، وزاد يحيى بن أبي كثير: في إمارة عمر.
ولفظ عبيد الله [عند البيهقي، بإسناد صحيح إليه]: ارتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة، قال ابن عمر: وكنا نصلى ركعتين.
ولفظ العطاف: أن عبد الله بن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، حبسه الثلج، يقول: اليوم نخرج، غدًا نخرج.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٣٣/ ٤٣٣٩)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ١٦٢)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٤٩/ ٤٠١ - مسند عمر). وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٩٢)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (٦٩٩)، والبيهقي (٣/ ١٥٢).
قال النووي في الخلاصة (٢٥٦٩): "رواه البيهقي بإسناد صحيح على شرط الصحيحين".
стр. 6337
قلت: هو ثابت صحيح عن ابن عمر.
• وقد صح نحو ذلك في القصر مع المدة الطويلة عن أنس بن مالك؛ فقد روى عبد الوارث بن سعيد، وإسماعيل بن علية، كلاهما عن يونس بن عبيد، عن الحسن؛ أن أنس بن مالك كان بنيسابور على جبايتها، فكان يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين، ولا يجمِّع، وكان الحسن معه شتوتين.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٥٦ و ٢٥٧/ ٤٢٢ و ٤٢٣ - مسند عمر).
وهذا صحيح عن أنس موقوفًا عليه.
وكذلك كل ما روي عن الصحابة في قصر الصلاة مع طول المدة بالأشهر أو السنين،
فهو محمول على عدم العزم على الإقامة، وقد روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، والله أعلم.
° فإن قيل: قد أزمع النبي ﷺ في حجة الوداع الإقامة، منذ وصوله مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، إلى صباح الرابع عشر من ذي الحجة، وهي أيام النسك، ومعلوم أنه ﷺ لم يكن لينوي الرحيل قبل انتهاء نسكه، وهي مقام عشرة أيام كاملة، كما قال أنس، ومع ذلك فإن النبي ﷺ لم يتم الصلاة منذ دخل مكة حتى خرج منها، بل جمع في بعض المواطن، مثل عرفة والمزدلفة والأبطح:
قال أحمد: "فما نعلم النبي ﷺ أزمع المقام في شيء من أسفاره إلا في حجته هذه،. . ."، ثم قال: "وكذلك حديث أنس ﵁ حيث قال: أقام بمكة عشرًا، فصيَّر أنسٌ هذا كلَّه إقامةً، صبحَ رابعةٍ إلى آخر أيام التشريق"، ومع ذلك فقد ذهب أحمد إلى أنه إذا أزمع إقامةً زيادةً على أربعٍ، يصلي فيها إحدى وعشرين صلاة؛ أتم الصلاة [مسائل الكوسج (٣١٢)، مسائل أبي داود (٥١٩ و ٥٢٠)، مسائل ابن هانئ (٤٠٣ و ٤٠٨)، مسائل صالح (٣٧٠)، مسائل عبد الله (٤٢٤)، وانظر أيضًا: الناسخ والمنسوخ لأبي بكر الأثرم (٤٣)].
وقال ابن خزيمة (٢/ ٧٦): "لست أحفظ في شيء من أخبار النبي ﷺ أنه أزمع في شيء من أسفاره على إقامةِ أيامٍ معلومةٍ غير هذه السفرة التي قدم فيها مكة لحجة الوداع؛ فإنه قدمها مزمعًا على الحج، فقدم مكة صبح رابعة مضت من ذي الحجة،. . ."، ثم ذكر منازل النبي ﷺ في المشاعر على تفصيلها المعروف، ثم قال: "ورجع إلى مكة، فصلى الظهر والعصر من آخر أيام التشريق، ثم المغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، فهذه تمام عشرة أيام، جميع ما أقام بمكة ومنى في المرتين وبعرفات، فجعل أنس بن مالك كل هذه إقامة بمكة، وليس منى ولا عرفات من مكة، بل هما خارجان من مكة، وعرفات خارج من الحرم أيضًا،. . ."، ثم بحث بحثًا طويلًا في الرد على أنس بن مالك فيما يقرب من خمس صفحات، دفاعًا عن مذهب إمامه، وأنس أعلم بما يقول، وانظر كلام المحب الطبري.
стр. 6338
وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٥٦٢): "والمدة التي في حديث أنس يُستدَلُّ بها على من نوى الإقامة؛ لأنه ﷺ في أيام الحج كان جازمًا بالإقامة تلك المدة".
ثم قال: "وإطلاق اسم البلد على ما جاورها وقرُب منها؛ لأن منى وعرفة ليسا من مكة، أما عرفة فلأنها خارج الحرم، فليست من مكة قطعًا، وأما منى ففيها احتمال، والظاهر أنها ليست من مكة؛ إلا إن قلنا: إن اسم مكة يشمل جميع الحرم".
ثم قال: "وقال المحب الطبري: أطلق على ذلك إقامةً بمكة؛ لأن هذه المواضع مواضع النسك، وهي في حكم التابع لمكة؛ لأنها المقصود بالأصالة، لا يتجه سوى ذلك، كما قال الإمام أحمد، والله أعلم".
وقال ابن الهمام في فتح القدير (٢/ ٣٦): "ولا يمكن حمله على أنهم عزموا قبل أربعة أيام غير أنهم اتفق لهم أنهم استمروا إلى عشر؛ لأن الحديث إنما هو في حجة الوداع، فتعيَّن أنهم نووا الإقامة حتى يقضوا النسك" [انظر: نصب الراية (٢/ ١٨٣)].
وقد احتج بحديث أنس هذا على مدة الإقامة التي يقصر فيها: البخاري والدارمي والترمذي والنسائي وغيرهم.
• ويمكن أن يلحق بحديث أنس هذا إتمامًا للمدة التي يَقصُر فيها من عزم إقامةً، فإن عزم فوق ذلك فعليه الإتمام [كما فعل الدارمي والنسائي]:
حديث العلاء بن الحضرمي في الإذن للمهاجرين أن يقيموا بمكة ثلاثة أيام بعد الصدر، فتضاف للعشرة؛ فيكون مجموعها اثني عشر يومًا، باعتبار ابتداء زمن الرخصة بعد النفر من منى إلى مكة ظهر اليوم الثالث عشر، وذلك أنها قيلت في نفس الموطن، وكأن النبي ﷺ أذن لمن أراد المكث بمكة لقضاء حاجةٍ في ثلاثة أيام فقط بعد فراغه من نسكه، فيقصر فيها أيضًا؛ إذ لم يأمره بالإتمام: فيصبح المجموع اثني عشر يومًا:
فقد روى السائب بن يزيد، قال: سمعت العلاء بن الحضرمي، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "للمهاجر إقامةُ ثلاثٍ بعد الصَّدَر بمكة"، كأنه يقول: لا يزيد عليها.
وفي رواية: "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا"، وفي أخرى: رخَّص رسول الله ﷺ للمهاجرين أن يقيموا ثلاثًا بعد الصدر بمكة.
أخرجه البخاري (٣٩٣٣)، ومسلم (١٣٥٢)، ويأتي تخريجه مفصلًا في موضعه من السنن برقم (٢٠٢٢)، إن شاء الله تعالى.
° ويمكن أن يقال: إن ابن عمر ممن قال بهذه المدة:
فقد روى ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله؛ أن عبد الله بن عمر كان يقول: أُصلي صلاةَ المسافر، ما لم أُجمِع مُكثًا، وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة.
وهو صحيح عن ابن عمر، وتقدم ذكره قريبًا.
• وروى محمد بن عجلان [صدوق]، وعبد الله بن عمر العمري [ليس بالقوي]:
عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا أزمعت بالإقامة ثنتي عشرة [ليلة] فأتم الصلاة.
стр. 6339
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٣٤/ ٤٣٤٢)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥٥/ ٢٢٧٨).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد مدني صحيح.
قلت: قوله الأول أقوى سندًا، وهو الموافق لما سبق أن رجحناه من السُّنَّة، بجمع حديث أنس مع حديث العلاء بن الحضرمي، وعلى هذا يحمل قوله الثاني على: أن من أزمع إقامة فوق اثنتي عشرة ليلة أتم الصلاة، والله أعلم.
• وروى عمر بن ذر [وغيره]، قال: سمعت مجاهدًا، يقول: كان ابن عمر إذا قدم مكة، فأراد أن يقيم خمس عشرة ليلة سرَّح ظهره، فأتم الصلاة.
أخرجه محمد بن الحسن في الحجة (١/ ١٧٢)، وعبد الرزاق (٢/ ٥٣٤/ ٤٣٤٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٨/ ٨٢١٧)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥٥/ ٢٢٧٦ و ٢٢٧٧)، والطحاوي في أحكام القرآن (٣٤٦ - ٣٤٨).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
ويمكن حمله على كونه واقعة حال وافقت هذا العدد، وإلا فإنه يتم في أقل من ذلك، كما دلت عليه رواية سالم ونافع، والقول هنا مقدم على الفعل، وحاكم عليه، والفعل لا ينافيه، والله أعلم.
• وروى مالك بن أنس، والليث بن سعد، ويحيى بن أبي كثير:
عن نافع؛ أن ابن عمر أقام بمكة عشرَ ليالٍ يقصر الصلاة؛ إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها بصلاته.
ولفظ الليث: أنه كان يخرج إلى مكة، فيقيم عشرًا، فيقصر الصلاة.
وقال يحيى: سبع ليالٍ أو ثمانيًا، وهو وهم، والمحفوظ: عشرًا.
أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٢١٢/ ٤٠١)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٣٥٦/ ٢٢٨٠)، وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٩١).
وهذا موقوف على ابن عمر بإسناد صحيح.
وهذا أيضًا لا ينافي قول ابن عمر؛ إذ هو داخل فيه.
° وعلى هذا فإن الراجح عن ابن عمر أنه كان يرى: أن من أزمع إقامة ثنتي عشرة ليلة قصر الصلاة، فإن زاد على ذلك أتم؛ لقوله السابق ذكره:
أُصلي صلاةَ المسافر، ما لم أُجمِع مُكثًا، وإن حبسني ذلك اثنتي عشرة ليلة.
وأن من أزمع إقامة فوق اثنتي عشرة ليلة أتم الصلاة.
• فإن قيل: روي عن ابن عمر ما يدل على عدم التحديد:
فقد روى ليث بن أبي سليم [ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه]، عن الشعبي، قال: أقمت بالمدينة ستة أشهر، أو عشرة أشهر، لا يأمرني ابن عمر إلا بركعتين، إلا أن أصلي مع قوم فأصلي بصلاتهم.
وفي رواية: أقمت مع ابن عمر بالمدينة ثمانية أشهر، أو عشرة أشهر، فما أمرني إلا
стр. 6340
بركعتين، إلا أن أصلي في جماعة، ولو أردت أكثر من ذلك ما زادني.
أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (١/ ٢٤٩/ ٤٠٢ و ٤٠٣ - مسند عمر).
• ورواه سعيد بن عامر الضبعي [بصري صدوق، قال أبو حاتم: "وكان في حديثه بعض الغلط"، وقال البخاري: "كثير الغلط". التهذيب (٢/ ٢٧)، علل الترمذي الكبير (١٧٩)]، عن أسماء بن عبيد، قال: قلت للشعبي: إن لي بالكوفة أهلًا، وإنما وطني وداري بالبصرة، فكيف أصلي؟ قال: أي الأمصار أفضل؟ ثم بدأني فقال: تعلم مصرًا هو أفضل من المدينة؟ فإنا أقمنا بالمدينة أشهرًا، فسألنا أبا عبد الرحمن: كيف نصلي؟ قال: إذا صليتم معنا فصلوا بصلاتنا، وإذا صلى أحدكم وحده فليصل ركعتين، فإني آتي البلدَ الذي وُلدت فيه، ما أزيد على الركعتين فيه.
أخرجه أبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٩٩).
• ورواه هشام بن حسان [بصري ثقة، ثبت في ابن سيرين، وتُكُلِّم في حديثه عن عطاء والحسن. التهذيب (٤/ ٢٦٨)]، واختلف عليه:
أ - فرواه عثمان بن عمر بن فارس [ثقة]، قال: أنا هشام بن حسان، عن أسماء بن عبيد، قال: كان لي بالكوفة أعمامًا وأخوالًا، وكيف أصلي؟ قال: أيُّ الأمصار أعظم؟ ثم قال: أليس المدينة؟ قلت: بلى، قال: ثم قال: قدمتُ المدينةَ فلقيتُ ابن عمر، فقلت: إني أريد أن أقيم بالمدينة سنةً، ما ترى في الصلاة؟ قال: إذا صليت معنا فصلِّ بصلاتنا، وإذا صليت وحدك فصلِّ ركعتين.
أخرجه أبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (٩٨).
ب - خالفه: عبد الرزاق بن همام [ثقة حافظ]، فرواه عن هشام بن حسان، عن أسماء بن عبيد، قال: سألت الشعبي زمان الحج، قال: قلت: آتي إلى الكوفة وفيها جدتي وأهلي، قال: فقال: أيُّ الأمصار أفضل؟ أو قال: أعظم؟ ثم أجابني فقال: أليس المدينة؟ فقلت: بلى، فقال: سألت ابن عمر عن ذلك، فقال: إني لآتي البيت الذي وُلدتُّ فيه -؛ يعني: مكة-، فما أزيد على ركعتين، قال الشعبي: فكنت أقيم سنة أو سنتين أصلي ركعتين، أو قال: ما أزيد على ركعتين ركعتين.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٣٨ / ٤٣٦١).
قلت: هذه الرواية فصلت المدرج الذي وقع في رواية عثمان بن عمر، وكذلك في رواية سعيد بن عامر، وأن قوله: أقيم بالمدينة سنةً، لم يكن سؤالًا من الشعبي لابن عمر، وإنما هو فعله، ثم أُدرج في الرواية، فصار سؤالًا، وقد فصله عبد الرزاق، فتبين أن ابن عمر إنما أجاب على سؤال من لم يعزم الإقامة، أو من عزم على إقامة اثنتي عشرة فما دونها، ولم ينفرد بذلك عبد الرزاق، فقد تابع هشامًا على هذا الوجه بدون إدراج:
أ - جعفر بن سليمان الضبعي [صدوق]، فرواه عن أسماء، عن الشعبي مثله.
أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٥٣٨/ ٤٣٦٢).
следующие страницы →