← Сияса и кади

Сияса и кади · id 26217

الشورى في الشريعة الإسلامية

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (244 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الشورى في الشريعة الإسلامية دراسة مقارنة بالديمقراطية والنظم القانونية تأليف: حسين بن محمد المهدي عضو المحكمة العليا للجمهورية اليمنية حقوق الطبع محفوظة للمؤلف سجل هذا الكتاب بوزارة الثقافة بدار الكتاب برقم إيداع ٣٦٣ في ٤/ ٧ / ٢٠٠٦م

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بين يدي الكتاب بقلم القاضي/ جمال قاسم المصباحي الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا رسول ولا نبي بعده وعلى آله وأصحابه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين وبعد: فإن كتاب الشورى في الشريعة الإسلامية بدراسته المقارنة للديمقراطية والنظم القانونية, مما يثلج الصدر بعموم فكرته وخصوصيات درسه وملامح طرحه وسلاسة وبساطة عرضه, مع ما اشتمل من وفرة المطالعة وتأصيل الرأي وتنوع التصور عند أهل العلم والرؤى العلمية والشرعية والفكرية والقانونية, فهو بحق قد مدنا بالاغتراف من معين الأصالة الإسلامية وبالمصاحبة للحس والمعروف الطيب من مكارم الأخلاق الإنسانية ونتاج حضارة المجتمع الإنساني الغير معارض لمبادئ الشريعة, ولا غرو على مثل أخينا الأكبر فضيلة العلامة حسين بن محمد المهدي لمثل هذا التصدي العلمي الذي أجاد فيه وأفاد, وأتى بحظ طيب من الشيء الكثير والمواصل لجهود العلماء والفضلاء في مضمار كلمة التنوير والكلمة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء, وذلك لاستمرارية التجديد في الخطاب الإسلامي والفكر الإصلاحي في جنبات الأمة, والذي يجعلني أحسب أن هذا الكتاب يبدوا واحداً من مسددات ومكملات المستلزمات والمراجع المكتبية الإسلامية عصراً ومستقبلاً, وليس بنائي من القول أن أذكر بصاحب الكتاب أنه من بقية امتداد مدرسة الدرس والتحقيق الفقهي والنظري في ساحة الفكر باليمن, وكذلك هو من المخضرمين في الاطلاع والمجالسة والمطالعة والمطارحة العلمية في عصر هذا الجيل الأكاديمي لما بعد الثورة اليمنية المباركة, ولهذا فهو يمثل حلقة وصل بين الجيلين بالفعل, ولا أبالغ إذا قلت وأنا في طرب وسرور عند استطلاعي في طيات الكتاب لأقول ما قاله شعراً ومبالغةً

стр. 3

أحد شعراء القرن التاسع الهجري وهو يشاهد ختم كتاب فتح الباري للحافظ العلامة ابن حجر العسقلاني, فقال: هذا المنار الذي للعلم منتصبٌ ... الله أكبر كل الفضل في العربِ ثم أقول في الختام حسبي وحسب المطالع والمستفيد من الكتاب ما يلمس من إخلاص الجهد والعمل وبذل النصح مع الخاص والعام باتساع عارضه وواسطه ضليعة من آلة اللغة بالتدبر لعلم الكتاب العزيز والسنة المطهرة وتصور وتوجهات أئمة الدين وأهل الفضل بما يجسد التفكر أنه محاولة للسير مع الآية الكريمة: (فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَأهم اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) (١) , صدق الله العظيم.

стр. 4

تقديم د. عبدالعزيز المقالح في عصر التشكيك في البديهيات, عصر خلخلة القيم والمعتقدات الراسخة, لا مناص من البحث عن مداخل علمية موضوعية للخروج من الدوامة وإقامة الجسور الوثيقة بين القيم الجوهرية الربانية وما لا يتعارض معها أو يتصادم بها من انجازات الحاضر الإنساني. وهذا ما تصدَى للقيام به عدد من العلماء والمفكرين الإسلاميين منذ بداية العصر الحديث وحتى اليوم. ولقد كان لجهودهم العظيمة أكبر الأثر في فتح أبواب الاجتهاد وتقنين أحكام الشريعة على ضوء المستجدات الضاغطة من ناحية, ولضرورة تطوير مؤسسات النظام السياسي الراهن من فاجعة قادمة, وليس الكتاب النفيس الذي بين أيدينا سوى واحد من هذه الجهود الفكرية والاجتهادات العلمية الهادفة إلى البحث بموضوعية عن المميزات الأساسية لنظام الشورى الإسلامي. ومن عنوان الكتاب يتبين مضمونه: (الشورى في الشريعة الإسلامية دراسة مقارنة بالديمقراطية والنظم القانونية) , وهو لصاحب الفضيلة القاضي العلامة حسين بن محمد المهدي, الذي أثرى المكتبة القضائية بكتبه وبأبحاثه وأرائه العلمية السديدة. وأعترف أنني أفدت من هذا الكتاب كثيراً وتجلت لي بوضوح قدرة عالمنا الجليل على أن يضعنا في إطار رؤية فكرية جادة تضاف إلى عدد من الرؤى التي تقف بإجلال إزاء ما استطاع العطاء الإسلامي الحضاري الإنساني أن يقدمه في النظر السياسي ليس إلى إصلاح أحوال المسلمين فحسب؛ بل وإلى إصلاح أحوال من يشاركهم الحياة على هذا الكوكب الأرضي من المخالفين لهم في الرأي وفي الاعتقاد. لقد كانت الإنسانية -في الشرق القديم والغرب القديم- قبل ظهور الإسلام تخضع على السواء لأنظمة قاهرة ومدمرة لروح الإنسان وأسلوب حياته, ولا تزال كثير من الشعوب -حتى اليوم- تخضع لأنظمة لا تقل قهراً وطغياناً رغم الشعارات واليافطات

стр. 5

البراقة وما تحمله من مضامين خاوية على عروشها, في حين كان الإسلام -وهو عقيدة وشريعة- قد نجح بوسطيته وعمق رؤيته في وضع جوهر ما تبحث عنه البشرية من تحقيق للعدل والحرية والكرامة, والخلاص من الاستبداد والقهر السياسي من خلال نظام الشورى الذي يضمن حق كل مواطن في أن يكون له رأيه في من يحكمه أو يتولى أمره (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) , والآية واضحة جلية المعنى, لا تحتاج إلى تفسيرات فضفاضة أو ضيقة, وهي تخص كل مسلم دون استثناء, وتجعل حق الشورى للجميع دون استثناء أيضاً, ونظامها يختلف عن النظم السياسية السائدة في بعض الشعوب التي توصف بالديمقراطية. إن استلهام الحل الجوهري الكامن في الآية الكريمة (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) تحدد باختصار وبلا تفاصيل مملة الصورة المثلى لنظام الحكم. وإذا كانت الشورى بهذا المفهوم العام الشامل قد عانت من الإهمال في عصور, وتم تعسف مفهومها في عصور أخرى, فإن المجتمعات الإسلامية الجديدة بعد أن اصطدمت بالنظم السياسية المعاصرة قادرة على أن تستخلص ما يحقق لها أقصى معاني العدل والحرية دون أن تتجنب الإفادة من الإيجابيات المتوفرة في النظام السياسي الحديث أو أن تقع في سلبياته التي جعلت العالم كله يتحدث عما يفعله أكثر من أربعين مليون أمريكي أسود في بلد الديمقراطية الأول غير أن يتفرجوا على صراع المؤسسات المالية النافذة وهي لعلها تتاجر بأصواتهم وبأصوات غيرهم دون أن يكون لهم رأي أو موقف. لقد انشغل السياسيون في العالم الإسلامي على مدى قرن ويزيد في الحديث عن المفهومات المتعارضة بين مصطلحي الشورى والديموقراطية, وسال حبر كثير, وتم استهلاك ما لا يحصى من الورق للتعبير المكرور والممل عن ذلك التعارض, وغاب عن الجميع الاسترشاد بما وصل إليه علماؤنا المجتهدون المستنيرون وما وضعوه من حلول مستخلصة من جوهر المعاني لا من ظاهرها, ومن الغاية المؤدية إلى سعادة البشر وسلامة نهجهم الواقعي الحقيقي في العلاقة بين الحاكم والمحكوم, بين نظام الحكم ومؤسساته والمجتمع الذي يعطيه ولاءه ويعترف بمشروعيته.

стр. 6

وهذا البحث الشامل الكامل (الشورى في الشريعة الإسلامية دراسة مقارنة) شاهد على ما بذله العلماء من جهود مخلصة في هذا السبيل لم توضع موضع التنفيذ ولم تجد طريقها إلى أصحاب الحل والعقد الذين وضعتهم الظروف العالمية الراهنة خارج القدرة على الحل والعقد والإفادة من كل ما توصل إليه المتخصصون من علماء الفقه الإسلامي وعلماء الفقه الدستوري, وهم والحمد لله على درجة عالية من الإخلاص والدراية, ومعرفة ما يصلح للأمة وما لا يصلح لها في حاضرها المضطرب والمصحوب بركام هائل من الحيرة. أخيراً, ليسمح لي القارئ بأن أتقدم بخالص التقدير والامتنان لصاحب الفضيلة القاضي العلامة حسين بن محمد المهدي, على حسن ظنه بي ومنحي فرصة السبق في الإطلاع على مؤلفه النفيس وتصديره بهذه الكلمات المتواضعة. سائلاً من المولى العزيز أن تكون أعمالنا كلها خالصةً لوجه الكريم. والله ولي التوفيق. كلية الآداب - جامعة صنعاء ٧/ ٤/٢٠٠٧م

стр. 7

تمهيد: الحمد لله المتفرد بالقدرة والكمال، وصلى الله وسلم على من ابتعثه الله بالحكمة ونعته بالرحمة وهي من أشرف الخلال، فقال جل شأنه: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (١). وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٢) وعلى آله وأصحابه والتابعين. وبعد: فإن للشورى أهمية كبيرة في حياة الأمم والشعوب، وإن أي نظام أو تنظيم ينشد الخير والفلاح ويبحث عن العدالة والمساواة ويتوق إلى العزة والكرامة، ويحب أن يسود الأمن والاستقرار والرخاء، ويرغب في منع الظلم والتسلط والاستبداد، لا بد أن تكون الشورى سمته ومنهجه، لأن بالشورى تكتشف الحقائق وينجلي العمى ويستنبط الصواب ويصح الرأي وتتضافر الجهود وتتوزع المسؤولية وتقوى شوكة الأمة، ما ذلك إلا لأنه بالشورى تنبعث عوامل الألفة والمودة والمحبة والتعاون والتناصح، وتتشابك الأيدي لحل المعضلات، وبالشورى يصل الإنسان إلى ما يصبو إليه من عزة وفلاح وسعادة ونجاح في أمور الدنيا والآخرة. وبالشورى تبنى المجتمعات الفاضلة والدول القوية، وبالشورى يحصل النصر وتستمال القلوب، ويتعاون أهل الشورى من أجل بناء الأوطان وعمارة الأرض وإرضاء الرب. والشورى هي من أهم خصائص الأمة الإسلامية والشرائع الربانية، فهي من صفات المؤمنين الموحدين الذين استجابوا لله رب العالمين، قال تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَأهم يُنْفِقُونَ) (٣) ولأهمية الشورى جاء ذكرها في هذه الآية بين الصلاة والزكاة، فقد وصف الله المؤمنين بأنهم الذين استجابوا

стр. 8

لربهم وأقاموا الصلاة وأدوا الزكاة وكان منهج الشورى هو منهجهم. وقد قال بعض الباحثين إن سياق النص قد نبه عليه بعض المؤصلين والبلاغيين من حيث أن لفظ وجملة (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) جاءت متوسطة بين الصلاة والزكاة لتدل بتنبيه عبارة النص وإشارته على ضرورة مداومتها بما يشبه الصلاة والزكاة , وعموم خطاب الآية الكريمة هو من الوجوب الشمولي في الأمة. فمفهوم الأمر جاء بطبيعة الخبر والمدح وهو أعظم من الأمر الصريح عند البيانيين من علماء اللغة الذين قرروا أن طرق الأمر الحتمي في اللغة تصل إلى ثمانية وعشرين وجهاً. ويتبين أيضاً من هذه الآية الكريمة أن الإسلام ليس حصراً على الصلاة والزكاة وإن كانا من أركانه، لأن من استجاب لله وجب عليه أن يتخذ الشورى منهجاً، فكما لا يجوز له إهمال الصلاة وتركها فإنه لا يجوز له إهمال الشورى وتركها، وبهذا يتضح أن الإسلام دين اجتماعي سمح، ليس فيه سلطة قاهرة تكبت الحريات وتمنع حق إبداء الرأي، وإنما هو دين يدعو إلى الشورى والنظر المشترك في الأمور الهامة وفي كل ما ينصلح به أحوال الإنسانية أفراداً وجماعات، وفي كل أمر تحصل به العزة للمسلمين والسعادة للموحدين، فالشورى قاعدة من قواعد الشريعة وخُلق من أخلاق المؤمنين، ونظام الشورى هو أفضل نظام يمنع من التسلط والاستبداد ويبعث على المحبة والتواد، ولهذا امتدح الله المؤمنين الذين جعلوا المشورة قانوناً لهم في أعمالهم كما هو صريح آية الشورى سالفة البيان، وفي الحديث: (ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم) (١). ولما للشورى من أهمية كبيرة في حياة الأمة فقد أمر الله نبيه ﵌ بمشاورة المؤمنين، وهو الذي يمتاز بكماله الروحي لاتصاله بالوحي الرباني، ومع ذلك فإن الله خاطبه بقوله: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمرِ) (٢). فإذا كانت

стр. 9

الشورى في حقه ﵌ واجبة، فهي من باب أولى واجبة في حق غيره، فالله عليم حكيم بما يصلح أحوال الناس، وقد علم أن شواغل الحياة وأمور التعامل بين الناس واختلاف أحوالهم وتنوع المعارف، كل ذلك لا يخلو من مشكلة تفرزها طبيعة الحياة التي فطر الله الناس عليها، وحلها ضرورة لا بد منها. فإن كان ذلك لمصلحة فرد فربما استعصى الحل عليه بمفرده، فكان لا بد من إشراك غيره من أهل الخبرة والإختصاص في حلها وأن يشاركه في الرأي ليكون الحل قد جاء على الوجه المطلوب وتعرف على صوابه , وإن كان الأمر متعلقاً بمصلحة عامة، وجب أن لا تحل بالاستبداد في الرأي حتى لا تتعرض المصلحة العامة لأي خطءٍ ولا تضيع حقوق ومصالح الأمة، وكان من الضرورة أن يصار في ذلك إلى مشاركة ذوي العقول الراجحة من ذوي الخبرة والإختصاص ليتناولوها ببصيرة ويجال الرأي فيها عن علم ودراية، لتكون النتيجة سليمة وصائبة، ولذلك ندب الشارع إلى الشورى في تدبير الأمور وتوخي المصالح، لتكون إلى الصواب أقرب وعن الزلل أبعد، ويكون النجاح مضموناً في الغالب الأعم في تحقيق مصالح الأمة، وفي ذلك ما يكفي للتدليل على أهمية الشورى، مما يدعو إلى الأخذ بها ليكون الإنسان قد استجاب لله وأمن الوقوع في المهالك, وقد جاء في العقد الفريد: الرأي كالليل مسوداً جوانبه ... والليل لا ينجلي إلا بإصباح فاضمم مصابيح أراء الرجال إلى ... مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح (١) فالشورى في حقيقة الأمر تعني توزيع المسؤولية حتى لا تقع على كاهل فرد واحد، فالجميع يتقاسمون المسؤولية، فلا يتلاوم الناس فيما بينهم ويتنافرون ويتشاجرون، ولا يرمي أحد بالنتيجة على الآخر , وإن كانت النتيجة سيئة، والشورى تعتبر مع ذلك خير وسيلة تدرب المستشار على المساهمة في الحكم والإدارة وتشركه فيه، وبها الوصول للرأي المحمود الذي ينصلح به حال الأمة وتحل به مشاكلها. وقد جاء في العقد الفريد أن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ذكر في المشورة سبع خصال: استنباط الصواب،

стр. 10

واكتساب الرأي، والتحصن من السقطة، والتحرز من الملامة، والنجاة من الندامة، وإلفة القلوب، واتباع الأثر (١). وجاء في جواهر الأدب أن بيهس الكلبي قال: عقل الفتى ليس يغني عن مشاورةٍ ... كحدة السيف لا تغني عن البطل إن المشاور إما صائبٌ غرضاً ... أو مخطئٌ غير منسوبٍ إلى الخطل (٢) وقد أثر عن الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ قوله: لا خير في أمر أبرم من غير مشورة. ولهذا يقال: الخطأ مع المشورة أصلح من الصواب مع الإنفراد والاستبداد. وقد نقل صاحب العقد الفريد - في الشورى - أقوالاً مشهورة، وحكماً مأثورة نلخصها فيما يأتي: ١) لا معين أقوى من المشورة ولا عون أنفع من العقل. فالمشورة تقوي العزم وتمنح النجاح وتوضح الحق وتبسط العذر وتزحزح عن مواقف الندامة، والعقل يهدي صاحبه إلى الأخذ بثمرة المشورة. ٢) من استشار ذوي الرأي والمعرفة في فعل ما عناه فقبل المشورة منهم واقتدى بآرائهم فيها ولم يعدل عنها وعن قويم نهجها قل أن يخفق مسعاه ويفوت مطلوبه، فإن أعجزه القدر فهو معذور غير ملوم. ٣) من ترك المشورة وعدل عنها، فلم يظفر بحاجته صار هدفاً لسهام الملام ومضغة في أفواه العاذلين. ٤) من فضل المشورة أنها تكشف لك طباع الرجال. فمتى طلبت اختبار رجل فشاوره في أمرٍ من الأمور يظهر لك من رأيه وفكره وعدله وجوره وخيره وشره مكانته. ٥) من أكثر الاستشارة لم يعدم عند الإصابة مادحاً وعند الخطأ عاذراً (٣) قال الراغب الأصفهاني: قيل إن الأحمق من قطعه العُجب عن الاستشارة، والاستبداد عن الاستخارة، فالرأي الواحد كالسجيل، والرأيان كالخيطين، والثلاثة إصرار لا ينقض. (٤)

стр. 11

وصحيح ما ذهب إليه الراغب، فإن رأيين خير من واحد، وقديماً قيل: ورأيان خير من واحد، ورأي الثلاثة لا ينقض، ولذا يقال: من أُعِجبَ برأيه ضل، ونقل القرطبي عن الحسن البصري والضحاك أنهما قالا: ما أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل، ولتقتدي به أمته بعده، ولقد أحسن القائل: شاور صديقك في الخفي المشكل ... واقبل نصيحة ناصح متفضل فالله قد أوصى بذاك نبيه ... في قوله (شاورهم) و (توكل) (١) فالشاعر يدعو في هذين البيتين إلى المشاورة وحسن اختيار المستشار، وقد جاء لأحد الشعراء قوله: وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيباً ولا تعصه (٢) وقال القرطبي: الشورى بركة، وروى سهل بن سعد الساعدي عن رسول الله ﵌ (ما شقي قط عبد بمشورة، وما سعد باستغناء رأي) (٣) وفي الحديث (ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار) (٤). قال العجلوني: رواه الطبراني في الصغير، والقضاعي عن أنس، وفي سنده ضعيف، وما أحسن ما قيل: شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوماً وإن كنت من أهل المشورات فالعين تلقى كفاحاً من نآى ودنى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآت وقال النجم: روى ابن أبي الدنيا في العقل عن زائدة. قال: إنما نعيش بعقل غيرنا - يعني المشاورة، ولبعضهم: الناس ثلاثة: فواحد كالغذاء لا يستغنى عنه، وواحد كالدواء يحتاج إليه في بعض الأوقات، وواحد كالداء لا يحتاج إليه أبداً.

стр. 12

وللخطيب في تلخيص المتشابه - عن قتادة - قال: الرجال ثلاثة: رجل ونصف رجل ولا شيء، فأما الذي هو رجل: فرجل له عقل ورأي يعمل به وهو يشاور. وأما الذي هو نصف رجل: فرجل له عقل ورأي يعمل به وهو لا يشاور. وأما الذي هو لا شيء: فرجل له عقل وليس له رأي يعمل به وهو لا يشاور. قال النجم: وقلت: ليس من عاش بعقله ... مثل من عاش بفضله إنما الفضل ما انضم ... حجى الناس بعقله وكذا الجاهل من لم ... يرفي الناس كمثله نفسه يبصرها كا ... ملة من فرط جهله (١) وصحيح ما ذكره النجم - فإنك إن شاورت مجرباً للأمور، فإنه يعطيك من رأيه ما يقع عليه غالياً وأنت تأخذه مجاناً، فيكون من الحمق ترك المشاورة. أما الدكتور محمد عبدالقادر أبو فارس - فيقول عن الشورى أنها مدرسة تربوية للأمة تظهر من خلالها شخصيتها وتحقق ذاتها وهي سبب من أسباب النصر على أعدائها, حقق المسلمون بها انتصاراتهم على أعدائهم وأضحوا سادة الأمم بعد أن كانوا رعاة الشاء والغنم. (٢) قلت: وليس ذلك فحسب وإنما حققوا بها العدالة وحصل لهم بها المودة والألفة وقد أحسن بشار بن برد في قوله: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي لبيب أو نصيحة حازم ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... فريش الخوافي تابع للقوادم (٣) وقال أخر: خليلي ليس الرأي في صدر واحد ... أشيرا علي اليوم ما تراياني (٤)

стр. 13

وفي الأثر: ما سعد أحد برأيه ولا شقي عن مشورة غيره. وإذا كانت الشورى من الأهمية بذاك المكان، فإنها ليست قصراً على شؤون الحكم والسياسة، وإنما تشمل كل ما لم يرد فيه نص قطعي من الأمور العامة والخاصة وكل ما فيه صلاح للأمة والأسرة. وكل ما فيه رعاية مصلحة أو دفع مفسدة، فقد أرشد القرآن الكريم إلى التشاور في ذلك حتى في فطام الرضيع وفصله عن ثدي أمه، قال تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ) (١). وهكذا نجد الشورى مهمة في بناء الأسرة والمجتمع والدولة.

стр. 14

خطتنا في هذا البحث: لما كانت الشورى بهذا المكان من الأهمية فقد استجبنا لطلب الكتابة حول هذا الموضوع، وكانت خطتنا في ذلك على النحو التالي: تناولنا بحث هذا الموضوع (الشورى) في ثلاثة فصول: الفصل الأول: وفيه لمحة تاريخية عن الشورى في حياة الأمم. الفصل الثاني: اشتمل على مبحثين، خصصنا المبحث الأول للتعريف بالشورى لغة واصطلاحاً، وفي المبحث الثاني أتينا ببيان مشروعية الشورى. الفصل الثالث: وفيه أوردنا الشورى في الأمور العامة، وتناولنا ذلك في عدة مباحث: المبحث الأول: خصصناه لبيان الشورى في التشريع. المبحث الثاني: أوردنا فيه بيان الشورى في الوظائف العامة. المبحث الثالث: بينّا فيه الشورى في القضاء والحكم. المبحث الرابع: وفيه أوردنا الشورى في الحرب. المبحث الخامس: وفيه بيان من هم أهل الشورى في ذلك؟ المبحث السادس: أوضحنا فيه الكيفية التي تتم بها الشورى. المبحث السابع: بينّا فيه نتيجة الشورى ومدى إلزامية ذلك. الفصل الرابع: خصوصية الشورى وأهمية تعليمها. المبحث الأول: خصوصية الشورى ومنفعتها في الأسرة والمجتمع. المبحث الثاني: تعليم الشورى واتخاذها منهجاً تعليمياً.

стр. 15

الفصل الأول لمحة تاريخية عن الشورى لمحة تاريخية وجيزة عن الشورى في حياة الأمم إنه من المعلوم لكل العقلاء أن تداول الرأي في كل أمر يترتب عليه إصلاح شؤون الأمة أفراداً وجماعات في شتى مجالات الحياة وعلى مختلف الأصعدة السياسية والثقافية والصحية والاقتصادية والعسكرية ... إلخ. ضرورة لا بد منها, ذلك لأن الناس يعيشون في بيئات مختلفة ويكتسبون بمقتضى ذلك خبرات متنوعة ويحملون مواهب متعددة بأفهام متباينة فالإنسان لا يستغني بنفسه عن غيره خاصة في الأمور الهامة والعامة والتي لا بد فيها من الاستفادة من قرائح ومعارف ومهارات, ولكل عقل ميزة, ومن طبيعة الشورى أن تتعدد فيها الآراء وتجول فيها الأفكار ويستفاد من عقول الناس وتجربتهم وخبرتهم صواب الرأي وسداده, وتداول الرأي في الحوادث مارسته شعوب منذ أقدم العصور فمارسه العرب والفرس والمصريون والهنود والرومان، ومارسه الملوك الفراعنة ومارسها الصينيون كما يشير الحكيم الصيني (صون توزور) منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد إلى التشاور والتباحث فيقول: (فعندما يجري التجنيد العسكري لتأديب العابثين بحرمة البلد والأمة فإن أهل الحل والربط في ساعات البت العسكري لحاجة الدفاع أو حاجة الردع للعدو يجتمعون في المعبد الديني من أجل التشاور والبحث في صلاح الحكم القائم في البلد أو عدم صلاحه, ومدى ثقة الأمة بذلك العهد الحاكم, ثم يجري بحث أحوال الطقس وتقلباته في ذلك الفصل من مواسم السنة ثم يبحثون طبيعة الأرض وميادين القتال, وبعد مذاكرة هذه العوامل الثلاثة مذاكرة ودراسة وافية يجري اختيار القائد العسكري للحملة ومسؤولية الهجوم أو الردع. (١) وقد استعملت عبارة أهل الحل والربط وهو ما يترادف مع أهل الحل والعقد في الإسلام, ثم تعيين مكان الاجتماع, وإنه المعبد ثم وضع جدول العمل وموضوعات

стр. 16

البحث, ثم أول ما يجري فيه التشاور صلاح الحكم أو عدم صلاحه وهذا أساس في مواجهة الأعداء فإن الحكم الفاسد غير قادر على الصمود في الحرب, ثم بحث الزمان وجو المعركة وجو الطقس وتقلباته, ثم صلاح ميادين المعركة أي طبيعة الأرض وميادين القتال, ثم اختيار القائد المناسب الجدير بالقيادة بسبب كفاءته (١). وقد نقل القرآن الكريم بعض نماذج عن أخذ الرأي, من ذلك قصة ملكة سبأ عندما وصلها كتاب من سليمان ﵇ وما حكى الله عنها حينما ألقى الهدهد كتاب سليمان إليها في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ*) (٢) , وكتاب سليمان ﵇ واضح الدلالة في الدعوة إلى عبادة الله والإذعان للحق بالوحدانية والربوبية وإلى الطاعة والإسلام, وأن بلقيس دعت الملأ من قومها, وهم أشراف الناس من قومها ووجوه القوم وأهل الرأي, ذكر ذلك ابن جرير وغيره من أئمة التفسير (٣) , وهذه القصة تفيد وجود التشاور بين الحاكم والمحكومين في العصور القديمة فقد أبانت الآية أن ملكة سبأ كانت هي وقومها وثنيون يعبدون الشمس, ولكنها مع ذلك بادرت إلى الاستشارة ولم تستفرد بالرأي دونهم, دل على ذلك ما حكاه الله عنها حيث تقول: (مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) ونقل القرطبي عن قتادة قوله: ذُكر لنا أنه كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً وهم أهل مشاورتها كل رجل منهم على عشرة آلاف (٤). كما نقل القرآن مشاورة ملك مصر في شأن رؤيا رآها فقال: (يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) (٥) , وقد طلب الملك الرأي من الملأ في تفسير هذه الرؤيا لكونها متعلقة بمصير الأمة. وهناك نموذج آخر حكاه القرآن الكريم عن فرعون حينما جاءه موسى يدعوه إلى توحيد الله (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) (٦) والآية واضحة الدلالة في طلب الرأي من قبل الملأ غير أن ما يلاحظ عليه هو أن فرعون كان لديه نزعة استبدادية إذ أنه أبدى لهم رأيه في شأن موسى وأنه ساحر وأن موسى يريد أن يخرجهم من أرضهم بسحره فكأنه حرضهم عليه, ومع ذلك فقد كان في جواب قوم فرعون ما يدل على استجابتهم لطلب المشورة وأخذ فرعون بها دل على ذلك ما حكاه الله تعالى في كتابه (قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ) (٧) والنص واضح الدلالة أن حث الناس على الاجتماع واتباع السحرة كان مشروطاً بفوزهم على موسى ﵇ بخلاف الملأ من قوم بلقيس فإنهم (قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) (٨). ولعل فرعون مع نزعته الاستبدادية أراد مشاركتهم الجادة في الوصول إلى ما يريده ليشاركوه في نتيجة ما تسفر عنه المناظرة التي ربما كان يخشى سلفاً انها قد لا تكون في صالحه تماماً, وكأن من طبيعة الجبابرة والمستبدين إملاء آرائهم والتحريض على الأخذ بها أو الاستعانة بالرأي على الأخذ بما ينزعون إليه، فطبيعة فرعون هي الاستعلاء والتجبر كما حكى الله عنه في أكثر من آية ففي سورة القصص حكى الله عنه إدعاء الألوهية بعد أن دعاه موسى إلى أن يتزكى ويدع إدعاء الألوهية (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (٩) مع أن موسى ﵇ دعاه إلى دين الحق وطالبه بأن يدين لإله يملك العالمين (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ

стр. 17

إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) (١) وهكذا نجد فرعون قد ادعى الألوهية وتنكر لموسى ﵇ وافتخر بعزة السلطان والملك الواسع فقال مباهياً مفتخراً (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) (٢) فكان من عاقبة استبداده إغراقه وجنوده في البحر (فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً) (٣) وآل الملك العظيم لغيره (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) (٤). وهناك أمثلة كثيرة حكاها الله في أخذ المستبدين كقصة النمرود وغيره, ولقد جاء الإسلام فأراد هدم الاستبداد السياسي من أساسه, فها هو رسول الله ﵌ يقول: (عرض علي أول ثلاثة يدخلون النار: أمير مسلط وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله فيه وفقير فخور) (٥) فالأول يمثل الاستبداد السياسي والثاني يمثل الطغيان المالي والثالث وهو الفقير الفخور يمثل خدم النظامين من الاتباع الذين يمشون في ركاب الكبراء والأغنياء المترفين إنهم صعاليك ولكنهم يفخرون بسادتهم الذين التحقوا بهم (٦) , ولو ذهبنا نتتبع الشورى في العصور القديمة لاحتجنا إلى مجلدات ولكننا نكتفي بهذه اللمحة لندلل أن الشورى كانت موجودة في الأمم السابقة, وأما الشورى الإسلامية وإن لم تكن ابتكاراً إسلامياً فهي أمر يزكيه القرآن ويأمر به كي تكون الشورى سبيلاً إلى معالجة أمور الدنيا وسياستها في ما لا نص فيه, سواء في نطاق الأسرة أو المجتمع, بين الحاكم والمحكومين وبين الناس بعضهم مع بعض, ولقد عرض القرآن الكريم لمعنى الشورى محبذاً أسلوبها ومزكياً نمط الحكم الملتزم بها, فكانت الشورى هي المصطلح الذي أوجز أغلب مفكري الأمة الإسلامية تحته فلسفة الحكم كما رآها الإسلام وارتضاها المسلمون منذ ظهور الإسلام وقيام الدولة العربية الأولى ومنذ نشأة التيارات الفكرية السياسية الإسلامية, وإلى فلسفة الشورى انحازت كذلك السنة النبوية فعبرت الأحاديث النبوية عن تحبيذها وامتداحها كما سيأتي بيان ذلك.

стр. 18

وأخيراً فإن الفكر الإسلامي عني بالشورى وتطبيقات المسلمين المحدودة لفلسفتها وذلك ما يفتح باب الاجتهاد واسعاً أمام الأساليب والأشكال المنظمة لعملية التشاور, والأمل معقود على الحاضر والمستقبل لتحقيق الازدهار, للشورى فلسفة وسلوكاً في الشؤون الخاصة والعامة في جميع البلدان الإسلامية بما يحقق للأمة مصلحتها ويكفل لها نهضتها وازدهارها حتى تأخذ مكانها بين الأمم وتؤدي الرسالة المناطة بها, وسيجد المتتبع لما سنأتي عليه في دراستنا عن الشورى ما يحث الأمة على العمل بالشورى وإحياء هذه الفريضة الربانية والسنة النبوية وأداء هذه الأمانة العظيمة ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.

стр. 19

الفصل الثاني تعريف الشورى وبيان مشروعيتها المبحث الأول: تعريف الشورى ? أولاً تعريف الشورى لغة: الشورى هي الأمر الذي يُتشاور فيه، قال الراغب: التشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم: شرت العسل إذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه، وشرت العسل وأشرته: أخرجته (١) , وفي اللسان: عن ثعلب: أن شار الدابة يشورها شوراً وشِواراً وشوّرها وأشارها، كل ذلك: راضها أو ركبها عند العرض على مشتريها، وقيل: عرضها للبيع، وقيل: بلاها ينظر ما عندها، وقيل: قلبها، والتشوير: أن تشور الدابة تنظر كيف مشوارها أي كيف سيرتها، وفي حديث أبي بكر ﵁ أنه ركب فرساً يشوره أي يعرضه، ومنه حديث طلحة ﵁ أنه كان يشور نفسه بين يدي رسول الله ﵌ أي يعرضها على القتل، والقتل في سبيل الله، بيع النفس، وقيل: يشور نفسه أي يسعى ويخفف - يظهر بذلك قوته. (٢) ويظهر من ذلك أن الشورى مشتقة من الفعل "شوَرَ" ولمشتقاته عدة معان فمنها ما سلف ذكره، ومنها: استخراج الرأي وتقليبه، قال ابن منظور: الشورى والمشورة - بضم الشين - مفعلة ولا تكون مفعولة، لأنها مصدر، والمصادر لا تجيء على مثال - مفعولة - وإن جاءت على مثال - مفعول - وكذلك المشورة، وتقول منه: شاورته في الأمر واستشرته - بمعنى - وفلان خير شيِّر، أي يصلح للمشاورة، وشاوره مشاورة وشواراً واستشارة: طلب منه المشورة، وأشار الرجل يشير إشارة: إذا أومأ بيده، ويقال: شورت إليه بيدي وأشرت إليه، أي لوحت إليه وألحت - أيضاً، وأشار إليه باليد: أومأ، وأشار عليه بالرأي، وأشار يشير - إذا ماوجه الرأي، ويقال: فلان جيد المشورة.

стр. 20

والمشورة - لغتان - قال الفراء: المشورة أصلها مشْوَرة، ثم نقلت إلى مَشُورة لخفتها، وقال الليث: المشورة: مفعلة - اشتق من الإشارة، ويقال: مَشُورة، وقال أبو سعيد: يقال: فلان وزير فلان وشيِّره، أي مشاوره، وجمعه: شُوَرَاءُ. (١) ويستفاد من ذلك أن الشورى في اللغة تعني: تقليب الرأي وإظهاره، ومن خلال تلك المعاني يمكننا تعريف الشورى اصطلاحاً بالآتي: ? ثانياً: تعريف الشورى اصطلاحاً: الشورى: اصطلاحاً طلب الرأي من أهله، وإجالة النظر فيه، وصولاً إلى الرأي الموافق للصواب. وقد عرفها الباحثون بتعاريف عدة ومنها تعريف الدكتور محمد عبدالقادر أبو فارس، إذ يقول: الشورى: تعني تقليب الآراء المختلفة ووجهات النظر المطروحة في قضية من القضايا واختبارها من أصحاب العقول والأفهام حتى يتوصل إلى الصواب منها أو إلى أصوبها وأحسنها ليعمل به لكي تتحقق أحسن النتائج. (٢) أما الشيخ أحمد محيي الدين العجوز - فعرفها بقوله: الشورى: هي تبادل الآراء في أمر من الأمور لمعرفة أصوبها وأصلحها لأجل اعتماده والعمل به. (٣) وعرفت الشورى بأنها: استنباط المرء رأياً فيما يعرض له من الأمور والمشكلات, وهذا التعريف يدخل فيه التشاور في كل ما يعرض من المشاكل بين الأسرة، كما في حق فطام الطفل الرضيع إذ يقول الله تعالى: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) (٤) , ويستفاد من النص ضرورة التشاور (٥).

стр. 21

وعرّف الشورى الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد بأنها: تبادل الرأي بين المتشاورين من أجل استخلاص الصواب من الرأي, والأنجع من الحلول, والسديد من القرارات (١) وعرفها الدكتور هاني الطعيمات قائلاً: الشورى استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في أمر من الأمور العامة المتعلقة بها بهدف التوصل فيها إلى الرأي الأقرب إلى الصواب الموافق لأحكام الشرع تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب في موضوعه. (٢) وهذا التعريف من أدق التعاريف فيما يتعلق بالشورى العامة، وهناك من الباحثين من أضفى على الشورى وصف الإيمانية ثم عرفها بناءً على ذلك فقال: الشورى الإيمانية: هي التعاون في تبادل الرأي ومداولته في أمر من أمور المؤمن أو الجماعة المؤمنة أو الأمة المؤمنة على نهج أو أسلوب وأسس وقواعدَ تحقق أهدافاً وغايات تجتمع كلها لتبحث عن الحق أو ما هو أقرب إليه طاعة وعبادة، ويكون النهج والأسلوب والقواعد والأهداف والغايات كلها ربانية يحددها منهاج الله. (٣) وهذه التعاريف تدور كلها حول استنباط الرأي واستخراجه من أجل تحقيق هذه الغاية التي تحقق للأمة المؤمنة ما ينصلح به حالها ويستقيم به نظام الفرد والمجتمع والدولة، فالشورى ليست إلا جزءاً من منهاج الله الذي لا تستقيم أمور الناس بدونه، والذي جاء ليعالج واقع الإنسانية في شتى مجالات الحياة، وبممارسة الشورى يكون الإنسان قد أدى مسؤوليته وأمانته التي يحاسب عليها في الدنيا والآخرة، ومن العلماء من يرى أن الشورى تكون عامة في كل رأي والمشورة تكون خاصة في الرأي الملزم، وأن هناك فرقاً بين الشورى والمشورة، وفي ذلك يقول الدكتور محمود الخالدي: إذا ما نظرنا بدقة في

стр. 22

النصوص التفصيلية الواردة في الشورى نجد أن مدلول كلمة الشورى يختلف عن مدلول كلمة المشورة إذ تعني الشورى أخذ الرأي مطلقاً، ما كان ملزماً لرئيس الدولة وما لم يكن ملزماً, سواءً الذي يرجح فيه قوة الدليل كالأمور التشريعية وما يرجح فيه جانب الصواب كالأمور الفنية والفكرية فجاء التعبير فيها عاماً في كل الأمور. أما المشورة فإنها وردت في النصوص على أنها أخذ الرأي الملزم لرئيس الدولة فقط، والدليل على أن المشورة أخص من الشورى وأنها أخذ الرأي الملزم فقط عدة أمور: أولاً: وردت كلمة المشورة في الحديث للدلالة على أخذ الرأي الملزم فقط وذلك في قوله ﵌ لأبي بكر وعمر ﵄: (وأيم الله لو أنكما تتفقان لي على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة أبداً)، وفي لفظ: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما) (١) فقد اقترنت كلمة المشورة بصفة الإلزام والصيغة تفيد ذلك، وهذا واضح في قوله ﵌ (ما خالفتكما) (ما عصيتكما)، ومن مناسبة الحديث يتضح أن المشورة لا تكون إلا في أخذ الرأي على سبيل الإلزام لأنه رأي يرشد إلى عمل من الأعمال من أجل القيام به، وما كان كذلك كان ملزماً لأن الترجيح إنما يكون لرأي الأغلبية فتكون المشورة أخص من الشورى لأنها في الرأي الملزم فقط. ثانياً: إن كلمة المشورة الواردة في الحديث وإن كانت اسم جنس ولكنها لا تدل على العموم لأن اسم الجنس حتى يدل على العموم لا بد أن يقترن بأل أو يضاف، فإذا لم يقترن بأل ولم يضف فلا يدل على العموم، وهي وإن كانت نكرة ولكنها لا تدل على العموم لأن النكرة لا تدل على العموم إلا إذا اقترنت بنفي فالنكرة في سياق النفي تعم أما في الإثبات فليست من ألفاظ العموم، فلا يكون الدليل عاماً في كل شورى فيكون الحديث نصاً في موضوع من موضوعات الشورى العامة، وهو الرأي الملزم ويرجح فيه جانب الأكثرية فقط، وكذلك ما قاله الخليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بعد إتمام بيعة الانعقاد للصديق أبي بكر ﵁: فلا يغرن امرأ أن يقول أن بيعة أبي

стр. 23

بكر ﵁ كانت فلتة فتمت، وأنها وإن كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر فمن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له هو، ولا الذي بايعه. (١) وقد ظل هذا الفهم الشرعي لواقع المشورة وأنها أخذ الرأي الملزم فقط عند المسلمين بعد ذلك فإن الخليفة عمر بن عبدالعزيز ﵀ لما ولي الخلافة خطب في المسلمين قائلاً: (أيها الناس ... إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي مني ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم) ومن يدقق في هذه النصوص يجد أن لفظ المشورة قد اقترن بالرأي الذي يرشد إلى عمل من أجل القيام به والذي لا بد أن يرجع فيه للمسلمين، وأن المرجح فيه إنما هو رأي الأغلبية، فانتخاب رئيس الدولة والقيام بعمل التاريخ الهجري، إنما ذلك من قبيل أخذ المشورة التي جرت يوم أحد, فهي أخذ الرأي على سبيل الإلزام، وقد درج العلماء في كتبهم على إطلاق لفظ المشورة على الشورى التي يكون الرأي من أجل القيام بعمل من الأعمال، أي على سبيل الإلزام, فقد وضع ابن هشام في السيرة عنواناً للشورى التي جرت يوم أحد (مشاورة الرسول القوم في الخروج أو البقاء (٢) , ونفس الأمر يفهم من عبارة الإمام الشافعي في قوله: (في المشاورة رضا الخصم والحجة عليه) (٣) , فقد جعل الحجة في المشورة ونص عليها ولم يقل في الشورى، وقد وضّح ذلك كثير من العلماء إذ أطلقوا لفظ المشورة على أخذ الرأي على سبيل الإلزام فقط فتكون الشورى عامة في كل رأي, والمشورة خاصة في الرأي الملزم الذي يجب على رئيس الدولة أن يلتزم به (٤). أما الديمقراطية فهي ما نأتي على بيانه.

стр. 24

الديمقراطية: الديمقراطية كلمة معربة عن اللغة اليونانية وأصل الكلمة فيها مكونة من لفظين: الأول (ديمو) ويعني الشعب، والثاني (كراتوس) ويعني السلطة أي سلطة الشعب، وبمعنى آخر فإن الديمقراطية بمفهومها الأساسي تعني حكم الشعب لنفسه دون أن تستأثر طبقة أو جماعة أو فرد بهذا الحكم ومن دون أن يصبح كل أفراد الشعب حكاماً، فيصبحوا بحاجة عندئذ إلى شعوب يحكمونها. (١) وبهذا التعريف تأتي الديمقراطية رديفة للشورى في بعض الوجوه من حيث إعطاء حق المشاركة للشعوب في صناعة القرار وإدارة شؤون الحكم، عدا أن الشورى نظام تميزت به الشريعة الإسلامية باعتباره جزءاً من العقيدة، بينما الديمقراطية نظام وضعي أي من وضع الإنسان فهي نظام سياسي إجتماعي غربي النشأة عرفه الغرب من الحقبة اليونانية ودخل عليه تطوير في الحضارة المعاصرة كما أنها تنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة من منطلق مبدء المساواة بين المواطنين، ومنح حق المشاركة في صنع التشريعات، وسن القوانين التي تنظم الحياة العامة وفق مبدء أن الشعب مصدر السلطات، فالسلطة في النظام الديموقراطي، هي للشعب بواسطة الشعب أما الشورى الإسلامية فهي صورة من صور المشاركة في الحكم تستمد جذورها من أصول الدين وجذوره، وهي من أهم المبادئ الشرعية التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام،بل إن بعض الباحثين يرى أن الشورى هي النظام السياسي ذاتة، وليس واحداً من مبادئه، أو قاعدة من قواعده، نظراً لما يترتب على الشورى في المنظور الإسلامي من بيان العلاقة بين الحاكم وأهل الشورى، والتزام الدولة بالقواعد المشروعة (٢).

стр. 25

المبحث الثاني: مشروعية الشورى في النظام الإسلامي الشورى في النظام الإسلامي منهج رباني وليست من نافلة القول، فقد أعلمنا الحق ﵎ أن الشورى في النظام الإسلامي دين يجب الأخذ به، فقال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (١). ١ - ذكر القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية عن العلماء أن الله أمر نبيه ﵌ بهذه الأوامر التي هي تدريج بليغ، وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم فيما له في خاصته عليهم من تبعه، فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة أيضاً، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلاً للاستشارة في الأمور. ... ونقل عن ابن عطية أن الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين، فعزله واجب. هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (٢). ... وقال: في قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) أنه يدل على جواز الاجتهاد في الأمور، قال: والشورى مبنية على اختلاف الآراء والمستشير ينظر في ذلك الخلاف وينظر أقربها قولاً إلى الكتاب والسنة إن أمكنه، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه، وأنفذه متوكلاً عليه، إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب، وبهذا أمر الله نبيه في هذه الآية. (٣)

стр. 26

٢ - وذكر ابن كثير ﵀ في معنى قوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: (إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض). حديث غريب، قال: ولهذا قال تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) قال: ولذلك كان رسول الله ﵌ يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث تطييباً لقلوبهم ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه كما شاورهم في بدر وأحد والحديبية، وكان يشاورهم في الحروب ونحوها قال: وقد اختلف الفقهاء هل كان ذلك واجباً عليه أو من باب الندب تطييباً لقلوبهم على قولين ... الخ (١). ٣ - وقال الماوردي ﵀ في معنى قوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) قال: في أمره بالمشاورة أربعة أقاويل: ... أحدها: أنه أمره بمشاورتهم في الحرب ليستقر له الرأي الصحيح فيه، قال الحسن: ما شاور قوم قط إلا هُدوا لأرشد أمورهم. ... والثاني: أنه أمره بمشاورتهم تأليفاً لهم وتطييباً لأنفسهم، وهذا قول قتادة والربيع. والثالث: أنه أمره بمشاورتهم لما علم فيها من الفضل ولتتأسى أمته بذلك بعده ﵌، وهذا قول الضحاك. ... والرابع: أنه أمره بمشاورتهم ليستبين به المسلمون ويتبعه فيه المؤمنون، وإن كان عن مشاورتهم غنياً. (٢)

стр. 27

٤ - وقال الزمخشري ﵀ في قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) يعني أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحي لتستظهر برأيهم ولما فيه من تطييب نفوسهم والرفع من أقدارهم، وعن الحسن ﵁ قال: علمه الله سبحانه أنه ما به إليهم من حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده (١) , وعن النبي ﵌: (ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم) (٢) , وعن أبي هريرة ﵁ قال: (ما رأيت أحداً أكثر مشاورة من الرسول ﵌ لأصحابه). (٣) وقيل: كان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم، فأمر الله رسوله بمشاورة أصحابه لئلا يثقل عليهم استبداده بالرأي دونهم. (٤) ... قلت: والظاهر من النص وجوب المشاورة فيما لم يرد فيه نص. ٥ - وذكر الزمخشري أيضاً في تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ) (الشورى:٣٨) أنها نزلت في الأنصار دعأهم الله للإيمان به وطاعته فاستجابوا له بأن آمنوا به وأطاعوه وأقاموا الصلاة وأتموا الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام وقبل مقدم الرسول ﵌ المدينة إذا كان بهم أمر اجتمعوا وتشاوروا فأثنى الله عليهم أي لا ينفردون برأيهم حتى يجتمعوا عليه، وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم. قال: والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور، ومعنى قوله: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: من الآية٣٨) أي ذو شورى. (٥) ٦ - وذكر أبو حيان في تفسير قوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) أمره تعالى بالعفو عنهم وذلك فيما كان خاصاً به من تبعات له عليهم وبالاستغفار

стр. 28

لهم فيما هو مختص بحق الله تعالى وبمشارتهم، وفيها فوائد: تطييب نفوسهم والرفع من مقدارهم بصفاء قلبه لهم حيث أهلهم للمشاورة وجعلهم خواص بعدما صدر منهم، وتشريع المشاورة لمن بعده والاستظهار برأيهم فيما لم ينزل فيه وحي، فقد يكون عندهم من أمور الدنيا ما ينتفع به واختبار عقولهم فينزلهم منازلهم واجتهادهم فيما فيه وجه الصلاح (١). وقال صاحب المنار (٢) في قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) والذي يستفاد من نصوص القرآن الكريم أن الإسلام دين يحض على الشورى ويأمر بها، فقد جاءت إحدى سور القرآن الكريم باسم الشورى وعدت الشورى فيها من صفات المؤمنين. كما أن الأمر للنبي ﵌ بمشاورة أصحابه جاء من عند الله من أجل تثبيت هذه القاعدة، لا لأنه محتاج لما يملونه عليه وهو الذي لا ينطق عن الهوى، ولكن من أجل ترسيخ هذا المبدء العظيم وترسيخ هذه القاعدة الشرعية، والسنة النبوية حافلة بالتطبيقات العملية لمبدء المشاورة مما يدل على مشروعية الشورى وبيان ذلك فيما يلي: ... فقد أقام النبي ﵌ الشورى في زمنه بحسب مقتضى الحال من حيث قلة المسلمين واجتماعهم معه في مسجد واحد في بداية زمن وجوب الهجرة التي انتهت بفتح مكة، فكان يستشير السواد الأعظم منهم وهم الذين معه ويخص منهم أهل الرأي والمكانة والوجاهة بالاستشارة في الأمور فاستشارهم يوم بدر لما علم بخروج قريش، وجاء في السيرة أنه استشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر وقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك فوالله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ولكن نقول اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد (٣) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله خيراً ودعا له. ثم قال: أشيروا علي أيها الناس - وإنما يريد الأنصار- وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوا بالعقبة قالوا: إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع به أنفسنا ونساءنا. فكان رسول الله يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليهم نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً إنا لصُبرٌ في الحرب صُدقٌ عند اللقاء لعل الله يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم. (٤) وهذه الصورة من صور استشارته ﵌ وهو المسدد بالوحي الموعود بالنصر. وفي صلح الحديبية: حينما مَنع رسولَ الله المشركون، خاطب أصحابه قائلاً: (أشيروا أيها الناس علي، أترون أن نميل على عيال وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟ أم تريدون أن نؤم البيت فمن صدنا قاتلناه؟) فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت، لا تريد قتل أحد ولا حرباً، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه. فقال النبي ﵌: (فامضوا على اسم الله تعالى) (٥) .. الخ ما ورد في القصة التي انتهت بالمصالحة، وسنأتي على بقيتها عند بيان الشورى في الحرب، واكتفينا هنا بما سقناه لغرض بيان مشروعية الشورى، ومنه ما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ﵁

стр. 29

قال: (ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﵌. (١) أي أن الرسول ﵌ كان يسير على المنهج الرباني في العمل بالشورى فيما لم يرد فيه نص، وهذا نهجه ومذهبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فمن أراد التأسي به وجب عليه الإتباع، وفي الحديث عن النبي ﵌ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) (٢) , بل إن النبي ﵌ قد جعل الشورى في الأمر دليلاً للخير والسعادة ففي صحيح الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: (إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاؤكم وأموركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من باطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاؤكم وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظاهرها). (٣) والظاهر أن نصوص القرآن والسنة يعضد بعضها بعضاً في الدلالة على مشروعية الشورى، وقد سبق حديث أنس بن مالك عند الطبراني (ما خاب من استخار ولا ندم من استشار) والحديث وإن كان في سنده ضعف إلا أن له شاهداً يقويه، وروى الطبراني أيضاً في الأوسط من حديث ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﵌: (من أراد أمراً فشاور فيه امرءاً مسلماً، وفقه الله لأرشد أموره) (٤) وأورد الزمخشري في الكشاف (ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم). وتعقبه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف فقال: غريب ولم أجده إلا من قول الحسن, وقال الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف: أعاده في تفسير سورة الشورى عن الحسن وهو المحفوظ، ومن طريقه أخرجه البخاري. (٥) ومجموع هذه الأحاديث دالة على مشروعية الشورى. ومما لا ريب فيه أنها أمانة يجب أن يرعاها المستشار والمستشير فهي من الأمانات التي يجب أن يرعاها المسلم, فقد ورد في السنة ما يدل على ذلك ومنه ما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵌ قال: (المستشار مؤتمن) (٦) , وهذا يؤكد أن الشورى مسؤولية وأمانة فكما هي صفة للمؤمنين فهي أمانة في أعناقهم لا يجوز لهم التخلي عنها ولا ترك العمل بها. وفي الحديث (إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه) (٧) وما ذلك إلا لأن الشورى دين وأمانة، والعمل بها يدخل في عداد النصيحة الواجبة، ففي الحديث الذي رواه أحمد عن حكيم بن زيد عن أبيه عمن سمع النبي ﵌ يقول: (دعوا الناس فليصب بعضهم من بعض، فإذا استنصح رجل أخاه فلينصح له .. ) (٨) , وهذه النصوص واضحة في الدلالة على مشروعية الشورى كقاعدة أساسية في النظام الإسلامي، وأصل من أصول الشريعة الإسلامية ومن عزائم الأحكام فيها، وهي بهذا المعنى كما يقول الدكتور فؤاد محمد النادي لا تقتصر على كونها من القواعد الأساسية للنظام السياسي الإسلامي فحسب، وإنما تمثل الإطار العام والنطاق الذي يجب أن تعمل في حدوده كافة السلطات الحاكمة في الدولة الإسلامية التشريعية

стр. 30

والتنفيذية والقضائية، وهي بذلك تحول دون الاستبداد بالرأي أو الانفراد به، الأمر الذي يؤدي إلى الرأي الصواب وتحقيق وحدة الأمة وتأليف القلوب بين أفرادها. (١) وصحيح ما ذهب إليه الدكتور فؤاد النادي باعتبار أن الشورى تمثل أهم الضمانات التي تحول دون مخالفة النصوص أو الانحراف بها لأنها تعطي الأمة حق المشاركة في إدارة شؤونها العامة، وحق مشاركة المختصين ومشاورتهم في صياغة أي نظام أو قانون تدار به شؤون الأمة، فيما لم يرد فيه نص، فهي تمثل حجر الزاوية بين الحقوق والحريات الأساسية التي يتمتع بها المسلمون في الدولة الإسلامية، كما تمثل ضماناً يحول دون انتهاك المشروعية، ولهذا كان أساس مشروعية الشورى ولزومها مستمدة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌ كما سلف بيان ذلك، وهي تعتبر ضمانة من ضمانات خضوع السلطات العامة لمبادئ الشريعة الإسلامية التي رسمت الحدود والنطاق الذي يتحتم أن تمارس في نطاقها هذه السلطات ضمن ضوابط وقيود تحول دون انحرافها وتعطي الأمة حق مراقبة تلك السلطات في ممارسة مهامها. أما الديمقراطية: فإنها ووفقاً للمفهوم الذي أشرنا إليه من أنها تعني حكم الشعب لنفسه، فإن الشعب يستطيع ممارسة حقه في الحكم عبر إحدى صور ثلاث: ١ - الديمقراطية المباشرة: وتعني أن يباشر الشعب حق سيادته بنفسه دون وساطة أي جهة، وهذه الصورة تبدو صعبة التحقيق لأنه يفترض فيها أن يباشر الشعب بنفسه جميع سلطات الدولة تشريعية وتنفيذية وقضائية، على أساس أن السيادة لا تقبل أن ينيبها الشعب أو يفوضها إلى من دونه، وقد مورست هذه الديمقراطية في العهد القديم في بعض مدن اليونان والرومان ولا تزال تطبق الآن في بعض المقاطعات السويسرية الجبلية ضئيلة السكان، ويبدو من الناحية العملية استحالة تطبيق هذه النظرية لتعذر جمع الشعب كله في صعيد واحد ولأن عملية التشريع والقضاء هي مما

стр. 31

تتطلب معرفة فنية وتخصصاً علمياً ودراية لا تتوفر عند جميع أفراد الشعب ولهذا لجأت الدول الحديثة إلى نظام الديمقراطية النيابية. (١) ٢ - الديمقراطية النيابية: وتعني أن يختار الشعب من يمثله، ويكون لهؤلاء الممثلين الحق في التعبير عن الإرادة الشعبية، وهذه الصورة هي البديل المناسب للديمقراطية المباشرة، لصعوبة تطبيقها في الواقع بشكلها الصحيح الكامل فينتخب الشعب من يمثله في ممارسة حق السيادة، ويشكل النواب المنتخبون ما يسمى بالبرلمان، وتكون التصرفات التي يقوم بها هؤلاء باسم الشعب كالتصرفات الصادرة عن الشعب نفسه من باب الوكالة أو النيابة القانونية. ٣ - الديمقراطية غير المباشرة: وتقوم على أساس أن يختار الشعب مجلساً نيابياً يمثله، على أن يحتفظ الشعب لنفسه ببعض الحقوق التي يقررها بنفسه، ويباشرها بشكل مباشر، وعلى ذلك فالديمقراطية غير المباشرة هي نظام وسط بين الديمقراطية المباشرة والديمقراطية النيابية. (٢) ومعلوم أن هذه الأنظمة الديمقراطية تقوم على أساس فكري واحد وهو أن السلطة في الدولة ترجع للشعب وأنه وحده هو صاحب السيادة، أي أن الديمقراطية في النهاية هي مبدء السيادة الشعبية ولكن الطريقة التي يمارس بها الشعب سلطته تأخذ واحداً من الأشكال الثلاثة المشار إليها آنفاً، بينما الشورى تستمد مشروعيتها من نصوص الكتاب والسنة وهي أكثر اتساعاً وشمولاً ونفعاً، وأكثر إلزامية باعتبارها من واجبات الشرع. وقد ذكر بعض العلماء انه لا ينبغي ان تأخذ العلاقة بين الشورى والديمقراطية على أنها علاقة توافق أو علاقة تضاد ذلك أن كل نظام منهما يمثل استقلالاً تاماً له أسسه ومبادئه وأليات تنفيذه, ووجود مواطن اتفاق أو مواطن اختلاف لا يعني ان ترسم العلاقة بينهما بتوافق, أو تضاد (٣). قلت وهذا صحيح حتى وإن كانت مواطن الاتفاق أكثر من مواطن الاختلاف, كما سيجد المتتبع لذلك وأن نوعاً من الالتقاء في كثير من الصور والمبادئ والجزئيات والنظم

стр. 32

والمظاهر والوسائل حاصل, وهذا أمر مقبول ومألوف في كل المصطلحات, وذلك لا يعني القضاء على خصوصية كل نظام أو استقلاليته أو دخول بعضها في بعض, أما عند مقارنة مبدأ مشروعية الشورى بالديمقراطية فإنك ستجد أن مشروعية الشورى مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأنها منهاج مرتبط بالشريعة والعقيدة, أما الديمقراطية فهي تستمد صلاحيتها ومشروعيتها من الشعب باعتباره مالك السلطة. فإن قلتَ أن قاعدة الشعب مالك السلطة ومصدرها قد نصت عليها بعض دساتير الدول الإسلامية فكيف يكون ذلك؟ والجواب على ذلك أن الدول الإسلامية تختلف في منهاج الحكم عن غيرها من الدول فهي مقرة لله بالحاكمية وأنه لا إله غيره ولا رب سواه وأنه مالك الملك وأن التشريع له وحده وأن ما نص عليه لا يجوز تحريفه ولا تبديله وأن مهام الأمة تقتصر على ما ملّكها الله إياه في إدارة شؤون الحياة وفي الاستنباط وضبط التقنين فيما لا نص فيه وأنها محكومة في كل أمورها بالشرع, وأن التنصيص على مثل هذه القواعد لا يقصد به الخروج على قواعد الشريعة ومبادئها قال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (١) ولا تعدو تلك التسمية ونسبتها عند المؤمنين عن نسبة المال أو الحق الذي وهبه الله وتفضل به لهذا أو لذاك فالله وحده هو الواهب للنعم والحقوق للكافة من خلقه وهو الذي جعل للأمة حق اختيار ولاتها وتطبيق احكامه وادارة شؤون الحياة وفق منهجه العادل. فالشعوب الإسلامية تقر بألوهية الله وربوبيته وحده لا شريك له وأنه المالك لكل شيء والمتصرف في جميع الاحوال, وأن تصرفها فيما تملكه على مستوى الفرد والجماعة إنما هو في اطار منهج الله ومقتضى احكامه. أما ديمقراطية الشعوب التي لا تؤمن بشريعة الله ولا تذعن لاحكامه فإنه يقتصر نظرها في حدود صلاح دنيا الانسان وبالمقاييس الدنيوية المادية, وهي تجعل السلطة نظرياً في التشريع للشعب أو للأمة فقط, أما في الممارسة والواقع فإنها تجعل السلطة للمجالس البرلمانية دون مراعاة لما تنص عليه احكام الله وأوامره وقد تكون للحزب ذي الاغلبية النيابية دون حدود عدا ما سنبينه عند دراستنا للشورى في التشريع.

стр. 33

أما الشورى الإسلامية وما تأخذ به البرلمانات في الدول الإسلامية فإنها في الأغلب العام تسير على منهج الشريعة ومن هذه الدول الجمهورية اليمنية فإن دستورها ينص في المادة (٣) على: (أن الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات) وصرح في المادة (٢) على: (أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية).

стр. 34

الفصل الثالث الشورى في الأمور العامة المبحث الأول: الشورى في التشريع المعلوم أن الله خلق الإنسان لعبادته وتوحيده، ولذلك فقد استخلفه الله لعمارة الأرض، قال تعالى (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (١) أي جعلكم عمَّارها وأناط بكم إدارة شؤون الحياة فيها وفق منهج الله تعالى، وذلك مما يتطلب سن التشريعات والقوانين فيما لم يرد فيه نص، فكان لا بد من توفر العلم والفهم والدراية والتشاور والتناصح، ومقتضى ذلك أنه لا بد من رد الأمور إلى أهل العلم والمعرفة والدراية بها امتثالاً للتوجيهات الربانية بقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإلى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (٢) وقوله جل شأنه: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (٣) وقوله تعالى: (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (٤). ومعلوم أن مفهوم التشريع في الفقه الإسلامي يعني قيام المجتهدين باستنباط الأحكام من المصدرين الأساسيين القرآن والسنة، ومما أرشد إليه من مصادر أخرى كالاجماع والقياس والعرف والاستصحاب والمصالح المرسلة وسد الذرائع. ومن المقرر في الفقه الإسلامي أن عمل المجتهدين في مجال النصوص القرآنية والنبوية مقيد بحدود التفسير والتوضيح والتطبيق، أي أن عملهم يكون في فهم النصوص استشرافاً للمقاصد التي شرعت النصوص من أجلها وفي تطبيق هذه النصوص تحقيقاً لمقاصد الشريعة التي توخاها المشرع غايات للنصوص. وأما عملهم فيما لا نص فيه، فيتمثل في استنباط الأحكام المحققة للمصلحة المعتبرة شرعاً معتمدين في ذلك على الأدلة التي أرشدهم وأحالهم إليها الشارع الحكيم، وإذاً لا بد في اختيار المجالس التشريعية ممن تتوفر فيهم الصلاحية والقدرة على القيام بالعمل التشريعي، وبدون ذلك لا يتحقق المطلوب من هذه المجالس إلا أن يختار لهم هيئات

стр. 35

استشارية متخصصة يستشيرونها ويقيمون التشريع على أساس ما تتوصل إليه تلك الهيئات. وإذا كان من المقرر في الفقه الإسلامي أن الاجتهاد يكون فردياً ويكون جماعياً، فإن الاجتهاد الفردي يعتبر حقاً لكل مسلم توفرت فيه شروط الاجتهاد. وقد مارس هذا الحق عدد كبير من الصحابة وكانت لهم اجتهادات فردية في كثير من المسائل التي جدت عليهم، كما مارسه عدد من الفقهاء الذين جاءوا بعد عصر الصحابة حيث كانت لهم اجتهادات فردية في كثير من المسائل، ولا زالت الاجتهادات تمارس من قبل المجتهدين حتى عصرنا هذا, إلا أن هذه الاجتهادات ليست ملزمة للكافة لأن المجتهدين لا يملكون فيها السلطة التي تملك حق وضع الاجتهاد موضع التنفيذ. (١) وذكر الإمام ابن القيم نماذج من اجتهادات الصحابة واستنباطهم الأحكام، وجعل ذلك في النوع الأول من الرأي المحمود. وأما النوع الثاني من الرأي المحمود فجعله الرأي الذي يفسر النصوص ويبين وجه الدلالة منها ويقررها ويوضح محاسنها ويسهل طريق الاستنباط منها. ونقل عن عبدان قوله: سمعت عبدالله بن المبارك يقول: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر, وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث، وهذا هو الفهم الذي يختص الله به من يشاء من عباده، ومثال هذا: رأي الصحابة ﵃ في القول في الفرائض عند تزاحم الفروض، ورأيهم في مسألة زوج وأبوين، وامرأة وأبوين: أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين، ورأيهم في توريث المبتوتة في مرض الموت، ورأيهم في مسألة جر الولاء، ورأيهم في المحرم يقع على أهله بفساد حجه ووجوب المضي فيه والقضاء والهدي من قابل. ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً، ورأيهم في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر، تصلي المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل الغروب صلت الظهر والعصر، ورأيهم في الكلالة وغير ذلك. (٢)

стр. 36

قلت: وهذا الاستنباط والاجتهاد من الصحابة رضوان الله عليهم قد جعله بعض العلماء ملزماً لاعتباره في الاجتهاد الجماعي، والاجتهاد الجماعي قد يكون صادراً من جميع المجتهدين فإذا كان كذلك انطبقت عليه شروط الإجماع ويكون ملزماً. وقد يكون صادراً من أكثرية المجتهدين، فلا تتوفر له صفة الإجماع فيبقى في مثل هذه الحالة مجرد اجتهاد حتى تكون له صفة الإلزام وحتى تكون له هذه الصفة فلا بد من صدوره من سلطة تملك حق الإلزام، وهي في مثل هذه الحالة الدولة، ويكون من سداد الرأي وإصابته أن تكون الدولة ممثلة بمجلس تشريعي ليكون الأمر شورى بين أهله ولم يتفرد به واحد فتصدر الهيئة التشريعية به قانوناً، يصدر بها قرارٌ رئاسيٌ أو مرسومٌ ملكيٌ بحسب شكل نظام الحكم. وقد امتدح الله المؤمنين الذين يكون أمرهم شورى بينهم في قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) ومن ذلك أمر التشريع فيما لم يرد فيه نص أو فيما يحتاج إلى استنباط الحكم فيه كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم في المسائل التي سلف بيانها، وقد ذكر الإمام ابن القيم أن النازلة كانت إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ليس عنده فيها نص عن الله أو عن رسوله، جمع لها أصحاب رسول الله ﵌، ثم جعلها شورى بينهم. قلت وهذه سنة الخلفاء الراشدين في التشريع والقضاء, فقد ذكر شريح القاضي قال: قال لي عمر بن الخطاب ﵁ أن اقض بما استبان لك من قضاء رسول الله ﵌، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله، فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح. (١) وهذه الاستشارة هي في الواقع استشارة في التشريع والقضاء فيما لم يكن فيه نص أي في استنباط النص ثم القضاء به، وسيأتي مزيد بيان عند حديثنا عن الشورى في القضاء.

стр. 37

وفي عصرنا هذا لا يوجد ما يمنع من اختيار مجالس تشريعية من قبل ولاة الأمر أو انتخابها لتقوم ببحث المسائل المتجددة في الحياة بقصد استنباط الحكم الشرعي لها سواءً أكانت هذه المسائل اقتصادية أم اجتماعية أم غير ذلك مما تعالج شؤون الحياة وتعنى بتنظيمها فيما ليس فيه نص, وإصدارها بشكل قوانين، إذ ليس هناك مانع شرعي من ذلك، حتى وإن كان اصطلاح السلطة التشريعية بشكلها المعروف اليوم في النظم المعاصرة غير موجود في العصر النبوي أو عصر الصحابة وإن كان العمل الذي يقوم به الصحابة في عصر الخلفاء الراشدين على نحو ما سلف الإشارة إليه يعطي نفس المدلول لكلمة السلطة التشريعية في المفهوم الحديث. (١) فاستنباط الأحكام في المستجدات وتقنينها هو ضرورة لا بد منها ولكن ضمن ضوابط وقواعد الشريعة بعد إجالة الرأي مع أهل العلم والخبرة كي تستقيم أمور البشرية وتسير على منهاج الله العادل. وقد ذكر الدكتور هاني سليمان الطعيمات أن فكرة السلطة التشريعية بالمفهوم الحديث ظهرت في الدولة الإسلامية منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم, ذلك أنه وبعد وفاة الرسول ﵌ وبدء حركة الفتوحات الإسلامية وما رافقها من تطورات كبيرة في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي جدّت على المجتمع أحداث كبيرة, وقد يكون الصحابة رضوان الله عليهم بحكم صحبتهم للرسول وبحكم متابعتهم ومشاهدتهم لمراحل التشريع وإدراكهم لمقاصد الشريعة أقدر الناس على مواجهة تلك المستجدات، فقاموا بمساعدة الخلفاء في وضع الحلول من خلال اجتهاداتهم الجماعية والفردية والتي اعتمدها الخلفاء ووضعوها موضع التنفيذ. (٢) وصحيح ما ذهب إليه الدكتور هاني الطعيمات من أن فكرة السلطة التشريعية قد ظهرت في الدولة الإسلامية منذ عهد الصحابة، وإن كان هذا الاصطلاح أو المسمى غير موجود في ذلك الحين إلا أن العمل الذي كان الصحابة يقومون به يعطي نفس المدلول.

стр. 38

وأما فكرة أهل الحل والعقد التي اصطلح عليها الفقهاء فإنا نجد بينها وبين فكرة السلطة التشريعية تناسباً كبيراً سواءً كان في اختيارهم أو انتخابهم أو في المهام والصلاحيات التي كانت تسند إليهم، ولعل في اختيار النبي ﵌ من بين من شهد العقبة نقباء ما يومئ ويشير إلى ذلك، وفي قوله ﵌ أيضاً لأبي بكر وعمر ﵄: (لو اتفقتما على رأي لما خالفتكما) (١) لأن اتفاق أصحاب الرأي وأصحاب التخصص مما ينبغي الأخذ به وعدم مخالفته، وكذلك اختيار عمر بن الخطاب ﵁ لستة من كبار الصحابة وجعل فيهم الشورى في أمر الخلافة، وقد كان كل واحد منهم يمثل بطناً من بطون قريش وفخذاً كبيراً منها، وكذلك ما كان يصنعه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ من جمع الصحابة في أمر نازلة ليس فيها نص ويستشيرهم فيها، وكان يهتدي بالمشورة في كثير من الأمور خاصة منها ما كان يتعلق بالأمور الدنيوية. وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم قد تشددوا في شؤون العبادات والأمور الدينية الخالصة وسد الباب عن الابتداع في الدين، فإن موقفهم كما يقول الدكتور القرضاوي في المعاملات الدنيوية هو الابتداع والاختراع أي ابتكار الوسائل والأساليب والتقاليد والآليات التي تنهض بالدنيا وترقى بالعمران وتطور الحياة إلى التي هي أحسن وهذا يدخل تحت الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عائشة وأنس (أنتم أعلم بأمور دنياكم) (٢) والحديث الآخر الذي رواه عن جرير بن عبدالله (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة .. ) (٣) , وهذا ما جعل عمر يبتكر أموراً كثيرة سميت أولويات عمر، وكان يهتدي في أموره بمشورة الصحابة ولا سيما علي كرم الله وجهه، الذي قال فيه: لولا علي لهلك عمر. (٤)

стр. 39

فالسياسة التي يكون أساسها ومرتكزها الشورى هي السبيل الأمثل لمعالجة أمور الدنيا وإدارتها، سواء كان في نطاق اختيار الحاكم أو الأسرة أو المجتمع، أو في تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكومين عن طريق إيجاد تشريع يتفق مع النصوص الشرعية وينسجم مع متطلبات الزمان. وقد ذكر الدكتور محمد عمارة: أن الشورى في القرآن فلسفة يزكيها (أي القرآن) كي تكون السبيل لمعالجة أمور الدنيا وسياستها. وإلى فلسفة الشورى انحازت السنة النبوية، فعبر الأحاديث الكثيرة التي تحبذها وتمتدحها من قبل حديث: (المستشير معان، والمستشار مؤتمن) (١) , نجد أن تراث دولة الرسول في الأمور السياسية في المدينة حافل بالنماذج التي تجسد الشورى كفلسفة في السياسة، فكل قراراته السياسية كانت خاضعة للتشاور وكثيراً ما عدل عن رأيه حينما كشفت المشاورة عن خطأه، وكثيراً ما سأله الصحابة عن رأيه أو موقفه: أوحي هو أم رأي؟ فإن قال لهم أنه رأي، قدّموا ما عندهم وكانت الشورى سبيلاً لتعديل الرأي أو الموقف، وانطلاقاً من ذلك التراث السياسي والعملي كان إجماع المسلمين بعد رسولهم ﵌ على أن الشورى هي السبيل لقيام رأس الدولة ومن ثم جهاز الدولة في المجتمع الإسلامي، فهم قد اختلفوا على شخصية الخليفة ولكنهم اتفقوا على أسلوب اختياره وفلسفة تعيينه وطريق تمييزه، فالأنصار أرادوا اختيار سعد بن عبادة، وجمهرة المهاجرين أرادوا اختيار أبي بكر الصديق ﵁، ونفر من المهاجرين مال إلى اختيار علي بن أبي طالب ﵁ ثم استقروا بعد ذلك على اختيار أبي بكر، وظلت هذه فلسفتهم وتلك سبيلهم إلى أن تحولت الخلافة إلى ملك عضوض على يد معاوية بن أبي سفيان بتأسيس الدولة الأموية. ولقد انتصر طوال دولة الخلافة الراشدة الرأيُ الذي جعل السلطة الحقيقية في الشورى بيد هيئة المهاجرين الأولين والتي كانت بمثابة حكومة الرسول في المدينة والتي تكونت من عشرة قرشيين والذين تميزوا بكونهم من ذوي النفوذ في قريش الممثلين لأهم بطونها السابقين إلى الإسلام والمهاجرين فيمن هاجر إلى المدينة, فهذه الهيئة كانت تحيط بيوت أعضائها بمسجد المدينة مقر الحكومة ولها أبواب تفضي إليه دون غيرهم من المسلمين، وفي الحرب

стр. 40

كان مكانهم أمام الرسول، وفي الصلاة كان مكانهم خلفه، وبعد الرسول اختصت هذه الهيئة بمنصب الخلافة تتشاور لتحديد اسم الخليفة وتبايعه البيعة الخاصة التي ترشحه للبيعة العامة أي بيعة من عداها من رؤوس المسلمين فمنها كان ترشيح أبي بكر ﵁ والبيعة الخاصة له، ومنها كان التشاور والإتفاق على أن يخلف عمر أبا بكر، ومن بقيتها كان مجلس الشورى الذي اختار عثمان، ومن بقية البقية بدأت البيعة لعلي بعد مقتل عثمان، تلك أولى المؤسسات التي مارست الشورى في السياسة الإسلامية والتي بقيت في التراث لها معالم واضحة، وأن تكون هناك إشارة في بعض المراجع على مجلس للشورى قام على عهد الرسول ضم سبعين عضواً. (١) ويمكن أن نتفق مع الأستاذ محمد عمارة في كثير مما طرحه عن الشورى وتعدد صور الاجتهاد فيما يمارسه أهل الشورى سواء كان في شكل هيئة ومجلس وجماعة أم في شكل أفراد، وأن الفكر الإسلامي قد فتح باب الاجتهاد على مصراعيه وأتى بفلسفة الشورى لتجعل منها جوهراً لنظام الحكم، وإن اختلفت وتفاوتت اجتهادات المسلمين وفق ظروف المجتمعات التي كان يعيش فيها المجتهدون. ويتبين من ممارسات أهل الشورى في عصر الصحابة رضوان الله عليهم أن يكون من مهام مجالس الشورى وأهل الشورى التشريع واختيار الحاكم، غير أنه يشترط أن تتوافر في المشير شروطٌ يكون بموجبها أهلاً لأن يمثل الأمة فيما يسند إليه من مهام، فالأمة هي المعنية بوضع الضوابط والقيود والصلاحيات التي تخول لهذه المجالس بحيث لا تتجاوز النصوص الشرعية, أي أنها مقيدة بنصوص الشريعة وضوابطها. وإذا ما نظرنا إلى النظم المعاصرة الديمقراطية وما يوكل فيها من صلاحيات إلى البرلمانات فسنجد حينئذ أن أوجه التشابه بينها وبين تلك النظم الديمقراطية تتقارب إذا ما أردنا قيامها على أساس الشورى وفقاً للنظام الإسلامي والمنهاج الرباني الذي يقوم على أساس من القسط والعدل. ولنأت أولاً على بيان أساس هذه المجالس وبيان صلتها بأهل الحل والعقد في النظام الإسلامي. الأساس الذي يجب أن تبنى عليه مجالس الشورى إن كان النظام الإسلامي قد جعل الشورى قاعدة وأساساً من أسس نظام الحكم إذ يقول الحق مبيناً لذلك في سورة الشورى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَأهم يُنْفِقُونَ) (٢) فكلمة وأمرهم شورى بينهم تشير إلى كل ما تحتاج البشرية إلى أن تتشاور فيه، وقد قال بعض العلماء المعاصرين أن كلمة أمرهم التي وردت في النص القرآني تشير إلى كل الأمور ذات الطابع العام ومنها بطبيعة الحال الأسلوب الذي تشكل به الحكومة ورئيسها وهو الخليفة، يضاف إلى ذلك أن آية (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) تعتبر الشورى جزءاً لا يتجزأ من أسلوب الحكم نفسه، وعلى ذلك فإن مهمة سن القوانين في الدولة كما يرى بعض العلماء لا بد وأن تستند إلى مجلس شورى تنتخبه الأمة. (٣) قلت أو يختار فيه من قبل ولي الأمر, غير أن الاختيار أو الانتخاب لا بد وأن يكون ممن تتوافر فيهم الصلاحية باعتبار أن الشورى قاعدة أساسية ومبدء عام وركيزة أساسية يقوم عليها النظام السياسي الإسلامي فيجب أن يمثل الجميع ويشتركوا فيه كما يفهم من قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) بصيغة الجمع والتقدير القاطع الذي هو في حقيقته أسلوب أمر تقديره (جعلوا) عطفاً على استجابوا وأقاموا فيكون المعنى: ويجعلون أمرهم شورى بينهم. (٤) فالشورى فرض من فروض الكفاية وطبيعة هذا الفرض عامة إذ أن طلب الكفاية متوجه على الجميع كما يقول علماء الأصول (٥)، ولكن إذا قام البعض بفعله سقط
следующие страницы →