← Сияса и кади

Сияса и кади · id 26217

الشورى في الشريعة الإسلامية

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (244 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قلت: وهذا الاستنباط والاجتهاد من الصحابة رضوان الله عليهم قد جعله بعض العلماء ملزماً لاعتباره في الاجتهاد الجماعي، والاجتهاد الجماعي قد يكون صادراً من جميع المجتهدين فإذا كان كذلك انطبقت عليه شروط الإجماع ويكون ملزماً. وقد يكون صادراً من أكثرية المجتهدين، فلا تتوفر له صفة الإجماع فيبقى في مثل هذه الحالة مجرد اجتهاد حتى تكون له صفة الإلزام وحتى تكون له هذه الصفة فلا بد من صدوره من سلطة تملك حق الإلزام، وهي في مثل هذه الحالة الدولة، ويكون من سداد الرأي وإصابته أن تكون الدولة ممثلة بمجلس تشريعي ليكون الأمر شورى بين أهله ولم يتفرد به واحد فتصدر الهيئة التشريعية به قانوناً، يصدر بها قرارٌ رئاسيٌ أو مرسومٌ ملكيٌ بحسب شكل نظام الحكم. وقد امتدح الله المؤمنين الذين يكون أمرهم شورى بينهم في قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) ومن ذلك أمر التشريع فيما لم يرد فيه نص أو فيما يحتاج إلى استنباط الحكم فيه كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم في المسائل التي سلف بيانها، وقد ذكر الإمام ابن القيم أن النازلة كانت إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ليس عنده فيها نص عن الله أو عن رسوله، جمع لها أصحاب رسول الله ﵌، ثم جعلها شورى بينهم. قلت وهذه سنة الخلفاء الراشدين في التشريع والقضاء, فقد ذكر شريح القاضي قال: قال لي عمر بن الخطاب ﵁ أن اقض بما استبان لك من قضاء رسول الله ﵌، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله، فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح. (١) وهذه الاستشارة هي في الواقع استشارة في التشريع والقضاء فيما لم يكن فيه نص أي في استنباط النص ثم القضاء به، وسيأتي مزيد بيان عند حديثنا عن الشورى في القضاء.

стр. 37

وفي عصرنا هذا لا يوجد ما يمنع من اختيار مجالس تشريعية من قبل ولاة الأمر أو انتخابها لتقوم ببحث المسائل المتجددة في الحياة بقصد استنباط الحكم الشرعي لها سواءً أكانت هذه المسائل اقتصادية أم اجتماعية أم غير ذلك مما تعالج شؤون الحياة وتعنى بتنظيمها فيما ليس فيه نص, وإصدارها بشكل قوانين، إذ ليس هناك مانع شرعي من ذلك، حتى وإن كان اصطلاح السلطة التشريعية بشكلها المعروف اليوم في النظم المعاصرة غير موجود في العصر النبوي أو عصر الصحابة وإن كان العمل الذي يقوم به الصحابة في عصر الخلفاء الراشدين على نحو ما سلف الإشارة إليه يعطي نفس المدلول لكلمة السلطة التشريعية في المفهوم الحديث. (١) فاستنباط الأحكام في المستجدات وتقنينها هو ضرورة لا بد منها ولكن ضمن ضوابط وقواعد الشريعة بعد إجالة الرأي مع أهل العلم والخبرة كي تستقيم أمور البشرية وتسير على منهاج الله العادل. وقد ذكر الدكتور هاني سليمان الطعيمات أن فكرة السلطة التشريعية بالمفهوم الحديث ظهرت في الدولة الإسلامية منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم, ذلك أنه وبعد وفاة الرسول ﵌ وبدء حركة الفتوحات الإسلامية وما رافقها من تطورات كبيرة في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي جدّت على المجتمع أحداث كبيرة, وقد يكون الصحابة رضوان الله عليهم بحكم صحبتهم للرسول وبحكم متابعتهم ومشاهدتهم لمراحل التشريع وإدراكهم لمقاصد الشريعة أقدر الناس على مواجهة تلك المستجدات، فقاموا بمساعدة الخلفاء في وضع الحلول من خلال اجتهاداتهم الجماعية والفردية والتي اعتمدها الخلفاء ووضعوها موضع التنفيذ. (٢) وصحيح ما ذهب إليه الدكتور هاني الطعيمات من أن فكرة السلطة التشريعية قد ظهرت في الدولة الإسلامية منذ عهد الصحابة، وإن كان هذا الاصطلاح أو المسمى غير موجود في ذلك الحين إلا أن العمل الذي كان الصحابة يقومون به يعطي نفس المدلول.

стр. 38

وأما فكرة أهل الحل والعقد التي اصطلح عليها الفقهاء فإنا نجد بينها وبين فكرة السلطة التشريعية تناسباً كبيراً سواءً كان في اختيارهم أو انتخابهم أو في المهام والصلاحيات التي كانت تسند إليهم، ولعل في اختيار النبي ﵌ من بين من شهد العقبة نقباء ما يومئ ويشير إلى ذلك، وفي قوله ﵌ أيضاً لأبي بكر وعمر ﵄: (لو اتفقتما على رأي لما خالفتكما) (١) لأن اتفاق أصحاب الرأي وأصحاب التخصص مما ينبغي الأخذ به وعدم مخالفته، وكذلك اختيار عمر بن الخطاب ﵁ لستة من كبار الصحابة وجعل فيهم الشورى في أمر الخلافة، وقد كان كل واحد منهم يمثل بطناً من بطون قريش وفخذاً كبيراً منها، وكذلك ما كان يصنعه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ من جمع الصحابة في أمر نازلة ليس فيها نص ويستشيرهم فيها، وكان يهتدي بالمشورة في كثير من الأمور خاصة منها ما كان يتعلق بالأمور الدنيوية. وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم قد تشددوا في شؤون العبادات والأمور الدينية الخالصة وسد الباب عن الابتداع في الدين، فإن موقفهم كما يقول الدكتور القرضاوي في المعاملات الدنيوية هو الابتداع والاختراع أي ابتكار الوسائل والأساليب والتقاليد والآليات التي تنهض بالدنيا وترقى بالعمران وتطور الحياة إلى التي هي أحسن وهذا يدخل تحت الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عائشة وأنس (أنتم أعلم بأمور دنياكم) (٢) والحديث الآخر الذي رواه عن جرير بن عبدالله (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة .. ) (٣) , وهذا ما جعل عمر يبتكر أموراً كثيرة سميت أولويات عمر، وكان يهتدي في أموره بمشورة الصحابة ولا سيما علي كرم الله وجهه، الذي قال فيه: لولا علي لهلك عمر. (٤)

стр. 39

فالسياسة التي يكون أساسها ومرتكزها الشورى هي السبيل الأمثل لمعالجة أمور الدنيا وإدارتها، سواء كان في نطاق اختيار الحاكم أو الأسرة أو المجتمع، أو في تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكومين عن طريق إيجاد تشريع يتفق مع النصوص الشرعية وينسجم مع متطلبات الزمان. وقد ذكر الدكتور محمد عمارة: أن الشورى في القرآن فلسفة يزكيها (أي القرآن) كي تكون السبيل لمعالجة أمور الدنيا وسياستها. وإلى فلسفة الشورى انحازت السنة النبوية، فعبر الأحاديث الكثيرة التي تحبذها وتمتدحها من قبل حديث: (المستشير معان، والمستشار مؤتمن) (١) , نجد أن تراث دولة الرسول في الأمور السياسية في المدينة حافل بالنماذج التي تجسد الشورى كفلسفة في السياسة، فكل قراراته السياسية كانت خاضعة للتشاور وكثيراً ما عدل عن رأيه حينما كشفت المشاورة عن خطأه، وكثيراً ما سأله الصحابة عن رأيه أو موقفه: أوحي هو أم رأي؟ فإن قال لهم أنه رأي، قدّموا ما عندهم وكانت الشورى سبيلاً لتعديل الرأي أو الموقف، وانطلاقاً من ذلك التراث السياسي والعملي كان إجماع المسلمين بعد رسولهم ﵌ على أن الشورى هي السبيل لقيام رأس الدولة ومن ثم جهاز الدولة في المجتمع الإسلامي، فهم قد اختلفوا على شخصية الخليفة ولكنهم اتفقوا على أسلوب اختياره وفلسفة تعيينه وطريق تمييزه، فالأنصار أرادوا اختيار سعد بن عبادة، وجمهرة المهاجرين أرادوا اختيار أبي بكر الصديق ﵁، ونفر من المهاجرين مال إلى اختيار علي بن أبي طالب ﵁ ثم استقروا بعد ذلك على اختيار أبي بكر، وظلت هذه فلسفتهم وتلك سبيلهم إلى أن تحولت الخلافة إلى ملك عضوض على يد معاوية بن أبي سفيان بتأسيس الدولة الأموية. ولقد انتصر طوال دولة الخلافة الراشدة الرأيُ الذي جعل السلطة الحقيقية في الشورى بيد هيئة المهاجرين الأولين والتي كانت بمثابة حكومة الرسول في المدينة والتي تكونت من عشرة قرشيين والذين تميزوا بكونهم من ذوي النفوذ في قريش الممثلين لأهم بطونها السابقين إلى الإسلام والمهاجرين فيمن هاجر إلى المدينة, فهذه الهيئة كانت تحيط بيوت أعضائها بمسجد المدينة مقر الحكومة ولها أبواب تفضي إليه دون غيرهم من المسلمين، وفي الحرب

стр. 40

كان مكانهم أمام الرسول، وفي الصلاة كان مكانهم خلفه، وبعد الرسول اختصت هذه الهيئة بمنصب الخلافة تتشاور لتحديد اسم الخليفة وتبايعه البيعة الخاصة التي ترشحه للبيعة العامة أي بيعة من عداها من رؤوس المسلمين فمنها كان ترشيح أبي بكر ﵁ والبيعة الخاصة له، ومنها كان التشاور والإتفاق على أن يخلف عمر أبا بكر، ومن بقيتها كان مجلس الشورى الذي اختار عثمان، ومن بقية البقية بدأت البيعة لعلي بعد مقتل عثمان، تلك أولى المؤسسات التي مارست الشورى في السياسة الإسلامية والتي بقيت في التراث لها معالم واضحة، وأن تكون هناك إشارة في بعض المراجع على مجلس للشورى قام على عهد الرسول ضم سبعين عضواً. (١) ويمكن أن نتفق مع الأستاذ محمد عمارة في كثير مما طرحه عن الشورى وتعدد صور الاجتهاد فيما يمارسه أهل الشورى سواء كان في شكل هيئة ومجلس وجماعة أم في شكل أفراد، وأن الفكر الإسلامي قد فتح باب الاجتهاد على مصراعيه وأتى بفلسفة الشورى لتجعل منها جوهراً لنظام الحكم، وإن اختلفت وتفاوتت اجتهادات المسلمين وفق ظروف المجتمعات التي كان يعيش فيها المجتهدون. ويتبين من ممارسات أهل الشورى في عصر الصحابة رضوان الله عليهم أن يكون من مهام مجالس الشورى وأهل الشورى التشريع واختيار الحاكم، غير أنه يشترط أن تتوافر في المشير شروطٌ يكون بموجبها أهلاً لأن يمثل الأمة فيما يسند إليه من مهام، فالأمة هي المعنية بوضع الضوابط والقيود والصلاحيات التي تخول لهذه المجالس بحيث لا تتجاوز النصوص الشرعية, أي أنها مقيدة بنصوص الشريعة وضوابطها. وإذا ما نظرنا إلى النظم المعاصرة الديمقراطية وما يوكل فيها من صلاحيات إلى البرلمانات فسنجد حينئذ أن أوجه التشابه بينها وبين تلك النظم الديمقراطية تتقارب إذا ما أردنا قيامها على أساس الشورى وفقاً للنظام الإسلامي والمنهاج الرباني الذي يقوم على أساس من القسط والعدل. ولنأت أولاً على بيان أساس هذه المجالس وبيان صلتها بأهل الحل والعقد في النظام الإسلامي. الأساس الذي يجب أن تبنى عليه مجالس الشورى إن كان النظام الإسلامي قد جعل الشورى قاعدة وأساساً من أسس نظام الحكم إذ يقول الحق مبيناً لذلك في سورة الشورى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَأهم يُنْفِقُونَ) (٢) فكلمة وأمرهم شورى بينهم تشير إلى كل ما تحتاج البشرية إلى أن تتشاور فيه، وقد قال بعض العلماء المعاصرين أن كلمة أمرهم التي وردت في النص القرآني تشير إلى كل الأمور ذات الطابع العام ومنها بطبيعة الحال الأسلوب الذي تشكل به الحكومة ورئيسها وهو الخليفة، يضاف إلى ذلك أن آية (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) تعتبر الشورى جزءاً لا يتجزأ من أسلوب الحكم نفسه، وعلى ذلك فإن مهمة سن القوانين في الدولة كما يرى بعض العلماء لا بد وأن تستند إلى مجلس شورى تنتخبه الأمة. (٣) قلت أو يختار فيه من قبل ولي الأمر, غير أن الاختيار أو الانتخاب لا بد وأن يكون ممن تتوافر فيهم الصلاحية باعتبار أن الشورى قاعدة أساسية ومبدء عام وركيزة أساسية يقوم عليها النظام السياسي الإسلامي فيجب أن يمثل الجميع ويشتركوا فيه كما يفهم من قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) بصيغة الجمع والتقدير القاطع الذي هو في حقيقته أسلوب أمر تقديره (جعلوا) عطفاً على استجابوا وأقاموا فيكون المعنى: ويجعلون أمرهم شورى بينهم. (٤) فالشورى فرض من فروض الكفاية وطبيعة هذا الفرض عامة إذ أن طلب الكفاية متوجه على الجميع كما يقول علماء الأصول (٥)، ولكن إذا قام البعض بفعله سقط

стр. 41

الإثم والحرج عن الباقين، أي أن الذي يقوم بالفعل إنما ينوب في تنفيذ الفرض عن المجموع, والكفاية هنا في مفهومها الصحيح هي كفاية لتحقيق الهدف وليست كفاية لتحقيق العدد، ولهذا فإنه لا بد من توافر الأهلية والصلاحية فيمن ينتخب أو يختار في هذه المجالس، وكذلك لا بد من توافر الصلاحية فيمن يعين في القضاء، ويكفي أن يكون هناك عدد من القضاة لأداء فرض القضاء وعدد من المحاربين لأداء فريضة الجهاد وهلم جرا. ومؤدى ذلك أن التمثيل والإنابة هي الصورة الطبيعية لتحقيق الفرض العام (الكفائي) في المجتمع الإسلامي. (١)

стр. 42

النظام النيابي وفكرة تمثيل الأمة بواسطة نواب عنها .. أساسه وسنده إن فكرة تمثيل الأمة بواسطة نواب عنها فيما فيه صلاحها واستقامة أحوال الجماعة من أبنائها بواسطة أفراد ينوبون عنها مستقرة في الأذهان ولا يوجد في شرع الله ما يمنع من ذلك, بل إن ذلك مما يوجد له أساس وسند من كتاب الله وسنة رسوله ﵌, فهو من الأمور التي لا تستقيم الحياة دونها لما في ذلك من التيسير والتعاون على البر الذي أمر الله به في قوله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (١) فقيام البعض من الناس برعاية مصالح الأمة وتدبير شؤونها نيابة عنها له ما يدل على مشروعيته ففي سورة براءة يقول الحق جل وعلا: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (٢) وفي تفسيرها يقول الإمام القرطبي: إن المقصود بقوله تعالى (إلى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ) أنهم الذين عاهدهم رسول الله ﵌ لأنه كان المتولي للعقود وأصحابه رضوا ذلك فكأنهم عاقدوا وعاهدوا وانتسب العهد إليهم ... ولا يمكن غير ذلك فإن تحصيل الرضى من الجميع متعذر فإذا عقد الإمام لما يراه من المصلحة أمراً لزم جميع الرعايا. (٣) وبهذه الآية تتأسس مشروعية التمثيل للأمة من القرآن الكريم (٤) , بل أن جمع شعب بأكمله أو أمة بكل أفرادها في أمر التشريع والشورى وإدارة شؤونها العامة أمر لا يمكن دون نظام النيابة والتمثيل, إذ يستحيل من الناحية المادية جمع الأمة كلها في مكان واحد وحتى لو أننا افترضنا تحقق ذلك لاستحال الوصول إلى رأي واحد وقرار نهائي لسبب اختلاف الآراء وتباين الفهم في المسألة الواحدة.

стр. 43

أضف إلى ذلك أنه قد يتعلق موضوع الشورى في مجلس التشريع بأمر فني بحت أو بأمر يتطلب موضوعه خبرة خاصة لا يصلح لعامة الناس إبداء الرأي فيه وإنما يرجع فيه إلى أهل الإختصاص من العلماء فيكون الأخذ بنظام التمثيل النيأبي ضرورة لا مناص من الأخذ بها من أجل تحقيق المصلحة العامة وتمثيل الأمة عن طريق نوابها للمشاركة في اتخاذ القرار وإقامة فريضة الشورى التي أمر الله بها. وسيجد المتتبع للهدي النبوي أساساً ومستنداً لنظام التمثيل النيأبي من سنة محمد ﵌، فقد أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى بسنده أن رسول الله ﵌ بعد أن ضرب على يده وبايعه سبعون رجلاً من الأنصار قال: (إن موسى أخذ من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً, فلا يجدن منكم أحد في نفسه أن يؤخذ غيره فإنما يختار لي جبريل, فلما تخيرهم قال للنقباء: أنتم كفلاء على غيركم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي. قالوا: نعم) (١) , والحديث واضح الدلالة في أن الرسول ﵌ قد سن فكرة اثني عشر رجلاً ليكونوا (نواباً) عن قومهم وكفلاء عليهم. وسبق أن أوردنا قصة استشارته ﵌ لأصحابه في غزوة بدر فقام المقداد بن عمر البهراني فقال: والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك حتى تنتهي إليه. ثم قال رسول الله ﵌ -وإنما يريد الأنصار- (أشيروا عليّ أيها الناس، فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أجيب عن الأنصار كأنك يا رسول الله تريدنا. قال: أجل. قال: فامض يا نبي الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك ما بقي منا رجل واحد. فقال رسول الله ﵌: سيروا على بركة الله فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين) (٢) , وفي ذلك تقرير لنيابة سعد وتمثيله للأنصار فقد ناب سعد بن معاذ ﵁ عن الأنصار جميعاً.

стр. 44

وبذلك يكون النبي ﵌ قد أقر نيابة سعد بن معاذ عن الأنصار وسمح له أن يعبر عن آرائهم وأن يمثلهم في إبداء الرأي نائباً عنهم في ذلك. وهذا ما يعبر عنه قول سعد: أنا أجيب عن الأنصار. ورضاء الأنصار بهذا التمثيل لهم أو النيابة عنهم ولو لم يرد النبي ﵌ أن يشرع مبدء التمثيل النيأبي بسنته التقريرية لقال لسعد لا تحجبنا عنهم ولنسمع آراءهم منهم. (١) بل إن بعض العلماء المعاصرين يرى أن الرسول ﵌ قد سبق الفكر الحديث في إرسائه لنظام التمثيل النسبي حين جعل التمثيل النيأبي نسبياً إذ جعل النقباء بحسب عدد سكان كل قبيلة فكان النقباء أو النواب عن الخزرج تسعة وعن الأوس ثلاثة، (٢) وبهذا يكون الرسول ﵌ قد سبق إلى تقرير نظام التمثيل النسبي الذي يقره النظام الوضعي لتمثيل الأحزاب السياسية حسب قوتها العددية. (٣)

стр. 45

صلة المجالس التشريعية (نواب الشعب) بأهل الحل والعقد إن النظام النيأبي من الممكن أن يجد له سنداً في الفقه الإسلامي وفي فعل الصحابة رضوان الله عليهم نجد أساساً لذلك فهذا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه قد جعل اختيار الخليفة بعده إلى ستة فسمى علياً وعثمان وطلحة والزبير وعبدالرحمن وسعدا (١) عرفوا بأهل الشورى أو أهل الحل والعقد. قال ابن سعد: فلما اجتمعوا قال عبدالرحمن: اجعلوا أمركم في ثلاثة نفر منكم، فجعل الزبير أمره إلى علي وجعل طلحة أمره إلى عثمان وجعل سعد أمره إلى عبدالرحمن بن عوف فأتمر أولئك الثلاثة حين جعل الأمر إليهم، فقال عبدالرحمن: أيكم يبرأ من الأمر ويحمل الأمر إلي ولكم الله علي ألا آلوكم عن أفضلكم وخيركم للمسلمين فأسكت الشيخان علي وعثمان فقال عبدالرحمن تجعلانه إلي وأنا أخرج منها والله لا آلوكم عن أفضلكم وخيركم للمسلمين قالوا: نعم. فخلا بعلي فقال إن لك من القرابة من رسول الله ﵌ والله عليك لئن استخلفت لتعدلن ولئن استخلف عثمان لتسمعن ولتطيعن، فقال: نعم. قال وخلا بعثمان فقال مثل ذلك، فقال عثمان: نعم. فقال ابسط يدك يا عثمان، فبسط يده فبايعه علي والناس، (٢) ولم ينقل عن أحد من الصحابة اعتراض على ذلك فصار ذلك إجماعاً على جواز النيابة عن الأمة، وفي القصة ما يدل على جواز التمثيل النيأبي فقد حدث نيابة وتوكيل من ثلاثة منهم لثلاثة آخرين ثم نيابة وتوكيل من اثنين لواحد وصار في النهاية نائباً ووكيلاً عن أهل الحل والعقد ممثلي الأمة ليقوم بنفسه بالعقد نيابة عن الأمة (٣)، وفيه أيضاً ما يدل على جواز اختيار ولي الأمر أعضاء المجالس التشريعية أو مجلس الشورى وأنه يجوز أن يكون من مهام المجلس اختيار الحاكم رئيساً كان أو ملكاً أو خليفة وقد ذكر الفقيه الدستوري الماوردي أنه يجوز للخليفة أن ينص على الاختيار كما يجوز أن ينص على أهل العهد. وقال الفقيه العالم أبو يعلى في أحكامه السلطانية: وهل للخليفة أن ينص على أهل الاختيار كما ينص على أهل العهد؟ قيل يجوز لأنها من حقوق خلافته (٤) وعلى ضوء ذلك فإن صلة مجالس الشورى والتشريع بأهل العقد هي صلة وثيقة كما سنبين ذلك ولكننا نود قبل أن نوضح ما قد يطرأ من لبس بين المسميات التي وردت في الفقه الإسلامي في المصطلحات الخاصة بتعيين أهل الشورى, فتارة يطلق عليهم أهل الشورى، وتارة يطلق عليهم أهل الحل والعقد أو أهل الاختيار، والمتبادر من استخدام هذه المصطلحات أنهم يقصدون الأشخاص أولي المكانة في الأمة المُتَبَعين فيها الذين يدين لهم السواد الأعظم من الناس بالزعامة والطاعة، لما اتصفوا به من العدالة والإخلاص والمعرفة الصائبة للأمور، سواءً أكانوا من أهل العلم أم السياسة أم الوجاهة (٥)، وقد ذكر الشيخ محمد عبده في توضيح أهل الحل والعقد أنهم علماء الأمة المجتهدون، وسائر الرؤساء والزعماء الذي يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح. (٦) ويقول عنهم الشيخ محمود شلتوت: هم أهل النظر الذين عرفوا في الأمة بكمال الإختصاص في بحث الشؤون وإدراك المصالح والغيرة عليها، وكانت إطاعتهم هي الأخذ بما يتفقون عليه في المسألة ذات النظر والاجتهاد أو بما يترجح فيها عن طريق الأغلبية أو قوة البرهان (٧). وبهذا تتضح الصلة بين مجالس الشورى وبين أهل الحل والعقد, فالظاهر أن أهل الحل والعقد هم ممثلوا الأمة وهم أهل الشورى فيها، فالذي يتبين من خلال بعض النماذج التطبيقية في عهد النبوة، إقرار فكرة نيابة أهل الرأي والوجاهة عن قومهم كما سلف بيان ذلك, وأن الرسول ﵌ قد استشار من لهم الطاعة في قومهم ومن عُرف عنهم سداد

стр. 46

الرأي، ولذلك اصطلح العلماء فيما بعد على تسميتهم بأهل الحل والعقد، والوقائع التي استشار فيها النبي ﵌ أهل الرأي والطاعة من الصحابة رضوان الله عليهم كثيرة، وقد سبقت الإشارة إلى بعضها مثل استشارته أصحابه في غزوة بدر، واستشارته ﵌ لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وهما سيدا الأوس والخزرج في مصالحة بني غطفان وأخذه بمشورتهما، وفي عهد الخلفاء الراشدين كان المستشارون هم رؤساء الناس المتبعون فيهم، فهذا أبو بكر الصديق ﵁ كما ذكر ابن القيم: كان إذا ورد عليه الخصوم أو عرضت عليه مسألة نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله ﵌ فإن لم يجد سنة سنها النبي جمع رؤساء الناس فاستشارهم فإذا أجمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر ﵁ يفعل ذلك. (١) وبهذا يتضح أن رؤساء الناس من العلماء في شتى المجالات وأفاضل المسلمين وأهل الاجتهاد والعدالة والأشراف والأعيان وأصحاب الاعتبار والتدبير هم من أطلق عليهم أهل الحل والعقد ومنهم تم اختيار عمر بن الخطاب ﵁ من عرفوا بأهل الشورى, ولكن ليس باعتبارهم هيئة تشريعية وإنما هيئة ناخبين للخليفة, وفي القصة ما يستدل به على جواز التمثيل النيابي. أما إطلاق أهل الحل والعقد على أهل الاجتهاد فهو من قبيل إطلاق الكل على الجزء ولهذا فإن الفقهاء قد اشترطوا شروطاً يجب توافرها في أهل الحل والعقد, فمنطق الحال يقتضي أن يكون جميع أهل الحل والعقد أو أكثرهم ممن لهم إلمام تام بالشريعة الإسلامية إذ الشورى مقيدة بألا تخرج على نصوص الشريعة القطعية ولا روحها التشريعية, وإذا كانت الحياة المعاصرة تتطلب تخصصات فنية في مجالات معقدة يصعب على غير المتخصصين ارتيادها، فإن الواجب أن يكون أهل الحل والعقد من المحيطين بالشريعة الإسلامية وبالعلوم والفنون والصناعات التي تحتاجها الأمة (٢)، كي تكون أهليتهم في تمثيل الأمة والنيابة عنها صحيحة. ويمكن تلخيص ما يشترطه الفقهاء في أهل الحل والعقد في النقاط التالية: ١ - البلوغ والرشد. ٢ - الإسلام. ٣ - العدالة. ٤ - العلم والاجتهاد ولو في جزئية منه ما دام الاجتهاد يقبل التجزئة. ٥ - الرأي والتدبير والأمانة. هذه هي أهم الشروط التي تناولها الفقهاء وهي ليست توقيفية بنص من كتاب الله وسنة رسوله ﵌ وإنما هي اجتهادات شخصية لبعض أهل العلم بنيت على تصورات الفقهاء لوظيفة أهل الحل والعقد في زمانهم, غايتها توفر الأهلية في أهل الحل والعقد الذي يدخل في مهامهم تمثيل الأمة في اختيار الحاكم وتزكيته والتشريع فيما فيه مصلحة للأمة مما لم يرد فيه نص, وسبق أن أشرنا إلى ما نقله الشيخ محمد عبده عن الشيخ محمد رشيد رضا, ونأتي على ما أتى عليه في تفسيره المنار قال ﵀ (٣) -: أنه فكر في هذه المسألة من زمن بعيد، فانتهى به الفكر إلى أن المراد بأولي الأمر جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذي يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة, فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه، بشرط أن يكونوا أمناء وأن لا يخالفوا أمر الله، ولا سنة رسول الله ﵌ التي عرفت بالتواتر، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه، وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة، وهو ما لأولي الأمر سلطة فيه ووقوف عليه, وأما العبادات وما كان من قبيل الاعتقاد الديني فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد, بل هو مما يؤخذ عن الله ورسوله فقط ليس لأحد رأي فيه، إلا ما يكون من فهمه، فأهل الحل والعقد من المؤمنين إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة ليس فيه نص من الشارع مختارين في ذلك، غير مكرهين عليه بقوة أحد ولا نفوذه فطاعتهم واجبة, ويصح أن يقال هم معصومون في هذا الإجماع ولذلك أطلق الأمر

стр. 47

بطاعتهم، بلا شرط مع اعتبار الوصف والاتباع المفهوم من الآية، وذلك كالديوان الذي أنشأه عمر باستشارة أهل الرأي من الصحابة ولم تكن في زمن النبي ﵌ ولم يعترض أحد من علمائهم على ذلك. فأمر الله في كتابه, وسنة رسوله الثابتة القطعية التي حرص عليها ﵌ بالعمل هما الأصل الذي لا يرد, وما لا يوجد فيه نص عنهما ينظر فيه أولو الأمر إذا كان من المصالح, لأنهم هم الذين يثق بهم الناس فيها ويتبعونهم فيجب أن يتشاور في تقرير العمل به (١) , ويقول السيد محمد رشيد رضا في موضع آخر من تفسيره: يجب أن يكون في الأمة رجال أهل بصيرة ورأي، في سياستها ومصالحها الاجتماعية وقدرة على الاستنباط, يرد إليهم أمر الأمن والخوف، وسائر الأمور الاجتماعية والسياسية وهؤلاء هم الذين يسمون في عرف الإسلام أهل الشورى، وأهل الحل والعقد، ومن أحكامهم أن بيعة الخليفة لا تكون صحيحة إلا إذا كانوا هم الذين يختارون الخليفة ويبايعونه برضأهم وهم الذين يسمون عند الأمم الأخرى بنواب الأمة (٢) , وسيأتي مزيد بيان عن ذلك عند حديثنا عن أهل الشورى وما أوردناه هنا إنما كان لغرض بيان صلة المجالس التشريعية بأهل الحل والعقد وإذا كنا قد أوضحنا في هذه العجالة الأساس الذي ينبغي أن تبنى عليه المجالس التشريعية أو المجالس النيابية كما يسميها البعض أو مجالس الشورى وأن أساس اختيارهم يمكن أن يأتي عن طريق تعيين ولي الأمر ضمن ضوابط وشروط أو عن طريق انتخابهم من قبل الأمة التي هم في الواقع ممثلون لها ونواب عنها ليمارسوا الشورى في التشريع فيما لم يرد فيه نص ضمن ضوابط وقواعد لاستنباط الأحكام في كل أمر يستدعي ذلك مما فيه تحقيق لمصلحة معتبرة معتمدين في ذلك على الأدلة التي أرشدهم إليها الشارع الحكيم.

стр. 48

وظائف المجالس التشريعية في الأنظمة الحديثة للمجالس التشريعية (البرلمان) في الأنظمة القانونية الحديثة ثلاث وظائف رئيسية: ١ - الوظيفة التشريعية: المراد بها سن القوانين التي تحتاج إليها الدولة حيث تقوم السلطة التنفيذية باقتراح مشروع قانون ما، ثم تقدمه إلى البرلمان، الذي يحيله بدوره إلى لجانه المتخصصة لدراسته، وبعدها يعرض على الهيئة التشريعية مجتمعة لمناقشته، وفي حال إقراره ثم إصداره بقانون يوضع موضع التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية وسنأتي قريباً على بيان كيفية سن القوانين وما هي القوانين التي يجب أن يناط استنباطها بهذه المجالس سواءً كانت اقتصادية أم اجتماعية أم غير ذلك. ٢ - الوظيفة السياسية: وهي من أهم وظائف الهيئة التشريعية وتتمثل باختيار الحاكم أو تزكية من يترشح, ومنح الثقة للسلطة التنفيذية أو حجبها عنها، ثم مراقبة أعمال هذه السلطة، والتحقق من مدى تنفيذها للقوانين الصادرة عنها، ومسائلة الوزراء عن أعمالهم وتصرفاتهم في مجال وزاراتهم. ٣ - الوظيفة المالية: وتتمثل في إقرار الميزانية العامة للدولة ومناقشتها قبل إقرارها، ثم الإشراف على إنفاقها وصرفها, وتشترط بعض الدساتير في بعض الدول موافقة الهيئة التشريعية على القروض العامة والارتباطات المالية التي تربط بها الدولة, هذا ومضمون هذه الوظيفة يرجع في الحقيقة إلى كل من الوظيفة التشريعية والوظيفة السياسية، ذلك إن إصدار الموازنة العامة للدولة يكون بقانون وهذا تشريع، والإشراف على إنفاق هذه الموازنة يعد رقابة وهذه وظيفة سياسية. إذاً فوظيفة وصلاحيات البرلمان أو ما يمكن تسميته بمجلس الشورى يمكن ردها إلى أمرين رئيسين كما يقول د. هاني الطعيمات: الأول: إصدار التشريعات في الدولة. والثاني: مراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها على أعمالها (١).

стр. 49

يضاف إلى ذلك أمر ثالث هو اختيار رئيس الدولة بطريق الانتخاب غير المباشر أو تزكيته ثم انتخابه من قبل الشعب بطريق الانتخاب المباشر. وقد سبق أن بينا قصة أهل الشورى الذين اختارهم عمر ﵁ ويستفاد من ذلك جواز تزكية الرئيس أو الخليفة من قبل أهل الشورى أو المجلس النيأبي ثم انتخابه من قبل الشعب واعتبار ذلك بمثابة البيعة أو انتخاب من قبل المجلس النيأبي بطريق الانتخاب غير المباشر. كما يجوز في النظام الملكي تزكية ولي العهد أو الملك أيضاً, أما الوظيفة التشريعية فسبق أن أوردنا من الأدلة ما يكفي لجواز قيام المجتهدين وأهل التخصص بإصدار تشريعات فيما لا نص فيه من كتاب الله وسنة رسوله ﵌ بما يكفي لتحقيق الصالح العام ضمن ضوابط الاستنباط المعروفة في الفقه الإسلامي, كما سنأتي قريباً على ما نختاره من ضوابط التصويت, غير أننا قبل ذلك نشير إلى الفرق الذي يأتي في الأنظمة البرلمانية (مجالس الشورى) في الدول التي لا تتخذ الإسلام منهجاً لها, في التشريع والدول التي تتخذ الإسلام والتشريع الرباني أساساً حيث يكمن الفرق في أن البرلمانات المعاصرة التي لا تتخذ الإسلام منهجاً لها أن السلطة التشريعية تملك أن تصدر من القوانين ما تشاء دون أن تكون ملتزمة بأي ضوابط أو قيود سوى عدم معارضة ما تسنه من قوانين لأحكام الدستور، والهيئة المختارة لوضع الدستور تملك وضع ما تراه في الدستور عدا مراعاة الاعتبارات والظروف التي تم اختيارهم وتعيينهم فيها, وكثيراً ما تكون هذه الهيئة خاضعة لاعتبارات مفروضة عليها مادياً أو معنوياً (١) , أما الدول التي تأخذ بالإسلام منهجاً فإنها تكون مقيدة بضوابط الشريعة, فالشريعة هديها متكامل وهي صالحة لكل زمان ومكان وهي المصدر الوحيد للتشريع في الدولة الإسلامية وليس لمسلم أو مجلس تشريعي أو حكومة إسلامية أن تسن قوانين مخالفة للشريعة الإسلامية, وإنما يجب على جميع أفراد أو جماعات البرلمانات والحكومات الالتزام في كل شؤون الحياة بكل ما جاءت به الشريعة الإسلامية في أصولها وفروعها, ويوم تلتزم الأمة بذلك فإنه سيعود للأمة عزها ومجدها الذي فقد بإهمال الشريعة ونسيانها, والأدلة على وجوب اتباع شرع الله وتحكيمه من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والعلماء كثيرة ونشير إلى بعض منها.

стр. 50

الأدلة على وجوب اتباع الشريعة الإسلامية وعدم جواز مخالفتها ? الدليل الأول: من كتاب الله تعالى لقد وردت آيات في كتاب الله تعالى كثيرة تدل على وجوب اتباع الشريعة الإسلامية وتطبيقها في جميع شؤون البشرية منها قوله تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) (١) وقوله جل شأنه: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (٢) وقوله عَلت كلمته: (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا) (٣). قال الإمام ابن كثير ﵀ هذا إنكار من الله على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﵌, مما ذكر في أسباب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف، وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك. قال والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت. (٤) ولقد ذكر هذه الأسباب ونحوها الكثير من المفسرين كالطبري والقرطبي والزمخشري والسيوطي وابن الجوزي وغيرهم. (٥)

стр. 51

وقال صاحب المنار كل من يتحاكم إلى الطاغوت من دون الله ورسوله ممن يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله فهو راغب عن الحق إلى الباطل, وذلك عين الطاغوت الذي هو بمعنى الطغيان الكثير, وقد قيل للإمام الشيخ محمد عبده: فما تقول في هذه المحاكم الأهلية والقوانين؟ قال: تلك عقوبة عوقب بها المسلمون. (١) وجاء في تفسير روح البيان في تفسير قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) الآية ٥٩ من سورة النساء وما بعدها. إن هذه الآيات فيها دلائل على أن من رد شيئاً من أوامر الله وأوامر رسوله ﵌ فهو خارج من الإسلام سواءً رده من جهة الشك أو من جهة التمرد, ومن أجل هذا حكم الصحابة بردة الذين منعوا الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم. (٢) ?

стр. 52

ثانياً: ما ورد في السنة النبوية وردت في السنة النبوية أحاديث كثيرة منها ما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين وغيرهما قوله ﵌: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد) (١) وهذا الحديث قد بين فيه الرسول ﵌ وجوب العمل بالكتاب والسنة وأن ما خالفهما فهو باطل مردود, وهذا النص من السنة النبوية قد جاء ليقرر القاعدة العامة في البطلان كجزاء لكل تصرف غير شرعي سواءً كان قانوناً أو قراراً أو لائحة أو حكماً, فكل حكم أو قرار يخالف أحكام الشريعة الإسلامية والعدالة الإنسانية فهو باطل بقوة القانون الإسلامي, فالسلطات العامة في الدولة الإسلامية مقيدة في عملها بألا تخرج عن أحكام الشريعة الإسلامية والدستور الإسلامي المستمد منها، فهي ليست سلطات مطلقة بل إن السلطة التشريعية مقيدة فيما تسنه من قوانين بألا يتجاوز إطار الشريعة الإسلامية الغراء. وقد ورد في لفظ حديث ابن عباس أن النبي ﵌ خطب في حجة الوداع وقال: (يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه) (٢) , وهذا الحديث صريح في وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة ووجوب الأخذ بهما طريقاً ومرشداً وحكماً في كل شؤون الحياة السياسية والاجتماعية الثقافية والتشريعية وفي كل أمور العبادات والمعاملات وفي كل شؤون الدنيا والآخرة، وأن ما عدا ما ورد في الأدلة الشرعية فهو مردود مرفوض، ومما يؤكد ذلك أن الرسول ﵌ حينما بعث معاذ إلى اليمن قال له: (بما تقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله. قال: أقضي بسنة رسول الله ﵌. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله. قال: أجتهد رأيي ولا آلو جهداً. قال: فضرب بيده في صدري وقال: الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله) (٣) , ووجه الدلالة أن الرسول ﵌ قد وافق على حصر مصادر الحكم في كتاب الله تعالى فإن لم يوجد فيه نص ففي سنة رسوله ﵌ فإن لم يوجد في ذلك نص فإن باب الاجتهاد في الاستنباط يكون مفتوحاً للعلماء ضمن الضوابط والشروط التي حررها علماء الأمة المحكوم به في الحديث على الأدلة الشرعية التي يستنبط القاضي حكم الواقعة منها شائع معروف عند الفقهاء, فإنهم يطلقون المحكوم به على الأدلة الشرعية. قال ابن رشد: المقضي به وهو الكتاب والسنة. وقال ابن فرحون: هو وميارة (٤) المقضي به وهو حكم من الكتاب والسنة، وجاء في مراتب الإجماع لابن حزم، ولقد اتفق العلماء على وجوب الحكم بالقرآن والسنة بالإجماع (٥) وقد أخرج الحاكم في المستدرك في باب الأحكام من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (ألا أيها الناس لا يقبل الله صلاة إمام حكم بغير ما أنزل الله) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٦). وهذه الأحاديث الثابتة تفيد وجوب اتباع القرآن الكريم والسنة النبوية في كل شؤون الحياة، بل أن وجوب الأخذ بهما واستنباط الأحكام منهما هو ما تقتضيه الفطرة السليمة والعقل القويم والمنطق السديد، وتقيده أسباب ومبررات اجتماعية وفطرية منها أن الشريعة الإسلامية هي منهج الله ونظامه الذي وضعه للإنسانية وابتعث به رسول الرحمة محمد ﵌، فهو منهج الله الصانع الخالق الذي يمتاز برقيه وكماله وخلوه من الجهل والوهن والضعف وبعده عن الميول والهوى فهو ليس كمنهج البشر الذي لا يخلو من ضعف أو نقص أو محاباة، فمنهج الله لا محاباة فيه لفرد ولا لطبقة ولا لشعب ولا

стр. 53

لجنس, لأن الله جل وعلا متجرد متنزه بجلاله عن هذه الأخلاق والآفات الذميمة التي يتصف بها البشر, والخالق للبشر هو الذي يعلم ما جبلت عليه فطرة الإنسان الحقيقية وما تحتاج إليه في حياتها من وسائل وما تسعى إلى تحقيقه من أهداف وما يصلح به شؤونها، لذا فهو القادر على أن يضع لهم النظام الأمثل بدون عناء ومشقة وبدون خوض لتجارب ترهق المجتمع وتكلفه الثمن الباهظ، فالفكر البشري في مختلف العصور لا يخلو من تعارض وتناقض ما لم يكن متمسكاً بمنهاج الحق الذي جاء من عند الله, ما ذلك إلا لأن الأهواء والرغبات والشهوات البشرية تتحكم فيه في كثير من الحالات. ويكفي في العصور القريبة منا مشاهدة تعارض النظامين الشيوعي والرأسمالي وانهيار النظام الشيوعي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وما يعاني العالم الآن من متاعب النظام الرأسمالي من تعاسة وشقاء وحروب وبلاء وانهيار في الأخلاق وسيطرة رؤوس الأموال على مقدرات الشعوب دون خضوع لقوانين العدالة الربانية, فتطبيق الشريعة الإسلامية يحمي الشعوب في إطارها الداخلي ويحمي الإنسانية جمعاء على المستوى الخارجي, لأن صفة الالتزام تتوافر للشريعة ليس فقط بالنسبة للأفراد داخل الدولة كما هو الشأن في القانون الوضعي ولكنها ملزمة أيضاً للدولة ذاتها قبل أفراد الشعب وقبل غيرها من الدول في العلاقات الدولية باعتبارها قانوناً إلهياً يسمو فوق البشر جميعاً أفراداً وجماعات ودولاً. ففي الداخل يجعل سلطة المجالس التشريعية والتنفيذية والقضائية محدودة بإطار القواعد الكلية للشريعة الإسلامية, فالمجالس التشريعية لا تملك الخروج على النصوص الشرعية أو تعديلها بالزيادة أو النقصان أو تبديلها, وفي هذا ضمان كبير لعدم سيطرة الأهواء والميول والشهوات سواءً كان من الأحزاب أو الفئات المتغلبة والمتسلطة في المجالس التشريعية وغيرها, فالفئة الحاكمة التي بيدها مقاليد الأمور وتملك الأغلبية في هذه المجالس لا تستطيع أن تخالف الشريعة الإسلامية أو تلغي أو تعدل نصوصها, وفي ذلك حماية للناس من التعسف في استخدام سلطاتها أو الشطط في سن القوانين أو تنفيذها وهذا هو الفرق بين صلاحيات المجالس التشريعية في الدول الإسلامية عن غيرها.

стр. 54

فسلطة الأمة في ظل القوانين الوضعية في غير الدول الإسلامية سلطة لا تخلو من العسف والأهواء فيما تمارسه من صلاحيات، فسلطة الأمة في ظل القوانين الوضعية أنها ممثلة في أحزابها, وهذه الأحزاب بما لها من ميول وأهواء وضعف بشري تدخل في تشريعاتها ما يتفق مع تلك الميول والغايات, كما أنها تخضع لتيار الشهوات البشرية الجارف الذي ينخر عظام الأمة ويسارع في انهيار بنيانها، فالزنا والخمر والاحتكار والربا والمقامرة لا تجرّم غالباً في سلطة النظم الوضعية, إلى غير ذلك من الآفات الخطيرة التي تحمى بقوانين تصب في مصالح طبقة أو أشخاص وتضر بالصالح العام, لأنها تعصف بالأخلاق والمبادئ والمثل ولا تقيم للعدل أي وزن أو اعتبار غالباً, ولربما يجد المتتبع أن كثيراً ما تسن تشريعات وضعية في هذا البلد أو تلك من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية للشعوب الأخرى من مناجم ومنابع للنفط بل ولإيجاد سوق لتصريف بضائعها أو نحو ذلك من الأمور التي تسبب التظالم وتنذر بانهيار الحضارات وتوجد مهالك وتكون سبباً في سخط الرب، بل إن هذه الأمم في ظل النظم الوضعية تسن قوانين تعلن الحرب من أجل استعلاءها واستيلاءها على الشعوب الأخرى وتجيز التعذيب للمدنيين من الشيوخ والنساء بلا وازع من الرحمة ولا رادع من ضمير. أما سلطة الأمة في ظل أحكام الشريعة الإسلامية فهي مقيدة بإطار الشريعة الإسلامية ومحكومة بقوانين العدل التي لا تستطيع أن تتجاوزها لأن الله تعالى يأمر بالعدل، ولا تستطيع المجالس التشريعية أن تخرج عن هذا الإطار بل ولا الحكومة ولا الملك ولا رئيس الدولة، فالحاكم لا يستطيع أن يقول لشعبه أن الشريعة معطلة أو أنها في إجازة وراحة أو أن يحكم بغيرها أو أن يسن هذا المجلس أو ذاك قوانين لا تتأطر في إطار الشريعة الإسلامية، ولذلك فإن الدولة الإسلامية بحق دولة قانون لا دولة رجال، وأن مجالسها التشريعية مجالس تسن ما يلبي احتياجات الأمة من التشريع الذي يُستَنبط من الأدلة الشرعية.

стр. 55

فالقانون واجب الاتباع إنما هو القانون العادل الذي يتحقق به النفع وتعم به الفائدة ويسير وفق منهاج الحق على هدى من شريعة الله, ومن خصائص الأمة أن تجعل من الشورى مبدء للتشريع ومنهجاً وسلوكاً يسير عليه علمائها وذوو التخصص من أبنائها, ذلك أنه لما كانت النصوص متناهية والأحداث غير متناهية فمن الضروري أن يحال تفهمها على أولي العلم حتى يطبقوا النصوص ويوجهوا إليها أحداثهم الجديدة لتحكمها النصوص, وهذا هو مسلك القرآن قال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإلى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (١) ولا اعتراض على القرآن حين اقتصر على كبريات الجرائم والعقوبات ومهمات الأمور وترك الباقي لأولي العلم يبينونه ويفسرونه بعد أن رسم لهم مبادئ كلية لا يجوز لهم الخروج عليها، فما وصلت إليه الديمقراطية في المجالس النيابية وعرف بالسلطة التشريعية ليس جديداً على القرآن إذ قد سيق في تقرير مبدء الشورى كما أوضح ذلك الدكتور محمد عبد المنعم الضبعي (٢) وقال أنها إذا كانت دساتير العالم الحديث تفصل السلطات وتؤكد استقلالها فإن القرآن أكد هذه المبادئ وأقر سلطة تشريعية خولها في الحقوق أن تنظر في مصالح المسلمين، وأن ما تراه حجة عليهم يلتزمون به, على أن للسلطة التشريعية قواعد يجب أن نلتزم بها لخصها في أربع نقاط: ١. أن لا تخالف نصاً في كتاب أو سنة صحيحة. ٢. أن يتمتع أفراد هذه السلطة بسداد الرأي. ٣. أن تكون المناقشات في حرية تامة بعيدة عن الجدل, وأن يكون الغرض منها الوصول إلى الحق. ٤. اتباع الحق ولو انفرد به واحد وألا يناقَش أمرٌ فرغ منه. قلت ويضاف إلى هذه النقاط ما يشير إليه العلماء في إعمال القياس وعدم مخالفة الإجماع وعمومية النص وتجريده وتوافقه مع المبادئ العامة للتشريع القائم على العدل

стр. 56

الذي أمر الله به وإلى هذه القواعد يقول الله في صفات المؤمنين: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَأهم يُنفِقُونَ) (١) وبيان ذلك: أن الخروج على النص يتنافى مع استجابتهم لربهم, واستقامة السيرة عنوانها إقامتهم للصلاة حيث يعاونون بها على إقامة الدين كله وسداد الرأي والبعد عن المراء والجدال وابتغاء الحق, لأن ما يبحثون فيه هو في شؤونهم التي تستقيم به مصالحهم ولذلك قال الله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) واتباع الحق من أمر الله الذي دعأهم أن يستجيبوا له, وما فرغ منه لا تعاد المناقشة فيه بعد تصفيته وإلا كان سفسطة لا يرجى من وراءه خير, وإذا الذي تراه السلطة التشريعية يلتزم الناس به وهو التشريع بأوسع معانيه في الأمم الحديثة, وإذا اصطلح الناس على تسمية الأشياء بأسماء يتعارفون عليها فلا مشاحة في الاصطلاح كأن يصطلح شراح القانون على تسمية ما يقدم به الممثل للشعب في السلطة التشريعية (اقتراحاً بقانون) وما يتقدم به رئيس الدولة (مشروعاً بقانون) , فمن البديهي أن القرآن ترك كثيراً من الأشياء للناس يكيفونها حسب ظروفهم ويبوبونها حسب مصالحهم فليس فيه ما يمنع من أن نعتبر المرحلة التي تزاولها السلطة التشريعية لها خطوتان: الخطوة الأولى ولها مراحل: أ- الاقتراح. ب- التعديل. ج- المناقشة. د- التصديق إن رضيت به الأكثرية.

стр. 57

الخطوة الثانية: التنفيذ ويبدأ بالإصدار للنص ويكفي في حجيته إمكان علم الناس به فقد جاء في كتاب الله عن تبليغ رسالة الله (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (١) , وقوله علت كلمته وعظمت حكمته (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (٢) , ومعلوم أن التشريع يتدرج, فأعلاه ما وجد فيه نص صريح عليه من كتاب الله تعالى وتليه السنة ثم الإجماع المستند إلى دليل شرعي, وللإجماع شروطه المبسوطة في أصول الفقه, ثم تأتي بقية الأدلة من قياس واستحسان أو استصحاب أو مصالح مرسلة, ثم تأتي الأحكام القضائية التي قضى بها بعض الصحابة ﵃ أو الاستئناس بالعرف وأقوال المجتهدين وغير ذلك بشرط ألا تجافي أسس التشريع من الحرية والمساواة الذي أحاطهما القرآن بعناية وقررها بقوله (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (٣) , ويقول (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى) (٤) ولا بد أن تتفق كل التشريعات مع الدستور الأعلى وهو القرآن والدستور المستمد منه ويجب الطعن بعدم دستورية الأحكام المخالفة قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (٥) , وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (٦). وبيان ذلك أن الله أمرنا بوجوب الطاعة له ولرسوله وكرر الفعل فيها ليبين أن طاعتهما مستقلة متى ثبت نسبة الحكم إليهما، ثم أمرنا بطاعة أولي الأمر من غير تكرار الفعل (أَطِيعُوا) ليبين أن طاعتهم تقاس بمدى استمساكهم بحكم الله ورسوله أولاً ثم قدم

стр. 58

لهم النصح حيث قال: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) وهذا من صيغ العموم بدليل الشرط والنكرة فيشمل أي تنازع كان فيجب رده إلى الله ورسوله وذلك من شرط الإيمان، ثم بين علة الحكم بالرجوع إلى الله ورسوله فقال: (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً). وفي الحديث الذي أخرجه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما ابتعث معاذ إلى اليمن قال له: بم تقضي؟ قال: بكتاب الله - قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد: قال أجتهد رأيي. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله). كما يجب أن يراعي التشريع النظام العام والآداب العامة، ونعني بالنظام العام مجموعة المبادئ العامة الموضوعة لتنظيم سلوك الناس المتضمنة للعدالة التي يقرها الشرع والتي يجب ألا يغفلها أي تشريع, ومما لا شك فيه أن النظام العام هو ما تضمنه القرآن من أسس قال تعالى: (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) (١). وبيان ذلك أن الله أوجب علينا اتباع ما أنزل إلى الناس وهو القرآن الكريم وقد حوى المبادئ المشروعة التي تنظم سلوك الناس وتضمن أسمى مبادئ العدل ونهانا أن نتبع ما سواه, فهو أقل قيمة وتأثيراً, أما الآداب العامة فهي قواعد الأخلاق التي تتفق مع العقيدة الدينية وإن خالف تقاليد الناس وعاداتهم المرذولة, وهذا هو معنى عمومها ولا عبرة بعادات مرذولة اتفقت عليها بيئة معينة. وقد حوى القرآن مبادئ الآداب العامة وقررها في غير موضع, سواء تعلقت أحكامها بالأحوال الشخصية أو المدنية أو غير ذلك، ونشير إلى جمل مما أورده القرآن الكريم. قال تعالى في سورة النور: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا

стр. 59

تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ * قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أَبْنَائِهِنَّ أو أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أو نِسَائِهِنَّ أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أو التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْلأرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (١). وبيان ذلك بإيجاز أن للبيوت حرمة فيجب أن تصان وتحترم ولا يجوز ولوجها (٢) دون إذن أهلها, فليس من حق أي زائر أن يخدش حرمتها فعليه أن يقف حتى يؤذن له, ثم ليسلم على من في الدار, وما أحسن التعبير بقوله (حتى تستأنسوا) وهو أدق من الاستئذان أما إن كان البيت غير مسكون وفيه متاع لنا فلا حرج من دخوله ثم أمر المؤمنين بالغض من البصر وليس معناه إغماض العين فتهدده الأخطار بل الوقوف بالبصر عند الشيء الذي أحل الله أن ينظر إليه فالنظرة مقدمة لما ورائها من فاحشة في الغالب ولذا أردف يقول سبحانه (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) والله رقيب عليه يرصد حركاته ويحاسب عليها، ثم أرشد المرأة إلى كل ما يصون كرامتها من وجوب غض البصر وحفظ الفرج كما أمر الرجل وأمرها ألا تظهر من الزينة ما تكون بها فتنة على الناس، ودعاها إلى الوقار والحشمة وكلفها ألا يطلع على زينتها إلا أناس يفهمون شأنها ويحافظون عليها ويغارون لكرامتها وهم ما بين زوج أحلت له أو أب لها أو لزوجها أو ابن لها أو لزوجها أو أخ أو ابن أخ أو ابن أخت أو امرأة مثلها أو خادمتها أو تابع انقطعت صلاته بالنساء أو طفل لا يميز، وكل هؤلاء لا يتجاوزون النظر إلى يسير من بدنها، ورتب على مراعاة هذه الآداب

стр. 60

الفوز بالجنة فكل ما خالف النظام العام والآداب العامة فباطل , قال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً) (١). ولأن إقرار القوانين في المجالس النيابية لا يتم إلا بعد تمحيصها ودراستها والتصويت عليها, لهذا فإننا سنأتي قريباً على ضوابط التصويت وبيان جواز التشريع والتقنين استنباطاً من الأدلة الشرعية. وأنه ليس في ذلك ابتداع أو خروج عن الشرع لما لبيان ذلك من الأثر الطيب, ولأن المبدء الذي يقوم عليه هذا الأمر هو إلزام الكافة بالقواعد التي يتم استنباطها في مختلف سلطات الدولة، ولأن ذلك لا يخرج الأمة عن الجادة، ولا يمنعها من العمل بكتاب الله وسنة رسوله بل يلزمها به، ولكون مسألة التقنين في المجالس التشريعية إنما ظهرت حديثاً في الشكل والقالب الجديد للدولة العصرية، وإن كان الاستنباط للأحكام والعمل بذلك معروفاً منذ فجر الدولة الإسلامية, غير أن ظهور ذلك في الشكل الحديث قد أظهر انقساماً بين بعض العلماء واختُلف حتى في جواز إطلاق كلمة قانون على ما يستنبط من الأدلة الشرعية من القوانين الإسلامية وتهيبها البعض وأطلق مسمى نظام على القواعد المنتقاة من أحكام الشريعة، وانتقد البعض إطلاق كلمة المُشرّع على من يقوم باستنباط الأحكام وتقنينها، وكل ذلك مما يستدعي الإيضاح والبيان، وذلك لإزاحة ما قد يطرأ على الأمر من لبس وغموض يفت في عضد الأمة ويجعل مجال تطبيق القانون العادل محل تظنن وتردد، لهذا رأينا إيراد بيان ذلك في هذه العجالة وإن كان ذلك على سبيل الإيجاز وبما يفي بالغرض المطلوب بإذن الله.

стр. 61

القانون المناط سنّهُ بالمجالس التشريعية وبيان جواز إطلاق كلمة القانون على ما تصدره المجالس التشريعية أولاً: التعريف القانون في اللغة: مقياس كل شيء وطريقه كما ورد في القاموس المحيط (١)، وفي لسان العرب قانون كل شيء طريقه ومقياسه (٢) وقال الجوهري في الصحاح: القوانين الأصول الواحد قانون وليس بعربي (٣). ثانياً: في الاصطلاح القانون يعني القاعدة والنظام الثابت. وقال الجرجاني أن القانون في الاصطلاح هو أمر كلي منطبق على جميع جزيئاته التي يتعرف أحكامه منه كقول النحاة: الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب والمضاف إليه مجرور (٤). وقال الدكتور محمد عبدالجواد محمد أن القانون يعني النظام الثابت وعلى ذلك فالنظام تعريف القانون، قال: وكلمة قانون يونانية الأصل وانتقلت إلى اللاتينية ثم إلى الفرنسية ومعناها القاعدة (٥). وإذاً فإن القانون المطلوب سنّهُ أو استنباطه من قبل المجالس التشريعية هو القانون العادل الذي لا غنى للأمة من الأخذ به وحسن تطبيقه في نص واضح بعد صياغته وإصداره في صيغة قوانين ضمن الضوابط والشروط التي سنأتي على بيانها سواءً كان في المسائل المتجددة والتي بها تنتظم الحياة أو فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية

стр. 62

وغيرها مما لا نص فيه أو فيما يتعلق بحسن تطبيق الأحكام الشرعية فيما فيه نص واضح بعد صياغته في شكل قانون. ومع ذلك فإن المجالس التشريعية فيما تصدره من قوانين مقيدة بالشريعة غاية ووسيلة، فهي لا تملك وضع قوانين تخالف الدستور الإسلامي المتمثل بالكتاب والسنة أو المستمد منهما فإن فعلت كانت متعدية لقوله تعالى: (ومَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (١). فصلاحية السلطة التشريعية في المفهوم الإسلامي مقيدة بالنصوص الشرعية, فهي لا تملك أن تلغي نصاً من النصوص الشرعية أو تبدله بغيره، ولكنها تملك حق تفسير النصوص عن طريق الاجتهاد فيما يتناسب مع الظروف الزمانية والمكانية, وسواءً كانت هذه الاجتهادات موافقة للاجتهادات الصادرة عن المجتهدين السابقين أو مخالفة لها كما سبق أن أشرنا إلى ذلك, وليس هناك في شريعة الله ما يمنع من وضع المسائل الشرعية في شكل نصوص قانونية، ولا ما يمنع من استنباط الأحكام الشرعية في المسائل المستجدة والذي تنتظم به شؤون الحياة وصياغة هذه المواد على شكل نصوص قانونية ويصدر بها قرارٌ بقانون من رئيس الدولة إذا كان النظام جمهورياً أو مرسوم ملكي إذا كان شكل النظام ملكياً بحسب شكل نظام الدولة الإسلامية الذي تختاره الأمة في أحد أشكال الدولة القانونية الحديثة, ولا يوجد ما يمنع من استعمال كلمة قانون في التشريعات الإسلامية. فالكثير من علماء هذه الأمة المشهود لهم بالفضل والدين وعُرِفوا بتحكيم شرع الله واستنباط الأحكام من كتاب الله ومن السنة النبوية قد أطلقوا كلمة القانون على كثير من القواعد الشرعية فقالوا: القوانين الشرعية والقوانين السياسية، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاواه يقول: فتلك القواعد الفاسدة التي جعلوها قوانين ثم إن هذه القوانين فيها ما هو صحيح لا ريب فيه (٢).

стр. 63

وقد جعل الفقيه المالكي ابن حزم عنوان كتابه في الفقه قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية, وابن رشد يقول في بداية المجتهد لتكون كالقانون بالمجتهد (١) والقرافي يقول: وعلى هذا القول تراعى القوانين وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام، (٢) والماوردي في الأحكام السلطانية يقول بأنه مندوب لحفظ القوانين واستيفاء الحقوق، (٣) وبهذا يتضح أن الكثير من العلماء قد استعمل هذه الكلمة (القانون) دونما حرج. ونكتفي بهذه الإشارة التي تزيح الشك وتذهب اللبس وتبين أن علماء كبار قد استعملوا كلمة قانون دونما حرج، (٤) أما كلمة التقنين المصطلحة فمأخوذة من القانون والقانون معناه العام يقابل الشريعة فهو مجموع القواعد العامة الملزمة التي تحكم سلوك الأفراد. (٥) فالتقنين على هذا الأساس هو وضع هذه القوانين المتعلقة بفرع من فروع القانون في مجموعة على شكل مواد مرتبة ومبوبة يرجع إليها عند التطبيق, فيقال مثلاً قانون الأحوال الشخصية أو قانون العقوبات أو قانون المرافعات المدنية أو الجزائية أو قانون الخدمة المدنية ... الخ. فكل من القوانين يعالج مسائل مختلفة عن الأخرى ولا يهم التسمية بالقانون أو التقنين وإنما المهم المبدء الذي يقوم عليه هذا الأمر وهو إلزام هذه الجهة أو تلك أو هؤلاء الجماعة بالعمل بمقتضى هذه القوانين دون خروج عنها، وإن كانت بعض الدول تسمي القانون نظاماً كما هو الحال في المملكة العربية السعودية فإنه لا ضير في ذلك، وقد سبق وأن بيّنا في تعريف المصطلحات أن القانون يعني القاعدة والنظام الثابت. وإذا كان هناك من اختلاف في مصطلح البحث من حيث الترتيب طبقاً لمنهج البحث القانوني فإن الترتيب المعهود للتشريعات الوضعية هو أنه يأتي الدستور أولاً ثم القانون ثم

стр. 64

النظام ثم اللائحة فالتشريعات حينما تصدر قانوناً يشترط أن لا تخالف القانون الأعلى فيها كالدستور والقانون الأصلي الذي انبثقت عنه تلك التشريعات. وإذا كان من المعلوم أن الحياة متجددة ومتطورة فإن القوانين تتطور بتطورها، فالقانون الموضوع لمجتمع إنساني معين يجب أن يساير هذا المجتمع في تطوره الحضاري ولهذا فإنه يفترض ويشترط فيه عند وضعه العمومية والتجريد وأن يحقق مصالح راجحة وأن لا تخالف قواعده أحكام الشرع وأن تكون قواعده وأحكامه مناسبة للمجتمع الذي وضع فيه، فالأحكام قد تتبدل بتبدل الأعصار, فمثلاً إذا كانت العادة أن تكون عمارة البيوت كلها على نسق واحد وكان العرف أن من رأى بيتاً واحداً واشترى عدة بيوت فإن رؤية ذلك البيت تكفي, ثم إذا تبدل العرف وجرت العادة أنها لا تكفي رؤية بيت واحد لمن يريد شراء مجموعة بيوت لأن العادة قد تغيرت وصار الناس يعمرون البيوت بأشكال مختلفة إذا فإنه لا بد من رؤية كل بيت على حدة، ووفقاً للعادة الحالية لا القديمة, وكذلك تقدير الأجرة للمساكن وتقدير أجر المسافات للركوب على وسائل النقل فإنه لا يمكن تقرير أحكام ذلك العرف والعادة القديمة بالقانون القديم الذي بني على العرف والعادات القديمة , نظراً لتبدل الوسائل وتطور الزمن, ولهذا فإن الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين وضع عنواناً قال فيه: فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأمكنة والأزمنة والأحوال والعوامل, وخير مثال على ذلك ما حصل من تغيير في آراء الإمام الشافعي رضوان الله عليه لمجرد انتقاله من الحجاز إلى العراق إلى مصر, ولما كان ذلك فإن استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية ومعالجة أوضاع الناس وأحوالهم في هذا العصر يعتبر من أكبر الواجبات, فيتعين على المجالس التشريعية أخذ القواعد والضوابط التشريعية التي تعالج شؤون الحياة من منهج الله ونظامه وسننه وأحكامه, فالشريعة صالحة لكل زمان ومكان. وبهذا العرض الوجيز نكون قد أتينا على بيان أهم الضوابط التي يجب أن تراعى في المجالس التشريعية عند إصدار القوانين وأوضحنا جواز إطلاق كلمة القانون على ما يصدر من هذه المجالس.

стр. 65

وما أحوج الأمة اليوم إلى أن تدفع بمجموعة من علمائها إلى المجالس التشريعية لتستخرج من الأدلة الشرعية تشريعاً فيه شفاء لعلل الأمة وأدوائها في شتى مجالات الحياة وفي جميع أبواب المعاملات لتكون قوانينها هي مرجع الناس جميعاً حكاماً ومحكومين ومنهل ورودهم ومحل تطبيقهم لشرع الله, فهذه هي الدعوة الصادقة لتحكيم شرع الله والاعتصام به (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١). ومسألة التقنين وإن كانت لم تظهر في شكلها المعاصر في العالم الإسلامي إلا في أواخر الدولة العثمانية (١٢٥٥هـ الموافق ١٨٣٩م) كما يقول الدكتور عبد الناصر موسى (٢) , أما أبي الأعلى المودودي فهو يرى أن الهند هي أول من أدخل القوانين الوضعية في البلدان الإسلامية حيث يقول: وكان أول بلد استبدلت فيه القوانين الإسلامية بالقوانين الوضعية هو الهند في عام ١٧٩١م كأثر للاستعمار البريطاني (٣) , وتأتي الجزائر بعد ذلك سنة ١٨٣٠م (٤) , فتكون الدولة العثمانية بعد ذلك أي في عام ١٨٣٩م , وما بعد قد أوجدت ازدواجاً تشريعياً وقضائياً كنتيجة لأثر من آثار الضعف الذي أصاب الدولة الإسلامية والحضارة العربية الإسلامية، ولا شك أن الاعتقاد الذي ساد بأن الاقتباس من النظم الأوربية ومن الدول المتقدمة يؤدي إلى تقدم الدول الإسلامية الضعيفة قد زاد من وهن الدولة الإسلامية لحصول الازدواجية في التشريع وعدم إحياء الحضارة العربية الإسلامية بما يجعلها تواكب الحضارة الغربية, وكل ذلك أدى إلى العزوف عن أحكام الشريعة وعدم العودة إلى الفقه الإسلامي لاستنباط الأحكام وتقنينها في شتى مناحي الحياة تعويلاً على ما يأتي من الغرب فعمت ازدواجية التشريع الكثير في البلدان الإسلامية إن لم نقل أنه تم الاستبدال في بعض الأحوال للقانون الإسلامي بالقوانين الغربية دون مراعاة لحاجيات المجتمع العربي وخصوصياته الإسلامية (٥).

стр. 66

وإذا ما استثنينا بعض الأقطار الإسلامية كاليمن ونجد وأفغانستان فإن ازدواجية التشريع كما يقول الدكتور محمد عبدالحميد عمت مختلف الأقطار الإسلامية وقد رأى كثير من العلماء ضرورة تقنين أحكام الشريعة، ومن هؤلاء العلماء الشيخ محمد عبده (١) والأستاذ العلامة محمد رشيد رضا (٢) والشيخ محمد عبدالعزيز حفيظ والعلامة أحمد شاكر والعلامة أبو العلاء المودودي وكذلك الشيخ علي الخفيف والشيخ حسن مخلوف والأستاذ العلامة مصطفى الزرقا وغيرهم ممن يرون وجوب التقنين, وممن يرى أن ذلك نافعاً العلامة علي الطنطاوي من علماء الشام (٣)، والعلامة الدكتور وهبه الزحيلي (٤) والأستاذ الدكتور محمد فتحي الدريني, وممن يرى جواز التقنين العلامة محمد المرمر والشيخ أحمد فهمي أبو سنه والشيخ عبدالعزيز عبدالله آل الشيخ والشيخ عبدالوهاب الحافظ (٥) وغيرهم الكثير. والخلاصة أن التقنين لأحكام الشريعة الإسلامية في المجالس التشريعية من قبل متخصصين علماء تحويهم هذه المجالس هي ضرورة لا بد منها حتى تكون هناك قواعد عامة ملزمة تحكم سلوك الأفراد في شتى مناحي الحياة، فالتقنين على هذا الأساس هو وضع هذه القواعد المتعلقة بفرع من فروع القانون في مجموعها على شكل مواد مرتبة ومبوبة، ويشترط فيها ألا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية والدستور المنبثق منها، وسنأتي على ضوابط التصويت وإطاره الأخلاقي في المجالس التشريعية, ولكننا قبل ذلك نشير بإيجاز إلى أهم عوامل نجاح المجلس التشريعية وماذا يجب عليها أن تعمل في هذه المجالس حتى تصوت على مشاريع القوانين.

стр. 67

عوامل نجاح المجالس التشريعية إن من أهم عوامل نجاح المجالس التشريعية هو احترام أعضاء المجالس التشريعية لهذه المؤسسة والعمل على مد روابط الثقة فيما بين أعضاء هذه المؤسسة أولاً ثم ما بين الناس وممثليهم في هذه المجالس, وتطوير الثقافة المعرفية التي تمكن الأعضاء من فهم القواعد الأساسية لعمل هذه المجالس وتجعلهم على دراية وفهم بما يمارسونه ويسعون إلى تحقيقه طاعة لله وخدمة لأوطانهم ومجتمعاتهم حتى يشعر الجميع في هذه المؤسسة بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم, وأنهم يتقاسمون جميعاً المسؤولية ويتحملونها, وذلك ما يتطلب العمل على إيجاد قواسم يتم الألتقاء عليها ويتأكد الصلة بها في تعميق الروابط الثقافية ومد جسور الاخاء بين الاعضاء, والنظر إلى المصلحة العليا لجميع الأمة في مختلف أقطارها أساس للنجاح فليس ثم مصالح شخصية ولا عداوات تنشأ لأمور شخصية وإنما هي مصالح أمة, وقد قال بعض المثقفين من رجال الفكر والسياسة: لا تحرقوا الجسور في السياسة, إذ لا يوجد أعداء دائمون, كما لا يوجد أصدقاء دائمون, ففي الوقت الذي تكون فيه كارهاً أو حتى نافراً من بعض الزملاء تذكّر أن خصم اليوم قد يكون حليف الغد. (١) ومعلوم أنه قد جاء سابقاً لهذه المقولة المشتملة على الحكمة ما ورد في الهدي النبوي (أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما, وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما) (٢) , وجاء في بعض كلام الشعراء: فهون في حبٍ وبغضٍ فربما ... بدا صاحبٌ من جانبٍ بعد جانبِ وقال الإمام علي ﵁: وأحبب إذا أحببت حباً مقارباً ... فإنك لا تدري متى الخير نازع وأبغض إذا أبغضت بغضاً مقارباً ... فإنك لا تدري متى الحب راجع (٣)

стр. 68

والمجالس التشريعية إنما تُعمّر بأخلاق الأعضاء الاكفاء, وإذا كانت وظائف المجالس التشريعية تتمحور في نقاط ثلاث وهي: - المهام الدستورية: فهو يصادق على المعاهدات والاتفاقات الاقتصادية والسياسية الدولية ذات الطابع العام, وله حق توجيه التوصيات للحكومة, وحق مباشرة سحب الثقة, وحق تقصي الحقائق في أي موضوع يتعارض مع المصلحة العامة, وفحص نشاط الوزارت والهيئات والمؤسسات وفقاً لأحكام الدستور. (١) - المهام المالية: وتتمثل في إقرار الميزانية العامة للدولة, ومناقشتها قبل اقرارها ثم الاشراف على انفاقها وصرفها, كما سبق الاشارة إلى ذلك. (٢) - المهام التشريعية: وتمثل الوضيفة التشريعية الإختصاص الأصلي لهذه المجالس وسبق التوضيح بأن هذه التشريعات التي غالباً ما تقترحها السلطة التنفيذة تمر بعدة مراحل, فتحال أولاً إلى لجان متخصصة للدراسة قبل أن تعرض على الهيئة التشريعية مجتمعةً للمناقشة. فإن من أهم عوامل النجاح في القضايا السياسية تعرّف الأعضاء واللجان المتخصصة في المجلس على غرض التشريع ونطاقه وعلى ما ينص التشريع ومن يستهدف مشروع القانون, بحيث يعرف من ينتفع من مشروع القانون ومن يضره؟ وما هي الحقوق والواجبات والمسؤوليات التي يحددها هذا القانون أو ذاك؟ وهل يتفق مع قوانين العدالة ونواميس الفطرة واحكام الشرع؟ ومن الذي سينفذ هذا القانون أو سيدير النتاج أو البرنامج أو النشاط الذي ينتج عن مشروع القانون؟ كما يجب التعرف على حقوق ومسؤوليات الموظفين السياسيين والإداريين في هذه الوزارة أو تلك , وهل يمكلك الوزير أو الموظفون الحكوميون السلطة الكافية لتنفيذ هذا القانون بمقتضى أحكامه؟ كما يجب أن يتم التعرف على التأثير السياسي أو الاقتصادي

стр. 69

والاجتماعي لهذا المشروع, وهل تملك الحكومة الوسيلة المالية والادارية للسيطرة على هذا التشريع؟ وما هي العوامل والوسائل لتنفيذه؟ وما هي الجزاءات والعقوبات المدنية والجنائية التي يجب أن يتضمنها هذا القانون؟ وكيف سيتم الحصول على الموارد المالية لتغطية النشاطات التي تستلزم تنفيذ مشروع هذا القانون؟ وما المشورة التي يجب أن يأخذ بها من ذوي الإختصاص في الوزارات أو المنظمات أو النقابات أو المؤسسات أو الجامعات أو المساجد أو الشركات؟ وما الذي يمكن فعله للتأكد من أن القانون سيحقق المصلحة العامة بما يعود بالخير والسعادة والصلاح للمجتمع والأمة كافة؟ وأن ذلك سيحقق مصلحة راجحة في الحاضر وللأجيال في المستقبل, وأنه لا يتعارض مع أحكام الشريعة أو مع قوانين العدالة ونواميسها أو مع تشريعات أخرى قائمة ولا تزال موجودة أو مع معاهدات أو اتفاقات دولية لا تزال سارية المفعول بمقتضى قانون عادل, وبحيث لا يتعارض أيضاً مع السلطات القانونية والثقافية المحلية (١) التي لا تختلف مع شرع الله تعالى. فمن عوامل النجاح تفحص عضو المجالس التشريعية مثل هذه الأمور في مشاريع القوانين واللوائح كي لا تتسبب في الوقوع في حرج عند التصويت إما بالوقوف مع أو ضد هذه المشاريع, فالكلام عند التصويت على مثل هذه الأمور يعتبر حاسماً والتحضير المسبق يمثل صمام أمان, فحق التحدث والمشاركة في النقاش وقول ما يفكر به العضو ويقتنع به عن قانون مقترح أو ميزانية مقترحة مكفول بمقتضى اللوائح والقوانين, وكذلك حق توجيه أي استفسار أو سؤال, وحق التصويت مكفول لكل عضو من أعضاء الهيئات التشريعية باعتباره ممثل للجمهور ومن حقه ومسؤوليته أن يصوت على المواضيع أمام الهيئة التشريعية. (٢)

стр. 70

ضوابط النقاش والتصويت وإطاره الأخلاقي مما لا شك فيه أن الحق ﵎ حينما شرع لعباده نظام الشورى فإنه شرع ذلك لحكم بالغة ومقاصد عظيمة نظراً لما تفرزه الآراء من فوائد جليلة ومصالح عظيمة تعود على الأمة بالنفع العظيم وعلى الدولة والمجتمع بالخير العميم في كثير من الحالات, ولو لم يكن في ذلك إلا امتثال أمر الله والاقتداء بهدي رسوله محمد ﵌ لكفى, فضلاً عن كون الشورى والتصويت في مجالس التشريع نوع من أنواع الحوار المفتوح مع أهل الإختصاص الذي يمزج الأفكار ويطلعها على سداد الرأي المتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية ودستور الدولة المستمد منها ويحسم الخلاف عند الاقتراع والتصويت، وذلك ما يحث على الابتكار ويشجع على الاجتهاد، ويؤتي ثماراً طيبة تسعد به الأمة وتنتظم به شؤونها. وذلك ما يتطلب من عضو المجلس عند التصويت والاقتراع التزام الأمور التالية: ١ - ألا يكون متعجلاً عند التصويت, بمعنى أنه لا يجوز له أن يصوت على أمر حتى يعرف حقيقة ما يصوت عليه, فالإلمام بالواقع يمثل أمراً شديد الأهمية, فكل قرار في أي مجال من مجالات الحياة السياسية أو المدنية أو الاقتصادية أو غير ذلك يصوّت عليه من قبل هذه المجالس لا بد وأن يكون قد استظهر المجلس فيه وجه الحق, فمهما بلغت كفاءة مصدر هذا القانون المصوت عليه ومكانته فإنه سيكون حتماً قراراً صائباً إذا كان قد عرف فيه وجه الحق وألم به، وقراراً خاطئاً إن هو أخطأ في معرفة الواقع الذي يعالجه، والقرآن الكريم يرشد إلى هذه الحقيقة وذلك في عداد توكيد ضرورة التأني والتثبت والتبين والبعد عن الإستعجال والإرتجال في اتخاذ القرارات, ومن ذلك قول الحق ﵎: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: من الآية٦) , وهذا النص يفيد ضرورة الإلمام بالحقيقة والواقع إلماماً كاملاً قبل إصدار القرار في أي مجال من مجالات الحياة.

стр. 71

وذكر الثعالبي في تحفة الوزراء أن المشورة يستعان بها في تدابير السياسة، والسياسة نظام الدولة التي بها بقاء الدولة واستمرارها, فإذا ضعفت الآلة أو فسدت أدى ذلك إلى ضعف الدولة وفسادها (١). وهذه القاعدة تنطبق على كل القرارات في شتى مجالات الحياة، فضعف المجالس التشريعية والتعجل في إصدار القوانين دون إدراك عدم ملاءمتها للحياة يضعف الدولة ويؤدي إلى تهالكها وفسادها. فالتأنّي والتثبت ودراسة الأمور من جميع جوانبها عند التصويت ووضع مواد القانون هو مما يرشد إليه العقل وتقتضيه فطنة الرجل الذكي، وقد جاء في الحديث: (استرشدوا العقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا) (٢) وجاء في منثور الحكم "كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجارب" (٣) ومعلوم أن الشورى لا تكون إلا مع أهل الخبرة والعلم بحقائق الأمور ولا يكون الإنسان من أهل الخبرة والعلم إلا إذا كان ملمّاً بواقع ذلك الأمر ومطّلعاً عليه وعلى حقيقته قبل إصداره، وقد أحسن الشاعر حيث يقول: ... إذا كنت في حاجة مرسلاً ... فأرسل حكيماً ولا توصهِ وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيباً ولا تعصه ونص الحديث إلى أهله ... فإن الوثيقة في نصه إذا المرء أضمر خوف الإله ... تبين ذلك في شخصه وإن ناصح منك يوماً دنا ... فلا تنأى عنه ولا تعصه ورحم الله المأمون فإنه أوصى ولده وعلمه بقوله: استشر ذوي التجريب والحيلة، فإنهم أعلم بمصادر الأمور وتقلبات الدهور، وأطيعوهم وتحملوهم فيما يغلظونه من قول أو يكشفونه من عيب لما ترجونه من حالة تصلح وفتق يرتق (٤).

стр. 72

ولا شك أن هناك أهل اختصاص وخبرة يجب أن تُرجع إليهم لأن أمور التشريع مما تحتاج إلى إلمام ومعرفة, ولذلك فإنه ينبغي أن تعتمد مجالس التشريع في الشورى على أصحاب الإختصاص فلا يتعجل التصويت قبل أخذ رأيهم في المسائل المعروضة التي تحتاج إلى نوع من المعرفة والخبرة, ففي شؤون الدين والأحكام يستشار علماء الدين, وفي شؤون العمران والهندسة والتخطيط يستشار المهندسون، وفي شؤون الصناعة والتجارة يستشار خبراء التجارة والصناعة، وفي شؤون الزراعة والأمن يستشار خبراء الزراعة ورجال الأمن, وهلم جراً، غير أنه في كل الأحوال لا بد من توجيه الأنظار إلى أنه من الضرورة بمكان أن يكون علماء الشريعة الإسلامية قاسماً مشتركاً في كل هذه الشؤون حتى لا يخرج المستشارون في تقرير السياسات المتنوعة عن حدود الشريعة. ٢ - الاستقلال في إبداء الرأي والتجرد من الهوى: معلوم أن الكلمة مسؤولية في كل الأحوال فكيف إذا تعلق بإبدائها شأن عام من شؤون الأمة, فإنه يجب حينئذ أن تكون مستقلة متوازنة مجردة للمصلحة العامة خالية من نزعات الهوى والتعصب، فقد عني الإسلام عناية فائقة بمنزلة الكلمة وأثرها سواءً كانت طيبة أم خبيثة. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ* يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ * وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (١). فالكلمة الطيبة ثابتة عميقة الجذور في تربة صالحة ومنبت طيب, ولهذا فهي تنمو وترتفع حتى تبلغ السماء، وهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أما الكلمة الخبيثة فهي مبتورة عن العقيدة والإيمان قليلة مضطربة لا قرار لها فهي سرعان ما تسقط، وهي لا تثمر إلا الشر والفرقة والقطيعة ولهذا كان الإنسان مسؤولاً عن رأيه في كل الأحوال فما بالك في الرأي الذي يتعلق بشؤون

стр. 73

الأمة وإعطاء الرأي, وليس الرأي من أقل الأعمال جهداً وأدناها مشقة؛ لأنه لا ينبع عن عفوية في الأمور العامة وإنما ينبع عن علم وإيمان ومعرفة وهو مسؤولية عظيمة وأمانة جسيمة يُسأل عنها الإنسان ديناً ودنيا. قال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (١) وقال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (٢). إذاً فإنه لا بد لسداد الرأي من سلامة القلب وصدق الإيمان والإخلاص في النية والتجرد من الهوى، فالاستقلال في الرأي سبيل إلى تحري الوجه السديد الخالي من المزاجية والعصبية والهوى، فالرأي إذا انبعث من الهوى صار ضاراً لأنه يُضيّق النظرة في الأمور ويفسدها وينحرف عن الطريق والمنهاج السوي، ولهذا أرشد الحق في محكم التنزيل إلى الإبتعاد عن الهوى فقال جل شأنه: (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) (٣) وقال تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) (٤) وقال تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (٥) وقال تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (٦) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على ذم الهوى ومتابعته لأنه يفسد الرأي وقد جاء في كلام بعض الشعراء: ضلال العقول في اتباع الهوى ... ولا حيلة في ضلال العقول ... وقال الدكتور عز الدين التميمي أنه لا ينبغي أن يكون المستشار صاحب هوى لأن الرأي إذا نبع من الهوى وانبعث من المزاجية أصبح ضاراً (٧).

стр. 74

قلت وهذا محط اتفاق, فمما لا شك فيه أن الهوى يفسد الرأي, ولأن الابتعاد عنه يقرب الإنسان من الصواب ويحرره من حب الشهوة والشهرة والمداهنة والمزاودة في الكلام، ويبعده عن كثرة المنازعة والمجادلة، وقد ورد في السنة النبوية ما يدل على مدح الاستقلال في الرأي وهو قوله ﵌: (لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إذا أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا) (١). ٣ - الشجاعة في إبداء الرأي: تعتبر الشجاعة في إبداء الرأي والتصريح به عند التصويت من الأمور المهمة, فقد جاء في الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: (بايعنا رسول الله ﵌ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان وعلى أن نقول بالحق أينما كُنّا لا نخاف في الله لومة لائم) (٢) , وجاء في حديث عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: (أوصاني خليلي رسول الله ﵌ بخصال من الخير أن لا أخاف في الله لومة لائم وأوصاني أن أقول الحق ولو كان مراً) (٣) , ومن هذين الحديثين نعلم وجوب قول الحق والجهر به في أدب واتزان لأن الله جل وعلا يقول: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (٤) (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (٥). ومما لا شك فيه أن الجبن مع معرفة الحق والسكوت عليه يؤدي إلى ضياع الأمة وفقد مصالحها وتجرؤ أصحاب الباطل، وما يحدث في بعض المجالس النيابية خير

стр. 75

شاهد, وقد أُثر عن عمر أنه قال: اللهم إني أشكو إليك ضعف المؤمن وجلد الفاجر. وجاء في الحديث عن النبي ﵌ أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) (١) , فالشجاعة في إبداء الرأي في قوة وصرامة التماساً لرضوان الله هو مما يقرب الإنسان من الله وينفع الله به ويبعده عن المداهنة في قول الحق, لأن في المداهنة والتماس رضا الناس بسخط الله خطر دأهم على الأمة, ولهذا جاء في الحديث: (من التمس محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده من الناس له ذامّاً) رواه ابن بلال عن عائشة مرفوعاً ورواه ابن العسكري عن عائشة وأورده القضاعي بلفظ (من طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده من الناس ذاماً) وفي لفظ (من التمس رضا الناس بمعاصي الله وكله الله إليهم) وفي رواية للعسكري أن النبي ﵌ قال: (من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ومن التمس رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عليه الناس) (٢) ٤ - لا يتحدث العضو إلا فيما يناقَش وألا يصوت بالموافقة أو الرفض إلا فيما يعلمه حقاً. ومما لا شك فيه أن التصويت أمانة فلا يتحدث الإنسان ويصوت إلا بعد أن يعلم القضية المطروحة للتصويت وملابستها بحيث يقوم بدراستها والحالة القائمة فيها فيكون على علم بالقضية وبظروفها وبواقعها لأنه سيسأل الإنسان عن ذلك ديناً ودنيا، لأن الإنسان مؤتمن على ما يقول, وقد جاء في الحديث (المستشار مؤتمن) فهو أمين في دينه وأخلاقه، وأمين على الأمة وعلى المجتمع، وأمين على المرافق العامة، وقد جاء في الحديث عن النبي ﵌ أنه قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (٣) وفي حديث أبي سفيان المشهور أن مما كان يأمرهم به الرسول ﵌ (أد الأمانة) (٤) , وجاء في حديث آخر أن النبي ﵌ قال: (إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) (٥) وثبت عنه ﵌ أنه قال: (إن الأمانة نزلت من السماء في جذر قلوب الرجال) (٦) ويكفي المؤمن أن يضع نصب عينيه قول الحق ﵎: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (٧) وقوله تعالى: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) (٨) وقوله تعالى:) ِإنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا) (٩) وقوله جل وعلا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٠). فالالتزام بالمحافظة على الأمانة من قبل أعضاء مجلس النواب فيما يطرحه الإنسان من كلام وآراء وفي عدم إفشاء الأسرار التي تؤدي إلى ضياع الأمر وإيجاد الأحقاد والتهيب من الصدع بالحق واجب شرعي، وقد جاء في كلام العباس بن عبد المطلب لابنه عبدالله ﵄ (يا بني إني أرى أمير المؤمنين يستخليك ويستشيرك ويقدمك على الأكابر من أصحاب رسول الله ﵌ وإني أوصيك بخلال أربع: لا تفشين له سراً، ولا يجربن عليك كذباً، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا تطو عنه نصيحة) (١١) , بل أنه يجب على أعضاء المجالس النيابية عند التصويت على
следующие страницы →