← Сияса и кади

Сияса и кади · id 26217

الشورى في الشريعة الإسلامية

حسين بن محمد المهدي

Полный текст (244 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وذكر الثعالبي في تحفة الوزراء أن المشورة يستعان بها في تدابير السياسة، والسياسة نظام الدولة التي بها بقاء الدولة واستمرارها, فإذا ضعفت الآلة أو فسدت أدى ذلك إلى ضعف الدولة وفسادها (١). وهذه القاعدة تنطبق على كل القرارات في شتى مجالات الحياة، فضعف المجالس التشريعية والتعجل في إصدار القوانين دون إدراك عدم ملاءمتها للحياة يضعف الدولة ويؤدي إلى تهالكها وفسادها. فالتأنّي والتثبت ودراسة الأمور من جميع جوانبها عند التصويت ووضع مواد القانون هو مما يرشد إليه العقل وتقتضيه فطنة الرجل الذكي، وقد جاء في الحديث: (استرشدوا العقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا) (٢) وجاء في منثور الحكم "كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجارب" (٣) ومعلوم أن الشورى لا تكون إلا مع أهل الخبرة والعلم بحقائق الأمور ولا يكون الإنسان من أهل الخبرة والعلم إلا إذا كان ملمّاً بواقع ذلك الأمر ومطّلعاً عليه وعلى حقيقته قبل إصداره، وقد أحسن الشاعر حيث يقول: ... إذا كنت في حاجة مرسلاً ... فأرسل حكيماً ولا توصهِ وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيباً ولا تعصه ونص الحديث إلى أهله ... فإن الوثيقة في نصه إذا المرء أضمر خوف الإله ... تبين ذلك في شخصه وإن ناصح منك يوماً دنا ... فلا تنأى عنه ولا تعصه ورحم الله المأمون فإنه أوصى ولده وعلمه بقوله: استشر ذوي التجريب والحيلة، فإنهم أعلم بمصادر الأمور وتقلبات الدهور، وأطيعوهم وتحملوهم فيما يغلظونه من قول أو يكشفونه من عيب لما ترجونه من حالة تصلح وفتق يرتق (٤).

стр. 72

ولا شك أن هناك أهل اختصاص وخبرة يجب أن تُرجع إليهم لأن أمور التشريع مما تحتاج إلى إلمام ومعرفة, ولذلك فإنه ينبغي أن تعتمد مجالس التشريع في الشورى على أصحاب الإختصاص فلا يتعجل التصويت قبل أخذ رأيهم في المسائل المعروضة التي تحتاج إلى نوع من المعرفة والخبرة, ففي شؤون الدين والأحكام يستشار علماء الدين, وفي شؤون العمران والهندسة والتخطيط يستشار المهندسون، وفي شؤون الصناعة والتجارة يستشار خبراء التجارة والصناعة، وفي شؤون الزراعة والأمن يستشار خبراء الزراعة ورجال الأمن, وهلم جراً، غير أنه في كل الأحوال لا بد من توجيه الأنظار إلى أنه من الضرورة بمكان أن يكون علماء الشريعة الإسلامية قاسماً مشتركاً في كل هذه الشؤون حتى لا يخرج المستشارون في تقرير السياسات المتنوعة عن حدود الشريعة. ٢ - الاستقلال في إبداء الرأي والتجرد من الهوى: معلوم أن الكلمة مسؤولية في كل الأحوال فكيف إذا تعلق بإبدائها شأن عام من شؤون الأمة, فإنه يجب حينئذ أن تكون مستقلة متوازنة مجردة للمصلحة العامة خالية من نزعات الهوى والتعصب، فقد عني الإسلام عناية فائقة بمنزلة الكلمة وأثرها سواءً كانت طيبة أم خبيثة. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ* يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ * وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (١). فالكلمة الطيبة ثابتة عميقة الجذور في تربة صالحة ومنبت طيب, ولهذا فهي تنمو وترتفع حتى تبلغ السماء، وهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أما الكلمة الخبيثة فهي مبتورة عن العقيدة والإيمان قليلة مضطربة لا قرار لها فهي سرعان ما تسقط، وهي لا تثمر إلا الشر والفرقة والقطيعة ولهذا كان الإنسان مسؤولاً عن رأيه في كل الأحوال فما بالك في الرأي الذي يتعلق بشؤون

стр. 73

الأمة وإعطاء الرأي, وليس الرأي من أقل الأعمال جهداً وأدناها مشقة؛ لأنه لا ينبع عن عفوية في الأمور العامة وإنما ينبع عن علم وإيمان ومعرفة وهو مسؤولية عظيمة وأمانة جسيمة يُسأل عنها الإنسان ديناً ودنيا. قال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (١) وقال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (٢). إذاً فإنه لا بد لسداد الرأي من سلامة القلب وصدق الإيمان والإخلاص في النية والتجرد من الهوى، فالاستقلال في الرأي سبيل إلى تحري الوجه السديد الخالي من المزاجية والعصبية والهوى، فالرأي إذا انبعث من الهوى صار ضاراً لأنه يُضيّق النظرة في الأمور ويفسدها وينحرف عن الطريق والمنهاج السوي، ولهذا أرشد الحق في محكم التنزيل إلى الإبتعاد عن الهوى فقال جل شأنه: (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) (٣) وقال تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) (٤) وقال تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (٥) وقال تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (٦) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على ذم الهوى ومتابعته لأنه يفسد الرأي وقد جاء في كلام بعض الشعراء: ضلال العقول في اتباع الهوى ... ولا حيلة في ضلال العقول ... وقال الدكتور عز الدين التميمي أنه لا ينبغي أن يكون المستشار صاحب هوى لأن الرأي إذا نبع من الهوى وانبعث من المزاجية أصبح ضاراً (٧).

стр. 74

قلت وهذا محط اتفاق, فمما لا شك فيه أن الهوى يفسد الرأي, ولأن الابتعاد عنه يقرب الإنسان من الصواب ويحرره من حب الشهوة والشهرة والمداهنة والمزاودة في الكلام، ويبعده عن كثرة المنازعة والمجادلة، وقد ورد في السنة النبوية ما يدل على مدح الاستقلال في الرأي وهو قوله ﵌: (لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إذا أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا) (١). ٣ - الشجاعة في إبداء الرأي: تعتبر الشجاعة في إبداء الرأي والتصريح به عند التصويت من الأمور المهمة, فقد جاء في الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: (بايعنا رسول الله ﵌ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان وعلى أن نقول بالحق أينما كُنّا لا نخاف في الله لومة لائم) (٢) , وجاء في حديث عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: (أوصاني خليلي رسول الله ﵌ بخصال من الخير أن لا أخاف في الله لومة لائم وأوصاني أن أقول الحق ولو كان مراً) (٣) , ومن هذين الحديثين نعلم وجوب قول الحق والجهر به في أدب واتزان لأن الله جل وعلا يقول: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (٤) (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (٥). ومما لا شك فيه أن الجبن مع معرفة الحق والسكوت عليه يؤدي إلى ضياع الأمة وفقد مصالحها وتجرؤ أصحاب الباطل، وما يحدث في بعض المجالس النيابية خير

стр. 75

شاهد, وقد أُثر عن عمر أنه قال: اللهم إني أشكو إليك ضعف المؤمن وجلد الفاجر. وجاء في الحديث عن النبي ﵌ أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) (١) , فالشجاعة في إبداء الرأي في قوة وصرامة التماساً لرضوان الله هو مما يقرب الإنسان من الله وينفع الله به ويبعده عن المداهنة في قول الحق, لأن في المداهنة والتماس رضا الناس بسخط الله خطر دأهم على الأمة, ولهذا جاء في الحديث: (من التمس محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده من الناس له ذامّاً) رواه ابن بلال عن عائشة مرفوعاً ورواه ابن العسكري عن عائشة وأورده القضاعي بلفظ (من طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده من الناس ذاماً) وفي لفظ (من التمس رضا الناس بمعاصي الله وكله الله إليهم) وفي رواية للعسكري أن النبي ﵌ قال: (من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ومن التمس رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عليه الناس) (٢) ٤ - لا يتحدث العضو إلا فيما يناقَش وألا يصوت بالموافقة أو الرفض إلا فيما يعلمه حقاً. ومما لا شك فيه أن التصويت أمانة فلا يتحدث الإنسان ويصوت إلا بعد أن يعلم القضية المطروحة للتصويت وملابستها بحيث يقوم بدراستها والحالة القائمة فيها فيكون على علم بالقضية وبظروفها وبواقعها لأنه سيسأل الإنسان عن ذلك ديناً ودنيا، لأن الإنسان مؤتمن على ما يقول, وقد جاء في الحديث (المستشار مؤتمن) فهو أمين في دينه وأخلاقه، وأمين على الأمة وعلى المجتمع، وأمين على المرافق العامة، وقد جاء في الحديث عن النبي ﵌ أنه قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (٣) وفي حديث أبي سفيان المشهور أن مما كان يأمرهم به الرسول ﵌ (أد الأمانة) (٤) , وجاء في حديث آخر أن النبي ﵌ قال: (إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) (٥) وثبت عنه ﵌ أنه قال: (إن الأمانة نزلت من السماء في جذر قلوب الرجال) (٦) ويكفي المؤمن أن يضع نصب عينيه قول الحق ﵎: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (٧) وقوله تعالى: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) (٨) وقوله تعالى:) ِإنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا) (٩) وقوله جل وعلا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٠). فالالتزام بالمحافظة على الأمانة من قبل أعضاء مجلس النواب فيما يطرحه الإنسان من كلام وآراء وفي عدم إفشاء الأسرار التي تؤدي إلى ضياع الأمر وإيجاد الأحقاد والتهيب من الصدع بالحق واجب شرعي، وقد جاء في كلام العباس بن عبد المطلب لابنه عبدالله ﵄ (يا بني إني أرى أمير المؤمنين يستخليك ويستشيرك ويقدمك على الأكابر من أصحاب رسول الله ﵌ وإني أوصيك بخلال أربع: لا تفشين له سراً، ولا يجربن عليك كذباً، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا تطو عنه نصيحة) (١١) , بل أنه يجب على أعضاء المجالس النيابية عند التصويت على

стр. 76

أمر أن يلتزموا فيه بمفهوم النصيحة فذلك واجب شرعي وأخلاقي، وقد وردت في ذلك أحاديث منها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن تميم الداري أن النبي ﵌ قال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) , وفي رواية عن جرير قال: (بايعت النبي ﵌ على السمع والطاعة فَلَقَّنَني فيما استطعت، والنصح لكل مسلم) وفي لفظ عن جرير أيضاً (بايعت رسول الله ﵌ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم) (١) فالنصيحة مرتبة عالية ولهذا فإن الرسول ﵌ قد اشترطها على بعض الصحابة عند البيعة على الإسلام، وقد أخرج البخاري في باب قول النبي ﵌ (الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) وقوله تعالى: (إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ) (٢) بسنده عن زياد بن علاقة قال: سمعت جرير بن عبدالله يقول يوم مات المغيرة بن شعبه، قام فحمد الله وأثنى عليه وقال: عليكم بإتقاء الله وحده لا شريك له والوقار والسكينة حتى يأتيكم أمير فإنما يأتيكم الآن ثم قال: استعفوا لأميركم فإنه كان يحب العفو ثم قال: أما بعد فإني أتيت النبي ﵌ قلت أبايعك على الإسلام فشرط على النصح لكل مسلم فبايعته على هذا ورب هذا المسجد إني لناصح لكم ثم استغفر ونزل. (٣) وقد قال الإمام ابن الأثير الجزري أن النصيحة إرادة الخير للمنصوح له .. وأصل النصيحة في اللغة الخلوص، ومعنى النصيحة لله صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته, والنصيحة لكتاب الله تعالى التصديق به والعمل بما فيه والنصيحة لرسوله ﵌ التصديق بنبوته وبذل الطاعة فيما أمر به ونهى عنه والنصيحة لأئمة المؤمنين أن يطيعهم في الحق ولا يرى الخروج عليهم بالسيف إن جاروا, والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم. (٤) ويمكن القول هنا بأن عضو مجلس الشورى في التشريع يجب عليه مناصحة الأمة في سن القانون الذي يتفق مع شريعة الله ويحفظ للأمة مصالحها. ٥ - أن يلتزم آداب الحديث وحسن البيان فيه، فالإنسان الذي يتكلم بكلام بيّن لا لغو فيه ولا لغط يكون محل تقدير، وقد ورد في كتاب الله (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) و (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وقد جاء في الحديث أن النبي ﵌ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تُفهم وإذا أتى على قوم فسلّم عليهم ثلاثاً) (٥) , وجاء في حديث آخر عن عائشة ﵂ قالت: كان كلام رسول الله ﵌ يفهمه كل من يسمعه) (٦) , كما أن للبلاغة والفصاحة أثر تجذب الأنظار وتشد الناس إلى تفهم الكلام, فحسن اختيار الكلمات يدل على رجحان العقل ومحاولة إفادة الآخرين بما ينفع الله به، وقد ورد في الذكر الحكيم على لسان موسى ﵇ (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي) (٧) , أما التقعر في الكلام وإظهار الاستهزاء بالآخرين فإنه يبعد الناس عن الصواب ويسبب كثيراً من المشاكل، وربما نزع الشيطان بين بني الإنسان بسبب كلمة، وإلى ذلك أرشد القرآن في قول الحق ﵎ (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) (٨) , وفي السنة النبوية (هلك المتنطعون) (٩) , قالها النبي ﵌ ثلاثاً، فاختيار الكلمات ووضوحها واتباع الأسلوب الذي يتناسب مع فهم أعضاء المجالس التشريعية هو السبيل الأمثل لأن كثيراً من الناس يؤولون الكلام أو يحملونه على غير محمله إذا شعروا أن في ذلك حطًاً من قدرهم أو

стр. 77

من مكانتهم أو اشتمّوا منه تحقيراً لآرائهم حتى ولو لم يكن الأمر كلام كذلك، ولكن لأن عبارته نابية ولذلك يقول الشاعر: ... ... فكم من عائب قولاً سليماً ... وآفته من الفهم السقيم ... فمنشأ الفهم السقيم أحياناً العبارات غير السليمة والتي تعطي أكثر من مفهوم يتأولها أصحاب هذا الفهم أو ذاك فيحملونها على غير محملها, كما أن حسن الإنصات والإستماع لمن يتحدث هو أمر يدل على أدب وخلق وذوق سليم، فقد جاء في الحديث أن النبي ﵌ في حجة الوداع أمر جرير بن عبدالله ﵁ أن يستنصت الناس (١) , كما يجب أن يكون الكلام منضبطاً بضوابط الشرع وآدابه فيجتنب كل ما يخالف ذلك. ٦ - وجوب رد الرأي عند التنازع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌ ثم إلى أهل الإختصاص ضمن الضوابط التي نأتي على بيانها لوجود الأدلة الشرعية التي توجب الأخذ بهذه المبادئ والقواعد، فقد ورد في كتاب الله تعالى:) َفإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (٢) , والرد إلى الله يعني الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله يعني الرد إلى الرسول ﵌ في حياته وإلى صحيح سنته بعد وفاته، فلا يجوز ولا يحل لأحد من المسلمين سواءً كان عضواً في مجلس الشورى أو مجلس النواب أو غيرهما أن يقدم رأيه على كتاب الله وسنة رسوله ﵌ لقوله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٣). ومن المعلوم أن الإنسان حينما يتقيد في فكره وحديثه وآداب تصويته وفي نقاشه بالقرآن وبالسنة النبوية يصير كل ما يصدر عنه موافقاً لمنهج الله، لكن لا بد في مثل هذه الحالة من العلم والفقه حتى يستطيع الرد إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله, ثم

стр. 78

يستشير المتخصصين في ذلك وفي جميع الفنون والعلوم أهل الثقة والفقه والعلم امتثالاً لقوله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (١) , وفي الأثر (استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا) (٢) , وقال ﵊ (لا حكيم إلا ذو تجربة) (٣) , فذلك كله مما يجعل عملية الشورى في مجالس التشريع تنجح وتؤدي الكلمة ثمارها الطيبة حين الإدلاء بها موزونة بميزان الشرع, لأن ميزان الشرع يبعد الإنسان عن التعصب في الرأي, فالتعصب في الرأي آفة ذميمة وخصلة رذيلة تعمي وتصم، فمن ظهر له الصواب على لسان غيره أو وجد كلام غيره هو الذي يتفق مع شرع الله وجب عليه أن يعود إليه فلا يغتر بآرائه، ولا يعجب بأقواله فإن الغرور كما قيل طيش يورث عمى البصيرة وهو يورث العجب, وإذا كان الإنسان معجباً برأيه لم يصغ إلى آراء الآخرين، وقد جاء في الحديث عن النبي ﵌: (لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك العجب العجب) (٤) , وما علاج ذلك إلا أن يكون الإنسان متهماً رأيه بالقصور أبداً إلا أن يشهد برأيه دليل من كتاب الله أو سنة رسوله أو دليل عقلي جامع لشروط الأدلة وأن لا يكون ذلك لصاحب عجب أو غرور، والعجب بطبيعته يولد الكبر وحب الشهرة، والكبر داء يعصف بصاحبه ويقذف به في النار إن أصر واستمر عليه، وقد ورد في الحديث أن النبي ﵌ قال: (من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر أكبه الله على وجهه في النار) (٥).

стр. 79

ناهيك عن كون العجب والكبر مما يولد في الإنسان الحسد ويدفعه إلى الرياء الذي هو الشرك الأصغر, أما الحسد فهو داء لا دواء له، ولهذا ورد في الحديث أن النبي ﵌ قال: (لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا) (١) , وقال: (دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء) (٢) وهو مما يولد في الإنسان مساوئ الأخلاق ويجعله يتشدق بالكلام ويتطاول به، وفي الحديث أن النبي ﵌ قال: (إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً, وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة مساوئكم أخلاقاً الثرثارون المتشدقون المتفيهقون, قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون, قال: المتكبرون) (٣). أما الرجل الذي يزن كلامه بميزان الشرع فهو لا بد أن يزن آراءه وأقواله بميزان الشرع وأن يبحث سداد الرأي فيما يطرحه من كلام, خاصة فيما يتعلق بالتشريع وإصلاح شؤون الأمة امتثالاً لقول الحق تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً * إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (٤). ومعلوم أن الرد إلى الكتاب والسنة فيما يختلف فيه يجب أن يكون من القواعد المسلم بها, لأن ذلك محكوم بنصوص قطعية ولأن الشورى في المجالس النيابية محصورة في الأمور الاجتهادية والدنيوية, فإنه يجب أن يتثبت أولاً من صحة الاستنباط وسلوك

стр. 80

طريق الاجتهاد وعدم مخالفة ذلك لنص شرعي قاطع في كتاب الله وسنة رسوله لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (١) وامتثالاً لقول الحق جل وعلا: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٢) وقوله : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (٣). هذه هي أهم الضوابط التي يجب أن يراعيها ويتمسك بها أعضاء المجالس التشريعية إذا ما أرادوا السير على هدي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نتائج التصويت وحكمه في المجالس التشريعية لقد أقرت الشريعة الإسلامية مبدء الشورى كأصل من أصول الحكم وقد وصف الله خصائص الجماعة الإسلامية بقوله: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَأهم يُنْفِقُونَ) (٤) , وقد جاء في النص من بين هذه الصفات أن أمرهم هو نتاج الشورى، وقد جاء التعبير عن هذه الصفة بصيغة الجملة الاسمية لتحمل معاني الثبات والرسوخ والاستقرار, كما جاءت الصفة مطلقة لتؤكد أن الشورى منهج عمل عند المسلمين ليشمل السياسة والتشريع فيما لا نص فيه وغير ذلك (٥)، والشورى بين المؤمنين لا يكون العمل بها إلا بالأغلبية أي أننا إذا ما أردنا إعمال مبدء الشورى فلا بد حينئذ من الأخذ برأي الأغلبية وهو ما فعله رسول الله ﵌ في بدر وأحد وغيرها كما سيتبين ذلك, فإذا استوفى التصويت الضوابط والشروط التي سلف بيانها وجب الأخذ به، وقد روى الترمذي والإمام أحمد عن جابر بن سمرة قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: (قام فينا رسول الله ﵌ كقيامي فيكم فقال: عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة) (٦) , والمراد بالجماعة هنا التي تلتزم بشريعة الله وتسير وفق منهجه العادل وتلتزم الضوابط عند استنباط الحكم فيما لا نص فيه، فالجماعة هي التي تلتزم الحق بميزان منهج الله ولا ضير من الاختلاف في الرأي في المسائل الاجتهادية، وقد قال بعض العلماء المعاصرين أن الاختلاف في الرأي لا يعد خروجاً على الجماعة ولا مخالفة للدين إلا إذا استغل الخلاف ليتحول إلى فرقة وفتنة (٧)،

стр. 81

وسنأتي على مزيد بيان في المبحث السابع من هذا الفصل عند حديثنا عن نتيجة الشورى ومدى إلزامية ذلك. فإن قلت: ما دمنا قد قررنا إلزامية الشورى وجواز إصدار قانون بما يصدر عن هذه المجالس باعتبار إلزامية رأي الأكثرية في هذه المجالس والأخذ بهذه الآراء والنتائج هو في أمور اجتهادية ظنية واحتمال الخطأ وارد, فإنه على افتراض صحة ذلك وورود الخطأ فإن معالجة ذلك ليس بالأمر البعيد ما دامت الشورى قائمة فيمكن لولي الأمر (رئيس الدولة، الإمام، الملك) تبيين وجه الخطأ وإعادة النص برأي مسبب يكشف الحقيقة ويبينها ومن ثم إصلاح ذلك الخطأ إن افترض وجوده, وأما إذا كان الخطأ قد تجاوز الأمر إلى الخروج على نص قطعي فإنه قد سبق وأن أشرنا إلى وجوب الطعن على ذلك أمام القضاء, وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (١) أي فهو باطل مردود، وهذا الحديث يقرر القاعدة العامة في البطلان كجزاء لكل تصرف غير شرعي سواءً كان قانوناً أو لائحة أو حكماً فالسلطة التشريعية مقيدة فيما تسنه من قوانين بأن لا يتجاوز أحكام الشريعة الإسلامية الغراء والدستور المستمد منها. وتبقى إلزامية الشورى فيما لا نص فيه والأخذ برأي الأكثرية في المجالس التشريعية هو الأساس، أما النظم القانونية فإنها لا تكاد تختلف على لزوم الأخذ برأي الأغلبية، وقد صرح دستور الجمهورية اليمنية بأنه يجري التصويت على مشاريع القوانين مادة مادة, ويتم التصويت النهائي على كل مشروع قانون جملة, وتوضح اللائحة الداخلية للمجلس الإجراءات المتعلقة بذلك (٢) , وقد بينت اللائحة كيفية إجراءات التصويت وأبانت الأغلبية التي يجب الأخذ بها. أما نظام مجلس الشورى في المملكة العربية السعودية فإنه مصرح في المادة (١٦) بأنه لا يكون اجتماع مجلس الشورى نظامياً (قانونياً) إلا إذا حضر الاجتماع ثلثا أعضائه على

стр. 82

الأقل بمن فيهم الرئيس أو من ينوب عنه ولا تكون القرارات نظامية (قانونية) إلا إذا وافقت عليه أغلبية المجلس. وقد أعطت بعض الدساتير لرئيس الدولة الحق في الاعتراض على القانون الذي يصدر عن مجلس النواب خلال فترة معينة إذا اشتمل هذا القانون على خطأ بشرط أن يكون هذا الاعتراض قائماً على سبب كما هو صريح الدستور اليمني بالمادة (١٠٢) التي جاء فيها (لرئيس الجمهورية حق طلب إعادة النظر في أي مشروع قانون أقره مجلس النواب ويجب عليه حينئذ أن يعيده إلى مجلس النواب خلال ثلاثين يوماً من تاريخ رفعه إليه بقرار مسبب فإذا لم يرده إلى المجلس خلال هذه المدة أو رد إليه وأقره ثانية بأغلبية مجموع أعضائه اعتبر قانوناً وعلى رئيس الجمهورية إصداره خلال أسبوعين فإذا لم يصدره اعتبر صادراً بقوة الدستور دون حاجة إلى إصداره وينشر في الجريدة الرسمية فوراً ويعمل به بعد أسبوعين من تاريخ النشر). وهل يعود ما تصدره المجالس التشريعية من القوانين بأثر رجعي؟ الأصل في أن ما تصدره سلطات التشريع من قوانين لا يعود بأثر رجعي إن أصل عدم رجوع القوانين بأثر رجعي إلا في حالات معينة مبدء جاء به القرآن الكريم, كما هو معلوم أن القرآن الكريم أكد عدم رجعية التشريع إلا في حالات معينة فقد جاء في الآية (٩٥) من سورة المائدة قوله جل وعلا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ). فقد صرحت هذه الآية بالعفو عما سلف وهذا نص قاطع في عدم رجعية التشريع. أما الأحوال التي تستثنى من عدم رجعية التشريع فإن هناك أحوالاً متفق عليها ومواطن مختلف عليها بين الفقهاء, ومن هذه الأحوال حديث الإفك الوارد في سورة النور, فمن يرى منهم أن آية القذف نزلت بعد حادثة الإفك وطبقها الرسول صلى الله عليه وعلى آله

стр. 83

وسلم على من نشروا الفرية فجلد مسطحاً وحسان وحمنة بنت جحش تطبيقاً للنص، ومن يرى أن نزول آية القذف كان بعد تبرئة عائشة فإنه يقول برجعية التشريع وأن النبي ﵌ نفذ التشريع بأثر رجعي للمصلحة, وفي هذا يقول الدكتور محمد عبدالمنعم الضبعي: إن كانت آية القذف بعد الإفك وثبت جلد الثلاثة فهناك رجعية للتشريع من أجل المصلحة, وإن كانت آية القذف قد نزلت قبل الإفك فلا رجعية إن كان جلد مسطحاً ورفاقه غير صحيح, على أن الجلد ثابت عند أصحاب السنن والله أعلم. وقد استشهد البعض على الرجعية المدنية دون الجنائية بقوله تعالى (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً) (النساء:٢٢) , فلم ينقل أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عاقب بمن تزوج بزوجة أبيه في الجاهلية ولكن فرق بينهما، أما من تزوج بامرأة أبيه وهو مسلم فإنه يقتل (١). أما الأحوال التي يكون للتشريع فيها أثر رجعي ويكاد يتفق عليها فهي تتلخص في الآتي: ١ - أن يكون التشريع الجديد في صالح المتهم ولم يكن قد حكم عليه فالثلاثة الذين خلفوا اعتزلهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمر بمقاطعتهم ثم نزل تشريع جديد بتوبة الله عليهم وانتفعوا بهذا التشريع الجديد وأصبح له أثر يعمل به في الماضي قال تعالى (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (٢). فالتشريع القديم كان يقضي بمقاطعة من تخلف عن الغزو كلياً فجاءت الآية بالعفو عن هؤلاء حين شعروا بالندم, وكذلك الظهار كان طلاقاً في الجاهلية فألغاه التشريع الجديد واعتبره حالة أصلح للمتهم من أن يعده عليه طلاقاً, ولا ريب أن عدم اعتبار الظهار طلاقاً فيه سعة على الإنسان ففي عد الظهار طلاقاً تضييق لا مبرر له (٣)

стр. 84

قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) (١) ... إلى آخر الآيات. فإذا لم يكن التشريع جديداً فلا يطبق عليه. ٢ - أن يبرأ التشريع الجديد كرجلين تبايعا خمراً ثم أسلما وعلى أحدهما دين للآخر فيسقط الدين بإسلام المدين لأنه ليس دين الخمر وثمنها حق عليه والإسلام يجب ما قبله, وقد كان في الجاهلية أن من يتزوج زوجة ابن تبناه يلام لوماً شديداً في الجاهلية فجاء التشريع يبرأ المتهم بهذه التهمة, وتزوج الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمن كانت زوجة لمن كان يتبناه وهو زيد بن حارثة ونزل قول الحق معللاً ذلك بقوله (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً) (٢). ٣ - استرداد حق ظلم فيه إنسان باغتصاب منه بطريق غير مشروع كما في المتعاملين بالربا في الجاهلية فوضعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: (كل ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب) (٣). ٤ - وجود تفسير يفسر النص القديم كما في المجاهدين كانوا يأخذون أربعة أخماس الغنيمة وجاء عمر بتفسير جديد (٤) أخذ من المجاهدين نصيبهم وأوقفه على المسلمين ومن يجيء بعدهم وفسر آية الغنيمة بآية الفيء قال تعالى: (مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ... إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) (٥) ,-وسنأتي على القصة بطولها عند حديثنا عن الشورى في القضاء-.

стр. 85

أما إذا ورد تشريع جديد وخالف تشريعاً سابقاً وكانت هناك عقود قد أُبرِمت في ظل التشريع القديم فإن التشريع الجديد لا يصب أثره التشريع البدء, ومما يشير إلى ذلك أنه لما اتجه المسلمون في صلاتهم إلى بيت المقدس بتشريع من الحق ثم أمرهم الله أن يحولوا وجوههم إلى المسجد الحرام، تساءل الناس عن الأجر الذي اكتسبوه من صلاتهم السابقة أهو لهم أم قد ضاع منهم, فقال الحق : (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (١). أما العقود التي لم تزل قائمة تنتج أثرها بناء على التشريع القديم وبقيت تنتج أثرها في ظل تشريع جديد لا يقرها فهذه تلغى منذ صدور التشريع الجديد ولا عقوبة على ما مضى، قال تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا) (٢) فمن كان متزوجاً بامرأة أبيه فليفارقها منذ نزول الآية لأن هذا العقد يتناقض مع أسس النظام العام في جوهره, أما حين يتعارض تعارضاً غير جوهري مع التشريع فلا مانع من إبقائه كإسلام الكتأبي الذي تزوج وهو كتأبي من غير شهود (٣). وقد درجت أغلب الدساتير على التنصيص على أنه لا تسري أحكام القانون إلا على ما يقع عند تاريخ العمل بها, ولا يترتب أثر على ما يقع قبل إصدارها, ومع ذلك يجوز في غير المواد الضريبية والجزائية النص في القانون على خلاف ذلك وبموافقة ثلثي أعضاء المجلس, هذا هو ما صرح به الدستور اليمني في المادة (١٠٤). فالدستور قرر قاعدة العمل بالقوانين من تاريخ نشرها والعمل بها وعدم جواز رجعيتها في المواد الضريبية والجزائية, أما ما عدا ذلك فإن الدستور أرجع الأمر إلى مجلس النواب ممثلاً بثلثي أعضاءه في تقرير ما يراه ملائماً في ذلك وتكون القاعدة هو

стр. 86

أن كل إجراء تم صحيحاً في ظل قانون معمول به فإنه يبقى صحيحاً إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك, أما في الأحوال الجنائية فإنه يطبق القانون الأصلح للمتهم فيطبق القانون النافذ وقت ارتكاب الجريمة. وإذا صدر قانون بعد وقوع الجريمة وقبل الحكم فيها طبق أصلحهما للمتهم وإذا صدر القانون بعد الحكم البات وجعل الفعل الذي حكم فيه على مجرم غير معاقب بتلك الجريمة فإنه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجزائية وفقاً لأحكام المادة (٤) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني. وإذا كانت القاعدة أن القوانين يعمل بها من تاريخ نشرها فالمشرع اليمني يرى أنه يعمل بها بعد ثلاثين يوم من تاريخ نشرها كما هو صريح المادة (١٠٣) من الدستور اليمني فهناك اختلاف بين المشرعين في تحديد المدة بعد النشر, ويجوز مد هذا الميعاد أو قصره بنص خاص في القانون, فإذا تبين أن القانون بعد نشره قد اشتمل على عيوب تضر بمصلحة الأمة أو تخالف الشريعة أو الدستور ولم يستخدم الرئيس حقه الدستوري في الاعتراض على القانون وإعادته إلى مجلس النواب بمذكرة مسببة فإن القضاء يبسط رقابته على هذا القانون. ويوجد في العالم نوعان من الرقابة على دستورية القوانين رقابة سياسية ورقابة قضائية نأتي على بيانها.

стр. 87

رقابة القضاء على دستورية القوانين ما من شك في أن رقابة القضاء على دستورية القوانين توحي بالثقة وتوطد العلاقات الدولية, فغياب الرقابة القضائية يؤدي إلى نتيجة غريبة وبعيدة عن منطق الحق والعدل وهي تكريس سيادة القانون على الدستور في حين أن السلطة التشريعية مؤلفة من عدة هيئات أوجدها الدستور مع غيرها من السلطات الأخرى فيجب أن تكون خاضعة لهذا الميثاق, بل أن مبدء الرقابة القضائية على دستورية القوانين قد صار محط اتفاق بين الفقه الوضعي والفقه الإسلامي ما لم تكن هذه الرقابة قد امتدت إلى ما هو مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية التي كانت سابقة في وضع قواعد العدالة وتأسيسها, فإنه فيما يتعلق بالرقابة على دستورية القوانين التي تأخذ بالنظام السياسي الإسلامي كاليمن والمملكة العربية السعودية وغيرها من دول العالم الإسلامي فإن ذلك موكل بموجب الشريعة إلى القضاء نفسه, فمنهم من نظم ذلك في دستوره وصرح باختصاص الهيئة القضائية كما هو الحال في دستور الجمهورية اليمنية الذي جعل الإختصاص في ذلك للمحكمة العليا وكذلك صرحت الكثير من الدساتير بهذه الرقابة, ومنهم من ترك ذلك وهذا لا يعني بطبيعة الحال عدم وجود مرجعية, فالقضاء على اختلاف درجاته هو المعني بإبطال كل نظام أو قانون أو تصرف يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية في الدول التي لم تصرح باختصاص هيئة معينة للرقابة على دستورية القوانين باعتبار أن ولاية القضاء في تحقيق العدل أصلية, فالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة هي إحدى وجوه العدالة باعتبار شمولية الوظيفة القضائية من ناحية تتعلق بتطبيق القوانين ومراعاة القانون الأعلى ضرورة قائمة بذاتها لأن ذلك يؤدي إلى حسن تطبيق القوانين, الموافقة للقاعدة الأعلى تطبيقاً سليماً. وقد ذهبت الكثير من البلدان إلى إعطاء الحق للمحكمة العليا, والبعض منها أنشأت محاكم دستورية, والمراد هنا بالرقابة القضائية التحقق من مطابقة القوانين العادية لنصوص الدستور, وتتمثل بالرقابة في إعطاء محكمة واحدة خاصة أو جميع المحاكم باختلاف درجاتها سلطة الرقابة على دستورية القوانين وتوصف الرقابة القضائية بالرقابة

стр. 88

اللاحقة لأنها تتم بعد صدور القانون, ولم تتفق الدول التي تأخذ بالرقابة القضائية على منهاج واحد أو تتخذ طريقة واحدة بل إنها اتخذت طرقاً متعددة. (١) ويمكننا البيان لأسلوبين رئيسيين هما الرقابة عن طريق الدعوى الأصلية والرقابة عن طريق الدفع الفرعي. ١ - الرقابة عن طريق الدعوى الأصلية: تتمثل الرقابة عن طريق الدعوى الأصلية في قيام أحد الأشخاص المتضررين من قانون معين للطعن فيه مباشرة أمام المحكمة المختصة ودون حاجة إلى الانتظار حتى يتم تطبيق القانون عليه, فإذا تبين للمحكمة صاحبة الإختصاص أن القانون محل النزاع مخالف لنصوص الدستور فإن لها الحق أن تصدر حكماً قضائياً بإلغائه وعند ذلك يصبح هذا القانون باطلاً, ويطلق بعض الفقهاء على هذا النوع من الرقابة رقابة الإلغاء, وتقوم الدولة التي تأخذ بهذه الطريقة بتخصيص هيئة قضائية واحدة يقوم الدستور بتحديدها بمعنى أنها تأخذ بمركزية الرقابة على دستورية القوانين, ويختلف اختصاص هذه الهيئة من دولة إلى أخرى, فمنهم من جعل هذا الإختصاص من حق المحكمة العليا ومن هذه البلدان الجمهورية اليمنية (٢) الذي نص دستورها بالمادة (١٥٣) أن المحكمة العليا للجمهورية اليمنية هي أعلى هيئة قضائية ويحدد القانون كيفية تشكيلها ويبين اختصاصها والإجراءات التي تتبع أمامها وتمارس على وجه الخصوص في مجال القضاء ما يلي: الفصل في الدعاوي والدفوع بعدم دستورية القوانين واللوائح والأنظمة والقرارات, وصرح قانون السلطة القضائية اليمني بالمادة (١٢) الفقرة (أ) بأنها تمارس المحكمة العليا الرقابة على دستورية القوانين واللوائح والأنظمة والقرارات وهذه النصوص تبين أن حق المحكمة العليا في الرقابة على دستورية القوانين هو حق أصيل.

стр. 89

٢ - الرقابة عن طريق الدفع الفرعي: أسلوب الرقابة عن طريق الدفع الفرعي تعني قيام الشخص المتضرر من القانون المخالف للدستور بالتوجه إلى المحكمة صاحبة الإختصاص للطعن مباشرة في عدم دستورية ذلك القانون كما هو الحال في الرقابة بواسطة الدعوى الأصلية ولكنه ينتظر حتى يتم تطبيق القانون عليه في قضية معينة ثم يقوم بالطعن عن طريق الدفع بعدم دستوريته والفرق بين الرقابة القضائية بطريق الدعوى الأصلية عن تلك التي تتم بطريق الدفع الفرعي ويمكننا تلخيصه في التالي: أ) الرقابة القضائية التي تتم عن طريق الدعوى الأصلية يتخذ صاحب الدعوى فيها صفة هجومية حيث أنه يلجأ مباشرة إلى القضاء مطالباً بإلغاء القانون, أما في حالة الدفع الفرعي فإن صاحب الحق ينتظر حتى يطبق القانون عليه وعند ذلك يجادل في حجية القانون عن طريق الدفع بعدم دستوريته. ب) في الدعوى الأصلية يصدر القضاء حكماً بإلغاء القانون إذا اتضح عدم دستوريته وبالتالي لا يجوز إعادة تطبيقه في المستقبل, أما في الدعوى الفرعية فإن القاضي يمتنع عن تطبيق القانون في النزاع المعروض عليه ولكن القانون يظل ساري المفعول وبالتالي يجوز تطبيقه في حالة أخرى. ج) يحوز الحكم عن طريق الدعوى الأصلية حجة عامة ومطلقة كما هو صريح المادة (٢٣٤) مرافعات يمني أي أن أثره ينطبق على الكافة في حين يحوز الحكم عن طريق الدفع الفرعي حجة نسبية, أي أن أثره يقتصر على النزاع المعروض أمام القضاء (١). أما الرقابة السياسية فإنها تقوم بهذا الدور هيئة ذات صبغة سياسية تنشأ بموجب الدستور, ترتكز مهمتها في التحقق من مطابقة أعمال السلطة التشريعية لنصوص الدستور ويتم هذا التحقق قبل صدور القانون وسريان مفعوله, فإذا اتضح أن

стр. 90

القانون مخالف للدستور فإن للهيئة الحق في إيقافه, ويطلق على هذه الطريقة الرقابة الوقائية, لأنها تتم قبل صدور القانون (١) , والاختلاف بين النظامين يبدو في تحديد الجهة صاحبة الحق في الإختصاص في الفصل, فمن الدول من طبق نظام الرقابة السياسية ومنهم من طبق نظام الرقابة القضائية, والأقرب إلى مقاصد الشريعة الإسلامية هو تطبيق الرقابة اللاحقة وهي الرقابة القضائية عملاً بالحديث الشريف (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) أي مردود عليه ويجب على القضاء إبطاله, فلا يجوز للقاضي أن يقضي بقانون يخالف شرع الله فالنظام السياسي الإسلامي يقوم على قاعدة أن كل قانون مخالف لشريعة الله فهو باطل, ولم يبعد نظام الرقابة السياسية إذا ما انضبط بضوابط الشريعة عن روح الشريعة ومقاصدها, إذ لا يجوز للمجالس التشريعية أن تسن قوانين تختلف مع شريعة الله, ولكن إذا ما حدث خطأ فإن معالجته لن تكون صعبة في ظل الشورى, فالنظام الإسلامي يوجب الطعن في أي قانون يختلف مع شرع الله أمام الجهة التي يتفق عليها.

стр. 91

المبحث الثاني الشورى في الوظائف العامة مما لا شك فيه شمولية الشورى للوظائف العامة لأنها من جملة الأمر الذي أرشد الله إلى التشاور فيه بقوله جل شأنه: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (١) وقد امتدح الله المؤمنين الذين يتحلّون بالشورى في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَأهم يُنْفِقُونَ) (٢). فاستطلاع رأي الأمة فيمن ينوب عنها في أمر من الأمور العامة المتعلق بها بهدف التوصل إلى إدارة شؤون الأمة على الوجه الحسن هو من أهم الواجبات، وفي الحديث أن النبي ﵌ قال: (ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم) (٣) , وقد كان من هديه ﵌ ألا يعطي الإمارة من سأله وحرص عليه، وإنما كان يأخذ بشورى المسلمين. ويقول ﵌: (لو كنت مؤمراً أحداً دون مشورة المؤمنين لأمرت ابن أم عبد) (٤) ما ذلك إلا لأن التشاور يوصل إلى اختيار أفضل الأشخاص, ولأن بعض الناس بطبيعته يحرص على الإمارة والولاية ولا يقدّر ذلك بقدره، ولذلك ورد الترهيب في قول الرسول ﵌ (إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة) (٥) وجاء في حديث آخر (يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) (٦) , ما ذلك إلا لأن تولي الوظائف العامة لا تخلو من مخاطر ولأنها أمانة

стр. 92

قد يصعب على البعض حملها وأداؤها، فمن ولي شيئاً من أمور هذه الأمة وجب عليه أن يحفظهم وينصح لهم, وأن لا يحأبي في أمر من الأمور, فهي أمانة يجب أن تؤدى إلى أهلها، ولهذا جاء في الحديث النبوي (من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين) (١) , ولا يمكن الوصول إلى من هو الأفضل والأصلح دون استشارة ووضع شروط وضوابط خشية تحمل الأمة من لا تطيق حمله، ولهذا ورد النهي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وورد في بعض الأحاديث بلفظ (لا تسل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكِلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أُعنِتَ عليها) (٢) , والنهي هنا عن سؤال الإمارة إنما هو للكراهة لأن الحرص عليها فيه مظنة طلب الظهور وحبه وفي ذلك تزكية للنفس، وقد ورد النهي عن ذلك في قوله تعالى: (فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ) (٣) , إلا إذا عرف الإنسان من نفسه القدرة وأن غيره لا يحل محله فإنه لا مانع من الطلب والتعريف بالنفس أخذاً من قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (٤) , هذا بالنسبة للإمارة ذات الخطر العام والتي فيها معنى الإمارة والولاية وترتبط بمصالح الناس. ولهذا فإن المناصحة للأمة تقتضي المشاورة فيمن يُختار في الوظائف العامة ذات الخطر العام، ونعني بالوظائف العامة هنا التي نرى ضرورة التشاور فيها ذات الولايات العامة وتتمثل في الآتي: الوزراء وكبار ضباط القوات المسلحة والأمن، وقيادات الألوية والكتائب وأمراء الجند والمحافظون ومدراء أمن المحافظات والولايات، ورؤساء المحاكم سواءً كانت ابتدائية أو استئنافية والمحاكم العليا، وما يقابل هذه الوظائف في الدولة الحديثة وما هو دونها من المناصب الإدارية والقيادية في الدولة المعاصرة بما في ذلك رؤساء وأعضاء مجالس النواب والشورى والحكومة، وما يأتي على رأس هذه الوظائف مثل منصب الخليفة أو الملك أو رئيس الدولة أو الإمام.

стр. 93

وقد استعرض فقهاء السياسة الشرعية في الإسلام كالإمامين الماوردي وأبي يعلى الفراء في كتابيهما عن الأحكام السلطانية الولايات المتعددة في الدولة وعددوا اختصاص كل منها، والشروط اللازمة لشغلها ولم يمنعوا أحداً يستجمع شروط وظيفة عامة عن شغلها لمانع عرقي أو طبقي, وكذلك فعل الإمام ابن تيمية عندما عرض للولايات في كتابه السياسة الشرعية، وبمعنى آخر فإنه قد يحقق في الإسلام مبدء المساواة أمام وظائف الدولة، وهو أحد المبادئ التي يسعى فقهاء القانون إلى تحقيقها في الدولة المعاصرة، وهو لا يعني المساواة الفعلية بإلحاق كل مواطن في الوظيفة العامة، وإنما يعني أن يعامل جميع المواطنين نفس المعاملة في فرصة الإلتحاق بالوظائف من حيث شروط الوظيفة والمؤهلات التي يتطلبها القانون ومن حيث المزايا والحقوق والواجبات والمرتبات والمكافئات المحددة لها دون تمييز طبقي أو اجتماعي. فمبدء المساواة في الدولة الإسلامية في الحقوق والواجبات هو مبدء أصيل ويتمثل هذا المبدء في أن جميع الناس سواسية في طبيعتهم البشرية, وأن ليس هناك جماعة تفضل غيرها بحسب عنصرها الإنساني أو انحدارها من سلالة خاصة، وأن التفاضل بين الناس إنما يقوم عن طريقة أخرى خارجة عن طبيعتهم وعناصرهم وسلالتهم, فيقوم مثلاً على أساس تفاوتهم في الكفاءة والعلم والأخلاق والتقوى وغير ذلك من الأعمال التي يقدمها كل منهم لربه ولنفسه ولمجتمعه ولإنسانيته (١). ولما لمبدء المساواة من الأهمية فإن الرسول ﵌ أعلنه في خطبة أيام التشريق, فقرر أنه لا فضل لعجمي على عربي إلا بالتقوى، وقد طبق الرسول ﵌ هذا المبدء وجاء في خطبته ﵌ (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وأباكم واحد, ألا لا فضل لعجمي على عربي ولا لعربي على عجمي إلا بالتقوى) (٢).

стр. 94

وهذا الحديث ذكر مبدء المساواة في الحقوق والواجبات والتكاليف في التعامل والمساواة في الفرص المتاحة لأفراد الأمة؛ فلا تمايز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو النسب (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (١). وهذا الحق من منظور إنساني وإسلامي يعني مساهمة الفرد في إدارة شؤون الدولة أو في حكمها, ويستطيع بواسطته المشاركة في الحياة العامة لبناء المجتمع الإنساني وإدارة شؤونه (٢)، وإذا كان الأمر كذلك فإن الوظائف العامة في الدولة تشتمل على مختلف المناصب الإدارية والتشريعية والقضائية والحكم في طلبها وطرق توليتها يختلف باختلاف الأحوال. والشورى فيها كلها قائمة, فطريقة تولية رئيس الدولة أو الخليفة أو الملك أو الإمام أو السلطان تختلف عن طريق تولية وظائف الدولة المهمة كالوزارات وقيادة الجيش ورئاسة الوحدات الإدارية، وهذه تختلف أيضاً عن طريق إختيار أعضاء مجالس الشورى أو النواب أو الشيوخ أو الأعيان، والإختلاف في الطريقة يرجع إلى اختلاف طبيعة تلك الوظائف فمنصب الرئيس أو الخليفة أو السلطان هو نيابة عن الأمة في إدارة شؤونها وتنفيذ ما هي مكلفة به شرعاً, فكانت الأمة هي صاحبة الحق في اختيار الرئيس أو الملك ليزاول ما تملكه من سلطة نيابة عنها. وللعلماء خلاف هل السلطان أو الخليفة أو الرئيس ينوب عن الله أو عن الأمة والظاهر أن بني الإنسان مستخلفون في الأرض وأن من تختاره الأمة ليكون رئيساً أو خليفة ينوب عنها في إدارة شؤونها العامة وفقاً لمنهج الله وهدي نبيه ﵌. قال الماوردي الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (٣). وقد عرَّف العلماء منصب الخليفة أنه رئاسة عامة لشخص مخصوص بحكم الشرع ليس فوق يده يد إلا يد الله سبحانه، والسلطان الذي يؤتاه صاحب الإمامة (الرياسة العامة) مستمد من الأمة لا سلطان عليه إلا منها (٤) , فهو ينوب عن الأمة في إدارة شؤون الحكم وحفظ بيضة الإسلام ودفع من أرادها بمكروه والأخذ على يد الظالم وإنصاف المظلوم وتأمين السبل وأخذ الحقوق الواجبة على مقتضى الشرع ووضعها في مواضعها، وحفظ الشعائر والمقدسات الدينية إلى غير ذلك من الأعباء التي لا يمكن أن يقوم بها شخص بمفرده، ولهذا وجب على الأمة أن يتشاوروا وأن يختاروا رئيساً لهم أو إماماً أو خليفة, فقد جاء في الحديث عن النبي ﵌ أنه قال: (لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمّروا عليهم أحدهم) (٥) وفي حديث آخر (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمّر عليهم أحدهم) قال الشوكاني: وفي ذلك دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا أن يؤمروا عليهم أحدهم لأن في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلاف فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون، ومع التأمير يقل الإختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم ودرء التخاصم أولى وأحرى وفي ذلك دليل لقول من قال أنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام (٦). قلت والظاهر أنه من باب أولى يجب على المسلمين اختيار من يدير شؤونهم ولكن عن طريق الشورى لقوله ﵌ (لو كنت مؤمّراً أحداً دون مشورة المؤمنين لأمّرتُ ابن أم عبد) (٧) وقد روى الضياء المقدسي في المختارة عن سعيد بن زيد أن النبي

стр. 95

صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (من تولى قوماً بغير إذنهم فعليه لعنة الله) (١) فالشريعة الإسلامية توجب على المسلم أن يكون مواطناً في دولة إسلامية تحت إمرة من يرأس تلك الدولة, دل على ذلك قوله ﵌: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) (٢) , ولقد كانت سيرة الصحابة تطبيقاً حياً لهذا النص وأمثاله، ولهذا فإن الصحابة انصرفوا عن تجهيز رسول الله ﵌ يوم أسلم الروح إلى الرفيق الأعلى إلى سقيفة بني ساعدة لاختيار الخليفة الأول حتى إذا تمت البيعة للصديق أقبلوا على جهاز المصطفى ﵌، وما حملهم على ذلك إلا خشية الفتنة أو أنهم يبقون دون دولة أو رئيس. (٣) قال الشوكاني ثم إن الصحابة لما مات رسول الله ﵌ قدَّموا أمر الإمامة ومبايعة أبي بكر ﵁ على كل شيء حتى أنهم اشتغلوا بذلك عن تجهيزه ﵌ ثم لما مات أبو بكر ﵁ عهد إلى عمر ﵁ ثم عهد عمر إلى النفر المعروفين ثم لما قتل عثمان ﵁ بايعوا علياًكرم الله وجهه وبعده الحسن ثم استمر المسلمون على هذه الطريقة حيث كان السلطان يأخذ أمر الأمة مجتمعاً، ثم لما اتسعت أقطار الإسلام ووقع الخلاف بين أهله واستولى على كل قطر من الأقطار سلطان اتفق أهله على أنه إذا مات بادروا بنصب من يقوم مقامه، وهذا معلوم لا يخالف فيه أحد, بل إجماع المسلمين أجمعين منذ قبض رسول الله ﵌ إلى هذه الغاية. (٤) ومن الواضح في النصوص الشرعية أن طريقة اختيار الخليفة أو الرئيس أو الملك لم تحدده النصوص الشرعية وإنما ترك الأمر شورى بين الأمة حيث أوجبت النصوص تنصيب رئيس أو ملك أو إمام يدير شؤون الدولة وإسناد السلطة إلى الحاكم من قبل الأمة المسلمة التي هي صاحبة الحق، وهي ملزمة بالنصوص بأن تختار وتتشاور فيمن يتولى إدارة شؤون الأمة وقد قال الامام علي بن أبي طالب ﵁: (ايها الناس إن أحق الناس بهذا الأمر أقوأهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه) , قال ابن أبي الحديد ما معناه أحق الناس بالإمامة (أي الرئاسة العامة) , أقوأهم عليها وأعلمهم بحكم الله فيها أي أحسنهم سياسةً وأكثرهم علماً وأحرى بالتدبير, وتجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل ولكن الفاضل أحق. (٥) وقد عرفنا أن الصحابة ذهبوا إلى بيعة أبي بكر ﵁ في سقيفة بني ساعدة، وأن عمر ﵁ عهد إلى ستة تشاوروا واختير من بينهم عثمان رضوان الله عليه ثم إن الإمام علي كرم الله وجهه وهو رابع الخلفاء الراشدين بويع من قبل الأمة مباشرة. إذاً فأي طريق ترى الأمة بعد التشاور أنه الأسلم لاختيار الخليفة أو الملك أو الرئيس أو الأمير فلتسلكه، والنص القرآني (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) يفيد بظاهره وجوب التشاور سواءً كان عن طريق الاستفتاء والانتخاب المباشر أو عن طريق البيعة أو عن طريق اختيار مجالس الشورى, فكل هذه الطرق لمنصب الرئاسة أو الخلافة العامة ليس هناك مانع شرعي منه بشرط أن تتوفر الأمانة والكفاءة فيمن يُختار، وحق الأمة في اختيار ولاتها ثابت ولا تنعقد الرئاسة العامة إلا بالبيعة أو الانتخاب أو الاستفتاء فقد أخرج الضياء المقدسي عن سعيد بن زيد أن النبي ﵌ قال: (من تولى قوماً بغير إذنهم فعليه لعنة الله) (٦) , والحديث يعم الولاية ذات الخطر العام. فإن قلت فما هو القول في شرط القرشية الذي قال به جمهور الفقهاء ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج مستدلين على ذلك بقوله ﵌: (الأئمة من قريش) (٧) , قلنا ينصرف ذلك إلى أتمهم وأصلحهم. لأن ما ورد فيه

стр. 96

عبارة عن إخبار عن أتمهم وأصلحهم وليس فيه ما يدل على وجوب اختيار الأئمة من قريش فهو كحديث (القضاء في الأنصار والأذان في الحبشة والأمانة في الأزد) (١) , وهو حديث صحيح ولم يقل أحد أن هذا الحديث يدل على وجوب اختيار المؤذنين من الحبشة أو القضاة من الأنصار أو الأمناء من الأزد، غاية ما يؤخذ منه أن يقال أن أفضل المؤذنين من الحبشة وأفضل القضاة من الأنصار أو أصلحهم, قال المقبلي: إن حديث الأئمة من قريش خبر محض عن الواقع. وقال: إن الحاصل أن الصحابة فعلوا فعلاً وجدوه أقرب شيء في تلك الحادثة إلى تحصيل المقصود فأخذ الناس الواقعات شروطاً ولا يلزم من الوقوع الوجوب (٢). فالأمة هي المعهود إليها في اختيار من يحكمها سواءً كان ذلك عن طريق البيعة أو الانتخاب أو الاستفتاء، أما ولاية العهد فإنها أخذاً مما فعله الخليفة الراشد أبي بكر الصديق ﵁ في عهده لعمر ﵁ فإنها لا تزيد عن كونها ترشيحاً وتزكية، وقد قال ابن تيمية في كتابه منهاج السنة: وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماماً لمّا بايعوه وأطاعوه ولو قدر أنهم ينفذون عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماماً (٣) ثم يكرر ابن تيمية هذا المعنى في موضع آخر فيقول: وأما عمر فإن أبا بكر عهد إليه وبايعه المسلمون بعد موت أبي بكر فصار إماماً لما حصلت له القدرة والسلطان بمبايعتهم (٤). وعلى ذلك فإن ولاية العهد بتكييفها الشرعي لا تنافي حق الأمة في الاختيار مطلقاً فمن رُشِّح لولاية العهد احتاج إلى بيعة الأمة الصريحة ليكون خليفة، إذاً فالشورى هي التي تحسم الأمر إما بيعة وإما انتخاباً مباشراً عن طريق الاقتراع والاستفتاء أو توكل هذه المهمة الكبرى إلى من يمثلون الأمة في مجالس النواب فالأمر شورى في ذلك كله، وسنأتي على مزيد بيان عند ذكرنا لأهل الشورى وإلزامية الشورى. وبهذا العرض البسيط يتبين لنا كيفية إسناد أعلى وظيفة في الدولة من مدرسة الشورى الإسلامية.

стр. 97

أما إسناد وظائف الدولة الأخرى فهي تختلف باختلاف هذه الوظائف، فطريق تولي وظائف الدولة المهمة كالوزارات وقيادة الجيوش ورئاسة الوحدات الإدارية تختلف عن طريق تولية رئيس الدولة وأعضاء المجالس النيابية، والاختلاف في الطريقة يرجع إلى اختلاف طبيعة تلك الوظائف فمنصب رئيس الدولة قلنا أنه يختار من قبل الأمة لأنه ينوب عنها أو أنه وكيلها في إدارة شؤونها لتنفيذ ما هي مكلفة به شرعاً فكانت الأمة هي صاحبة الحق في اختيار الرئيس أو الإمام أو الحاكم أو الملك أو السلطان ليزاول ما تملكه من سلطة نيابة عنها. أما منصب الوزارة ورئاسة الوحدات الإدارية فهي وظائف معاونة لرئيس الدولة ومساعدة له في مسؤوليات الحكم وحمل تبعاتها, فكان من يعيّن من يشغل هذا المنصب من حق من ينوب عن الأمة (الحاكم، الرئيس، السلطان) أو من ينيبه في ذلك، ونستعرض هنا ما قاله الماوردي في الأحكام السلطانية فهو يقول: (إنما وكل إلى الإمام من تدبير الأمة لا يقدر على مباشرة جميعه إلا باستنابة، ونيابة الوزير المشارك له في التدبير أصح في تنفيذ الأمور من تفرده به ليستظهر بها على نفسه وبها يكون أبعد من الزلل وأمنع من الخلل) (١). قلت والوزارة مشروعة فذو الولاية العامة لا يستطيع أن يدير شؤون الدولة بمفرده، وقد جاء في كتاب الله على لسان موسى (واجعل لي وزيراً من أهلي) (٢) , وأخرج أبو داود في سننه من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﵌ قال: (إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه) (٣) , ما ذلك إلا لأن مسؤولية ولي أمر الأمة جسيمة فهو يتعين عليه رعاية مصالح الأمة وإدارة شؤون الحكم وهو مسؤول عن سلامة أحوال الناس وعن حفظ الأمن وعن نشر العلم وعن إقامة العدل وعن حفظ ثغور البلدان وسلامتها وعن إقامة الشعائر الدينية، فقد جاء

стр. 98

في الحديث الصحيح أن النبي ﵌ قال: (كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته فالإمام راع ومسؤول رعيته) (١). كما أن ولي الأمر يناط به اختيار كبار مسؤولي الدولة ووزرائهم ووكلائهم ورؤساء المصالح والقضاة والمفتين وقادة الجيوش وكبار الضباط, وحقه في كل ذلك مشروط بتحري الصلاحية فيمن يعينهم في تلك المناصب، ويوكل إليهم من مهامها لتكون الأعمال بالكفاءات مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة، والحقوق مضمونة، والحريات والأعراض بالصلحاء مكفولة ومحروسة، (٢) إذ لا يجوز له أن يولي أحداً محاباةً لأي مبرر لعصبية أو حزبية أو غير ذلك فقد قال الرسول ﵌ (من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأقام عليهم أحداً محاباةً فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم) (٣) وفي رواية (من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين) (٤). ويصعب على ولي الأمر اختيار الرجال دون استشارة أهل التقوى والصلاح، وقد كان هديه ﵌ الاستشارة في اختيار الولاة كما جاء في الحديث (لو كنت مؤمراً أحداً دون مشورة المؤمنين لأمرت ابن أم عبد) (٥) وقد درج على ذلك المنوال الخلفاء الراشدون, وقد أخرج البخاري في صحيحه تعليقاً: وكانت الأئمة بعد النبي ﵌ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها. وأخرج أيضاً تعليقاً في صحيحه أنه كان القراء أصحاب مشورة عمر كهولاً كانوا أو شباناً (٦) , وأثر عن عمر ﵁ أنه استشار في من يوليه على الكوفة حيث أعياه أمرها إن استعمل عليها ليناً استضعفوه، وإن استعمل عليها شديداً شكوه، فقال: وددت لو أني وجدت قوياً أميناً مسلماً أستعمله عليهم، فقال رجل: يا أمير المؤمنين أنا أدلك على الرّجل القوي الأمين المسلم، فأثنى عليه، قال: من هو؟ قال: عبدالله بن عمر. قال: قاتلك الله، والله ما أردت الله بها). وأثر عن عمر بن الخطاب ﵁ أيضاً أنه كان يقول: لا خير في أمر أبرم من غير مشورة. ومما يذكر عنه أنه قال يوماً لأصحابه: أشيروا علي ودلوني على رجل أستعمله في أمر قد أهمني فإني أريد رجلاً إذا كان من القوم وليس أميراً كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه واحداً منهم) (٧) وتتم القصة في أخبار عمر ﵁ لابن الجوزي قالوا: ما نعرف هذه الصفة إلا في الربيع بن زياد الحارث. قال: صدقتم. فولاه. (٨) وفي قصة استشارة عمر ﵁ في حبس أرض العراق والشام وأنه بعد أن استقر الرأي استشارهم فيمن يوليها وأشاروا عليه بتولية عثمان بن حنيف فولاه وفي ذلك ما يفيد الاستشارة في الأمور الإدارية من قبل ولي الأمر وأن الاستشارة في التعيين لمن يصلح في الوظائف العامة ضرورة لا بد منها. وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من أحرص الخلفاء الراشدين على التزام مبدء الشورى في تصرفاته وأعماله، وكان مستقراً في دينه وضميره أن وحدة الرئاسة في الدولة ومشاركة الآخرين في الرأي أمران ضروريان لتسيير دفة الحكم بصورة سليمة ناجحة، وقد عبر عن ذلك بقوله: أمران جليلان لا يصلح أحدهما إلا بالتفرد ولا يصلح الآخر إلا بالمشاركة وهما الملك والرأي فكما لا يستقيم الملك بالشركة لا يستقيم الرأي بالتفرد (٩). وعلي ﵁ كان يعلم أنه إذا لم يكن لولي الأمر في أي بلد مستشارون فإنه لا يعلم محاسن وزرائه ولا عيوبهم، وقد أرشد الاشتر النخعي عندما ولاه مصر إلى أمور عماله ووزرائه فقال: (انظر في أمور عمالك الذين تستعملهم فليكن

стр. 99

استعمالك إيأهم اختياراً (١). ولا يكن محاباة ولا ايثاراً، فإن الأثرة في الأعمال - أي الاستبداد بلا مشورة - والمحاباة بها جماع من شعب الجور والخيانة لله وإدخال الضرر على الناس, وليست تصلح أمور الناس ولا أمور الولاة إلا بإصلاح من يستعينون به على أمورهم ويختارونه لكفاية ما غاب عنهم، فاصدف لولاية أعمالك أهل الورع والعفة والعلم والسياسة، والصق بذوي التجربة والعقول والحياء من أهل البيوتات الصالحة وأهل الدين والورع فإنهم أكرم أخلاقاً وأشد لأنفسهم صوناً وإصلاحاً وأقل في المطامع إسرافاً وأحسن في عواقب الأمور نظراً من غيرهم فليكونوا عمالك وأعوانك). ويقول في موضع آخر: (ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ثم ليكن آثرهم عندك أقوأهم بأمر الحق لك) ويقول أيضاً: (خول في جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله وأنقأهم جيباً وأفضلهم حلماً ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء وينبوا على الأقوياء ممن لا يثيره عنف ولا يقعد به الضعف). (٢) وكل ذلك اقتباس من الهدي النبوي ففي الحديث الذي أخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﵌ قال: (ما خاب من استخار ولا ندم من استشار) (٣). بل إن الحاكم القوي العادل يتقبل النصيحة ويعمل بالشورى ويقرب أهل التقوى والصلاح، كل ذلك من أجل إرساء دعائم العدل وتحقيق المساواة بين الناس؛ لأن العدل والمساواة لا تتحقق من تلقاء نفسها وإنما تتحقق بقيام ولاة الأمر بهما وبحسن اختيارهم لوزرائهم وكبار الموظفين الذي يدير بهم ولاة الأمور شؤون الدولة. والقاعدة الأساسية في السياسة الشرعية هي إقامة العدل والمساواة فالعدل والمساواة من مبادئ النظام السياسي في الدولة الإسلامية الذي يقيد السلطة العامة في كافة أنشطتها السياسية, لأن الإسلام نظر إلى الناس نظرة واحدة، وفي ذلك يقول المولى جل وعلا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (٤) ويقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءاً) (٥). وروى الإمام أحمد في المسند أن النبي ﵌ قال: (يا أيها الناس إن ربكم واحد لا فضل لعجمي على عربي ولا لعربي على عجمي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (٦) , وفي رواية (كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان) (٧). والخلاصة التي تستفاد من هذه الأدلة أن المساواة تكون في جميع مجالات الحياة، فالمساواة يجب أن تتحقق في الوظائف العامة وفي التكاليف العامة وأمام القضاء وفي غير ذلك من مجالات الحياة المختلفة، والمساواة بلا شك أنها أساس العدل وأساس الحكم وأساس الملك، وإقامة العدل في الوظائف العامة وفي المجتمعات لهي من أهم الواجبات المناطة بولاة الأمور، وإذا كان الفقه الإسلامي قد أناط بولاة الأمر إدارة شؤون الدولة ووضع السياسة الشرعية التي تجعل الحاكمية لله والحكم شورى بين المسلمين وتعطى الطاعة لولي الأمر على أساس إقامته للعدل والقسط بين الناس على أساس من شرع الله ومنهجه الذي يسلكه على أساس الاجتهاد في الوصول إلى الحكم الشرعي فيما لم يرد فيه نص من كتاب الله وسنة رسوله فإن تقيد الحاكم بهذه الأمور لا تعني بأي حال من

стр. 100

الأحوال مصادرة حقه في الاختيار للوزراء وكبار موظفي الدولة بعد الاستشارة أو في إصدار القرارات والأنظمة والقوانين الذي تكون السياسة الشرعية فيها منهجاً، وتعطيه حق تعيين كبار مسؤولي الدولة في إطار مبدء الشورى الذي أشرنا إليه، واقتفاءً لأثر الراشدين من الخلفاء الذين كانوا يشركون معهم في الحكم الذي كانوا يجدونه مؤهلاً لممارسة وحمل تبعاته، وقد عرف هؤلاء بمعاوني الخليفة وكانت لهم ألقاب مختلفة كالوزير والوالي والأمير والنائب وقائد الجند، وقد نقل الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في الإصابة في تمييز الصحابة قصة في استشارة أبي بكر الصديق رضوان الله عليه لبعض ولاته. قال: قال محمد بن عبدالله الأنصاري: حدثنا ابن عوف عن موسى بن أنس أن أبا بكر لما استخلف بعث إلى أنس ليوجهه إلى البحرين على السعاية فدخل عليه عمر فاستشاره فقال: ابعثه فإنه لبيب وكاتب فبعثه. ومناقب أنس وفضائله كثيرة جداً. (١) وقد حصر الإمام الماوردي وأبو يعلى الفراء معاوني الخليفة في أربعة أنواع: ١) من تكون ولايته عامة في الأعمال العامة وهم الوزراء لأنهم يستنابون في جميع الأمور من غير تخصيص. ٢) من تكون ولايته عامة في أعمال خاصة وهم أمراء الأقاليم والبلدان لأن النظر فيما خصوا به من البلدان عام في جميع الأمور. ٣) من تكون ولايته خاصة في جميع الأعمال العامة وهم كقاضي القضاة ونقيب الجيوش ومستوفي الخراج وجأبي الصدقات لأن كل واحد منهم مقصور على عمل خاص في جميع الأعمال. ٤) من تكون ولايته خاصة في الأعمال الخاصة كقاضي بلد أو إقليم أو مستوفي خراجه أو جأبي صدقاته أو نقيب جند لأن كل واحد خاص النظر مخصوص العمل. (٢) وهؤلاء الذين ذكرهم الماوردي وأبو يعلى الفراء يشكلون في جملتهم أعضاء الحكومة وصلاحية اختيارهم وتوليتهم في أعمالهم تكون لرئيس الدولة (الخليفة أو الإمام) وهكذا الحال بالنسبة لوظائف الدولة الأخرى المهمة تكون صلاحية من يتولاها لرئيس الدولة أو من ينيبه، وفي ذلك يقول الماوردي أنه إذا فوض الخليفة تدبير الأقاليم إلى ولاتها وأوكل النظر فيها للمتولين عليها فالذي عليه أهل زماننا جاز لمالك كل إقليم أن يستوزر وكان حكم وزيره معه كحكم وزير الخليفة مع الخليفة. (٣) وإذا كان إسناد وظائف الدولة المهمة من صلاحية رئيس الدولة فإن من واجبه أن يتحرى وأن يستشير فيمن يكون الأصلح لكل عمل من أعمال الدولة ولا يجوز أن يعدل عن الأصلح إلى غيره لنحو قرابة أو صداقة أو حزبية أو أي معنى من المعاني التي لا علاقة لها بصلاح الشخص لما يراد توليته من أعمال فعن يزيد بن أبي سفيان قال: قال لي أبو بكر حين بعثني إلى الشام لتوليتي: يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤاثرهم بالإمارة ذلك أكثر ما أخاف عليك فقد قال ﵌ (من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم) (٤). فإذا كان الرجل حسن السيرة ولكنه ضعيف لا يستطيع أن يجهر بالحق أو لا يستطيع أن يقوم بإدارة ما يوكل إليه ولا يستطيع أن يحفظ ما يوكل إليه ويحيطه بالرعاية العامة لم يكن من الجائز توليته لأنه ربما فرط أو كان غير منتج إن لم يفرط، فهذا نبي الله يوسف ﵇ حينما رشح نفسه لإدارة شؤون المال يقول: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم) (٥) , وهذا أبو ذر الغفاري لما طلب الولاية لم يره الرسول ﵌ جلداً فحذره منها قائلاً له: (يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها

стр. 101

يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذ بحقها وأدى الذي عليه فيها) (١) وفي لفظ لمسلم أيضاً: (يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وأني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم) (٢) , فإذا تقاعس ولي الأمر (رئيس الدولة أو الخليفة أو الملك) عن الشورى فإنه قد لا يجد من يدير له الدولة بأمانة ونزاهة وإخلاص، أما مع استشارة الناس فإنه لا بد أن يتخير الأمثل والأصلح لكل وظيفة من وظائف الدولة وبعد بذل أقصى الجهد والاستشارة فإنه يكون قد أبرى ذمته ديناً ودنيا, لأن الله يقول: (فاتقوا الله ما استطعتم) (٣) هذا بالنسبة للوظائف الهامة ذات الخطر العام. أما بالنسبة لغيرها فإنه يصعب على (رئيس الدولة أو الملك أو الإمام) أن يتحرى بنفسه تحرياً كافياً أو مباشر عن الأكفاء، ويكفي هنا أن تقوم المجالس التشريعية بوضع قانون أو نظام يجمع فيه أهل الشورى على نظام التوظيف والحد الأدنى من الكفاءة ويكون من حق الكافة التقدم بطلباتهم إلى الجهات المختصة التي يجب أن تعنى بفحص هذه الطلبات وجمع ما يستدل به على الكفاءة والأمانة بروح متجردة غير متحيزة لا متأثرة بحزب ولا بوساطة ولا بقرابة فذلك هو الطريق الأمثل ولم يكن إعطاء هذه الصلاحية لولي الأمر (رئيس الدولة أو السلطان أو الخليفة أو الملك أو الإمام) -كما أسلفنا - بتعيين كبار موظفي الدولة مقصور على الفقه الإسلامي وإنما درجت الدساتير وهي أعلى القواعد القانونية على إعطاء هذا الحق لملوك ورؤساء الدول وهو ما أفصح عنه دستور الجمهورية اليمنية في الفصل الثامن بالمواد (١٠٥ وما بعدها).وقد أناط الدستور ذلك برئيس الجمهورية، أما بالنسبة لبقية الوظائف فإنها لا تكاد الدساتير في مختلف البلدان تختلف على أن حقوق وواجبات المواطنين الأساسية متساوية، وصريح المادة (٤١) من دستور الجمهورية اليمنية ((المواطنون جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة)).

стр. 102

كما صرح دستور الجمهورية اليمنية بأن لكل مواطن الحق في الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتكفل الدولة حرية الفكر والإعراب عن الرأي كما تكفل الدولة تكافؤ الفرص لجميع المواطنين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وتصدر القوانين لتحقيق ذلك, ويقوم المجتمع اليمني على أساس التضامن الاجتماعي القائم على العدل والحرية والمساواة وفقاً للقانون. (١)

стр. 103

الوظائف العامة مبدء تقره الدساتير والقوانين في مختلف البلدان لقد تأكد حق المساواة بين الأفراد في تولي الوظيفة العامة وفي جميع الحقوق والواجبات العامة كما سبق أن أشرنا إلى ذلك من الفقه الإسلامي، وهو مبدء تقره مختلف الأنظمة والقوانين في مختلف بلدان العالم، وكذلك الاتفاقات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، فقد سجل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة في ١٠/ ١٢ / ١٩٤٨م هذه المبادئ والحقوق، فنصت المادة (٢١) منه على الآتي: ? لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً وأن لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة، وسجل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بالمادة (٢٥) على أنه يكون لكل مواطن دون أي وجه من وجوه التمييز الحقوق التالية التي يجب أن تتاح له في سلطة التمتع بها دون قيود غير معقولة: أ) أن يشارك في الشؤون العامة مباشرة وإما بواسطة ممثلين يُختارون في حرية. ب) أن يَنتخِب ويُنتخَب في انتخابات نزيهة. ج) أن تتاح له على قيد المساواة عموماً مع سواه فرصة تَقلُّد الوظائف العامة في بلده. كما سجلت وثيقة منظمة المؤتمر الإسلامي لحقوق الإنسان بالمادة (٢١) على أن (لكل إنسان الحق في أن يشارك في اختيار حكامه ومراقبتهم ومحاسبتهم وفق ما أمر الله تعالى، ولكل إنسان حق الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما له الحق في تقلد الوظائف العامة وفق الشروط المرعية). وسبق أن أشرنا إلى ما نص عليه دستور الجمهورية اليمنية في أن لكل مواطن الحق في المشاركة في الأمور العامة. ونص القانون رقم (١٩) لسنة ١٩٩١م اليمني بشأن الخدمة المدنية بالمادة (١٢) أن الوظيفة العامة تكليف, وأنها أساس في تنفيذ التنمية, وأنه يقوم شغل الوظيفة العامة على مبدء تكافؤ الفرص والحقوق المتساوية لجميع المواطنين دون أي تمييز، وتكفل الدولة وسائل الرقابة على تطبيق هذا المبدء.

стр. 104

وفي المملكة العربية السعودية نجد أن نظام الموظفين العام الصادر بالمرسوم الملكي رقم (٤٩) بتاريخ ١٠/ ٧/١٣٩٧هـ بالموافقة على نظام الخدمة المدنية ينص في مادته الأولى (أن الجدارة هي الأساس في اختيار الموظفين لشغل الوظيفة العامة) أي أن الكفاءة وحسن السلوك هي الأساس في اختيار الموظفين, وأن الكل متساوون, وأن الكفاءة والجدارة بما يحمله الإنسان من مثل وأخلاق ومؤهلات هو الأساس, ونص في الفقرة الثانية على أن تصنيف الوظائف بتجميعها فئات تتضمن كل فئة الممثلة في طبيعة العمل ومستوى الواجبات والمسؤوليات والمؤهلات المطلوبة لشغلها، وتوصيف الفئات طبقاً لما ورد في المادة الثالثة من ذات النظام, وصرحت المادة (٣) من النظام الأساسي للحكم بالاتي: (يقوم الحكم بالمملكة العربية السعودية على أساس العدل والشورى والمساواة وفق الشريعة الاسلامية) وفي المملكة الأردنية الهاشمية نجد أن الدستور قد نص بالمادة (٢٢) على أن لكل أردني حقاً في تولي الوظائف العامة بالشروط المعينة بالقوانين والأنظمة، وأن التعيين للوظائف العامة من دائمة ومؤقتة في الدولة والإدارات الملحقة بها والبلديات يكون على أساس الكفاءة والمؤهلات. وفي جمهورية مصر العربية نجد أن الدستور بالمادة الرابعة عشرة قد نص على أن الوظائف العامة حق للمواطنين، وتكليف للقائمين بها لخدمة الشعب وتكفل الدولة حمايتهم وقيامهم بأداء واجبهم في رعاية مصالح الشعب. وفي العراق نجد أن الدستور بالمادة (٣٠) قد نص على أن المساواة في الوظائف العامة يكفلها القانون. (١) ولا تكاد تختلف الدساتير والقوانين على هذا المبدء, وهو مبدء إسلامي قبل أن يكون مبدءاً إنسانياً، فالقرآن يقرر وحدة الجنس البشري كما يقول جل شأنه: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ

стр. 105

مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) (١) , ويقول: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) (٢) , ويقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (٣). وإذا كانت البشرية أبناء أب وأم واحدة فإنه يكون المساواة في الوظائف العامة أمراً بديهياً، فهذا ابن أم مكتوم وهو رجل أعمى يعاتب الله رسوله فيه فيقول جل شأنه: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أو يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) (٤) , وهذه السورة دليل من دلائل صدق النبوة ومظهر من مظاهر الإخاء في المجتمع، وتواضع الرسول ﵌ وتقبله للعتاب وتلاوته لهذا القرآن دليل على حسن سياسته. وقد كان الرسول ﵌ إذا رأى هذا الرجل -ابن أم مكتوم- بعد هذا العتاب الرباني بسط له رداءه، نقل القرطبي في تفسيره عن الثوري قال: (كان النبي ﵌ بعد ذلك إذا رأى ابن أم مكتوم بسط له رداءه ويقول: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي. ويقول له: هل من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما، قال أنس رأيته يوم القادسية راكباً عليه درع وعليه راية سوداء. (٥) وبهذا يتضح سماحة الإسلام وتكريمه للإنسان وها هو ابن أم مكتوم يشارك في الحياة العامة ويستخلفه الرسول على المدينة ولم يمنع العمى من القيام بدوره. والشورى هي نهج الرسول ﵌ ودربه الذي يسير عليه وليس شكل الشورى الذي جاءت به الشريعة الإسلامية مصبوباً في قالب حديد, وإنما هو متروك للصورة الملائمة لكل زمان ومكان لتحديد ذلك الطابع في حياة الجماعة البشرية كلها وليست أشكال جامدة وليست نصوص حَرْفية وإنما هي روح ينشأ عنها استقرار الحقيقة وقيامها وسعادة البشرية وازدهارها. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٦).

стр. 106

المبحث الثالث الشورى في القضاء والحكم من المسلم به ومن المعلوم أن إقامة العدل من أغلى وأسمى مقومات الحياة، وأن الحكم به من أقوى الوسائل التي يرتفع بها الظلم ويسود في ظلها المحبة والإخاء بين الناس، ولهذا قيل بالعدل وحده تُصان القيم وتستقر المبادئ ويتضاعف شعور الإنسان بالإنتماء لوطنه, ويعلو بناء الإنسان، وتلك غاية الغايات وقمة الأهداف لأي مجتمع متحضر ينشد حاضراً أكثر أمناً واستقراراً، ويستهدي مستقبلاً أكثر رفعة وازدهاراً، وللعدل معنى جليل تطمئن إليه النفوس وترتاح إليه الأفئدة وتنطلق به ملكات الإنسان فيأمن به على نفسه وماله فيبدع وينتج ويسهم في حل المشكلات التي تعوق مسيرة أمته (١) , وتحقيق العدل كان مهمة الرسل والأنبياء وهو رسالة السماء إلى الأرض وهو وظيفة الحكم الصالح ودعامته المكينة وعزته المشرقة. ولما كان العدل بهذه المكانة فقد ابتعث الله به رسله إلى الكافة من خلقه وخاطب الله تعالى خاتم رسله بقوله: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) (٢) , والشعور بالرغبة في إقامة العدل مستقر في النفس البشرية التي تؤمن بأن العدل هو أمر الله وصفته واسم من أسماء شريعته، قال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) (٣) وقال: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (٤) وقال: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) (٥) وهكذا يتوفر العدل في المصدر والتشريع والقضاء والتنفيذ وذلك ليس خطاباً للنبي ﵌ وإنما هو خطاب للأمة المؤمنة كلها.

стр. 107

والآيات التي تتحدث عن العدل كثيرة، فهو بلا شك أساس لعمران البلاد وأساس لبناء الحضارات في كل زمان ومكان، فربنا جل وعلا يقول: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) (١) , ويقول جل شأنه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (٢) , ويقول جل شأنه: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٣) , ويحذر من المحاباة والظلم لأن ميزان العدل لا يميل مع الهوى ولا يتزحزح مع العصبية ولا يحيف مع الشنئان، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أو الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (٤). ولهذا قيل إن للعدل قيمة لا تنطوي بمجرد عدم إيقاع الضرر على الغير وإعطاء كُلٍ ماله، وإنما هي شيء أعمق من ذلك وأكثر، هي تحقيق التوازن اللازم بين المصالح المتعارضة بغية كفالة نظام مأمون لسكينة المجتمع الإنساني وسلامته وسعياً به صوب الاستقرار والتقدم، ومن ثم كان العدل عنصراً حركياً، ويقتضي السعي الدائب والدائم والحثيث نحو معرفة ما يستحقه كُلٌ وكيف يعطى له. (٥) وإذا كان العدل لا يجيء ولا يتحقق من تلقاء نفسه، وليس للإنسان أن يبتغيه لنفسه فإنها تكون الغلبة للفرد دون الحق، وحينئذ تعم الفوضى التي لا تبقي ولا تذر، وإنما تحقيق العدل هو واجب الدولة ورسالتها التي يجب أن تتجرد له سلطة من سلطاتها وهي القضاء في نظام شامل متكامل مستقل محايد ينهض بأعباء هذه الرسالة التي لا تستقيم أحوال

стр. 108

البشرية دونها، ولهذا كان القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة كما يقول الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب ﵁. (١) وقد حمل القضاء أمانة تحقيق العدل منذ فجر التاريخ, فإلى ساحة القضاء يهرع الناس جميعاً يلتمسون العدل والنصفة وهم عنده سواء لا قوي لديه ولا ضعيف ولا شريف أمامه ولا مشروف, لا يرهب أحداً لقوته ولا يستخف بحق أحد لهوانه وضعف قدرته, فهو حصن الأمان لكل من داهمه الخوف، وهو النظام الذي يصل به العدل إلى كل من اجترأ على الحق، وإذا كان القضاة هم ضمير الأمة ومعقد رجائها في إعلاء كلمة الحق والعدل التي أودعها خالقهم أمانة مقدسة بينهم لينطقوا في أمرها بعد بحث وكد ونصب وعناء فإنه حري بهم أن يسلكوا مسلك الشورى التي أمر الله بها؛ لأن القضاء من جملة الأمور التي أمر الله أن يُتشاور فيها, بل هو أهمها فيما التبس من الأمور وفيما لا يوجد فيه نص واضح وقاطع وما أكثر الملتبسات والمشتبهات، فالواجب على القاضي أن يبذل الجهد في فهم النص وفهم الواقعة وأن يشاور أيضاً أهل العلم والصلاح والفطنة لما لذلك من أثر في استجلاء الحقيقة والتثبت في فهم النص وفهم الواقعة (٢) , ولقد اعتبر بعض العلماء المشاورة في القضاء مندوب إليها, ونقل عن جماعة من العلماء القول بالوجوب (٣) , ونقل القرطبي أن ابن عطية قال: من لم يستشر أهل العلم والدين فعزله واجب. (٤) قلت: الظاهر أن الشرع قد حث على المشاورة في جميع الأمور التي نص فيها فما بالك في القضاء، ففي سورة آل عمران يقول تعالى مخاطباً نبيه: (وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (٥) , وفي سورة الشورى يقول سبحانه: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ).

стр. 109

ولهذا فإنه ينبغي للقاضي أن يشاور أهل العلم والصلاح وأن يستعين برأيهم، فالقاضي إنسان يصيب ويخطىء وقد يتأثر ببعض عواطفه وأهوائه فيميل في قضائه إلى بعض أطراف الخصوم بما يقوض أركان العدل، ولقد بلغ من حرص الدولة الإسلامية أن أوجدت في بعض المحاكم ما يسمى بشهود القضاء أو العدول، وكانت مهمتهم هي الشهادة على بعض الأحكام، وسيجد المتتبع في كتب الفقه (١) والتراجم (٢) الكثير من ذلك فإن القضاة كانوا يتخذون شهوداً منهم, وعلى سبيل المثال لا الحصر عتيق الصباغ وأبو الطاهر الذهلي وعبدالله بن ثوبان وغيرهم، ويقول الدكتور محمد عبدالرحمن البكر أنه وصل الأمر إلى حد أن أصبحت الشورى في بعض العصور وظيفة يتخصص لها بعض العلماء كيحيى بن وافد اللخمي وأبي الأصبغ فيما يشبه أن يكون جهازاً لمراقبة القضاة (٣). أما الشهود الذين كانوا يؤلفون جزءاً من المحكمة بحيث لا تنعقد إلا بهم حيث كانوا يجلسون على يمين القاضي ويساره ليشهدوا على ما يجري من الدعاوي والأحكام فقد أوجب بعض الفقهاء حضور الشهود، قال ابن فرحون (ومنها إحضاره الشهود العدول في مجلس قضاءه) قال المازري: يؤمر القاضي بذلك ويتأكد الأمر به على القول بأن القاضي لا يقضي بعلمه فيما أمر به الخصم في مجلسه (٤) , وجاء في مواهب الجليل: وإذا كان المشهور أن القاضي إذا سمع إقرار الخصم لا يحكم عليه حتى يشهد عنده بإقراره شاهدان فيكون إحضار الشهود واجباً وإلا لا فائدة (٥). قلت: وليست تلك الغاية التي تتوخى فحسب بل إن وجود الشهود العدول من العلماء ليكونوا مستشارين قد يكون في بعض الحالات ضرورة, فإن القاضي العادل لا يستغني عن وجود مثل هؤلاء قط، فالمتتبع للآثار الفقهية والقضائية التي درج عليها الخلفاء الراشدون سيجد أنهم كانوا يحضون على التشاور مع وجهاء الصحابة وأهل الرأي, وذلك من أجل التحري في إقامة العدل والوصول إلى الحق، وهذا هدف من أهداف علانية الجلسات أيضاً عند التقاضي، وفي أخبار القضاة لوكيع (٦) كانت القضاة لا تستغني أن يجلس إليهم بعض العلماء, وقد روي أن أبا بكر ﵁ كان إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله تعالى فإن وجد ما يقضي به بينهم قضى به وإن لم يجد وعلم في سنة رسول الله ﵌ سنة قضى بها فإن أُعيي خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله ﵌ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكرون عن رسول الله ﵌ قضاء فيقول أبو بكر الحمد الله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا ﵊، فإن أعياه أن يجد في سنة رسول الله ﵌ سنة جمع خيار الناس ورؤوسهم فاستشارهم فإن أجمع أمرهم على رأي قضى به، وكان عمر ﵁ يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به وإلا دعا رؤوس المسلمين فإن اجتمعوا على أمر قضى به (٧)، ولفظ الدارمي (فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله ﵌ جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به) (٨) وقد أورد هذا الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري مختصراً وعزاه للبيهقي وصحح إسناده وقال (وإن عمر بن الخطاب كان يفعل ذلك كما تقدم أن القراء كانوا أصحاب مجلس عمر ومشاورته) (٩) وعن شريح القاضي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إليه إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في

стр. 110

كتاب الله فانظر سنة رسول الله فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله وسنة رسول الله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به. (١) وقد استشار عمر ﵁ في حد الخمرة لأنه ليس مقداره سنة نبوية وإنما كان المرء إذا سكر أتي به فيضربونه بأيديهم ونعالهم نحواً من أربعين، فلما تولى عمر استشار الصحابة رضوان الله عليهم لكثرة وقوع الناس فيه فأشاروا عليه أن يحده حد المفتري لأنه إذا شرب هذى وإذا هذى افترى فكان يحد ثمانين جلدة في عهد عمر, ثم لما تولى علي ﵁ أمر بالسكران أن يضرب فلما بلغ الأربعين قال للجلاد أمسك جلد الرسول ﵌ أربعين وجلد أبو بكر ﵁ أربعين وجلد عمر ﵁ في صدر خلافته أربعين ثم أمضى عليه ثمانين وكل سنه وهذا (أي الأربعين) أحب إلي (٢). كما أن عمر ﵁ استشار في الجناية على الجنين في بطن أمه ويسمى بالإملاص والسقط, فعرض الأمر مستشيراً فيه حيث قال: أيكم سمع من النبي ﵌ فيه شيئاً قال المغيرة بن شعبة ﵁: (فقلت أنا, فقال: ما هو فقلت سمعت النبي ﵌ يقول: (فيه غرة عبدٌ أو أمة) فقال له عمر ﵁: لا تبرح حتى تأتيني بالمخرج فيما قلت, فخرجت فوجدت محمد بن مسلمة فجئت به فشهد معي أنه سمع النبي ﵌ يقول: (فيه غرة عبد أو أمة). (٣) وروى الإمام مالك في موطأه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأل ميراثها فقال لها أبو بكر: مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنة رسول الله شيئاً فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله ﵌ أعطاها السدس فقال مثلما قال المغيرة أي محمد بن مسلمة الأنصاري فأنفذه لها أبو بكر الصديق ﵁، وهذه الجدة هي أم الأم ثم جاءت الجدة الأخرى وهي أم الأب
следующие страницы →