Полный текст (156 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ أعِن
(١) قال أبو بكر بن دريد: أخبرنا أبو عثمان، عن التوزّي عن أبي عُبَيْدة قال: لمّا كان يومُ الجمل، والتقَى الناسُ، خرج رجلٌ من بني اسدٍ، فلَقِىَ محمد بنَ طلحة بنَ عُبيد الله - وكان يُسَمَّى السَّجَّاد من كثرة سجوده وطُول صلاتِه - فحمل عليه الأَسَدِيُّ، فلمّا غَشِيَه قال: حم - وكانت شعار أصحاب علي رضوان الله عليه - فمضى بِطَعْنَتِهِ ولم يلتَفِتْ إلى قوله، ثم انشأ الأَسَدِيُّ يقول:
وأَشعَثَ قَوَّام بآياتِ رَبِّه ... قليلِ الأَذَى فيما تَرى العينُ مُسْلم
هَتَكْتُ بِصدْرِ الرَّمْحِ جَيْبَ قَمِيصهِ ... فَخَّر صَريعاً لليَدَيْنِ ولِلفَمِ
عَلى غَيْرِ شئٍ غَيْرَ أنَ لَيسَ تابِعاً ... عَليَّاً ومَنْ لا يَتْبَعِ الحَقَّ يَظِلم
يُذَكِّرني " حم " والرّمحُ شاجرٌ ... فَهَلاَّ تَلا " حم " قبلَ التَّقدُمِ؟
стр. 2
قال ابو بكر بن دُريد: والهيثم بن عدِي، وابن الكَلْبِي يرويان هذه القصيدة للأَشْتَر، ويزيدان في الخبر.
(٢) وقال ابو بكر بن دريد: اخبرنا البكر بن سعيد عن محمد بن عَبّاد قال: ذكروا أن وفداً من اهل المدينة خرجوا إلى خُراسان إلى طَلْحة الطَّلَحات، فلمّا صاروا في بعض البَوادِي رُفِعَتْ لهم خَيْمة خفية، فمَضوا وقد اجنَّهم الليل فإذا هُم بعَجوز ليس عندها من يَحٌلُّ لها، ولا يرحل عنها، والى جنب كسر خَيمتِها عُنَيْزة، فقالوا لها: هل من مَنزل فننزل؟ فقالت: إى ها الله، على الرّحب والسّعة والمّاء السابغ، فنزلوا، فإذا ليس بقربها ولدٌ ولا اخٌ ولا بَعْلٌ. فقالت: ليِقم احدكم إلى هذه العُنَيْزة فليَذْبحها. فقالوا: اذن تهلكي، والله ايتّها العجوز، إن عندنا من
стр. 3
الطعام لبلاغا، ولا حاجة بنا إلى عُنيزتكِ، فقالت: انتم أضيافٌ وأنا المَنزولُ بها، ولولا أني امرأَة لذَبَحْتُها. فقام احدُهم مُتَعَجِّبَاً منها فذبح العَنْز، فأتخَّذت لهم طعاماً وقرَّبته اليهم، فلمّا اصبحوا غَدَتْهم ببقيتَّها، ثم قالت: أينَ تُريدون؟ قالوا: طَلْحة الطَّلَحات بخُراسان. فقالت: إذنْ والله تأتون سيِّداً ماجِداً صِهْميماً، غَيْر وَخشٍ ولا كَزومٍ هَلْ انْتُم مُبلِغوه كتاباً إن دَفَعْتَه الَيكُم؟ فَضَحكِوا، فقالوا: نفعَلُ وكرامة. فدَفَعْتْ الَيْهم كِتابَاً على قِطعةِ جرابٍ عِندَها.
فلمّا قدموا على طلحة، جعل يسألهم عما خلفوا، وما رأوا في طريقهم فذكروا العجوز وقالوا: نُخْبِرُ الاميرَ عَنْ عَجَبٍ رَأيناه. واخبروه بقصّة العجوز وصَنيعِها وقَوْلتها فيه، ثم قالوا: ولَها عندنا كِتاب اليك، ودفعوه اليه، فلمّا قرأَ الكتابَ ضَحِكَ وقال: لَحَاهَا الله منْ عجوز، ما أحْمَقَها، تكتُب إلى من اقَصْى الحِجاز تسأَلُنِي مِنْ جُبْنِ خُراسان. ولم يَدَعْ للوَفْد حَاَجةً الا قَضاها، فلمّا ارادوا الخُروج قال: هَل أَنتُم مُبلِغوها الجُبْن الذي سأَلَتْ؟ قالوا: نَعم. وقد كان أَمَرَ بِجبنْتَيَنِ عَظِيمَتَيْنِ، فأمرَ بنَقْبِهمِا ومَلاَهُمَا دَنانير، وسوَّى عليهما، ثم قَال: بَلِّغوها الجَبنَتَيْن،
стр. 4
فلمّا قدمُوا عَلَيها نَزلوا قَالوا لَها: وَيْحَك، كَتبتِ إلى مِثل طَلْحَة الطلحات تَسْتَطْعِمينَه جُبْنَ خُراسان؟ قالت: وقَد بَعثَ اليَّ بشئٍ؟ قالُوا: نَعَم، واخرجوا الجَنْبَتَين فكَسرتهُما فتَناثَرتْ الدّنانير منهما، ثم قالت: أمِثْلي يَسأَلُ طَلحَة جُبْناً؟ ثم قالت: أقرأُ عَلَيْكُم كِتابي إليه؟ قالوا: نَعم، فإذا في كتابها:
يا أيهَّا المّائِحُ دَلْوى دونَكا
اِنِّي رأَيْتُ النَّاسَ يَحمْدَوُنكما
يُثنُون خَيْراً ويُمَجدَونَكَا
ثم قالت: أفَأَقْرأُ عليكم جوابَه؟ قالوا: نعم. فأذا جوابُه
إنَّا مَلاْناها تَفيضُ فَيْضَا
َفلَنْ تَخافِي ما حيِيتِ غَيْضَاً
خُذِي لكِ الجُبْنَ، وعُودي ايْضَاً
(٣) أَنشَدَ ابنُ دريد عن أبي حاتِمٍ، عن أبي عُبَيْدة للفرزدق يَمْدح نَصرَ بنَ سَيّار:
стр. 5
يَرْضَى الجَوادُ إذا كفَّاهُ وازنَتَا ... إحدَى يَمِينيْ يَديْ نصْر بنِ يسَّارِ
يَداه خَيْرُ يَديْ حَيٍّ سَمِعت به ... من الرِّجالِ بِمَعْروفٍ وإنكَارِ
العَابِطُ الكُومَ إذ هَبَّتْ شآمِيَةٌ ... وقاتلَ الكَلْبُ مَن يَدْنو إلى النَّارِ
والقائِلُ الفاعلُ الميمونُ طَاِئرُهُ ... والمّانعُ الضَّيم ان يَدْنو مِن الجَارِ
كَمْ فيكَ إن عُدِّدَ المعْروفُ مِن كَرَمٍ ... ونَائِلٍ كَخَلِيج المُزْبِد الجَارِي
انْتَ الجَوادُ الَّذِي تُرْجَى نَوافِلُهُ ... وأَبْعَدُ النَّاسِ كُلّ النَّاِس من عَاِر
وأقربُ النَّاسِ كُلّ النَّاس مِن كَرَمٍ ... يُعْطِي الرَّغائِب لم يهْمُم بإِفتار
اخبرنا ابن دريد قال: اخبرنا أبو عُثمان الأُشنانْدانِيّ، عن العُتْبي عن أبي اسحاق قال: حدثني ابنُ الكليبة قال: ولاَّني عُمر بن عبد العزيز عَمَلاً فلمّا ودّعتُه قال: يا ابن الكليبة، ما أمَلُ أهْلِك فيك؟ قلتُ: السَّلامةُ والعافِيةُ. قال: لا، ولكن أملُهم فيك ان تَرِدَ لهم عَلى ظَهْرِك، وأن تَحْمِل لهم عَلى كاهِلك، يا ابن الكُليبة إني لأَعْلَمُ أنَّ لك ولداً تُحِبُّ لهم الغِنى، وتكره لهم الفقر، وأن الله قد كتب عليهم فقراً، أو كتب لهم غِنى، وأنَّ اهلَ السّموات والأَرض لَو جَهدوا أن يُغْنُوا من كَتب الله عليه الفقر أو يُفْقِروا من كتب الله له الغِنى،
стр. 6
لم يقَدروا على ذلك. انظر لِنفسك، ولا تَنظر لغِيْرك، وقد أحْببتك، فلا أبغضك وأستوْدعك الله.
(٥) اخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو عثمان عن العُتبي، قال: قِيل لبعض الزُّهَاد: أخبرنا عن الدّنيا. فقال جَمَّةُ المَصَائِب، رَنِقَةُ المَشَارِب، لا تُمتِّع صاحِباً بصاحب.
(٦) أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو عثمان عن التوزّي قال: صحِب ابن عبْدَل الأَسَدِيُّ معروف بن بشر حيناً، فأبْطأ عنه بصِلته، فتغّيب عنه أَياماً، ثم اتاه فقال: أيْن كنت؟ فقال: أصلَح الله الأَمير، خَطبتُ ابنةَ عمٍّ لي، فأرسلت إليَّ: انَّ لِي أَشاوي على الناسِ وديونا، فأنْطلِق فأجمعْ ذلِكَ، ثم ائْتِني أَفْعَل، ففعلت، فلمّا أَتَيتُها بحاجتها كتبت:
سَيُخْطئُكَ الَّذي أَمَّلْتَ مِني ... إذا انتَقَضَتْ عليك قُوى حِبالي
كَما أَخْطأكَ مَعْروفُ بنُ بِشْر ... وكنت تعدّ ذلك رَأْسَ مال
فلَا والله لو كَرِهَتْ شِمالي ... يميني ما وَصلْتُ بهما شِمالي
стр. 7
قال: فضَحِك وقال: ما ألطفَ ما سأَلت، وأمرَ له بخمسة آلاف.
(٧) وأخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو عُثمان عن التَّوزي قال: اشتري أَبو الاسود الدُّؤَلي جارية للخدمة، فأَقبلت تتطيَّبُ وتتعرّض له فأنشأَ يقول:
أَصلاحُ إِنِّي لا أُريدُك لِلصِّبَا ... فَدَعِي التَّعرُّض حَوْلنا وَتَبذَّلِي
إني أريدُكِ للعجينِ وللرَّحى ... ولحَمْلِ قِرْبَتِنا وغَلْى المِرْجَلِ
فإذا ترَّوحَ ضيفُ أَهْلِك أَو غدا ... فَخذِي لآخرَ نَحْوَ أَهْلكِ مُقْبِلِ
(٨) أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو عُثمان قال: كان الجَمَّاز منقطعاً إلى أبي جزء الباهليّ، فتنسّك أَبو جزء، فقال للجَمَّاز: لا احبّ ان تُخالطني إلا تنسّك. فأَظهر النُّسك، ثم أَنشأَ يقول:
قد جفاني الأَمير كيْ أَتقرّا ... فتقرّيت مكرها لجفائه
والذي أَنْطَوى عليه المَعاصي ... عَلم الله نِيَّتي من سمائه
ما قِراةٌ لمكره بقراةٍ ... قد رَواه الأَميرُ عن فقهائه
(٩) أَخبرنا ابن دريد قال: حدّثنا أبو عثمان قال: حدثني محمد بن حسّان قال: حدّثني هشام بن الكلبي قال:
стр. 8
لمّا قَدِم سيف بن ذي يزن الحِميري على كِسرى أَجلسه معه ثم دعا بالشراب، فسقاه كأْساً، فأَخذها فصبّها على رأْسه، فأَنكر كسرى ذلك، فقال: أَيّها الملك، إنِّي نذرت أَلا أَشربَ شَراباً حتى أُدرِكَ بِثأْرِي، ولمْ أَرَ مَوْضِعاً مني اكرَم عليَّ من رأسي.
(١٠) وأَنشَدَ الأَصمعي:
رويدَك يا قُمْرِيٌّ لَسْتَ بمضْمِرٍ ... من الشَّوق إلا دُونَ ما أَنا مُضْمِرُ
ليَكْفِكَ انَّ القلبَ مذُ انْ تنكَّرت ... أَسَيْمَاءُ عَن معروفه مُتَنَكِّرُ
سَقَى الُله أَياماً خَلَت وليالِيا ... فلم يَبْق إلاَّ عَهْدُها المُتَذَكَّرُ
لَئِنْ كانت الدُّنيا أَغَبَّت إساءةً ... لَمّا أحسْنَتْ في سالِف الدَّهر أكثرُ
(١١) وعن الأَصمعي قال: قال بعضُ الحكماءِ: اصطناع المعروف في الدنيا يَقِي مَصارع السُّوء.
(١٢) قال: وكان عبدُ الملك بنُ مَرْوان يقول: لأَن أُخطِئ وقد استشرت أحبّ إلىّ من أَن أُصيب برأْيٍ، وقد وَثِقْتُ بِرَأْيي وقد اصبت من غير مَشورة، فإن المُمْضِيَ رَأْيَه يُزري
стр. 9
به أَمران، تصديقه رأيه الواجب عليه تكْذِيبه، وتركُه ما يزداد به بَصيرةً في أَمْره من المَشورة.
(١٣) قال: وقيلَ لبعض الحكماء: ما جِماعُ ما يَرْغَبُ فيه صاحبُ الدنيا. قال: الدَّعة من غير تَوانٍ، والسِّعة من غير تَبِعَة، والسُّرور من غير مَأْثَم.
(١٤) وقيل له: أيُّ الأُمور أَمْلكُ بالِانسان؟ الطّبيعةُ أم الأَدبُ؟ قال: الادبُ زيادةٌ في العَقل، والطبيعةُ عارِيةٌ لهما، ولكلّ واحدة آفات، قيل: فكيْف السّلامةُ من تلك؟ قال: هو ألا يَشوبَ العَقلَ العُجبُ، ولا العِلمَ الفخرُ، ولا النَّجدةَ البغْيُ، ولا اللُّبَّ الزيْغُ، ولا الحِلْمَ الحِقْدُ، ولا الجودَ السَّرَفُ، ولا الرأفةَ الجَزعُ، ولا التَّواضعَ المُخادَعةُ، ولا اللُّطْفَ المَلَقُ، ولا الحَياءَ البَلادَةُ، ولا الوَرعَ السُّمعةُ. قيلَ: فأيُّ الأدَبِ أَحْسَن؟ قالَ أَدبُ الصَّالحين.
(١٥) عن ابن عباس قالَ: قَدِم علينا عمرُ بن الخطَّاب - رحمةُ الله عليه - حاجّاً، فصَنَع له صفوانُ بنُ أُميّةَ طَعَاماً، قال: فجاءُوا بجَفْنَة يَحْمِلُها اربعة، فوُضِعَت بين القوم، فأخذَ القوم يأْكلونَ، وقام الخُدّام، فقالَ عمر: ما لي لا ارى خُدّامَكم يأْكُلُونَ؟ أَترغبون عنهم؟ فقال سُفيانُ بنُ عبدِ الله: لا واللهِ يا أميرَ المُؤْمِنِينَ، ولكنّا نَسْتَأْثر
стр. 10
عليهم، فَغَضِبَ غَضَباً شَديداً، ثم قال: ما لِقَوْمٍ يَستأْثِروُن على خُدّامهم؟ فَعلَ الله بهم وفَعل. ثم قال للخُدّام: اجلْسِوا فكُلُوا، فقعدَ الخُدّامُ يأْكلون، ولم يأْكل أَمير المؤمنين.
(١٦) وعن عبد الله بن المُبارك، قال: اشترى عمرُ بن الخطاب أعراضَ المسلمين من الحُطَيْئة بثلاثة آلاف درهم، فقال الحُطَيْئة:
واخَذْتَ أَطْرار الكلام فَلم تَدَعْ ... شَتْماً يَضُرُّ ولا مَدِيحاً ينفعُ
ومَنَعْتَني عِرَض البَخيلِ فَلَمْ يَخَفْ ... شَتْمي فأصبحَ آمناً لا يَفْزَعُ
(١٧) وأَنشَدَ الأَصمعي ولم يذكر قائلاً:
تُبْدِي لَك العَيْن ما في نَفْسِ صاحبِها ... من الشَّناءة، أو وُدّاً إذا كانا
إنَّ البغيضَ له عينٌ يصدُّ بها ... لا يستطيع لِمّا في الصَّدْرِ كِتمانا
وعين ذي الوُدِّ ما تَنْفَكُّ مقبلَةً ... تَرى لها مَحْجِراً بَشَّا وانسانَا
والعينُ تنطقُ والَأفواه صَامِتةٌ ... حتى تَرى من ضميرِ الْقلبِ تِبْيانا
(١٨) وعن الأَصمعي قال: اسْتُعْمِلَ أسلم بن زُرارة الكَلْبي على خراسان، فكان ينبِشُ قبورَ الأَعاجم، لأَنهم كانوا يَدْفِنُون مَعهم الذَّهب والفضة، وكان عليها قبلة الحَكَمُ بنُ عَمرو الغِفارِيّ، فقال بَيْهُس بنُ صُهَيبٍ الجرْميّ:
стр. 11
تَعَوَّذ بحُجْرٍ واجْعل القبرَ في الصّفا ... من الأَرض لا يَنْبِشْ عِظَاَمَك أَسْلَمُ
هو النَّابشُ القبرَ المُحيلَ عِظامُه ... لينظُرَ هلْ تحتَ السَّقائف دِرْهَمُ
تَجَنَّبْ لنا قَبْرَ الغفارِيّ والْتَمِس ... سِوى قَبرِه لاَ يَعْلُ مَفْرِقَكَ الدَّمُ
(١٩) وأَنشَدَ الأَصمعي:
وأيّ خَير يكون في رَجُلٍ ... ليْسَ لأُنْثَى يُدْعَى ولا ذَكَرِ
ليسَ له غَيْرُ نَفسِه نَسَبٌ ... كأَنَّه آدم أَبو البَشرِ
(٢٠) وأَنشَدَ الأَصمعي:
كِلابُ النَّاس إنْ فكَّرت فيها ... أضرُّ عليك مِن كَلَب الكِلابِ
لأنَّ الكَلبَ لا يُؤْذي صَديقاً ... وإنَّ صَديقَ هَذا في عَذابِ
ويأْتِي حين يَأْتِي في ثِيابٍ ... وقَدْ حُزِمَتْ على رَجُلٍ مُصابِ
فَأَخْزَى الله أَثواباً عَليْهِ ... وأَخْزَى الله ما تَحْت الثِّيابِ
(٢١) وأَنشَدَ عبد الرحمن ابن اخيِ الأَصمعي:
قُلْ للمُسَاوِر أَنَّ زَهْدَم خَائِنٌ ... فَخَفِ الالَهَ وأَعْفِنَا مِن زَهْدَمِ
انَّ العَفِيفَ اذا استْعانَ بخَائِنٍ ... كان العَفِيفُ شَريكَه فِي المّأَثَمِ
(٢٢) وأَنشَدَ الأَصمعي:
الا أبْلغ مُعاتَبَتي وقَولْي ... بَني عَمِّي فَقَدْ حَسُنَ العِتابُ
وَسَل هَل كَان لي ذَنْبٌ اليهم هُمُ منه فأَعْتِبَهم غِضَاب
стр. 12
ُ
كَتَبْتُ الَيْهمُ كُتُباً مِراراً ... فَلَمْ يَرْجِعْ اليَّ لَهُم جَوابُ
فما أَدْري أَغيَّرهُمْ تَنَاءٍ ... وطولُ العَهْد امْ مالاً اصَابوا
ومن يَكُ لا يَدُوم لَه وصَالٌ ... وفَيه حين يَغْتَرِب انْقِلابُ
فَعَهْدِي دَائمٌ لهمُ وُوُدِّي ... على حَالٍ اذا شَهِدوا وَغَابوا
(٢٣) وأَنشَدَ الأَصمعي:
ارى وَحْدَة المَرْء خَيْراً لَه ... اذا ما الجَليسُ عَليْه اسْتطَالاَ
وكَمْ مَجْلسٍ قَدْ حَشَدْنا لَه ... لَكَ الخَيْر هاج علينا جِدَالا
فلا تَلْحَني ان هَجَرْتُ الجَليس ... لغيرِ قلًى وَهَوَيْتُ اعْتِزَالا
وفكَّرتُ في مَا بِه قَدْ أُمِرْتُ ... وفِكْرُ اللَّبيب يهيجُ اشتعالا
اذا ما الفَتَى جاوزَ الأَرْبَعين ... ولم يُعقِبِ النَّقْصَ منه الكَمالاَ
ولم يتبعِ العُصْبةَ الزَّاهِدين ... ويَنْفِى الحَرامَ ويَبَغِى الحَلاَلاَ
فلا تَرْجُه طولَ ايَّامِه ... فَلَيْس يَزيدُك الا خَيَالاَ
(٢٤) وأَنشَدَ عبد الرحمن وأَبو حاتم ايضا:
أَرَى سَارقَ الأَمْوالِ تُقْطَعُ كَفُّهويُنْفَى، فلَيْتَ الشِّعْرَ يُقْطَعُ سَارِقُهْ
ولو قُطع السُّرَّاق للشِّعْر لَمْ تَزَلْ ... يَمِينُ امرِئٍ في بَعضِ شِعْرٍ تُفارِقُهْ
стр. 13
وكَم مَرَّةٍ أُخْبِرتُ عَنْ مُتَنَحِّلٍ ... تَنَحَّلَ شِعراً سَائراَ أَنا نَاطِقُهْ
فَأَحْرَزَ امْوالاً بِشِعْرِى وَضَيْعَةً ... وَقَد كَان مُحْتاجاً تَنُوسُ شَبارِقُهْ
الشَّبارق: القميص الخَلق.
(٢٥) وأَنشَدَ الأَصمعي، قال: اظُنهّا لابنِ قيس الرقّيات:
لا يُعْجِبَنَّك صَاحبٌ ... حتَّى تَبَيّنَ ما طِباعُه
ماذا يَضِنّ به عَلَي ... كَ وما يَجود بِه اتِّساعُه
أَو ما الذي يَقْوىعلَي ... هِ وما تَضيقُ به ذرَاعُه
واذا الزَّمانُ رَمَى صَفا ... تَك بالحوادِث ما دِفاعُه
فَهُناكَ تَعرِف مَا ارِتْفا ... عُ هَوى اخِيك وما اتِّضاعُه
(٢٦) وعن الأَصمعي قال: خاف البراءُ بن قَبِيصَةَ من الحَجّاج، فهرب وانشأ يقول:
أرِقْتُ بأَحْسَاء العُنَابِ ومَنْ يَكُنْ ... له مِثل أضْيَافي مِن الهَمِّ يَأْرقِ
أخَوَّفُ بالحَجّاجِ طَوْراً ومَنْ يَكُنْ ... طَريداً لِلَيْثِ بالعِراقَيْن يَفْرَقِ
كأنَّ فُؤادِي بين اظْفَارِ طائِرٍ ... مِنْ الخَوْف في جَوِّ السَّماء مُعَلَّقِ
حِذارَ امرِئِ قد يَعْلَمُ اللهُ أنَّه ... متى ما يَعِدْ من نَفْسِه الشَّرَّ يَصْدُقِ
стр. 14
(٢٧) وعن الأَصمعي قال: قيلَ لاعرأبي اتَصْعَدُ هذا السَّطحَ، ثم تَثِبُ منه إلى الطريق ولك كذا كذا؟ قال: نعم، فصَعد ثم اتَّزَرَ بكساءٍ وتَحَزَّم ثم انشأ يقول:
من كُلِّ شئٍ قَضَتْ نَفْسي لُبَانَتها ... إلا التَّنكُّسَ مِنْ فَوْق الأَحاجيرِ
فلمّا رَأَوُا الجِدَّ منه منعوه.
(٢٨) وأَنشَدَ الأَصمعي للمُقَنَّع الكِنْدِيّ:
واذا رُزقْتَ مِن النَّوافِل ثَرْوَةً ... فامْنَحْ عَشيرتَكَ الأَدَانِي فَضْلَها
واسْتبْقِها لِدِفاعِ كُلِّ مُلِمَّةٍ ... وارفُقْ بنَاشِيها وطَاوِعْ كَهْلَها
واحْلم إذا جَهِلتْ عَليكَ غُواتُها ... حتى تَرُدَّ بِفضلِ حِلْمٍ جَهلهَا
واعلَم بأنَّك لا تكُونُ فَتاهُمُ ... حتى تُرَى دَمِثَ الخَلائقِ سَهْلَها
(٢٩) أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا عبد الرحمن قال: اخبرنا عمِّي عن ابنِ عائشَةَ، عن أبيه قال: استأذنَ عبدُ الله ابنُ العباس على مُعاويةَ بن أبي سُفيان، فأذن له، فلمّا رآه من بعيدٍ قال لسعيد بن العاص: لأسألَنَّ ابن عبّاس عن مسائل يعِي جوابها - وعند معاوية رجالُ قُريشٍ، وأشرافُ العرب - فقال له سعيد: مَهْلاً فليس في ابن عباسٍ مَطْمعِ، ولا مثلُه يعي بجواب. فلمّا جلَسَ قال معاوية: يا ابنَ عباس، ما تقولُ في أبي بكرٍ الصّديق ﵀؟ قال ابن عباس: رَحِم الله أبا بَكْرٍ، كان واللهِ للقرآن تالياً، وللشَّيْنِ
стр. 15
قالياً، وعن القبيح نابياً، وعن المُنْكَر ناهياً، وعن الفَحْشاء ساهِياً، وبدينه عارفاً، ومن الله خائفاً، وعن المحارم جانفاً، وعن المُوبقات صادفاً، تخال قلبَه الدهرَ واجماً، وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، ومن دُنْياه سالِمّا، وعلى العَدْل في البرية عازماً، وفي كل الامور حازماً، والمعروف آمِراً، واليه صائراً، وعن المُهلكات زاجراً، وبنور الله ناظراً، ولنفسه في المصَالح قاهراً، فاقَ اصحابه ورعاً وكفافاً، وقناعةً وعفافاً، وسادهم زهداً وامانة وبِراً، فأنقذ الله به من الشِّقاق إلى يوم التَّلاق.
قال: فما تقول في عُمر ﵀، قال: رَحِمَ الله عمر كانَ والله ركنَ الاسلام، ومأْوى الأَيتام، ومحلّ الايمان، ومنتهى الإحسان، وملاذَ الضُّعفاء، ومَعْقِل الخُوّاف. قام بحق الله صابراً مُحْتسباً حتى ظهر الدين في النواحي، وذُكِر اللهُ في الاقطارِ والضَّواحي، وعُبد في كل البِقاع، وفي الغُموض واليَفَاع، مطيعاً لله ، وَقُوراً عند نقضْ الحُبَا، ذَكُوراً لله في الشِّدّة والرخا، فأَعقبَ الله مُبغِضِيه الندامة إلى يومِ القيامة.
стр. 16
قال: فما تقول في أبي عمرو عُثمان ﵀؟ قال رحم الله ابَا عمرو، كان والله اكرم الحَفَدة، وافضَلَ البَرَرة، قَوّاماً بالأَسْحار، كثيرَ الدموع عند ذكرالنَّار، دائمَ الفِكر فيما يَعْنِيه بالليل والنهار، نهَّاضاً إلى كُلِّ مكْرُمة، سَعّاءً إلى كل موجبة، فرَّاراً من كل مُوبقة، وفيَّاً حَييَّا أبِيَّاً، صاحب جيش العُسرة، وبئْر رومة، وخَتَنُ المُصطفى ﷺ ، فأَعقب الله قاتِليه اللعَّائن إلى يوم التغابن.
قال: فما تقول في علي بن أبي طالب ﵀؟ قال: رَحِم الله ابا حَسَن، كان واللهِ عَلَمُ الهُدى، وكَهْفَ التُّقى، ومَحلَّ الحِجى، وبَحْرَ النَّدَى، وطَوْدَ النُّهى وعلمّا للوَرى، ونوراً في ظُلم الدّجى، وداعِياً إلى المَحَجّة العظمى، ومستمكاً بالعروة الوُثْقى، وسامِياً إلى الغاية القُصوى، وعالِمّا بما في الصُّحُفِ الأُولى، وعامِلاً بطاعة الملك الأَعلى، وعارِفاً بالتأْويل والذِّكرى، ومتَعلِّقاً بأسبْاب الهُدى، وحائداً على طُرُقات الرَّدى، وسامِياً إلى المجد والعُلى، وقائِماً بالدّين والتقوى، وتاركا للجَوْر والأَذَى، واوَّلَ من آمَن واتَّقى، وسيَدَ من تقمَّص وارتدى، بعد النبيّ المصطفَى، وأفضلَ من صام وصلىّ، وأفخرَ من ضَحِك وبَكَى، صاحب القِبلتين، فهل يُساويه بشر؟ وأَبو السِّبطين فهل يوازيه احد؟ وزَوْج البتول خَيرِ النِّسوان، فهل يَلْحَقُه مخلوقٌ يكونُ او يكون؟
стр. 17
كان واللهِ للأشدّاءِ قاتِلا، ولهم في الحروب حائِلاً، على مَنْ يُبْغِضُه لعنةُ الله ولعنةُ العِباد إلى يوم التَّناد.
قال فما تقول في طَلْحَةَ والزُّبير؟ قال رحمةُ الله عليهما، كانا والله عفيفيين، مُسْلِمَيْن، مؤمنين صادقين، خَيَّرين، فاضِلين، طَاهرَينْ مُطهْرينِ، شَهِيدَين، فرَعى اللهُ لهما النصرة اليتيمة، والصُّحبة الكريمة، والأَفعال الجميلة، فأَعقب اللهُ من نالَهُما بسوء العَثْرَة إلى يومِ الحَسْرة.
قال: فما تقولُ في العَبْاس بن عبد الملطب؟ قال: رَحِم الله أبا الفَضْل، صِنْو أبي نبي الله، وقُرة عينِ صفىّ الله، سَيِّد الأَعمام، وصائن.
*** حتى اصيبه (٣٠) وعن الأَصمعي قال: قال عَمُّ الأحنف: قال ليَ الأَحنف الْقَ مُسَيلَمَة، فأنظر ما هو، قال: فلمّا رجعت إليه قال: كيف رأيته؟ فقلت: ما هو بنبي صادق ولا بكذَّاب حاذق. فقالَ رجل ممن حضرَ: أأُخبره بهذا؟ فقلت: إذن أَقول إنك صاحبُ هذه المقالة، ثم اخالفك عليها.
стр. 18
(٣١) وعن الأَصمعي أن ابناً لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه ولم يسمّه سأَله أن يعطيه من مالِه، أو مال المسلمين، فقالَ عمر: أرَدْتَ أن القى الله ملكاً خائناً؟ هلا سألتني من مالي؟ ثم أعطاه كذا وكذا، شيئاً صالحا قد سمّاه من ماله.
(٣٢) وأَنشَدَ الأَصمعي لرجل من بني هذم بن عوذ العبسي:
من يَكَ غافِلاً لم يَلْقَ بُؤْساً ... يُنِخْ يوماً بساحته القَضاءُ
تعاوَرُه بناتُ الدهرِ حتّى ... تُثَلِّمه كما ثُلِمَ الإناءُ
وكلُّ شَديدَةٍ نزلت بحَىٍّ ... سيأْتي بعدَ شِدتِها رخاءُ
فقل للمُتَّقِي غَرَضَ المنايا ... توَقّ فليس يَنفعك اتّقاءُ
فما يُعْطَي الحَريصُ غنيّ لحِرصٍ ... وقد يَنْمِي لَدَى الجود الثَّراءُ
وليس بنافعٍ ذي البُخْلِ مالٌ ... ولا مُزرٍ بصاحِبِه العَطاءُ
غَنِيٌ النفس ما اسْتَغْنَى غَنِىُّ ... وفقْر النَّفس ما عَمِرَت شَقاءُ
يودّ المرءُ لو يُفني الليالي ... ألا وفناؤُهُن لَه فَناء
وعن اسحق بن ابراهيم الموصلي قال: كانَ نُصَيْب من اهل وَدّان، وكان عبداً لرجل من بني كِنانة هو
стр. 19
واهل بيته، وكان كقدماً عند الملوك، يجيد مدحهم ومراثيهم، قال اسحق حدثني رجل من اهل كلية، من خزاعة، وكلية: قرية كان يكون بها نصيب، وكثير، قال بلغني أن نصيباً قال: قلت الشعر وانا شاب فأعجبني قولي، ثم اتهمت رأيي ونفسي، فجعلت آتي أشياخاً من خزاعة، وأَنشَدَهم القصيدة من شعري، ثم انسبها إلى بعض شعرائهم، فيقولون: احسن والله، هذا الكلام، وهكذا الشعر، فلمّا سمعت ذلك منهم علمت أني محسن، فأزمعت الخروج إلى عبد العزيز بن مروان، وهو يومئ ذ بمصر، فقلت لأختي امامة - وكانت عاقلة -: أي أخت إني قلت شعراً، وانا أريد عبد العزيز بن مروان، فأرجوا أن يعتقك الله به، وكل من رق من قرابتي. قالت: إنا لله وإنا اليه راجعون يا بن أم، اتجمع عليك الخصلتين: السواد، وأن تكون ضحكة للناس؟ قال: قلت: فأسمعي، فأَنشَدَتها، فقالت: بأبي أنت أحسنت والله، في هذا والله رجاء عظيم، فأخرج على بركة الله، فخرجت على قعود لي فأتيت المدينة، فوجدت بها
стр. 20
الفرزدق في مسجد النبي صلى الله وسلم، فهويت إليه فقلت، أَنشَدَه واستنشده، وأعرض عليه شعري، فأَنشَدَته، فقال لي، ويلك هذا شعرك الذي تطلب به الملكو؟ قلت: نعم: قال: لست في شئ، إن استطعت أن تكتم هذا على نفسك فأفعل، قال: فأنفضخت عرقاً، وحصبني رجل من قريش كان قريباً من الفرزدق، سمع غنشادي، وسمع ما قال الفرزدق، فأوما الي، فقمت إليه، فقال: ويحك هذا شعرك الذي أَنشَدَته الفرزدق؟ قلت: نعم، قال: فقد احسنت والله، والله أن كان الرفزدق لشاعراً إنك لتعرف محاسن الشعر، وقد والله حسدك، فأمض لوجهك، ولا يكسرك ما قال، فسرني قوله، وعلمت أنه قد صدقني، قال: فأعتزمت المضي إلى عبد العزيز فحضرت بابه مع الناس، فنحيت عن مجلس الوجوه، فكنت وراهم، فرأيت رجلاً على بغلة حسن الهيئة، يؤذن له إذا جاء، فلمّا انصرف إلى منزله انصرفت معه اماشي دابته، فلمّا رآني قال: ألك حاجة؟ قلت: نعم، انا رجل من اهل الحجاز، شاعر، وقد مدحت الامير، وخرجت إليه راجياً لمعروفه، وقد اخرت عن الباب ونحيت، قال: فأَنشَدَني، فأَنشَدَته، فأعجبه شعري، فقال: ويحك! هذا شعرك؟ اياك أن تنحل، فأن الامير راوية، عالم بالشعر، وعنده رواة، فلا تفضحن نفسك، فقلت: والله ما هو
стр. 21
إلا شعري، قال: فقل أبياتاً تذكر فيها حوف مصر وتفضلها على غيرها، والقني بها غداً، فغدوت عليه، وأَنشَدَته:
سرى الهم تثنيني إليك طلائعه ... بمصر وبالحوف اعترتني روائعه
وبات وسادي ساعد قل لحمه ... عن العظم، حتى كاد تبدو واشاجعه
قال: وذكرت فيها الغيث فقلت:
وكم دون ذاك العارض البارق الذي ... له اشتقت من وجه أسيل مدامعه
يمشي به افناء بكر ومذحج ... وأفناء عمرو وهو خصب مرابعه
بكل مسيل من تهامة طيب ... دميث الربا تسقى البحار دوافعه
قال: انت والله شاعر، احضر الباب فأني ذاكرك، فجلست على الباب، ودخل فما ظننت انه أمكنه أن يذكرني حتى دعي بي، فدخلت فسملت على عبد العزيز فصعد في بصره وصوب، ثم قال: أشاعر؟ ويلك! قلت: نعم أيها الامير، قال: فأَنشَدَني، فأَنشَدَته فاعجبه شعري، وجاءه الحاجب فقال: ايها الامير. هذا أيمن بن خريم الأَسَدِيُّ بالباب، قال: فأذن له، فدخل، فأطمأن، فقال له: يا ايمن، كم ترى ثمن هذا العبد؟ فنظر الي فقال:
стр. 22
انه لنعم الغادي اثر المخاض، ثمنه مئة دينار، قال: فأن له شعرا وفصاحة، قال لي ايمن: اتقول الشعر؟ قلت: نعم، قال: فثمنه ثلاثون دينارا، قال: يا ايمن ارفعه وتخفضه؟ قال: لانه احمق، ما لهذا وللشعر؟، مثل هذا يقول الشعر ويحسنه؟ قال: أَنشَدَه يا نصيب، فأَنشَدَته، فقال له عبد العزيز: كيف تسمع؟ قال: شعر اسود، وهو اشعر اهل جلدته، قال: هو والله اشعر منك، قال: امني ايها الامير؟ قال: أي والله منك، قال: انك ايها الامير لمل كرف، قال: كذبت والله ما انا كذلك، ولو كنت كذلك ما صبرت عليك تنازعني التحية، وتؤاكلني الطعام، وتتكئ على وسائدي وفرشي وبك الذي بك - يعني وضحا كان بأيمن - قال: فاذن لي اخرج إلى بشر بالعراق، واحملني على البريد، ففعل، فخرج ايمن إلى بشر فأَنشَدَه:
ركبت من المقطم في جمادي ... إلى بشر بن مروان البريدا
ولو اعطاك بشر الف الف ... رأى حقا عليه بأن يزيدا
امير المؤمنين اقم ببشر ... عمود الدين ان له عمودا
ودع بشرا يقومها ويحدث ... لاهل الزيغ اسلاما جديدا
كأن التاج تاج بني هرقل ... جلوه لاعظم الايام عيدا
على ديباج خدى وجه بشر ... اذا الالوان خالفت الخدودا
стр. 23
ينعي بقوله: اذا الالوان، لانه كان بوجه عبد العزيز كلف.
فأعقب مدحتي سرجا خلنجا ... وأبيض جوزجانياعنودا
وانا قد وجدنا ام بشر ... كأم الاسد مذكارا ولودا
فأعطاه مئة الف وعن اسحاق بن ابراهيم قال: بلغني ان نصيبا كان اما قدم على هشام اخلى له مجلسا، واستنشده مراثى أبيه، وبكى معه، فأَنشَدَه يوما مديحا له في قصيدة طويلة، يقول فيها:
اذا استبق الناس العلا سبقتهم ... يمينك عفوا ثم صلت شمالكا
فقال له هشام: بلغت غاية المدح فسلني اعطك، قال: يدك بالعطية اجود وابسط من لساني بالمسألة، فأمر له بخمسين الفا، وما اجاز هشام بها احدا قط.
وعن أبي عُبَيْدة، عن يونس قال: قال بلغني عن أبي وجزة انه قال: لقيت النسابة البكري بمنى،
стр. 24
فسألته، فاذا هو اعلم الناس، فقلت له: أي الشعراء اغزل؟ قال: اصدقهم وجدا، الذي ان سمعت شعره اويت لقائله، اما نفث في سمعك قول حجازيكم، عبد الله بن عجلان الهندي، واستخفه مرة الوجد فهرب، فوقع ببلاد بني فزارة، فقال:
بكى فرثت له اجبال صبح ... واسعدت الجبال بها مروت
حجازي الهوى علق بنجد ... جوى لا يعيش ولا يموت
فتردعه الدبور لها اجيج ... ويسلمه إلى الوجد المبيت
كأن فؤاده كفا غريق ... تنازعه بشط البحر حوت
لهند منك عين ذات سجل ... وقلب سوف يفقد او يفوت
اذا اكتنفا بضرهما سقيما ... يعادي الداء ليس له مقيت
وعن اسحاق بن ابراهيم قال: كان نصيب يتتبع كل من كانت بينه وبينه قرابة فيشتريه ويعتقه، فبقي ابن عم له يقال له سحيم عند رجل من الاعراب، فقال لسيده: بعنى ابن عمى، هذا الذي عندك، فأبى عليه، فقال له
стр. 25
نصيب: كم الذي تسأل به؟ فذكر شيئا كثيرا، فقال له: يقنعك هذا؟ قال: نعم، قال: قد اخذته على ان تمهلني في الثمن حتى اسعى فيه فأجمعه، قال: فمن يكفيني امر غنمي؟ قلت: غلامي هذا، وهو اجلد منه، يقوم فيه كله، فرضى به، وخرجت فطلبت ثمنه، وسألت فيه حتى اتمه الله، وجئته فدفعته اليه، واعتقت سحيما، فكان معي، فبينا انا يوما في بعض الطريق اذا الناس مجتمعون ينظرون، فملت اليهم، فاذا سحيم وسطهم سكران باتُّ يزمر ويرقص، فلمّا رآني طرح المزمار من يده، قلت: سحيم، قال: سحيم، والله لئن كنت اعتقتني لمّا تحب فو الله ما انا كما تحب، وان كنت اعتقتني لمّا احب فهذا الذي احب، فقلت:
اني اراني لسحيم قائلا ... ان سحيما لم يثبني طائلا
ولم يكن بر الفؤاد واصلا ... نسيت اعمالي لك الرواحلا
وقرعي الابواب فيك سائلا ... حتى اذا انست خيرا عاجلا
وليتني منك القفا والكاهلا ... اخلقا شكسا ولونا حائلا
стр. 26
وأَنشَدَ اسحق بن ابراهيم:
الآن ابصرت المدى ... وعلا المشيب مفارقي
ابصرت امر غوايتي ... ومنحت قصد طرائقي
وعن كاتب كان لطاهر قال: ولّى طاهر بعض النواحي رجلا، فقال لي: أكتب عهده واترك في اسفل القرطاس فضلا، قال: ففعلت ما امرني، فأخذ القرطاس وكتب في اسفله:
اعمل صوابا تنل بالحزم مأثرة ... فلن يذم مع التقدير تدبير
فان هلكت مصيباً وأظفرت به ... فأنت عند اولي الالباب معذور
وان ملكت على جهل وفزت به ... قالوا جهول اعانته المقادير
أنكد بدنيا ينال المخطئون بها ... حظ المصيبين والمغرور مغرور
(٣٩) وعن أبي حاتم قال: اخبرني رجل من أهل البصرة كان يصاحب أبا نواس، قال: مرض ابو نواس فكتب إلى صديق يعاتبه على ترك عيادته:
يا صديقي لقد جفاني جميع ... الناس لمّا جفوتني واستهانوا
بي وقد كنت كالامير عليهم ... بك إذ كنت ملطفأبي وكانوا
لي عبيداً أو كالعبيد المطيفي ... ن فلمّا أقضيتني واستبانوا
стр. 27
سوء حالي لديك صاروا مع الده ... ر ولو عدت لي عادوا ودانوا
لي، فعد لي فلست مثل اناس ... كنت ارجوا الوفاء منهم فخانوا
(٤٠) وعن رجل من اهل بغداد، قال: دخلت على العباس بن جذيمة، في مرضه الذ مات فيه، فرأيته قد جزع جزعاً شديداً، فقلت له: ما هذا الجزع الذي اراه بك؟ فبكى، ثم انشأ يقول:
إن ذكر الموت أبدى جزعي ... ولمثل الموت نبدي الجزعا
وله كأس لنا دائرة ... مزجت بالصاب منها التلعا
كل حي سوف يسقاه وإن ... مدت العيشة منه جرعا
(٤١) وعن أبي حاتم، قال: سألت أبا عُبَيْدة عن قولهم: النذير العريان. قال: هو الزبير بن عمرو الخثعمي، وكان ناكحاً في بني زيد، فأرادت بنو زيد ان تغزو خثعم، فخافوا أن ينذر قومه، وكان اصم، فزملوه، واحتفظوا به، فصادف غرة، فحاضرهم، وكان من اجود الناس شداً، فاتى قومه فقال:
стр. 28
أنا المنذر العريان ينبذ ثوبه ... لك الخير لا ينبذك الثوب كذاب
(٤٢) وأَنشَدَ الأَصمعي لشقران العذري يرثي اخاه:
ذكرت أبا أروى كانني ... برد الهموم المّاضيات وكيل
لكل اجتماع من خليليين فرقة ... وكل الذي دون الفراق قليل
وإن افتقادي واحداً بعد واحد ... دليل على أن لا يدوم خليل
(٤٣) وعن الأَصمعي، قال: مات معدان بن مضرب السكوني، وخلف اولاداً عيلة، ولاخيه حجية بن المضرب مئتان من الابل، فيها عبدان له، فامر عبديه ان يريحا إبله على ولد اخيه، فإنه قد وهبها لهم، وكانت له امرأتان فغضبت إحداهما، فقال حجية:
لججنا ولجت هذه في التجنب ... وشد قناع دوننا وتنقب
وخطت بعود إثمد جفن عينها ... لتقتلني، وشد ما حب زينب
رأيت اليتامى لا يسد اختلالهم ... هدايا لهم في كل قعب مشعب
فقلت لعبدينا أريحا عليهم ... سأجعل بيتي بيت آخر معزب
стр. 29
عيالي اولى أن ينالوا خصاصة ... وان يشربوا رنقاً إلى حين مكسب
عطاء مليك أو أسير أفكه ... إذا نام عنه كل نكس معصب
فإن تقنعي فأنت بعض عيالنا وإن تكرهي سوء المعيشة فأذهبي
أنفت لهم من أن يكون اختيارهم ... عطاء الموالي من أفيل ومصعب
رحمت بني معدان إذ ساف مالهم ... وحقوا به مني ورب المحبص
احأبي به عظام من لو لقيته ... حريباً لاساني على كل مركب
اخوك الذي إن تدعه لعظيمة يجبك ... وإن تغضب إلى السيف يغضب
ومن الجزء الخمس
(٤٤) اخبرنا ابو بكر بن دريد، قال: أخبرنا ابو حاتم عن الأَصمعي عن يونس قال: جاء اعرأبي إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، والله لقد امسينا ومالنا بعير يئط ولا صبي يصطبح، ثم أَنشَدَه:
اتيناك والعذراء يدمي لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفيه الفتى لاستكانة ... من الجوع ضعفاً ما يمر ولا يحلى
ولا وزر إلا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلا الرسل
стр. 30
فقام النبي صلى الله عليه يجر رداءه، حتى صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مريئاً غدقاُ طبقاً، عجلا غير رائث، نافعا غير ضائر، تنبت به الزرع، وتملا به الضرع، وتحيي به الارض بعد موتها. فو الله ما رد يده إلى نحره حتى التقت السماء بأودائها وجاء اهل الباطنة يصيحون، يا رسول الله، الغرق الغرق، فرفع يده إلى السماء، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فانجاب السحاب عن المدسنة حتى احدق بها كالاكليل، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: لله أبو طالب، لو كان حيا قرت عيناه، من ينشدنا قوله؟ فقام علي - رضوان الله عليه - فقال: يا رسول الله، كانك اردت:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للارامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل
كذبتم وبيت الله نترك احمداً ... ولمّا نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن ابائنا والحلائل
стр. 31
فقال رسول الله ﷺ : أجل، فقل رجل فقال:
لك الحمد والحمد ممن شكر ... سقينا لوجه النبي المطر
دعا الله خالقه دعوةً ... إليه وأشخص منه البصر
فلم يك إلا كلفت الرداء ... وأسرع حتى أتتنا الدرر
دقاق العزا لي وجم البعاق ... اغاث به الله حيي مُضر
وكان كما قاله عمُّه ... ابو طالب أبيضا ذا غرر
به الله أنزل صوب الغمام ... فهذا العيان وذاك الخبر
فمن يشكر الله يلق المزيد ... ومن يكفر الله يلق الغير
فقال رسول الله ﷺ : إن يكن شاعر أحسن فقد أحسنت.
(٤٥) قال أبو عُبَيْدة: كان عقبة بن زهير بن أبي سلمى يشبب بسلمى، احدى نساء بني الجُلَيح، فتوعدوه فقال:
تذكر سلمى إنه لَطَروب ... على حين أن شابت وكاد يشيب
وادبر منها كل خير وأقبلت ... عواذله تلحى وليس ذنوب
يفدينه طوراً يلمنه ... ويزعم أن ليست لهن قلوب
стр. 32
أتذهب سلمى في النهار فلا ترى ... وبالليل أيم حيث شاء يشيب
المت بنا من أذرعات فسلمت ... من الليل أو رؤيا المنام كذوب
فو الله ما ادري أسلمى تقولت ... أم الحلم أم كل إلى حبيب
على حين وافى الحج كل مبلد ... إلى الله يدعو ربه وينيب
فقلت لها فيئي إليك فإنني ... حرام وإني بعد ذاك لبيب
فصدت بعيني جؤذر فتمايلت ... بمثل كثيب مال فيه قضيب
وكرت بالحاظ المها وتبسمت ... بعجفاء عن غر لهن غروب
جرى الإسحل الأحوى عليهن أو جرى ... عليهن من فرع الأرك قضيب
فإن تك سلمى قد امر حديثها ... فقد كان يحلو مرة ويطيب
وانت امرو تغدو على كل غرةٍ ... فتخطي فيها مرة وتصيب
ومن يك غارات على الناس ماله ... فلابد يوماً أنه سيخيب
فقلت له قد طال نومك فأرتحل ... أبا لنوم داوي الفلاة تجوب
(٤٦) اخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عمي الحسين بن دريد، عن ابن عائشة، عن صفوان بن عيسى، قال: حدثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : اطلبوا الحوائج إلى الحسِان
стр. 33
الوجوه. فقال: رجل يا أبا عبد الرحمن إنما يعني من الوجوه التي تحل، فقال ابن عائشة، لا، إلا من الوجوه التي يدل عليها الخير، وأَنشَدَ:
وجهك الوجه لو تسأل به المزن ... من الحسن والجمال استهلا
وأَنشَدَ أيضاً:
وجوه لو ان المدلجين اغتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي
(٤٧) وعن أبي عُبَيْدة قال: تشاتم بلال بن أبي بردة والعريان بن الهيثم عند خالد بن عبد الله القسري، فقال بلال: إني والله ما انا بأبيض الراحتين، ولا منتشر النحرين، ولا جعد قطط. فقال له خالد: ويلك يا بلال، أشعر هذا؟ قال: لا، ولكنه كلام يتلو بعضه بعضاً. قال: فأسرع العريان إلى أبيه وجده فتناولهما، فقال بلال: يا عريان، اتريد أن تشتم أبا بردة لأشتم أباك، وتشتم جدي لأشتم جدك؟ كلا، والله إني لكما قال مسكين الدارمي:
стр. 34
انا مسكين لمن يعرفني ... ولمن ينكرني جد نطق
لا أبيع الناس عرضي إنني ... لو أبيع الناس عرضي لنفق
فقال خالد: ويلك يا عريان، لشد ما احتقرك بلال.
(٤٨) وعن ابن عائشة قال: كان فيمن كان قبلكم ملك من الملوك، وكان شديد الغضب، فكتب لأهله ثلاث صحائف، وقال: إذا رأيتموني قد اشتد غضبي فأدفعوا إلي هذه، فإذا لاأيتموني قد سكن قليلاً فأدفعوا الي بالاخرى، فإذا رأيتموه قد سكن فأدفعوا إلى الثالثة.
وكان في الاولى: إنك لست بإله، وإنك ستموت ويأكل بعضك بعضاً.
وفي الثانية: لا يرحم من في السماء من لا يرحم من في الارض.
وفي الثالثة: خذ الناس بأمر الله، فأنه لا يصلحهم الا ذاك.
(٤٩) وعن أبي عُبَيْدة قال: خطب رجل من بني تميم، يقال له لقيط، إلى شفاء بن ناصر المنافي، من بني مناف بن دارم، ابنته، فلم يزوجه، وقال:
стр. 35
تروح يالقيط فأن ليلى ... برأبية لها شرف منيف
تخبرني بأنك ذو فضول ... وترعد لي كما رعد الخريف
ففي الاعياص اكفاء لليلى ... وفي قبر لها كف شريف
ثم تواترت على شفاء سنون، فزوج ابنته لرجل من بني نهشل، فقال الفرزدق:
رأيت شفاء طأطأ الحوب رأسه ... وقد كان يلفي رأسه وهو طامح
أأنكحت ليلى راعي الضأن منهما ... ومرت لذي المعزى النحوس البوارح
وراحت بفياض قلوص بغرة ... ومن تطوعنه حاجة فهو رائح
أأنكحت ليلى نهشليا لمّاله ... هبلت، وكانت في قريش مناكح
(٥٠) وعن أبي يزيد مولى مزينة قال: امتخط الحسن بن علي - رضوان الله عليهما - عند معاوية بيمينه، فقال له معاوية: أتمتخط بيمينك؟ قال: نعم، يميني لمّا علا، ويساري لمّا سفل، فقال معاوية: اهل بيت يرتفعون من حيث يتضع الناس.
стр. 36
(٥١) وأَنشَدَ الأَصمعي لشفاء المنافي:
المرء من ريب المنون كأنه ... عود تعاوره الرعاء ركوب
ذهبت شعوب بماله وبأهله ... ان المنايا للرجال شعوب
نصبا لكل منية يرمى بها ... حتى يصاب سواده المنصوب
(٥٢) وعن أبي عُبَيْدة قال: قامت امرأَة إلى الحجاجفقالت: اصلحك الله، ان لي ابنا جهز في ثغر كذا وكذا منذ كذا وكذا، فأنا كما قال الشاعر:
مثل عجول فقدت بوها ... قد فاتها الوارد والصادر
ارعى نجوم الليل مكروبة ... والقلب مني واله طائر
فامنن على من لبها ذاهل ... وليلها من همها ساهر
فأمر بقفوله، ثم قال: عليك لعنة الله ان عققتها او هممتها.
(٥٣) وعن الهيثم بن عدي عن رحالة، قال: وفد على عبد اللهابن سوار بن همام العبدي رجل من اهل البصرة، وهو عامل معاوية على السند، فانتظر اذنه ثلاثا، ثم دخل عليه فأنكره فقال: من الرجل؟ قال: من اهل البصرة، من بني تميم،
стр. 37
ثم من بني سعد، قال: وما أقدمك؟ قال: حرمة أمت بها: ماهي؟ قال: كنت تمر بمجلس بني سعد فتسلم، فأرد عليك بأتم من سلامك، وبأجهر من كلامك، واتبعك بدعائي من بين رجال قومي، قال: حرمة والله.
(٥٤) وكان لقمان بن عاديا الذي عمّر عمر سبعة أنسر، مبتلى بالنساء، وكان يتزوج المراة فتخونه، فتزوج غير امرأَة، حتى تزوج جارية صغيرة لم تعرف الرجال، ثم نقر لها بيتا في صفح جبل، وجعل له درجة سلاسل ينزل بها ويصعد، فأذا خرج رفعت السلاسل حتى يرجع، فتعرض لها فتى من العماليق، فوقعت في نفسه، فأتى بني أبيه فقال: والله لاجنين عليكم حربا لا تقومون بها، قالوا: وما ذاك؟ قال: امرأَة لقمان هي احب الناس الي، قالوا: فكيف نحتال لها؟ قال: اجمعوا سيوفا ثم اجعلوني بينها، وشدوها حزمة عظيمة، ثم ائتوا لقمان فقولوا: انا اردنا ان نسافر، ونحن نستودعك سوفنا هذه حتى نرجع، وسموا له يوما. ففعلوا، واقبلوا بالسيوف فدفعوها إلى لقمان، فوضعها في ناحية بيته وخرج لقمان، وتحرك الرجل، فحلت الجارية عنه، فكان
стр. 38
يأتيها، فأذا احست بلقمان جعلته بين السيوف، حتى انقضت الايام، ثم استرجعوا سيوفهم، فرفع لقمان رأسه بعد ذلك، فأذا نخامة تنوس في سقف البيت، فقال لامراته: من نخم هذه؟ قالت: انا، قال: فتنخمي، ففعلت، فلم تصنع شيئا. فقال: يا ويلتاه، السيوف دهتني، ثم رمى بها من ذروة الجبل، فتقطعت قطعا، وانحدر مغضبا، فأذا ابة له يقال لها صحر، قالت يا ابتاه ما شأنك؟ فقال: وأَنتِ أَيضا من النِّساءِ، فضرب رأسها بصخرة فقتلها. فقال العرب: ما أَذنبت الا ذنب صُحْر، فصارت مثلا.
(٥٥) وعن عبد الله بن عميرنقال: كانت الاعاجم قد بلغهم ان العرب سيظهرون على بلادهم، ويستعبدون ابناءهم، وكان سابور ذو الاكتاف لا يسمع بغرة لاحد من العرب الا غار عليهم، فسمع بغرة لبني تميم فحذروا، فقال لهم عمرو بن تميم - وهو يومئذ شيخ قد اتت عليه خمسمئة سنة، وقد تناسل اولاد اولاده فصاروا قبائل -: اذهبوا ودعوني، فقد
стр. 39
حضر اجلي، فلعلي اصرف هذا عنكم، او يقتلني فأستريح، فجعل في مكتل، وعلق بشجرة ينزل تحتها سابور، وأقبل سابور فوجدهم قد نذروا، فنظر إلى المكتل، فأمر به فأنزل، فأذا هو بشيخ كبير، فقال له: من انت؟ وقال لترجمانه: سله من هو، وما احواله. فقال له الترجمان: من انت؟ قال: انا من العرب قال: ومن أي العرب؟ قال: انا ابن تميم بن مر فقال سابور: اياك أطلب وقومك خاصة قال له عمرو: علينغا ايها الملك، مالك ولقومي تقتلهم؟ قال: بلغني انكم الذين تظهرون علينا وتقهروننا على بلادنا.
فقال له عمرو: أبحق تستيقنه ام بظن تظنه؟، فو الله لئن كان باطلا ما ينبغي ان تقتل قوما براء في غير ذنب، وان كان حقا عندك، ثم قتلت العرب كلهم لأبقى الله منهم رجلا يفعل ذلك بك وبأهل بلدك، فأحسن الينا نحسن اليك، واحسن السيرة فينا نحسن السيرة فيك.
فقال سابور: لأن أكون سمعت هذا الكلام قبل اليوم احب الي من ان اعطي ملء الارض ذهبا وفضة، فخلى سبيله وكف
стр. 40
عن قتلهم بعد ذلك. فبهذا قال العنبري يمن على بني تميم:
رددنا جمع سابور وانتم ... بمهواة متالفها كثير
(٥٦) وعن عُبَيْدة، قال: وقفت امرأَة من الخوارج على الحسن، فقالت: ياابا سعيد:
الموت باب لدار انت داخلها ... فانظر لنفسك بعد الباب ما الدار
فقال الحسن: الدار جنة عدن ان عملت بما يرضى الاله وان قصرت فالنار ثم دخل بيته فلم يزل وقيذا اياما.
(٥٧) وعن أبي عُبَيْدة، قال: كان ابو العطاف التميمي باع حجة كان حجها من رجل من بني دارم لرجل من اهل الكوفة بخمسين درهما، وقال:
لئن طلب الكوفي اجرا بحجتي ... لقد زادت الكوفي من ربه بعدا
شرى حجة لا يقبل الله بيعها ... لشر عباد الله كلهم عبدا
فميعاد يوم القيامة نلتقي ... جميعا فلا يلقى وفاء ولا حمدا
وميعاده يوم القيامة نلتقي ... جميعا فلا يلقى وفاء ولا حمدا
وميعاده باب الجحيم فأنه ... له موعد والله ينجز الوعدا
следующие страницы →