← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وبادر بعزل نفسه، فلما تحقق السلطان ذلك غضب عليه لكونه بادر بعزل نفسه بغير استئذان، وكتب إلى النائب بحبسه بالقلعة. واستمرت دمشق شاغرةً عن قاضٍ إلى أَوائل شوال، فاستُعْطِفَ السلطانُ عليه حتى رضى عنه وأَعاده، ومات موسى بن السلطان المذكور في ليلة (١) [أَول] شوال. وفى سادس عشر جمادى الأُولى دخل السلطان المرستان المنصوري وصلى في محراب المدرسة أَولا ركعتين، وكان الشيخ نصر الله أَخبره أَنه رآى النبي ﷺ جالسًا في المحراب المذكور والسلطان قُدَّامه يقرأُ عليه سورة "والضحى"، ثم دخل إلى المرضى فتفقّد أَحوالهم، ثم إلى المجانين، فقام إليه ذلك الشخص الذي تقدم (٢) في سنة تسع عشرة أَنه ادَّعى أَنه يرى الله في اليقظة وثبت عند المالكي أَنه مختل العقل فسجن بالمرستان، فكلم السلطانَ لما رآه وسأَله أَن يفرج عنه فلم يجبه. وكان السلطان فوَّض أَمر الأَوقاف إلى مسعود الكججاوي الذي تقدم ذكره في أَخبار تمرلنك، وكان من جملة أَعوان الهروى ثم وقع بينهما وصار يؤلب عليه ويذكر معايبه، وتصادق ابن الديري عليه، ثم دَسَّ الهروى إلى أَحمد الجيلى ورقةً يذكر فيها أَنه ثبت في جهة البلقيني لجهة الأَوقاف والأَيتام مائة أَلف دينار، فعرضها أَحمد على السلطان وشَنَّع على البلقيني، فاستعظم السلطان ذلك وبحث عن القضية إلى أَن تحقق أَنها من اختلاق الهروى فأَعرض عن ذلك. وفي الثالث من جمادى الأُولى قدم طائفة من أَهل الخليل فشكوا إلى السلطان من الهروى وأَنه أَعطى بعضهم بيضًا وأَلزمه بعدده دجاجا، فأَرسلهم السلطان إِليه وأَمره أَن يخرج لهم مما يلزمه فلم يصنع شيئا، وتمادى على غيِّه فأَغضى السلطان عنه ولزم فيه غلطه.

стр. 1262

وفى أَول شعبان وجد السلطان في مجلسه ورقةً فيها شعر وهو (١): يا أَيُّهَا الملِكُ المؤَيَّدُ دَعْوةً … مِنْ مُخلِصٍ في حُبّه لَكَ يَنْصَحُ أُنْظُرْ لِحَالِ الشَّافِعِيَّةِ نظْرةً … فالقَاضِيَانِ كلَاهُمَا لا يَصْلُحُ هَذَا أَقاربُه: عَقَاربُ، وابْنُه … وأخٌ وصِهْرٌ فِعْلُهُم مُسْتَقْبَح غَطُّوا مَحاسِنَهُ بِسُوءِ (٢) صنيعهم … ومَتَى دَعَاهُمْ للهُدَى لا يُفْلِحُ وأَخُو "هَرَاةَ" بِسِيرَةِ اللَّنْكِ اقْتَدَى … ولَهُ سِهَامٌ في الجَوَارِح تَجْرَحُ لا دَرْسُه يُقْرَى، وَلا أَحْكَامُهُ … تُدْرَى، ولا حِينَ الخطَابَةِ يُفْصِح فافْرجْ هُمُومَ المُسْلِمِينَ بِثَالِثٍ … فَعَسَى فَسَادٌ مِنْهُمو يُسْتَصْلَحُ فعرضها السلطان على الجلساء من الفقهاء الذين يحضرون عنده فلم يعرفوا كاتبها، وطارت الأبياتُ، فأمّا الهروى فلم ينزعج من ذلك، وأما البلقيني فقام وقعد وأَطال البحث والتنقيب عن ناظمها، فتقسمت الظنون واتُهِمَ شعبان الآثارى - وكان مقيما بالقاهرة - وتقى الدين بن حجة، وشخصٌ ينظم الشعر من جهة بهاء الدين المناوى أَحد نواب الشافعي وغيرُهم (٣)، وكانت هذه الأَبيات ابتداءَ سقوط الهروى من عين السلطان، وكانت قد أعجبت السلطانَ حتى صار يحفظ أَكثرها ويكرر قوله "أَقاربه عقارب".

стр. 1263

فلما كان في رمضان قرئ البخارى بالقلعة على العادة، فحضر الهروى وقد اختلق لنفسه إسنْادًا ليقرأَ عليه به صحيح البخارى، وأَرسل إلى القارئ - وهو شمس الدين الجيتي - فتناوله منه وهو من أَهل الفن فعرف فساده فاقتضى رأْيه أَن جامله، فلما ابتدأَ بالقراءَة قال بعد أَن بسمل وحمدل وصلى ودعا وبالسند إلى البخارى، فاستحسن منه ذلك وخفى على الهروى قصده، وظن أَنه نسى الورقة، وتمادى الحضور، والسلطان تارةً يحضر وتارةً لا يحضر، إلى أَن افتقد القاضي الحنبلي فسأل عن سبب تأْخيره فعرّفه كاتب السر أَنه يزدرى الهروى ويسلبه عن العلم ولا سيما الحديث، فأذن السلطان للبلقيني في حضور مجلس الحديث فحضر (١) وجلس فما أَظنه جلس تحته بل ولا فوقه، ويمكن أَن يكون جلس من جانب السلطان الآخر بجانب الهروى، فلما بلغ ذلك القاضي الحنبلي حضر أَيضا وتجاذبا البحث، وحضر مع البلقيني كثيرٌ من أَقاربه ومحبّيه، فصار يركب في موكبٍ أَعظم من الهروى، وتحامى كثيرٌ من النواب الركوبَ مع الهروى خوفا من البلقيني ومما يقاسونه من السب الصريح من أَتباعه، فتقدم الهروى إلى النواب والموقعين بأن من لم يركب معه فهو ممنوع، فتحامى كثير من النواب النيابة عنه وأَصرّ آخرون، فوقع لواحد منهم - يقال له عز الدين محمد بن عبد السلام المنوفى - بحث مع البلقيني، فسطا عليه وسأل المالكي أَن يحكم فيه، فاستدعى به إِلى بيته وحكم بتعزيره فعُزّر ومُنع من الحكم؛ ثم وقع الآخر منهم - يقال له شهاب الدين الشيرجي - فأوسل إليه البلقيني يطلبه إلى بيته فامتنع منه واعتصم بالهروى، ثم حضر الخَتْم فلم يحضر البلقيني، وخُلع على الهروى وعلى بقية القضاة، فامتنع الديرى من لبس خلعته لكونها دون خلعة الهروى فاستُرْضِيَ فرضى. فلما كان في التاسع عشر من ذى الحجة حضر السلطان في خاصتة في جامعه بباب زويلة واجتمع عنده القضاة فتناقش كل من القاضيين: الهروى والديري، وخرجا عن الحد في السباب والفحش في القول، ثم سَكَّن السلطانُ ما بينهما فسكنا. وكان السبب في ذلك أَنهما اجتمعا للسلام على السلطان بعد رجوعه من الوجه البحرى، فتباحثا

стр. 1264

في شيء، فنَقل الهروى نقلًا باطلًا وعزاه لتفسير الثعلبي، فاستشهد الديرى بمن حضر على ذلك وجمع التفاسير وأَحضرها ليطلع بها إلى القلعة، فاتّفق حضور السلطان بالجامع، فأَعاد البحث فأَخرج النقل بخلاف ما قال الهروى فجحد فاستشهد عليه من حضر فلم يشهد أَحد، فسأَل السلطانُ مِنَ الفقير إلى الله تعالى كاتِبهِ ومن القاضي المالكي عن حقيقة ذلك فأَخبراه بصدق ابن الديرى، ثم أَخرج ابن الديرى عدة فتاوى بخط الهروى كلها خطأ، فجحد (١) أَن يكون خطه، فحلف الديري بالطلاق الثلاث أَن بعضها خطه، وانفصل المجلس على أَقبح ما يكون. * * * وفى ثالث جمادى الآخرة وُشِى إلى السلطان بالأمير جقمق الدويدار وأَنه مخامرٌ على السلطان، وأَنه يكاتب قرا يوسف منذ كان السلطان بكخْتا، وكان الواشي بذلك رجل يقال له ابن الدربندي، وكان قد اتصل بالسلطان من الطريق فجهزه إلى الحج بحسب سؤاله، فلما رجع ادعي أَنه ينصح السلطان وأَن جقمق استدعاه ليرسله برسالة إِلى قرا يوسف جوابا عن كتابٍ حضر إليه، فأَعلن السلطانُ جقمقَ بذلك ولم يسمّ له الناقل، فقلق قلقا عظيما وكاد أَن يموت غما، واستعطف السلطان حتى أَعلمه بالناقل فطلبه منه فسلّمه له، فاعترف بأَنه كذب عليه بتسليط بعض الأُمراء عليه، وأَحضر من بيته وتدا مجوّفًا بالحديد من رأْسه، في طيّه كتاب رق لطيف مكتوب بالفارسية بماءِ الذهب جوابا عن الأَمير جقمق لقرا يوسف، فطلب جقمق الخياطين وأَراهم الوتد فعرَفه بعضُهم وقال: "نعم أَنا خرطت هذا لشخص عجمى ولم يعطنى أُجرته إلى الآن! " فأحضر المذكور وعَرَفه، ثم تتبعوا من يكتب بالعجمى واتهموا الشيخ نصر الله إلى أَن ظهرت براءَة ساحته، وعُثر على عجمي كان ينزل في مدرسة العنتابي ثم مرض فحمل إلى المارستان فهُدّد فاعترف أَن الكتاب بخطه وأَن ابن الدربَنْدِي هو الذي أَملاه عليه، وادعى ابن الدربَنْدِي أَن الذي أَلجأَه إِلى ذلك الأَمير أَلْطَنْبُغَا الصغير بُغْضًا منه في جمقق، فغُرِّق الدربندي في النيل ونفى الشيخ

стр. 1265

الذي استعمل الوتد إلى قوص ومات الكاتب عن قرب بالمرستان وبرئت ساحة جمقق عند السلطان، ولم يتغير ما بينه وبين أَلْطَنْبُغا لتحققه كذبَ ابن الدربندي، واشتد غضب جمقق من طائفة العجم - فرسم عن إذن السلطان - بتسييرهم إلى بلادهم وشدَّد في ذلك حتى أَلزم مَن بالخوانق وبالمدارس بالسفر فضجوا، وتعصب لهم الهروى وغيره ولم يزالوا يستعطفون السلطان إِلى أَن أَهمل أَمرهم. * * * وفي ثامن جمادى الآخرة قدم فخر الدين الأُستادار من الصعيد وصحبته عشرون أَلف رأْس من الغنم سوى ما تلف، وأَلف وثلاثمائة رأْس رقيق، وثلاثة آلاف رأْس بقر، وتسعة آلاف رأْس جاموس، ومن القند والعسل شيء كثير جدا، فقُوّم عليه جميع ذلك بمائة أَلف دينار والتزم بالقيام بها. ثم بعد مجيئه من الصعيد طلعت هوارة في أَلف فارس وأَلقى راجل فكبسوا على سُودُون القاضي الكاشف - وكان عنده حينئذ إينال الأَزعرى أَحد مقدمى الأَلوف - فتواقعوا، فبلغ ذلك السلطانَ فأَرسل نجدةً عظيمة فيها: جقمق الدويدار وططر رأْس النوبة وأَلْطَنْبُغَا المَرْقَبي وقَطَّلُوبُغَا التَّنَمى في جَمْع كثير فتوجهوا، فوجدوا الأَميرين قد انتصرا وقد قتل منهم جماعة، وكانت الدائرة على هوارة فانهزموا وحُمل منهم عشرون رأْسًا إِلى القاهرة، ثم وصل الأُمراءُ فَتَتَبَّعوا هوارة إِلى أَن أَوقعوا بهم أَيضًا فقتلوا منهم نحو الخمسين، وهرب باقيهم إِلى الواحات الداخلة وتركوا حريمهم وأَموالهم، فغنموا منهم شيئا كثيرا، وَقدموا القاهرة في ثامن شعبان وصحبتهم أَلفا جمل وإِثنا عشر أَلف رأْس غنم سوى ما تلف وسوى ما توزّعه الأُمراءُ وأَتباعهم، وجهز أَزْدُمر الظاهري - أَحد المقدمين في عدةٍ من العسكر للإقامة ببلد الصعيد بسبب العربان المفسدين. * * * وفيها مات إبراهيم بن الدربَنْدِي صاحب بلاد الدست فتوجه قرا يوسف إليه في ستة آلاف فارس إلى "شماخي"، فواقعه ابن إبراهيم في عساكر الدست فهزمه وقتل منه ناس كثير، وتوجه ابن تمرلنك إِلى جهة تبريز لمحاربة قرا يوسف - فاشتغل قرا يواسف بمادهمه

стр. 1266

من ذلك، فمشى قرايلك إلى ماردين - وهي من بلاد قرا يوسف - فكسر عسكرها وقتل منهم نحوا من سبعين نفسًا وأَخذ من بلادهم ثمانى قلاع ومدينتين، وحوَّل أَهل اثنتين وعشرين قرية بأَموالهم وعيالهم ليسكنوا ببلاده، واستمر على حصار ماردين. فلما بلغ ذلك قرا يوسف إنزعج منه وسار إِليه ففرّ منه إِلى آمد فتتبّعه ونازله بها فانهزم منه إِلى قلعة بحم، وأَرسل إِلى نائب حلب يستأْذنه في الدخول إِليها، فاشتد الأَمر على أَهل حلب خوفًا من عسكر قرا يوسف وتهيئوا للخروج منها، وأَرسل نائب حلب كتابه وكتاب قرايلك بما اتَّفق من قرا يوسف، وفيه أَن قرا يوسف كبس قرايلك بعد أَن عدى الفرات ووصل إلى نهر المرزبان فهجموا عليه من سميساط، فوقعت بينهم مقتلةٌ بمرج دابق في ثاني عشر شعبان، فانهزم قرا يلك ونُهبت أَمواله ونجا في أَلف فارس إِلى حلب، فأَذن له نائبها في دخولها فرحل أَكثر أَهل حلب عنها، وبلغ ذلك أَهلَ حماة فنزحوا عنها حتى ترك كثير من الناس حوانتيهم مفتحة لم يُمْهَلُوا لقفلها. فلما قرئ ذلك على السلطان إِنزعج وانثنى عزمه عن الحج وأَمر بالتجهيز إلى الشام، وكتب إِلى العساكر الإِسلامية بالمسير إِلى حلب، وكان وصول الخبر بذلك في يوم الاثنين ثالث شعبان بعد المغرب على يد بردبك نائب عينتاب، وذكر أَن ولد قرا يوسف وصل إلى عينتاب فرمى فيها النار فهرب النائب منها، وأَن السبب في ذلك تحريض يَشْبُك الدويدار الذي كان أَميرَ الحاج وهرب (١) من المدينة، ويقال إِنه اتصل بقرا يوسف وأَغراه على أَخذ الممالك الشامية، ثم ظهر أَن ذلك ليس بحق. فلما اجتمعوا سأَلهم عن البلقيني - وكان قد أَمرهم بأَن يحضر - فعرف بأَنه لم يبلغ ذلك، فانزعج على بدر الدين العينى لكونه كان رسوله إِليه واستمر ينتظره إلى أَن حضر، فلما حضر عظمه فقص عليهم قصة قرا يوسف وما حصل بأَهل حلب من الخوف والجزع وجَفْلتهُم هم وأَهل حماه حتى بلغ ثمن الحمار خمسمائة درهم والأَكديشِ خمسين دينارا، ثم ذكر لهم سوءَ سيرة قرا يوسف وأَن عنده أَربع زوجات، فإذا طلق واحدة رفعها إلى قصر له وتزوج غيرها حتى بلغت عدة من في ذلك القصر أَربعين امرأَة يسميهن السراري ويطأَهُنّ

стр. 1267

كما يطأُ السراري بملك اليمين، ثم اتّفق الحال على كتابة فتوى تتضمن سوءَ سيرته، فصُوّرت وكُتِبَت، وكَتَب عليها البلقينى ومَن حضرَ المجلس يتضمن جواز قتاله، وأُعْجِب السلطانُ بما كتبه الحنبلي فأَمر أَن يُنْسَخ ويُقرَأَ على الناس، وانصرفوا ومعهم مقبل الدويدار الثاني والخليفةُ والقضاةُ فنادوا في القاهرة بأَن "قرا يوسف طرقَ البلاد الشامية! وأَنه يستحلّ الدماءَ والفروج والأَموال ويخرّب الديار، فالجهاد!! الجهاد!!، ولا يتأَخر أَحد من المساعدة بنفسه وبماله"، فذهل الناس عند سماع هذا النداء ودهاهم ما كانوا عنه غافلين، واشتد القلق جدا. وكُتب إِلى نائب الشام أَن ينادى بمثل ذلك في كل مدينة ويضيفَ إِلى ذلك أَن السلطان واصلٌ بعساكره، ثم نودى في أَجناد الحلقة بأَن يتجهزوا للسفر، ومن تأَخر منهمَ صُنع به كذا وكذا؛ فاشتد الأَمر عليهم واستمر عزمهم وخُيّرُوا بين المشي في خدمةِ الأُمراء وبين الاستمرار في أَجناد الحلقة، وكان السبب في ذلك أَن كثيرا من أَجناد الحلقة تخدم في بيوت الأُمراءِ فلذلك قلت العساكر المصرية بعد كثرتها، لأَن العسكر كانت قبل الدولة الظاهرية ثلاثة أَقسام (١)، الأَول: مماليك السلطان وهم على ضربين: مستخدمين ومملوكين، ولكلٍّ منهم جوامك وراتب على السلطان. والقسم الثاني: مماليك الأُمراءِ وهم على ضَرْبين أَيضا كذلك. ومن شرط المستخدمين هنا وهناك أَن لا يكونوا من القسم الثالث وهم أَجناد الحلقة، وهم عبارة عمن له إقطاعٌ بالبلاد يستغلّه، فلما كثر استخدام السلطان والأُمراء من أَجناد الحلقة إتخذ (٢) أَكثرُ الناس من الجند فقَلَّ العدد بذلك. فأَراد السلطان أَن يردهم إلى عادتهم الأُولى وشدد في ذلك، ومع ذلك فلم يبلغ الغرض ولا كاد لتواطئ المسلمين في ذلك على أَخذ الرشوة، والله المستعان. وأَما قرا يلك فإِنه بعد أَن التجأَ إلى حلب ركب معه يشبك الشيخي نائب حلب وعسكرَ بالميدان، ثم توجه قرا يلك ومعه العسكر فبلغه أَن طائفة من عسكر قرا يوسف قد

стр. 1268

قربت من البلاد، فركب قبيل الصبح فأَوقع بالمقدمة فهزمها، واستفهم من بعض مَنْ أَسره فأَعلمه أَن قرا يوسف بعيْنتاب، وأَنه أَرسل هؤلاءِ ليكشفوا الأَخبار، ثم وردت كتب قرا يوسف إِلى نائب حلب وإِلى السلطان يعتذر من دخوله إِلى عينتاب ويعاتب على إيواءِ عدوه قرايلك ويُعلِمُ السلطانَ بأَنه باق على مودته ومحبّته وأَنه لا يطرق بلاده، وأَن قرا يلك بدأَه بالشر وأَفسد في ماردين وغيرها، وحلف في كتابه أَنه لم يقصد دخول الشام وإنما يُقْدِمُه إليه الطائفةُ الملتجئة من عساكر صاحب مصر. وجهّز السلطان لنائب حلب خلعة وضَمّن كتابه شكره على ما صنع بحلب، وكان الأَمر كله على ما ذكره فإِنقرا يلك أَفحش السيرةَ في ماردين وأَسرف في القتل والسبي حتى باع الأَولادَ والنساءَ وأَحرق المدينة حتى وصل ثمن صغير منهم إِلى درهمين، فلما تحقق السلطان ذلك فتر عزمه عن السفر. ولما طرق قرا يلك عينتاب هجم عليها عسكره فنهبوها وأَحرقوا أَسواقها، فاجتمع أَهلها وصالحوه على مائة أَلف درهم وأَربعين فرسا، فرحل عنها إلى جهة أَلبيرة في طلب قرا يلك، فحصر أَلبيرة فقاتله أَهلها يومين فهجم البلد وأَحرق الأَسواق وامتنع أَهلها منه بقلعتها، ثم رحل في تاسع عشر رمضان إِلى بلاده وكاتب السلطان أَيضا يذم قرايلك ويذم سيرة قرا يلك ويحذره من عواقب صداقته وما أَشبه ذلك، وعوقب قرايلك على ما صنعه بأَهل عينتاب وأَلبيرة، فمات ولده شاه بصق - وكان هو السلطان المشار إِليه في دولة والده - فحزن عليه جدا، وكانت وفاته بقرب ماردين. * * * وفى هذه الحركة إبتدأَ أَمر الهروى في الانحلال، فأَخبرني المحتسب بدر الدين العيني أَن السلطان لما انزعج من قصة قرا يوسف وحكى إِلى خواصه صورة الحال وأَنَّ عنده من الأَموال ما يكفي تفرقته على العسكر إلا أَنه يخشى إنْ فَرَّقه أَن يحصل له كسرة مثلا فيرجع إلى غير شيء فيفسد الحال، وكان الحزم عنده أَن يكون وراءَه بعد التفرقة ذخيرة لأَمرٍ إن تَمَّ، وكرر ذلك في مجالسه واستشار من يجتمع به في ذلك، حتى صرح بأَنه يريد أَن

стр. 1269

يجمع مالًا يفرقه على العساكر ويترك الذي عنده عاقبة ولو أَن الذي يجمعه يكون قرضا، فبلغ ذلك الهروى فقال لأَحمد الجنكي: "لو أَراد السلطان أَن أُجهز له عشرة آلاف نفس من غير أَن يخرج من خزانته دينارا ولا درهما، ومن غير أَن أَظلم أَحدًا من الرعايا فأَنا أَقدر على ذلك" فسئل عن الكيفية فقال: "يسلم لي ستة أَنفس: ولدَىْ ابن الكويز، وابن البارزي، وعبد الباسط، وابن نصر الله، وابن أَبي الفرج" فبلَّغ ذلك أَحمد الجنكي للسلطان فبثّها في خواصه فبلغت المذكورين، فاتفقت كلمتهم على نكبة الهروى ونسبته إلى كلّ بلية، وأَنه لم يكن قط عالما ولا ينسبونه لعلم ولا ولى القضاءَ قط، وما وظيفته إلا استخلاص المال وسدّ الديون ونحو ذلك، وبالغوا في تقرير ذلك في ذهن السلطان، واستعان كل واحد منهم بفريقٍ وأَعانوه على ذلك حتى سقط من عين السلطان، وذكر لهم السلطان بأَنه كان قال له وهو متوجه إلى قتال قَنْبَاى: "إن أَردت المال فخذه من ابن المزلق وابن مبارك شاه" وسَمّى غيرهما من المنسوبين إِلى المال من أَهل دمشق، فأَكّد ذلك عند السلطان تصديق ما ينسب إليه من حُبّه للظلم، و كان ذلك سببا في اطراحه. * * * وفى حال دخول قرا يوسف البلاد الحلبية فر منه كثير من التركمان الأَوشرية ونزلوا على صافيثا من عمل طرابلس، فأَفسدوا في تلك البلاد على عادتهم، فأَرسل إليهم برسباي نائبَ طرابلس ينهاهم عن الفساد، ثم صحَّت الأَخبار برحيل قرا يوسف فراسله برسباي في الرحيل إلى بلادهم فأَجابوا إِلى ذلك وتجهزوا، فكبس عليهم على غِرّة منهم في أَواخر شعبان فقتل منهم مقتلةً عظيمة قتل فيها ثلاثة عشر نفسا من عسكر طرابلس، منهم: سودون الأَسَنْدُمُرى، وانهزم برسباي، وقد أَفحش التركمان في سلب الطرابلسيين حتى رجعوا عراة. فلما بلغ السلطان ذلك غضب وأَمر باعتقال برسباي بقلعة المرقب ثم أَفرج عنه بسعي ططر - وكان من إِخوته - ونقله إِلى دمشق، ثم أَعطاه تقدمةً بها فاستمر فيها إِلى أَن كانت عاقبة أَمره أَن تولَّى السلطنة بعد هذا واستبد بالأَمر كله بعد ثلاث سنين، وجهز سودون القاضي إِلى طرابلس أَميرًا عليها عوضا عنه فسافر في شوال،

стр. 1270

ولما وصل قرا يوسف - في رجوعه - إِلى ماردين مات ابنه الأَصغر، فيقال إنه من شده حزنه عليه قال كلاما شنيعا، وسيأْتي بيانه في سنه ثلاث وعشرين إن شاءَ الله تعالى. ولما رج قرا يوسف إِلى تبريز غضب على ولده اسكندر واعتقله، وأَرسل (١) إِلى ولده رجع الأَكبر محمد شاه صاحب بغداد وكان عصى عليه فصالحه. * * * وفى شوال قدم جربغا - دويدار يشبك نائب حلب - وصحبته شهاب الدين أَحمد بن صالح بن محمد بن السفاح كاتب سر حلب باستدعاءِ السلطان لهما بشكوى النائب، فوقفا بحضرة السلطان فتنصّلا مما نسب إِليهما، وشكيا من النائب بأَضعاف ما شكا منهما، فأَمر جربغا بالاستقرار على وظيفته وسُفِّر إِلى حلب، واستَعْفى ابن السفاح من العود خوفًا على نفسه فأُعفى واستقر في خدمة كاتب السر على توقيع الدّست. وفى تاسع عشر ذي الحجة قدمت أُم إبراهيم بن رمضان من بلاد الشرق تستعطف السلطان على ولدها، فأَمر السلطان باعتقالها فاعتُقِلت، وعَرض أَجناد الحلقة فانْتَقْي (٢) منهم مَن يصلح للسفر صحبةَ ولده، وكان قد عزم على تجهيزه إلى بلاد ابن قرمان لِما تقدّم من صَنيعهِ بطرسوس، وكان أَهل طرسوس بعد رحيل محمد بن قرمان عنهم قد كاتبوه بأَن يرسل إليهم عسكرا ليسلموا إِليه نائبهم شاهين الأيدكارى لسوءِ سيرته فيهم، فأَرسل إليهم ولده مصطفى، فقدم في رمضان، فأَخذ المدينة وحصّن القلعة حتى أَخذ شاهين فأَرسله إلى أَبيه في الحديد. * * * وفى أَول جمادى الآخرة توجّه نائبُ حلب في عساكره. ومَن أَطاعه من التركمان إلى قلعة كركر ليحاصرها، فتحصّن خليل نائبها في القلعة وجلا أَكثر أَهل كركر عنها، فأَقام عليها أَربعين يوما ورعى كرومها وأحرقها وحرق القرى التي حولها حتى تركها

стр. 1271

بلاقعَ، ولم يزل كذلك حتى فقد عسكره العليق، فرجعَ إلى حلب ولم يتمكن من أَخذ قلعة كركر. * * * وفى أَول جمادى الآخرة شرع السلطان في بناء المارستان بجنب القلعة، فأَمر بتنظيف التراب والحجارة التي بقيت من هدم المدرسة الأَشرفية وتمادى العمل في ذلك مدة. وفى شعبان (١) بعد كسر الخليج غرق ولدٌ لبعض البياعين فأَراد دفنه، فمنعه أَعوان الوالي حتى يستأْذنه، فمضى فاستأْذنه فأَمر بحبسه ثم قيل له وهو في الحبس: "إنك لا تُطْلَق حتى تعطى الوالى خمسة دنانير" فالتزم بها وخرج فباع موجوده وما عند امرأَته أُمِّ الغريق، فبلغ أَربعة دنانير واقترض دينارا آخر وأَخذ ولده فدفنه وترك المرأَة وهرب من القاهرة، فبلغ ذلك السلطان فساءَه جدا وطلب ابن الطبلاوى الوالى المذكور فضُرب بحضرته بالمقارع في الخامس من شوال ولم يعزله، واستمر في الولاية إلى أَن كان ما سنذكره في السنة الآتية. * * * وفيها حاصر محمد بن قزمان طرسوس وانتزعها من نوّاب المؤيد، وكان المؤيد انتزعها من التركمان، وكانوا استولوا عليها بعد فتنة اللنك، فبلغ ذلك المؤيدَ فجهز عسكرا ضخما وأَرسل معهم ولده إبراهيم فخرجوا في أَول السنة المقبلة. * * * وفي هذه السنة انتهت زيادة النيل إلى عشرة أَصابع من تسعة عشر ذراعا وذلك أَنه كان يوم النيروز، وكان يومئذ سادس عشرى رجب قد انتهى إلى إصبع من تسعة عشر، ثم نقص نصف ذراع ثم تراجع إلى أَن كانت هذه غايته، وارتفع سعر الغلال بسبب ذلك، ولما أَسرع هبوط النيل بادر كثيرٌ من الناس إلى الزرع قبل أَوانه، فصادف الحر الشديد ففسد أَكثره بأَكل الدود، فارتفعت أَسعار القمح والفول والبرسيم بسبب

стр. 1272

ذلك، وعز وجود التبن حتى بلغ الحمل دينارا، وكان قبل ذلك كل خمسة أَحمال بدينار، ثم ارتفعت الأَسعار في ذى الحجة وقَلَّ وجود الخبز في الأَسواق، وبلغ سعر الفول ثلاثمائة كلُّ أَردب لعِزَّته، ولم يبلغ القمح سوى مائتين وخمسين. وفى تاسع شعبان نودى أَن لا يتعامل الناس بالدّينار المشخص الإِفرنتي إِذا كان ناقصًا، وكان سبب ذلك أَن الإِفرنتي - زنة المائة منه - أَحد وثمانون مثقالا وربع مثقال - هكذا يحضر من بلاده - فولع به الصيارفة وغيرهم، فصاروا يقصّونه ويبردونه إلى أَن استقر حال المائة بثمان وسبعين وثُلث. وانتظم الحال على ذلك فكان في الكثير منها نقص فاحش بحسب ما بيع حين القص من جور المِقَصّ، ففسدت المعاملة جدا، فنودي أَن لا يتعامل بالناقص عن درهم وثُمْن بل ينقص رَدْعًا لهم من القص، فمشوا على ذلك شيئا يسيرا ثم رجعوا إلى ما كانوا عليه. * * * وفى أَوائل شعبان عظم الشر بين فخر الدين الأُستادار وبدر الدين بن نصر الله وتفاحشا بحضرة السلطان، ورمى ابن نصر الله فخرَ الدين بعظائم منها أَنه قال له: "أَكْثَرُ مَا تَمنّ به على السلطان حَمْل المال إليه، وجميع ذلك مما يعرف يصنعه قطاع الطريق، ولولا الدين لكنت أَصنع كما تصنع بأَنْ أُرسل غارةً على قافلة من التجار فأُبيتهم فيصبحوا مقتولين وآخذ أَموالهم، ونحو ذلك من القبائح!! " فلم يكترث السلطان بذلك وأصلح بينهما. فلما كان يوم التاسع من شعبان قُبض على بدر الدين وسُلم لفخر الدين فما شك أَحد في هلاكه، فعامله فخر الدين بضد ما في النفس وأَكرمه وقام له بما يليق به وأَرسل إِلى أَهله بأَن يطمئنوا عليه، وركب من الغد إلى السلطان - وهو ببركة الحبش يعرض الهجن لأَجل الحج - فلم يزل به يترفّق له ويتلطّف به ويلح عليه في السؤال في أَن يفرج عن ابن نصر الله إِلى أَن أَجابه، فلما عاد أَركبه دابته إلى داره فبات بها وركب في بكرة النهار الثاني عشر منه إلى القلعة ورجع وقد خُلع عليه، فسر الناس به سرورا كثيرا، وعدت هذه المكرمة لابن أَبي الفرج واستُغْربَتْ من مثله.

стр. 1273

وفي الثالث من ذي القعدة قُبض على بدر الدين بن محب الدين الوزير الذي كان يقال له المشير، وتسلمه أَبو بكر الأُستادار بعد إخْراقٍ شديدٍ وإهانة، وكان قد سار في الوزارة سيرةً قبيحة وتُتُبِّعَتْ حواشيه فقُبِض عليهم، ثم أُفرج عنهم على مال، وقُرّر في الوزارة بدر الدين بن نصر الله وأُعْطِى تقدمةَ أَلف، فنزل الأُمراءُ في خدمته وسُرّ الناس وضربت الطبلخاناة في آخر النهار على بابه، ولم يقع ذلك لصاحب قلمٍ تزيا بزي التركية من المتعممين قبله، بل الذين وصلوا إِلى ذلك من ذوى الأَقلام غيّروا هيئاتهم ولبسوا عمائم الترك سوى هذا، وقد تبعه مَن بعده على ذلك ما سنبينه في الحوادث إن شاءَ الله تعالى. * * * وفي رمضان أُكملت عمارة المدرسة الفخرية بين السورين وقُررت فيها الصوفية، وفُوضت مشيختها للشيخ شمس الدين البرماوى، ودرْسُ الحنفية للقاضي شمس الدين الديري، ودرس المالكية للقاضى جمال الدين المالكي، ودرس الحنابلة للقاضي عز الدين البغدادي ثم المقدسى الذي ولى عن قرب تدريس الحنابلة بالمؤيدية، ولم يستطع فخر الدين الأُستادار الحضور عند المدرسين لشدة مرضه، وتمادى به الأَمر إلى أَن مات في سادس عشر شوال ودفن بها في فسقيةٍ اتخذت له بعد موته. واستقر في الأُسْتادارية نائبه في الكشف على الوجه القبلى: أَبو بكر بن قطلوبك بن المزوق، وكان زوج أُخته، فسكن في داره، واستقر في نظر الأَشرف عوضا عنه كاتبُ السر ابن البارزي. وأَوصى فخر الدين بجميع موجوده للسلطان وعيّنه في دفاتر اشتملت قيمتها ما بين عينٍ وأَثاثٍ على أَربعمائة أَلف دينار، فتسلمها أَصحاب السلطان ولم يُشَوِّش على أَحد من أَولاده، وإِنما صودر بعض حاشيته على مال وأُطلقوا. وفى شوال حضر القضاة القصر الكبير وقد لبس الأُمراءُ والمباشرون الخلع على العادة، ولبس القضاة خلعهم إلا الحنبلي، فسلموا على السلطان فتغيظ على الحنبلي لعدم (١) لبس

стр. 1274

خلعته وقال له: "إن العادة جرت أَن القضاة يحضرون معهم بخلعهم" فقال: "ظننت أَنه يخلع عليهم من عند السلطان فلم أَحضر بخلعتى" فلم يعجب ذلك السلطان، وكأَنه أَراد تلافي خاطره فاستأْذنه في إنشاد أَبياتِ مدح له فيه، فأَذن له فأَنشدهُ وهو قائم، فأَطال فمل منه وقطع الإِنشاد وركب الفرس ومضى، وأَظهر النّفار لما ركب. * * * وفى حادى عشر ذي القعدة توجه السلطان إِلى الوجه البحرى للسرحة وانتهى إلى مريوط، فأَقام بها أَربعة أَيامٍ فأَعجبه البستان الذي هناك، وكان الظاهر بيبرس قد استجدّه هناك، وكان كبيرا جدا وفيه فواكه عجيبة وآثار ومناظر بديعة، وبئر لا نظير لها في الكبر، وعليها عدة سَوَاقٍ من جوانبها، وكان البستان المذكور قد صار للمظفر بيبرس ووقفه على الجامع الحاكمي، فتقدم السلطان إلى بعض خواصه باستئجاره وتجديد عمارته، فشرع في ذلك، ورجع السلطان من الوجه البحرى فأَدركه عيدُ الأَضحى بناحية وردان (١)، فخطب به كاتب السر ابن البارزى وصلى به صلاة العيد وضحى هناك، وفقد الناس بالقاهرة ما كانوا يأَلفونه من تفرقة الأَضاحي لغيبة السلطان والأُمراء، والله المستعان. ووصل في الثاني (٢) عشر إلى البر الغربي فعدى إلى بيت كاتب السرّ ابن البارزي،

стр. 1275

فبات فيه ليلة الثلاثاء، وطلع إلى القلعة سحرًا فوافاه القضاة والأَعيان للسلام عليه، فتكلم الديرى على قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ فنقل الديرى سبب النزول فنازعه الهروى، وكان بينهما ما سنذكره في حوادث أول السنة المقبلة. وفيها استقر القاضي جمال الدين محمد بن أَحمد بن محمد بن محمود بن إِبراهيم بن رَوْزَبَة الكازرونى ثم المدني، الفقيه الشافعي في قضاء المدينة الشريفَة مضافًا إلى الخطابة والإمامة، وصُرف عبد الرحمن بن محمد بن صالح؛ ومولد الكازرونى فيما قرأْتُ بخطّه في سابع عشر ذي القعدة سنة ٧٥٧. * * * ذكر من مات في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة من الأعيان ١ - إبراهيم بن بابَي - بفتح الموحّدتين - العوّاد المغنّى (١)، كان مقرَّبًا عند السلطان أَبي النفْس، وإليه المنتهى في جودة الضَّرب بالعود ولم يخلف بعده مثله، مات ليلة الجمعة مستهل شهر ربيع الأَول ببستان الحلِّي وكان قد استأْجره وعمّره (٢). ٢ - أَحمد بن أَبي بكر بن محمّد الردّاد المكيّ ثم الزبيدي الصوفى، القاضي شهاب الدين الشافعي، وُلد سنة ثمان وأَربعين. ودخل اليمن فاتَّصل بصحبة السلطان الأَشرف إسماعيل بن الأَفضل فلازمه واستقرّ من الندماء ثم صار مِن أَخصّهم به، وكانت لديه فضيلة كبيرة، وكان ناظما ناثرا ذكيًّا إلَّا أَنه غلب عليه حبّ الدنيا والميل

стр. 1276

إلى تصوّف الفلاسفة، فكان داعيةً إلى هذه البدعة يُعادى عليها ويقرِّب من يعتقد ذلك المعتقَد، ومَن عرَف أَنه حصل له نسخة "الفصوص" قرّبه وأَفضل عليه. وأَكثرَ من النظم والتصنيف في ذلك الضلال المبين، إلى أَن أَفسد عقائد أَكثر أَهل زبيد إلَّا من شاء الله. ونظْمه وشعره يَنْعق بالاتحاد، كان المنشدون يحفظون شعره فينشدونه في المحافل يتقرّبون به إليه، وله تصانيف في التصوّف، وعلى وجهه آثار العبادة لكنه يجالس السلطان في خلواته ويوافقه على شهواته، إلَّا أَنه لا يتعاطى معه شيئا من المنكرات ولا يتناول شيئًا من المسكرات، وولى القضاءَ بعد الشيخ مجد الدين بسنتين (١). وكان الناصر بن الأَشرف ترك القضاءَ شاغرًا هذه المدة ينتظر قدومي (٢) عليه بزعْمه فسعى فيه بعض الأَكابر للفقيه الناشري، فخشي ابن الردّاد أَن يتمكن الناشري من الإِنكار عليه في طريقته لأَن الناشري من أَهل السنة وشديدُ الإِنكار على المبتدعة، وكان يواجه ابنَ الردّاد بما يكره والشيخُ مجد الدين يداهنُه، فبادر إلى طلب الوظيفة من الناصر، والناصرُ لا يفرّق بين هذا وهذا ويظنّ أَن ابن الرداد عالِمٌ كبير، فولَّاه له مع كونه مزجيّ البضاعة في الفقه عديم الخبرة بالحكم، فأَظهر العصبية وانتقم ممن كان ينكر عليه بدعته من الفقهاء، فأَهانهم وبالغ في ردْعهم والحط عليهم فعوجل وصاروا يعدّون موته من الفرج بعد الشدّة. ومات في ذى القعدة وقد سمعتُ من نظمه. أَجازني في استدعاء أَولادي. ٣ - أَحمد بن علي بن أَحمد [بن (٣) عبد الله] القلقشندي الشافعي نزيل القاهرة، تفقَّه وتمهَّر وتعانى الكتب وكَتَبَ في الإِنشاء وناب في الحكم، وكان يستحضر "الحاوى"، وكتب شيئًا على "جامع المختصرات"، وصنَّف كتابا حافلًا سّماه "صبح الأعشى

стр. 1277

في معرفة (١) الإنشا، وكان يستحضر أَكثر ذلك. مات في جمادى الآخرة عن خمس وستين سنة. ٤ - آقبغا شيطان كان حسن المباشرة قليلَ الفِسق، ولى شدّ الدواوين ثم الولاية والحسبة وجمع بين الثلاثة مرة (٢)، وقُتل في ليلة سادس شعبان. ٥ - أَلْطَنْبُغَا العثماني، مات في ثاني عشرى شوال بطالًا بالقدس. ٦ - بَرْدْ بِك الخليلي (٣) نائب صفد، مات في نصف شهر رجب. ٧ - بَيْسَقْ أَمير آخور الظاهرى، مات بالقدس بطالًا، وكان الناصر نفاه إلى بلاد الروم فقدم الدولة المؤيّد فلم يُقْبِل المؤيّد عليه، ثم نفاه إلى القدس فمات بها في جمادى الآخرة، وله آثار بمكة؛ وكان كثير الشرّ، شرس الأَخلاق، جمّاعًا للأَموال مع البِرِّ والصدقة. ٨ - حسين بن علي بن محمد بن داود البيضاوى الأَصل المكي، أَبو عمر بدر الدين المعروف بالزمزمى، وُلد قبل السبعين وأَجاز له الصلاح بن أَبي عمر وابن أَميلة وحسن بن الهبل وجماعة من القادمين مكة بعد ذلك، واشتغل بالعلم ومهر في الفرائض والحساب، وفاق الأَقران في معرفة الهيئة والهندسة، وحدث باليسير. مات في ذي الحجة وقد جاوز الخمسين. ٩ - حسين (٤) بن كَبَك، تقدم في الحوادث. ١٠ - خليل بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الأَقْفَهْسي المصرى المحدّث المفيد، يلقَّب بصلاح الدين وغرس الدين، ويكنى أَبا الصفا، ويُعرف بالأَشقر، وُلد سنة ثلاث

стр. 1278

وستين وسبعمائة تقريبًا واشتغل بالفقه قليلًا واشتغل في الحساب والفرائض والأَدب، ثم أَحبّ الحديث فسمع بنفسه قبل التسعين من غرس الدين المليجي وصلاح الدين البلبيسي وصلاح الدين الزفتاوى وأَبى الفرج بن العزى ونحوهم من الشيوخ المصريين، ثم حجَّ سنة خمس وتسعين وجاور فسمع بمكة من شيوخها، ثم قدم دمشق أَول سنة سبع وتسعين ليسمع من شيخنا بالإجازة ومن أَبي هريرة بن الذهبي، وكان قد أَجاز له جماعة وليس عنده إذ ذاك أَشهر من أَبي هريرة، فلما وصل إِلى دمشق لقى بها شيخنا بالإِجازة شهاب الدين بن العز فأَكثر عنه وأَخذ عن ابن الذهبي، وسمع الكثير من حديث السِّلفي بالسّماع المتَّصل وبالإِجازة الواحدة، ثم قدم (١) سنة ثمانٍ وتسعين فلازمنا في في الأَسمعة، وسافر صحبتى إلى مكة في البحر فجاور بها، ثم رحل إلى دمشق مرة ثانية فأَقام بها، ورافقني في السماع في سنة اثنتين وثمانى مائة بدمشق ورجع معى إِلى القاهرة، ثم حجَّ في سنة أَربع وجاور سنة خمس فلقيتُه في آخرها مستمرًا على ما أَعهده من الخير والعبادة والتخريج والإِفادة وحُسْن الخلق وخدمة الأَصحاب، واستمر مجاورًا من تلك السنة إلى أَن خرج إِلى المدينة ثم توجّه في ركْب العراق، ثم ركب البحر إلى كنباية من بلاد الهند ثم رجع إلى هرمز، ثم جال في بلاد المشرق فدخل هراة وسمرقند وغيرهما، وصار يرسل كتبه إلى مكة بالشوق إليها وإلى أَهله. وقد خرّج لشيخنا مجد الدين الحنفى مشيخة، ولشيخنا جمال الدين بن ظهيرة معجمًا، وخرّج لنفسه "المتباينات" فبلغت مائة حديث، وخرّج أَحاديث الفقهاء الشافعية، ونظم الشعر الوسط ثم جاد شعره في الغربة وطارحنى مرارًا بعدّة مقاطيع، ثم بلغنى أَنَّه مات في أَول سنة إِحدى وعشرين بيزد (٢) وكان خرج من الحمام فمات فجأَةً، وأَرّخه الشريف الفاسي في سنة عشرين (٣)، والله أَعلم.

стр. 1279

١١ - سارة بنت [ناصر الدين] محمد بن أَزدمر، ماتت في المحرم. ١٢ - سعد الله بن سعد بن علي بن إسماعيل الهمداني، قدم إلى حلب مع والده وهو شاب وكان أَبوه سكن عينتاب، واشتغل سعد الله هذا في العلم وتفقه حنفيا ومهر ودرّس في حلب بمدارس (١) منها، فاتفق أَنه فجأَهُ الموت في رابع جمادى الأُولى وأَسف الناس عليه وكانت جنازته حافلة؛ ذكره القاضي علاء الدين في ذيل تاريخ حلب. ١٣ - سليمان بن علي [بن أحمد] (٢) القرشي اليمنى المعروف بابن الحُنَيْد، سمع على ابن شدّاد وغيره وولى قضاءَ عدن مدّة. رأَيتُه بعدن ومات بها (٣). ١٤ - سودون الأسند مرى، تقدّم في الحوادث. ١٥ - عبد الله بن إبراهيم بن أَحمد الحراني الحلبي ثم الحنبلي، كان يذكر أَنه من ذريّة ابن أَبي عصرون وكان شافعِيّ الأَصل، ولى قضاءَ الشغر شافعيا، وكذا كانت له وظائف في الشافعية [بحلب] (٤) ثم انتقل بعد مدةٍ حنبليّا وولى، قضاء الحنابلة بحلب كأَنظاره. قال القاضي علاءُ الدين في تاريخ حلب: "كان حسن السيرة، ولى القضاءَ ثم صُرف ثم أُعيد مرارًا ثم صُرف قبل موته بعشرة أَشهر فمات في شعبان". ١٦ - عبد الله بن علي بن يحيى بن فضل الله العدوى، جمال الدين بن كاتب السرّ،

стр. 1280

وُلد سنة أَربع وخمسين، وأُحْضِر على العرضى وأُسمع علَى التباني (١)، واستمر يلبس بزيّ الجندية وله إقطاع، واستمرَ (٢) من حياة أَبيه إِلى أَن مات ملازمًا (٣) للخلاعة مستورًا، ثم فسد حاله إِلى أَن عمل نقيبا في بيوت الحجاب، وقد سمع منه بعض أَصحابنا قليلًا، وهو آخر إخوته موْتًا. ١٧ - عبد الرحمن بن هبة الله اللحانى (٤) اليماني، جاور بمكة وكان بصيرًا بالقراءَات سريع القراءَة، قرأَ في الشتاء في يوم ثلاث ختمات وثُلث ختمة، وكان دينّا عابدًا مُشاركا في عدة علوم. مات في رجب. ١٨ - عبد الغني بن عبد الرزاق بن أَبي الفرج [بن نقولا] (٥)، الأَرمني الأصل، [فخر الدين]، كان جدّه من نصارى الأَرمن فأَسلم وولى نظر قطيا وولايتها والوزارة وغيرها كما تقدّم، وكان مولد فخر الدين سنة أَربع (٦) وثمانين وسبعمائة وتعلَّم الكتابة والحساب، وولى قطيا في أَول القرن في جمادى سنة إِحدى وثمانمائة ثم صُرف وأُعيد لها مرارًا، ثم ولَّاه جمال الدين الأُستادار كشف الشرقية سنة إِحدى عشرة فوضع السيف في العرب وأَسرف في سفك الدماءِ وأَخْذ الأَموال ظلمًا، فلما قُبض على جمال الدين واستقرّ ابن الهيصم في الأُستادارية بذل عبد الغنى أَربعين أَلف دينار واستقر مكانه في ربيع الآخر سنة أَربع عشرة، ثم صُرف في ذي الحجة عنها بعد أَنْ سار سيرةً عجيبةً من كثرة الظلم وأَخْذ الأَموال بغير شبهة أَصلًا والاستيلاءِ على حواصل الناس بغير تأْويل، وفرح الناس بعزْله، وعوقب فتجلَّد حتى رقَّ له أَعداؤه، ثم أُطلق وأُعيد إِلى ولاية قطيا، فلمّا

стр. 1281

قُتل الناصر وولى المؤيّد ولى كشفَ الوجه البحرى، ثم ولى الأُستادارية في جمادى الأُولى سنة ست عشرة فجادَتْ أَحواله وصلحت سيرته وأَظهر أَن الذي صار به أَوّلًا كان من عيب الناصر، لكنه أَسرف في أَخْذ الأَموال من أَهْل القرى. وولى كشف الصعيد فعاد ومعه من الخيول والإِبل والبقر والغنم والأَموال مايدهش من كثرته؛ ثم توجّه إلى الوجه البحرى ففرض على كل بلدٍ وقريةٍ مالًا سماه "ضيافة" فجمع ذلك مالًا جزيلًا في مدة يسيرة، ثم توجّه إِلى ملاقاة المؤيّد لمَّا رجع من وقعة نوروز، فبلغه أَنَّ المؤيّد سمع بسوءِ سيرته وعزَم على القبض عليه فهرب إِلى بغداد وأَقام عند قرا يوسف قليلًا، ثم لم تطب له البلاد فعاد ورمى نفسه على خواصّ المؤيد فآمنه وأَعاده إِلى كشف الوجه البحرى، ثم أَعاده إِلى الأُستادارية في سنة تسع عشرة، فحمل في تلك السنة مائة أَلف دينار، فَسُلِّم له الأستادار قبْلَه بدر الدين بن محب الدين وأَمَر بعقوبته فكف عنه فأُخذ من يده، وتوجّه لحرب أَهل البحيرة ومعه عدة أُمراءَ في شوال سنة تسع عشرة فكان الكل من تحت أَمره، وصل إلى حدّ برقة ورجع بنهب كثير جدا؛ ثم لما مات تقى الدين بن أَبي شاكر أُضيفت إِليه الوزارة في صفر سنة إِحدى وعشرين فباشرها بعُنْف، وقطع رواتب الناس وبالغ في تحصيل الأَموال، وتحرّز فكان يوفرِّ في كل قليل مالًا يحمله للمؤيد فيجمل في عينه ويشكره في غيبته (١)، مع لين جانبه للناس وتودّده لهم؛ وكان في كل قليل يصادر الكتاب والعمال. ثم توجّه إلى الوجه البحرى وأَخذ الضيافة على العادة، ولاقى السلطان لما رجع من الشام بأَموال عظيمة، ثم توجّه إِلى الصعيد وأَوقع بأَهل الأَشمونين ورجع بأَموال كثيرة جدا، ثم استعفى من الوزارة في شوال سنة عشرين فاستقرّ فيها أَرغون شاه، ثم مرض فعاده السلطان في مرضه فقدّم له خمسة آلاف دينار فأَضاف إليه نظر الأَشراف،

стр. 1282

ثم توجّه إِلى الوجه القبلى فأَوقع بالعرب وجمع مالا كثيًرا، ثم أَصابه الوعك في رمضان واستمر في مرضه ذلك إِلى أَن مات في نصف (١) شوال سنة ٨٢١ واشتد أَسف السلطان عليه. وعاش سبعا وثلاثين سنة. وكان عارفًا بجمع المال، شهما شجاعًا ثابت الجأْش قويّ الجنان، وكان في آخر عمره قد ساد وجاد سوى ما اعتاده من نهب الأَموال، وقد جمع منها في ثلاث سنين مالا يجمعه غيره في ثلاثين سنة. وكان جدّه يصحب ابن نقولا الكاتب فنُسب إِليه فلهذا كان يقال له "أبو الفرج ابن نقولا"؛ أَو هو اسم جده حقيقة. وفى الجملة "فأَبو الفرج" أَول من أَسلم من آبائه، ونشا أَبوه مسلمًا ثم دخل بلاد الفرنج ويقال إِنه رجع إلى النصرانية ثم قدم واستقر صيرفيا بقطيا وولى نظرها وإِمرتها، ثم تنقلت به الأَحوال وبولده من بعده على ماتقدّم مشروحًا. ١٩ - على بن أَحمد بن علي بن حسين بن محمد بن حسين بن محمد بن حسين بن محمد بن حسين بن مظفر بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أَبي طالب، الأَرموى الأَصل نزيل القاهرة نقيب الأَشراف، شرف الدين بن قاضي العسكر، وأُمّه: خاص بنت الظاهر أَنس بن العادل كَتْبُغَا، وكان معدودًا في رؤُساء البلد لأَفضاله وكرمه من غير شهرةٍ بعلم ولا تصوّن، ومات في تاسع عشر ربيع الأول عن نحو الستين. ٢٠ - على بن أَحمد بن عمر بن حسن المهجمي (٢)، كان يسكن بيت الفقيه [ابن حشيبر (٣)] من عمل بيت (٤) حسين باليمن، وهو من بيت الصلاح وللناس فيه

стр. 1283

اعتقاد كبير، وتُحكى عنه مكاشفات وكرامات مع وفور حظ من الدنيا (١). ٢١ - قَطْلُوبُغَا الخليلي نائب (٢) الإِسكندرية، وقد تقدم له ولأَبيه ذكر في الحوادث، ومات في نصف ذى الحجة ولم تطل مدّته في السعادة، واستقر بعده في نيابة الإسكندرية ناصر الدين محمد بن العطار الدمشقى نقلا من دويدارية نائب الشام إليها، وهو صهر كاتب السر. ٢٢ - لؤلؤ [الرومى (٣) الغزّى] الطواشي المجبوب، كاشف الوجه القبلى، وليه (٤) مرتين ثانيتهما في رجب سنة ثماني عشرة، ثم عُزل وصودر وأُخذ منه مال جزيل بعد العقوبة الشديدة، ثم ولى شدّ الدواليب ومات وهو على ذلك، وكان من الحمقى المغفلين والظلمة الفاتكين في صورة الناسكين. مات في شوال … ٢٣ - محمد (٥) بن حسن بن محمد بن محمد بن خلف الله الشّمُني - بضم المعجمة والميم وتشديد النون - ثم الإِسكندرى المالكي كمال الدين، وُلد سنة بضع وستين، واشتغل بالعلم في بلده ومهر، ثم قدم القاهرة فسمع بها من شيوخنا وممن قبلهم، وسمع بالإسكندرية وتقدم في الحديث وصنّف فيه، وتخرّج ببدر الدين الزركشي والشيخ زين الدين العراقي طالبًا في درس الحديث، ثم نزلْتُ له عنه (٦) في سنة تسع عشرة فدرس به، ثم عرضَتْ

стр. 1284

له علة في أَواخر سنة عشرين ثم نقه ورجع إلى منزله وتمرّض إلى أَن مات في شهر ربيع الأَول (١). ٢٤ - محمد (٢) بن علي بن نجم الكيلاني، غياث الدين بن خواجا على التاجر، وُلد في حدود السبعين وكان أَبوه من أَعيان التجار فنشأَ ولده هذا في عزّ ونعمة طائلة، وشغله أَبوه بالعلم بحيث كان يشترى له الكتاب الواحد بمائة دينار وأَزيد، ويُعطِى معلميه فيفرط، فمهر في أَيام قلائل واشتهر بالفضل، ونشأَ متعاظمًا، ثم مات أَبوه وتنقلت به الأَحوال والْتَهى عن العلم بالتجارة فصعد وهبط وغرق وسلم وزاد به ونقص إِلى أَن مات خاملًا، مع أَنّه كان سيّءَ المعاملة عارفًا بالتجارة محظوظًا منها، وتزوّج جاريةَ من جوارى النّاصر يقال لها "سمراء" فهام بها وأَتلف عليها ماله وروحه، وأَفرطَتْ هي في بغضه إلى أَن قيل إِنها سقَتْه السّم فتعلّل مدّة ولم يزل حتى فارقها فتبدّل عقله من حبها إِلى أَن مات ولها بها، وبلغني أَنها تزوّجت بعده رجلًا من العوام فأَذاقها الهوان وأَحبّتْه فأَبغضها عكس ما جرى لها مع غياث الدين، وبلغني أَنها زارت غياث الدين في مرضه فاستحللته فحاللها من شدة حُبّه لها، وكانت قد أَلزمته بطلاق زوجته ابنة عمه فطلقها لأَجلها. وقد طارحنى غياث الدين بمقاطيع عديدة وأَلغاز، وترافقْنا في السفر. ومن شعر غياث الدين في "سمراء" قصيدة مطولة أَوّلها: سَلُوا سَمْرَاءَ عن كرَبى وحُزْنى … وعَنْ جَفْنٍ حَكَى هَطَّالَ مُزْنِ سَلُوهَا: هَلْ عَراهَا ما عَرَانيِ … مِنَ الجِنِّ الهَوَاتِفِ بَعْدَ جِنّ؟

стр. 1285

سَلُوا: هَلْ هَزَّتِ الأَوْتَارَ بَعْدِي … هَلْ غَنَّتْ كَمَا كَانَتْ تُغَنى؟ ويقول في آخرها: سأشكُوهَا إلى مَوْلَى حكِيم (١) … ليعفُوَ في الهَوَى عَنْها وعَنّى وهو آخر من عرفنا خبره من المتيَّمين. مات في سابع عشر شوال. ٢٥ - محمد (٢) بن محمد بن عبد اللطيف بن أَحمد بن محمود بن أَبي الفتح، أَبو الطاهر الشيخ السَّنَد شرف الدين بن عزّ الدين أَبي اليمن بن الكويك الرّبْعي التكريتي ثم الإسكندراني نزيل القاهرة، وُلد في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وأَجاز له فيها (٣) المزى والبرزالي والذهبي و [زينب] بنت الكمال وإبراهيم بن القريشة و [أَبو عمر] بن المرابط وعلى بن عبد المؤمن بن عبد [الحارثي (٤)] في آخرين، وأحضر في الرابعة على إبراهيم بن علي الزرزاري (٥)، وأُسْمِع من أَحمد بن كَشتَغْدى (٦) و أَبي نعيم الأَسْعردى وابن عبد الهادى وغيرهم، ولازم القاضي عز الدين بن جماعة، وتعانى المباشرات فكان مشكورًا فيها، وتفرّد في آخر عمره بأَكثر مشايخه، وتكاثر عليه الطلبة ولازموه، وحُبِّب إِليه التحديث ولازمه. قرأت عليه كثيرًا من المرويّات بالإِجازة والسماع، من ذلك "صحيح مسلم" في أَربعة مجالس سوى مجلس الختم.

стр. 1286

ولم يزل على حاله منقطعا في منزله ملازما للإِسماع إلى أِن مات في ذي القعدة من هذه السنة وقد أَكمل أَربعا وثمانين سنة، ولم يبْقَ بعده بالقاهرة مَن يروى عن أَحدٍ من مشايخه لا بالسّماع ولا بالإِجازة، بل ولا في الدنيا مَن يروى عمَّنْ سمَّيْتُ من مشايخه المذكورين. رحمه الله تعالى. ٢٦ - محمد بن ناصر الدين بن البيطار، كان في ابتداءِ أَمره يتعانى صناعة البيطرة، ثم قرأَ القرآن واشتغل بالفرائض فمهر في ذلك، ثم أَقبل على الفقه ففاق أَقرانا، وأَقرأَ في الجامع مدّة ولم يترك الاسترزاق (١) في حانوته، وكان صالحًا خيرا ديّنًا. مات في ربيع الآخر. ٢٧ - مشترك (٢)، ويقال له أجْتَرك (٣)، القاسمى [الظاهرى برقوق]، من كتّاب الأُمراء، تنقّل في الولايات منها نيابة غزّة ومات في جمادى الأولى بدمشق (٤). ٢٨ - يوسف بن محمد بن عبد الله الحُمَيْدي، جمال الدين الحنفى، نسبة إِلى امرأَة (٥) كان يُقال لها "أَمّ حُمَيد"، ونشأَ بالإِسكندرية وتفقه حتى برع، وولى قضاءَ الحنفية بها وكان موسرًا. مات في خامس عشرى جمادى الآخرة وقد زاد على الثمانين، وكان لابأْس به. رحمه الله تعالى. * * *

стр. 1287

سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة استهلت بيوم الجمعة (١) ثانى أَمشير من الشهور القبطية. في أَول المحرم جُهِّزَ إِبراهيم بن السلطان وصحبته من الأُمراءِ الكبار أَلْطنْبُغا القُرْمُشِي وطَطَر وجقمق وآخرون، وصُحْبَتُه عليّ بن قرمان، وكان قد فر من أَخيه محمد إلى السلطان والتجأَ إِليه فجهز ابنه نصرةً له، فكان كما سيأْتي ذكره. وتوجّه (٢) من الريدانية في ثاني عشرى المحرم وكان السبب في هذه السفرة أَن محمد بن قرمان أَغار على طرسوس في السنة الماضية فقبض على نائبها شاهين الأَيْدُكَارِى، فوصل دمشق في سادس صفر وتلقاه النواب، ثم وصل حلب في أَول الأَول ربيع، ثم وصل إلى كركر في ثاني عشر ربيع الآخر فحاصر القلعة وهرب ابن قرمان في مائة وعشرين فارسًا وأَخذ منها مالًا ورجالًا فقيَّدهم، وتوجه إلى لارَنْدَة فنازلها وهي قاعدة بلاد ابن قرمان، وكان ما سنذكره بعد ذلك إن شاء الله تعالى. ثم وصل إلى قيسارية وهي أَعظم بلاد ابن قرمان في تاسعه، ثم وصل إِلى قونية في نصف ربيع الآخر بعد ما مَهَّد أُمور قيسارية ورَتَّب أَحوالها وخَطب فيها باسم السلطان ونَقش اسمَ السلطان على بابها، وقرر في نيابتها محمد بن ذلغادر نائب السلطنة بقيسارية، ولم يتفق ذلك لملكٍ من ملوك الترك بعد الظاهر بيبرس فإنه كان خُطِب له بها ثم انتقض ذلك. * * * وفى هذا الشهر قدم عجلان بن نعير من المدينة مقبوضًا عليه من إمرة المدينة، ووصل بَكْتَمُر السَّعْدى من رسليته إِلى صاحب اليمن ومعه كتاب الناصر صاحب اليمن وهديته. * * *

стр. 1288

وفيها قُرر ناصر الدين باك - واسمه محمد بن خليل بن قرا بن ذلغادر - في نيابة قيسارية عن السلطان مضافًا إلى نيابة الأُبْلُستِين، وكان تانى بك نائبُ حلب - استولى على طرسوس (١) فأَمَره المؤيد أَن يسلمها إلى ناصر الدين، فجمع محمد بن قرمان عسكرا. واستقر مقبل الدويدار الثاني شادَّ العمارة لجامع المؤيد عوضا عن ططر. وفى (٢) ثامن عشرى المحرم حضر السلطان بالجامع المؤيدى، وحضر عنده القضاة فسأَلهم عما أَعْلَم به الحجاجُ من استهدام المسجد الحرام واحتياجه إلى العمارة، مِنُ أي جهة يكون المصروف على ذلك؟ فجالوا في ذلك، إِلى أَن سَأَل القاضي الحنبلي قاضيَ الشافعية الهرويَّ عن أَربع مسائل تتعلَّق بذلك فأَجابه، فخطّأَه في جميعها، وتقاول القاضيان: الشافعيُّ والحنفى حتى تسابَّا، وأَفحش الديري في أَمر الهروى حتى قال: "أُشهدك يا مولانا السلطان أَنّى حَجَرْت عليه أَن يفتى وحكمْتُ بذلك" فنفذ حكمه الحنبلي والمالكي في المجلس، وبلغ الهروى من البهدلة إِلى حدٍّ لم يوصف، وأَعان على ذلك شدَّةُ بُغْض الناس له وتمالئهم عليه ورحيلُ أَعوانه وأَنصاره مثل ططر وغيره، مع ما هو عليه من قلة العلم وعُجْمة اللسان. فلما كان في الثامن من شهر ربيع الأَول قدم طائفة من الخليل والقدس صحبةَ الناظر عليهم حينئذ، وهو حسن الكُشْكُلى، فشكوا منه أَنه أَخذ منهم مالًا. عظيما في أَيام نظره، فابْتُلِيتُ بالحكم بينهم بأَمر السلطان، فتوجه الحكم على الهروى فخرج في الترسيم، فلما حاذى المدرسة الصالحية خرج إِليه الرسل الذين بها من جماعة الحنفى فأَدخلوه قاعة الشافعية وتوكلوا به، فأَرسل قاصده إلى مرجان الخزندار فنزل بنفسه فسبَّ الموكلين به ونقله إلى داره. وفى الثاني عشر منه أَمر السلطان أَن يُوكل بالهروى فوكل به أَربعة، فشرع في بيع بعض موجودِه، وأُشيع أَنه عزم على الهرب، ثم أَمر بإِعادة ما أُودع تحت يده من مال

стр. 1289

أجنادِ الحلقة، وجُمْلَتُه أَلفُ أَلفٍ وستمائة أَلفٍ فوجد منه أَلف أَلف، وتصرَّف في سمائة أَلف، فكثرت فيه القالة والشناعة عليه بسبب ذلك. ومَنع ابن الديرى نوابَ الهروى من الحكم، واستند إِلى أَن الهروي ثبت فسقه فانعزل بذلك ولو لم يعزله السلطان: فكَفُّوا، فلما كان سابع عشر ربيع الأول نزل السلطان إلى جامعه واستدعى بالبلقيني فأَعاده إِلى القضاء ففرح الناس به جدا لبغضهم في الهروى، وكان ما سنذكره بعد ذلك. وفي خامس صفر استقر صدرُ الدين بن العجمى في الحسبة وفرح الناس به لمعرفته وعفته. وفى سادس عشره توجّه ابن محب الدين أَميرًا بطرابلس من جملة الأُمراء. وفي ثامن عشره عُمل الوقيد بالبحر كالسنَّة الماضية. وفى أَواخر صفر ثار المماليك الذين بخدمة السلطان بالطباق وأَرادوا إِحداث فتنة وامتنعوا عن حضور الخدمة، وذكروا أَن سبب ذلك حقارة الجامكية، فأَمر السلطان أَن يزاد كل واحد منهم على قدر ما يريد، فرضوا وسكنت الفتنة. وفيه أُرسل أَلْطَنْبُغا المَرْقبي إلى الصعيد وصحبته رقم أَمير هوارة فطرقهما الأَعراب فكانت بينهم مقتلةٌ عظيمة، ثم انهزم العرب إِلى المَيْمُون (١)، وغم أَلطَنْبُغا ومن معه من أَغنامهم ودَوَابِهّم شيئا كثيرا جدا. وفي صفر فشا الطاعون بالشرقية والغربية، وابتدأَ بالقاهرة ومصر، ثم كثر جدا في ربيع الأَول، وكان في الأَطفال كثيرا جدا؛ وعم الوباءُ بلاد الفرنج. وفيه عمرت قناطر شبين فبلغ مصروفها خمسة آلاف دينار جُمعت من بلاد الجيزة حتى من الإِقطاعات والرزق.

стр. 1290

وفي تاسع عشرى شهر ربيع الأَول كسفت الشمس قبل الزوال، فاجتمع الناس بالجامع الأَزهر، فصلَّيْتُ بهم صلاة الكسوف على الوصف المعروف في الأَحاديث الصحيحة بركوعَيْن مطوّلين وقيامين مطوّلين، وكذلك في جميع الأَركان المقصورة وغير المقصورة، ثم خطبْتُ بهم ما يقتضى ذلك بعد أَن تجلت الشمس، والحمد لله. واتفق وقوع زلزلة في هذا اليوم في مدينة أَرزنكان، هلك بسببها عالمٌ كثير وانهدم من مبانى القسطنطينية شيء كثير، وهدمت قيساريَّةٌ بناها جهة بلاد ابن عثمان وبرصا وما حولها، وهلك بسبب ذلك ناس كثير. وفي ربيع الأَول ركب المحتسب والوالى فطافا بأَمر السلطان على أماكن الفساد بالقاهرة وأَراقا من الخمور شيئا كثيرا، ومنع المحتسب النساءَ من النياحة على الأَموات في الأَسواق، وعَزَّر طائفةً منهن، وأَلزَم اليهود والنصارى بتضييق الأَكمام وتصغير العمائم، وبالغ في ذلك. وفيه تشاجر الوزير والأُستادار وتفاحشا، وخُلع عليهما في تاسع عشره والتزما بحمل مائة ألف دينار. * * * وفي المحرم قُبض على محمد (١) بن بشارة وذلك أَن السلطان كان أَرسل ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن منجك إلى دمشق، وأَمره أَن يحتال على ابن بشارة فراسله إلى أَن ضمن له عن السلطان الرضا، فلمَّا اطمأَن لذلك أَرسل إليه أَمانَ السلطان وحلَّفه له، فأَرسل

стр. 1291

إليه خلعةً فلبسها وأَقبل إِلى دمشق فتلقاه وبالغ في إِكرامه فأَمن، فبينما هو آمن في سوق تلقَّاه ابن منجك فدخلا جميعًا إِلى بيت نكباى نائب الغيبة، فلم يستقر به المجلس حتى قُبض عليه فدَفع عن نفسه بسيفه وجرَح من تقدم إليه، فتكاثرت السيوف على رأْسه، وقُبض على عشرين من أَصحابه فوُسّط منهم أَربعة نفر، واعتُقل ابن بشارة بدمشق، ثم أَمر السلطان بإِحضاره فأُحضر في رابع عشرى جمادى الأُولى. وفي (١) خامس ربيع الآخر خدع الهروى الموكلين به من الأَجناد وفر إلى بيت قطلوبغا التَّنمي، فبلغ ذلك السلطان فأَمر الوالى الأَمير التاج بنقله من بيت التنمى إِلى القلعة فسجنه بها في البرج، ثم أَنزله التاج في ثانى عشرى الشهر إلى الصّالحية وقد اجتمع بها القضاة، فادعى التاج على الهروى بالمال الذي ثبت عليه، فالتزم بأَنه عنده وهو قادرٌ عليه، وأَنه أَدَّى بعضا وسيؤدي الباقي، فسجنه في قبة الصالحية ووكل به جماعة يحفظونه، ثم نُقل في ثامن عشري الشهر المذكور إلى القلعة لأَنه كرر شكواه من كثرة سب الناس له من بغضهم فيه حتى خشى أَن يأْتوا على نفسه، ثم بادر التاج ونقل الهروى من جامع القلعة إلى مكانٍ عنده بالمطبخ، ثم سعى عند السلطان في أَمره إِلى أَن أَمر بإِطلاقه فنزل إلى دار اسْتكراها له مرجان الخزندار وراءَ مدرسة أُلْجَاى، فأَقام بها إلى السنة الآتية. * * * وفى (٢) الثاني من جمادى الأُولى وُلد الملك المظفر أَحمد بن الملك المؤيد شيخ فقدر الله أَن يلى السلطنة في أَول سنة أربع وعشرين، وعمره سنة واحدة وأَربعة (٣) أَشهر وأَياما. * * * وفى الثالث من جمادى الأُولى قُرِر كاتبه في تدريس الشافعية بالمؤيدية، وقُرر يحيى

стр. 1292

ابن محمد بن أَحمد العُجَيْسي (١) في تدريس المالكية، وقُرِّر عز الدين عبد العزيز بن علي بن العز - الذي كان قاضيَ القدس - في تدريس الحنابلة، وتأَخر تقرير مدرّس الحنفية وغيره. * * * وفيها مات رئيس الأَطباء إبراهيم بن خليل بن عُلوة الإِسكندرانى، كان حاذقا في الطب، وقدم بشخص يقال له نظام الدين أَبو بكر بن محمد بن عمر بن بكر الهمذاني الأَصل التبريزي المولد سنة ٧٤٧، وكان فاضلَ الشام، فأَحضره السلطان إِلى القاهرة وكان ادّعى في الطب والتنجيم دعوى عريضة، فتناظر هو وسراج الدين عمر بن منصور بن عبد الله البهادري (٢) الحنفى، فاستظهر البهادرى عليه بكثرة استحضاره وذكائه وجمود أَبي بكر المذكور، فلما كاد أَمر البهادرى أَن يتم نكت عليه كاتب السر أَنه لا يدرى العلاج وإِنْ كان يدرى الطب، فإن يده غير مباركة فإِنه ما عالج أَحدًا إلا مات من مرضه، ونصيحةُ السلطان واجبة، واستشهد بجماعةٍ منهم: ابن العجمي فوافقوه، فانحل السلطان عنه وصرفهم، ثم أَمرهم أَن يتوجهوا إِلى المرستان ويكتبوا لمن فيه أَوراقًا ليُنْظر في أَمرهم أَيهم أَصح كتابةً فلم ينجع من ذلك شيء، ثم قرر في رئاسة الطب بدر الدين بن بطيخ (٣). * * * وفي (٤) السابع من جمادى الأُولى أُحضر بطرق النصارى في الإصطبل بعد أَن جُمع القضاة والمشايخ، فسأَله عما يقع في الحبشة من إِهانة المسلمين فأَنكر ذلك، ثم انتدب له المحتسب فأَنكر عليه تهاون النصارى بما يؤمرون به من الصّغار والذل، وطال الخطاب في معنى ذلك، واستقر الحال بأَن لا يباشر أَحد من النصارى في دواوين السلطان والأُمراءِ ولا غيرهم،

стр. 1293

ثم أَغرى شهاب الدين الإمام ابن أَخي قاضي أَذرعات السلطانَ بالأَكرم فضائل النصراني كاتب الوزير فاستَدْعى به فضرَبه بالمقارع بحضرته وشهّرهُ بالقاهرة عريانا وسجنه، ثم آل أَمره إلى أَن أَمر السلطان بأَن يُقتل فقُتل، فصَغَّر النصارى العمائم ولزموا بيوتهم وضيّقوا أَكمامهم ومُنعوا من ركوب الحُمر بالقاهرة، وإذا خرجوا في ظاهرها ركبوها عرضا، فأَنِف جماعة من النصارى من الهوان فأَظهروا الإِسلام فانتقلوا من ركوب الحمر إلى ركوب الخيل المسومة، وباشروا فيا كانوا فيه وأَزيد منه، وأُلزم النصارى أَن لا يدخلوا الحمّامات إلا وفى أَعناقهم الجلاجل، وأَن يلبس نساؤهم المصبّغات، ولا يمكنوا من الأُزُر البيض، فاشتد الأَمر عليهم جدا وسعوا جهدهم في ترك ذلك فلم يعفوا لتصميم السلطان على ذلك. * * * وفي ثانيه قدم أُلْطَنْبُغَا المرقبي والأُستادار أَبو بكر من الصعيد، وقدّم الأُستادار ما حَصَّله من أَموال هوارة فكان مائتى فرس وأَلفَ جمل وستمائة جاموسة وأَلفًا وخمسمائة بقرة، وخمس عشرة أَلف رأْس من الضأْن. وفي جمادى الأُولى شُرع في عمل الصهريج بجوار خانكاه بيبرس من جهة الملك المؤيد. * * * وفيه (١) تغيّر كاتب السر ناصر الدين بن البارزي على محتسب القاهرة صدر الدين بن العجمى بعد أَن كان هو الذي يُقرّبه من السلطان ويسعى له، فأَخذ في أَسباب إِبعاده السلطان وأَعان ابن العجمى على نفسه بلجاجه وتماديه في غيّه، فاتفق أَن السلطان في هذه الأَيام عاوده وجع رجليه، وانضاف إلى ذلك وقوعُ وجعٍ في خاصرته، وكان في كل سنة يتصل عن قرب في قوة الشتاءِ وقوة الصيف، فمنذ عالجه أَبو بكر العجمي اشتد أَلمه أَكثر من كل سنة، فاتفق أَنه استفتى وهو في شدة الوجع عن جواز الجمع بين الصلاتين لعذر المرض، فأَفتاه بذلك بعض الشافعية من خواصّه، فسأَل بعضَ الحنفية

стр. 1294

فقال له: "قلد الشافعي في هذه المسألة"، فاتفق حضور ابن العجمي في صبيحة ذلك اليوم فدارت المسألة بين الفقهاء الذين يحضرون عند السلطان، فبالغ ابنُ العجمي في الردّ على من أفتى بذلك، فقيل له: "قد أفتى به ابن عباس من الصحابة"، فقال: "أنا ما أُقَلِّد ابن عباس، وإنما أُقلد أبا حنيفة"، هذا الذي أضبطه من لفْظه، فادعى عليه بعد ذلك -بتأليب كاتب السر عند القاضي الحنفى ابن الديري- أنه قال: "ومن هو ابن عباس بالنسبة إلى أبي حنيفة؟ " فطلبه ابنُ الديرى بالرسل حتى أَحضروه مهانًا ووُكِل به بالصالحية. وفى تاسع عشره طَلب ابنُ الديرى ابنَ العجمي فعزّره من غير إقامةِ بيّنَةٍ عليه بشئ مما ادعى عليه به ثم أفرج عنه، فجمع نفسه عن الكلام فى الحسبة، فبلغ ذلك السلطان فأنكر ذلك واستدعاه وخلع عليه وأقره على الحسبة، ففرح الناس بذلك فرحًا عظيما، وكانوا اتهموا القبط في الممالأة عليه، وظَنُّوا أن ابن البارزى قبطى وليس كذلك، وإنما هو أعان على نفسه حتى أسخط الرؤساء عليه. * * * وفي جمادى الآخرة تحول السلطان من القلعة في محفَّةٍ إلى بيت ابن البارزي المطلّ على النيل، وكان ابن البارزي قد استأْجر بيت ناصر الدين بن سلام وأضاف اليه عدة بيوتٍ مجاورةٍ له وأتقن بِنَاءَها، ووضعَها وضْعا غريبا على قاعدة عمائر بلده حماة، فأَعجب السلطان ذلك إعجابًا شديدا واختار الإقامة به حتى يبل من مرضه، فأقام بها من نصف جمادى الآخرة إلى نصف رجب، واستدعى الحرَّاقة الذهبية. فكان يركب من بيت البارزى إلى القَصْر الذى بإنبابة ثم منه إلى بيت البارزي، وتارة ينام في الحراقة الليل كله، وتارةً يتوجه إلى الآثار يتفرج فيها ويرجع إلى رابع عشر رجب، فتحول السلطان إلى بيت الخروبى بالجيزة وكان قد أحضر الحراريق المزينة التي جرت العادة بتزيينها في ليالى وفاء النيل، فاستصحبها صحبته مُقلِعَةً إلى الخَرُّوبِيّة، واجتمع الناس للفرجة في شاطئ النيل من بولاق إلى مصر، فمرت في تلك الليالى للناس من النزه والبسط ما لا مزيد عليه مع الإعراض عن المنكرات لإعراض السلطان عنها، وكان قد تاب من مدة وأعرض عن

стр. 1295

المنكرات إعراضا تاما، ثم ركب فى سادس عشر رجب من الخروبية في الحراقة إلى المقياس ثم نزل في الحراقة الصغيرة إلى الخليج على العادة، وركب فرسَه وطلع القلعة. * * * وكان وصول الملك إبراهيم بن الملك المؤيد إلى قيسارية ونائبها يومئذ ناصر الدين محمد ابن خليل بن ذلغادر فقرره على نيابته. وفى سادس عشر جمادى الأولى وصل إبراهيم بن السلطان إلى لارندة وأَرَنْكَلِي (١) وأَرْسل يَشْبك -نائب حلب- فأوقع بالتركمان ونهب منهم شيئا كثيرًا، وأرسل عسكرا ضخما إلى محمد بن قرمان فكبسوا عليه ففر منهم ونهبوا جميع ما وجدوا له من مالٍ وأبقارٍ وخيلٍ وجمال، ثم غار العسكر المصرى على بلده وهى كرسى بلاد ابن قرمان، وقَرَّر الملكُ إبراهيمُ ابنُ السلطان في مملكة ابن قرمان أخاه علِيًّا، وخطب في جميع تلك البلاد باسم المؤيد، وضربت السكة باسمه، ثم رجع ابنُ السلطان إلى حلب وأقام بها لعمارة سورها، وأرسل يستأْذن أباه على الرُّجوع،، وكان دخوله حلب فى ثالث شهر رجب، وكان ابن السلطان -قبل رجوعه من حلب- قد أرسل تَنْبَك ميق نائب الشام إلى طرسوس فملكها، ثم إلى أدنة فواقع مصطفى بن محمد بن قرمان وإبراهيم بن رمضان فهزمهما، فتوجّها إلى قيسارية في سادس عشر شعبان، فقاتلهم محمد بن ذلغادر، فقُتل مصطفى بن محمد في المعركة، وقُبض على أبيه محمد بن قرمان فاعتُقل، فأُرسلت رأْس مصطفى إلى القاهرة فوصلت قبل وصول ابن السلطان وذلك في سادس عشر رمضان. وكان ابنُ السلطان قَرر في بلاد محمد بن قرمان أخاه عليا بن قرمان، وتسلَّم قيسارية محمد بن ذلغادر فواقعه محمد بن قرمان فانكسر، فقبض عليه وجُهِز إلى القاهرة، وكان قدوم ولد السلطان دمشق في خامس عشر رمضان ثم توجه إلى القاهرة فتلقَّاه السلطان

стр. 1296

إلى سرياقوس، ووصل معه نائب الشام تَنْبك ميق ودخلوا القاهرة في ثامن عشرى شهر رمضان، فساروا في تسعة أيام، ودخل معهم نائب الشام، وخُلع عليهم جميعا، وزين لهم البلد، وكان السلطان استدعى نائبَ الشام فحضر مسرعا، فطلع إبراهيم بن السلطان وبين يديه الأساري من بني قرمان وغيرهم في القيود، منهم نائب نكدة (١). وكانت سفرة إبراهيم بن السلطان هذه خاتمة سعادة الملك المؤيد فإنه نشأَ له هذا الولد النبيه وتمّ له منه هذا النصر العظيم والشهامة الهائلة، وجاء الأُمراءُ وغيرهم يشكرون من سيرته ولا يذم أَحد منهم شيئًا من خصاله، ورجع إلى أبيه في أسرع مدة مؤيدا منصورا، فلحظتهم عين الكمال فما أخطأَت، وما حال الحول إلا وأحوالهم قد تغيرت وأُمورهم قد تهافتت، فسبحان من لا يتغير ولا يتبدل. * * * وفى ثالث شوال قُرر جقمق في نيابة الشام عوضا عن تنبك ميق، وقُرر تنبك في تقدمة ألفٍ على إقطاع جقمق، واستقر مقبل الدويدار الثاني في وظيفة جقمق. وفى شعبان اجتمع العوام بالإسكندرية فهجموا أماكن الفرنج وكسروا لهم ثلاثمائة بنية خمر ثمنها عندهم أربعة آلاف دينار، ثم أراقوا ما وجدوه من الخمور، ولم يُعلم لذلك أصل ولا سبب. وفيها اجتمع ملوك الفرنج على حرب ابن عثمان صاحب برصة فاستعد لهم. * * * وفى يوم الخميس ثامن ربيع الآخر فشا الطاعون وكثر موت الفجأة حتى ذعر الناس،

стр. 1297

فأمرَ السلطانُ المحتسبَ أن ينادِىَ بصيام ثلاثةِ أيامٍ أولها الأحد حادى عشره، فصاموا وخرجوا يوم الخميس نصف ربيع الآخر فى الصحراء، فخرج العلماءُ والفقهاءُ والمشايخ والقضاة والعامة، وتوجه الوزير وأُستادار الصحبة إلى تربة الملك الظاهر فنصبوا المطابخ السلطانية وباتوا في تهيئة الأطعمة والخبز، ثم ركب السلطان بعد صلاة الصبح ونزل من قلعة الجبل لابسًا ثيابَ صوف وعلى كتفيه مئزَرُ صوفٍ مسدل، وعليه عمامة صغيرة جدا لها عذبة مرخاة على يساره، وهو يتخشع منكسر النفس، وفرسه بقماشٍ ساذج، فوجد الناسَ قد اجتمعوا، وحضر الجميع مشاة فوقف السلطان بينهم وعجوا بذكر الله، فنزل السلطان عن فرسه وقام على قدميه والقضاة والخليفة والمشايخ حوله وخلفهم من الطوائف ممن يتعسر إحصاؤه، فبسط السلطان يديه وبكى ودعا وانتحب والناس يرون، وبقى على ذلك زمانا طويلا، ثم توجه إلى جهة التربة فنزل وأكل وذبح بيده مائة وخمسين كبشا سمينا، وعشر بقرات وجاموستين وجملين، وهو يبكي ودموعه تنحدر بحضرة الناس على لحيته، وترك الذبائح مضطجعةً كما هي وركب إلى القلعة، فتولى الوزير وأُستادار الصحبة تفرقتها على الجوامع والخوانك والزوايا، وقُطع منها شئ كثير ففُرِّق على من حضر من الفقراء، وفرق من الخبز نحوا من ثلاثين ألف رغيف، وبعث إلى السجون عدة أرغفة وقدور أطعمة، واستمر الناس في الخشوع والخضوع إلى أن اشتد حرّ النهار فانصرفوا، فكان يوما مشهودًا لم يتقدم له نظير إلا ماجرت العادة به في الاستسقاء، وهذا زعموا أنه لاستكشاف البلاء، فيسر الله عقب ذلك رفع الوباء، فبلغ عدة من يرد الديوان من الأطفال خاصة -من صفر إلى سلخ ربيع الآخر- نحو أربعة آلاف طفل ومن جميع الناس سواهم قدر أربعة آلاف أُخر، وأكثر ما انتهى إلى ثمانمائة في الديوان، ويقال جاوز الأَلف والمائتين. * * * وفي ربيع الآخر اتفقت مصر كائنة عجيبة وهي أن شخصا كان له أربعة أولادٍ ذكور، فلما وقع الموت في الأطفال سألته أُمه أن يختنهم ليفرح بهم قبل أن يموتوا، فجمع الناس لذلك على العادة وأحضر المزين، فشرع فى ختن واحد بعد الآخر، وكل من يختن يسقى

стр. 1298

شرابا مذابا بالماء على العادة، فمات الأَربعة في الحال عقب ختنهم، فاستراب أبوهم بالمزيّن وظن أَن مبضعه مسموم، فجرح المزين نفسه ليبرِّئ ساحته وانقلب فرحهم عزاءً، ثم ظهر في الزير الذي كان يذاب فيه الشراب حية عظيمة باتت (١) فيه وتمرغت، فكانت سبب هلاك الأطفال، ولله الأجر. * * * وفي التاسع عشر من رجب وَشى الشيخ شرف الدين بن التّباني بناظر الكسوة زين الدين عبد الباسط بأَنه خالف شرط الواقف في عمل الكسوة، فعُقد له بسبب ذلك مجلس وأُحضرت الكسوة فسأل السلطانُ القضاة: "هل يجوز أن يُعمل فى الكسوة هذا الذهب والزخرفة، مع أن شرط الواقف أن يفرق ما فاض من المال بعد عمل الكسوة على العادة في وجوه البر؟ " فتعصب الشافعى لعبد الباسط وقال: "هذا من وجوه البر"، فنازعه الحنبلي في ذلك فلم يصغوا له، واستمر الحال. وفى شعبان تزايد ألم السلطان ثم عوفى وركب إلى بركة الحجّاج وأجرى الخيل هناك وسابق بينها بحضرته، ثم ركب إلى بركة الحبش وسابق بين الهجن. * * * وفيه سرق الفرنج رأْس مرقص أَحد من كتب الأَناجيل الأَربعة من الإسكندرية وكانت موضوعة في مكان، ومن شأْن اليعاقبة من النصارى أن لا يولوا بطرقا حتى يمضى إلى الإسكندرية وتوضع هذه الرأْس في حجره ثم ترجع، ولا تتم هذه البطركية إلا بذاك، فتحيّل بعض الفرنج حتى سرَقها من الإسكندرية، فاستعظم النصارى اليعاقبة ذلك ووقفوا للسلطان بسبب ذلك. وحج بالناس في هذه السنة التاج الوالى. * * * وفي رمضان ثارت بالملك الناصر أحمد صاحب اليمن سوداء، فاختل عقله واعتُقِل، وأقيم في الملك عوضا عنه أخوه حسين بن الأشرف، وأعانه على ذلك الأَمير محمد بن دياب الكاملي، وكان الغلاء: يومئذ ببلاد اليمن شديدًا ووقع عليهم جراد أهلك زرعهم. * * *

стр. 1299

وفي رمضان غلت الأَسعار وبلغ الإردب من القمح ثلاثمائة درهم وأَزيد، وسبب ذلك كثرة الحرامية بالنيل فقَلّ الجلب من الوجه القبلى، وحُمل من الوجه البحرى إلى الصعيد من الغلال ما لا مَزِيد عليه لشدة الغلاء الذى هناك حتى أكلت القطط والكلاب، وكان سبب ذلك الغلاء بمصر أن النيل نزل بسرعة فزرعوا في الحرّ على العادة في السنين الماضية، فأفسدت الدودة البرسيم، وتأَخر المطر في الخريف والشتاء في الوجه البحرى فلم تنجب الزروع وخرج السلطان إلى سرحة البحيرة فأَتلف شيئا كثيرا (١). وفي رابع عشر شوال عُقد مجلس بسبب قَرْقُمَاس أحد المقدمين من الأُمراء، فادّعى عليه مملوك أَنه قطع أَنفه وأُذنه فأَنكر فأَحضر البينة، فدفعهم السلطان للقاضي المالكي. وفى سابع عشر شوال رحل جقمق إلى دمشق لولاية إمرتها، وقُرّر قطلوبغا التَّنَمي في إمرة صفد عوضا عن مراد خَجا، ورُسم بنفى مراد خَجَا إلى القدس. وفى يوم الجمعة حادى عشرى شوال قُرر الشيخ شمس الدين بن الديري في مشيخة المؤيّدية وتدريس الحنفية بها، ونزل السلطان إلى الجامع وخلع عليه وباشر فَرْش سجادته إبراهيمُ بن السلطان، وتكلم عن قوله تعالى ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية، وخلع على كاتب السر ابن البارزى واستقر خطيبا وخازن، الكتب ومُدّ السماط الكبير فأكل الخواص ثم تناهبه العوام. وعرض السلطان الطلبة فقرر من شاء وصرف من لم يصلح في نظره، وخطب البارزي خطبةً بليغة أجاد فيها أداءً وإنشاءً، واستقر في تدريس التفسير بالمؤيدية بدرُ الدين بن الأُقصرائي، وفي تدريس الحديث بدرُ الدين العينتابي، وخُلع على ولد كاتب السر القاضي كمال الدين خلعة السفر إلى الحجاز وكذلك على شهاب الدين الأذرعى إمام السلطان، ثم ركب السلطان من يومه إلى الجيزة فأقام ثلاثة أيام.

стр. 1300

وفى سادس ذي القعدة قُرر الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن على بن عبد الرحمن التَّفَهْني في قضاء الحنفية عوضا عن شمس الدين بن الديري. وتوجه السلطان من يومه إلى سرحة البحيرة واستناب في غيبته إينال الأَزعرى، وقرر مهنا بن عيسي في إمرة الجرم عوضا عن على بن أبى بكر بعد قتله ولبس خلعة من مخيم، وكان قَتْلُ عليّ في حرب بينه وبين محمد بن عبد القادر النابلسى شيخ العشير بها في شوال. وفيها (١) قُتل محمد بن بشارة بالقاهرة في آخر شوال وصَدَقَةُ بن رمضان أحد الأمراء التركمان في سيس. وفى ذى الحجة ألزم المحتسب النساء أن لا يعبرن جامع الحاكم، وألزم الناسَ كافةً أن لا يمر أحد منهم به إلا وهو مخلوع النعل، وشدَّد على القَوَمَة في ذلك، واستمر ذلك وطهر المسجد من قبائح كانت تقع بين النساء والرجال والشباب والصبيان. وفى خامس ذى الحجة وردت هدية على باك بن قرمان نائب السلطنة بنكدة ولا رندة ولؤلؤة (٢). وفي ذي القعدة قَبض جقمقُ نائبُ الشام على نكْباى الحاجب واعتقله بأَمر السلطنة. وصلى السلطانُ عيد الأضحى بالطَّرَّانة (٣)، وخَطب به وصلى العيد ناصر الدين بن البارزي
следующие страницы →