← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

عشري ربيع الأَول خليل بن بلال الكرى نائب مدينة إياس ومعه مفاتيح قلعتها، فقَرّر في نيابتها صاروجا مهمندار حلب. وقدم عليه في ثالث عشريه جمعٌ كثيرٌ من التركمان والعربان، ثم جَهّز نائبَ الشام ونائبَ حماة وعسكرهما ومَن انضمّ إليهما منْ تركمانٍ وعربٍ إلى جهة ملطية، وقَرّر داود بن زيد وجماعةً بالعَمق، وقَرّر فى نيابة حلب يشبك اليوسفى، وفى نيابة القلعة شاهين وأرغون وأمَره بتقوية البرجين اللذين جدّدهما جكم فأكمل عمارتهما وشيّدهما وحصّنهما وصارا كقلعتين استخرجتا من القلعة، وعظم شأْن القلعة بهما. وأمر المؤيّد بعد ذلك بتكميل سور حلب فشرع فيه، وطلب العمّال من البلاد حتى جدّوا فيه، وبعث أهلَ حلب في عمله. * * * ثم سار الجاليش السلطاني ومقدّمهم ألطنبغا القرمشي في عدّةٍ من الأُمراء. وتوجّه السلطان في ثاني ربيع الآخر إلى جهة العمق فقدم عليه رسل محمد بن قرمان وفيهم القاضي مصلح الدين قاضي عسكره وصحبته هديةٌ وكتابُ اعتذارٍ عن تقصيره وطبق فضة مسكوكة باسم المؤيد، فعنَّف السلطانُ الرسولَ وعدَّد له خطأ مرسله في امتناعه من تجهيز مفاتيح طرسوس وفى عدم قبْضه على كزل وغيره من المتسحّبين، فاعتذر مصلح الدين فصفح عنه وأَمره بالجلوس وفرّق الدراهم على الحاضرين. وقدم في ذلك اليوم رسول اللهبن عثمان، ثم قدم إبراهيم بن رمضان وابن عمّه وأكثر التركمان الأوجقية، وقدمت معهم أُمّ إبراهيم وأولاده الصغار فأَكرمهم السلطان وخلع عليهم وأنفق فيهم. وأرسل مصلحَ الدين لإحضار مفاتيح طرسوس بشَرْط إنْ مضى جمادى الأول ولم يُحضرها مشى السلطان على بلاد ابن قرمان؛ وتوجّه قجقارُ نائبُ حلب إلى جهة طرسوس، فقدم بين يديه شاهين الأَيدكاري فدخل طرسوس وتحصّن نائبها مقبل بالقلعة، فنزل

стр. 1227

قجقار وحاصر القلعة إلى أن أَخذها بالأَمان في أَواخر ربيع الآخر، وأخذ مقبل فسُجن (١) ومَن معه، وسار السلطانُ على جهة مرعش على الأَبلستين. وحضر إلى قجقار -لمّا نزل بغراص (٢) - خليفةُ الأَرمن بمفاتيح قلعتي سيس وبادرايا (٣) فجهَّزهم إلى السلطان، فخلع على القصاد وقَرّر في نيابة قلعة سيس الشيخ أحمد أحد العشراوات بحلب. ووصل نائب الشام إلى ملطية في خامس ربيع الآخر فوجد حسين بن كبك قد أحرقها فلم يبق منها إلَّا اليسير ولم يتأخَّر مِن أهلها إلَّا الضَّعيف العاجز، ونزح فلَّاحوها فتوجّه في آثارهم وأعْلَمَ السلطان، فأَرسل السلطان ولده إبراهيم ومعه جقمق الدويدار وجماعة من الأُمراء، فساروا مجدّين ودخلوا الأَبلستين للقبض على ابن ذلغادر ففرّ منهم وأخْلى البلاد، فتوجهوا منها وأوقعوا بمن في كلديا (٤) من التركمان وبمن في خان السلطان وممن فى ساروس (٥) ولحقوا محمد بن ذلغادر في سادس عشره وهو سائر بحريمه وأثقاله فاحتووا على جميع ماله، وخلص في جريدةٍ من الخيل، فقُبض على جماعة من أصحابه، ومِن جملة ما نهب له مائة بختى: كلُّ واحدٍ قدْر الفيل

стр. 1228

ورجع نائب الشام وقد قرّر أمر ملطية، وفرّ حسين بن كبك إلى بلاد الروم، وتوجه نائب حماة إلى جهة كختا (١) وكركر فنازل القلعتين بعسكر آخر. وقدم كتاب محمد بن ذلغادر يسأَل العفو على أن يسلّم قلعة درندة فأُجيب إلى ذلك، فقدم ولده ومعه هدية ومفاتيح القلعة في أواخر الشهر، وقدم قاصد على بن ذلغادر ومعه هدية وكتاب، فأَضاف له السلطان نيابة الأَبلستين مع نيابة مرعش. وتوجه السلطان في ثامن عشرى الشهر إلى درندة وبات عليها، واستدعى بآلات الحصار فوصَلَت إليه مفاتيح قلعة سوروس (٢)، وأوقع الأمير أسنبك بن إينال بمحمد بن ذلغادر فقطعت يد ولده الكبير في الواقعة، ثم ركب السّلطان بنفسه على دَرَنْدَة وطَلَبُوا الأَمان فأَمّنهم فأُنزِلوا يوم الجمعة سلخ الشهر وفيهم داود بن محمد بن قرمان فأَلْبَسه السلطانُ خلعةٌ واستولى على القلْعة، وقرّر في نيابة ملطية ودورْكي: منكلى بغا الأرغون شاوى. * * * وفي سادس جمادى الأُولى وجَّه محمد بن شهرى عسكرا فقاتلوا مَن بقلعة خرت برت فأَخذوها، فجهز من أهلها أحدَ عشر رجلًا فأَمر السلطان بصلْبهم على قلعة درنْدة، ثم رجع السلطان إلى الأَبلستين يريد بهسنا وكختا وكركر، وأرسل من هنا رسول قرايوسف واسمه دَكز إليه بجوابِ كتابِه وصحْبَتُه هديّة مع رسول من جهة السلطان، ثم وصل رسول من قرا يوسف صحبة القاضي حميد الدين قاضي عسكره؛ ووصل كتابُ محمد شاه بن قرا يوسف وكتاب بير عمر حاكم أرزنجان (٣).

стр. 1229

وتوجّه السلطان إلى بهسْنا بعد أنْ وجّه إليها نائب الشام، فتسلَّم نائب الشام القلعة من طغرق بن داود بن إبراهيم بن ذلغادر وأخذه صحبته ورجع إلى لقاء السلطان فالتقيا به في حصن منصور، فرَضِىَ علَى طغرق، ونزل قجقار نائبُ حلب على كختا وكركر، ثم أردفه السلطان بنائب حماة ونائب طرابلس، ونزل السلطان بحصن منصور في أواخر جمادى الآخرة فقدم عليه رسول قرايلك بهديته. وقدم عليه رسول الله الملك العادل سليمان الأيوبى صاحب حصن كيفا بهديّة، وقرر في نيابة قلعة الروم منكلي بغا عوضا عن أبي بكر بن بهادر البابرى، وقرّر فى نيابة بهسنا كمشبغا الركنى. ونازل كختا ونصب للرمى على قلعتها، فبيْنا هو في ذلك إذْ ورد الخبر بأَن قرا يوسف قصد قرايلك، فالتجأَ قرايلك إلى السلطان وكاتبه واحتمى به، واشتدّ الحصارُ على قلعة كختا ولم يَبْق إلَّا أخْذُها فطلب صاحبها الأَمان، فآل الأَمر إلى أنَّه يبعث ولده رهْنًا وينزل عن القلعة بعْد رحيل السلطان، فتوجّه السلطان إلى جهة كركر وسارت الأثقال إلى عينتاب، فنازل السلطان قلعة كركر في أواخر جمادى الآخرة. ونزل قرقماس من قلعة كختا فتسلَّمها نوابُ السلطان، وَطَرَق جماعةٌ مِن عسكر قرا يوسف قلعة بيشار فنهبوا بيوتَ الأَكْراد، وعدّى منهم جماعةٌ الفراتَ فركب عليهم منكلى بغا نائب ملطية فساروا إلى خرت برت. * * * وفي رابع رجب عاود السلطانَ ألم رِجله بالمفاصل فركب المحفَّة عجْزا عن ركوب الفرس، فنزل الفرات فى مركبٍ وصُحْبَتُه خاصَّتُه إلى أن وصل قلعة الروم وقرر (١) بها أميرها. * * * وفى سابع رجب قدم كتابُ آقباى نائبِ الشام أن قَجقار -نائبَ حلب- رحل عن حصار

стр. 1230

كركر بغير عِلْمه، فوَصَل كتاب قجقار يعتذر عن ذلك بأنَّه بلغه أنَّ قرا يوسف واقَع قرايلك فهزمه وأنَّ مَن معه خافوا مِن قرايوسف، فلمّا حَلَّ ذلك رَحل، فأُجيب نائبٌ الشام أن يستمر على الحصار ووقع الغضب على قجقار، ثم طَلب خليلُ -نائبُ كركر- الصُّلحَ من نائب الشام فراسل السلطانَ في ذلك. ودخل السلطانُ حلب في ثالث عشر رجب فوَجد أهلها في وجلٍ شديد من قُرْب قرايوسف فاطمأَنُّوا لحضور السلطان، وأَمر السلطان بتكملة القصْر الذي كان حكم شرع في عمارته فعُمر في أسرع وقتٍ وقعد السلطان فيه من آخر الشهر، وأمر بصلب مقبل القرماني ورفاقِه. ووصل النّوابُ في سابع عشر رجب فأَغلظ السلطانُ لقجقار ووبّخه على سرْعةِ رحيله فأجاب بغلظة، فأَمر بالقبض عليه فسُجنَ بقلعة حلب ثم أُفرِج عنه من يوْمهِ وأَرسله إلى دمشق بطالًا، وقرّر يشبك نائب طرابلس في نيابة حلب، وقَرَّر بردبك في نيابة طرابلس، وقَرَّر ططر رأْسَ نوبةٍ موضعَ بردبك، ونَقل جارقطلو إلى نيابة صفد، وقرّر في نيابة حماة نكباى، ونَقل خليل الجشارى نائبَ صفد حاجبًا بطرابلس فاستعْفَى فأُعْفِى، وقرّر عوضه سودون (١) قراصَقل؛ وتوجّه النواب إلى بلادهم. وحضر إلى السلطان حميدُ الدين رسول قرا يوسف ورسولُ صاحب حصن كيفا يسأَل أن يُنْعم عليه بانتسابه إلى السلطان واستمراره نائبًا من نوّابه، فخُلع على قاصده وخُلع على قاصد قرا يوسف وأُعيد إلى مُرْسله. وفى شعبان أصلح السلطان بين حديثة -أمير آل فضل- وبيْن غنام بن زامل وحلَّفهما على الطاعة، وخلع على محمد بن ذلغادر بنيابة الأَبلستين. ووصل قاصد كردى باك ومعه سودون اليوسفى -أَحدُ من هرب في وقعة قانباي- فسُمِّر تحت قلعة حلب ثم وُسِّط.

стр. 1231

وفي شعبان قَبض ابن عثمان على محمد بن قرمان وعلى ولده مصطفى بعد أن حاصره بقونية واستولى عليها وعلى غالب بلاد ابن قرمان وقيسارية وغيرها. وفى أواخر شعبان سُجن طرغلى وابنُ عمه طغرل -إبْنا سقلسيز- وسُجنا بقلعة حلب، وقُرِّر محمد بك التركماني في نيابة شيزر عوضًا عن طور غلى، وقُرّر مبارك شاه في نيابة الرحْبة عوضًا عن عمر بن شِهري. ووصل في سابع عشر شعبان كتاب قرايلك -واسمه طرغلى التركماني- بأَنه اصطلح مع قرايوسف، وتسلَّم قرايوسف منه مدينةَ صور وعوّضه عنها بأَلف أَلف درهم فرس ومائة رس ومائة جمل، ورحَل عنه إلى تبريز في رابع شعبان فقرى كتابهُ على العسكر فاطمأَنَّت نفوس أهل حلب بعْد أن كانوا قد تهيأوا للرحيل إلى القاهرة فرارًا من قرا يوسف. ثم وصلَتْ الكتب من نائب أَلبيرة ونائب قلعة الروم ثم نائب كختا ونائب ملطية بنظير كتاب قرايلك، فرحل السلطان من حلب في ثامن عشر شعبان ودخل دمشق في ثالث رمضان، وقَبض على أقباى نائبِ الشام وسجنه بقلعة دمشق، وكان المؤيّد قد اشتراه صغيرًا وربّاه فرقَّاه في خدْمته إلى أن صار دويدارًا كبيرًا، ثم ولَّاه نيابة حلب ثم دمشق، وكان يتديّن ويحبّ العدل وتسمو نفسُه وتعلو همّته إلى معالى الأُمور. وكان السلطانُ غضِب منه لكونه آوى جماعةً مِن العُصاة الذين خرجوا مع قنباى، فهَمَّ به فبلغه ذلك فقدِم مسرعًا، فأَغْضى عنه السلطان وردّه إلى نيابة الشام، فنَقل عنه بعضُ أعدائه أنه يهمُّ بالخروج على السلطان، فاستدعاه السلطانُ يومَ الموْكب ووبّخه وعدّد له ذنوبَه وأمر بالقبْض عليه، وقَرَّر تنبك ميق في نيابة الشام بعد امتناع، ورَضِي عن قجقار القردي وقرّره أميرًا بتقدمةِ ألفٍ بمصر، وأَفرج عن ألطنبغا العثماني ونقله إلى القدْس بطالا، وقرّر فى نيابة حلب يشبك اليوسفى، وفى نيابة القلعة شاهين الدويدار الأرغون شاوى فأحسَنَ السيرة وشَرَع في تحصين البرجين بَسَفْح القلعة، أحدهما -

стр. 1232

وهو القبلى- على سوق الخيل، والآخر -وهو الشمالي- على باب الأَربعين، وبذَل الجهدَ في ذلك؛ وأمر المؤيّد بعمارة السوق القديم الذى استُهْدم من زمن هولاكو وهو محيط بمدينة حلب. وبرز السلطان من دمشق في رابع عشريه وقدم بيت المقدس في خامس عشريه، وفرّق في الفقراء مالًا وجلس بالمسجد الأَقصى بعد الصلاة، وقُرى البخاري بحضْرَته من ربعة وخاتمة، ومَدح الوُعّاظ وكان وقتا حسنًا. ثم توجّه إلى الخليل فزار وتصدّق أيضًا. ووصل إلى غزَّة في ثامن عشريه وصلَّى العيد على المصطبة المستجدّة ظاهر غزة، ورحلوا من آخر يوم العيد فقدم خانقاه سرياقوس تاسع الشهر فأَقام بها إلى رابع عشر شوّال، وبات ليلة النّصف بخليج الزعفران فأَصبح باكره فخلع على الأُمراء وأصحاب الوظائف، وكانت خلع القضاة بسمّور إلَّا المالكي فإنها كانت بسنجاب لكوْنه لم يسافر معهم، ودخل القاهرة في نصف الشَّهر وابنُه إبراهيم يحمل القبة على رأْسه، فشقّ القاهرة وقد زُيِّنَتْ له، ودَخل جامعه الجديد، ومدَّ له الأُستادار سماطًا حافلا فأَكل منه، ثم مدَّ له سماطًا آخر حلوى، فتُنُوهِبَتْ، ثم ركب إلى القلعة، وفَرَشَ الأُستادار لخيله شُقَقا حريرا من أوائل الحسيْنية إلى القلعة. * * * وفى تاسع عشريه استقرّ طوغان أميرَ آخور عوضًا عن تنبك ميق نائب الشام، وقُرِّر ألطنبغا المرقبي -وكان نائب قلعةٍ- في الحجوبية الكُبرى، وقُرّر قجقار القردمي أميرَ سلاح على عادته قبل نيابة حلب، وخُلع على الأُستادار بالاستمرار وأُضيفت إليه أُستاداريّة إبراهيم بن السلطان؛ ورخصت الجمال عند خروج الحجّاج جدًّا لكثرة ما ورد العسكر، ثم ركب السلطانُ فى ثانى عشرى شوّال إلى الصّيد ورجع فنزل بيْت الأُستادار فخدمه (١) بعشرة آلاف دينار، وركب من منزله حتى شاهد الميضأَة التي أنشأَها الأُستادار بجوار الجامع المؤيّدى، وكان فرغ الأُستادار منها في مدة يسيرة.

стр. 1233

وفي خامس عشرى شوال استعفى فخر الدين الأُستادار من الوزارة، فقرّر فيها أرغون شاه -وكان أُستادار نوروز بالشام- في السادس والعشرين من شوال، فباشر الوزارة بحرمة وصوْلة، وقَدّم الأُستادار للسلطان -عند قدومه من السفر- أربعمائة ألف دينار عينا وثمانية عشر ألف إردب غَلَّةٍ تحصّلها من ديوان الوزارة بعد التكفية في هذه المدّة اللطيفة، وثمانين ألف دينار جباها من النواحي، وثلاثين أَلف دينار مِن ماله هو، وكان حمَلَ إلى الشام قبْل ذلك مائة ألف دينار؛ فاستعظم السلطانُ ذلك وتقرّر عنده أنه لا نظير له في المباشرة ولم يَسمع فيه بعد ذلك لوم لائم، فعوجل فخرُ الدين عن قُرْبٍ ولم ينفعْه ما ظلم الناسَ به. وفي يوم الثلاثاء من شوّال أُدِيرَ المحمل وقُرِّر أميرَ الحج يشبك الدويدار الثاني، ولم تكن العادةُ بإدارته إلَّا يوم الاثنين أو الخميس، واتَّفق أنَّ أمير الركب هذا لمّا بلغه ما وَقع لأخيه أقباى نائب الشام خشى على نفْسه فهرب من المدينة بعد الرجوع فقام بأَمْر الحاج أسنبغا الفقيه إلى أن وصلوا القاهرة. وأخبر الحاجُّ أن السنة كانت عليهم شديدة الرخص حتى بيع الحِملُ الدقيق بستة دنانير، ويقال إنه استقام على الذي جلَبه بإثنى عشر. وفي الرابع والعشرين من شوّال خرج أقباى ومَن بالقلعة من المسجونين، فخرج نائب القلعة في إثره إلى باب الحديد، وركب نائبُ الشام فأَغلق أَقباى باب القلعة واعتصم بها وحاصره تَنْبك ميق وراسلَ السلطانَ بذلك، واستمر ذلك يومين فوُشي إلى النَّائب أن أقباى قد خرج في النهر ومشى فيه إلى طاحون باب الفرج فقبض عليه هناك وعلَى بعض أصحابه، فعوقِبَ عقوبةً شديدة على صنيعه ثم قُتِل بأَمر السلطان، وقدم برأْسه في الثاني من ذى الحجة؛ وقُرِّر فى نيابة القلعة شاهين الحاجب الثاني، وقُرِّر في الحجوبية -عوضه- كمشبغا طولو، وقُرِّر فى تقدمة التركمان عوضه شعبان بن اليغمورى أُستادارًا لديوان المفرد بدمشق. * * * وفى هذا الشهر انحلّ سعر عامّة المبيعات من الغلال وغيرها، وكان في الظَّنّ أن يغلو

стр. 1234

ذلك بقدوم العسكر فجاء الأمرُ بخلاف ذلك، فلمّا كان ذو الحجة قلَّت الغلال وزاد سعرُ القمح وغيره مائةَ درهمٍ الإردبُّ وأَزيد، وكان السبب في ذلك كلِّه قلة المطر في الشتاء، فخفَّت (١) الزروع وهافَتْ، فمَنع مَن عنده قمح وغيره من البيع، فلطف الله تعالى بنزول الغيث في رابع عشر ذي الحجة (٢) وهو الموافق لأَمشير، فجادت الزروع ونَمَتْ وزكَتْ وتراخى السّعر ولله الحمد. * * * وفيه عصى محمد شاه بن قرا يوسف على أبيه ببغداد وامتنع من الوصول إليه، فأراد أبوه أن يحاصره فأُشير عليه بعدَم التعرّض له فتركه، وشرع محمد المذكور في جمْع المال فحصّل منه شيئًا كثيرًا. * * * وفيها قُتل الشيخ نسيم الدين التبريزى نزيل حلب وهو شيخ الحروفية، وقد تقدّم ذكر شيْخه فضل الله (٣) في حوادث سنة أرْبع وثمانمائة؛ وأَمّا هذا فإنّه سكن حلب وكثُر

стр. 1235

أَتباعه وشاعَتْ بدْعَتُه، فآل أمْره إلى أن أَمَر السلطان بقتله فضُرِبت عنُقه وسُلِخ جِلْدهُ وصُلِب؛ وقد وَقَع لبعض أتباعه كائنةٌ في سلطنة الأشرف وأَحْرقْتُ كتابا معه فيه هذا الاعتقاد، وأردْتُ تأْديبه فحلف أنَّه لا يعرف ما فيه وأَنَّه وجدَهُ مع شخصٍ فظنّ أنَّ فيه شيئًا من الرقائق، فأُطْلِق بعد أنْ تبرّأ مما في الكتاب المذكور، وتشهَّد والتزم أحكام الإِسلام. وكان سببُ وقوع ذلك أن شخصًا شريفًا قدم من الشام وذكر أنَّه لم يزلْ يسعى في الإِنكار على هؤلاء إلى أنْ عثر على هذا، وكُتِب له مرسومٌ بالقيام عليهم في بلاد الشام، ثم قدم عليْنا شخص من أهل أَنطاكية فذكر لنا عنهم أُمورًا كثيرة، وكُتب مراسيم بالقيام عليهم في سنة ٨٤١ (١). * * * ومن الحوادث غير ما يتعلَّق بسفر السلطان: في المحرَّم وضَعَتْ جاموسة ببلقيس مولودًا برأْسين وعينين وأربعة أيدى وسلسلتي ظهْر ودُبُرٍ واحدٍ ورِجْلَيْن اثنين لاغير وفرجٍ واحد أُنثى، والذَّنَبُ مفروق باثنتَيْن (٢)، فكانت من بديع صُنْع الله. وفي العشرين من المحرّم عرض القاضى زين الدين عبد الباسط الكسوة التي استعملها

стр. 1236

فكانت في غاية الحُسْن، وكان الموْت فى جمال الحاجّ كثيرًا، فتضرّرت طوائف من الحاج وغلا السّعر معهم. وفي أواخر المحرّم صُرِف منكلى بغا عن الحسبة وأُعيد محمد بن يعقوب. وفي صفر توجّه فخرُ الدين الأُستادار إلى الوجْه البحرى فأسْعرهُ نارًا من كثرة المصادرات، حتى فَرَض على كلّ قريةٍ وبلدٍ وكَفْرٍ ذهبًا معيّنا فحصله في أَسرع مدّة، وَمَنَع مَن بيده رزقه مِن قَبْض خراجها وكان ذلك شيئًا عظيما، إلّا أنّه رجع عن ذلك واستقوى على المستضعفين وتتبّع مَن يُعرَف بالمال بالوجْه البحرى فبالغ في استخلاص الذهب منهم بالمصادرة والرّماية وغير ذلك. وفي ربيع الأَول ابتدأ فخرُ الدين الأُستادار بهدْم الأماكن التي بظاهر المقْس إلى قنطرة الموسكى إلى ما يقابل دارَه الجديدة التي كانت تُعرف بدار بهادر الأَعْسر وكانَتْ تعرف قديمًا بدار الذهب وهى مطلَّة على الخليج الحاكمي، فشرعوا في الهدم ونقْل التراب، فدخل في ذلك من الدور والمساجد والحوانيت ما يكون قدْر مدينة كبيرة، وأراد أن يعمل ذلك بستانًا كبيرًا فشرع فيه وأَجْرى إليه الماء بعد وفاءٍ النِّيل من الخليج النَّاصري، ومات قبل أن يتم ما أَراد من ذلك، فصارت تلك النَّواحي كيمانًا مهولةً بالأتربة. وفى حادى عشر ربيع الأول قدم فخرُ الدين من الوجْه البحرى. وفيه تهدّمت الدور التي أُحْدِثت فوق البرج الذي يجاور باب الفتوح واتُّخِذَ هناك مكان، وأمر السلطانُ بحبْس أُولى الجرائم فيه عوضًا عن خزانة شمائل. وفيه كثُر الإرجاف بمجئ الفرنج فشرع أَهل الإسكندرية في حفْر الخندق واستعدّوا لذلك. * * * وفيه شرع فخرُ الدين فى التجهيز إلى جهة الصعيد ليفعل فيها ما فعل في الوجه

стр. 1237

البحرى، فاستعدّ لذلك، وجمع فرسانَ العُربان من كل جهة وأوْسع لهم في إخْراج العُدَد التامة من أنواع السّلاح ووسّع لهم فى العطايا. وخرج في سادس عشره في جمع كثير فأَوْقع بطوائِفَ منهم يقال لهم عرب الهانة بناحية القلندون (١) والأَشمونين فانهزموا، واستمرّ متوجّها وحُصِّل له من البقر والجاموس والغنم والجمال ما لا يدخل تحت الحصْر فإنَّ بعضه هلك وبعضه وصل وشرعوا في رمْيِه على الناس، وقرّر على البلاد الصعيدية نحو ما قُرِّر على البلاد البحريَّة. * * * وفيها مات فرح بن الناصر فرج بن برقوق بالإسكندرية مطعونًا، فشاع في القاهرة أنه هو وأخاه والخليفة ماتوا جميعًا، فلهج النَّاس بأنهم ماتوا بالسمّ، ثم تبيّن فساد ذلك وأنه لم يمُتْ إلَّا هذا وحْده بالطاعون، وانْكَسَرَتْ بموْته حدّة كثيرٍ من المماليك السلطانية الناصريّه، وكان فى كل وقْت يُشاع أنهم يريدون الثورة ليسلطنوه. وفشا الطاعون بالإسكندرية ودمياط، ووقع منه بالقاهرة شيء يسيرٌ بَلغ في اليوْم أربعين نفسًا. * * * ومن الحوادث أَن السلطانَ نَزل وحْده في سادس ذى الحجة بغير أميرٍ من الأُمراء إلى الجامع بباب زويلة، فنظره وطلع إلى أَعاليه وشاهَد المواضعَ التي تأخَّرت من الأَبنية، ولم يكن صحبَتَه سوء الأُستادار وكاتب السّرّ ونحو عشرة من المماليك، فلمّا نزل من الجامع دخل بيت كاتب السرّ ثم خرج منه فدَخَل بيت زين الدين عبد الباسطِ ناظرِ الخزانةِ الشريفة. وفى سابع عشر ربيع الآخر سقط من العمارة المؤيّدية عشرة أِنفس فمات أربعة وكُسر ستة.

стр. 1238

وفى أواخر ربيع الآخر توجّه مفلح -رسولُ صاحب اليمن - وصحْبَتُه بكتمر السّعدي -مملوك ابن غراب- رسولًا عن السلطان. * * * وفى يوم الجمعة ثاني جمادى الأُولى أُقيمت الخطبة بالجامع المؤيّدى ولم يكمل منه الإيوان القبلى، وخطب به عزّ الدين عبد السلام (١) بن أَحمد المقدسي الشافعي نيابةً عن القاضي ناصر الدين البارزى، وتوجّه الصاحب بدْر الدين بن نصر الله -ناظرُ الخاصّ- إلى الشام في عاشر الشهر ومعه محضر بما اتّفق في المؤيدية، وكان ولدُه صلاح الدين حينئد شادًّا بها، ثم قدم فخر الدين الأُستادار من الصعيد ومعه ستة آلاف بقرة وثمانية آلاف رأس غنم وأَلْفا جمل وألفا قنطار قنْد؛ ومن العبيد والإماءِ شيء كثير جدًّا خارجًا عن الذهب، وشرع في رمْي ذلك على الناس، فعمّ الضَّررُ أهلَ البوادي والحواضر، وحصّل في هذه المدة اللطيفة من المال شيئًا كثيرًا أرْصده لمجئ السلطان. وفى جمادى الأُولى توقف النيل ونقص شيئًا كثيرًا ثم عاد واستمرّت الزيادة، فانحلّ سعرُ القمح بعْد أن غلا. * * * وفي جمادى الآخرة صُرف ابن يعقوب عن الحسبة وقُرِّر عماد الدين بنُ بدْر الدين ابن الرشيد المصرى وكان ينوب فى الحسبة عن التاج وغيره، فسعى في الحسبة استقلالًا عند نائب الغيبة والتزم بتعمير البرجين اللذين أحدهما بباب السلسلة تحت القلعة، وقُدِّرت الغرامةُ عليهما خمسمائة دينار فلم يمكن مخالفة الأُستادار في ذلك. وكان ابنُ

стр. 1239

يعقوب من جهته فاستمرّ معزولًا وساءت حالُ عماد الدين بعْد ذلك وهرب كما سيأْتى، ولو سلك طريق أبيه لكان أوْلَى فإِنَّ أَباه ناب فى الحسبة أربعين سنة متوالية ولم يطلب الاستقلال قط، ومضى على سدادٍ إلى أن مات. وانتهت زيادةُ النيل في هذه السنة في سادس عشر توت إلى عشرة أصابع من عشرين ذراعًا. * * * وفى السادس من شعبان أُمْسِك نصرانِىٌّ زنى بامرأةٍ مسلمةٍ فاعترفا بالزّنا، فحكم شرفُ الدين عيسى الأقْفهسي برجمهما فرُجِما خارج باب الشعرية ظاهر القاهرة عند قنطرة الحاجب، وأُحْرِق النصرانى ودُفِنَتْ المرأة. وعاب الناس على القاضى صنيعه هذا من عدة أوْجه، منها: استبدادُه بذلك وانفراده (١) بالحكم، ودعوى المرأة بالإِكراه ولم يقبل ذلك منها إلَّا ببيّنةٍ فأحضرت واحدًا ولم يؤخّرها حتى يسمع الشهادة لكوْن النصرانيّ أسلم لمّا تحقَّق الرجم وغير ذلك، ثم جاءني المذكور (٢) وتنصّل مما نقم عليه، فالله أعلم. * * * وفى سادس شعبان رُفع إلى الأُستادار أنَّ نصرانيًّا في خِدْمَته يقال له ابن الخضرى وقع منه ما يقتضى إراقة دمه، فأحضر القاضي المالكي -وكان من جيرانه- وحضر معه خلق كثير فادّعى عليه فأنكر فتشطَّرت البيّنة فحكم القاضي بتعزيره،، فعنْدما جُرَّد ليُضْرب أسلم فتُرِك واستمر يباشر، وهو غير محبّ الدين الآتى (٣) ذكره. وقرئ البخارى بالمدرسة المؤيدية وحَضر مَن كان يحضر في القلعة. وفى هذا الشهرُ مُنع النصارى من تكبير العمائم ولِبْس الفراجي والجبب بالأكمام الواسعة كهيئة قضاةِ الإِسلام وركوب الحمر الفُره واستخدام المسلمين.

стр. 1240

وفي نصف شعبان وصل كتاب السلطان من حلب بشرح سيرته في السفرة المذكورة في بلاد الروم وما مَلَك من القلاع التي لم يملكها أحدٌ من الترك قبله وغير ذلك، فقرأْتُه في الجامع الأزهر وكان يومًا مشهودًا. وفي الثامن عشر من شعبان أسلم الأَسعد بن الخضرى النَّصراني كاتب الأُستادار وكان يميل إلى المسلمين حتى حفظ قطعةً من القرآن وشدا طرفًا من النحو، فسمّاه "فخر الدين محمدا" ولقّبه "محب الدين". وفى رمضان مات قاضي الحنابلة بدمشق شمس الدين بن عبادة (١) وقرّر بعده القاضي عزّ الدين الدين المقدسي الحنبلي. ومات ابنُ عرب في أواخر ذى القعدة واستقر عوضه (٢) في تدريس المؤيّدية الشيخ محبّ الدين أحمد بن الشيخ نصر الله البغدادي. وفى ثامن عشر رمضان توجّه بركات بن حسن بن عجلان إلى مكة، والتزم فخرُ الدين الأُستادار عنه وعن أبيه بمالٍ للسلطان. وفيه همّ فخرُ الدين بنَقْل سجن الجرائم إلى قصْر الحجازيّة واستأْجره وأمر بعمارته ثمّ شُغل عنه فلم يتم. وفي ثامن ذي القعدة سار إبراهيم بن السلطان إلى الوجْه القبلى لأخْذِ تقادم العربان ووُلاة الأعمال، فقام بخدمته ابن محب الدين الكاشف.

стр. 1241

وفى حادى عشر ذي القعدة قدم محمد وخليل ولدا الناصر فرج من الإسكندرية بعد الاعتقال بإذْن السلطان، وقدمت رمّة أخيهما فرح فدُفن عند جدّه الملك الظاهر. وفي ذي القعدة سرح السلطان إلى البحيرة فوصل إلى رأس القصر ثم رَجع فنزل القصر الذي أنشأَه كاتبُ السرّ بالشاطئ الغربي قرب منبابة. * * * وفى هذا الشهر كان لبعض أهْل الصعيد غنم تزيد على عشرين ألف رأسٍ فَرَعَتْ في بعض المراعي فماتَتْ عن آخرها، وقيل إن ذلك من المراعي وكان فيها من حشائش السمّ. * * * وفى سلخ ذي القعدة نودِىَ أن يكون كلُّ رطلٍ ونصفٍ من الفلوس بنصف درهم فضةٍ من المؤيّدية، وبلغ الذهب إلى مائتين وثمانين،، والأَفلورى إلى مائتين وستين، وأُمِر الأُستادار والوزيرُ وناظِرُ الخاصّ أن يشتروا من الفلوس ما استطاعوا، ففُرض على الأُستادار مائة ألف دينار، وعلى الآخَرَيْن مائة ألف دينار، وأُمر أن يحصلوا بثمنها فلوسًا، ونودِيَ: "من كان عنده فلوسٌ فليحملها إلى الديوان السلطانيّ، ويُنَكّل بمن امتنع عن حَمْلِها أو سافَر بها". وساق فخرُ الدين الأُستادار في الأَضاحي إلى السلطان خاصةً ألف رأْسٍ من الكباش المعلوفة ومائةً وخمسين بقرة، وقام (١) عنه في التفرقة على الأُمراء وغيرهم بعشرة آلاف رأْس. وفى سادس عشره نزل السلطان إلى الجامع المؤيّدى ثم إلى بيت كاتب السر وهو بثياب جلوسه. وفي رابع عشرى ذى الحجة أُضيفت الحسبة إلى آقبغا شيطان الوالى وصُرِف عماد الدين، وقُرّر سودون القاضى فى كشف الصعيد وصُرِف بدر الدين بن محبّ الدين وأُمر بإِحضاره.

стр. 1242

وفى تاسع عشرى ذى الحجة قدم إبراهيم بنُ السلطان المؤيّد من السفر. * * * وفي ذى الحجة كانت الفتنة بدمياط، وكان واليها ناصرُ الدين محمد السلاخوري سيّء السيرة غايةً في الظُّلم والفسق، كثير التسلُّط على نساء الناس وأولادهم، فتعرّض لناسٍ يقال لهم السنانية يتعيّشون بصيد السمك من بحيرة تنيس، ومساكنهم بجزائر يقال لها "العُرَب" -بضمّ العين وفتح الزاى بعدها باءٌ موحدة- فأَنفوا من سوءِ فعله وفُحْشِ سيرته فتجمّعوا ليوقعوا به ففرّ إلى داره فحاصروه بها فرماهم بالنّشاب، فقُتل منهم واحد وجُرح ثلاثة، فازْداد حنْقُهم وتكاثروا إلى أن هجموا عليه، فهرب في البحر في سفينةٍ إلى الجزيرة فتبعوه وتناوبوا ضرْبه وردّوه إلى البلد وحلقوا نصف لحْيته وشهروه على جمل والمغاني تزفّه، ثم قتلوه، ثم أخرجوا الوالى من الحَبْس وأرادوا إثبات محضرٍ يوجبُ قتله، فبادر سفهاؤهم فقتلوه وسحبوه وأحْرقوه بالنار ونهبوا داره وسلبو حريمه وأولاده، فقُتل من أولاده صغيرٌ في المهد، وقيل مات من الرجفة، فكانت هذه الكائنة من الفضائح. * * * وفي تاسع عشرى ذى الحجة طَرَقَ جمْعٌ من الحرامية -وفيهم فارسان- داخل القاهرة فمرّوا على باب الجامع الأزهر ووصلوا إلى رحبة (١) الأَيدمرى، فنهبوا عدة حوانيت وقتلوا رجلين ورجعوا إلى حارة الباطليّة فتوزَّعوا فيها ولم يتبعهم أحدٌ، فكانت من الفضائح أيضا (٢). * * * وفيها -في أواخرها- مالت المئذنة التي بُنِيَتْ على البُرْج الشمالي بباب زويلة للجامع المؤيّدى وكادَتْ أن تسقط، واشتدّ خوف الناس منها وتحوّلوا من حواليها، فأَمر السلطان بنقضِها فنُقِضتْ بالرفق إلى أن أمن شرها، وعامل السلطان من ولى بناءها بالحلم بعد

стр. 1243

أن كان أُرْجِفَ أنَّه يريد أن يغرّمهم جميع ما أُنْفِق فيها فهُدِمت وشَرع في بناء التي تقابلها، واتَّفق أن كان ناظرُ العمارة بهاء الدين بن البُرْجى كما تقدّم، فأنشد تقي الدين بن حجّة في ذلك: عَلَى البُرْج مِنْ بَابَيْ زُوَيْلَةَ أنْشِئَتْ … مَنَارَةُ بَيْتِ اللهِ والمَعْهَدِ المُنْجِي فأَخْنَى بهَا البُرْجُ الخَبِيثُ أَمَالَهَا … ألَا صَرِّحُوا يا قَوْمُ باللَّعْنِ للبُرْجِي وقال شعبان بن محمد بن داود الآثارى فى ذلك وكان قدم القاهرة في هذه السنة: عَتبْنَا عَلَى مَيْلِ المَنارِ زُوَيْلَةٍ … وقُلْنَا: تَرَكْتِ النَّاسَ بِالمَيْل في هَرْج فقالَتْ: قَرِينِي بُرْجُ نَحْسٍ أَمَالَنِي … فَلا بارك الرَّحْمنُ في ذلك البُرْجي وكنتُ قلتُ قبل ذلك وأنشدتهما في مجلس المؤيد: لجَامِع موْلانَا المؤَيَّد روْنَقٌ … مَنَارَتُه بالحُسْنِ تَزْهُو وبالزَّيْنِ تقولُ وقد مَالَتْ عَنْ (١) القَصْدِ: أَمْهلوا … فَلَيْسَ عَلَى جِسْمى أَضَرّ مِنَ العَيْنِ (٢) فأراد بعض الجلساء العَبث بالشيخ بدْر الدين العيني، فذكر له "أن فلانا (٣) عرض بك" فغضب واستعانَ بمَنْ نَظَم له بيتَيْن ينقض [بهما] هذين البيتين ونسبهما لنفسه، وعرَف كلُّ من يذوق الأدب أنهما ليسا له لأنَّه لم يقع له قريبٌ من ذلك، وهما: منارة كَعَرُوسِ الحُسْنِ إِذْ جُلِيَتْ … وهَدْمُها بقَضَاءِ اللهِ والقَدَر قالُوا: أُصِيبَتْ بِعَيْنٍ قلتُ: ذَا غَلَطٌ … ما أَوْجَبَ الهَدْمَ إلَّا خِسَّةُ "الحجر" (٤) قلتُ (٥): هما للشيخ العلّامة كمال الدين النواجي، عفا الله أجمعين.

стр. 1244

وأنشد بعض الأُدباءِ - بنقْض الأمرَيْن - يقال له ابن النبيه نجم الدين: يَقُولُونَ فِي مَيْل المَنَارِ تواضُعٌ … و "عَيْنٌ" وأَقوالُ وعندِي جَلِيُّها فَلا البرج أَخْنَى "والحجارةُ" لم تُعَبْ … ولكن عروسٌ أثقلَتْها حُليُّهَا ولابن النبيه أيضًا: بِجَامِع مَوْلانَا المُؤَيَّدِ أُنشِئَتْ … عروسٌ سمَتْ مَا خِلْتُ قَطّ مِثَالهَا وإذْ عَلِمَتْ أَنْ لا نظِيرَ لَهَا انْثَنَتْ … وأَعجَبَهَا، والعُجْبُ عَنَّا أَمَالها أَنشدني (١) ابن النبيه ذلك من نظمه، ﵀. * * * وفى هذه السنة ملك أُويس بن زاده بن أُوَيس بن حسين البصرة، انتزعها منْ مانع أَمير العرب بعد حروب وكانوا انتزعوها منهم من إمارة عمه أَحمد بن أُويس من أَوائل القرن، وقوى أُويس المذكور وانضم إليه عسكر عمّه. * * * وفى أَواخر هذه السنة هرب يشبك الدويدار الثاني من المدينة النبوية وهو يومئذ أَمير الحاجّ المصرى، والسبب في هربه أَنَّه بلغه ما اتَّفق من أَقباى نائب الشام - وكان من إِخْوته - فخاف، وبلغه أَيضا أَن السلطان كتب إلي مقبل أَمير ينبع أَن يقبض عليه، فأَخّر مقبل ذلك إلى أَن يرحل المذكور من المدينة إلى ينبع فيقبض عليه هناك، فاستشعر بذلك فاختفى بعْد رحيل الحاج من المدينة، فلمّا نزلوا البِرْكة لم يقفوا له على خبر، فسار آقبغا الزيني دويداره وترفَّق في سَيْرِهِ بالحاج وبالغ في الإحسان إليهم فقدموا وهم يشكرونه. وكان الرخص كثيرًا، وكذلك المياه، ووصل يشبك في هربه إلى بغداد فتلقَّاه محمد بن قرا يوسف فأَكرمه، ثم هرب منه إِلى قرا يوسف نفسه في سنة اثنتين وعشرين فأَكرمه وأَقام عنده.

стр. 1245

ذكر من مات في سنة عشرين وثمانمائة من الأعيان ١ - إبراهيم صاحب شماخى وملك البلاد، وهو من جُمْلة من يَنْتمى لقرا يوسف. ٢ - أَحمد بن أَحمد أَبي المغراوى (١) المالكي، اشتغل كثيرًا وبرع في العربية وغيرها وشارك في الفنون وشَغَل الناس، وقد عُيِّن مرةً للقضاءِ فلم يتم ذلك. مات في تاسع عشَر شعبان. ٣ - أَحمد بن الحسين بن إبراهيم الدمشقى، محيى الدين بن المدني، وُلد سنة إحدى أَو اثنتين وخمسين، وعَنِى بصناعةِ الإنشاء وباشر التوقيع من صِغَره في أيام جمال الدين ابن الأَثير، وكان عاقلًا، ودخل مصر بعد اللنك فباشر التوقيع، ثم قدم مع شيخ ومعه صهره بدر الدين بن مزهر فولى كتابة السرّ بدمشق في أَوائل سنة ثمان عشرة، وكان عارفًا متودّدًا لا يكتب على شيء يخالف الشرع، وكان عنده انجماع عن الناس وينتسب للتشيّع ومات في صفر؛ وقد أَنجب ولده نجم الدين حفظه الله. ٤ - أحمد بن يهوذا (٢) الدمشقى ثم الطرابلسي، شهاب الدين النحوى الحنفيّ، وُلد سنة بضعٍ وسبعين، وتعانى العربية فمهر في النحو واشتهر به وأَقرأَ فيه، وشرع في نظْم "التسهيل"، فنظمه في تسعمائة (٣) بيت ثم أَخذ في التكملة فمات قبل أنْ ينتهى؛ وكان تحوّل بعد فتنة اللنك إلى طرابلس فقطنها وانتفع به أَهلها إلى أَن مات بها في أَواخر هذه السنة؛ وكان يتكسّب بالشهادة. ٥ - أحمد البرقي الدمشقي ثم الملكي، كان مؤدّب الأَولاد بدمشق وكان خيّرًا

стр. 1246

كثير التلاوة، ثم إنَّه توجّه إلى مكَّة فجاور بها نحوًا من ثلاثين سنة وتفرّغ للعبادة على اختلاف أَنواعها، وأضَرَّ في آخر عمره ومات بمكَّة. ٦ - آقباى الدويدار المؤيدى، قدّمه المؤيد إلى أَن ولَّاه الدويدارية الكبرى ثم نيابة حلب، وقد تقدّم ذكر قتْله في الحوادث. ٧ - آقبردي [المؤيّدى] المنْقار، مات بدمشق ولم يكن محمُودَ السيرة. ٨ - أَبو بكر بن محمّد الجبرتى (١) العابد، كان يُلقب "المعتمر"، لكثرة اعتماره، وكان على ذهنه فوائد وللناس فيه اعتقاد وينسبونه إلى معرفة علم الحرف، جاور بمكة ثلاثين سنة ومات في سابع المحرم. ٩ - خضر بن إبراهيم الرومي خير الدين، نزيل القاهرة، وكان من كبار التجار (٢) كأَبيه. مات مطعونًا في ذى الحجة. ١٠ - داود بن موسى الغماري المالكي، عنى بالعلم ثم لازم العبادةَ وتزهَّد؛ وجاور بالحرمين أَزْيد من عشرين سنة وكانت إقامته بالمدينة أَكثر منها بمكة. مات في مستهل المحرّم. ١١ - سالم بن عبد الله بن سعادة بن طاجين القسنطيني (٣) نزيل الإسكندرية، وكان أَسود اللون جدًّا فكان يُظَنّ أَنه مولى، وأَمّا فكان يدّعى أَنَّه أَنصارى، وكان للناس فيه اعتقاد وبين عينيه سجادة، وقد لازم القاضي برهانَ الدين بنَ جماعة واختُصَّ به وصار له صيتٌ وطار له صوت، ثم صحب جمال الدين محمود بن علي الأُستادار، وكان له تردّد كثير إلى القاهرة ومحاضرة حسنة وعلى ذهنه فنون وله أَناشيد، ومات بالإسكندرية آخر هذه السنة وقد جاوز الثمانين.

стр. 1247

١٢ - عبد الله بن إبراهيم بن خليل بن (١) عبد الله بن محمود بن يوسف بن تمام البعلبكي الدمشق، جمال الدين بن الشرائحى، وُلد سنة ثمان وأَربعين وسبعمائة، وأَخذ عن الشيخ عماد الدين بن بردس وغيره، ثم دخل دمشق فأَدرك جماعةً من أَصحاب الفخر وأَحمد بن شيْبَان ونحوهم فسمع منهم، ثم من أَصحاب ابن القوّاس وابن عساكر، ثم من أَصحاب القاضي والمطعم ومن أَصحاب الحجار ونحوهم، ثم من أَصحاب الجزرى وبنت الكمال والمزى فأكثر جدًّا ذلك أُمِّىٌّ، وصار أُعجوبة دهره في معرفة الأَجزاء والمرويات ورواتها، ولديه مع ذلك فضائل ومحفوظات. سمعْتُ منه وسمع معى الكثير في رحلتى وأَفادنى أَشياء؛ وكان شهما شجاعًا مهيبا جدا كله لا يعرف الهزل، وكان يتديّن مع خيْرٍ وشرف؛ قدم القاهرة بعد الكائنة العظمى فقطنها مدّة طويلة ثم رجع إلى دمشق وولى تدريس الحديث بالأَشرفية إلى أَن مات في هذه السنة. ١٣ - عبد الله بن أَحمد بن عبد العزيز بن موسى بن أَبى بكر العذرى، جمال الدين البشبيشي، وُلد في عاشر شعبان سنة ٧٦٢، وقرأَ في الفقه والنحو، وأَخذ عن شيخنا الغماري وابن الملقن، وتكسّب بالوراقة وكتب الخط الجيّد، وصنَّف كتابا في "المعرب" وكتابا في "قضاة مصر" ونسخ بخطه كثيرًا. وناب في الحسبة عن صاحبنا الشيخ تقيّ الدين المقريزي. وكان ربّما جازف في نقله. سمعْتُ من فوائده كثيرًا. ومات بالإسكندرية في ذي القعدة. ١٤ - عبد الرّحمن بن محمد بن حسين البسكسكي البُرَيهي (٢) التعزّى أَحد الفضلاء باليمن، برع في الفقه واللغة، ثم حجّ فلما رجع مات وهو قافل في ثالث المحرّم. ١٥ - عبد (٣) الرحمن بن محمد بن إسماعيل بن علي بن الشمس بن العلَّامة تقى الدّين القلقشتدى المقدسي سبط العلائي، حفظ عدّة كتب واشتغل على والده وغيره، وفضل

стр. 1248

وتميز وتمهّر إلى أَن صار عيْنَ الشافعيّة ببلده وبيده الخطابة مشاركا لغيره؛ قال ابن قاضي شهبة في طبقاته: "وكتب بخطّه على فتوى تدلّ على كثرة استحضاره وجوْدةِ تصرّفه، ولمّا سكن الهرويّ هناك اتصل بينهما شرور كثيرة ومرافعات، وقوى الهروى عليه". مات في آخر هذه السنة عن نحو خمسين سنة. ١٦ - عبد الوهاب بن نصر الله بن حسّون (١) الفوى نزيل القاهرة، تاج الدين أَخو ناظر الخاص، وُلد سنة ستين وسبعمائة وباشر بجاه أَخيه كثيرًا من الوظائف مثل نظر الأَوقاف والأَحباس وتوقيع الدست ووكالة بيت المال ونيابة كاتب السِرّ في الغيبة وخليفة الحكم الحنفى، وكان يحبّ العلم والعلماءَ ويجمعهم عنده ويتودّد لهم. مات في ثالث عشر جمادى الآخرة، وكان أَبوه حيًّا فورثه (٢) مع أَولاده. ١٧ - محمد بن أَحمد بن محمد بن أَحمد بن عبد العزيز النويرى ثم المكيّ، القاضي عز الدين بن القاضي محبّ الدين بن القاضي جمال الدين بن أَبي الفضل العقيلي الشافعي، وُلد سنة أربعٍ أَو خمسٍ وسبعين، واشتغل وهو صغير، وناب لأَبيه في الخطابة والحكم، واستقلّ بعد وفاته في رمضان سنة تسع وتسعين إِلى أَنْ صُرِف في ذى الحجة سنة (٣) ستّ وثمانمائة بالشيخ جمال الدين بن ظهيرة ثم وليها مرارًا، ثم استقرّت بيده الخطابة وغيرها؛ وانفرد جمال الدين بالقضاء، فلما مات سنة تسع عشرة استقر العزُّ في الخطابة ونظر الحرم والحسبة حتى مات عزّ الدين في هذه السنة في ربيع الأَول، وكان مشكور السّيرة في آخر (٤) أَمره، والله يعفو عنه. ١٨ - محمد بن أَبي بكر بن علي المكيّ ثم الزَّبيدي - بفتح الزاي - جمال الدين

стр. 1249

النويرى المصرى، وُلد بالدروَة (١) من صعيد مصر سنة تسع وأَربعين ونشأَ بها، ثم سكن مكة وصحب القاضي [أَبا الفضل (٢) النويرى]، وسمع من عزّ الدين بن جماعة واشتغل قليلًا؛ وكان حسنَ التلاوة طيب الصّوْت، ثم دخل اليمن بوساطة القاضي أَبي الفضل رسولًا من مكة إلى السلطان واتَّصل بالأَشرف صاحبها فحظى عنده ودنا منه، وتولَّى حسبة زبيد ثم تركها لولده الظَّاهر؛ وكان حسن الفكاهة فقرب من خاطره وصار ملجأً للغرباء لاسيما أَهل الحجاز، واستمرّ في دولة النَّاصر بن الأَشرف على منزلته بل عظم قدره عنده، وكان ذا مروءةٍ وتودّدٍ ونوادر ومزاح، وقد تزوّج كثيرًا جدا على ما أَخبرنى به؛ وهو أَخو صاحبنا نجم (٣) الدين المرجاني. مات الجمال المصرى في ذي القعدة وخلّف عشرين ولدًا ذكرًا (٤). ١٩ - محمد بن علي بن جعفر البِلالي (٥) نزيل القاهرة، الشيخ شمس الدّين، وبلالة (٦) من أَعمال عجلون، نشأَ هناك وسمع الحديث واشتغل بالعلم وسلك طريق الصوفية وصحب الشيخ أَبا بكر الموصلى، ثم قدم القاهرة فاستوطنها بضعًا وثلاثين سنة، واستقر في مشيخة سعيد السعداءِ مدة طويلة مع التواضع الكامل والخلق الحسن وإكرام الوارد. صنَّف "مختصر الإحياء"، فأَجاد فيه وطار اسمه في الآفاق ورُحِل إليه بسببه، ثم صنَّف تصانيف أُخرى، وكانت له مقامات وأَوراد وله محبّون معتقدون ومبغضون منتقدون. مات في رابع عشر شوال وقد جاوز السبعين.

стр. 1250

٢٠ - محمد بن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن سلمان بن حمزة، عز الدين بن العلاء بن البهاء بن العزِّ بن التقيّ سليمان المقدسي الحنبلي، وُلد سنة أربع وستين وسبعمائة، وعنى بالعلم وسمع على ست العرب بنت محمد بن الفخر وغيرها، ومهر في الفقه والحديث، وأَخذ عن ابن رجب وابن المحب، وكان يذاكر بأَشياءَ حسنة وينظم الشعر، ولما وقف على "عنوان الشرف" لابن المقرئ أَعجبه فسلك على طريقته نظمًا حسب اقتراح صاحبه مجد الدين عليه، فعمل قطعة أَوّلها: أشَار المَجْدُ مُكْتَمِلَ المَعَانِي … بِأَنْ أَحْذُو عَلَى حَذْوِ اليماني وحفظه "المقنع"، وناب في القضاء عن صهره شمس الدين النابلسي ثم استقلّ به، ثم عُزِل بابن عبادة فأَكثر المجاورة بمكة، ثم وَلي المنصب بعد موْت ابن عبادة (١) فلم تَطُلْ مدّتُه ومات عن قربٍ في ذى القعدة؛ ودرّس بدار الحديث الأَشرفية بالجبل، وكان ذكيًّا فصيحا، وكان آخر عمره عَيْنَ الحنابلة. ٢١ - محمد بن محمد بن عُبادة بن عبد الغني بن مَنْصور، الحرّاني الأَصل، الدمشقى الحنبلي، شمس الدين، اشتغل كثيرا، وأَخذ (٢) عن زين الدين بن رجب ثم عن صاحبه ابن اللَّحام، وكان ذهنُه جيّدًا وخطُّه حسنًا، ثم تعانى الشهادة فمهر وصار عيْنَ أَهلِ البلد في معرفة المكاتيب من حسن خطٍّ ومعرفة، وكان حسن الشكل بشوشَ الوجه حسن الملتقى، وَلِيَ القضاءَ بعد اللنك مرارًا بغير أَهلية فلم تُحْمَد سيرته، وكثرت في أَيامه المناقلات في الأَوقاف وتأَثّلَ لذلك مالًا وعقارًا، وكان عريًّا عن تعصّب الحنابلة في العقيدة. مات في رجب وله سبْعٌ وخمسون سنة وقد غلب عليه الشيب. ٢٢ - موسى (٣) بن علي بن محمد المناوى ثم الحجازى الشيخ المشهور المعتَقَد، وُلد سنة بضعٍ وخمسين ونشأَ بالقاهرة وعَنىَ بالعلم على مذهب مالك وحفظ "الموطَّأَ" وكُتُبَ

стр. 1251

ابن الحاجب الثلاثة، وبرع في العربية، وحصّل الوظائف ثم تزهّد وطرح ما بيده من الوظائف بغير عوض، وسكن الجبل وأَعْرض عن جميع أُمور الدنيا وصار يقتاتُ مما تنبته الجبال ولا يدخل البلد إلَّا يوم الجمعة ثم يمضى؛ ثم توجّه إلى مكة سنة سبعٍ وتسعين وسبعمائة فسكنها تارةً والمدينة تارة على طريقته، ودخل اليمن في خلال ذلك وساح في البراري كثيرًا، وكاشَفَ وظهرت له كرامات كثيرة، ثم في الآخر أَنِس بالنَّاس إلَّا أَنه يُعْرَض عليه المال الكثير فلا يقبله ثم يأْمر بتفرقته على من يعيِّنه لهم ولا يلتمس منه شيئًا؛ وقد رأيْتُه بمكة سنة خمس عشرة وقد صار من كثرة التخلّي ناشف الدماغ يخلط في كلامه كثيرًا لكنْ في الأَكثر واعى الذَّهن، ولا وقع بيده كتابٌ إلَّا كتب فيه ما يقع له سواءً كان الكلام منتظمًا أَم لا، وربمّا كان حاله شبيه حال المجذوب، وكان يأْخذ مِن بعض التجار شيئًا بثمن معيّن وينادى عليه بنفسه حتى يبيعه فيوفى صاحب الثمن وينفق على نفسه البقيّة، ولم يكن في الغالب يقبل من أَحدٍ شيئًا، وكان يكاتب السلطانَ فمَن دونه بالعبارة الخشنة والرّدْع الزائد. مات في شهر رمضان وقيل في شعبان. ٢٣ - مهنى بن عبد الله المكي، من كبار الصلحاء؛ مات بمكة. ٢٤ - نعمان بن فخر بن يوسف الحنفى، شرف الدين، وُلد سنة ثلاثٍ وأَربعين، وكان والده عالمًا فأَخذ عنه، وقدم دمشق وجلس بالجامع (١) بعد اللنك للاشتغال ودرّس في أَماكن؛ وكان ماهرًا في الفقه بارعًا في ذلك. مات في شعبان. ٢٥ - يحيى النُّجَيلْي (٢)، أَصْلُه من نجيلة زهران من ضواحي مكة فأَقام بمكة يتعبّد حتى اشتهر ومات في هذه السنة. ٢٦ - يوسف بن عبد الله البوصيري نزيل القاهرة، أَحدُ من يعتقده النَّاس من المجذوبين. مات في سادس عشرى شوال، ويَحكى بعض أَهل القاهرة عنه كرامات.

стр. 1252

سنة إحدى وعشرين وثمانمائة استهل العشر الثالث (١) من المائة الثامنة والخليفة المعتضد داود، والسلطان المؤيد شيخ، وملك اليمن الناصر أحمد بن الأَشرف، وأَمير مكة حسن بن عجلان، وأمير المدينة غُرَيْر (٢) بن هَيَازع، وأَمير بلاد قرمان محمد بك بن علي بن قرمان ومرقب، وما معها كَرشْجِي بن عثمان، وملك الدشت وصراى أيدكى (٣)، وملك تبريز وبغداد قرا يوسف، ونائبه ببغداد ابنه محمد، وملك فارس وخراسان وهراة وسمرقند شاه رخ بن اللنك، وملك تونس وما معها من المغرب أَبو فارس، وسلطان الأندلس ابن الأَحمر؛ وأمير تلمسان [أبو (٤) عبد الله محمد من بني زيان]، وأمير فاس [أبو (٥) سعيد عثمان بن أَحمد المريني]. * * * وفى ثالث المحرم زوّج السلطانُ أُستاداره ببعض أَمّهاتٍ أَولاده بعد ان أَعتقها فعمل لها مُهمًّا عظيما ذبح فيه ثمانيةً وعشرين فرسًا وغير ذلك، وكان إذ ذاك قد ابتدأَ به المرض فلم ينتفع بنفسه. وفى أَول هذه السنة ركب أَلْطَنْبُغَا الجكمي نائب دَرَنْدَة على حسين بن كبك فتقنطرت (٦) فَرسه فقُبض عليه وقُتل، ونزل ابن كبك على ملطية فحاصرها فبلغ السلطان ذلك فكتب إلى البلاد الشامية أن يُخرِجوا العساكر إلى قتال حسين بن كبك. * * *

стр. 1253

وفى اليوم الرابع من المحرم صلى السلطان الجمعة بالجامع الطولوني فخطب به القاضي الشافعي وكان قد طلع ليخطب به في القلعة على العادة فوجد السلطانَ قد ركب قبل الأَذان لصلاة الجمعة، فتبعه فدخل الجامعَ الطولوني، فدخل قاعة الخطابة فوجد خطيب الجامع - وهو ولد ابن النقاش - قد تهيّأ ليخطب، فتقدم هو وصعد المنبر وحصل بذلك للخطيب قهر. * * * وفي الثالث من جمادى الأُولى قتل حسين بن كبك، وذلك أن تغرى بردى الجكمي هرب من المؤيد من كَخْتَا فأَقام بملطية عند نائبها الأَمير منكلي بغا، فسار حسين بن كبك إلى ملطية فحاصرها، وهرب تغرى بردى إلى حسين بن كبك فأَكرمه، ثم سار حسين إلى أَزربجان وتغرى بردى في صحبته ليحاصر - بزعمه - صاحبها، فغدر تغرى بردى بحسين وهما جالسان يشربان، فضربه بسكين في فؤاده فمات وهرب إلى مَلَطْيَة، ثم توجّه إلى حلب فجهّزه نائبها إلى المؤيّد وأَعلمه بما صنع، فأَكرمه وخلع عليه إقطاعًا وخيلًا وأَمَر الأُمراء أَن يخلعوا عليه، فحصل له شيء كثير. * * * وفي الخامس من المحرّم توجه السلطانُ إلى وسيم فأَقام هناك نحو العشرين يومًا، ثمّ رَجع فنزل بالقصر الغربي بمنبابة (١) وأَمر الوالى أَن يشعل البحر، فحصَّل من قشور النّارنج والبيض ومن المسارج شيئًا كثيرًا إلى الغاية وعمّرها بالزيت والفتايل (٢) وأَوقدها وأَرسلها في الماء، ثم أَطلق في غضون ذلك النَّفط الكثير فكانت ليلةً عجيبة مرَّ فيها من الهزل والسّخف ما لا عَهْدَ للمصريين بمثله (٣)، وكان الجمع في الجانبين من الناس المتفرجين متوَفّرا، وفي البحر من المراكب جمعٌ جم. وفي سادس عشرى المحرم قُبِض على يَلْبُغَا المظَفِّرى أَمير سلاح واعتُقل بالإسكندرية، وذلك أَنّ بعض الناس وشى به إلى السلطان فتخيّل منه فقبض عليه. وفي الثامن والعشرين من المحرّم نودى بالقاهرة أَنّ كلَّ غريب يرجع إلى وطنه، فاضطربت الأعاجمُ وسعوا في منعه إلى أَن سكن الحال واستقروا.

стр. 1254

وفي رابع صفر وُسِّط قُرْقُمَاس - نائبُ كختا - في جماعة خارج باب النصر وكانوا مِمَّن أُخْضِر صحبةَ السلطان في الحديد. وفي سادس صفر عاد السلطانُ أُستادارَهُ في مرضه فقدّم له خمسةَ آلاف دينار، وتوجّه من بيته إلى بيت ناظر الخاص فقدّم ثلاثة آلاف دينار، ولما (١) دخل عليه المؤيّد بقاعة جلوسه مدّ له سماط إلى النهاية وفيه الملوخية البدْرية - ولم يكن السلطان رآها في هذه السنة - فأَعجبه ذلك، ثم إنَّه فتح له الخزانة المتعلِّقة بالخاص ففرّق شيئا كثيرًا من السَّمُّور والوَشْق والسنجاب والمخمل والصوف وغير ذلك مما قيل إنّ قيمته خمسة آلاف دينار. * * * وفى هذا الشهر شرع السلطان في تَنَقُّصِ سعر الذهب، فنودى عليه في عاشر صفر أَن تكون الهرجة بمائتين وثلاثين، والأَفلورى بمائتين وعشرين، وأَن تحط الفضة المؤيدية فتصير بسبعة دراهم كل نصف، فماج الناس وكثر اضطرابهم فلم يلتفت إليهم واستمر الحال، ثم أَمر الوالى -وهو المحتسب- أَن يطلب الباعة وتحط أَسعار المبيعات بقدر ما انحط من سعر الذهب والفضة. وفى نصف ربيع الأَول جمع الوالى الباعة وأَصعدهم إلى القلعة، فقرّر معهم جقمق الدويدار أَن يكون الدرهم المؤيّدى هو المُتعَامَل به دون الذهب والفلوس، ويكون هو النقد الرائج، وأَن لا يْأخذ التاجر في كل مائةٍ يشترى بها شيئا ويبيعه عن قرب إلا درهمين، وبطل من يومئذ النداءُ في الأَسواق بالدراهم من الفلوس وصار النداءُ بالدراهم بالفضة المؤيدية. وفى أَول صفر عاد السلطان الأَمير الكبير من مرضٍ وقع له، ثم رجع إلى بيت جقمق الدويدار فأَقام به إلى آخر النهار. وفى شهر الأَول ربيع قدم علاءُ الدين محمد الكيلاني الشافعي من بلاد المشرق فزار الإمام (٢) الشافعي ثم رجع فاجتمع بالسلطان، وكان قد وُصف بفضلٍ زائد وعلم واسع فلم

стр. 1255

يظهر لذلك نتيجة ولم يظهر له معرفة إلا بشيءٍ يسير من الطب، فكسد سوقه بعد أَن نفق وتولي ناكسا خاملًا. وفي رابع عشره إنتَقَضَ أَلمُ السلطان برجله. * * * وفى هذا الشهر كاتب أَهل طرابلس السلطانَ في سوءِ سيرة عاملهم - وهو بردبك الخليلي - وتجاوزه الحد في الظلم وتَرْكِ امتثال مراسيم السلطان، فأَرسل يطلبه ومنعه أَهل طرابلس من الدخول وكان قد خرج للصيد، فقدم القاهرة في آخر ربيع الأَول فقُرر في نيابة صفد بعد أَن قدَّم مالًا جزيلًا بعناية زوج ابنته جقمق الدويدار. وفيه قام أَهل المحلّة على واليها ورجموه بسبب مبالغته في طلب الفلوس ونزح كثير منهم إلى القاهرة، ووصل الذهب عندهم إلى سعر مائتين وسبعين من غير هذه الفلوس، واشتدّ الأَمر في طلبها. وفيه أَنكر السلطان على القاضي جلال الدين البلقيني بسبب كثرة النواب، فبادر البلقيني فعزل من نوابه ستة عشر نفسًا، ثم أُمِرَ بالتخفيف منهم فعَزل منهم أَيضًا أَربعين نفسا، ولم يتأَخر منهم سوى أَربعة عشر نائبا، ووقعت لأَحد النواب الذين بقوا - وهو سراج الدين الحمصي - كائنةٌ في حُكْمٍ حَكَمَ به وعُقِدَ له مجلس فنقض حكمه (١) وتغيب، والسبب فيه أَن القمنى أَراد ارتجاع بستان المحلى الذي بالقرب من الآثار، فرتّب الأَمر مع كاتب السر والقاضى علاء الدين بن المغلى - و كان صديقه -، فلما حضر القضاة وأَهل الفتيا أَظهر السلطانُ التعصُّب فسأَلني عن القضية وقال: "أَنت تعرف الحال أكثر من هؤلاء! "، فذكرْتُ له جلية الأَمر باختصار، فبادر الحنفى ابن الديري وحكم بنقض حكم الحمصي، ثم قدم شمس الدين الهروى من القدس فأَكرمه السلطان، وأَنكر على بعض القضاة عدم ملاقاته وشَكَرَ من لاقاه وسلّم عليه، فانثالت عليه الهدايا والتقادم وأُجريت له رواتب.

стр. 1256

ربيع الأَول مات الشريف على نقيب الأَشرف فاستقر بعده في النيابة ولده حسن، وفى نظر الأَشراف فخرُ الدين الأُستادار، وكان أَبَلَّ من مرضه. وفيه وقع في الغربية مطر عظيم، وفيه برد كبار زنة الحبة منه مائة درهم، تَلِفَتْ منه زروع كثيرة آن حصادها حتى أَن مكانا فيه ثمانمائة فدان تلف عن آخره، وماتت أَغنام كثيرة لوقوعه عليها. وفيه أُفْرِج عن سُودُون الاسَنْدَمُرِى بسجن الإسكندرية. وفى الثاني من جمادى الأُولى قُبض على أَرْغون شاه الوزير وسُلم للأُستادار وكذلك آقْبُغَا شيطان الوالى فتَتَبَّع حواشيهما وأَسبابهما. واستقر على بن محمد الطبلاوى في ولاية القاهرة عوضا عن آقبغا، ومحمدُ بنُ يعقوب الشامي في الحسبة عوضًا عنه، وبدرُ الدين بنُ محب الدين في الوزارة عوضا عن أَرغون شاه، وأُفرِج عن أَرغون شاه في عاشر جمادى الأُولى، ثُمَّ خُلع عليه أَميرَ التركمان بالشام فسار في جمادى الأُولى. فلما كان يوم الأَحد سابع عشرى جمادى الأُولى مُنِع القاضي جلال الدين من الحكم بسبب شكوى جماعةٍ للسلطان - لما نَزَل إلى الجامع بباب زويلة - من ابن عمه شهاب الدين العجمي قاضي المحلة وذلك في يوم السبت سادس عشريه، فشغَر المنصب يوم الأَحد والإثنين، فلما كان يوم الثلاثاء إستقر شمس الدين الهروى في قضاء الشافعية بالقاهرةِ ونزل معه جقمق الدويدار وجماعةٌ من الأُمراءِ والقضاة وحَكَمَ بالصالحية على العادة، و كان الهروى قد قدم قبل ذلك في آخر ربيع الأَول، فبالغ العجم في التعصب له وتلقَّاه بعضهم من بلبيس وبعضهم من سرياقوس، ونزل أَولا بتربة الظاهر على قاعدة الأُمراءِ، ثم طلع إلى القلعة صباحًا وسَلَّم على السلطان يومَ الأَحد مستهل ربيع الآخر، ولما استقرت قدم الهروى في القضاءِ راسل البلقيني فطلب منه المال الذي تحت يده مِن وقف الحرمين فامتنع، وكان استأْذن السلطانَ صبيحةَ عزْلِه: هل يدفع المال للهروى أَم لا؟ فأَمره أَن يتركه تحت يده.

стр. 1257

وكان البلقيني - لمّا استقرَّتْ قدمه بعد سفر الإِخنائى إلى الشام في سنة ثمان وثمانمائة - قد ضبطَ مالَ الحرمين وجعله في موضعٍ من داره، فتأَخر في هذه المدة نحو خمسة آلاف دينار، فصَعُب على الهروى مَنْعُه من التصرف في ذلك، وظهر لمن اطلع على ذلك من حواشي السلطان أَنه غير مؤتَمَنٍ عند السلطان وإنما أَراد بولايته نكايةَ البلقيني. وفي العشرين من جمادى الآخرة عَرض الهرويُّ الشهودَ وأَقرَّهم ولم يستنب سوى عشرة، ثم زاد عددهم قليلا قليلا إلى أَن بلغوا عشرين، واستمر يركب بهيئته بملبس العجم، ولم يَخْطُب بالسلطان على العادة واعتذر بعُجْمَةِ لسانه، فاستناب عنه ابن تمرية (١) - وكان يخطب بمدرسة حسن - فوصفه الأَمير ططر للسلطان فأَذن له في النيابة عن الهروى، وباشر الهروى القضاءَ بصرامةٍ شديدة واحتجابٍ زائد، ثم مدَّ يده إلى تحصيل الأَموال فأَرسل رجلا من أَهل غزة (٢) يقال له "نصف الدنيا" إلى الصعيد ومعه مراسيم بعلاماته، وقَرَّر على كل قاضٍ شيئًا فمَنْ بَذله كتب له مرسومه، ومن امتنع استَبْدَلَ به غيرَه، فكثر فُحْشُ القول فيه، ثم فَوَّض إلى الأَعاجم - مثل العيْنتابي وابن التباني ويحيى السيرامى وشمس الدين القرماني - الذي عمل قاضى العسكر - قضاءَ بلاد اختاروها، فاستنابوا فيها وقرروا على النواب أَن يحملوا (٣) لهم شيئا معينا، وأَرسل إلى الوجه البحرى آخرًا على تلك الصورة؛ ثم تَصدَّى للأَوقاف سواء كان مما يشمله نظره أَم لا، ففرَض على مَنْ هي بيده شيئا معلومًا، وصار يطلب من الناظر كِتَاب الوقف فيحضره له فيحبسه حتى يحضر له ما يريد، فترك كثيرٌ منهم كُتبَ أَوقافهم عنده حتى عُزِل فاستخلصوها. * * * وفى أَول هذه السنة حاصر إبراهيم بن رمضان طرسوس واستمر محاصرا لها أَربعة أشهر وأَكثر، فكاتب نائُبها شاهينُ الأَيدكارى السلطانَ لينجدَه، ويعلِمُه بأَنه بلغه بأَن

стр. 1258

محمد بن قرمان عزم على التوجه إلى طرسوس، فلما كان في الخامس عشر من رجب نازل محمد بن قرمان طرسوس فانتمى إليه إبراهيم بن رمضان المذكور، فبلغ ذلك السلطان فأَرسل إلى حمزة بن إبراهيم المذكور يقرُّه في مكان أَبيه في نيابة أَدنة، وحَرَّض نائبَ حلب على اللحاق بشاهين الأَيد كارى بطرسوس، ووقع بين أَهل طرسوس وابن قرمان حربٌ شديدة، فاتفق أَن ثار بمحمد بن قرمان وجع باطنه فاشتد عليه فرحل عنها في سابع شعبان. وفيها تواقع على بن ذلغادر وأَخوه محمد، فانتصر محمد وانهزم على، فأَدركه يَشْبُك نائب حلب فأَضافه محمد وقَدَّم له وحلف له على طاعة السلطان. وفيها أَوقع تَنبِكْ نائبُ الشام بعرب آل على قريبًا من حمص، (١) فنَهب منهم أَلف جمل وخمسمائة جمل، فباع الردئ منها وجَهَّز البقية - وهى أَلف وثلاثمائة - إلى السلطان. وفيها استنجد نائب ملطية بالسلطان فكتب إِلى نائب طرابلس أَنه يتوجه بعسكرها نجدة له، وأَرسل إليه مالًا كثيرا يعمر به خانا وقيساريةً وطاحونًا وزاويةً ويوقف ذلك عليها، وجملة المال أَربعون أَلف دينار. وفى ثانى عشر جمادى الآخرة قُرر شهاب الدين أَحمد الأُموى في قضاء دمشق عوضا عن عيسى المغربي (٢) المالكي. وفى سادس عشره ضُربت عنق المقدم على بن الفقيه أَحد المقدمين بالدولة بعد أَن ثبت عليه ما يوجب إراقة دمه. وفي جمادى الأُولى أَوقع سُودُونُ القاضي - كاشفُ الوجه القبلى - بعرب بني فزارة ونَهب أَموالهم، وقَتل منهم خلقا كثيرًا فهرب مَن نجا منهم إلى البحيرة، فتلقاهم دمرداش نائب الكشف بالوجه البحرى فاستأصلهم ونهب أَموالهم فانحسم أَمرهم.

стр. 1259

وفيه سُجن جَارْقُطْلِي نائبُ حماة بالإسكندرية. وفيه توجه الأُستادار فخر الدين إلى الوجه القبلى وختم بالجيزة، وسار في طوائف كثيرة من العربان والمماليك، وشرع في تتبع العربان المفسدين، فلما انتهى إلى هوارة فروا منه فتَتَبَّعهم إلى قريب أُسوان فقاتلوه فقَتل منهم نحو المائتين وانهزم البقيةُ إلى جهة ألواح الداخلة. وفيها في جمادى الأُولى نُقل شاهين الزَّرْدَ كَاش من الحجوبيّة بدمشق إلى نيابة حماه، ونُقِل بَلْبان (١) من نيابة حماة إلى الحجوبية بدمشق. وفيه خُلع على عليّ بن أَبى بركة الجَرْمى (٢) أَمير الجرم واستقر على عادته. * * * وفيه جهز السلطان إلى نائب الكرك نواب القدس والرملة وغزة ليجتمعوا معه على كبس بني عقبة (٣)، وأَسرّ إلى نائب غزة أَن يقبض على نائب الكرك، وكان السلطان غضب عليه لكونه لم يخرج لملاقاته حين عاد من بلاد الروم، فقبضوا عليه في جمادى الآخرة وحُمل إلى دمشق فسُجن بها. وفي الثالث والعشرين من ربيع الآخر إستقر برسباى الدقماقى - أحد مقدمى الأُلوف بالقاهرة - في نيابة طرابلس عوضًا عن بَرْدْبك نقلا من كشف التراب، ونقل بردبك إلى نيابة

стр. 1260

صفد، وأُعْطِى فخرُ الدين الأُستادار إقطاعَ برسباي، وأُعطى بدر الدين الوزير إقطاع فخر الدين، ثم اعتُقل برسباى بقلعة المرقب في شعبان كما سيأْتي، وهو الذي آل أَمره إلى استقراره في السلطنة بعد خمس سنين. * * * وفى هذا الشهر كُتب محضر المئذنة المقدم ذكرها وهدمت وأُغلق باب زويلة بسبب ذلك ثلاثين يوما، ولم يقع منذ بنيت القاهرة مثل ذلك. وفي جمادى الأُولى تحرك عزم السلطان على الحج وقويت همَّته في ذلك، وكتب إلى جميع البلاد بذلك وأَمرهم بتجهيز ما يحتاج إليه، وعَرض المماليك الذين بالطباق وعَين منهم مَن يسافر معه إلى الحج وأَخرج الهجن، وجهّز جُملة من الغلال في البحر إلى ينبع وجدّة، فركب إلى بركة الحبش فعرض الهجن في شعبان، ثم ركب إلى قبة النصر ومرّ في شارع القاهرة (١) وبين يديه الهجن عليها الحلى والحلل، وجَدَّ في ذلك واجتهد إلى أَن بلغه عن قرا يوسف ما أَزعجه، ففترت همته عن الحج ورجع إلى التدبير فيما يَرُدُّ قرا يوسف عن البلاد الشامية، وأَمر بالتجهيز إلى الغزاة. وأَرسل في ثاني رمضان ببيع الغلال المجهزة إلى الحج، وكان ما سنذكره إِن شاءَ الله تعالى قريبا. * * * وفى حادى عشر جمادى الأُولى وُلد للسلطان ولد اسمه موسى، فأَرسل مرجان الخزندار مبشرا به إلى البلاد الشامية، فكان في حركته سبب عزل القاضي نجم الدين بن حجى قاضي الشافعية بدمشق، وذلك أَنه لمَّا وصل إلى دمشق أَعطاه كل رئيس ما جرت به العادة ولم ينصفه القاضي الشافعي فيما زعم، فلما رجع في شعبان أَغرى السلطان به ونَقل له عن النائب أَنه يشكو من القاضي الشافعي المذكور، وأَنه سأله في حكومة فغضب بسببها

стр. 1261

وبادر بعزل نفسه، فلما تحقق السلطان ذلك غضب عليه لكونه بادر بعزل نفسه بغير استئذان، وكتب إلى النائب بحبسه بالقلعة. واستمرت دمشق شاغرةً عن قاضٍ إلى أَوائل شوال، فاستُعْطِفَ السلطانُ عليه حتى رضى عنه وأَعاده، ومات موسى بن السلطان المذكور في ليلة (١) [أَول] شوال. وفى سادس عشر جمادى الأُولى دخل السلطان المرستان المنصوري وصلى في محراب المدرسة أَولا ركعتين، وكان الشيخ نصر الله أَخبره أَنه رآى النبي ﷺ جالسًا في المحراب المذكور والسلطان قُدَّامه يقرأُ عليه سورة "والضحى"، ثم دخل إلى المرضى فتفقّد أَحوالهم، ثم إلى المجانين، فقام إليه ذلك الشخص الذي تقدم (٢) في سنة تسع عشرة أَنه ادَّعى أَنه يرى الله في اليقظة وثبت عند المالكي أَنه مختل العقل فسجن بالمرستان، فكلم السلطانَ لما رآه وسأَله أَن يفرج عنه فلم يجبه. وكان السلطان فوَّض أَمر الأَوقاف إلى مسعود الكججاوي الذي تقدم ذكره في أَخبار تمرلنك، وكان من جملة أَعوان الهروى ثم وقع بينهما وصار يؤلب عليه ويذكر معايبه، وتصادق ابن الديري عليه، ثم دَسَّ الهروى إلى أَحمد الجيلى ورقةً يذكر فيها أَنه ثبت في جهة البلقيني لجهة الأَوقاف والأَيتام مائة أَلف دينار، فعرضها أَحمد على السلطان وشَنَّع على البلقيني، فاستعظم السلطان ذلك وبحث عن القضية إلى أَن تحقق أَنها من اختلاق الهروى فأَعرض عن ذلك. وفي الثالث من جمادى الأُولى قدم طائفة من أَهل الخليل فشكوا إلى السلطان من الهروى وأَنه أَعطى بعضهم بيضًا وأَلزمه بعدده دجاجا، فأَرسلهم السلطان إِليه وأَمره أَن يخرج لهم مما يلزمه فلم يصنع شيئا، وتمادى على غيِّه فأَغضى السلطان عنه ولزم فيه غلطه.

стр. 1262

وفى أَول شعبان وجد السلطان في مجلسه ورقةً فيها شعر وهو (١): يا أَيُّهَا الملِكُ المؤَيَّدُ دَعْوةً … مِنْ مُخلِصٍ في حُبّه لَكَ يَنْصَحُ أُنْظُرْ لِحَالِ الشَّافِعِيَّةِ نظْرةً … فالقَاضِيَانِ كلَاهُمَا لا يَصْلُحُ هَذَا أَقاربُه: عَقَاربُ، وابْنُه … وأخٌ وصِهْرٌ فِعْلُهُم مُسْتَقْبَح غَطُّوا مَحاسِنَهُ بِسُوءِ (٢) صنيعهم … ومَتَى دَعَاهُمْ للهُدَى لا يُفْلِحُ وأَخُو "هَرَاةَ" بِسِيرَةِ اللَّنْكِ اقْتَدَى … ولَهُ سِهَامٌ في الجَوَارِح تَجْرَحُ لا دَرْسُه يُقْرَى، وَلا أَحْكَامُهُ … تُدْرَى، ولا حِينَ الخطَابَةِ يُفْصِح فافْرجْ هُمُومَ المُسْلِمِينَ بِثَالِثٍ … فَعَسَى فَسَادٌ مِنْهُمو يُسْتَصْلَحُ فعرضها السلطان على الجلساء من الفقهاء الذين يحضرون عنده فلم يعرفوا كاتبها، وطارت الأبياتُ، فأمّا الهروى فلم ينزعج من ذلك، وأما البلقيني فقام وقعد وأَطال البحث والتنقيب عن ناظمها، فتقسمت الظنون واتُهِمَ شعبان الآثارى - وكان مقيما بالقاهرة - وتقى الدين بن حجة، وشخصٌ ينظم الشعر من جهة بهاء الدين المناوى أَحد نواب الشافعي وغيرُهم (٣)، وكانت هذه الأَبيات ابتداءَ سقوط الهروى من عين السلطان، وكانت قد أعجبت السلطانَ حتى صار يحفظ أَكثرها ويكرر قوله "أَقاربه عقارب".

стр. 1263

فلما كان في رمضان قرئ البخارى بالقلعة على العادة، فحضر الهروى وقد اختلق لنفسه إسنْادًا ليقرأَ عليه به صحيح البخارى، وأَرسل إلى القارئ - وهو شمس الدين الجيتي - فتناوله منه وهو من أَهل الفن فعرف فساده فاقتضى رأْيه أَن جامله، فلما ابتدأَ بالقراءَة قال بعد أَن بسمل وحمدل وصلى ودعا وبالسند إلى البخارى، فاستحسن منه ذلك وخفى على الهروى قصده، وظن أَنه نسى الورقة، وتمادى الحضور، والسلطان تارةً يحضر وتارةً لا يحضر، إلى أَن افتقد القاضي الحنبلي فسأل عن سبب تأْخيره فعرّفه كاتب السر أَنه يزدرى الهروى ويسلبه عن العلم ولا سيما الحديث، فأذن السلطان للبلقيني في حضور مجلس الحديث فحضر (١) وجلس فما أَظنه جلس تحته بل ولا فوقه، ويمكن أَن يكون جلس من جانب السلطان الآخر بجانب الهروى، فلما بلغ ذلك القاضي الحنبلي حضر أَيضا وتجاذبا البحث، وحضر مع البلقيني كثيرٌ من أَقاربه ومحبّيه، فصار يركب في موكبٍ أَعظم من الهروى، وتحامى كثيرٌ من النواب الركوبَ مع الهروى خوفا من البلقيني ومما يقاسونه من السب الصريح من أَتباعه، فتقدم الهروى إلى النواب والموقعين بأن من لم يركب معه فهو ممنوع، فتحامى كثير من النواب النيابة عنه وأَصرّ آخرون، فوقع لواحد منهم - يقال له عز الدين محمد بن عبد السلام المنوفى - بحث مع البلقيني، فسطا عليه وسأل المالكي أَن يحكم فيه، فاستدعى به إِلى بيته وحكم بتعزيره فعُزّر ومُنع من الحكم؛ ثم وقع الآخر منهم - يقال له شهاب الدين الشيرجي - فأوسل إليه البلقيني يطلبه إلى بيته فامتنع منه واعتصم بالهروى، ثم حضر الخَتْم فلم يحضر البلقيني، وخُلع على الهروى وعلى بقية القضاة، فامتنع الديرى من لبس خلعته لكونها دون خلعة الهروى فاستُرْضِيَ فرضى. فلما كان في التاسع عشر من ذى الحجة حضر السلطان في خاصتة في جامعه بباب زويلة واجتمع عنده القضاة فتناقش كل من القاضيين: الهروى والديري، وخرجا عن الحد في السباب والفحش في القول، ثم سَكَّن السلطانُ ما بينهما فسكنا. وكان السبب في ذلك أَنهما اجتمعا للسلام على السلطان بعد رجوعه من الوجه البحرى، فتباحثا

стр. 1264

في شيء، فنَقل الهروى نقلًا باطلًا وعزاه لتفسير الثعلبي، فاستشهد الديرى بمن حضر على ذلك وجمع التفاسير وأَحضرها ليطلع بها إلى القلعة، فاتّفق حضور السلطان بالجامع، فأَعاد البحث فأَخرج النقل بخلاف ما قال الهروى فجحد فاستشهد عليه من حضر فلم يشهد أَحد، فسأَل السلطانُ مِنَ الفقير إلى الله تعالى كاتِبهِ ومن القاضي المالكي عن حقيقة ذلك فأَخبراه بصدق ابن الديرى، ثم أَخرج ابن الديرى عدة فتاوى بخط الهروى كلها خطأ، فجحد (١) أَن يكون خطه، فحلف الديري بالطلاق الثلاث أَن بعضها خطه، وانفصل المجلس على أَقبح ما يكون. * * * وفى ثالث جمادى الآخرة وُشِى إلى السلطان بالأمير جقمق الدويدار وأَنه مخامرٌ على السلطان، وأَنه يكاتب قرا يوسف منذ كان السلطان بكخْتا، وكان الواشي بذلك رجل يقال له ابن الدربندي، وكان قد اتصل بالسلطان من الطريق فجهزه إلى الحج بحسب سؤاله، فلما رجع ادعي أَنه ينصح السلطان وأَن جقمق استدعاه ليرسله برسالة إِلى قرا يوسف جوابا عن كتابٍ حضر إليه، فأَعلن السلطانُ جقمقَ بذلك ولم يسمّ له الناقل، فقلق قلقا عظيما وكاد أَن يموت غما، واستعطف السلطان حتى أَعلمه بالناقل فطلبه منه فسلّمه له، فاعترف بأَنه كذب عليه بتسليط بعض الأُمراء عليه، وأَحضر من بيته وتدا مجوّفًا بالحديد من رأْسه، في طيّه كتاب رق لطيف مكتوب بالفارسية بماءِ الذهب جوابا عن الأَمير جقمق لقرا يوسف، فطلب جقمق الخياطين وأَراهم الوتد فعرَفه بعضُهم وقال: "نعم أَنا خرطت هذا لشخص عجمى ولم يعطنى أُجرته إلى الآن! " فأحضر المذكور وعَرَفه، ثم تتبعوا من يكتب بالعجمى واتهموا الشيخ نصر الله إلى أَن ظهرت براءَة ساحته، وعُثر على عجمي كان ينزل في مدرسة العنتابي ثم مرض فحمل إلى المارستان فهُدّد فاعترف أَن الكتاب بخطه وأَن ابن الدربَنْدِي هو الذي أَملاه عليه، وادعى ابن الدربَنْدِي أَن الذي أَلجأَه إِلى ذلك الأَمير أَلْطَنْبُغَا الصغير بُغْضًا منه في جمقق، فغُرِّق الدربندي في النيل ونفى الشيخ

стр. 1265

الذي استعمل الوتد إلى قوص ومات الكاتب عن قرب بالمرستان وبرئت ساحة جمقق عند السلطان، ولم يتغير ما بينه وبين أَلْطَنْبُغا لتحققه كذبَ ابن الدربندي، واشتد غضب جمقق من طائفة العجم - فرسم عن إذن السلطان - بتسييرهم إلى بلادهم وشدَّد في ذلك حتى أَلزم مَن بالخوانق وبالمدارس بالسفر فضجوا، وتعصب لهم الهروى وغيره ولم يزالوا يستعطفون السلطان إِلى أَن أَهمل أَمرهم. * * * وفي ثامن جمادى الآخرة قدم فخر الدين الأُستادار من الصعيد وصحبته عشرون أَلف رأْس من الغنم سوى ما تلف، وأَلف وثلاثمائة رأْس رقيق، وثلاثة آلاف رأْس بقر، وتسعة آلاف رأْس جاموس، ومن القند والعسل شيء كثير جدا، فقُوّم عليه جميع ذلك بمائة أَلف دينار والتزم بالقيام بها. ثم بعد مجيئه من الصعيد طلعت هوارة في أَلف فارس وأَلقى راجل فكبسوا على سُودُون القاضي الكاشف - وكان عنده حينئذ إينال الأَزعرى أَحد مقدمى الأَلوف - فتواقعوا، فبلغ ذلك السلطانَ فأَرسل نجدةً عظيمة فيها: جقمق الدويدار وططر رأْس النوبة وأَلْطَنْبُغَا المَرْقَبي وقَطَّلُوبُغَا التَّنَمى في جَمْع كثير فتوجهوا، فوجدوا الأَميرين قد انتصرا وقد قتل منهم جماعة، وكانت الدائرة على هوارة فانهزموا وحُمل منهم عشرون رأْسًا إِلى القاهرة، ثم وصل الأُمراءُ فَتَتَبَّعوا هوارة إِلى أَن أَوقعوا بهم أَيضًا فقتلوا منهم نحو الخمسين، وهرب باقيهم إِلى الواحات الداخلة وتركوا حريمهم وأَموالهم، فغنموا منهم شيئا كثيرا، وَقدموا القاهرة في ثامن شعبان وصحبتهم أَلفا جمل وإِثنا عشر أَلف رأْس غنم سوى ما تلف وسوى ما توزّعه الأُمراءُ وأَتباعهم، وجهز أَزْدُمر الظاهري - أَحد المقدمين في عدةٍ من العسكر للإقامة ببلد الصعيد بسبب العربان المفسدين. * * * وفيها مات إبراهيم بن الدربَنْدِي صاحب بلاد الدست فتوجه قرا يوسف إليه في ستة آلاف فارس إلى "شماخي"، فواقعه ابن إبراهيم في عساكر الدست فهزمه وقتل منه ناس كثير، وتوجه ابن تمرلنك إِلى جهة تبريز لمحاربة قرا يوسف - فاشتغل قرا يواسف بمادهمه
следующие страницы →