١٥ - محمد (١) بن محمد بن عبد الله بن أحمد، شمس الدين بن الصُّغَيَّر بالتصغير، الطبيب المشهور، وُلِد في جمادى الأُولى سنة ٧٤٥، وكان أبوه فرّاشًا فاشتغل هو بالطب وحفظ "الموجز" وشرحه، وتصرّف في العلاج فمهر، وصحب البهاء الكازرونى. وكان حسنَ الشكل له مروءة. مات بعد مرض طويل في عاشر شوال.
١٦ - محمد بن محمد بن عثمان القاضي، ناصر الدين البارزي (٢)، كاتب السرّ، وُلد في شوال سنة تسعٍ وستين، وحفظ "الحاوى" في صغره واستمرَّ يكرّر عليه ويستحضر منه، وتعانى الآداب وقال الشعر وكتب الخطَّ المنسوب الجيّد، ثم ولى قضاء بلده وكتابة السرّ بها وقضاء حلب وكتابة السرّ بالقاهرة طول دولة المؤيّد، وكان لطيف المنادمة (٣)، كبير الرئاسة، ذا طلاقةٍ وبشرٍ وإحسانٍ للعلماءِ والفضلاءِ على طريقة قدماءِ الكرماء؛ ومات في يوم الأربعاء ثامن شوال، ومشى الناس في جنازته من منزله بالخراطين إلى الرميلة، ولم يُصَلِّ السلطانُ عليه لأنَّه كان في غاية الضعف حينئذ.
١٧ - محمد بن محمد بن محمد بن سعيد الصَّغاني، كمال الدين بن (٤) الضياء وَلَدُ قاضي مكة، ناب في عقود الأنْكحة ومات بمكة في ربيع الأوّل.
стр. 1332
١٨ - محمد بن موسى بن على بن عبد الصّمد بن محمد بن عبد الله، المراكشي الأصل ثم المكي، ثم الحافظ جمال الدين أبو المحاسن بن موسى، وُلد في ثالث رمضان سنة سبع وثمانين وحفظ القرآن، وأجاز له -وهو صغير قبيل التسعين وبعدها- أبو عبد الله ابن عرفة وتقى الدين بن حاتم وناصر الدين بن الميلق وجماعة، وتفقَّه، وحُبِّب إليه الطلب فسمع بمكة على مشايخ مكة كابن صدّيق ومن دونه، وعلى القادمين عليها كعلاء الدين الجزري وعبد الرحمن الدّهقلى وشهاب الدين بن منيب.
وأخذ علم الحديث عن الشيخ جمال الدين بن ظهيرة والحافظ تقىّ الدين الفاسي والحافظ صلاح الدين الأقْفَهْسي، وتخرّج به (١) في المعرفة في طريق الطلب والعالى والنازل، ورحل إلى الديار المصرية فسمع من شيوخها، ثم رحل إلى الشام فأَدرك عائشة بنت عبد الهادي خاتمةَ أصحاب الحجار، وجال في رحلته فسمع بحلب وحماة وحمص وبعلبك والقدس والخليل وغزة والرملة، وسمع بالإسكندرية وغيرها ثم رجع وقد كملت معرفته.
وخرَّج لغير واحدٍ من مشايخه، منهم: الشيخ بدر الدين بن حسين. وعمل تراجم مشايخه فأَفاد بها، وخرّج لنفسه أربعين متباينة الأَسانيد والمتون، وموافقات لكن لم يلتزم فيها بالسماع بل أخرج فيها بالإجازة، ثم دخل اليمن فسمع بها، ومدح الناصر أحمد فأجازه وولَّاه مدرسةً هناك فأَقام بتلك البلاد وصار يحج في كل سنة، وكان ذا مروءةٍ وقناعةٍ وصبْرٍ على الأذى، باذلًا لكتبه وفوائده، وكان موصوفًا بصدق اللهجة وقلَّة الكلام وعَدَم ما كان عند غيره من أقرانه من اللهو وغيره مِن صِباه إلى أن مات.
فلما كان في هذه السنة قدم حاجًّا فعاقهم الرّيح فخشى فوات الحج فركب في البرّ وأجهد نفسه فأدركه فَتَوَعَّك واستمر مريضًا إلى أن مات في ثامن عشري ذي الحجة ودُفن بالمعلى.
١٩ - محمد الشهير بابن بطاله، كان أحد المشايخ الذين يعتقدهم أهل مصر، وله زاوية بقنطرة الموسكى، وكانت كلمته مسموعةً عند أهل الدولة، واشتُهر جدا في ولاية
стр. 1333
علاء الدين بن الطبلاوى، وكانت جنازته مشهورةً حملها الصّاحب بدر الدين بن نصر الله ومن تبعه، ومات في خامس عشرى ربيع الأول، وقد جاوز الثمانين.
٢٠ - موسى بن محمد بن نصر البعلبكي المعروف بابن السُّقَيْف، القاضي شرف الدين أبو الفتح، وُلد سنة اثنتين وخمسين، وأخذ الفقه عن الخطيب جلال الدين، والحديث عن عماد الدين بن بردس وغيرهما؛ واشتغل بدمشق عند ابن الشريشي والزهرى وغيرهما، ومهر وتصدّى للإفتاءِ والتدريس ببلده من أوّل سنة إحدى وثمانين وهلمّ جرًّا، وولى قضاء بلده مرارًا فحسُنَتْ سيرته. وكان كثير البرِّ للطلبة سليم الباطن يأْمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وله أورادٌ وعبادة، وانتهت إليه رئاسة الفقه ببلده إلى أن مات في هذه السنة في جمادى الآخرة.
٢١ - ناصر بن أحمد بن منصور بن مَزْنى البَسْكرى (١)، كان أبوه من أُمراء المغرب صاحب ثروة ومعرفة، فحجّ هو ووقع للسلطان عضبٌ على أبيه فأَوقع به فاستمر ناصر بالقاهرة واشتغل، وكان لهجا بالتاريخ وأخبار الرواة، جَمَّاعةً لذلك ضابطًا له مكثرًا منه جدًّا، وأراد تبييض كتابٍ واسع ذلك فأَعجلته المنية، ومات في شعبان منها ولم يدخل الكهولة (٢).
٢٢ - يوسف بن الشيخ إسماعيل بن يوسف الإنبابي، الشيخ جمال الدين بن القدوة
стр. 1334
إسماعيل، أخذ الكثير عن شيوخنا، وقرأ في الفقه والعربية والأصول وأكثر جدًّا، ثم انقطع بزاوية أبيه بإنبابة وأحبه الناس واعتقدوه وحجَّ مرارًا.
وكان يذكر لنفسه نسبًا في سعد بن عبادة، ومات في شوال وخلَّف مالًا كثيرًا جدًا.
٢٣ - يوسف بن قرا محمد التركماني المعروف بقرا يوسف بن بيرم خجا، تقدم في قرا يوسف (١).
* * *
стр. 1335
سنة أربع وعشرين وثمانمائة
استهلت يوم الإثنين ورؤى الهلال في تلك الليلة كبيرا ودام حتى غاب الشفق، وسمعنا بعض الجند يتمول إنه رآه ليلة الأحد وكذا ثبت في حلب وكان يوم الاثنين حادي عشر طوبة (١).
* * *
وفى أوّله اشتد مرض السلطان وأُرجف بموته وحصل له ذرب مفرط واستمر به إلى أن مات ضحى يوم الاثنين ثامن السنة، وحضر موتَه الشيخُ يحيى السيرامى وبعضُ الأمراء، ثم اجتمع الأُمراءُ والقضاة والخليفة وسلطنوا ابنه أحمدَ ولقبوه "المظفر" وذلك قبل تجهيز والده، وكان القائم في ذلك الأمير ططر وهو يومئذ أمير مجلس، ثم جُهّز الملك المؤيد وتقدم للصلاة عليه الخليفة ثم حُمل من القلعة إلى مدرسته التي أنشأَها داخل باب زويلة ودفن بها في القبة التي دفن فيها ولده إبراهيم، وتأَسف الناس عليه جدا وأكثروا الترحم عليه، وأمطرت السماءُ ساعة المسير بجنازته مطرا غزيرا جدا حتى مشى الناس في الوحل إلى المدرسة، وأخبرني بعض أصحابنا أنه شاهد البرد ينزل من السماء كبارا.
وكات مدّة سلطنة المؤيد ثمانى سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام، وكان ابتداءُ استقراره في نيابة الشام في سنة خمس وثمانمائة، فاستوفى في الملك عشرين سنة: أميرا صرفا، وفى معنى السلطان، وسلطانا.
وكان شهما شجاعا عالى الهمة كثير الرجوع إلى الحق، محبًّا في الشرع وأهله، صحيحَ العقيدة، كثيرَ التعظيم لأهل العلم والإكرام لهم والمحبة في أصحابه والصفح عن جرائمهم، ومحاسنه جمة.
* * *
وفي عقب دفن السلطان قُبض (٢) على الأمير قجقار القردمى وحُبس بالقلعة، وكان
стр. 1336
شاع في مُدَّة مرِض المؤيد أنه يريد الركوب على السلطان فلم يقع ذلك، فلما مات المؤيد كان الأُمراءُ مقيمين بالقلعة فلم يتوجه منهم في الجنازة إلا القليل، فبادر الأمير ططر وقبض على قجقار، وكان قجقار أراد ذلك فلم يتهيأْ له، فكان يريد أن يكون هو المتكلم في المملكة فحيل بينه وبين ما أراد.
واستقر ططر بتدبير المملكة ولَف المؤيدية عليه وقَرَّبهُم وأمَّرَهم، ونودى في يوم الخميس بالإنفاق على الجند، فأُنفق لكل واحد ثمانون دينارا وأربعة آلاف فلوسا، وكان فى خزانة المؤيد جملة مستكثرة من الفلوس، ولم يفتح الأَمير ططر الخزانة إلا بحضرة القضاة، فأخذ منها قدر أربعمائة ألف دينارٍ للنفقة ثم أغلقها وختم عليها وسلم الختم والمفتاح للقاضي المالكي؛ ثم قبض على جلبان رأس نوبة إبراهيم بن المؤيد وعلى شاهين الفارسي وهما من كبراء الأُمراء فأُضيفا إلى القردمى، وجَهَز الثلاثة إلى الإسكندرية في يوم الجمعة.
وانسحب مقبل الدويدار في طائفة خوفًا على أنفسهم من الحبْس فتوجهوا قِبَل الشام ونزلوا البحر من جهة دمياط (١) وأَلطِينة واستمروا إلى جهة طرابلس، وكانوا اتفقوا على الركوب على ططر، وكان فيهم أَسندمر النورى أمير طبلخاناه و كان من رءُوس النوب، وكان معه من أُمراء العشرات مبارك شاه وجلبان وكمشبغا الحمزاوى ويَلْخُجا، واجتمعوا بالرميلة، فتأخر عنهم من كان أحضر واتفق معهم فساقوا هاربين فتبعهم جانبك الصوفى ويشبك الأُستادار وتنبك ميق فلم يلحقوهم.
* * *
وفى الثالث عشر من المحرم استمر بدر الدين بن نصر الله في نظر الخاص مضافا إلى الوزارة، وصُرف مرجان الهندى عن التحدّث في الخاص، واستقر صدر الدين بن العجمي في الحسبة وصُرف إبراهيم بن الحسام، وفرح الناس به ورَتَّب الأمير ططر للمحتسب في كل يوم ينارين على الجوالى، وشرط عليه أن يبطل الدّكة ويوفر ما كان المحتسب يأْخذه من البياعين، ثم استقر في الوزارة تاج الدين كاتب المناخات في ثانى عشري المحرم.
стр. 1337
وفيه نودى فى الجند أن يحضروا ليُعاد إليهم ما كان قُبض منهم -بسبب التَّجريدة- من المال في أيام المؤيد ومباشرة الهروي القضاءَ، فعَظُم فرحهُم بذلك ودعاؤهم، وشرع في إعطائهم ذلك.
وفي النصف من المحرم خُلع على الأمير ططر خلعة معظَّمَةً واستمر نظامَ المملكة، واستقر تغري بردي بن قصروه أمير آخور، وجاني بك الصوفى أميرَ سلاح، وعلي باى دويدارًا كبيرًا عوضا عن مقبل، ولُقب ططر "نظام الملك"، وخلع على جماعة آخرين من الأُمراء.
وفي الثاني عشر منه استقر إينالُ الأزعرى حاجبَ الحجاب، وخُلِعَ على القضاة باستمرارهم، وعلى كاتب السر وناظر الجيش وناظر الإسطبل بالاستقرار أيضا، ثم استعفى ناظرُ الجيش من وظيفته فرُوجع فصَمَّم وتوجَّه إلى الجيزة فأقام بها، فلما كان في الخامس والعشرين منه قُرر في كتابةِ السر، وقُرِّرَ كاتبُ السر في نظر الجيش وباشرا ذلك جميعا، وليس كمالُ الدين الخلعة بذلك في هذا اليوم، وتأَخر لبس ابن الكويز الخلعة إلى يوم الاثنين تاسع عشرى الشهر أو سلخه، واستقر مرجان الخزندار في نظر الجوالي.
وفي السابع والعشرين من المحرم توجه يشبك الأُستادار إلى الصعيد لدفع المفسدين من العرب واستخلاص الأموال من الفلاحين.
* * *
وفي أواخر الشهر خرج الأُمراء المجرَّدون من حلب، وكان المؤيد أرسلهم في الظاهر لحفظ البلاد من قرا يوسف وفى الباطن لإمساك يشبك، وأحَسَّ يشبك بذلك فأخذ حِذْره منهم ولم يتمكنوا منه، فلما بلغْتهم وفاةُ المؤيد سافروا قادمين القاهرة فلم يُوَدِّعهم نائبها يشبك اليوسفى، فبلغهم أنه بريد الغَدْر فحذروا منه، وتبعهم هو فتتبع آثارهم ظانا أنهم على غفلة عنه فكبسهم، فوقع الحرب بينهم فكبَا به فرسُه فظفروا به فقتلوه ورجعوا إلى حلب، فقرَّروا ألطنبغا الصغير في إمرتها وتوجّهوا إلى جهة دمشق، فلما بلغ ذلك ططر في الأول أخرج إقطاع ألطنبغا الصغير هذا ووقعت الحوطةُ على حواصله، ثم أُخْرجت إقطاعات بقية الأُمراء فاستقر تَنْبَك ميق أتابكًا على إقطاع القُرْمشي، ثم أُخرجت
стр. 1338
إقطاعات بقية الأُمراء المجرّدين صحبة ألطنبغا، ووقع التباين بين الطائفتين. وكانوا أرسلوا إلى العرب والتركمان فصادف وصولهم يوم نزول العسكر بعين مباركة، وكان نائبُ القلعة شجاعُ الدين أحسَّ بالشر من يشبك فأَخذ حذره منه وحصن القلعة، فأَراد يشبك المؤيدى بحلب فلم يظفر به، فخرج طالبا العسكر فرمى عليه نائبُ القلعة بالحجارة والسهام، فصار هو يرعد ويتوعّده، فما أحسَّ العسكر المصرى إلا وقد طرقهم بمن معه ظنًا منه أنه يأْخذه منهم على غِرَّة، وفطنوا به فظفروا به (١) وقُتل في المعركة ورَجعوا إلى حلب.
وكان يشبك المذكور سيّء السيرة حتى إن بعض مماليكه خرج إلى كفر بوران لمُهِمّ لأُستاذه، فرجع إليه فافترى عليهم كذبة، فلم يُكَذِّب أُستاذه الخبرَ ورجع بعسكره فأوقع بهم وأبادهم قتلا ونهبا وفسقا، وسبى الذرية وأحضر أربعة عشر نفسا من شيوخهم وكهولم فصلبهم.
وفى حادى عشر صفر وصل سيف يشبك -الذي كان شادّ الشّرَابْخاناه ومات المؤيد وهو نائب حلب- وقرينُه (٢) رأْسه، أرسَل ذلك الأُمراءُ الذين قتلوه، واتفق أَلطنبغا القرمشي وجَقْمق نائبُ الشام ومن معهم على مباغتة المصريين، ثم وقع بينهم الخلف ومال القرمشي إلى المصريين.
وفي صفر خُلع على الدويدار الكبير على باى وعلى كاتب السر ابن الكُوَيْز بنظر المؤيّدية وحصرها، وعلى أمير آخور تغرى بردى بنظر الظاهرية، وعلى رأْس نوبة بنظر الشّيخونية، وعلى إينال الأزعرى بنظر جامِعَىْ الأزهر وعمرو بن العاص؛ وباشروا وظائفهم.
وفى ربيع الأول أُخرجت إقطاعات الأُمراء المخالفين وجُدِّدت الأيمان للمظفّر وللقائم بدولته ططر، وكُتب له تفويضٌ عن الخليفة وشَهد فيه القضاة ثم حكموا بصحَّته.
стр. 1339
ودخلت في رأْسه النّخْوة، ونهج الاستبداد تلويحا وتصريحا وأخذ في أسباب ذلك وأعانه عليه قوم آخرون، وشرع في إرضاء من خشى شرَّه ومخالفتَه بالمال.
* * *
وفى يوم الخميس أول (١) يوم من ربيع الأول -ثم ثبت أنه ثانيه- عُمل المولد السلطان السلطاني وأُحضر المظفر فأُجلس مجلس أَبيه وهو ابن سنتين بل لم يكملهما، فجلس ساكنا لا يتكلم ولا يقلق ولا يعبث قدر ساعة رملية، ثم رُفع ثم أُعيد عند مدّ السماط فجلس مجلس أبيه أيضا على الصفة الأُولى من السكون.
وبلغ جمقق -نائب الشام- ما وقع بمصر فاستولى على القلعة وأمسك نائبها.
وفى خامسه نزلت الشمس برج الحمل.
وفي صفر أُطلق ناصر الدين محمد بن قرمان الذي كان قبض عليه في سنة ٢٢ وفُوِّضَت أُمور بلاده لأَخيه على، فأُعيد محمد إلى مملكته، وسار في يوم الجمعة خامس عشرى صفر من البحر وسار معه شمس الدين الرومى المعروف بشاكر الهروى، وزوّده الأمير ططر بمالٍ وقماشٍ وخيلٍ وخيامٍ، وجهز معه مُسَفِّرا، فيقال إن الريح عصفت عليهم فتوجهت المركب نحو قبرص، فبلغ ذلك صاحبها فكارمه بهدية.
وفى يوم الأحد حادى عشره (٢) أُمسك كمال الدين بن البارزي وعُوِّق من وقت العصر إلى صبيحة الاثنين، وَشفع فيه صهره ابنُ الكُوَيْز واستكتَبَه خَطّه بستة آلاف دينار.
وفيه قُبض على ناصر الدين بن العطار الذي كان نائبًا بالإسكندرية لناظر (٣) الخاص ثم أُفرج عنه بعد أيام، ووصل يشبك الإينالى الأُستادار من الصعيد بعد أن اجتاح أهله
стр. 1340
فصُرف بعد قليل من الأُستادارية واستقر فيها صلاح الدين بن ناظر الخاص في سابع عشر ربيع الأول.
وفى يوم الإثنين العشرين من شهر ربيع الأَول كان أول الخماسين عند المصريين، وحصل فيه حرٌّ شديدٌ وسموم مفرط، و كان ذلك في أواخر آذار وأوائل نيسان، فاشتد ذلك حتى صار كأَشد ما يكون في تموز ولولا برد الماء لهَلك الناس، ثم ارتفع ذلك بعد عشرة أيام وأمطرت السماءُ مطرا غزيرا برعْدٍ وبرق، وعاد مزاج الفصل إلى العادة من البرد المتوسط.
وفي شهر ربيع الآخر أُقيمت خطبة في تربة الزمام خارج الصحرء بالقرب من جامع طشتمر وحضرها جماعةٌ مع ضيق المكان جدا، وحكم بصحة ذلك القاضي الحنفي.
وفيه استقر شمس الدين محمد بن قاضي القضاة الحنفى الأَقفهسي (١) في قضاء العسكر وإفتاء دار العدل عوضًا عن شمس الدين القرماني المعروف بشاكر الهروى بحكم انتقاله إلى بلاده صحبة ابن قرمان.
وفي رابع ربيع الآخر نزل الأَمير ططر في موكب كبير ومعه جمعٌ كبيرٌ من الأُمراء وغيرهم، فدخل المدرسة المؤيدية وزار قبر المؤيد وضَيَّفَهُ شيخُها بحلاوة عجمية.
وفي رابع عشرين صفر قُبض على ابن وثاب وكان من قطاع الطريق بالإطفيحية وقد جمع كثيرا من المفسدين وسماهم بأَسماء الأُمراء، فإذا مرت مركب فيها غلة سأَل عن صاحبها فإذا قيل له "الأمير فلان" استدعى بذلك الذى سُمِّى باسمه وقال له: "هذه مركبك خذها! "، واستطالوا على الناس جدا.
وفي ربيع الآخر نازل عُذْرا -أمير العرب- بلاد حلب فخرج إليه أَلطنبغا الصغير نائبها إذ ذاك وأوقع به فكسر عذرا وانْتُهِبَتْ جماله ومواشيه وهرب في أسوإ حال، ورجع العسكر
стр. 1341
الحلبىُّ منصورًا، ثم توجه النائب المذكور إلى جهة ابن كبك التركماني فالتقى الجمعان بين قلعة المسلمين وعينتاب، فكان القتال واشتد الخطب، ثم وقع النصر للحلبيين فأَوقعوا بالتركمان وانتهبوهم وغنموا منهم شيئًا كثيرًا جدًا، وقُتل منهم جماعةُ وأُسر جماعة، فوُسط بعضهم بسوق الخيل.
وفى ربيع الآخر رخص الورد جدا بحيث بيع على رؤوس الباعة على حساب كل ألف وردةٍ بقدر عشرين درهمًا معاملةَ القاهرة، فيكون بالدينار الهرجة المصرى عشرة آلاف وردة.
فلما كان في سنة ست وعشرين كان قليلا، وأكثر ما رخص أن كان على الضعف من هذه السنة.
وفي سابع ربيع الآخر أنفق الأمير ططر نفقة السفر، لكل مملوكٍ مائةُ دينار، وأعطى القضاة من النَّفقة لكل واحد كما لواحد من المماليك، وخَلع على القضاة الأربعة جببًا بسمور.
وفي جمادى الأُولى ادّعى شخص من عرب الصعيد يقال له "عرّام" النبوة، زعم أنه رآى فاطمة الزهراء ابنة النبي ﷺ في اليقظة فأَخبرته عن أبيها أنه سُيُبْعَثُ بعده فأطاعه ناس، وخرج في ناحيته فقام عليه نجم الدين عبد الرحمن بن عبد الوارث البكرى (١) وسعى إلى أن قبض عليه فضربه تعزيرا وحبسه وأهانه فرجع عن دعواه وتاب، وهكذا أخبرني به عبد الرحمن المذكور.
* * *
وفي التاسع عشر من شهر ربيع الآخر خرجت العساكر المصرية متوجهةً إلى الشام بسبب مخالفة الأُمراء بالشام عليهم، وكان الأُمراءُ قد توجهوا من حلب بعد قتل نائبها إلى دمشق وانضم إليهم مقبل الدويدار الذى كان تسحّب، وتحالف الجميع على المعاونة وعلى تقدمة الدولة المؤيدية وطرد النوروزية، فبلغ ذلك ططر فأَنْفق في العساكر في تاسع الشهر وبذل
стр. 1342
الأموال ولم يردَّ سائلا حتى نفذ بيت المال الذي كان المؤيد ادّخره، ولم يبق معه منه إلا القليل صحبته، وقَرّر الأمير ططر في الإسطبل جقمق -أخا جركس المصارع وهو الذى ولى السلطنة بعد الأشرف-، ونائب الغيبة قنباى الحمزاوى، ونائب القلعة قطج، فضرب خامه فى الرابع عشر بالريدانية ثم خرج في المقدمة علي باي الدّوادار والحاجب إينال وغيرُهما، ثم توجه العساكر في يوم الجمعة الثاني والعشرين منه ووصل جاليش الشاميين إلى غَزَّة، فلما بلغهم وصول العساكر انهزموا بغير لقاء، واستأْمن جلبان (١) أمير آخور وإينال النوروزى وحضرا إلى المصريين في أثناء طريق غزة، وتوارد غالب من كان في المقدمة إلى أن كان الذين حضروا عند ططر بغزة ستمائة نفس منهم، وكان دخولهم غزة في ثاني جمادى الأُولى يوم الاثنين في دست كبير وأُبهة هائلة، ثم وقع بين الشاميين مباينةٌ فقام ألطنْبغا القرمشي ومن انْضَمَّ إليه من الأُمراء المجردين على جقمق ومن معه، فانكسر جقمق وفر هو ومقبل الدويدار وطوغان أمير آخور إلى صرخد فتحصنوا بها، واستقر ألطنبغا القرمشى حاكما بدمشق، ووصلت عساكر المصريين إلى دمشق في نصف الشهر.
وألقى القرمشي ومن معه بالمقاليد وطلبوا الأمان ودخلوا في الطَّاعة، فأُمْسِكوا بعد قليل وقُتلوا، ثم جُهِّزَت طائفة إلى صرخد بسبب جقمق ومن معه، واستمر قطلوبغا التنمى بطالًا، وشَرْبَاش قاجق وأَلطنبغا المرقبي بطَّالين بالقدس، واستقر تانى بك ميق نائب (٢) الشام، وقرر عوضه جانبك الصوفى أتابك العساكر.
وفي رابع ربيع الآخر قُتل راشد بن بقر أَمير العرب بالشرقية، واستقر عوضه شعبان ابن عيسى، وكان راشد مشكور السيرة.
وفى ليلة الثلاثاء سادس عشر جمادى الآخرة أَمطرت السماء بعد المغرب مطرا يسيرا وذلك بعد نزول الشمس للسرطان بليلتين.
стр. 1343
وفى يوم السبت العشرين منه ابتدئ بالنداء على زيادة النّيل، وكانت القاعدة أَربعة أذرع وعشرين إصبعا.
وفى سلخ جمادى الآخرة توقَّف النّيل ثم استمرت الزيادة ورخصت الأسعار.
وفي رمضان ورَد مرسوم السلطان بِقَتْل الأُمراء المسجونين بالإسكندرية فقَتَلوا منهم قجقار القردمى.
وفى (١) الرابع من رمضان أُحضر إلى صدر الدين بن العجمي المحتسب رجب بن سليمان غلام ابن خير ومعه جمع كثير، وذكروا له أنهم كبسوه مع صبي وهو يلوط به نهارًا فأَمر بضربه بالعصا وبالدّرة وحُبِس، وكان قد أنكر ذلك لمَّا شهدوا عليه، فأَمر شخصا أن يكشف عن ذكره ويعصره ففعل فخرج المني منه، فلم يُسمع بأَفحش منها، ثم أُطلق هذا الرجل واستمر على حاله.
وكان هذا يخدم القاضي ابن خير فصار بعده يستجدى من الطَّلبة ويرافقهم في الطلب وفى سماع الحديث، فسمع شيئا كثيرا، لكنه يزن بالهنات، ولا يزال يحصل في مكروه من ذلك إلى أَن وقعت له هذه الواقعة، فكانت أَشد شيء اتفق له، ثم اتفق أن المحتسب عُزل بعد يومين فرجع رجب إلى عادته وعاش بعد صدر الدين دهرا.
* * *
ولما توجه ألطنبغا القرمشي ومن معه من الأُمراء وهم: طوغان أَمير آخور وجلبان وأزدمر الناصري وجرباش إلى دمشق تأخَّر من رفقتهم أَلطنبغا الصغير في نيابة حلب، واتفقوا جميعا مع جقمق نائبها -الذي كان دويدار المؤيد- على محالفة (٢) المصريين، ثم وقع بينهم الحرب فانتصر أَلطنبغا وفر جقمق ومن وافقه إلى صرخد فتحصنوا بها.
ووصل ططر مع العسكر المصري إلى الغور، فكتب القرمشي إلى ططر بطاعته هو وَمن معه، ثم خرجوا إلى ملاقاة العسكر إلى أَن دخلوا دمشق وخُلع على الجميع، فلم يَمْضِ نهارُ دخولهم حتى قُبض على القرمشي وقُتل واعتُقِل جماعة غيره ممن كانوا معه.
стр. 1344
واستقر إينال الجكمي في نيابة حلب، ثم خرج ططر بالعسكر إلى حلب فاستمر بها نحو أَربعين يوما حتى قرَرَّ الأُمور بها وقَرَّر في نيابتها تغرى بردي الذي يقال له أَبو قصروه، ونقل إينال الجكمي، وحضر أُمراءُ القلاع ونواب البلاد عنده وبذلوا الطاعة، ثم رحل عنها طالبًا دمشق.
وكان خروج العساكر صحبة ططر من حلب في ثانى عشر شعبان قاصدين دمشق، فوعك ططر في الطريق ثم عوفى، ثم دخل دمشق في الرابع والعشرين من شعبان فأَقام بها قليلا، وقَبض (١) على إينال الجكمي وإينال الأَزعرى ويشبك الإِينالى الأُستادار وجلبان وأَزدمر الناصري وعدة معهم من الأُمراء الأَربعينات والعشرات واعتقلهم، وذلك في الثامن والعشرين من شعبان، وبات في تلك الليلة عنده تانى بك ميق النائب بدمشق وغيره من خواصه.
* * *
فلما أصبح يوم الجمعة - سلخ شعبان - طلب الخليفةَ والقضاةَ والأُمراءَ إلى القلعة فبايعوه بالسلطنة، وخلع المظفرَ أحمد لصغره وعجزه، وخُطِب له ذلك اليوم على المنابر بدمشق وما قاربها، واستمرّ إلى رابع عشر رمضان فرحل بعد صلاة الجمعة طالبا الديار المصرية، وقَرَّر بدمشق نائبها تنبك ميق المذكور، وقرَّر في طرابلس تانى بك البجاسي نقلا من نيابة حماه، وقرر في نيابة حماه جار قطلى، ودخل القاهرة يوم الخميس رابع شوال، وكان استقر أَركماس الجلباني نقلا من نيابة … (٢) إلى نيابة طرابلس عوضًا عن شاهين الزردكاش، ووصل رسول جقمق ومن معه من صرخد في طلب الأَمان، فجهز إليهم بعض الموقعين وهو بدر الدين بن مزهر صحبة الأَمير برسباى الدقماقي وهو الذي ولى السلطنة بعد ذلك، ووصل مقبل سفيرًا منهم فقرر (٣) فريقه، ثم توجه بدر الدين بن مزهر
стр. 1345
موقع الدست فاستنزل الأُمراء من صرخد وأَحضرهم إلى دمشق، فقُتل جقمق في شعبان وحُبس طوغان.
وفى شعبان أُمسك جماعة من الأُمراء منهم يشبك الإينالي الذي كان أُستادارًا وعلي باى
الدوادار وإينال الأَزعرى وآخرون فحبسوا، وقبض على الأُمراء المؤيدية لما أَرادوا الوثوب على ططر في آخر شعبان، وهم: على باى الدوادار وجلبان ومغلباى وإينال الجكمي ويشبك الإينالى وأزدمر الناصري، وكان طلب أَولا الدويدار ومغلباى ثم طلب الباقين واحدا واحدا، فلما تكاملوا بالقلعة قَبض عليهم ثم أودعهم الاعتقال ليلة الجمعة وبات عنده بقية الأُمراء مثل نائب الشام تانى بك ميق والعلائى وجانبك الصوفى وبرسباى وهو (١) الذي ولى السلطنة بعده، واستقر برسباى دويدارا كبيرا، وجعل الدويدار أَتابك دمشق، وجانبك الصوفى أَتابك مصر ويشبك أمير آخور.
* * *
فلما أصبح يوم الجمعة تاسع عشرى (٢) شعبان الموافق لأول يوم من السنة القبطية تسلطن ططر بدمشق ولُقب الظاهر وكُنى "أَبا الفتح" وبايعه الخليفة والقضاة المصرية والشامية، وخُطب له على منبر دمشق، ووصلت إليه الطاعة من نواب البلاد.
وكان خروج ططر من حلب بالعساكر يوم الاثنين ثانى عشر شعبان، ونزل بعين مبارك يومين، ووصل إليه - وهو بها - على باك بن خليل بن قراجا بن ذلغادر أَمير التركمان بناحية مرعش خائفا، فتلقاه بالإكرام وفوض إليه نيابة عينتاب ودَرَنْدَه وغير ذلك مضافا لما بيده، وأَذن له في التوجه.
وسار ططر إلى جهة الشام ليلة الأَربعاء رابع عشره فوصل إليه وهو بمنزله - "قرا شهر" -
стр. 1346
مقبلٌ دويدارُ نائبِ الشام يخبر بوصول جقمق وطوغان من قلعة صرخد، فسُرَّ بذلك ودَخل دمشق يوم السبت رابع (١) عشرى شعبان وأَحضر الأَميرين فقبّلا الأَرض، فأَمر بتوجه طوغان إلى القدس بطالا، وبإعادة جقمق إلى السجن فأُعيد، فقُدِّرت وفاته ليلة الثلاثاء سابع عشري شعبان ودفن يوم الأَربعاء بمدرسته التي أَنشأَها بدمشق عند باب الجامع الشمالي، وكان ظالما غشوما متطلعا إلى أَموال الناس.
* * *
وفيه وقع بين المحتسب صدر الدين بن العجمى والتاج الوالى مخاصمة ثم اصطلحا، ثم جاءَ الأَمر بعزل صدر الدين واستقرار جمال الدين يوسف البساطي - الذي كان قاضي المالكية - في الحسبة. واستقر في خامس شهر رمضان، والتزم صدر الدين بأَن لا يتردد إلى أَحد، وضُيّق على بعض أتباعه ثم أُفْرج عنهم، واستمر البساطي في الحسبة إلى أَن مات الظاهر ططر فصُرف في ثالث عشرى ذى الحجة وأُعيد ابن العجمي.
* * *
وفي رابع عشر شهر رمضان توجه السلطان الظاهر والعساكر من دمشق إلى جهة الديار المصرية ودخل القاهرة في رابع شوال وكان يومًا مشهودا. واستقر برسباى دويدارا كبيرا، ويشبك - الذي كان دويدارا صغيرا وولى إمرة الحاج وفر من المدينة - أَميرَ آخور، وطرباي حاجبا كبيرا، ودخل هؤلاء بالخلع إلى القلعة، واستقر مرجان الخزندار زماما، وصودر كافور ولزم بيته فسكن في تربته بالصحراء.
* * *
وفى هذا الشهر وصل جماعة من الأُمراء المتسحبين في زمن المؤيد، وهم: سودون من عبد الرحمن الذى ولى نيابة دمشق بعد ذلك، وطرباى الذى ولى الأَتابكية بعد ذلك أَى بعد ططر، ويشبك الدويدار الذى كان فرَّ من المدينة الشريفة وهو أمير الحاج، وقجقار المراد خجاوى وخليل بن أَمير سلاح وجماعة، فلما وصلوا إلى الفرات تبعهم ابن طلجا موسى الكردي، وجمع عليهم عسكرا من التركمان والعرب فوقع بينهم القتال، فقُتِل خليل المذكور وانهزم الباقون بأَسوء حال، فتلقاهم نائب حلب.
стр. 1347
وكان وصول السلطان شَقْحب في آخر جمادى الأُولى، فقام عليهم عسكر نائب حلب مع نائب القلعة شاهين الأَرغون شاوى ورمى عليه وفاجأَه بمن معه مفاجأَة منعته من الكيس، فخرج من دار السعادة حاسرا حافيا وتفرق جمعه، فتوجه بمن تبعه إلى حلب فلم يُمَكّنوه من دخولها فاستمر ذاهبا فاختُلِف في أَمره، وكان معه كمشبغا الجمالي أميرًا كبيرًا كان بحلب، فانقطع ذكرهما، وقرر المظفر في نيابة حلب إينال الجكمي وآق بلاط الدمرداشي في إمرة كمشبغا، وأَحمد بن سيدى حاجب الحجاب، وبردبك نائب سيس أَمير عشرة؛ ودخل إينال الجكمي نائب حلب إليها في رابع رجب.
وفيها طلب السلطان الظاهر أركماس الجلبانى وأَمره بالوصول معه (١) إلى الشام ليسافر معه إلى القدس، فاستشعر الشر فتسحّب وخرج من طرابلس بمن معه قاصدا إلى حلب، فلما وصل إلى صهيون ركب عليه جماعةٌ من التركمان والفلاحين فأَخذوا عليه المضايق ونهبوا أَثقاله، وفر هو ونفر قليل إلى ناحية الشعر من عمل حلب فلما وصل إلى دمرداش أمسك، وبعث نائب حلب سيفه إلى السلطان واعتقله، واستقر في نيابة حماة جَرْقُطلى، وتوجه نائب حماه وهو تانى بك البجاسي إلى طرابلس.
وفى رجب وصل إلى المظفر ومدبر دولته ططر رسول شاه رخ بن اللنك يخبر عنه بأَنه نازل تبريز وبها إسكندر بن قرا يوسف فهزمه وملكها شاه رخ، ووصل ولد قرايلك من أَبيه مهنئا للظاهر بالسلطنة فخُلع عليه وكتب إلى والده بالرضى وتقريره في البلاد.
ووصل رسول صاحب الحصن مهنئا بالسلطنة فأَكرمه.
* * *
وفى النصف من شوال استقر الشيخ ولى الدين بن شيخنا الحافظ زين الدين العراقي في قضاء القضاة الشافعية عوضا عن البلقيني بحكم وفاته.
وفى ذي القعدة استقر زين الدين عبد الباسط بن خليل ناظر الخزانة في نظر الجيش وعُزل كمال الدين بن البارزي، فكانت مدة ولايته سنةً ما بين كتابة سر ونظر جيش،
стр. 1348
ولزم بيته بطالا، وقُرّرَ لهُ في الجوالى كل يوم دينار، وانتزع شرف الدين بن نصر الله من عبد الباسط نظر الخزانة ونظر المستأْجرات السلطانية بالشام وغير ذلك مما كان يباشره، ومن ذلك نظر الكسوة.
* * *
وفي هذه السنة حججْت - بعد أن توجه الحجاج بعشرة أَيام على رواحل - فوصلت إليهم بالقرب من الحوراء ورافقتهم إلى مكة ثم عدت صحبتهم، وكانت الوقفة يوم الجمعة بعد تنازع بمكة، مع أَن العيد كان بالقاهرة يوم الجمعة.
وفيها رجع شاه رخ إلى بلاده لما بلغه أن ولده خرج عليه فكرَّ راجعا وترك تبريز فرجع إليها إسكندر بن قرا يوسف.
واستمر الظاهر ططر موعوكا ينصل تارة ويشتد به المرض أُخرى، وصار يحضر الموكبَ داخل القاعة البيسرية عجزا عن الركوب، وتمادى به ذلك إلى أَن اشتد به المرض في ذي الحجة فأَوصى وعهد بالملك لولده، وقرر الدويدار الكبير برسباي أتابك العساكر، ومات الظاهر في يوم الأَحد خامس ذى الحجة فكانت سلطنته خمسة وتسعين يوما.
* * *
واستقر في السلطنة بعده ولده الملك الصالح محمد وهو ابن تسع سنين، واستقر الدويدار الكبير برسباى في تربيته، وسَكَنَ الأَشرفية التى كان يسكنها ططر قبل السلطنة، واستقر جانبك الصوفي في أَتابكية العساكر.
فلما كان يوم الجمعة بعد صلاة العيد تحيَّل بعض المماليك على جانبك فأَمسكوه وكان قد ركب بالرميلة فرموا عليه بالسهام، فخرج جانى بك من باب الإِسطبل وخرج برسباي من باب السر، ووقع القتال بينهم فأُمْسِك وأُمْسِك يشبك أَمير آخور وأُرسلا إلى الإسكندرية في حادى عشرى ذى الحجة، واستقر طرباى أَتابك العساكر، واستقر
стр. 1349
برسباى نظامَ الملك، وسودون من عبد الرحمن دويدارا كبيرا، وكان جانبك قد أَغلظ على المباشرين بديوان (١) السلطان، ففرحوا بالقبض عليه.
وكان ابن نصر الله استعفى من الأُستادارية فأُعفى، واستقر أَرغون شاه وبسط يده بالظلم فكفَّهُ برسباى واتفقوا على أَن ينفقوا نفقة البيعة لكل شخصٍ خمسون دينارا، ثم تأَخر ذلك.
* * *
وفيها انقرض ملك بني مرين من فاس بقتل صاحبها أبي سعيد وعثمان بن أحمد بن إبراهيم بن على بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني، قتله مدبر مملكته عبد العزيز الكناني وقتل إخوته وأَولاده وأَكابر البلد وأَبطالها وشيوخها وكانت فتنةً كبيرة. وأَقام محمد بن أَبي سعيد في المملكة، واستبد هو بتدبير الأُمور ولم ينتظم من يومئذ لبنى مرين أَمر؛ فسبحان من لا يزول ملكه.
* * *
وفيها لما رجع السلطان من الشام لاقاه الهروى فشكى إليه من حسن ناظر القدس وطلب أَن يعاد إليه ما أَخذه منه من المال وأَن يعاد إِليه نظر القدس فأَمر بإعادة المال وهو ثلاثة آلاف دينار ولم يجبه إلى تولية النظر بل رتب له على الجوالى في كل يوم دينارا.
وفيها هم تغري بردي بن قصروه بالعصيان وأَحضر كزل المؤيدي الذي كان هاربا من المؤيد ببلاد الروم وجمع الأُمراء بدار العدل بحلب وأَمسك جماعة منهم وجاهر بالعصيان، فبلغ الظاهرَ ذلك فاستناب تانى بك البجاسى نائب طرابلس فوصل إلى حلب وصحبته العساكرَ، وكان آق بلاط الدمرداش - الذي استقر أَميرا كبيرا بحلب - قد فر من تغري بردي لما أَحس بقبض الأُمراء فاستمر في فراره إلى حماة ودخل تانى بك حلب وفر تغرى بردى منها، وكتب الظاهر إلى عسكر الشام وغيرها بالتوجه إلى حلب للقبض على تغرى بردى
стр. 1350
فتوجهوا، وكان نائب الشام تانى بك العلائي ضعيفا فتأَخر بدمشق، وبلغ تغرى بردى الخبر فاضطربت أَحواله وأراد الفرار فقام عليه أَهل القلعة وأَهل البلد وقاتلوه فهرب على وجهه بغير قتال، فوصل إلى العمق فاجتمع بكزل تحت حارم، وكان قد أَرسله قبل ذلك ليجمع له التركمان، فرجع وقد جمع عونا فأَشار بأَن يطرق أَهل حلب بغتة، فلما هجموها بادر أهل البلد فصدوهم عن ذلك ورموهم بالحجارة وناوشوهم القتال واجتمعوا عليهم وقد نزلوا ليلا فوقع عليهم مطر عظيم بحيث تفرق جمعه، فخاف على نفسه فولي راجعا إلى جهة الشمال واتفق له ذلك كله والأُمراء الذين تجهزوا من الشام لقتاله قد وصلوا إلى المعرة، فجدوا في السير إلى أَن دخلوا حلب فلبس تانى بك خلعة النيابة ونزل بدار العدل ثم انتخب عسكرا وتوجه في أَثر تغرى بردى إلى جهة كركر؛ وانقضت هذه السنة على ذلك.
ومن الحوادث في غيبة العسكر توجه قانيباى الحمزاوى إلى لصعيد الإصلاح أمرها ورجع إلى القاهرة في مستهل جمادى الآخرة.
* * *
وفيها اجتمع أهل الشيخونية فالتمسوا من نائب الغيبة أن لا ينفصل عنهم شمس الدين القرشي من التحدث في أوقافهم، وكان إينال رأس نوبة قد أقامه فأَحسن التدبير وقرر الأُمور، فلما ورد الخبر باستقرار إينال في نيابة حلب تعصب قوم للشيخ شرف الدين التبانى شيخ المكان؛ وكان القرشي قد ضيق عليه ومنعه من التصرف، فأَغرى به أَهل الشيخونية وتعصبوا للقرشي فأَعاده الحمزاوى فأُوقدت له الشموع وحضر وقت المغرب ووعدهم بالجميل، وغضب الشيخ شرف الدين من ذلك فصرف عنهم القرشي.
واستقر تقى الدين بن حجة - موقع الدست - مكانه، فلما استقر قصروه رأْس نوبة أَعاده القرشي فقام أهل الشيخونية وكتبوا على الشرف التبانى محضرا بأَنه لا يحسن المباشرة وغير ذلك.
* * *
وفى يوم الاثنين الرابع من شعبان نودى على النيل بثلاثين إصبعا فتراجع النيل
стр. 1351
وكان الوفاءُ في يوم السابع عشر من مسرى وكُسر في الثامن عشر منه، وانتهت زيادته في هذه السنة في يوم الجمعة ثامن عشرى مسرى ثمانية عشر ذراعًا ونصف.
وفي أَواخر ذي القعدة غضب القاضى ولى الدين [العراقي] من بعض الأُمراء (١) فعزل نفسه وكان السلطان مشغولا بالمرض ثم أَفاق فطلب أَن يوصى فحضر القضاة فكلمه الوزير في إعادة القاضي فأَشار برأسه أَن نعم، واستمر، وكان ذلك في الثامن من ذي الحجة.
ولما عاد الظاهر إلى القاهرة تتبع المؤيدية فنفى بعضا وأمر بإخراج إقطاعات بعض وسجن بعضا غير من قتل، وقدم المماليك الظاهرية فأَمَّر بعضا وكبر بعضا، وارتفعت رأْس النوروزية، وأَمر الظاهر بكتابة المراسيم لأُمراء مكة والمدينة بالإعفاء من التقادم التي كانوا يدفعونها للأُمراء الذين يحجون، فخف عنهم بسبب ذلك ظلم كان الناس لأَنهم كانوا يقترضون غالب ذلك من التجار ولا يطمع أحد منهم في الوفاء، وشرط في المرسوم أَن لا يتعرض أَحد من أُمراء الحجاز للتجار ولا المجاورين باقتراضٍ ولا نوع من أَنواعِ الظلم، وأَمر بنقش ذلك على العواميد التي في صف أَبواب الصفا.
* * *
وفيها وقعت في النيل زيادة لم يعهد مثلها في الوقت الذي وقعت فيه، وذلك أَنه بعد أَن انحط النيل وزرع الناس البرسيم وغيره وانقضى شهر أيار (٢) من الأَشهر الرومية وقطعت الزيادة في العشر الأَخير من هاتور وذلك بعد انتهاء الزيادة بأَربعين يوما فزاد زيادة مفرطة بحيث أغرق كثيرا من الزروع، واستأَنف أَصحاب البرسيم زراعته، ثم ارتفع سعر القمح ثم انخفض يسيرا.
وفي خامس عشرى ذى الحجة أُعيد صدر الدين بن العجمي إلى الحسبة وصُرف القاضي جمال الدين البساطى، وأعيد على بن قطيط إلى حسبة مصر وصُرف ابن المهندس وكان باشرها ثلاثة أيام.
стр. 1352
وفي رجوع الحاج كان الرخاءُ كثيرا إلى الغاية وكذا كان بمكة، لكن كانت بضائع اليمن لم تلحق الموسم، فكانت الأَنواع التي يحتاج إليها لأَجل الهدية غالية بحيث يساوى الذى قيمته عشرة دراهم أكثر من عشرين، وكان البرد شديدا جدا بحيث أصبح الناس في تيه بني إسرائيل فوجدوا الماءَ جليدا حتى في القرب والزمزميات.
وفي هذه السنة قرر الظاهر ططر تاجَ الدين عبد الرحمن بن الكركي في قضاء حلب، وكان تنبك ميق نائب الشام سأَل الظاهر في ذلك عوضا عن علاء الدين بن خطيب الناصرية فأَجابه، فحضر علاءُ الدين إلى القاهرة بسبب السعي في عوده.
وفي ليلة الأَحد سادس ذى الحجة مات الظاهر ططر، فلما كانت ليلة العيد أَضمر جانبك الصوفى الغدر فذكر بعض الناس ذلك لبرسباى، فخاف جانبك وركب بباب السلسلة فاجتمع الأُمراءُ عنده، ثم اتفق أَنهم قصدوا بيت يلبغا المظفرى ليأْخذوه معهم، فلما تكاملوا عنده اتفقوا على قبض جانبك ويشبك، وهرب قرمش ثم قبض عليه، وجهز الثلاثة للإِسكندرية، واستقر برسباي نظام الملك ومدبر دولة الصالح أَحمد بن الظاهر ططر، واستقر طرباى أَتابك العساكر المصرية وسودون من عبد الرحمن دويدارا، ويلبغا المظفري أمير سلاح، وأَزبك رأْس نوبة، وجقمق حاجب الحجاب، وقجق أَميرا كبيرا (١).
ذكر من مات في سنة أربع وعشرين وثمانمائة من الأعيان
١ - أحمد بن إبراهيم بن ملاعب الفلكي الحلبي، أَصله من سرمين وانتهت إليه رئاسة معرفة حل الزيج وعمل التقاويم، وكان مقربا عند الأُمراء بحلب وتقاويمه رائجة في البلاد وعليه اعتمادهم عند إرادة الحروب، وله إصابات كثيرة يحفظها الحلبيون؛ وسمعْتُ القاضي ناصر الدين البارزي يبالغ في إطرائه، ووَصفَه غيرُه بقلَّة الدين وترْك
стр. 1353
الصلاة وانحلال العقيدة، وكان يقال عنه إنه يشرب المسكرات، قال القاضي علاءُ الدين: "ولم يكن عليه أنس أَهل الدين، ونزح عن حلب خوفًا من أَلطنْبَغُا القرمشي لكائنةٍ جرَتْ له معه وهى أَنه لما أراد أَن يركب ومنعه القرمشى قال له ابن ملاعب: ما هو جيد، فخالفه وركب فقتل".
وذكر القاضي علاءُ الدين من إصاباته إنه قال لنوروز لمّا كان شيخ يحاصره بحماة وكان استصحب ابنَ ملاعب معه فوعده بتخلخل عسكر شيخ وأَنه يحصل له نكد، فلما أَصبحوا لم يقع شيء من ذلك إلى العصر فإن سهمًا أصاب جبهة شيخ فجرحه فحصل في عسكره رهج واضطراب"، قال: "وسمعْتُه مرارًا يقول إن هذا الذي أَقوله ظن وتجربة لا قطع فيه".
وسكن صفد ومات بها في هذه السنة وقد جاوز الثمانين.
٢ - أحمد بن أحمد بن عثمان الدمنهورى، شهاب الدين المعروف بابن كمال، كان كثير الحج والمجاورة وكان يعظ الناس بمكة عند باب العمرة ويُكْثِر من الصلاة على النبي ﷺ ، حتى ضُبط أَنه صلَّى عليه في يوم واحد مائة أَلف مرة. مات في آخر المحرّم عن بضع وسبعين سنة.
٣ - أحمد بن هلال الحلبي [الحسبانى] شهاب الدين، اشتغل قديما على القاضي شمس الدين بن الخرّاط وغيره، وكان مفرط الذكاء، وأَخذ التصوّف عن شمس الدين البلالي ثم توغَّل في مذهب أَهل الوحدة ودعا إليه وصار كثير الشطح وجرَتْ له وقائع، وكان أتباعه يبالغون في إطرائه ويقولون: "هو نقطة الدائرة" إلى غير ذلك من مقالاتهم المستبشعة (١).
٤ - أَلطنبغا القرمشي كان من أُمراء الظاهر ثم كان مِمَّنْ انتمى بعد الظاهر إلى يشبك، ثم كان في الذين تنقلوا في البلاد الشامية في الفتن في الأَيام النَّاصرية، وكان في الآخر مع شيخ، فلما ولى النيابة بحلب جعله حاجبًا كبيرًا ثم قرّره في الأَتابكية زمن
стр. 1354
سلطنته ودخل معه مصر، ثم تنقل في الإمرية إلى أَن استقر أَتابكا، ثم جهزه المؤيّد إلى حلب كما تقدّم وقتل بدمشق؛ وكان من خيار الأُمراء، ﵀ (١).
٥ - جقمق الأرغون شاوى [سيف الدين] كان من التركمان فاتفق مع بعض التجار أن يبيعه ويقسم ثمنه بينهما ففعل فتنقَّل في الخدم حتى تقرّر دويدارًا عند الملك المؤيّد قبل سلطنته ثم استمرّ، وكان يتكلم بالعربي ولا يشكّ مَن جالسه أَنَّه من أَولاد الأَحرار، ثم استقر دويدارًا كبيرًا إلى أَن قرره الملك المؤيد في نيابة الشام فأَظهر العصيان بعد موته فآل أَمره إلى أَن قُتل صبر (٢) في شعبان هذه السنة (٣).
٦ - شيخ بن عبد الله المحمودي، كان قدومه القاهرة على ما أَخبرنا به في السنة التي قدم فيها أَنص والد برقوق فعُرِض على برقوق قبل أَن يتسلطن فرام من صاحبه بيعه فاشتطَّ في الثمن وكان ابن اثنتي عشرة سنة ولكن كان جميل الصورة، فاتفق موت الذي جلبه فاشتراه [الخواجا] محمود [شاه اليزدى] تاجر المماليك بثمنٍ يسيرٍ وقدّمه لبرقوق فأَعجبه واستمرّ ينسب لمحمود، وتربّى في المماليك الكتَّابية ثم جُعِل خاصكيا ثم جُعل من السِّقاة؛ ونشأَ ذكيًّا فتعلَّم الفروسية في اللعب بالرمح ورمْى النشاب والضرب بالسيف والصراع وغير ذلك، ومهر في جميع ذلك مع جمال الصورة وكمال القامة وحُسْن العشرة؛ وأُمِّر عشرةَ في أيام الظاهر؛ وكان ممن سُجِن مِن مماليك الظاهر في فتنة منطاش بخزانة شمائل فنذر إنْ نجّاه الله منها أن يجعلها مسجدًا، ففعل ذلك في سلطنته.
стр. 1355
وتأَمّر على الحاج سنةَ مات الظاهر سنة إحدى وثمانمائة، ثم لم يزل في ارتقاء إلى أن ولى نيابة الشام، وجرى من الخطوب والحروب ما مضى مفصلا في الحوادث، وكانت مدة كونه في السلطنة ثمانى سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام، وأقام في الملك عشرين سنة مابين نائب ومتغلِّب وأتابك وسلطان؛ وكان شهما شجاعًا عالى الهمة كثير الرجوع إلى الحقّ محبًّا في العدل، متواضعًا يعظِّم العلماء ويكرمهم ويُحْسِن إلى أصحابه ويصفح عن جرائمهم، ويحب الهزل والمجون لكن مستترًا، ومحاسنه جمّة والله يتجاوز عنه بمنِّه وكرمه.
قال العيني في تاريخه: "هو من طائفة الجراكسة يقال له كرموك، ويقال إنه من ذريّة إينال بن تكماش بن شرباش بن طباق بن جرباش كرموك، وكان كرموك كبير طائفته وكذلك نسله، ولما مات كان في الخزانة أَلف أَلف دينار وخمسمائة ألف دينار على ما قيل من الذهب، فلم تمض السنة وفيها دينار واحد، سمعته يقول: أصرفت على عمارة الجامع المؤيدى أربعمائة ألف دينار".
٧ - ططر بن عبد الله الظاهرى كان من مماليك الظاهر ثم صار في خدمة ابنه الناصر إلى أن خرج إلى البلاد الحلبية بسبب جكم، فلما رجع الناصر إلى مصر استمر ططر مع جكم، ثم لما قُتِل جكم استقر أَميرًا بحلب وتمربغا المشطوب يومئذ النائب بحلب فاستمر فيها مدة طويلة وهو في أَثناء ذلك ينتمى لنوروز إلى أن وقع بين شيخ وبين نوروز وانكسر نوروز، واستمرّ مع المؤيد، فلمّا اقتسما البلاد بعد قتْل الناصر قدم مصر مع المؤيّد واستمر في خدمته إلى أَن تسلطن وحاصره مع النوروزية وهو يظهر خدمة المؤيّد ويداريه ويبالغ في ذلك إلى أن أمّره طلبخاناه، ثم أمّره تقدمةً، ثم لمّا توجّه لقتال قانيباي استنابه بالإسطبل، ثم لما مات المؤيد استقرّ نظامَ الملك وخرج بالعساكر إلى الشام، ثم تسلطن بعد أَن رجع من حلب بالشام، وقدم مصر فلم تطل مدّته كما مضى في الحوادث.
وكان يحبّ العلماء ويعظمهم مع حسن الخلق والمكارم الزائدة والعطاء الواسع (١)؛ ذكر
стр. 1356
لي قبل أَن يتسلطن في ليلة المولد النبوى في ربيع الأَول من هذه السنة أَنه كان في آخر الدولة المؤيدية في الليلة التي مات في صبحها المؤيّد قد ضاقتْ يده لكثرة ما كان يصرف قلة متحصّله، حتى إنَّ شخصا قدّم له مأْكولًا فأَراد أن يكافئه عليه فلم يجد في حاصله خمسة دنانير إلى أَن أَرسل يقترضها من بعض خواصّه وكلهم يحلف أنه لا يقدر عليها إِلى أَن وجدها عند أَحدهم فلم يكن بين ذلك وبين أَن استولى على المملكة بأَسرها وعلى جميع ما في الخزائن السلطانية التي جمعها المؤيّد سوى سبعة أَيام، وأَمرني أن أكتب هذه الواقعة في التاريخ فإنها أُعجوبة.
ولما وصل إلى دمشق للقبض (١) على أَلطنبغا القرمشي ومَن معه قرر في نيابة حلب إِينال الساقي، ثم لما قدم حلب أقام بها أربعين يومًا أو أَكثر، وقرّر في نيابتها تغرى بردى من قصروه، وبَعْد السلطنة نقل تانى بك البجاسي من نيابة حماة إلى نيابة طرابلس وقرّر في نيابة حماة جار قطلى (٢).
٨ - عبد الله بن محمد بن عمر بن أَبي بكر بن عبد الوهاب بن علي بن نزار الظفاري، عفيف الدين، كان جدّه الأَعلى عبد الوهاب انتزع ظفار من يد الجواد أبي بكر بن إبراهيم بن المنصور عمر بن على بن رسول واستمر في ملكها، وتناوبها أَولاده إلى أَن حاربهم على بن عمر بن كثير الكنزى فانهزم عبد الله وأَخوه أَحمد، فأَمّا أَحمد فانقطع خبره، وأَما الله عبد فاستمر يتنقَّل في البلاد إلى أن دخل مكة ثم دخل القاهرة
стр. 1357
وحيدًا فقيرًا فحضر عندى وشكى إليّ حاله فبررْته، وسكن بالجامع الأَزهر مع الفقراء إلى أَن مات.
٩ - عبد الرحمن (١)، القاضي جلال الدين بن شيخ الإِسلام سراج الدين عمر ابن رسلان بن نصير بن صالح بن عبد الخالق البلقيني، وُلد في جمادى الأُولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة وتفقَّه بأَبيه، وكان ذكيًّا جيّد الحفظ فحفظ "التدريب" وبحث في "الحاوى" ودخل مع أبيه إلى دمشق لما ولى القضاء وهو صغير، ولم نقف له في طول عمره على سماع شيء لا بمصر ولا بدمشق إلَّا على والده، ومع ذلك فكان من عجائب الدنيا في سرعة الفهم وجودة الحفظ.
وأَوّل شيء ولى توقيع الدست ثم ولى قضاء العسكر بعد موت أخيه بدر الدين، وكان شديد البأْو تياها، ومن لم يقل له "قاضي القضاة" يغضب منه، وله مع القضاة وغيرهم وقائع، فلما تحقَّق موت صدر الدين المناوى ووثوب القاضي ناصر الدين الصالحي على المنصب شقَّ عليه وسعى إلى أن ولى في رابع جمادى الآخرة سنة أربع وثماني مائة كما تقدّم، ثم سعى عليه الصالحي وعاد، ثم مات فولى الإِخنائى، ثم سعى على الإخنائي فعاد ثم تناوب معه مرارًا، وفى أواخرها استقرّت قدمه من سنة ثمان وثمانى مائة إلى أَن صُرِف (٢) بالباعوني بعد قتْل الناصر سنة خمس عشرة ثم أُعيد عن قريب من شهر واحد، واستمر
стр. 1358
إلى أَن صُرف بالهروى في سنة إحدى وعشرين ثم أُعيد بعد عشرة أَشهر فلم يزل إلى أَن مات، وقد مضى بسط ذلك في الحوادث.
وكان قد اعتراه - وهو بالشام - قولنج فلازمه في العود وحصل له صرع فكتموه، ولما دخل القاهرة عجز عن الركوب في الموكب فأَقام أَيامًا عند أَهله، ثم عاوده الصرع في يوم الأحد سابع شوال، ثم عاوده إلى أَن مات وقت أَذان العصر من يوم الأَربعاء عاشر شوال وصلى عليه ضحى يوم الخميس ودُفن عند أبيه، وتقدّم في الصلاة عليه الشيخ شمس الدين بن الديري: قَدَّمه أَولادُه، ولم تكن جنازته حافلة.
وكان يذاكر الناس في التفسير كل يوم جمعة من حين وفاة أبيه إلى شوال سنة ثلاث وعشرين، وكان ابتدأَ فيه من الموضع الذى انتهى إليه أبوه وقطع عند قوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
وكان (١) أَقام مدّة طويلة لا يتناول من مال الحرمين معلومًا.
١٠ - عبد القادر بن محمد بن إِبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الأَرموى المسند، مات ليلة الاثنين ثانى عشر شوال من هذه السنة.
١١ - عبد الوهاب بن أَحمد بن صالح بن أَحمد (٢) بن خطاب البقاعي الفاري - بالفاء والراء الخفيفة - الدمشقيّ، أَبو نصر تاج الدين الزهري، وُلد سنة سبع وستين، وحفظ التمييز وغيره، واشتغل على والده وعلى النجم بن الجابي والشريشي وغيرهم، ونشأَ هو وأَخوه عبد الله (٣) على خير وتصوّن، ودرّس في حياة أبيه (٤) بالعادلية الصغرى واستمرت بيده إلى أَن مات، ودرّس بعد أَبيه بالشامية البرانية وولى إفتاء دار العدل وناب في الحكم
стр. 1359
مدة طويلة وولَّاه نوروز القضاء باتفاق الفقهاء عليه بعد موْت الإِخنائى فباشره مباشرة حسنة، فلما غلب المؤيد على نوروز صرفه ولم يَعْرِض له بسوء فلزم الشباك الكمالي بجامع. دمشق يُفْتى، وبالشامية يدرّس. وكان حسن الرأْي والتدبير ديّنا وله حظ من عبادة، إِلا أَنه لم يكن مشكورًا في مباشرة الوظائف. مات في شهر ربيع الآخر.
قال القاضي تقى الدين الأَسدى: "كان يستحضر التمييز إلى آخر وقت، وكان عاقلًا ساكنًا كثير التلاوة يقوم اللَّيل، كثير الأَدب والحشمة طاهر اللسان. مات في ربيع الأَول".
١٢ - على (١) بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الناصر الزبيدي، ذكره بعضهم هنا ظنا وسيأْتي في حاشية السنة بعدها.
١٣ - على المعروف بالشيخ صندل، كان أحد من يُعتقَد، وهو مجذوب. مات في صفر (٢).
١٤ - قجقار القردمي [قردمر الحسنى] أَحد الأُمراء الكبار، ولى نيابة حلب في زمن المؤيّد سنة عشرين ثم نقله منها إلى دمشق أميرًا ثم أقدمه القاهرة وأمّره، فلما مات المؤيّد أَراد أَن يتسلطن فعوجل وأُمْسِك قبل دفنه ثم قُتِل في هذه السنة؛ وكان جوادًا مهابًا كثير الحشمة والأَدب، وكان بلغ الستين؛ وكان في سلطنة الناصر تنقَّلت به الأَحوال إلى أن صار في صحبة المؤيّد لما ولى نيابة حلب فاستمرّ إلى أن تسلطن فأمّره تقدمة
стр. 1360
فصار من أُمراء الأُلوف، ثم ولَّاه نيابة حلب سنة عشرين عوضا عن آقباى، فلما توجه السلطان إلى الروم كان في صحبته فقرّره في حصار كركر عدة أُمراء، فلما طرق قرا يوسف البلاد فرّ قجقار إلى حلب، فبلغ السلطانَ ذلك فغضب عليه ثم رضى عنه وجهَّزه إلى الشام بغير إمْرَة، ثم أُعيد لمّا رجعوا إلى القاهرة، ثم تجهَّز مع ولد السلطان إلى بلاد ابن قرمان، فلما عاد عظم قدره وامتدّت عينه - عند ضعْف المؤيد - إلى السلطنة وحرص على ذلك، فسبقه ططر فقبض عليه فكان آخر العهد به.
١٥ - كردى باك - غير (١) أَمير التركمان بالعمق - بن كُدَيْر التركماني، استولى على العَمْق من أَعمال حلب بعد موت ابن صاحب الباز، وكان يقع بينه وبين أُمراء حلب وقائع فتارةً يصافيهم وتارة ينابذهم، وكان قد كثر جمعه بعْد قَتْل جكم وطمع في الاستيلاء على ما حوله من القلاع، فجمع له تَمَرْبُغَا المشطوب - نائبُ حلب في أيام الناصر - عسكره وقصده وهو بطرف العمق من جهة الشمال، فوقعت الوقعة وكانت الكسرة على العسكر الحلبي فقوى أَمر كردى باك، وكان إذا ولى دمرداش نيابة حلب يطمئن إليه ويصافيه بخلاف غيره.
ولما ولى الملك المؤيد نيابة حلب في آخر دولة الناصر نازله بالعمق وكردى باك تحت الجبل بالقرب من بغراس، فهجم كردى باك بعسكره على شيخ، واستمر كردى باك هاربًا وخرج الناصر طالبًا القبض على شيخ ونوروز فثبت له إلى أَن وقعت الكسرة على كردى باك فانهزم وتشتَّت عسكره، وكان من أَمره ما كان وقُتل وصارت السلطنة للمؤيّد؛ فلما ولى دمرداش نيابة حلب حضر إليه كردى باك ووافقه على مقاتلة الأَمير طوخ وهو نائب حلب فقوي طوخ ورجع كردى باك وصحبته دمرداش إلى العمق، ثم توجّه إلى مصر وآل أَمره إلى القتل، واستمر كردى باك في بلاده وأظهر الطاعة للمؤيّد، فلما مات ودخل الظاهر ططر حلب في سنة أربع وعشرين حضر إليه كردى باك، واتفق أن ططر كان من
стр. 1361
جملة الأُمراء صحبة تمر بغا المشطوب فتذكر الواقعة لما رآه، فأَمر بشنقه فقُتِل وشُنق وعُلِّقَتْ رأْسه بخف كلب، وذلك في آخر رجب من هذه السنة.
وكان كردى بك قليل الشر للمسافرين، والقوافل في أيامه آمنة؛ نقلته من ذيل تاريخ حلب لابن خطيب الناصرية.
١٦ - محمد بن إبراهيم بن إِمام جامع البوصيرى، شمس الدين الشافعي، كان خيّرًا ديّنًا كثير النَّفع للطلبة يَحُج كثيرًا ويقصد الأَغنياءَ لنفع الفقراء وربما استدانَ للفقراء على ذمّته ويوفى الله عنه، وكانت له عبادة وتُؤْثَر عنه كرامات. مات في سادس الآخر.
١٧ - محمد بن أَحمد، ناصر الدين الهذباني الكردى الطبرداري، كان من أَبناء الأَجناد فتعلَّق بمجالسة العلماء وصحب الكمال الدميرى ثم نور الدين الرشيدي، وكان يتديّن ويسرد الصّوم ويواظب الجماعة ولا يقطع صلاة الصبح بالجامع الأَزهر، يقوم من نحو رُبْع اللَّيل فيمشى من منزله بحارة بهاء الدين إلى الأَزهر فيصلى به الصبح كل يوم؛ وكان يتكسّب من التجارة في الحوائص، ثم كبر وترك.
لازمنى مدةً وكان على ذهنه أشياء.
١٨ - محمد بن خليل بن هلال بن حسن بن بدر الدين الحاضري الحلبي الحنفى، وُلد في أحد الجمادَين سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ورَحل إلى دمشق فأخذ بها عن جماعةٍ منهم ابن أَميلة، قرأَ عليه "سنن أَبي داود" و "الترمذى"، ودخل القاهرة فأخذ عن الشيخ وليّ الدين المنفلوطي والشيخ جمال الدين الإِسنوى، ورحل إلى القاهرة مرةً أُخرى وسمع على الشمس العسقلاني إمام الجامع الطولوني، وتفقَّه ببلده وحفظ كتبا نحو الخمسة عشر كتابًا في عدة فنون، وأَخذ عن الشيخ حيدر وغيره، ورافق الشيخ برهان الدين سبط بن العجمى، وأَخذ عن مشايخها كثيرًا سماعا واشتغالًا في الرحلة، وقرأَ على شيخنا العراقي في علوم الحديث وأَجاز له، ولازم العلْم إلى أَن تفرّد وصار المشار إِليه ببلاده، وولى
стр. 1362
قضاءَ بلده، ودرّس وأَفْتى، وكان محمود الطريقة مشكور السيرة. مات في شهر ربيع الأَول وصلَّيْتُ عليه صلاة الغائب بالجامع الأَزهر في أواخر جمادى الأُولى.
قال البرهان المحدّث بحلب ومن خطه نقلْتُ: "لا أَعلم بالشام كلها مثله ولا بالقاهرة مثل مجموعه الذي اجتمع فيه من العلم الغزير والتواضع والدين المتين، والمحافظة على صلاة الجماعة، والذكر والتلاوة والاشتغال بالعلم". قلتُ: وكان المؤيد يكرمه ويعظِّمه. رحمهما الله تعالى.
١٩ - محمد بن سويد، شمس الدين المصرى، أخو بدر الدين الحسن. مات في هذه السنة بالصعيد.
٢٠ - محمد بن عبد الرحمن بن أبي الخير محمد بن عبد الله الفاسي، رضي الدين أَبو حامد الحسنى المكيّ، ولد في رجب سنة خمس وثمانين وسبعمائة، وسمع الحديث وتفقَّه ودرّس وأَفتى، وولى قضاء المالكية في شوال سنة سبع عشرة عوضا عن مستنيبه وابن عمه القاضي تقى الدين، ثم عُزل عن قُرْب، وناب عن القاضي الشافعي.
مات في ربيع الأَول وكان خيّرًا ساكنًا متواضعًا ذاكرًا للفقه، وأخوه محبّ الدين أَبو عبد الله محمد كان أَسَنَّ من أَخيه، أجاز له ابن أَميلة وغيره ومهر في الفقه.
٢١ - محمد بن البرجي، بهاءُ الدين، ولى الحسبة مرارًا ووكالة بيت المال، وكان قد صاهر الشيخ سراج الدين على ابنته فوُلد له منها ولدُه بدر الدين محمد، ثم ماتت فتزوّج ب بنت بدر الدين بن الشيخ المدعوَّة بلقيس فأَولدها أَولادًا، وكان استقرّ في شهادة العمائر السلطانية بواسطة ططر. ومات في أَول صفر عن سبعين سنة.
٢٢ - يوسف بن أَحمد بن يوسف الصفيّ، نسبةً إلى الصف (١). من الإِطفيحية، كان شَيخًا كثير البرّ والإِيثار للفقراء قائما بأَحوالهم يأْخذ لهم من الأَغنياء، واتفق في آخر عمره
стр. 1363
أَن شخصًا جاء إليه فقال: "رأيت النبي ﷺ في النوم يقول: قل للشيخ يوسف يزورنا"؛ فحج ثم رجع إلى القدس فمات. وله كرامات كثيرة.
وله ولد اسمه أحمد ويُكنى أبا الغيث كثير المحاسن، سمع الحديث مع أصحابنا
وأكثر الحضور عند شيخنا وحجَّ وجاور، ثم انتقل إلى بيت المقدس فأَقام به ودخل الشام وغيرها؛ وهو في ازديادٍ في الخير. أَعاد الله من بركاته وأبيه.
٢٣ - زين الدين السطحي، كان مقيمًا بسطح جامع الحاكم وللناس فيه اعتقاد، وانقطع ثلاثين سنة لا يخرج من منزله إلَّا يوم الجمعة يغتسل ويعود، وكانت جنازته مشهودة، وكان مالكيّ المذهب، ورافق المعزَّ بن عبد السلام الآمدي قريب الولى السنباطي في الطلب في الفقه وغيره بل حضر عند العز بن جماعة، وكان الجلال البلقيني - فمَن دونه - يقصده للسلام عليه ويطلب دعاءه.
стр. 1364
سنة خمس وعشرين وثمانمائة
استهلَّت بيوم الجمعة آخر يوم من كيهك (١).
وفيها ولدت فاطمةُ بنتُ القاضي جلال الدين البلقيني ولدًا خنثى له ذكرٌ وفرجُ أُنثى من تقيّ الدين (٢) رجب بن العماد قاضى الفيّوم، وقيل إن له يدين زائدتين ثابتتان في كتفه، وفى رأسه قرْنان كقرْنَي الثور، فيقال ولدَتْه ميتًا، ويقال مات بعد أَن ولدته.
وفيها وقع بين أَمير مكة حسن بن عَجْلان وبين القُوَّاد فتنةً وتعصّبوا عليه مع ابن أَخيه رُمَيْثَة بن محمّد بن عجلان، فاستعان حسنٌ بمُقْبِل (٣) أَميرِ (٤) الينبع فخرج في عسكره إلى جهة اليمن، فصالح القُوَّادُ: حسنَ بن عجلان وأَخرجوا رُمَيْثَةَ عنهم، فتوجّه إلى جهة اليمن ورجع مقبل إلى بلده، ودخل الركب المصريُّ من الحجاز في ثالث عشرى المحرم فأَمْسك تَمُرْ (٥) بِيه أمير الركب وأُرسل إلى دمياط بطَّالا.
وفي صفر نُفِي أَيْتُمُش إلى القُدْس بطالا وكان قد عظم في دولة ططر وأَراد الاستقلال بتدبير المملكة ونازع المباشرين فعملوا عليه حتى نُفِى، ثمّ أُمِر بعوده إلى القاهرة بعد ذلك عند إمساك طَرَابَاي.
وفي ليلة رابع عشر صفر خُسف القمر خسوفًا شديدًا بحيث لم يبْقَ منه إلَّا اليسير وذلك في الثلث الأَخير من الليل، ولم يَشعر أكثرُ النَّاس به.
стр. 1365
وفيه انقطع طراباى من الخدمة السّلطانيّة غَضَبًا (١) من برسباي؛ لأنَّ بعضَ الأُمراء مات (٢) فرام طرابات أَخْذَ إمرته لبعْض أصحابه، فعارضه برسباي فتوجّه طرابات إلى ربيع خَيْله بالجيزة، فأَراد برسباي ملاقاتَه فأَمر الوزيرَ بإِرسال ما جرت (٣) به العادة لأَمثاله وعتبه على تأخير ذلك، وقيل إنَّه ضَرب الوزيرَ بسبب ذلك فبادر هو والأُستادار وناظرُ الخاص إلى إرسال ما جرت به العادة، وذلك في العشرين من صفر.
واستمر طراباي عند خَيْله، ورُوسِل فامتنع حتى سار إليه يَشْبَك الأَعرج - أَحدُ الأُمراء - فحلَف له وطَيَّب خاطرَه، فلما استهلَّ شهرُ ربيع الآخر (٤) حَضر الخدمةَ في يوم الثُّلاثاء ثانى هذا الشهر، ثم أَشاع برسباى أَنه يريد أَن يعمل الموكب بالإيوان بحضور رُسُل ابن قرا يوسف، فحضر أهلُ الموكب ومن جملتهم طراباي، فلما تكاملوا قيل لهم: "الخدمة في الإيوانِ اليومَ بطالة"، فانصرفوا وأُحْضِرت الرّسلُ بالقصر، ثم جلسوا في السّماط فقال برسباي لطراباي: "أَنتم ما تعرفون أَنَّى كبير الأُمراء؟ "، قال: "نعم"، قال: "فلم تخالفون أمرى؟؛" وأَشار بالقبض على طراباى، فقام فجذَب السّيفَ يحمى نفْسَه، فهَجم عليه قَصرُوه أَمير آخور فناوَشَه، فضربه برسباى مِن خَلْفه فجَرحه في يده فسقط منها السّيف فأُمْسِك وأُمْسِك معه أميران (٥) من جهته، وأُرسلوا إلى الإِسكندرية صحبةَ إِينال الشِّشْمَاني فاعتُقِلوا بها.
стр. 1366
وفي شهر ربيع الأَوّل نازل تغرى بردى بن قَصْرُوه - الذي كان نائبَ حلب - بعضَ القلاع فهزمه التركمانُ فاستجار ببعضهم فأَمنه.
وفيه هبَّتْ ريحٌ ذات سمومٍ بالكرْك وما حوْلها فأَفْسدَت المزارع، وقلَّ الماءُ جدًّا بتلك البلاد وبالقُدْس وما حولها، وتفرّق أهلُ تلك البلاد من القحط.
وفى شوال أُنْتُزِعَ وقفُ الطُّوخى من القاضى الحنفى، ثم سعى أشدَّ سعْيٍ حتى أُعيد له وضُمَّ إليه في نظره شخصٌ آخر، وانتُزِعَ وقفُ قراقوش من القاضي الشافعي وأُضيف إلى التاج الوالى، وأمره بأَن يجمع مُتَحَصِّله ويَبْنى منه خَانَ السّبيل ففعل ذلك وجَدِّد بناءه، وقَرَّر فيه غيرَ مَن كان يتناول رَبْعه، وأَلزم أولادَ البُلْقِيني بغرامةِ مبلغٍ جيّدٍ بسبب ذلك، وأَلزَم مَن كان رُتِّب عليه من الأَغنياء بإِعادة ما قَبضوا منه، فاشتدّ الأَمْرُ عليهم ثم أُفْرج عنهم وفُطِمُوا عنه.
وفيه عُمل (١) المولدُ النبويّ السلطانيُّ في حادى عشر ربيع الأَول، وحضر الملكُ الصالحُ والأُمراء.
وفى الخامس عشر منه قُبض على مَرجان الخزندار وسُلِّم لأرغون شاه الأَستادار - وكان حينئذٍ زَمَّامًا - فطلُب منه مال كبيرٌ وضُرب بعضُ أتباعه ضربًا شديدًا، ثم استَقَرَّ حالَ مُصادرته على ثلاثين ألف دينار فعَجَّل منها عشرينَ أَلف دينار، وضَمِنَهُ بعضُ الأَكابر بالعشرة وأُطْلِق في آخر الشهر.
وفيه (٢) ادُّعِيَ على شمس الدين محمد بن عبد المعطى الكُوم ريشى الحنفى أَنه قَذف الشيخَ شمسَ الدين محمد بن حسن الحنفى بالبغاء وأَنه هو الفاعل به، وأَنَّ ذلك كان بوساطة شهاب الدين الكوم ريشى أحد قرّاء الكتب، وكانت الدعوى عليه عند قاضي القضاة الحنفي زين الدين الأَقْفَهسى (٣) وكان يكرهه لبذاءةِ لسانه، فضَربه القاضي بعد أَنْ قامت عليه
стр. 1367
البيّنة، وكان الذي قام عليه بالدعوى شهاب الدين أحمد بن عُبَيْد الله أَحدُ نواب الحنفي، ويقال إنَّ ممن شهد عليه الشيخ شرف الدين التَّبّانى والقاضى بدر الدين بن التَّنَسي (١)، فأُرسل بعد ضرْبه إلى الحبْس مكشوفَ الرأْس، ثمّ أُطْلِق بعد ثلاثة أيّام بشفاعةِ نظام (٢) الملك، واتَّفق حضورُ الذي ضربه عنْده ومعه شهاب الدين الذي أدَّعَى عليه، فسأَله عن القصّة فتكلَّم ابن عبيد الله بشيء فنهره كاتبُ السر، فقال له الأَمير: "أنت الذي كان أَخى فلانٌ يتعشَّقك وغرم عليك مالًا كثيرا؟ " وأمر بالتوكيل به وعَزْلِه من النيابة فاعتُقِل ثم شُفِع فيه بعد أيّامٍ فأُطلق وأُعيد إلى عادته في النيابة، وكان قد بالغ في أَدي الكوم ريشي فعُدَّ ذلك عقوبةً له وَرَثُوا للكوم ريشى مع بُغْضهم فيه لجنونه وتَغتْرُسه (٣) وكثرة مجونه، ولما أُطلق الكوم ريشى رافع بدرَ الدين محمودَ بنَ عبيد الله أَخا الشهاب المذكور عند الأَمير الكبير وأَنه يفعل أَشياء منكرة فأَحضره الأَميرُ وضربه بحضْرته وكتب عليه بشأنه أن لا يحكم، ثم شُفع فيه بعد مدةٍ فأُعيد (٤).
وفي خامس شهر ربيع الآخر قبض الأُستادارُ أَرغون شاه على كريم (٥) الدين بن الوزير تاج الدين الذي ولى الوزارة والأُستادارية وكتابة السر فيما بعد في أيام يوسف، وكان يباشر ديوانَ الاستيفاء المفْرَد عن أبيه ثم أُطلق بعد أن صُودر على مال.
* * *
وفى السادس منه قدم تَنبِك مِيقْ نائبُ الشام فخُلع عليه باستمراره، وعظَّمه (٦) برسباي
стр. 1368
جدًّا، وتكلَّم الأَميرُ (١) الكبير معه في أَمْر السلطنة فوافقه على ذلك، فلما كان في الثامن من ربيع الآخر يوم الأَربعاء - قبل الظهر بقدْر درجتين - عُقِد له المُلْك وهو في طبقته بالأَشرفية، ثم ألبس الخلعةَ وجَلس على التَّخْت وفَوَّض إليه الخليفةُ وعُقِدت له البيعة، ولُقِّب "الملك" (٢) الأَشرف"؛ وخُلع في صبيحة ذلك اليوم على يَلْبُغا المُظَفَّرى واستقر أَميرًا كبيرًا وتَحَوَّل إلى البيت الذى فيه طَرَابَاى مقابلَ القلعة، وانتقل إلى بيت ططر وغيرهما من بيوت السّلطنة واستقر فيها الأَشرف، واستقر آقبغا التمرازي أَميرَ مجلسٍ عوضًا عن قَجَق بحكم انتقاله إلى وظيفة إمرة سلاحٍ عوضا عن يَلْبُغا، واستقر يَلْبُغا المظفَّرى أَتَابَكَ العساكر، وخُلع الملكُ الصالح محمد، فكانت مدَّةُ سلطنته أَربعةَ أَشهر، وخُلع على نائب (٣) الشام خلعة السفر واستقر معه حُسَيْن بنُ السَّامرى في نظر الجيش، وانْفَصل ابنُ الكِشْك عن نظر الجيش وبقى معه قضاءُ الحنفيّة وسافر، وعمل الأَشرفُ موكبًا حافلًا، وأُحْضِرَت رسلُ الفرنجِ الكتلان، ومنع السلطانُ النَّاس من تقبيل الأَرضِ له واقتصر (٤) على يده.
* * *
وفي ليلة الإِثنين ثالث عشر ربيع الآخر أَمطرت السماء بالقاهرة مطرًا استمرَّ اللَّيْل كلَّه وقطعةً من النهار وذلك في حادى (٥) عشر برمودة، وهو من المستغربات.
* * *
وفى الشهر الذي استقر فيه الأَشرفُ في السّلطنة أمر بإِبطال القَدْرِ الذي كان يأْخذُه مِمَّن يسافر بالأَمير المنفصل عن إمرته إذا حُبس أَو نُفى، وكان المقرَّرُ لذلك أَلْفَيْ دينارٍ إلى أَلفِ دينارٍ إلى دونها بحسب مقاديرهم فأَبطل ذلك، وأَمر أن يُنْقَش في اللَّوْح الرّخام فوق النَّقش الذي جعله السَّالمي في دولة الناصر فرج بسبب المرتجع من الإِقطاع عند انتقال الإِمرة؛ وقد تقدّمت الإِشارة إليه في الحوادث.
стр. 1369
وفي جمادى الأُولى جَهَّز الأَشرف إلى مكة مقبلا القُدَيْدى بسبب عمارةِ مَاوَهَى من المسجد الحرام، وطلب من القاضي الشافعى ما كان القاضي جلالُ الدّيْن البُلْقِيني ذَكر للمؤْيّد أنه تحصّل عنده من ذلك - وهو سبعة آلاف دينار - فكشف القاضي الشافعيُّ عن ذلك فوجد المحضر (١) بعمارة الحرمَيْن قَدْرَ أَلْفَيْ دينار أَو يزيد قليلا، وباقى ذلك لعدة جهاتٍ من أوقافَ وغيرها كانتْ مودَعةً تحت يد الجلال، فلم يقبل الأَشرف ذلك وأَلزم المباشرين على الأَوقاف المتعلِّقة بالحرمين بذلك، فلاذوا بالقاضي فأَذن لهم في الاقتراض، ثم ضاق بهم الأَمر فتعلَّقوا على ورثة جلال الدين فاستُعيد منهم أَلفُ دينار كان والدُهم أخذها من مال الحرَمَيْن على أَنَّها مِنْ مَعْلُومِه، وكان أقام مدة طويلة لا يتناول من مال الحرمين معلومًا، فشهد عليه القاضى علاء الدين الحنبلي أَنه كان تبرّع بذلك.
* * *
وكان نائب دمشق تنبك ميق ونائب حلب تغرى بردى، ونائب حماة تاني بك البجاسي، ونائب طرابلس أَركماس (٢) الجلبانى ثم صُرف واستقر بعده تنبك البجاسي، ثم هرب تغرى بردى من حلب إلى بَهسْنَا، وتحصّن بقلعتها كُزُل الذى كان هرب من المؤيد إلى مَلَطْية، ونقل البجاسي إلى نيابة حلب، وتولى نيابةَ حماةَ جارْقُطْلو.
وفيه صُرف تاجُ الدين بنُ شرفِ الدين بن تاجِ بن نصْرِ الله من نظر الخزانة السّلطانية وغيرها، وأُعيد ذلك لزين الدين عبد الباسط، فكانت ولايةُ شرفِ الدّين المذكور لذلك نحو سبعة أَشهر، وانصرف غير مشكورٍ لبَأْوٍ كان فيه ودعوًى عريضة.
وفى الثَّامن من جمادى الأُولى نُودِيَ أَن لا يباشر نصرانيٌّ في ديوان أَحدٍ من الأُمراء، ثم انتقض ذلك بعد مدّة، وكذا كان ضُيِّق عليهم في الأَيّام المؤيديّة ثم تراجعوا قليلا قليلا.
стр. 1370
وفي التاسع منه جدد كاتبُ السر - علم الدين بنُ الكُوَيْز - خطبةً بالمدرسة البقريَّة مقابل باب مَنْزله لتعاظمه أَن يتوجّه إلى الجامع الحاكمي ماشيًا وإشْفَاقِه من الإِنكار عليه إنْ تَوَجَّه راكبًا مع قُرْب المسافة.
وفى هذا الشهر أَشار كاتبُ السر أَيضا بإِبْطال المرِسْتان الذي اتَّخذه الملكُ المؤيَّد تحت القلعة مكان الأَشْرَفِيَّة الشَّعبانية، وأقام فيه خطيبًا ظنًا أَنه منه يتقرب بذلك.
* * *
وفي هذه السنة كان فصلُ الربيع مختلفَ المزاج جدا ما حرٍّ شديدٍ وسموم، وما بين بردٍ شديدٍ وما بين ذلك.
وفي أواخر رمضان صُرف أرغون شاه من الأُستادارية وقُرِّر فيها أيتمش الخُضرى.
وفى هذا الشهر حدثت كائنةٌ غريبة وهى أَن عبد الرحمن السمسار في الغلال كان اشتري دارًا من ابن الزَّيْدِي بشاطيء النيل فزخْرَفها وأتقنها وغرم عليها - فيما يُقال - أَكثر من خمْسةِ آلاف دينار ووقَفَها على جهات، وجَعل صورةَ الوقف في خَشَبٍ محفور فيه يقرؤُه كلُّ واحد، فلما مات شهِدَ جماعةٌ عند بعض نوّابِ الحنفى بأَنها وقفٌ وذكروا شروطها بخلاف ما ظهر بعد ذلك محفورا في الخشب، فاتَّفق أَنَّ المباشرين بديوان السلطان (١) وجدوا على عبد الرحمن مسطورًا لجهة السّلطان بمالٍ جزيل فلم يوجد له ما يُوفِي، فأَمر بِبيْع داره فقيل له إنها وَقْفٌ فهدمها فهُدِمت فكانت كائنةً شنيعة، وبيع رخامُها على حدةٍ وخشبُها على حدة، ثم باع ورثتُه أَنقاضها وبَطُلَت الوقفِيَّة الأَصليّة والزور.
* * *
وفي جمادى الأُولى ألزم الأَشرفُ البزازين أَن لا يبيعوا شيئًا من القماش بالنَّسِيئة ولا يشتروه، فحصل لهم بذلك ضيق كبير، ثم أُفْرِج عنهم وأُلْزِموا أن لا يخيّروا الشراء بينهما، بل إن كان نقدًا فنقدا، وإن كان نسيئةً فنسيئة.