وفي شهر ربيع الأَوّل نازل تغرى بردى بن قَصْرُوه - الذي كان نائبَ حلب - بعضَ القلاع فهزمه التركمانُ فاستجار ببعضهم فأَمنه.
وفيه هبَّتْ ريحٌ ذات سمومٍ بالكرْك وما حوْلها فأَفْسدَت المزارع، وقلَّ الماءُ جدًّا بتلك البلاد وبالقُدْس وما حولها، وتفرّق أهلُ تلك البلاد من القحط.
وفى شوال أُنْتُزِعَ وقفُ الطُّوخى من القاضى الحنفى، ثم سعى أشدَّ سعْيٍ حتى أُعيد له وضُمَّ إليه في نظره شخصٌ آخر، وانتُزِعَ وقفُ قراقوش من القاضي الشافعي وأُضيف إلى التاج الوالى، وأمره بأَن يجمع مُتَحَصِّله ويَبْنى منه خَانَ السّبيل ففعل ذلك وجَدِّد بناءه، وقَرَّر فيه غيرَ مَن كان يتناول رَبْعه، وأَلزم أولادَ البُلْقِيني بغرامةِ مبلغٍ جيّدٍ بسبب ذلك، وأَلزَم مَن كان رُتِّب عليه من الأَغنياء بإِعادة ما قَبضوا منه، فاشتدّ الأَمْرُ عليهم ثم أُفْرج عنهم وفُطِمُوا عنه.
وفيه عُمل (١) المولدُ النبويّ السلطانيُّ في حادى عشر ربيع الأَول، وحضر الملكُ الصالحُ والأُمراء.
وفى الخامس عشر منه قُبض على مَرجان الخزندار وسُلِّم لأرغون شاه الأَستادار - وكان حينئذٍ زَمَّامًا - فطلُب منه مال كبيرٌ وضُرب بعضُ أتباعه ضربًا شديدًا، ثم استَقَرَّ حالَ مُصادرته على ثلاثين ألف دينار فعَجَّل منها عشرينَ أَلف دينار، وضَمِنَهُ بعضُ الأَكابر بالعشرة وأُطْلِق في آخر الشهر.
وفيه (٢) ادُّعِيَ على شمس الدين محمد بن عبد المعطى الكُوم ريشى الحنفى أَنه قَذف الشيخَ شمسَ الدين محمد بن حسن الحنفى بالبغاء وأَنه هو الفاعل به، وأَنَّ ذلك كان بوساطة شهاب الدين الكوم ريشى أحد قرّاء الكتب، وكانت الدعوى عليه عند قاضي القضاة الحنفي زين الدين الأَقْفَهسى (٣) وكان يكرهه لبذاءةِ لسانه، فضَربه القاضي بعد أَنْ قامت عليه
стр. 1367
البيّنة، وكان الذي قام عليه بالدعوى شهاب الدين أحمد بن عُبَيْد الله أَحدُ نواب الحنفي، ويقال إنَّ ممن شهد عليه الشيخ شرف الدين التَّبّانى والقاضى بدر الدين بن التَّنَسي (١)، فأُرسل بعد ضرْبه إلى الحبْس مكشوفَ الرأْس، ثمّ أُطْلِق بعد ثلاثة أيّام بشفاعةِ نظام (٢) الملك، واتَّفق حضورُ الذي ضربه عنْده ومعه شهاب الدين الذي أدَّعَى عليه، فسأَله عن القصّة فتكلَّم ابن عبيد الله بشيء فنهره كاتبُ السر، فقال له الأَمير: "أنت الذي كان أَخى فلانٌ يتعشَّقك وغرم عليك مالًا كثيرا؟ " وأمر بالتوكيل به وعَزْلِه من النيابة فاعتُقِل ثم شُفِع فيه بعد أيّامٍ فأُطلق وأُعيد إلى عادته في النيابة، وكان قد بالغ في أَدي الكوم ريشي فعُدَّ ذلك عقوبةً له وَرَثُوا للكوم ريشى مع بُغْضهم فيه لجنونه وتَغتْرُسه (٣) وكثرة مجونه، ولما أُطلق الكوم ريشى رافع بدرَ الدين محمودَ بنَ عبيد الله أَخا الشهاب المذكور عند الأَمير الكبير وأَنه يفعل أَشياء منكرة فأَحضره الأَميرُ وضربه بحضْرته وكتب عليه بشأنه أن لا يحكم، ثم شُفع فيه بعد مدةٍ فأُعيد (٤).
وفي خامس شهر ربيع الآخر قبض الأُستادارُ أَرغون شاه على كريم (٥) الدين بن الوزير تاج الدين الذي ولى الوزارة والأُستادارية وكتابة السر فيما بعد في أيام يوسف، وكان يباشر ديوانَ الاستيفاء المفْرَد عن أبيه ثم أُطلق بعد أن صُودر على مال.
* * *
وفى السادس منه قدم تَنبِك مِيقْ نائبُ الشام فخُلع عليه باستمراره، وعظَّمه (٦) برسباي
стр. 1368
جدًّا، وتكلَّم الأَميرُ (١) الكبير معه في أَمْر السلطنة فوافقه على ذلك، فلما كان في الثامن من ربيع الآخر يوم الأَربعاء - قبل الظهر بقدْر درجتين - عُقِد له المُلْك وهو في طبقته بالأَشرفية، ثم ألبس الخلعةَ وجَلس على التَّخْت وفَوَّض إليه الخليفةُ وعُقِدت له البيعة، ولُقِّب "الملك" (٢) الأَشرف"؛ وخُلع في صبيحة ذلك اليوم على يَلْبُغا المُظَفَّرى واستقر أَميرًا كبيرًا وتَحَوَّل إلى البيت الذى فيه طَرَابَاى مقابلَ القلعة، وانتقل إلى بيت ططر وغيرهما من بيوت السّلطنة واستقر فيها الأَشرف، واستقر آقبغا التمرازي أَميرَ مجلسٍ عوضًا عن قَجَق بحكم انتقاله إلى وظيفة إمرة سلاحٍ عوضا عن يَلْبُغا، واستقر يَلْبُغا المظفَّرى أَتَابَكَ العساكر، وخُلع الملكُ الصالح محمد، فكانت مدَّةُ سلطنته أَربعةَ أَشهر، وخُلع على نائب (٣) الشام خلعة السفر واستقر معه حُسَيْن بنُ السَّامرى في نظر الجيش، وانْفَصل ابنُ الكِشْك عن نظر الجيش وبقى معه قضاءُ الحنفيّة وسافر، وعمل الأَشرفُ موكبًا حافلًا، وأُحْضِرَت رسلُ الفرنجِ الكتلان، ومنع السلطانُ النَّاس من تقبيل الأَرضِ له واقتصر (٤) على يده.
* * *
وفي ليلة الإِثنين ثالث عشر ربيع الآخر أَمطرت السماء بالقاهرة مطرًا استمرَّ اللَّيْل كلَّه وقطعةً من النهار وذلك في حادى (٥) عشر برمودة، وهو من المستغربات.
* * *
وفى الشهر الذي استقر فيه الأَشرفُ في السّلطنة أمر بإِبطال القَدْرِ الذي كان يأْخذُه مِمَّن يسافر بالأَمير المنفصل عن إمرته إذا حُبس أَو نُفى، وكان المقرَّرُ لذلك أَلْفَيْ دينارٍ إلى أَلفِ دينارٍ إلى دونها بحسب مقاديرهم فأَبطل ذلك، وأَمر أن يُنْقَش في اللَّوْح الرّخام فوق النَّقش الذي جعله السَّالمي في دولة الناصر فرج بسبب المرتجع من الإِقطاع عند انتقال الإِمرة؛ وقد تقدّمت الإِشارة إليه في الحوادث.
стр. 1369
وفي جمادى الأُولى جَهَّز الأَشرف إلى مكة مقبلا القُدَيْدى بسبب عمارةِ مَاوَهَى من المسجد الحرام، وطلب من القاضي الشافعى ما كان القاضي جلالُ الدّيْن البُلْقِيني ذَكر للمؤْيّد أنه تحصّل عنده من ذلك - وهو سبعة آلاف دينار - فكشف القاضي الشافعيُّ عن ذلك فوجد المحضر (١) بعمارة الحرمَيْن قَدْرَ أَلْفَيْ دينار أَو يزيد قليلا، وباقى ذلك لعدة جهاتٍ من أوقافَ وغيرها كانتْ مودَعةً تحت يد الجلال، فلم يقبل الأَشرف ذلك وأَلزم المباشرين على الأَوقاف المتعلِّقة بالحرمين بذلك، فلاذوا بالقاضي فأَذن لهم في الاقتراض، ثم ضاق بهم الأَمر فتعلَّقوا على ورثة جلال الدين فاستُعيد منهم أَلفُ دينار كان والدُهم أخذها من مال الحرَمَيْن على أَنَّها مِنْ مَعْلُومِه، وكان أقام مدة طويلة لا يتناول من مال الحرمين معلومًا، فشهد عليه القاضى علاء الدين الحنبلي أَنه كان تبرّع بذلك.
* * *
وكان نائب دمشق تنبك ميق ونائب حلب تغرى بردى، ونائب حماة تاني بك البجاسي، ونائب طرابلس أَركماس (٢) الجلبانى ثم صُرف واستقر بعده تنبك البجاسي، ثم هرب تغرى بردى من حلب إلى بَهسْنَا، وتحصّن بقلعتها كُزُل الذى كان هرب من المؤيد إلى مَلَطْية، ونقل البجاسي إلى نيابة حلب، وتولى نيابةَ حماةَ جارْقُطْلو.
وفيه صُرف تاجُ الدين بنُ شرفِ الدين بن تاجِ بن نصْرِ الله من نظر الخزانة السّلطانية وغيرها، وأُعيد ذلك لزين الدين عبد الباسط، فكانت ولايةُ شرفِ الدّين المذكور لذلك نحو سبعة أَشهر، وانصرف غير مشكورٍ لبَأْوٍ كان فيه ودعوًى عريضة.
وفى الثَّامن من جمادى الأُولى نُودِيَ أَن لا يباشر نصرانيٌّ في ديوان أَحدٍ من الأُمراء، ثم انتقض ذلك بعد مدّة، وكذا كان ضُيِّق عليهم في الأَيّام المؤيديّة ثم تراجعوا قليلا قليلا.
стр. 1370
وفي التاسع منه جدد كاتبُ السر - علم الدين بنُ الكُوَيْز - خطبةً بالمدرسة البقريَّة مقابل باب مَنْزله لتعاظمه أَن يتوجّه إلى الجامع الحاكمي ماشيًا وإشْفَاقِه من الإِنكار عليه إنْ تَوَجَّه راكبًا مع قُرْب المسافة.
وفى هذا الشهر أَشار كاتبُ السر أَيضا بإِبْطال المرِسْتان الذي اتَّخذه الملكُ المؤيَّد تحت القلعة مكان الأَشْرَفِيَّة الشَّعبانية، وأقام فيه خطيبًا ظنًا أَنه منه يتقرب بذلك.
* * *
وفي هذه السنة كان فصلُ الربيع مختلفَ المزاج جدا ما حرٍّ شديدٍ وسموم، وما بين بردٍ شديدٍ وما بين ذلك.
وفي أواخر رمضان صُرف أرغون شاه من الأُستادارية وقُرِّر فيها أيتمش الخُضرى.
وفى هذا الشهر حدثت كائنةٌ غريبة وهى أَن عبد الرحمن السمسار في الغلال كان اشتري دارًا من ابن الزَّيْدِي بشاطيء النيل فزخْرَفها وأتقنها وغرم عليها - فيما يُقال - أَكثر من خمْسةِ آلاف دينار ووقَفَها على جهات، وجَعل صورةَ الوقف في خَشَبٍ محفور فيه يقرؤُه كلُّ واحد، فلما مات شهِدَ جماعةٌ عند بعض نوّابِ الحنفى بأَنها وقفٌ وذكروا شروطها بخلاف ما ظهر بعد ذلك محفورا في الخشب، فاتَّفق أَنَّ المباشرين بديوان السلطان (١) وجدوا على عبد الرحمن مسطورًا لجهة السّلطان بمالٍ جزيل فلم يوجد له ما يُوفِي، فأَمر بِبيْع داره فقيل له إنها وَقْفٌ فهدمها فهُدِمت فكانت كائنةً شنيعة، وبيع رخامُها على حدةٍ وخشبُها على حدة، ثم باع ورثتُه أَنقاضها وبَطُلَت الوقفِيَّة الأَصليّة والزور.
* * *
وفي جمادى الأُولى ألزم الأَشرفُ البزازين أَن لا يبيعوا شيئًا من القماش بالنَّسِيئة ولا يشتروه، فحصل لهم بذلك ضيق كبير، ثم أُفْرِج عنهم وأُلْزِموا أن لا يخيّروا الشراء بينهما، بل إن كان نقدًا فنقدا، وإن كان نسيئةً فنسيئة.
стр. 1371
وفي عاشر جمادى الآخرة قدم الهروى القاهرة فنزل مدرسة ابن الغَنَّام، وهرع الناس للسّلام عليه إلا الدّيرى وابن المغلى، ثم رام الهرويُّ السعى في شيء من الوظائف فعاجله كاتبُ السر ابنُ الكويز، فأَلزمه الأَشرف بالرُّجوع إلى بيت المقدس، فتباطأَ إلى نصف رجب يتَرَجَّى الإِقبالَ (١) فلم يُجَبْ إلى ذلك وخُلع عليه خلعة السّفر، فسافر في جمادى الآخرة.
* * *
وفي جمادى الآخرة اختطف تمساحٌ في البحر رجلًا من الصّيّادين كان نزل ليقبض على سمكةٍ صادها، فصاده التمساح وصار يصعد به على وجه المساء - حتى شاهده الناس - ثم يَغْطس به إلى أَن هلك.
وفيه شَنق بعضُ العوامّ نفسه قهرًا من زوجته: كان طلَّقها وهو يحبّها فاتَّصلت بغيره وكَّلته فيه فقَتل نفسه.
وفيه جَبَّ شخص عجميٌ مذاكيره بسبب أَمرَد كان يعشقه ولا يقدر عليه، فاتَّفق أَنه أَمكنه من نفسه فلم ينتشر ذكره فقطعه فَحُمِل إلى المرستان فمات، وقيل (٢) إنه عوفى وأَقام يبيع الحلوى مدةً ولم تسقط لحيته ثم مات.
وفى أواخره قدم جارْقُطْلو - نائبُ حماة - فخُلع عليه وأُعيد إليها.
وفى رجب أُفرج عن الخليفة العبّاسي الذي ولى السّلطة، وكان المؤيدُ سجنه بالإِسكندرية فنُقِل إلى دمياط لكونها أَبسط له فلم يوافق، واستأذن أَن يُقيم بالإِسكندرية بغير سجن فأُجيب إلى ذلك.
وفى ثامن رجب حدثت بالقاهرة زلزلة لطيفة.
стр. 1372
وفى أَوائله عَصى إِينال نائبُ صفد وأَطلق المسجونين بها وهم: جلبان أَمير آخور وإينالٌ الجَكَمى رأس نوبةٍ كان ثم نائب حلب، ويشبك الإينالى الأُستادار، وَوَجَد بصفد نحو مائة أَلف دينار فتقوَّى بها وأَرسل كُتُبَه إلى الأُمراء فلم يوافقْه مَن بالقدس فأَرسلوا كِتابُه إلى مصر فكوتب مقبل الذي كان دويدارًا وقُرر - بعد قتل جقمق نائب الشام - أَميرًا بدمشق بأَن يتوجّه إلى صفد نائبًا بها، وكوتب نائبُ الشام بَجمْع العساكر والتوجّه إلى صفد.
فلما كان في العشر الأَوسط من رجب أَوقع إِينال نائب صفد بالأَعراب فكسروه، ففارقه الأُمراءُ المسجونون - وكان أَطلقَهم - فتوجّهوا إلى دمشق طائعين، ثم أَراد تغرى بردى الكبكي الوثوب بنائب دمشق ففطن له مقبل واتَّهم الأُمراء - الذين جاءوا طائعين - بالخديعة في ذلك، فقبض عليهم ثم أُطلق جلبان وسُجن الآخران.
* * *
وفى هذه السنة كان المطر والبرد بالحجاز شديدا وأَمطرت السماء بنواحى صفد بردًا بلغ وزنُ واحدةٍ ثلاثين رطلًا بالمصرى، ووُجدت على باب بعض البيوت منها بردة لابِدَة مثل الثور.
وفى الثالث والعشرين من شهر رجب وصل قاصد النائب بالإسكندرية ومعه قاصدٌ من صفد بكتابٍ إليه يستدعيه، فقُبض على قاصد نائب صفد وخُلع على قاصد نائب الإِسكندرية، واستمرَّ مقبل - الذي استقرَّ في نيابة صفد - محاصِرًا نائبها المنفصل في القلعة إلى شوال، فنزل إِينال بالأَمان فقُبض عليه ودُقَّتِ البشائر بالقاهرة، وأُرسل بسجن الزين ابن العسّال - وكان قد ولى كتابةَ السر بها ونظرَ الجيش - فضُرب بالمقارع بحضرة السلطان لكونه كَاتَبَ عنْ نائبها إلى نائب الإِسكندرية وأُمر بقَطْع يده، فشُفِع فيه.
وصادف زيادة النيل في ذلك اليوم ثالث عشرى رجب عشرين إصبعا فسُرّ الناس به وتباشروا بالرخاء والأَمْن، ثم نودى عليه في ثامن عشرى رجب خمسين إصبعا، وفى
стр. 1373
اليوم الذي يليه ذراع فأَكمل أربعة عشر ذراعًا في خامس عشرى أبيب وهو شيءٌ لا عهْدَ للناس به من دهر طويل، ثم أكمل ستة عشر ذراعًا في ثامن عشري أَبيب، وكسر الخليج في تاسع عشرينه، وهو ثالث شعبان.
وفى السادس والعشرين من رجب خرج الركب الرّجَبي، وكان لهم خمسًا وعشرين سنة لم يخرجوا، وحَجّ خلقٌ كثير منهم: تاج الدين ولدُ القاضي جلال الدين البلقيني.
وفى ليلة الرابع عشر من شعبان خُسف القمر حتى لم يَبْقَ من جرمه إلّا اليسير، فاستمرّ من قبْل نصف الليل إلى أَن تكامل انجلاؤه مع طلوع الفجر.
وفى أول شعبان جَلس السلطانُ للحكم بين الناس وطَلب مدرسي القمحيّة، وهم: جمال الدين البساطى ومَن يشركه فأُهينوا وأُلزموا بمالٍ لأَجل عمارتها، وأَرْجف بأَن أَرضها الوقف أُقْطِعت لبعض المماليك لكن لم يتم ذلك ذلك.
* * *
وفى حادي عشري شعبان صُرف ابنُ العجميّ عن الحسبة واستقر بدرُ الدين العينى، وحَصَّل ما للمحتسب، وهو في اليوم ديناران من الجوالى: واحدًا للمحتسب، وواحدًا لابن العجمي.
وفيه حُمل المظفر أحمد بن المؤيد من القلعة إلى الإسكندرية نهارًا، فحبس بها في بُرْج إلى أَن مات بعد ذلك.
وفى الثاني والعشرين من شعبان أُثْبتَ أَن أَوله الإِثنين؛ شهد اثنان عند شمس الدين الأَسيوطي المعروف بزوج الحرة النائب في الحكم فقبلهما، ولزم من ذلك أَن يكون أول رمضان يوم الأربعاء (١)، فلما كانت ليلة الثلاثاء خرجوا لرؤية الهلال فما رأوه، ثم تراءوه ليلة الأَربعاء فما تكلَّم أحد برؤيتة، ثم غاب ليلة الخميس مع مغيب الشَّفق، وكثر كلام الناس في الشهادة الماضية.
стр. 1374
وفى سادس عشر رمضان أُشْهر نائب صفد الذي كان عصى فقُبض عليه ومعه نحو من ثلاثين نفرًا ممن عصى معه، فقُطِعت أَيديهم ونفوا من القاهرة مشاةً، فمات أَكثرهم في الطريق (١).
وفي رمضان انتهى حصارُ قلعة بهسنا على يد نائب حماة، فنزل تغرى بردى الأَقْبَغَاوى المعروف بابن قَصْروه بالأَمان، ووقعت في أثناء الحصار في كَزَل نشَّابة فمات منها، وتَدْلى كَمَشْبُغَا من القلعة ليهرب ففُطِن به فقُطِع الحبل فوقع فتكسّر.
* * *
وفى شهر رمضان أمر السلطانُ بإِعادة الأذان (٢) مئذنتَيْ النَّاصر حسن بالرُّمَيْلة، وكان الظاهرُ برقوق قد أَمر بتعطيلهما وعدم التوصّل إلى صعودهما، ثم أَمر الناصرُ بهدْم سلَّمَيْهما، فأُعيد ذلك بعد بضعٍ وثلاثين سنة، وأعيد فتح البابِ الكبير المجاور للقبو، وكان الظاهر أَمر بسدّه بالحجارة ففُتح الآن وأُزيلت الحجارة، وكان المؤيد قد نقل البابَ إلى مدرسته فعُمِل للحسنِيّة الآن بابٌ جديد.
* * *
وفيها خرج العرب على أبي فارس صاحب تونس فسار في آثارهم نحوًا من عشرة أَيام حتى أَوقع بهم وخضعوا له.
وفيها جهَّز أبو فارس عسكرًا إلى الفرنج في البحر فبدروا بهم فتبعوهم فانهزموا، فغضب أَبو فارس على قائد الجيش ونسبه إلى التَّهاون وضَربه وأهانه، وشَرع في تجهيز جيشٍ آخر، واتَّهمَ العامَّةُ أَنَّ صاحَب فاس واطأَ الفرنْج على المسلمين فثاروا عليه، فقُتل بينهم مقتلة عظيمة.
стр. 1375
وفيها قوى صاحب تلمسان واستجدَّ عسكرا.
وفيها كان الغلاءُ المفرط بحلب ثم أَعقبه الطاعون فمات بشَرّ كثير.
وفي أَوائل هذه السنة أَخذ الفرنج سبتة (١) من أَيدى المسلمين بعد أَن (٢)
وفي رمضان استقرّ قَطْلُوبُغَا حاجِّي التركماني ثم الحلبي في نظر الأَوقاف - وهو حمو الظاهر ططر - وصار جدَّ زوجِ السلطان الأَشرف فكان يقال له "أَبو السلطان" فباشر بشدّةٍ وعنف.
وفيها أَنْهى بعضُ الخاصكية أن بلد التدريس بالجامع العمري المعروف بالخشَّابية ليس بمستَحقٍ، لأَن المدرسة الموقوف عليها لا تُعرف، فأُمِر بإِخراجها إقطاعا ثم شُفع في مستحقِّيها واستقرّت بأَيديهم واستُهْلِكت.
وفي شوال خرّج الرّكْبُ على العادة فلما وصلوا إلى عَجْرُود وجدوا الماء قليلًا، فعطش كثير منهم فرجعوا في خجلٍ شديد وباعوا أَزودتهم بأَبخس الأَثمان.
وفى شوال أمر القاضى وليُّ الدين قاضي الشافعية بحبس ابن القوصيّة قاضى أَسيوط، فشَفع فيه المحتسبُ بدرُ الدين العينتابي، فأُخرج في التَّرْسيم فشَفع فيه كاتبُ السر فامتنع القاضى من إطلاقه حتى يدفع ما في جهته من مال الحَرَمَيْن، فتعصَّب له أَيْتَمُش الخضرى فاستخلصه من أَيدى الرسل، فبلغ القاضي فغضب ومنع نوّابَه من الحكم، فبلغ ذلك السلطانَ فأَمر بإِعادة ابن القوصيّة إلى الحبْس واستدعى القاضي سراج الدين عمر بن موسى الحِمْصي (٣)
стр. 1376
الذي كان ينوب عن الشافعي وجرى بسببه على صهره القاضي جلال الدين البُلْقِيني ما جرى فقرره الشافعى في قضاء (١) أَسيوط عوضًا عن ابن القوصية، فتوجه إليها واستمر مدّةً طويلة.
وفي ذي القعدة نَزل السلطانُ إلى المطعم ثم رَجع فاجتاز بالمدينة وقد زُينَتْ له فدخل العمارةَ التى استجدّها بالركن المخلَّق.
* * *
وفى الثالث منه نُفِي عبد الله أَخو أَمير سعيد الكاشف بالوجه القبلى ودمرداشُ الكاشف بالوجه البحرى إلى عينتاب، وأُمِر بنفى ابن القوصية قاضى أَسيوط معهما ثم شُفع فيه فتَأَخَّر.
* * *
وفي (٢) بَابَه وقع برد شديد عند نزول النيل وبادر الناس للزرع، ثم وقع البرد في أَوائل هاتور ثم أَعقبه حر شديد وسموم ففَسد أَكثرُ البرسيم ورَعَتْه الدودة فأَفسدت منه بالجيزة شيئًا كثيرا.
وفى أواخر ذي القعدة عزَّ وجود اللحم الضَّانى وقلَّ الجالب للأَضحية وبقى الناس بسبب ذلك حيارى.
стр. 1377
وفي ذي القعدة صُرف أَيْتَمش الخضَرى من الأُستادارية وأُعيد أَرغون شاه، ثم أُضيفت إلى أرغون شاه الوزارةُ في ثامن ذى الحجة منها، وكان الوزيرُ تاج الدين بن كاتب المناخات قد استقر في الرابع من ذى الحجّة ثم قُبض عليه في الثاني عشر منه وصودر على مال يقال إنه ثمانية آلاف دينار، واستمر معزولا.
وفي التاسع عشر من ذي الحجة - وهو الموافق لثالث (١) أَيلول (٢) من القِبطية - وَرَّدَ - بالقاهرة - الوَرْد وهذا أَسْرَع ما رأيْتُ منه بها.
وفى السادس والعشرين منه وصل المبشر بسلامة الحاج، فقَطع المسافةَ في خمسة عشر يومًا، وهذا أَسرع ما أدركناه من ذلك.
وفى رجب صُرف القاضى بدر الدين بن خطيب الدهيشة عن قضاء حماة واستقرَّ زينُ الدين عُمر بنُ أَحمد بن المبارك بن الخرزى عوضًا عنه.
وفى شوال صُرف القاضي نجم الدين بن حجى (٣) عن قضاء دمشق بتاج الدين ابن الكركي نقلًا من قضاء حلب، واستقر علاء الدين بن خطيب الناصرية في قضاء حلب كعادته نقلا من طرابلس، وأعيد ابن النويري إلى طرابلس.
وفى السادس (٤) من ذى الحجة صُرف القاضى وليّ الدين العراقي عن قضاء الشَّافعية، واستقرَّ عوضه علمُ الدين صالحُ بنُ شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين، وكان أخوه جلال الدين لما مات نظمت:
стр. 1378
مات (١) جَلالُ الدّينِ، قالوا: ابْنُه … يَخْلُفُه أَوْ فالاخَّ الرّاجِحُ (٢)
فقُلتُ (٣): تاجُ الدّين لا لائِقٌ … لمنْصِبِ الحُكْم ولا "صَالِحُ".
فكان كما قلت، فإنَّه تولى وظهر منه التهَوُّرُ والإِقدام على ما لا يليق وتنَاوُلُ المال من أَى جهةٍ كانتْ: حلالا أم حرامًا، مَالَا كَانَ يُظَنُّ به ولا أَلِفَ النَّاس نظيرَه من أَحدٍ مِمَّنْ وَلِي قضاء الشافعية بالقاهرة في الدّولة التركية.
* * *
وكان فِطْرُ النصارى اليعاقبة في هذه السنة في اليوم الثاني من حلول الشمس برج الثور، وهو سابع عشر بَرَمُودة وهو التاسع عشر (٤) من شهر ربيع الآخر.
وفى الثامن عشر من برمودة أَمَر السلطان بلبس الأَبيض فسَبق العادةَ الأُولى قدْرَ عشرين يوما، وكان المؤيد قد أَخَّر ذلك عن العادة قدر عشرين يوما فتباينا في ذلك جدا، واتفق أن البرد كان موجودًا أَشدَّ مما كان من قبل ذلك إلّا في وسط النهار.
стр. 1379
وفى العشرين من ربيع الآخر استقر برهان الدين الشافعي - قاضي صفد - في كتابة السّرّ بدمشق عوضا عن الشريف، وأُمِر بإحضار الشريف إلى القاهرة وصودر على مال جزيل يقال عشرة آلاف دينار، وكان في نفس السلطان منه وهو أَمير، ثم نقلت كتابةُ السّر من البرهان لحُسَيْن ناظر الجيش فجمع الوظيفتين بعناية صهره أَزبك.
وفى شهر ربيع الآخر وقعت بدمياط كائنةٌ بيْن العرب، وفيه وقعت بالصعيد كائنةً بين العرب من هوارة قُتل فيها أميرُ العرب سليمان بن غَرِيب بنواحي الأَشْمُونين، وعاث العربُ من أَجْلها في البلاد حتى قُتِل الذى توجّه من القاهرة إلى الصعيد يُبَشِّر بسلطنة الملك الأَشرف، فجهز إليهم السلطانُ عسكرًا فلم يظفروا منهم بشيْءٍ لأَنهم فرّوا، فرجع العسكر وقد أَفسدوا في البلاد ببَسْطِ أيديهم إلى بعض الضعفاء، فنهبوا بعضًا وسبوا بعضًا وباعوا الأَحرارَ على أنهم عبيدٌ وإماء، فلا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله.
وفي الثاني عشر من شوال أدير المحمل وخرجَ إلى الحجّ جمعٌ كبير جدا بحيث قُسّموا ثلاثة ركوب، وأمير المحمل ياقوت الحبشي مقدّم المماليك، وأَمير الأَوسط جَانبِكْ، الخزندار، وأَميرُ الأَول أسندمر وخرجوا في تجمّلٍ زائدٍ وأُبّهةٍ كبيرة، ووصل ركب المغاربة. وقاضيهم صاحبنا زين الدين عبد الرحمن البِرْشكِي (١) وانفرد عنهم ركب الينابعة فصاروا خمسة ركوب.
* * *
ذكر بقية الحوادث الواقعة في هذه السنة
فيها أُحضر إلى قرقماس الدُّويْدار الثانى امرأَةٌ ادُّعِيَ عليها بدينٍ مطلت به فضَربها، فأخرجت من يدها مكتوبًا بإثبات إعسارها فلم يَلْتَفِت إليه وأَعاد ضرْبها، ثم ضرَبها مرّةً ثالثةً (٢) فماتت، فرُفع الأَمرُ إلى السلطان فأَمر بدفنها وذهب دمها هدرا.
стр. 1380
وقد ولي قرقماس هذا بعد ذلك أميرَ الحجّاب مدةً، ثم استقر كبيرَ الحجاب بالقاهرة، ثم آل أمره إلى أن ركب على الملك الظاهر بعد أن كان هو القائم في سلطنته فلم يتم له أمر، وقُبض عليه وسُجن بالإسكندرية ثم قُتل في سنة ٨٤٢.
***
وفيها كان الطاعون الشديد بحلب حتى يقال مات فيه سبعون ألفًا وخلا أكثر البلد من الناس.
***
وفيها اشتدّ السلطان في أَمْر الأوقاف التي على المدارس والجوامع والمساجد والزوايا وأحواض السبيل والأخْذ على أيدي مباشريها وإلزامهم بالقيام بها، وبالغ قَطْلُوبُغَا ناظرُ الأَوقاف في إهانتهم وباشر بصرامةٍ وقوةٍ وشهامة، ثم لما طال العهد تناول الرشوة وسقطت مهابته.
***
ذكر من مات في سنة خمس وعشرين وثمانمائة من الأعيان
١ - إبراهيم بن أحمد البَيْجُوري (١)، الفقيهُ الشافعيُّ برهانُ الدين، وُلد في حدود الخمسين أوْ قبلها، وأخذ عن الإسنوى ولازم البلقيني، ورحل إلى الأذرعى (٢) بحلبَ سنة ٧٧٧، وبَحَث معه فكان الأذرعيُّ يعترف له بالاستحضار، وشهد له الشَّيخ جمال الدين الحَسَبَانِي (٣) عالِمُ دمشق بأنه أعلمُ الشافعية بالفقه في عصره، وذكر جمالُ الدين [عبدُ الله بن الشهاب] بن الأذرعى أنه كان ينسخ "القوت" كل مجلَّد في شهرَيْن، وفى كل ليلةٍ ينظر على مواضعَ فيصلح الأذرعيُّ بعضًا وينازعه في بعضها
وقال محيي الدين البصروي: "فارقْتُه سنة خمس وثمانين وهو يسرد "الروضة" حفظًا، وكان ديِّنا خيِّرا متواضعا لا يتردّد لأحد، سليم الباطن، لا يكتب على الفتوى تورّعا،
стр. 1381
وولي بأخرة مشيخة الفخرية (١) بين السُّورَيْن". وأجاز لأولادى، وكثُر تأسُّفُ النَّاس عليه فإنه كان ينفع الطلبة جدًّا حتى كانوا يصححون عليه تصانيف العراق فيهذبها ويهديهم إلى الصّواب مما يقع فيها من الخطأ نقلًا وفهمًا، وكانوا يطالعون العراقي بذلك فلا يزال يصلح في تصانيفه بما ينقلونه عنه".
ولم يكن في عصره مَن يستحضر الفروع الفقهيّة مثله، ولم يخلف بعده من يقارنه في ذلك مات في يوم السبت ١٤ رجب. وكان على طريقة السلف.
٢ - إبراهيم بن محمد بن عيسى بن عمر بن زياد الشافعي، برهان الدين بن خطيب عذرا، وُلد سنة اثنتين وخمسين بِعَجْلُون. وقدم مع أبيه صغيرًا وكان أبوه خطيب عذرا (٢) فحفظَ إبراهيم "المنهاج" واشتغل على شيوخ العصر وأذن له ابن خطيب يبرُود (٣) ورحل إلى الأذرعيّ بحلب، ورافق ابنَ عشائر وكان حينئذ يستحضر "الروضة" حتى كان يردّ على الأذرعى في بعض ما يفتى به ويدلّ على المسألة في "الروضة" في غير مظنَّتها، وتصدّى للقاضي شهاب الدين بن أبي الرضى حتى أخذ عليه في ثلاثين فتيا أخطأَ فيها، حتى نسبه في بعضها لمخالفة الإجماع مع شدَّة ذكاء ابن أبي الرضى إذ ذاك. وكان البُلْقِيني يفرط في تقريظه والثناء عليه.
ولي قضاء صفد بعناية الشيخ محمد المُغَيْرِبي (٤) ثم عُزل ثم أُعيد، ثم أقام بدمشق من سنة ستّ وثمانمائةِ بطالا، وحصلت له فاقة، ثم حُصل له تصدُّرٌ بالجامع، وكان يحفظ كثيرًا من شعر المتنبيّ ويتعصّب له ويحفظ أشياء من كلام السُّهَيْلي، وكان حسن الشكل سهل الانقياد سليمَ الباطن، وله "شرح على المنهاج" فيه غرائب، ولم يكن له يدٌ في شيْءٍ من العلوم إلَّا الفقه خاصة. مات في سابع عشرى المحرم بالفالج.
стр. 1382
وقرر ابن منكلى (١) بغا الشمسى في جامع والده بحلب تدريسًا وذلك في سنة ثلاث وتسعين، فاتفق حضور الشيخ سراج الدين صحبة الملك الظاهر فسأَله أن يحضر معه إجلاسه، فلما حضر قال له: "تدرّس أَنت أو أَنوب عنك؟ فقال: "تكلم يا مولانا شيخ الإِسلام"؛ قال علاء الدين في تاريخه: "كان يميل إلى القضاء كثيرًا ثم كرهه في آخر زمانه"، ونزل له نجم الدين بن حِجى عن نصف تدريس الرّكْنيّة [الشافعية (٢) الجوانية] فدرّس بها قليلًا ومات.
٣ - أَحمد بن إبراهيم المحلى، شهاب الدين الشاهد، سمع من أبي الفتح القلانسي وغيره وأجاز لأَولادى، وكان أَحد الصوفية بالركنية (٣) بيبرس، وتكسّب بالشهادة ببولاق جاوز الثمانين.
٤ - أَحمد بهاء الدين بن الفخر عثمان بن التاج محمد بن إسحاق المناوى، كان قد استقرّ في وظائف (٤) أبيه شركةً مع أخيه بدر الدين [محمد (٥)] فناب في الحكم ودرّس بالمَجْدِيّة وغيرها، وكان حسن البِشْر والتودّد محبًّا في أَهل العلم، وقد عُيّن للقضاء مرة وكانت نفسه تسمو إلى ذلك فلم يتفق له.
ولما مات قُرِّرَتْ وظائفه كلها بيد ولده على (٦) وهو صغير جدًّا فاستُنِيب عنه خالُه جلالُ الدين بنُ الملقن، وكان موت بهاء الدين في رمضان وله نحو أربعين سنة، وقُرّرت (٧) جهاته لولديه وهما صغيران.
стр. 1383
وكان رئيسًا فاضلًا له وجاهة زائدة، وتزوّج خديجة بنتَ القاضي نور الدين على ابن السراج بن الملقن فولدت له الشيخ نور الدين وأخاه عمر وابْنةَ تزوّجها المولوى السفطى وغيره.
٥ - أحمد بن محمد بن محمد بن أبي غانم بن الحبّال السكندرى (١)، مات يوم الجمعة سابع عشرى رجب من هذه السنة.
٦ - أحمد، المعروف باليمنى شهاب الدين، أحدُ القراء بالجوق، تلميذ الشيخ شمس الدين بن الطَّباخ وقرأَ معه وحاكاه، وكان للناس في سماعه رغبةٌ زائدة ولم يخلف بعده من يقرأ على طريقته، مات في صفر. (٢)
٧ - أبو بكر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح، المقدسي الأَصل، الدمشقى الصالحي الحنبلي صدرُ الدين بن تقيّ الدين، وُلد سنة ثمانين (٣) وتفقه قليلًا واستنابه أبوه وهو صغير واستنكر الناس ذلك ثم ناب لابن عبادة (٤)، ثم شرع في عمل المواعيد، وشاع اسمه وراج بين العوام، وكان على ذهنه كثير من التفسير والأَحاديث والحكايات مع قصور (٥) شديد في الفقه، وولى القضاء استقلالًا في شوّال سنة سبع عشرة (٦) فباشره خمسة أَشهر ثم عُزل واستمر على عمل المواعيد، ومات في جمادى الآخرة.
стр. 1384
٨ - حسن بن سودون الفقيه، كان بارع الجمال في سلطنة المؤيّد لكن أصيب في بصره من رمد أصابه فغَشَّى إحدى عينيه، وتزوّج ططَر (١) أختَه قديمًا فعظم في دولته، ثم تأَمَّر تقدمةً في ولاية ابن أخته الصالح محمد لكن لم يُمَنَّع بالإمرة فإنه لم يزل موعوكًا إلى أَن مات في يوم الجمعة ثالث عشر صفر وأسف أَبوه عليه فصبر وتجلَّد، وكان موته بسبب التغير والمنافرة بين الأَميرين الكبيرين برسباي وطرباي.
٩ - سليمان بن إبراهيم بن عمر بن على (٢)، الفقيه نفيس الدين التَّعزّى العلوى - نسبةً إلى عليّ بن راشد بن بُولَان -، سمع أَباه وابنَ شدّاد (٣) وغيرهما، وعنى بالحديث وأَحب الرواية، واستجيز له جماعة من أهل مكة، وسمع منّي وسمعْتُ منه، وكان محبًّا في السّماع والرواية مكبًّا على ذلك مع عدم مهارته فيه، وذُكر لي أَنَّه مرَّ على "صحيح البخاري" مائة وخمسين مرة ما بيْن قراءة وسماعٍ وإسماعٍ ومقابلة، وحصّل من شروحه كثيرًا، وحَدَّث بالكثير وكان مُحَدث أَهل بلده، وقرأَ الكتب على شيخنا مجد الدين الشيرازي؛ ونعم الرجل كان.
لقيته بزَبيد ويتعزَّ في الرحلتين، وحَصَل لي به أنس، وحدّثني بجزء من حديثه تخريجه لنفسه، زعم أنَّه مسلسل باليمنيين وليس الأَمر في غالبه كذلك، مات - وقد جاوز الثمانين - في ذى الحجة، هذا ببلوغ الخبر، و (٤) [لكن] كانت وفاته في جمادى الأُولى من السنة.
ورأيتُ بخط المجد في طبقة سماعٍ عليه بخط النفيس العلوى ووصفه بأَنه إِمام أَهل السنة.
стр. 1385
١٠ - صالح بن شهاب الدين أَحمد بن صالح بن السفاح، ولد سنة خمس وتسعين وأُحْضِر على ابن أَيدغمش وأُسمِع على ابن صدّيق، وقرأَ شيئًا في النحو، ثم لما ولى أَبوه كتابة السرّ استقر [هو] في توقيع الدَّسْت وناب عن أَبيه، وكانَ محتشمًا متودّدًا إلى الناس وافرَ العقل، ومات بالطاعون في جمادى الآخرة وهو سبط القاضي شرف الدين الأَنصاري قاضي حلب.
١١ - صالح بن عيسى بن محمد بن عيسى بن داود بن سالم الصُّمادي، كان جدّه سالم من تلاميذ الشيخ عبد القادر وبُنِيت لسلفه زاوية بصُمَاد (١) قبلى بُصْرى، ونشأَ هذا بزاويته وله أتباعٌ وشهرة، وكان له مزروعات ومواشٍ ويضيف الواردين كثيرًا، وكَلِمتُه مسموعةٌ عند أَهل البر، مات في رمضان عن نحو السبعين.
١٢ - صدقة بن سلامة بن حسين بن بدران بن إبراهيم بن جملة الضرير الجَيْدُوري (٢) [المسَحْرَاتى] ثم الدمشقي، وُلد سنة بضعٍ وخمسين، وعنى بالقراءات فقرأَ "الشاطبيّة" على العسقلاني إمام جامع ابن طولون، وقرأَ "التيسير" على أَبي الحسن الغافقى، وأَقرأَ القراءات بالجامع الآمدي، وأدّب خلقا وانْتَفَعْتُ (٣) به، وله تواليف في القراءات، مات في عاشر جمادي الأولى.
١٣ - عبد الرحمن بن محمد بن طُولُوبُغا التنكزى، أَسد الدين، مسندُ الشام، وُلِد سنة [ست (٤) وأربعين وسبعمائة] وسمع من [ابن (٤) عبد الهادى] وتفرّد وحدّث وحجّ في سنة أربع وعشرين. حدث بمكة ورجع فمات بدمشق في ١٢ ذي القعدة من هذه السنة (٥).
стр. 1386
١٤ - عثمان بن سليمان الصَّنهَاجي من أَهل الجراير (١) الذين بين تلمسان وتونس، رأَيته كهلًا وقد جاوز الخمسين وقد شاب أكثر لحيته، وطوله من رأسه ذراعٌ واحدٌ بذراع الآدميين لا يزيد عليه شيئًا وهو كامل الأَعضاء، وإذا كان قائمًا يَظُن مَنْ رآه أنه صغير قاعد وهو أقصر آدمى رأَيته، وذكر لي أَنه صَحب أَبا عبد الله بن العماد وأَبا عبد الله ابن عرفة وغيرهما، ولديه فضيلة ومحاضرة حسنة.
١٥ - (٢) على بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الناصر الزُّبيري، علاء الدين بنُ قاضي القضاة تقى الدين، ناب في القضاء ودرّس بعدّة مدارس وبرع في الحساب والفرائض، مات في ليلة الأَحد ٣ بعد أن اشتغل وحصّل ومهر وناب في الحكم، ودرّس بعد أَبيه بالناصريّة والصالحيّة؛ وكان نزهًا عفيفًا في الأَحكام شهمًا، وأَثرى بعد أن كان فقيرًا فإنَّه ورث أَخاه شهاب الدين [أَحمد] ثم أَنفق ما ورثه كعادته في الإنفاق المفرط، وكانت له هنات والله يسامحه. أرخه بعضهم ظنا في أَوائل سنة أربع وعشرين والصحيح - إن شاء الله - ما قدمته.
١٦ - على بن أحمد بن على المَارْدِيني، سمع من ابن أبي قَوَاليح "صحيح مسلم" بدمشق وحدّث عنه ومات بمكة في شوال.
١٧ - على، الملك، صَبْر الدين بن الملك سعد الدين محمد ملك المسلمين بالحبشة وكان شجاعًا حتى يقال إنه زجر فرسه في بعض الوقائع وقد هزمه العدوّ، وقد وصل إلى نهر عرضه عشره أَذرع (٣) فقطع النهر ونجا؛ مَلَكَ بعد أَبيه وجرت له مع كفرة الحبشة وقائعُ عدّة، وكان عنده أَمير يقال له جَرْب حُوش من الأَبطال.
مات صبر الدين مبطونًا في هذه السنة واستقر بعده أَخوه.
стр. 1387
١٨ - عمر بن عبد العزيز بن أحمد بن محمد، سراج الدين الخرّوبي، وُلد سنة إحدى وأَربعين وسبعمائة أَوْ في التي بعدها، ولم أَجدْ له سماعًا على قدْر سِنّهِ ولو اعتنى به لأَدرك الإِسناد، وقد كان له حِرصٌ على سماع الحديث فسمع بقراءتي كثيرًا وجاوز الثمانين ممتَّعًا بسمعه وبصره وعقله، وكان كثير العبادة من صلاة تطوع وصيامِ تطوّع وأَذكار، وتنقَّلَتْ به الأَحوال ما بين غنىً مفرط وفقر مدقع، فأَول ما مات أَبوه كان يُعد من التجار، ثم ورث أَباه هو وأَخوه نور الدين الذي مات سنة ثلاث وثمانمائة (١) فاتَّسع حاله وأَثرى، واشتهر بالمعرفة وحُسْن السيرة، ثم تناقص حاله فمات عمه تاج الدين [محمد (٢)] بمكة سنة خمس وثمانين وأَوصى إليه وورث منه فأَثرى واتسع حاله ثم تناقص ماله إلى (٣) أَن مات قريبه محمد بن زكيّ الدين الخروبي في سنة أربعٍ وتسعين وهو شابٌ فورث منه مالًا جزيلًا فتراجع حاله، ثم تناقص ماله إلى أَن مات أخوه نور الدين فورث منه مالًا جزيلا، ثم تناقص بعد ثلاث سنين إلى أَن ماتت أخته آمنة فورث منها مالًا جزيلا فحسنت حاله ووفَّى كثيرًا من دينه.
ثم لم يزل بسوء تدبيره فقيرًا، إلّا أَن ابنته فاطمة ماتت قبله في هذه السنة فورث منها شيئا حَسُنَتْ به حاله قليلا لكنه مات وعليه ديون كثيرة.
وخلَّف خمسةَ أَولاد ذكور، منهم: شمس الدين محمد وكان ضيّق اليدجدا فمات بمدينة بَعْلَبَك، وتلاه شقيقه شرف الدين محمد، ثم عز الدين محمد ثم بدر الدين محمد، ثم فخر الدين سليمان، وكان نابغتهم بدر الدين فإنه كان حصّل من تركة آمنة بغير علم أَبيه قدرًا جيدا وأخذ من والدته - وهى تِجَارُ بنت ناصرِ الدين بن مُسَلَّمِ كبير التجار بمصر - شيئًا كثيرا فأَثْرى وعمر بيتهم، ثم لم يلبث أَن مات في الطاعون العام سنة ثلاث وثلاثين
стр. 1388
[وثمانمائة] ثم مات عز الدين سنة اثنتين وأَربعين ولم يبق إلا شرف الدين وسليمان وهما في غاية القلَّة، فسبحان مَن لا يزول ملكه فأَصبحوا لا ترى إلا مساكنهم بعد أَن كان يشار إليهم بالأَصابع في الثروة وصاروا كآحاد الناس بل في الحضيض.
١٩ - غُرَير بن هَيازع بن هبة الحسينى أمير المدينة وأمير ينبع، كان وقع بينه وبين عجْلان بنِ نُعيْر ابن عمه - أخي ثابت - اختلاف كما كان بين أَسلافهما، فهجم غُريْر على حاصل المسجد فأَخذ منه مالًا كثيرًا، فأَمر السلطانُ أَميرَ الركب بالقبض عليه فقَبض عليه في ذى الحجة وأُحْضِر صحبةَ الركب إلى مصر فاعتُقل بالقلعة فمات بعد ثمانية عشر يومًا، وكان خالُه مُقْبل بن نخبَار أَميرُ الينبع قد جهَّز قدْرَ المال الذي نُسب إليه أَنه أَخذه وأَرسل به مع قُصَّادِه إلى السلطان، فبلغ القاصد أنه مات، فرجع بعضهم إلى ينبع بالمال واختفى بعضهم بالقاهرة؛ وكانت مدّة إمرة غُرير على المدينة ثماني سنين، وهو بالغين المعجمة مصغّرًا.
٢٠ - محمد بن أَحمد بن أَحمد بن محمد بن أَحمد، الشريف بدر الدين الحسينى نقيب الأَشراف بحلب، تقدم ذكر والده عزّ الدين (١) وهو (٢) من شيوخنا بالإجازة، وولى هذا نقابة الأَشراف بعد والده.
قال القاضي علاء الدين في تاريخ حلب: "كان بارعًا يستحضر شيئًا من التاريخ ويذاكر به، ثم ولى كتابة السّر بحلب سنة إحدى وعشرين وثمانى مائة من جهة المؤيّد فجمع الوظيفتين"، قال: "كان كتب وصيَّةً وجعلها في جيبه وصار يلهج بذكر الموت إِلى أَن وقعت وفاته في جمادى (٣) الآخرة وقد جاوز الأَربعين بقليل، وكان الجمع في جنازته مشهودًا": أثنى عليه البرهان المحدّث.
стр. 1389
٢١ - محمد بن أَحمد أَبو معالى الحَبْيّ (١) الحنبلي شمسُ الدين، وُلد سنة خمس وأَربعين وسبعمائة، وسمع من عمر بن حسن بن أَمِيلة (٢) والعماد بن كَثِير وغيرهما، وتفقه بابن قاضى الجبل وابن رجب وغيرهما، وتعانى الآداب فمهر، وكان فاضلًا مستحضرا مشاركا في الفنون، وقدم إلى القاهرة في رمضان سنة أربع وثماني مائة وقد حدّث ببعض مسموعاته، وقصّ على الناس في عدّة أماكن وناب في الحكم.
وكان يحبّ جمْعُ المال مع مكارم الأَخلاق وحُسن الخلق وطلاقة الوجه والخشوع التام ولاسيّما عند قراءة الحديث، سمعْنَا بقراءته "صحيح البخاري" في عدة سنين بالقلعة، وسمعْنا من مباحثه وفوائده ونوادره وما جرياته، وكان حسنَ القرءاة يُطرِب إِذا قرأَ، ويُحسِن عمل المواعيد، وكان قد صحب العماد بن كثير فكان ينقل عنه الفوائد الجليلة، وناب في الحكم في بعض المجالس، وكان لا يتصوّن (٣).
وولى بالقاهرة مشيخة الغرابيَّة بجوار جامع بشتَك ثم مشيخة الخرّوبية بالجيزة وبها مات فجأَة فإنه اجتمع بي في يوم الثلاثاء سادس عشرى (٤) المحرم مهنئا لي بالقدوم من الحج ورجع إلى الجيزة في آخر نهار الأَربعاء فمات ليلة الخميس وقت العشاء ثامن عشرى المحرم وقد أَكمل السبعين.
قرأْت في تاريخ ابن حجيّ في حوادث سنة اثنتين وثمانمائة: "في ذي القعدة وقع حريق بدمشق فانتهى إلى طبقة بالبراقية (٥) وهى بيد الشيخ شمس الدين الحبتي ولم يكن يسكنها فوجدوا بها جرارًا ملآى خمرًا، فكثرت الشناعة عليه عند تنم النائب"؛ قلت (٦): وكنتُ في تلك الأَيام بدمشق وبلغى أَنهم شنعوا عليه وأَنه بَريءٌ من ذلك، وبعضهم
стр. 1390
كان ينكر عليه ويتهمه، وأَمْرُهُ إلى الله عفا الله تعالى عنه؛ واستقر مكانه بالخروبية بالجيزة فضلُ الله بنُ نصر الله البغدادي.
٢٢ - محمد بن الجمال عبد الله الرومى الحنفى، صدر الدين، ناب في الحكم وكان حسن التودّد، ويتَعَمَّم دائما على أذنيه.
٢٣ - محمد بن على بن خالد الشافعي، شمس الدين المعروف بابن البيطار، سمع من عبد الرحمن بن الشيخ على بن هرون (١) القارئ مشيخته تخريج شيخنا العراقي، وسمع من غيره، ولازمنا في الأَسماع على المشايخ كثيرًا. وكان وقورًا ساكنًا حسنَ الخلق كثير التلاوة، مات (٢) في ربيع الآخر.
٢٤ - محمد بك بن على بك بن قرمان، الأَمير ناصر الدين، كان أَميرًا بقَيْصَريَّةِ (٣) وَنكْده، ولَارَنده وما والاها من البلاد الحلبية وغيرها، ثم امتدَّت عينه إلى أَخذ طَرسُوس وهي من معاملات حلب وطمع فيها لوقوع الاختلاف بين الأمراء المصريين فحاصرها وملكها، فلما استقرّ المؤيّد في المملكة جهَّز له عسكرًا فاستنقذوها منه وقرّر فيها نائبا، ثم جَمع ابنُ قرمان جيشًا وتوجه إلى طرسوس فأَخذها، فجهز المؤيّد إليه ولده إبراهيم في العسكر المقدم ذكره (٤).
وفى سنة إحدى وعشرين ملكوا طَرسُوس وهرب منهم ابن قرمان وسلموا طرسوس بأَمر المؤيد لناصر الدين بن ذُلْغَادر، واستقر في إمرة البلاد القرمانية عليٌّ أخو ناصر الدين، فلما
стр. 1391
رجع إبراهيم إلى القاهرة وقع بين ابن قرمان وبين ابن ذلغادر وقعة انهزم فيها ابن قرمان وأُسر وحُمِل إلى القاهرة فدخلها وكان يومًا مشهودًا، فلما مات المؤيد أَفْرج عنه ططر وتوجّه إلى بلاده في أوائل سنة أَربع وعشرين فاستمر إلى أن توجّه إلى حصار بعض القلاع فأصابه حجر في جبهته فصرعه، ومات في هذه السنة (١).
٢٥ - محمد بن علي بن محمد (٢) بن أحمد الزَّرَانِيتي (٣) المقرئ الحنفى إِمام الظاهرية البرقوقية، الشيخ شمس الدين، ولد سنة سبع (٤) وأَربعين، وعنى بالقراءات، ورحل فيها إلى دمشق وحلب وأَخذ عن المشايخ واشتهر بالدين والخير، وسمع معنا الكثير وسمْعتُ منه شيئًا يسيرًا، ثم أَقبل عليه (٥) الطلبة بأخرة فأَخذوا عنه القراءات ولازموه، وختم عليه جمعٌ كثيرٌ وأَجاز لجماعة، وانتهت إليه الرئاسة في الإقراء بمصر، ورُحل إليه من الأَقطار (٦)، وأَجاز رواية مرواياته لأَولادى ونعم الرجل كان.
стр. 1392
مات في يوم الخميس سادس جمادى الآخرة بعد أن أضَرّ، وكتب (١) بخطه أَنه ولد سنة ٤٦.
٢٦ - محمد عز الدين بن الشيخ عز الدين محمد بن خليل بن هلال الحاضري قاضي الحنفية بحلب، قال البرهان المحدّث بحلب، "ولى القضاء فسار سيرةً جميلة". مات بالطاعون.
٢٧ - محمد بن قاضى المسلمين شرف الدين موسى الأَنصارى، وليٌّ الدين أَبو زرعة خطيب الجامع الكبير بحلب، مات في رجب بالطاعون أَيضا.
٢٨ - محمد جلبي السلطان، ويلقب كُرَشِي (٢) ولد السلطان أَبى يزيد بن مراد بن أورخان ابن عثمان حق صاحب الأَوجات وما معها في بلاد الروم، إستقر بعده ابنه الكبير مراد بك (٣).
стр. 1393
٢٩ - محمد المعروف بابن المحبّ شمس الدين أَحد قراء الجوق، وكان تلميذًا للشيخ شمس الدين الرزازي رفيق ابن الطباخ فأُخْرِجَتْ جنازته هو وأَحمد اليمنى الماضى معًا وصُلِّى عليهما.
٣٠ - محمود بن محمد الأُقْصُرَائي، بدر الدين، كان مولده سنة بضع وتسعين، وتفقه واشتغل كثيرًا ومهر ولازم شيخنا عز الدين بن جماعة وغيره من الأئمة ودرس بالأَيْتَمُشِيَّة، ثم اتصل بالملك المؤيد فعظم قدره، ثم أَقرأَ ولده إبراهيم في الفقه وازدادت منزلته عند الظاهر ططر؛ فلما كان في أوائل شوال سنة أَربع اعتل بالقولنج الصفراوي فتمادي به إلى أَن مات في الخامس من المحرم.
وكان فاضلًا بارعًا ذكيًا مشاركا في فنون، حسنَ المحاضرة مقرَّبًا من الملوك، حسنَ الودّ كثير البشر، قائمًا في قضاء حوائج من يقصده كثير العقل والتؤدة، وقد درّس في التفسير بالمؤيّدية وغير ذلك.
مات في ليلة الثلاثاء خامس المحرم ولم يبلغ الثلاثين.
٣١ - يعقوب بن عبد الخاقاني الفاسي كان من أَبناء البربر، وتعلّق بالاشتغال فلما رأى الفساد الجارى بفاس بسبب الفتنة بين السعيد وبين أَبي السعيد في سنة ١٧ صار يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويكف أيدى المفسدين، فتبعه جماعة وقَوِيَتْ شوكته، وحاول ملوك فاس القبض عليه فأَعياهم أمره إلى أن قُتل أَبو سعيد وأَرسل ابن الأَحمر يعقوب المريني إلى فاس فلم يتم الأَمر، فأَرسل أَبا زيّانَ بن أَبي طريف بن أبي عنان فحاصر فاسًا وقد اشتدَّتْ شوكَةُ يعقوب الخاقاني واستفحل أَمره، ففتك فيمن بَقي من بني مَرِين وساعد أبا زيَان وقام بأَمره، فدخل فاس وقتل عبد العزيز الكناني وعدة من أَقاربه كما تقدّم ذكره في سنة أَربع وعشرين.
ثم أرسل ابنُ الأحمر محمدًا بن أَبي سعيد بعسكر على فاس ففرّ منه أبو زيان فمات ببعض الجبال، وقتل يعقوب الخاقاني ثم مات محمد عن قُرْب، فأُقيم ابن أَخيه عبد الرحمن فثار به أَهل فاس فقتلوه وقتلوا ولده وأخاه وأقاموا رجلًا من ولد أَبي سعيد، وقام بمكْنَاسَة -
стр. 1394
وهى على مرحلة من فاس - أَبو عمر بن السّعيد، فقام بتَازَة - وهي على مرحلة ونصف من فاس - شخص من ولد السعيد أَيضا، فصار في مسافة مرحلتين: ثلاثة ملوك ليس بأَيديهم من المال إلّا ما يؤخذ ظلمًا، فتلاشى الحال، وخربت الديار وقُتلت الرجال، والحكم لله العلى الكبير. نقلت هذا من الشيخ تقيّ الدين المقريزي عنْ نقله من بعض مَنْ يثق به من المغاربة القادمين إلى الحج، والعلم عند الله تعالى.
стр. 1395
" سنة ست وعشرين وثمانمائة"
في المحرّم خُلع على قُطْلُوبُغَا حَاجّى باستمراره في نظر الأوقاف وألزم القاضي الشافعي أن يُرتِّبَ له معلومًا فرَتَّبَ له على الأَوقاف الحكمية في الشهر أَلفًا وخمسمائة.
وفي يوم عاشوراء سعى القاضي الشافعي المنفصلُ فأَحضر بين يدى السلطان فدعَا له وخَلع عليه جبةً بسمور وقُدّمت له بغلة، وَشَقَّ ذلك على صالح المستقر.
وفيه وصل الخبر بأَنه وقع في بيروت بردٌ كبارٌ حتى وُزنت واحدة فبلغ وزنها ربع قنطار شاميّ ويقال أكثر من ذلك، وكان بغَزَّة وفلسطين مَحْلٌ شديد فأَمطَرَتْ في هذا الشهر، فتراجع السعر ولولا ذلك لنَرَحَ جميع أهل تلك النواحى منها.
وفى أول المحرم كانت الوقعة بين مقبل بن نخبار الحسنى صاحب الينبع وبين أمير الركب الثاني، وذلك أن عقيل بن وبير بن نخبار بن أخي (١) مقبل وَقع بيْنه وبين عمّه بسبَبِ الإمرة لأنَّها كانت مشتركةً بين وبير وبين مقبل، وكان وبير الأكبر المشار إليه، فلما مات استقلَّ مقبل فارتغم وبير لذلك، فسعى في الشركة فأَجابه الأَشرف إلى ذلك وأُرسِلت إلى عقيل خلعة من الأَشرف فلبسها ولم يظهر من مقبل لذلك إنكار، فلما توجّه الحاج إلى مكَّة وثب وبير على مقبل (٢) فقيده ثم خشى من المصريَين إذْ يرجعون من الحجّ فنزح بأَهله وماله ومن أطاعه إلى بعض الأَودية، فلما قدموا إلى بدر راجعين من زيارة المدينة تجّرد منهم جماعةٌ فانتهوا إليه فوجدوه في بعض الأَودية، فوقع بينهم القتال فانهزم مقبل ومَن معه، وانهزم معه رُمَيْثَةُ محمد بن عجلان، وكان خَالف على عمّه حسن بن عجلان، وانتهب العسكر المصريُّ ما كان لمقبل وأفحشوا في الفسق والتعرّض للحريم، ولما وصلوا إلى ينبع قَرّروا أميرها عقيلًا وتوجهوا إلى جهة مصر؛ ثم رجع مقبل إلى ينبع
стр. 1396
بعد رحيلهم بأَيّام فأَوقع بابن أخيه عقيل ومن معه وكادت الكَسْرةُ تقع على عقيل ثم تراجع أصحابه وهُزِمُوا عنه، وأَسروا محمد بن المؤذن وكان يكثر النميمة بينهم فشنقه عقيل على باب المدينة، فأَرسل بخبر الهزيمة إلى القاهرة واستمرّت هزيمة مقبل إلى الشرق، والتجأَ رُمْيثة بن محمد بن عجلان إلى عجلان أَمير المدينة فشفع له إلى عمه حسن بن عجلان فتوجّه معه إلى مكة.
* * *
وفى العشر الأَواخر من المحرم وقع في ضواحى حُورَان برد كبار على صورة خشاش الأَرض والماء كخنفسة ووزغة وحية وعقرب وسرطان وضفدع وغير ذلك، هكذا ذكر علاءُ الدين بن أَبى الشوارب الشادُّ بتلك الناحيةَ أنه شاهد ذلك، وقد ذكر الحافظ علم الدين البرزالي في تاريخه في حوادثه في سنة عشر وسبعمائة أنه وقع ببَارِين (١) - من عمل حماة - بردٌ كبارٌ على صفة حيوانات مثل حيةٍ وسبعٍ وعقربٍ وطيورٍ مختلفة وصفةِ رجالٍ في أوساطهم شبه حوائص، وأَنه أَثبت محضرا على قاضى الناحية واتَّصل بقاضي حماة.
وفى ثانى عشري المحرم صُرف صدر الدين بن العجمي من نظر الجوالى واستقرّ فيها زينُ الدين قاسمُ بنُ القاضي جلالِ الدين البلقيني بمالٍ بذله لجانبك الدويدار الثاني، وكان استقرَّ في الدويدارية بعد قدومه من الحج، وهو شابٌّ له دون العشرين سنة وتصدَّى للحكم النَّاس وهرعوا إليه لِعْلمِهم بمنزلته عند السلطان، وكان السلطان - لمّا سُجِن بقلعه المرقب - أَراد جَقْمَق نائب الشام إذ ذاك أَن جانبك المذكور ينضمّ إليه ويخدم عنده وتحيَّل عليه بكل طريق فلم يوافق ولازمَ سَيّدَه وهو في السجن وصبر معه على الضيق، فشكرٍ له ذلك.
وفي تاسع عشرى المحرم عُزرَ فتح الدين محمد بن محمد بن المؤيد موقَّع الحكم الشَّافعي وجمال الدين عبد الله بن عُمَيْر التحريرى موقع الحكم المالكي بسبب شهادةٍ قيل إِنَّها زُوِّرَتْ.
стр. 1397
عليهما أَو منهما، فأَمر الدويدارُ الكبيرُ بقطع أَكمامهما وتَجْريسهما بالقاهرة ماشِيَيْن، وتأَلَّم الناس لذلك، وقيل إنهما كانا مظلومين، وتوجّه ابن المؤيد إلى القدس خجَلًا من الناس.
* * *
وفي ثامن عشري صفر عُقِد مجلس بسبب الفلوس فاستقر الأَمر فيها على تمييزها مما خالطها كما سيأتي، ونودى على الفلوس أَنَّ الخالص بسبعة دراهم كل رطل، والمخلوطة كل رطلٍ بخمسةِ دراهم، وحصَل بين الباعة بسبب ذلك منازعاتٌ، ثم في آخر رمضان نودى على الفلوس المنقَّاة بتسعةٍ، وبمَنْعِ المعاملة من المخلوطة أَصلًا، فسكن الحال ومشى.
وفيه عُزِّرَ فخرُ الدين عثمانُ المعروف بابن الطاغي (١) خازن كتب المدرسة المحموديّة بالموازِيّين ظاهر القاهرة فضَرب بين يدى السلطان، وكان قد رُفع عليه أَنه فَرَّط في الكتب الموقوفة وهى مِن أنفس الكتب الموجودة الآن بالقاهرة لأَنها من جَمْع القاضي برهان الدين ابن جماعة في طول عمره، فاشتراها محمود من تركة ولده ووقفها وشرط أَلا يخرج منها شيء من المدرسة، واستحفظ لها إمامه سراج الدين، ثم انتقل ذلك لعثمان المذكور، بعد أَن رُفع على سراج الدين المذكور أَنَّه ضيع كثيرًا منها، فاخْتُبِرَتْ فنَقَصَتْ نحو مائة وثلاثين مجلدة فعُزِل سراج الدين وقُرِر عثمانُ فاستمر يباشر ذلك بقوةٍ وصرامة وجلادةِ وعدمِ التفات إلى رسالة كبيرٍ أَو صغير، حتى إنَّ أكابر الدولة وأَركان المملكة بها يحاوله الواحد منهم على عارية كتابٍ واحدٍ، وربما بذلوا المالَ الجزيل فيصمّم على الامتناع حتى اشتهر على ذلك أَمره، فرفع عليه شخص من الناس أَنه يرتشي في السرّ فاختُبِرتْ الكتب وفُهْرِسَت فنَقُصَتْ العُشْرَ سواء لأَنها كانت أربعة آلاف مجلدة فنقصت أربعمائة، فألْزِم بقيمتها فقُومت بأَربعمائة دينار فباع فيها موجوده وداره وتأَلَّم أكثر الناس له، ولم يكن عيبه سوي كثرة الحيف على فقراء الطلبة وإكرام ذوى الجاه.
стр. 1398
وفى أَول شهر ربيع الأَول (١) قُرر قصروه أَمير آخور في نيابة طرابلس، وقُرر جقمق [العلائي] الذي كان استقر حاجبًا كبيرًا في مكان أمير آخور في ثاني عشرة.
واستقر في الحجوبية أَزبك الأَشقر، وعمل المولد السلطاني فحضر القاضي الشافعي المعزول وأُجلس رأْس الميسرة وتحوَّل الحنفى من ثَمَّ فجلس بجانب الشافعي المستقر في الميمنة.
وفي أَوائل العشر الثاني منه رَفع شخص من أَهل الرّملة في كاتب السر علم الدين ابن الكُوَيْز إلى السلطان قصةً من جملتها أَنه تواطأَ هو وجماعةٌ من أَهل الدولة على إعادة السلطنة للمظفَّر بن المؤيد، وفي القصّة أَنَّ كاتب السر لا يصلح أَن يكون أَساميَّا وأَنَّ الذي يليق في وظيفة كتابة السر من يكون من أَهل العلم والمعرفة بالأَلسنة إلى أَوصاف أخرى يرمز فيها بالهروى، وذكر لي الشيخ شرف الدين بن التبّانى أَن الذي رفعها أَول ما قدم نزل عند المحتسب وهو صديق الهروى وفى نفسه من كاتب السر أمور كثيرة، فأَمر السلطان ينَفْي الذي رفعها إلى قوص فخرج مع نقيب الجيش في التَّرْسيم، واسم الذي رفعها الشيخ محمد بن بدر الأَرْسُوفي، وكان شيخًا من بلدة الشيخ على بن عليم بالرملة، فلما كان في ٢ شهر ربيع الآخر خرج السلطان إلى وَسِيم بالجيزة في زمن الربيع وكانت أَول تعديةٍ عداها إلى الجانب الغربي في البحر منذ تسلطن، ويقال إنه كان عزم على الإقامة نصف شهر وأَقام أسبوعا. ورجع وقد بلغه أَمرٌ أَزعجه ووقف له في طريقه سائِسٌ من السواس، فزعم أَنه رأى الشيخ أَحمد البدوى في النوم وبين يديه نار وهو يطفئها، وكلما أَطفأَها عاد لهبُها، فسأَله عن ذلك فقال: وهذه نارٌ السلطان"، فشاع بعد ذلك أَن السلطان ظفر باثنين أو ثلاثة أرادوا الفتك به.
стр. 1399
وابتدأَ بكاتب السر وجَعُه فيقال إنه دُسَّ عليه السّم فوعك أَياما ثم أَبَلَّ من مرضه وركب ثم انتكس واحتجب عن العُوّاد ولازمه الأَطبّاء، فيقال إن نصرانيًا أَراد أَن يدفع عنه وَهْمَ كونه مسموما، فشرب بوله ففرح بذلك وأعطاه خمسين دينارا، ثم صار يحصل له شبه السبات، ويقال إن النصراني وعك بعد ذلك.
وفي غضون هذه الأَيام أَمر السلطان بإعادة الشيخ محمد بن بدر من قوص فأُعيد في أَواخر شهر ربيع الآخر، وتوجَّه لحال سبيله.
وفى العشرين من ربيع الأَول انقضت أَيام الحُسوم وكانت شديدةَ البرد إلى الغاية، ولقد تذكرت لما مَرَّت بنا في سنة ست وثلاثين وثمانمائة بعد هذا بعشر سنين وهي في غاية الحر، فسبحان الحكيم.
واستمر كاتب السر موعوكا في بيته منقطعا إلى العُشْر الثاني من رجب فعفى ودخل الحمام وركب إلى القلعة واجتمع بالسلطان، فأَذن له أَن يتأَخر في منزله أَياما لتكمل عافيته فأَرسل إليه عقب ذلك تقدمةً تشتمل على ثياب حرير وصوف وذهب، فخلع على مُحْضِرها: أَخيه سليمان بن الكُوَيْز.
* * *
وفى هذا اليوم العشرين من ربيع الآخر رَخُص القمحُ جدًّا حتى انحط إلى ستين درهم الإردب، بحيث يحصل بالدينار المختوم أَربعة أرادب وهذا غاية الرخص، فإِنَّ عِبْرَةَ الديار المصرية أَن يكون الإردب بدينار، فما زاد فهو غلاء، وما نقص عن ذلك فهو رخص بحسبه.
وفي رابع عشرى ربيع الآخر هبت ريحُ بَرْقَةَ تحمل ترابًا أَصفر إلى الحمرة وذلك قبل غروب الشمس، فاحمَرَّ الأفق جدًّا بحيث صار من لا يدرى السبب يظن أَن بجواره حريقًا، وصارت البيوتُ كلُّها ملأَى ترابًا ناعمًا جدا يدخل في الأنوف وفي جميع الأَمتعة، ثم لما تكاملت غيبوبة الشفق اسْوَدَّ الأُفق وعَصَفَتِ الرّيح وكانت مُعَلَّقة، فلو قُدرَ أَنها كانت تصل إلى الأَرض لكان أَمرًا مهولا، وكثر ضجيجُ الناس في الأَسواق والبيوت بالذكر والدعاء والاستغفار إلى أَن لطف الله تعالى بإدرار المطر، فتحولت الريح جنوبيةً باردةً ولم تهب هذه الريح منذ
стр. 1400
ثلاثين (١) سنة، وهي ريح هائلةٌ عاصفةٌ سوداء مظلمةٌ فانتشرت حتى غطَّت الأَهرام والجيزة والبحر، واشتدت حتى ظن كل أَحد أَنها تقتلع الأَبيات والأَماكن، فدامت تلك الليلة ويوم الأَربعاء إلى العصر، وكانت سببا في هيف الزرع بالوجه القبلى وغلاء سعر القمح.
وفي ربيع الآخر قدم أَخَوَا رُمَيْثَة بن محمد بن عجلان يخطبان إمرة مكَّة عوضًا عن عمهما حسن بن عَجْلان ظنَّا منهما طَرْدَ القياس في عَقِيل ومِقْبل، فانعكس عليهما الأَمر فقُبض عليهما وحُبِسا، وقُرّر قَرْ قُمَاس الشعباني وعلي بن عِنَان في إمرة مكَّة وسافرا معًا.
وفيه وصل تَاني بك البِجَاسى نائبٌ حلب فسلَّم على السلطان وهرع النَّاسُ للسّلام عليه ثم خُلع عليه وأُعيد إلى إمرته، وتوجّه ثالث جمادى الأولى.
وفيه وقع بين نائب دمشق وقاضيها الشافعي نجم الدين بن حِجّى تَشَاجُرٌ، وادُّعى أَن القاضي أَشار بعَزْل نفسه، وتولَّد من ذلك شر كثير سيأْتي ذكره.
* * *
ووقع الخبر بأَن الجراد وَقع بالمدينة فأَفسد الزرع بها وجَرَّد الخوص من النخل، وقاسوا منه شدة عظيمة.
وفى أَوائل ما نقلت الشمس إلى الثور - بعد أَن اشتد الحر جدا - عاد البرد الشديدُ حتى صار نظيرَ الذي كانَ والشمسُ في برج القوس، وهذا من العجائب، وبعد يومين أَمطرت السماءُ مطرًا غزيرا في معظم الليل، واستمر البرد قدر أسبوع.
وفى اليوم الثامن عشر من حلول الشمس [برج] الثور أَمطرت السماءُ مطرًا شديدًا، غزيرًا، واستمر إلى أَن كثر الوحل في الطرقات كأَعظم ما يكون في الشتاء، مع الرّعد الكثير والبرق، وقد تلف بذلك ما في المقاتي ومن الزروع والكتان (٢) شيءٌ كثير، وغلا
стр. 1401
السِّعرُ بسبب ذلك، ويقال إنها أَمطرت بمدينة المَحَلَّة من البرد الكبار ما يُتَعَجَّب منه، وهبَّتْ ريحٌ شديدة بمدينة إنْبابَة فهُدِم بسببها بيوتٌ كثيرة وقلعت أصول نخلٍ وشجر.
* * *
وفيه كائنة سرور المغربي المالكي، كان قدم من تونس إلى الاسكندرية وصار يذكر الناس ويقع في حقّ بعض الرؤساء، فتعصَّبوا عليه ومَنَعَه نائب الحكم من الكلام، فدخل القاهرة فسعى في عزل القاضي، فتعصّب كاتب السِّرِّ للقاضي، فخرج سرور إلى الحج ثم عاد فرفع إلى السلطان أنه رأى النبي ﷺ في المنام وبين يديه خمسة: اثنين مسلسلين يرأسهم كاتب السر ابن الكويز، وأَنه مد يده إلى عينى ابن الكويز ففقأَهما وقال له: "افْسَدْتَ شريعتي"، وسعى في عزل الناظر والقاضي فأَمر بإحضارهما، فأَما الناظر فذَبَّ عنه صهرُه ناظرُ (١) الجيش، وأَما القاضي فحضر وصودر على مال.
وكتب سرور لبعض أَصحابه بالاسكندرية كتابًا يخبر فيه أَن النَّائبَ والنَّاظرَ والقاضي عُزلوا بسبب كلامه فيهم، فبلغ ذلك النائبَ فكاتبَ السلطانَ في أَمْره وحطَّ عليه فتعصّب له بعض الأَكابر، فأَمر السلطان بنَفْي سرور من الإسكندرية فوُكِّل به بالقاهرة وأُخرِج مُهَانًا إلى الإسكندرية، ثم أُنْزِل في مركب إلى الغَرْب فتوجّه إليها فوصل إلى صاحب تونس وأَخذ. منه كتابا بالشفاعة فيه، فلما وصل إلى الإسكندرية قَبَض عليه النائبُ وسَجنه وأَلزمه بالعودة إلى المغرب.
فاتفق أَن الذي كان أُرسل إلى الإسكندرية يحفظها من الفرنج كما سأَذكره بعد لما حصل الأَمان من الفرنج قُرر (٢) نائبًا بها، وهو أقْبُغَا التَّمْرَازي، وصُرف النائب الذي كان وهو أَسَندَمُر (٣) النُّورى، وخلص سرور من الشدة بذلك وأُفرج عنه، وأَرسل النائب الكتاب الذي استصحبه إلى السلطان فسكن الأَمر خصوصا بعد موت ابن الكفتى (٤).
стр. 1402
ومن العجائب أَن المذكور جرت له في سلطنة الظاهر جقمق في سنة ست وأَربعين (١) منافسة مع القاضي أَدَّت إلى أَن بعض الأَكابر حطَّ عليه فبالغ، فأَمر السلطان بنَفْيه، فلما حصل بالإسكندرية أَغلظ للنائب فأَنزله في مركبٍ يسير إلى الغرب ورئيسها إفرنجي، فوصل كتابٌ بالشفاعة فيه وإعفائه من التغريب، فعَوَّق النائبُ قراءةَ الكتاب إلى أَن تحقق أَن المركب سارت به، فقرأَ الكتاب وأَعاد الجواب بفوات الأَمر، ثم لم يُطَّلَع له على خبرٍ إلى أَن سطرت هذه الأَحرف في شعبان سنة (٢) سبع وأَربعين وثمانمائة، وجزم جماعةٌ بأَنه أُعدم، ولم يلبث القاضي بعده إلا يسيرًا وهلك (٣).
* * *
وفي رجب حضر الأستادار من الصعيد وصحبته شيءٌ كثير من الأَبقار والأَغنام، فجمَع الجزَّارين والغيطانيين وغيرهم لمشتراها، فاجتمعَ جَمْعٌ كثيرٌ في مركبٍ فغرقت فلم يسلم منهم إلا القليل وذلك في مبادئ زيادة النيل.
وكان الطاعون بالشام، حتى قيل إن جملةَ من مات في أيامٍ يسيرةٍ زيادة على خمسين ألفًا، ووقع الطاعون بدمياط فمات عدد كثير من الرقيق والأَطفال.
وفى رجب شكى نائب الشام من ابن حجى قاضي الشافعية ونَسَبَه إلى أمورٍ معضلة، فأُمر بالكشف عليه فنُدب لذلك بعض الجند وصحبته شمس الدين محمد الأَنصاري المدعو بأَبي شامة الدمشقى الذي كان أَمين الحكم عنده، فنقم عليه أمورا فعَزله فتوَجَّه إلى القاهرة فأَقام بها يغض من ابن حجى ويذكر مساوئه عند الأمراء وغيرهم، فلما وقعت هذه الكائنة ذكر بعضهم للسلطان أَن أَبا شامة يعرف مساوئ ابن حجى فسَفَّره ليكشف عليه.
стр. 1403
وكان السبب في تغيير نائب الشام عليه أَنه كان بدمشق حَمَّارات عليها ضمانٌ للنائب، فركب القاضي وأَمر بإغلاقها، فشَقَّ ذلك على النائب وأَحضر الضَّامن وخَلع عليه ونَادى له بالاستمرار، فنفر الناس من ذلك، واجتمع عند باب القاضي من لا يحصى كثرةً فركب القاضي والناس معه فكَسَرُوا أَوانى الخمر وأَراقوها، فغضب النائب من ذلك ورُفع الأَمر إلى السلطان أَن القاضي يقيم من يشهد بأَنّ فلانا الذي مات عن غير وارثٍ له وارث فيثبت ذلك ويتسلَّم المال، وأَنه حَصَل عنده من هذه الجهة أَموال كثيرة ممن ليس له وارث إلّا بيت المال، فتَغَيَّظ السلطان من ذلك، فلما وصل الأَمر بالكشف عليه بالغ النائب في نكايته ومكَّن عَدُوَّه منه وأقْدِم أبو أَشامة فَسَجَّل على نفسه أَنه ثبت عنده أَن في جهة القاضي نجم الدين بن حجى لبيت المال عشرين ألفَ دينار، وحكم بذلك ووصل حكمه بالقاضي الحنفى فنفَّذه، وطُولع السلطان بذلك فكتب باستخلاص ذلك من ابن حجى، فقدَّر الله تعالى في غضون ذلك موت النائب وانفرج الهم عن القاضي، وكُتب توقيعه من القاهرة باستمراره وغرم في ذلك مالا كثيرا.
* * *
وفى هذه السنة أُمِر بعمارة المدرسة الأَشرفية بالحريريين بجوار الوراقين وأُخذت الدور التي هناك وغالبُها أَوقاف، فتحيّل في إبطالها بوجوه مِنَ الِجيَل، وتَوَّلى القيام في تعميرها ناظرُ الجيش.
وفيها رُفع إلى الدويدار الكبير سُودُونّ مِن عبد الرحمن أَن القاضي جمال الدين الطَّنْبَدي المعروف بابن عَرَب: حَكَمَ مُحَاكَمَةٌ غير مُرْضية، فأَمر القاضيَ الشافعيّ بأَن يعزله. وأَقام في بيته بعد أَن أُهين بحضرة الدويدار، وعَزل القاضي عقب ذلك من النواب اثنَىْ عشر نفسًا، ثم لم يَفِدْ ذلك حتى أَمر أَن لا يزيد على عشرة نواب، فعُزل الجميع وأَبقى عشرةٌ أكثرهم أقاربُه وأصهاره، فكثر كلام المنفصلين فيه.
واتفق أَن القاضي المالكي كانت عنده محاكمة فأَرسل الدويدار طَلَبهَا وطَلَبَ نقيبه الجلال القَزْويني فامتنع، فأَغلظ الدويدار القول، فعزل القاضي نفسه ثم أُعيد بشرط أَن
стр. 1404
يَعزِل نقيبه المذكور فصرفه، وأَمر أَن يقتصر نوابه على ستة أَنفس، وأَن يقتصر الحنفى على ثمانية، وأَن يقتصر الحنبلي على أَربعة فأَطاعوا كلهم إلا الحنبليّ فلم! يصرح بعزل أَحدٍ من نوابه وكانوا ثمانية.
وفيه حضر مملوك أَيْتُمُش الخضرى وزعم أَن بالمحلة كنزا فيه مائة أَلف إردب دنانير، فسلّمه السلطان للأُستادار، فكشف الأَمر فلم يوجد لما قاله صحة، وشُهِد فيه بأَنه خفيف العقل.
وفيها رام نائب الشام من متْرُوكٍ شيخ العرب بالشام أَن يحضر إلى طاعته فامتنع وبذل له مالًا فأَبى، وقصده بالمحاربة ففرَّ فأَعجزه تحصيله، وفسد الدرب بسبب ذلك، وكانت الطرق آمنة.
وفى سادس شعبان مات تَانِي بك نائب الشام واستقر عوضه تانى بك البِجَاسي نقلًا من نيابة حلب إلى نيابة الشام.
وفي رمضان أَمر السلطان بإحضار العلماء لسماع "صحيح البخاري"، بالقلعة فهرعوا لذلك وكثر الجمع جدا، وممن حضر الشيخ شمس الدين بنُ الدَّيْرى شيخُ المؤيدية الذي كان قاضيًا قبل ووقع بينه وبين ابن المُغْلى قاضى الحنابلة مباحث أَدَّت إلى مشاققة، فلما كَثُر اللَّغط أَفرد الطلبة بمجلسٍ بالقصر الأَسفل والقارئ لهم الشيخ سراج الدين قارئ الهداية، وعَيَّن السلطان من النبهاء عددًا يسيرا يحضرون بالقصر الأَعلى ويحضرهم السلطان، فاستمر الأَمر على ذلك سنين، ثم كثر لغط الذين يحضرون وزجروا مرارا فلم ينزجروا، فأَمرهم السلطان بالقراءة في داخل القصر الأَسفل، وصار هو يحضر في شباكٍ منفردًا يشرف عليهم، وكان ابتداء ذلك في سنة أربعٍ وثلاثين بعد أَن كان يقعد بينهم ساكنًا لا تتحرك له يدُ ولا رِجْل، وتقرّر الشيخ بدر الدين الكُلُوتَاتِى الحنفى يقرأ بين يَدىْ الشيخ سراج الدين قارى الهداية كل يوم في القصر البراني الكبير.
وفي شعبان واطأَ جَانِبَك الصوفىّ السجانَ بحبس الإسكندرية فهرب معه، ولما وصل الخبر بذلك اضطرب العسكرُ وانزعج الناس ونُدِب طائفة للتفتيش عليه، ودام ذلك مدةً،
стр. 1405
وهُدِمت بسببه دورٌ وضُرب بسببه جماعة ولم يظهر له أَثرٌ إلى حين تسطيرها (١) في شعبان سنة ستٍ وثلاثين، فسافرنا مع السلطان إلى الشام، ولم يظهر له خبرٌ محقق.
وذكر لي من أثق به أَنه حيٌّ موجودٌ بالقاهرة.
* * *
وفيه كثرت الأَخبار بأَن الفرنج تحرّكوا على بلاد المسلمين فجُهزَت عدة أَجناد إلى السواحل، فندب عدة إلى دمياط وعدة إلى الإسكندرية وغيرها.
وفى ثالث عشرى رمضان نُفِىَ طيْبُغا بن نصر (٢) الله مملوك ابن ناظر الخاص، وكان شابا جميلًا رباه وهو صغير، فلما ترعرع انتزعه منه المؤيد قصَّيره من الخاصكية، ثم عاد بعد موت المؤيد إلى أستاذه، فاتفق أَن ناقةً من الهجن الخاص نفرت من إسطبل السلطان فصارت لطَيْبُغا، فيقال إن حسنًا بن الحَجَّار الهجان واطأَه على أَخذها فَطُلِبت منه فجحَدَها، فأَمر السلطان بحبس حسن وعزله من وظيفته ثم جُعِلَ شريكًا للذى انتزعها منه بعد عشرين (٣) سنة.
* * *
وفيه سار إسكندر بن قرا يوسف فنازل مَارْدِين وحاصرها حتى تسلَّمها وانهزم منه قرايُلك، ثم نازل آمد ففرّ قرايلك إلى شَاهُ رُخْ، وكان قد سار من بلاده إلى تبْرِيز فحاصرها حتى ملكها، فلما بلغ ذلك إسكندر وإخوته أَولاد قرا يوسف توجّهوا إلى جهة تبريز فالتقى بهم شاه رخ فكانت الهزيمة على ابن قَرا يوسف، فخرّب شاه رخ تبريز واسْتَلَّ (٤) أَموالها ورجع إلى بلاده، وانهزم إسكندر إلى الجزيرة، ورجع قَرايَلك إلى آمد ثم رجع