← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وتقدم الشافعي للصلاة عليها والسلطان والأمراء، وغيرُهم خلفه؛ وكانت جنازتها حافلة وقُرِئ عليها ليلًا ونهارا؛ ماتت في خامس عشر جمادى الآخرة. ١٨ - قاسم بن سعد بن محمد الحسبانى، شرف الدين المعروف بالسُّمَّاقي، ولد سنة ثمانٍ أو تسع وأَربعين، وقرأَ الكتب واشتغل قليلًا وتعانى الشهادة ثم صار موقعًا للحكام، واستنابه ابن حجّى فباشر القضاء ولم يترك الجلوس مع الشهود، ثم ولى قضاء حمص، وكان قليل البضاعة كثير الجرأَة متساهلًا في الأَحكام. مات في شعبان (١). ١٩ - محمد (٢) بن أَبي بكر بن علي بن يوسف الدِّرْوى (٣) الأَصل، الصعيدي ثم المكي المعروف بالمرجاني، وُلد سنة ستين أَوفى التي بعدها بمكة، وأُسْمِع على العزّ بن جماعة وغيره، وقرأَ في الفقه والعربية وتصدّى للتدريس والإفادة، وله نظم حسن ونفاذ في العربية وحُسنُ عشرة، ورحل في طلب الحديث إلى دمشق فسمع من ابن خطيب المِزَّة وابن المحبّ وابن الصيرفى وغيرهم بإفادة الياسوفى وكان يثنى عليه وعلى فضائله، وحدّث قليلا، مات في شهر رجب؛ وقد سمْعتُ منه قليلًا من حديثه ومن نظمه، وكانت بيننا مودّة (٤).

стр. 1437

٢٠ - محمد بن سعد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن أَبي بكر بن مصلح بن أَبي بكر بن سعد المقدسى الحنفى، القاضي شمس الدين الدَّيْرى، كان أَبوه من التجار فوُلد له هذا في سنة اثنتين أَو ثلاثٍ وأَربعين وسبعمائة؛ والدِّيْرى نسبة إلى مكان بمرْدَا من جبل نابلس، وتعانى الفقه والاشتغال بالفنون وعمل المواعيد، ثم تقدّم في بلده حتى صار مفتيها والرجوع إليه فيها، وكانت له أَحوال مع الأمراء وغيرهم يقوم فيها عليهم ويأمرهم بكف الظلم واشتهر ذكره، فلما مات ناصر الدين ابن العديم في سنة تسع عشرة استدعاه المؤيّد فقرّره في قضاء الحنفية بالقاهرة، وكان قدمها مرارا فباشرها بشهامة وصرامة وقوة نفس، ثم امتزج مع المصريين وساس الناس، وكان منقادًا لما رام به ابن البارزي، فلما كملت عمارة المؤيّدية سأَل السلطانَ أَن يقرّره في مشيختها فأَجابه بعد أَن كان عين لها بدرَ الدين بن الأُقصرائى، وظَنُّ ابن الديرى أَن السلطان لا يُخْرِج عنه القضاء فجاء الأَمر بخلاف ظنَّه، فلما قرره في المشيخة قال له - ونحن (١) نسمع -: "الآن استرحنا واسترحت! " يشير بذلك إلى كثرة الشكاوى من الأُمراء فيه. وقرّر في قضاء الحنفية زين الدين التفهني. وكان ابن الديرى كثير الازدراء بأهل عصره، لا يظن أَن أَحدًا منهم يعرف شيئًا، مع دعوى عريضة وشدةِ إعجاب، يكاد يقضى المجالس بالثناء على نفسه شدة التعصّب لمذهبه والحطّ على مذهب غيره. سامحه الله تعالى. مات في سابع ذى الحجة ببيت المقدس، وكان تأسف على فراقه (٢) ويقول: "سكنته أَكثر من خمسين سنة ثم أموت في غيره! " فقدِّرت وفاته به. وذكر العيني في تاريخه أَنه زاد على التسعين وليس كما (٣) قال، فإنه كان يقول إن مولده سنة خمس وأَربعين، فسأَلْتهُ عن سبب اختلاف قوله فذكر أَنه لا يحققه وإنما يجيب بطريق الظن، والذي صدّرت به الكلام هو الذي حصل من الاستقراء من مجموع

стр. 1438

كلامه؛ واستقر ولده سعد الدين في مشيخة المدرسة المؤيّدية وخلع عليه في الرابع والعشرين من ذي الحجة (١). ٢١ - يعقوب (٢) بن جلال، واسمه رسولا بن أَحمد بن يوسف، ويُسمى أَيضا "أَحمد" الرومي التبّانى الحنفى، الشيخ شرف الدين، وُلد سنة (٣) ستين تقريبًا وتفقه على أَبيه وغيره، ومهر في العربية وأَحبّ الحديث، وشرع في "شرح المشارق"، وكان يستحضر كثيرًا من فروع الحنفية مع (٤) براعةٍ في العربية والمعانى والبيان والعقليات؛ مع بشاشة الوجه وطلاقة اللسان وكرم النفس والسخاوة، [وكان] جوادا؛ وكان أَول ما ولى التدريس والخطابة والإمامة بمدرسة أُلْجاى (٥) في حدود سنة تسعين، وولى مشيخة تربة قجَا السلحدار، وولى مشيخة قوصوق مدة ثم رغب عنها، وولى نظر القدس بعناية أَيتمش ثم صرف عنه (٦)؛ وولى في سلطنة المؤيّد مشيخة الشيخونية، ونظر الكسوة، ووكالة بيت المال، ثم صُرف عن الكسوة وحصلت له جائحةٌ مع الدويدار بسببها فصُرف عنها واستمرّ في الوكالة وفى الشيخونية حتى مات فجأة، وجرت له خطوب مع الناصر فرج واتَّصل بالمؤيّد فعظم قدره ولو كان يصون نفسه ما تقدّمه أَحد ورقت حاله بعد المؤيّد جدا. مات في يوم الأَربعاء سادس عشر صفر واستقرّ بعده في وكالة بيت المال نور الدين الصفطي شاهدُ الأمير الكبير، واستقر في الشيخونية بعده الشيخ سراجُ الدين قارئ الهداية، وذكر العيني أَنه عاش زيادة على سبعين سنة، والله أَعلم (٧).

стр. 1439

"سنة ثمان وعشرين وثمانمائة" في ثامن المحرّم حضر المبشر بالصالحية وذكر أنه تَعوَّق بسبب مِقبل، وكان مِقبل قد فرّ من القاهرة فصار ينزل في طريق الحاجّ وربما حصَل مِمَّن يصْحُبه لمن يمرّ به أَذى، وتأَخّر قدوم الحاج عنا العادة يومين، تقدم الأَول في الرابع والعشرين والمحملُ في الخامس والعشرين، وذكروا أَنهم تأَخروا بمنى يومًا من أَجْل بُهَار السلطان، وتأَخروا في وادى مرْوا يوما آخر بسبب حسن بن عجلان لأَنه أُشيع أَنه يدخل مكة إذا خرج الحاج، فأَقام أَمير الحاج ومن معه من الجند يوما حتى تحقَّقوا عدم صحة ذلك. وفي الرابع عشر منه حضر يوسف بن قطب الدين الحنفى من حلب وأظهر الازدراء بعلماء الحنفية وأَنَّه ليس فيهم مثلُه، فأَمر السلطان بجمع فضلاء الحنفية فحضروا مجلسه، وأُحْضِرت فتاوى كُتِبت من نسخةٍ واحدة، فدفع للشيخ نظام الدين يحيى شيخ الظاهرية واحدة، وللشيخ بدر الدين العينتابي واحدة، وللشّيخ سراج الدّين قارئ الهداية - وهو يومئذ شيخ الشيخونية - واحدة، ولصدر الدين بن العجمى واحدة، وللشيخ سعد الدين بن الدَّيرْي - شيخ المؤيدية وكان استقر فيها بعد موت أَبيه - واحدة - وللشيخ يوسف واحدة، وأَمر أَن يكتبوا عليها منفردين، فأَجابوا إلى ذلك إلا يوسف فقال: "أَنا لا اكتب إلَّا بمنزلى" فسجَّلوا عليه العجز وكتبوا كلهم غيره. ودَفع السلطان لقاضي الحنفية زين الدين التفهي الفتاوى لينظر مَن أَصاب منهم مِمَّن أَخطأَ، وانفصل الأَمر على ذلك. وفى يوم الجمعة سادس عشر المحرم وصل طُوخ الذي كان توَجَّه أَميًرا على العسكر المجهز إلى مكة في العام الماضي نجدةً لقرقماس وعلى بن عنان، فأَخبر أَن الركبَ تأَخر خروجُهم من مكة يومين بسبب أَن التجار سأَلوا أَميرَ الركب أَن يتأَخرّ ففعل، وتوجَّه مَن في الركب الأَول والثانى مع قُرْقُمَاس فأَوقعوا بابن حسن بن عجلان، وجُرح من الطائفتين جماعة وانهزم ابن حسن.

стр. 1440

وفيها سارت الهدية من مصر إلى بلاد العجم لملكها شاه رخ بن اللنك، وكان أَرسل يسأَل أن يؤذن له في كسوة الكعبة من داخل البيت، فكُتِبَتْ أَجوبته. وفي ربيع الأَول جهز السلطان إلى مكة عسكرا. وفيه أَرسل الشيخ محمد بن قُدَيْدَار (١) ولده إلى صاحب قبرص يسأله أَن يُطْلِق من عنده مِن أَسْرى المسلمين ليسعى له في التمكين في زيارة القمامة، فعُوِّق ولده فَضحّ الشيخ من ذلك، وكان من غزو المسلمين قبرص ما سيأَتي ذكره. وكمل الغراب الذي أَنشأَه السلطان لغزو الفرنج وأُنزل البحر، وكان يومًا مشهودا. وفيه وصل رسل قرايلك من التركمان. وفى سابع عشر ربيع الآخر قدم نائب الشام فخُلع عليه وأُعيد إلى إمرته على عادته، وشفَعَ (٢) في طَرَاباى أَن يُطلَق من سجن الإسكندرية إلى دمياط، فأُجيب إلى ذلك. ووقع في العشر الأَخير من أَمشير حرٌّ شديدٌ حتى نزَع الناسُ الفراء والجوخَ وظنوا أَن الشتاء انقضى، فلم يكن إلَّا خَمْسُ ليالٍ حتى عاد البرد الشديد كما كان. وفى هذا الشهر أَوقع قُرْقمَاس (٣) - أَمير الحجاز بأَهل الطائف لأَنهم قطعوا الميرة عن مكة فأَذعنوا (٤) له، وحصل بمكة أَمنٌ ورخاءٌ زائد. وفيه توجَّه الشيخ شمس الدين بن الجزْرِي إلى بلاد اليمن، فأَكرمه ملكها وسمَع عليه الحديث وأَنعم عليه بمالٍ، وأَطلق كثيرا من تجارته بغير مكسها، ورَجع في البحر كما سافر منه، وعجب الناس من شدّة حرصه مع كثرة مالِه وعُلُوُ سِنِّه.

стр. 1441

وفي سابع عشر ربيع الآخر شكى نائبُ الشام إلى السلطان من حسين كاتب السر ففوض أَمر ولايته وعزله له. وفي جمادى الأولى وقع بدمياط حريق عظيم حتى يقال احترق قَدْرُ ثلثها، وهلك من الدوابّ والنَّاس والأَطفال شيء كثير. وفي جمادى الأولى كملت مدرسةُ السلطان التي أَنشأَها بجوار الخانقاه السِرْيَاقُوسِيَة الناصرية، وقرّر فيها (١) شيخًا وصوفية. وفي العاشر منه استقر بدر الدين بن نصر الله في الأُستدارية عوضًا عن ولده صلاح الدين بحكم استعفائه، وبعد يومين استقر كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين المعروف بابن كاتب جَكَم في وظيفة نظر الخاص عوضًا عن ابن نصر الله المذكور، فحصَل لابن نصر الله بذلك مشقة عظيمة، فباشر الأستادرية بمفردها إلى ثامن شعبان فأُمسك هو وولده، واستقر في الأُستادارية زين الدين عبد القادر بن أَبي الفرج وهو شاب أَمرد. وفي جمادى الآخرة - والشمسُ في برج الثور في خامس بشنس من الأَشهر القبطية - أَمطرت (٢) السماء مطرًا غزيرًا جدا، ثم في الثامن عشر منه - قُرْب نَقْلِ الشمس إلى الجوزاء - أَمطرت السماء مطرًا غزيرًا عقب ريح شديدةٍ هبَّت ليلا. وكان الورد في هذه السنة قليلًا جدا. وفي عاشره قُبض على نجم الدين بن حجى كاتب السر وعُوِّق في البرج بالقلعة ثم نفى إلى الشام، ووكل به شرطى معه سلسلة من حديد وأُهين جدا، وأُلزم المُوَكِّلُ به أَن يُنادِي عليه في كل بلدٍ دَخَله فإذا وصلا دمشق نودى عليه: "من كانت له ظلامة فليطْلُبْه"، وأُحيط بداره وحُمل جميع ما فيها، فلما وصل غزة وافاه كتاب السلطان بإطلاقه وإكرامه وإيصاله إلى دمشق وإقامته بها بطَّالًا، وكان السبب في ذلك أَنه باشر كتابة

стр. 1442

السر بغير مخبرةٍ باصطلاح الوظيفة، وسلك مع المصريين طريقته في حدّة الخلق والبادرة الصعبة، مع الإقبال على اللهو في الباطن فيما يقال، ثم إنه كان أُلزم بعشرة آلاف دينار فَحَمل منها خمسةً فطولب بالخمسةِ الأخرى ولُوزم بالمطالبة، فضجَّ من ذلك وكتب ورقةً للسلطان يذكر فيها أَنه منذ ولى السلطنة غَرم كذا وكذا أَلف دينار، وفَصَّلها، من جملتها للمباشرين: لفلان كذا وفلان كذا ولمن لا يُسمى كذا ورمز إلى جَانِبكْ الدويدار - فبلغ ذلك من نَسب إليهم الأخْذ منه فحنقوا منه وأَمالوا عليه جَانِبِكْ وهو شابٌّ حادُّ الخُلق قوى النفس كثيرُ الإدلال على مخدومه، فشكا من كاتب السر للسلطان والتمس منه أَن يمكنه منه فأَذن له، فأَخرجه على الصّورة المذكورة، ثم قام ناظر الجيش عليه حتى هَدَّأَ خلقه ورجَّعه عما كان أَمر به من المبالغة في إهانته ورأى أَن المقصود قد حصل بزيادة، ورجح الجميل عليه بتخليصه من الشدة المذكورة، والتزم عنه بمال يحمله إذا وصل دمشق ففعل ذلك، ودخل دمشق ولزم بيته بطالًا وجَفاه أَكثر الناس إلى أَن كان في السنة المقبلة منه ما يأتي ذكره. ومن الاتفاق العجيب أَنه طلب بطريك اليعاقبه فراجعه في شيء خاطبه به فأَغضبه فأَمر بضْربه، فضُرب على رجليه نحو أَربعمائة عصى، فاغتاظ القبط لذلك وبالغوا في التأليب على ابن حجى إلى أَن اتفق له ما ذكر. واستقرّ في كتابة السر بعده، بدر الدين محمدُ بنُ بدر الدين محمد بن مُزْهر الدمشق، وكان قدم مع المؤيد أحدَ الموقعين واستقرّ في نظر الإسطبل وتقدّم وصار أَحدَ الرؤساء في دولة المؤيد، ولكن لا يرفع رأْسه مع وجود البارزي، فلما مات استقر نائبَ كاتب السر وكبير الموقعين وصار يُصَرِّف أَكثر الأمور في مباشرة كمال الدين ولد البارزي، ثم لما استقر علمُ الدين بنُ الكُوَيْز في كتابةِ السر كان هو القائم بأَكثر الأمور وسمّاه السلطانُ "خليفة كاتب السر" وراج عليه وعرف أَخلاقه وتمكن منه إلى أَن تقرر في كتابة السر بعد كائنة ابن حجّى في الثامن عشر من جمادى الآخرة فباشرها أَربع سنين متوالية. وفى ثانى عشر رجب قرئ تقليده بالمدرسة الأَشرفية فوَقع من علاء الدين بن الرّومي

стр. 1443

شيخِها أساءةُ أدبٍ في حق القاضي الحنفى فعزَّره بالكلام وأَقامه من المجلس، ثم شكا الحنفى لمن حَضر من المباشرين فبلَّغوا الأَمر للسلطان فأَمر بإخراجه من المدرسة فكشف الحنفى رأْسه، ثم أَصلح بينهما ناظرُ الجيش، وصَرف رأْى السلطان عن عزْله بعد أَن كان أَمر بتقرير الشيخ سراج الدين قارئ الهداية مكانه، واشترط عليه لزوم الأَدب في البحث وترك البحث بعده (١). وفي الثاني من شهر رجب صُرف الهروى عن قضاء الشافعية وتقرر (٢) كاتبه، [ولقد] قرأْت بخط قاضي الحنابلة محب الدين: (كان يوما مشهدًا وحصل للناس سروران عظيمان، أَحدهما بولايته لأَن محبته معروفة في قلوب الناس، والثاني بعزل الهروى فإِنَّ القلوب كانت اتفقت على بغضه لإساءته في ولايته وارتكابه الأمور الذميمة، وفى الثامن من رجب توجه القاضي المستقرّ إلى مصر في موكب عظيم ومعه من القضاة ونوابهم والفقهاء من لا يكاد يحصر، وكان يوما مشهودًا"، انتهى ما نقلته من خطه. ورحل الهروى من القاهرة خِفْيَةً من شدة مطالبات الناس له وذلك في التاسع عشر منه. * * * وفي رجب هيَّأَ الأَشرف العسكر الذي ندبه لغزو الفرنج - وأَميرهم جِرباش الحاجب الكبير - وأنْفق فيهم، وعَيَّن لذلك جماعةً من الأمراء، وسافروا في شهر رمضان فوصلوا إلى ساحل المَاغُوصة في سادس عشرى شهر رمضان، فسمع بهم صاحبها فبذل لهم الطاعة وجهَّز لهم لهم الأَموال ودلَّهم على عورات صاحب جزيرة قبرص فأَقاموا ثلاثة أَيام، ثم توجهوا إلى جزيرةٍ فى البحر فيها الماء الحلو فتزوّدوا منها، ووقع لهم بعض الفرنج في البحر فقاتلوهم إلى أَن فرّ الفرنجُ ورجع المسلمون إلى أَماكنهم، ثم التقوا في البرّ فانكسر المشركون أَيضا

стр. 1444

وغنموا منهم، وكان غالبُ العسكر مع ذلك مقيمًا في المراكب خشية أن يكيدهم الفرنج بأَن يتملَّكوا عليهم البحر، ثم بلغهم أَن صاحب قبرص تجهز لهم في جمعٍ كبيرٍ فتوجهوا في المراكب إلى جهة طرابلس فرمتهم الريح إلى ألطينة مقابل دمياط وكاتبوا السلطان بذلك فأذن لهم في دخول دمياط فدخلوها في شوّال، ثم أَذن لهم في دخول القاهرة فدخلوها ومعهم عدةٌ من السَّبْي نحو الأَلف رأْس، فتسلم السلطان جميع الغنيمة وفرّق في الجيش مالًا مِن عنده، وشاع الخبر أَن صاحب قبرص كاتَبَ نائبَ الشام في طَلب الصّلح، وكان ما سيأْتي ذكره إن شاء الله تعالى. * * * ذكر غزاة قبرص الأولى سنة ثمان وعشرين تقدم فى الحوادث سنة سبعٍ وعشرين ما وقع من الوقعة بين المسلمين وبين الفرنج في ساحل اللَّمْسون (١) المتصل بجزيرة قبرص، فلما رجعوا بالغنيمة والأَسرى أَمر الأَشرف بتجهيز الأغربة والاستكثار منها فَجَدَّ في ذلك وأرسل إلى طرابلس والاسكندرية ودمياط وبيروت، وأمر بتركيز الجند في السّواحل حفظًا له من عادية الفرنج، فاتَّفق أنَّ جَانُوس - صاحب قبرص - جهَّز غرابا وسَلُّورة وشحنهما بالرجال والعدد وأمرهم بتتبع السواحل ونَهْب ما استطاعوا وإفساد ما قدروا عليه، فلم يبلغوا من ذلك غرضًا لحفظها بالجند، فاتَّفق أنهم احتاجوا إلى الماء فانتهوا إلى مكان يقال له "نهر الكلب" فلما رآهم الحرس كمنوا لهم، فلما لم يروا أحدًا دخلت السَّلُّورة النهر وهو ضيق فخرج عليهم الكمين فأَحرقوها وأَسروا من فيها ورجعَ مَن في الغراب إلى قبرص. ولما تكاملت العمارة جهَّز الأشرفُ الجندَ وتوجه صحبتهم من المطوعة عدد كثير، وركب (٢) إلى الساحل فعرض الجميع وسافروا إلى دمياط، وكان جانوس جهز أميرا يقال له "باله" في تسعة أَغربة، فوقف على فوهة دمياط يمنع أغربة المسلمين من الدخول في البحر الملح، فوقف هناك فصادف مجيء العمارة من الإسكندرية فقصدوهم فانهزموا منهم بغير قتال، وسافر الجميع من فم دمياط إلى طرابلس وانضمّ إليهم المراكب المجهزة منها ومن بيروت، واجتمع

стр. 1445

فيها من الأمراء والجند والمطوّعة ومن العشير والزعر عدد كثير، ثم راسل كبيرهم - وهو جِرْبَاش الكَريمي - جَانُوسَ في الدخول في الطاعة فامتنع، فسافروا إلى جهته فوصلوا إلى الماغوصة، فطلع الخيالةُ وأكثر المُشاة وضربوا خيامهم بالبر، فحضر رسول من صاحب الماغوصة ومعه ضيافة وقال إنه في الطاعة، فأعطوه أمانا وركبوا في الحال، فداسوا من قدروا عليه وأوسعوهم تخريبًا وتحريقًا وكان ذلك في رمضان، وأَوقع (١) الله الرعب في قلوب الذين كفروا حتى كان الثلاثة من المسلمين يدخلون الضيعة وفيها ما بين المائة والخمسين فلا يمتنع عليهم أحد. ثم صادفهم أَخو جانوس في ألف فارس وثلاثة آلاف رجال غير الكمناء، ثم إنه قُذف في قلبه الرعب فرجع بمن معه، ولما تمّت لهم في الماغوصة أربعة أيام وقد أوسعوها نهبًا وأَسرًا (٢) قصدوا "الملَّاحة" وأحرقوا ما مروا عليه إلى مكان يقال له "رأس العجوز"، فوجدوا هناك أميرا فأَسروا مَن معه وقتلوه، ثم صادفوا تسعة أَغربة وقرقورة مشحونةً مقاتلة، فلاقاهم المسلمون فانكسر للنصارى زورقٌ وفَرَّ من فيه إلى البر فأسرهم المسلمون. وكان من تدبير صاحب قبرص أنه أرسل أخاه في الجبال وأرسل المقاتلة في البحر، فرجع أخوه بغير قتال وهزم الله أهل البحر، ووصلوا إلى الملَّاحة وضربوا خيامهم بها وشنَّوا الغارة في الضياع، وقتلوا الذى كان أميرًا على الملاحة، ويقال إنه كان شديدًا على أَسرى المسلمين، وكان يقال له "عين الغزال". وكان جانوس أمده بأربعة أحمال زَرْدْخاناة على عَجَل، فأحاط بها المسلمون، ثم جمعوا الغنائم والأسرى ورجعوا إلى المراكب إلى أن وصلوا إلى اللَّمْسُون فحاصروا الحصنَ الذي هناك فأَخذوه عنوةً وملأَوا أيديهم من الغنائم والأسرى وأَحرقوا الحصن، وكان ذلك في يوم الخميس مستهل شوال.

стр. 1446

وجهَّز الأَميرُ جِرْباشُ مبشرًا بالفتح، ويقال إن جملة مَن قُتِل في مدة نصف شهر من الفرنج خمسة آلاف ولم يُقتل من المسلمين في هذه الغزاة إلا ثلاثة عشر نفسا، وكان طلوعهم إلى القلعة بالأَسرى والغنائم يوما مشهودًا، وكان في بقية شوال منها. * * * وفى رجب قدم مِقبل الحسنى الذى كان أَميرًا لينبع بخديعةٍ من صديقه فخر الدين التبريزي التاجر فلم يزل به حتى قدم معه إلى القاهرة بعد أَن توثق له بالأَمان، فأَمر السلطان بحبسه فسُجن غَيْرَ مُضَيَّقٍ عليه. وفي السابع عشر من شعبان زُلزلت الأرض بمصر والقاهرة قدر درجتين، وكان أَمرا مهولًا، إلا أنه لم يقع بها هدمُ شيء من الأماكن إلا اليسير، فنسأَل الله العفو والعافية. وفى سابع عشرى ذو القعدة نودى على الفلوس بأَن يكون كل رطل منها بإثنى عشر درهمًا، وكانت قد قلَّت جدا بحيث صار الشخص يشترى من الدرهم الفضة رغيفًا فلا يجد الخباز ما يكمل له حقه من الفلوس. وكان السبب في ذلك أنه اجتمع عند السلطان منها مقدار كبير، فشاع بين الناس أَنه ينادى عليها بزيادة فى سعرها فأَمسك أَكثر الناس عن إخراجها، فمَن عنده شي منها رجا الربح فعزَّت بسبب ذلك، فلما نودى عليها سكنت نفوسهم وأخرجوها فكثرت في الأيدي. وفى أواخر ذى القعدة وصل يَشْبُك الجركسى، وكان جُلب من بلاد الجركس فأَحذه الفرنج فأَقام عندهم وتعلم ما يصنعه البهلوان، فدخل القاهرة فأوصلوه إلى السلطان فأَسلم ورُتِّب في طبقة المماليك، ثم أَراد أَن يُرى السلطان شيئا فنِّه فنصَب حبلًا على رأْس مئذنة حسن وطرفه على رأْس الأَشرفية، فمشى عليه ورمى بالمكحلة وهو فوقه، وأوتر قَوْس الرجل ورمى به، ولما فرغ خلع عليه السلطان وأركبه فرسًا وأَنعم عليه الأمراء بجملة دراهم. ولما صُرف جمال الدين الكركى من كتابة السر بمصر قُرر في نظر الجيش بدمشق بعده مدة، وذلك في أواخر رمضان، وكان حسين جمع بين وظيفتي: كتابةِ السر ونظر الجيش بعناية أُزْبُك الدويدار فصُرف من نظر الجيش.

стр. 1447

وفي ذي القعدة عُزل أزدمر جاية عن الإمرة وأُمر بلزوم منزله، ثم بشَّره ياقوت المقدم الحبشي بالرضى عنه فخُلع عليه كامليّة بسمور وأُمر بأَن يخرج مع كاشف الصعيد لقتال العرب به. * * * وفي رمضان ادُّعى على الشيخ شمس الدين بن الشيخ سراج الدين عمر الميْموني - وكان أَبوه من أَعيان الطلبة الشافعية - عند شيخنا سراج الدين البلقيني وغيره وكان نقيب درس الخشَّابية، ونشأَ ولده هذا طالبًا فمات أَبوه وهو صغير، فتعانى طريقة الفقراء وأَقام في زاويةٍ ونصب له خادما فبقى مدة ثم ترك، وواظب الحج في كل سنة، وكان كثير التلاوة جدا، فاتفق أَنه ذكر لبعض الناس أنه رأى القاضي زين الدين التفهني في المنام في حالة - ذكرها - سيئة جدا، فادُّعى عليه أَنه قال: "قد أباح لى سيدى اللواط والخمر والحشيش والفطر في رمضان"، إلى أشياء من هذا الجنس فأنكر، فشَهد عليه جماعةٌ وثبت ذلك عند ابن الطرابلسي نائب الحنفى، ثم استفتى علماءهم فأَفتوه بأَنَّ ذلك زندقة، فاتفق أَن الحنفى ذكر ذلك للسلطان واستأْذنه في إمضاء الحكم عليه فأَمر بإحضاره. فلما كان يوم الاثنين سادس شوال أُحضر إلى القصر وفى رقبته سلسلة فسلم ثم قال: "يا عبد الرحمن اتق الله" يخاطب القاضى التفهنى فغضب وقال: "حكمت بزندقتك وسفك دمك"، وقال للحنبلي: "نفذ لى" فقال: "حتى ينفذ الشافعي" فامتنع، فسأَلني السلطان فقلت: "وقعت عندى ريبةٌ تَمْنَعُ من تنفيذ هذا الحكم، فإنى أَعرف هذا الرجل وقد ذُكر لي أن في عقله خللا، والقاضى سارع فيه بالحكم في حال غضبه"، وتعصّب العيني للميمونى وأَحضر النقل بأَن الزنديق إنما يقتل عندهم إذا كان داعية، وطال البحث في ذلك، وقام الحنفى ليقتله وأرسل إلى الوالى فأشار عليه بعض أَلزامه بالتأني في أمره، ثم عُقد مجلسٌ حافلٌ بسببه، وتعصّب أكثر الجند وأكثر المباشرين عليه تبعا للتفهني ولم يبق معه سوى خُشْقَدم الخزندار وللسلطان إليه ميل، فطال النزاع في أَمره، فاتفق أَن قال في جملة ما خاطب به التفهنى: "يا سيدنا قاضي القضاة أَتوب إلى الله من رؤيا المنامات من اليوم! " فازداد حنقه منه، وكايده العيني فتعصّب له ثم اتفق الحالُ. على حبسه.

стр. 1448

فلما كان في أَول ذي القعدة اجتمع الحنفى بالسلطان وقرر معه أن يُنْفَى إلى بعض البلاد الحلبية، ثم أَرسلَ ناظرُ الجيش في خامس ذى القعدة إلى التفهني وكَاتِبِه فأَصلح بينهما وأَرسل لكل منهما بغلة. * * * وفى الثانى من ربيع الأَول قُرر جمال الدين يوسف السَّمَرْقَنْدي في قضاء حلب عوضًا عن شمس الدين بن أَمين الدولة بحكم عزله، وكان هذا قدم في آخر دولة المؤيد فاعتنى به الظاهر ططر وهو أمير وأَعانه على الحج وقرّره في عدة وظائف بحلب، فتوجه إليها وباشرها إلى أَن وقع بينه وبين القاضي المذكور، فَرَتَّب عليه من يشهد عليه بما صدر منه وذلك بالمدرسة السَّاذجية بسوق النشاب، ففرّ خفية منها فقدم القاهرة فشكا حالَه للسلطان. فعزل القاضي وقرّره مكانه، فلما بلغ القاضيَ ذلك وصل إلى القاهرة فقام معه بعضُ الروُساء فما أَفاد وأَمر بَعْودِه إلى حلب بطالا. وفى سابع ذى الحجة ثار جماعةٌ على المحتسب وهو القاضي بدر الدين العيني بسبب إهمالِ أَمر الباعة وشدّة غلاء الخبز مع رُخص القمح، ووقفوا للسلطان فلم يأْخُذ لهم بيد بل ضرب جماعةً منهم وهدّد جماعةً وحبس نحو العشرة، فعُدم الخبز من الحوانيت وتزاحموا على الأَفران، ثم تراجع الحال وكثر الخبز مع زيادة السعر في الشعير والقمح والفول. وكان ما سيأْتي ذكره في أَول السنة. وفى الثالث والعشرين من ذى الحجة وصل المبشر من الحجاج وأَخبروا بالرّخاء الكثير في الحجاز،، وأَنَّه نودي بمكَّة أن لا يباع البهار إلَّا على تُجَّار مصر، وأن لا يكون البهار إلا بهارًا واحدًا، وأخبر بأن الوقفة كانت يوم الاثنين وكانت بالقاهرة يوم الأَحد، فتغيظ السلطان ظنا منه أن ذلك من تقصيرٍ في ترائى الهلال، فعرَّفه بعض الناس أَن ذلك يقع كثيرا بسبب اختلاف المطالع، وبلغنى أَن العينى شنَّع على القضاة بذلك السّبب، فلما اجتمعنا عَرَّفْت السلطان أن الذى وقع يقدح في عمل المكيين عند من لا يرى باختلاف المطالع حتى لو كان ذلك في رمضان للزم المكيّين قضاء يوم. فلما لم يفهم المراد سكن جأْشه. * * *

стр. 1449

وفى هذه السنة كانت وقعة الفار (١) باللجون من طريق الشام، وكان قد كثرت فراخه حتى شاهد بعض الناس كثيرا منها يخرج بأولادها الصغار فيتر كونها عند البيوت ويأْتونها بالقمح في سنبلة، فيدخله الأَولاد في البيوت، ومن رجع فوجد شيئًا من القمح لم يحول إلى البيت ضرب ولده الضرب المبرح، وتسلط الفار على زروع الناس وتضرروا من ذلك ضررًا كثير. قرأْت ذلك بخط قاضي الحنابلة محب الدين. ثم عقب ذلك أن وقع بين الفيران مقتلة عظيمة وشاهد الناس منها جملة عظيمة، بعضها مقطوع الرأْس وبعضها مقطوع الرّجل، وبعضها مقطوع اليد، ومنها المُوَسّط، وصار منها أَكوامٌ كثيرة (٢). * * * وفي شعبان ارتفع سعر الغلة فوصل الفول إلى مائتين، والشعيرُ إلى مائةٍ وخمسين، ثم ازداد السعر في ذي القعدة ووصل الفول إلى ثلاثمائة وكذلك القمح، ثم تراجع القمحُ إلى مائتين وخمسين. وفي آخرها ماتت زوجةُ السلطان - وكانت إبنة عمه - بوادي الصفرا وكانت حاملا، فوضعت وماتت في نفاسها، فبلغ السلطان فحزن عليها كثيرا. * * *

стр. 1450

ذكر من مات في سنة ثمان وعشرين وثمانمائة من الأعيان ١ - أَحمد بن أَبي بكر بن على بن عبد الله بن بوافِي (١) بن يحيى بن محمد بن صالح الأَسدى العبشمى (٢)، الشيخ شهاب الدين الشهير جدّه بالطَواشي، وُلد بعد الستين، (٣) وأُحُضِر في الثالثة على ابنِ جماعة وأُسْمِع على القُروى (٤) والضياء الهندى، وأَجاز له الكمالُ ابن حبيب ومحمدُ بن جابر وأَبو جعفر الرُّعَيْني وأَبو الفضل النويري والزَّرَنْدِي والأَمْيُوطى، وغيرهم، وكان خيّرًا ديّنا منقطعًا عن الناس. مات يوم الجمعة سابع عشر شعبان بمكة وصلى عليه بعد الصلاة (٥)، وشيعه جمع كثير منهم أمير مكة على بن عنان (٦). ٢ - أَحمد بن عبد الرحيم بن أَحمد بن الفصيح، الكوفى الأصل ثم البغدادي ثم الدمشقي، شهاب الدين نزيل القاهرة، كان جدّه من أَهل العلم والطلب للحديث، وحدّث أَبوه (٧) "بالسنن الكبرى" للنسائى وتفرّد به عن ابن المُرابط بالسماع، وكان حنفِيَّ المذهب، ونشأَ ابنُه هذا (٨) يتعانى التجارة، ثم عمل نقيب الحكم الحنفى بدمشق، ثم سكن القاهرة مدة وتردّد إلى القاهرة، وكان يحب الانجماع ولا يعاشر إلا أناسًا مخصوصين، وكان ابن الآدمى (٩) يكرمه ويعظمه لأَنه كان يقرب له من جهة النساء فقرَّره في النقابة بالخانقاه

стр. 1451

البيبرسية في سنة خمس عشرة فاستمر فيها إلى أَن مات في أَول يوم من شعبان وله بضع وسبعون سنة، وكان قليل الكلام كثير المعرفة بالأُمور الدّنيويّة، وما أَتردّد أَنَه سمع عليَ ابن أميلة ومَن قبله لكن لم أَقفْ على ذلك تحقيقًا، وسأَلْتُه عن ذلك فلم يعترف به؛ وسأَلتُه أَن يجيز لجماعةٍ فامتنع ظنًّا منه أن ذلك على سبيل السخرية به لسعة تخيّله. ٣ - أبو بكر (١) حاجب حجاب طرابلس، وبها مات. ٤ - تغرى بردى المؤيدى، ويعرف بأخى قَصْرُوه، نائب حلب، مات بها محبوسًا في ربيع الأَول. ٥ - سليمان بن عبد الرحمن (٢) بن داود بن الكُويْز أَخو كاتب السّر علم الدين، ورث مِن أَخويه صلاح الدين وعلم الدين، أَما صلاح الدين فلكوْنه شقيقه، وأَما علم الدين فلكونه وصيه فكثر ماله، ووقع بينه وبين أَخيه عبد الرحمن بن علم الدين تنازعٌ في شيءٍ ففسد بذلك من المال عليه شئ كثير؛ وكان سلمان يلقب بدر الدين، وكان حسنَ الصورة جميلَ الفعال شديدَ الحياء عاقلًا وقورًا، باشر استيفاء الدولة وغير ذلك، وهو أَصغر الإِخوة. مات في حادى عشر المحرم. ٦ - شعبان بن محمد بن داود المصرى، وكان يقال له "المصرى"، ثم زعم أَن اسم أَبيه محمد بن داود، ويقال إن داود كان ممَّنْ تشرَّف بالإِسلام فأحبّ أن يبعد عنه، ثم صار يكتب "الآثارى" نسبةً إلى الآثار النبويّة لكوْنه أَقام بها مدة. وكان قد تعانى الخطَّ المنسوب فجاد خطُّه بملازمته لشيخنا شمس الدين [أَبى على] الزفتاوى وصار رأس مَن كتب عليه وأجازه فصار يكتب للناس؛ ثم اتفق أنه شرب البلاذر فحصل له طرف نشاف وأَقام مدةً عاريا من الثياب والعمامة ثم تماثل قليلًا؛ وطلب العلم ولازم الشيخ نور الدين الطَّنْبدِي والشيخ شمس الدين الغُمارى؛ وتعانى النظم فنظم نظمًا

стр. 1452

سافلًا أَوّلًا ثم أَكثر من ذلك حتى انصْقل قليلًا ونظم نظمًا وسطًا، ثم أَقبل على ثَلْب الأَعراض وتمزيقها بالهجْو المقذع. ومن (١) نظمه لما عُزِل البلقيني بالهروى واتفقت الزينة للمحمل، فعلق شخص يسمى الترجمان على باب بيته حمارًا بسرياقات على رؤس الناس بأَحسن هيئة والناس للفرجة عليه فقال: أَقَام التَّرْجُمَانُ لِسانَ حَالٍ … عَنِ الدُّنْيا يَقُولُ لَنَا جَهَارًا: زَمَانٌ فِيهِ قَدْ وَضَعُوا جَلَالًا … عن العَلْيَا وقَدْ رَفَعُوا حِمَارًا ونظم أُرجوزةً في العربية وأُرجوزةً في العروض، وعَلَّق على توقيع الحكم فقُرّر به، ثم عمل نقيب الحكم بمصر، ثم استقرَّ فى الحسبة بمالٍ وَعَد به ثم ركبه الدّيْن بسبب ذلك، ففرّ من مصر في سنة إحدى وثمانمائة فدخل اليمن ومدح ملكها فأَعجبه وأَثابه ومدح أَعيانَها وتقرّب منهم، ثم انقلب يهجوهم كعادته، فأَمر السلطانُ الناصر أحمدُ بن الأَشرف إسماعيل بنفيه إلى الهند فأُركب في المراكب الواصلة من "تاته" وأَقام بها وأُكرم، ثم عاد إلى طبعه فأُخرِج منها وقد استفاد مالًا فأُصيب بعضُه، ورجع إلى اليمن فلم يُقِيم بها وتوجّه إلى مكة فأَقام بها مدةً طويلة، وأَظهر بها من القبائح ما لا يجمل ذكره، ونصب نفسه عرضةً للذَّم. وتزوّج جاريةً من جوارى الأَشرف يقال لها "خود" فاتَّخذها ذريعةً إلى ما يريده من الذَّم والمجون وغير ذلك، فصار يَنسب نفسه إلى القيادة والرضاء بذلك لعشقه فيها إلى غير ذلك. وكان فيه تناقضٌ فإنه يتماجَنُ إِلى أَن يصير أضحوكةً ويتعاظم إلى أَن يُظن أَنه في غاية التصون؛ وكان شديدَ الإعجاب بنظمه لا يظن أَنَّ أحدا يقدر على نظيره مع أَنه ليس بالفائق بل ولا جميعه بالمتوسّط بل أَكثره سفساف كثير الحشو عرىٌّ عن المعنى البديع.

стр. 1453

ثم قدم القاهرة فى سنة عشرين وهجا (١) بهاء الدين بن البرجى الذي كان متولىّ الحسبة قديمًا، ثم صادف أَن ولى الهروى القضاء فهجاه ومدح البلقيني فأثابه، ولعلّه أَيضا هجا البلقيني، ثم توجه إلى دمشق فقطنها إلى أَن قدم القاهرة سنة سبعٍ وعشرين ومدحنى بقصيدةٍ تائيّة مطوّلَة ولا أَشك أَنه هجانى كغيرى، ثم رجع إلى دمشق ثم قدم إلى القاهرة فمات يوم. وصوله في سابع عشر جمادى الآخرة، وخلَّف تركةً جيّدةً قيل بلغَتْ ما قيمتهُ خمسة آلاف دينار؛ وكان مقترًا على نفسه فاستولى على ماله شخصٌ إدّعى أَنه أَخوه وأَعانه على ذلك بعض أَهل الدولة فتقاسما المال، ووقَف كتبه وتصانيفه بالباسطية (٢)، وعاش بضعا وستين سنة. ٧ - صالحة أَو زينب بنت صالح بن رسلان بن نصير البلقيني، وهي والدة القاضي علم الدين صالح بن شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين، تزوجها الشيخ وهي ابنة عمه فأَولدها صالحًا وعبدَ الخالق، ثم قدمت على الشيخ أُختُه من بلقينة (٣) فذكرت للشيخ أنها أَرضَعَتْ زوجَتَه هذه، فبحث الشيخ عن ذلك حتى وضح له، فلما علم صحّة قولها اجتنبها وذلك قبل موته بعشر سنين، ثم لما مات تزوجت بعده زوجًا بعد زوج من العوام. وكانت موصوفةً بالخير، وعاشت نحو الستين وماتت في حادي عشر المحرم (٤). ٨ - طوغان أَمير آخور، مات قتيلًا بقلعة المرقب (٥) في ذي الحجة، وقد ولى عدّة وظائف.

стр. 1454

٩ - عثمان بن أَحمد بن عثمان التَّلَاوى البكرى المعروف بالطَّاغي خازن الكتب بالمدرسة المحمودية، وقد تقدم ذِكْرُ صرْفه فيها في حوادث سنة ست وعشرين، وكان شديد الضبط لها ثم حصل له مَن تسلَّط عليه بالخديعة إلى أَنْ وقع التفريط فذهب أَكثرُ نفائس الكتب؛ وكان في أَوّل أَمره أَقرأَ القاضي جلال الدين البلقيني القرآن وتمشيخ بالمشهد النفيسي، ولقى جماعةً من الأَكابر؛ ومات في رابع عشر المحرّم. ١٠ - عثمان (١) بن محمد بن فخر الدين الدَّنْدِيلي الشاهد، سمع من أَبي الحسن العُرَضى وأَجاز لأَولادى، وسمعْتُ عليه جزءًا من حديث ابن حَذْلَم، أَنا العرضي أَنا الفخر بن البخارى؛ جاوز الثمانين ومات في ثامن عشر شوال (٢). وممَّا (٣) سمع على العرضي من أَوّل المجلس العاشر إلى المجلس الثالث والعشْرين بفوت في الثالث والعشرين، ومن أَول السادس والأَربعين إلى آخر الثاني والثمانين بقراءة الزين العراقي. ١١ - على بن أَحمد بن محمد بن سلامة بن عطوف السّلمى المكّي نور الدين بن سلامة وُلد سنة ستٍّ وأَربعين بمكة، واشتغل وعنى بطلب الحديث، ورحل فيه (٤) فسمع بدمشق من ابن أميلة والصلاح بن أبي عمر وابن كثير وغيرهم، وبحلب من ابن حبيب وغيره، وببغداد من عمر بن على القزويني (٥) وعبد الدائم بن عبد المحسن بن الخَرّاط (٦) وغيرهما

стр. 1455

وبالقاهرة من النقىّ البغدادىّ وقرأَ عليه القراءات، وأَكثَرَ عنه صاحبُنا زينُ الدين رضوان (١) وحدّث بالقاهرة ومكة وصار مسندها، وكان عارفا بالقراءات، وأَخذ الفقه عن جماعةٍ ولم يُنْجب؛ وله نظم؛ وكان يباشر شهادة الحرم المكي ولم يكن يُشكر في شهادته مع التأَلُّه والتعبد، وخرّج له ابنُ فهد معجمًا انتزع أَكثره من معجم ابن ظهيرة تخريج الأَقْفَهْسي؛ ومات في يوم السبت رابع عشري شوال (٢). ١٢ - على بن محمود بن أبي بكر، القاضي علاء الدين أَبو الحسن (٣) بن القاضي بدر الدين أَبى الثناء بن أَبي الجود السلماني (٤) ثم الحموي المعروف بابن المُغْلى الحنبلي، وُلد سنة ٧٧١ وتفقه ببلده ثم بدمشق، فأخذ عن جماعة منهم: زين الدين بن رجب. وكان يتوقدّ ذكاءً فحفظ جملةً من المختصرات فى العلوم "كالمحرر" في الحديث لابن عبد الهادي و"الفروع في المذهب" لابن مُفْلِح و"مجمع البحرين" للحنفية، و"التمييز" [للبارزي] للشافعية، و"المختصر الأَصلى لابن الحاجب، و"التلخيص" للقزويني، و"التسهيل" بن مالك؛ وكان يحفظ كثيرًا من الشروح والقصائد الطوال وينظم الشعر الوسط ويكرّر على محفوظاته المختصرة ويستحضر شيئًا كثيرًا من الفنون، وما أَظنّ أَنه كان في عصره من يدانيه في ذلك وإن كان فيهم من هو أَصحّ ذهنًا منه. ولى قضاء حماة بعد التسعين ثم ولى قضاء حلب في سنة أربع وثمانمائة، ثم ولى قضاء الديار المصرية فى سنة سبع عشرة - إلى أَن مات - مضافًا إلى قضاء حماة وكان يستنيب فيها؛ كلُّ ذلك بعناية كاتب السر [ناصر الدين] بن البارزي؛ ومع طول ملازمته للاشتغال ومناظرته الأَقران والتقدم في العلوم لم يشتغل بالتصنيف وكنْتُ أُحرّضه على ذلك لما فيه من بقاء الذكر فلم يوفَّق لذلك، وكان شديد البأْوِ والإِعجاب حتى (٥) وصفه بعضهم بأَنَّه

стр. 1456

يحفظ علماء المذاهب الأَربعة فردَّ عليه: "بل بجميع مذاهب السلف"، ومع احتمال ما يقع مِمّن يناظره من الجفاء إلَّا أَنه يكظم غيظه ولا يشفى صدره، ويكرم الطلبة ويُرْفِدُهم بماله، وكان واسعَ الحال جدا لأَنه كان في الأَصل تاجرًا ولم يزل يتكسّب؛ وكان كثير المال. وكان [هو] مِمَّنْ أَعان علمَ الدين البلقيني على ولاية القضاء وصرْف ولىّ الدين العراقي، لأَن العَلَمَ كان تتلمذ له والعراقى كان يتمشيخ عليه، فأَحبّ أَن يكون رفيقُه مَن يعترف له دون مَن يتعاظم عليه، فأَعان على ذلك بقلبه وقالبه فانعكس الأَمر وندم بعد أَنْ تورّط، وصار يبالغ في الذم في العلَم، ووقفتُ له على خطّة بفُتْيا كتبها في حقهِ بالغ فيها في الحطّ عليه، ثم عوقب بأَن أصيب بولده قبل إكمال الحول من عَزْل العراق، ثم أصيب بنفسه وكذا صنع الله بابن الكُوَيْز فإنه كان الأَصل الكبيَر في هذه الكائنة فلم ينتفع بنفسه بعدها إلَّا قليلًا واستمر موعوكًا ستةَ أشهر إلى أن مات عقب موت العراقى بشهر واحد، ومجتمع الكل عند الله تعالى. وقد ذكرت في حوادث (١) سنة سبع وعشرين ما اتَّفق له من العزم على الحج ثم تركهِ ذلك ووقوعه من السُّلَّم وتوعكه، فلما أَهلت السنة انتكس وثار به القولنج الصفراوي، فيقال إنه دُسّ عليه السم فمات منه بعد أن حصل له الصرع قدْر شهرٍ وذلك في العشرين من صفر - وأَرّخه (٢) بعضهم المحرم - وقد قارب السبعين؛ واستقر في قضاء الحنابلة بعده محب الدين أحمد بن الشيخ نصر الله التسترى ثم البغدادي، وخُلع عليه في الرابع والعشرين من صفر. ١٣ - فرحة، بنتي، ماتت فى يوم الاربعاء تاسع شهر ربيع الآخر، وكانت حجت في العام الماضي مع زوجها الشيخ محب الدين بن الأشقر فرجعت موعوكةً إلى أَن ماتت عن ثلاثٍ (٣) وعشرين سنة وتسعة أَشهر، عوَّضها الله الجنَّة.

стр. 1457

١٤ - فضل الله بن نصر الله بن أَحمد، التستري (١) الأَصل، ثم البغدادي الحنبلي أَخو قاضي الحنابلة محبّ (٢) الدين، كان قد خرج من بلاده مع أَبيه وإخوته، وطاف هو البلاد ودخل اليمن ثم الهند ثم الحبشة وأَقام بها دهرًا طويلًا، ثم رجع إلى مكَّة فأقام بها مجاورًا قليلًا، ثم صحب بها الأَمير يشْبك (٣) الساقى الأَعرج، وكان المؤيد نفاه إلى مكة فجاور بها صحبته، ثم لما رجع يَشْبك إلى القاهرة وتأَمّر حضر فَضْلُ الله إلى القاهرة فأَكرمه، واتَّفق موت الشيخ شمس الدين الحَبَتى فشغرت عنه مشيخة الخرّوبيّة فقُرِّر فيها فضل الله المذكور بعناية يَشْبك المذكور بعد أَن كان تقرّر فيها غيره، فاستمر بها إلى أن مات في شهر ربيع الأول، وهو ابن ستين سنة أو جاوزها. ١٥ - محمد بن أحمد بن أَحمد بن عبد العزيز اللَّخمى النَّسْتَرَاوي (٤)، شمس الدين بن أخى القاضي كريم الدين ناظر الجيش، وُلد سنة سبعين تقريبًا، وباشر الديوان مدّةً إلى أن ولى عمه نظر الجيش فباشر قليلًا، ثم ترك، ذلك وتزهد ولبس الصوف، وسمع معنا على كثير من مشايخنا، وكان يحبّ أهل الخير وينفر غاية النفرة ممن يتزوكر، وأقام على قدم التصوّف سبعًا وثلاثين سنة مع صحة العقيدة وجودة المعرفة والصّبر على قلة ذات اليد، ومات ليلة الجمعة ثانى عشر رمضان. ١٦ - محمد (٥) بن أحمد بن بن عمر بن يوسف بن عبد الله بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن أَبي بكر التنوّخي الحموي الشهير بابن العطَّار، الأَمير ناصر الدين والد الشهابي

стр. 1458

أَحمد (١). ولد في سنة ٧٧٤ بحماة ونشأ بها وتولى حجوبيتها، ثم انتقل لدمشق فعمل دوادار نائبها قَانِباي، واستقدمه ناصر الدين بن البارزي معه إلى مصر ونوه بذكره لمصاهرةٍ بينهما فولَّاه المويّد نيابة الإسكندرية، ثم عُزل في أَيام ططر إلى أَن استقرّ في نظر القدس والخليل في أَيّام الأَشرف إلى أَن مات في ثالث عشر شوّال. ١٧ - محمد (٢) بن أَحمد بن محمد بن أَحمد بن جعفر بن قاسم العثماني الحريري، شمس الدين أَلْبِيِرى أَخو جمال الدين الأُستادار، وُلد في حدود الخمسين (٣)، وتفقَّه على أَبى البركات الأَنصاري، وسمع من أَبي عبد الله بن جابر وأَبي جعفر الغرناطي نزيلي أَلبيرة بحلب وقرأَ عليهما، وتفقَّه وولى قضاء البيرة مدةً ثم قضاء حلب سنة ستٍّ وثمانمائة، تم تحول إلى القاهرة في دولة أَخيه بعد أَن عزله جكم لما غَلب على حلب فتوجّه إلى مكَّة فجاور بها، ثم قدم (٤) فعظم قدرُه وعُيِّن للقضاء، ثم ولى مشيخة البيبرسية بعد الشريف النَّسابة، ثم درّس بالمدرسة المجاورة للشافعي بعد جلال الدين بن أَبي البقاء، ثم انْتُزِعَتَا منه بعد كائنةِ أَخيه، ثم أُعيدت إليه البيبرسيّة في سنة ست عشرة وصُرِف عنها بكاتبه (٥) في سنة ١٨، ثم قُرر في مشيخة سعيد السعداء بعد موت البَلَاليّ سنة عشرين، وكان قد ولى خطابة بيت المقدس ومات في سحر يوم الجمعة (٦) ٢٤ ذى الحجة واستقر بعده في المشيخة الصّلاحية شهاب الدين أَحْمد ابن المحمّرة (٧) الذي كان بها مخبزيًّا قبل ذلك ثم ارتقى منها إلى ولاية القضاء بدمشق ثم عاد إلى المشيخة بالقاهرة، ثم نقل منها إلى مشيخة الصّلاحية ببيت المقدس (٨).

стр. 1459

١٨ - محمد (١) بن القاضي شهاب الدين أَحمد، الدِّفْري المالكي، شمس الدين، وُلد سنة بضعٍ وستين، وتفقَّه على مذهب المالكي وأَحبَّ الحديث وسمعه، وطاف على الشيوخ فسمع معنا كثيرًا من المشايخ، وكان حسنَ المذاكرة جيَّد الاستحضار، ودرس بالنَّاصرية الحسينيّة وغيرها، وكان قليل الحظ. مات في العشرين من جمادى الأولى. ١٩ - محمد بن إسماعيل بن محمد بن محمد بن هانئ اللخمي المالكي، القاضي ناصر الدين بن القاضى سرى الدين أبي الوليد قاضي حلب ثم طرابلس، وُلد سنةَ نيّفٍ وأَربعين، واشتغل قليلًا وناب عن أَبيه فعابوا على أَبيه ذلك، ثم ولى قضاء حماة ثم حلب في سنة ستّ عشرة فساءت سيرتهُ جدًّا، ثم صرفه المؤيّد إلى قضاء طرابلس سنة سبع عشرة فاستمر فيها عدة سنين. كتب عنه القاضي علاء الدين وذَكَره في تاريخ حلب فقال: "كتبْتُ عنه بطرابلس لمّا وُليت قضاءها، وكان هو قاضي المالكية بها". وكان ظريفًا كريمًا حسنًا جوادًا حسنَ الأَخلاق، مات في أَوائل السنة بطرابلس. ٢٠ - محمد بن أبي بكر بن عمر بن أبى بكر بن محمد بن سليمان بن جعفر المخزومى المالكي المعروف بابن الدَّمَامِيني، بدرُ الدين الإسكندرانى، وُلد (٢) سنة ثلاثٍ وستين وسبعمائة وتفقَّه بالإسكندرية، وتعانى الآداب ففاق في النظم والنثر والخطّ ومعرفةِ الشُّروط، واستناب في الحكم عن ابن النَّنَسى، ودرّس بعدة مدارس، ثم قدم معه (٣) القاهرة وناب في الحكم أيضا، وتقدم ومهر واشتهر ذكره، ثم تحوّل إلى الإسكندرية واستمرّ بها ينوب في الحكم ويشتغل في العلم ويتكسّب من التِّجارة، ثم حصلت له محنةٌ فقدم القاهرة وعُيّن للقضاء معه في ذلك [ناصر الدين] بن البارزى فلم يقدّر فتوجّه إلى الحج، ثم دخل اليمن فلم يحْصُل له إقبال، فدخل الهندَ فحصل له إقبالٌ عظيم وأَقبل عليه الناس وأَخذوا عنه

стр. 1460

وعظَّموه، وحَصَل له مالٌ له صورة، فاتَّفق أَنْ بغتَه الأَجل فمات هناك في شعبان من هذه السنة عن نحو سبعين سنة (١)، ومن نظمه: قُلْتُ له والدُّجَى مُوَلٍ … وَنَحْنُ بالأُنْسِ في التلاق قد عَطَس الصبح ياحبيبي … فلا تشمته بالفِراقِ ٢١ - محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن المحبّ عبد الله بن أَحمد بن محمد المقدسى الصالحي شمس الدين، وُلد في شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة، وأَحضره أَبوه عند أحمد (٢) بن عبد الرحمن المَرْدَاوى وأَسْمعه على ابن قَيِّم الضبائية وأَحمد ابن الجوخى وعمر بن أميلة وست العرب وآخرين. وحدّث، وشرع في شرح "البخارى" ثم تركه بعد مسودّة، وله نظمٌ ضعيف، وكان يقرأ "الصحيحين" على العامة. أَجاز لَأولادى غير مرة ومات بطيبة المكرّمة في هذه السنة، وكان يذكر عن نفسه أنه رأى منامًا من نحو عشرين سنة يدلُّ علي أنه يموت بالمدينة وسمعوه منه قبل أَن يخرج إلى هذ السفرة للحجّ، فاتفقت وفاته بالمدينة في رمضان من هذه السنة؛ وهو بقية البيت من آل المحبّ بالصّالحية. ٢٢ - محمد الحمويّ النحوىّ المعروف بابن العيّار، شمس الدين، كان في أَول أَمره حائكًا ثم تعانى الاشتغال فمهر في العربيّة وأَخذ عن ابن جابر وغيره، ثم سكن دمشق ورُتِّب له على الجامع تصديرٌ بعناية ابن البارزي، وكان حسنَ المحاضرة ولم يكن محمودًا

стр. 1461

في تعاطى الشهادات. مات في ذي القعدة وأَخذ عن الشيخ شمس الدين الَهبْتى (١) نزيل حماة، وبه (٢) تخرّج كثير. ومن مستحسن نظْمه مامَدح به القاضي برهانَ الدين بن جماعة: إنْ كَانَ لِلْمَوْلى نَدًى فَلَأَنْتَ يا … قَاضِي القُضَاةِ عَطَاءُكَ الطُّوفَانُ أَوْ كَانَ سِرٌّ للإلهِ بخَلْقِهِ … قَسَمًا لَأَنْتَ السِّرُّ والبُرْهانُ [قال] فقال [لى]: "ياشيخ: عَلَى أَىّ شئٍ سَكَّنْتَ ياء القاضي؟ " قال، فقلتُ: سكَّنْتُها على حدّ قوْل الشاعر: وَلَو أنَّ وَاشٍ باليَمامَةِ دَارُهُ … وَدارِى (٣) بِأَعْلَا حَضْر موْتَ اهْتَدى لَهَا قال: فقال لي: أَحسنت، وأَجازني جائزةً حسنة" نقلْتُه من خطِّ الإِمام جمال الدين بن السابق (٤)، نفع الله به.

стр. 1462

سنة تسع وعشرين وثمانمائة في حادى عشر المحرم صُرف بدرُ الدين العينتابي من الحسبة، واستقرّ فيها إيْنَال الشَّشْمَاني وكان أمير عشرة، وسعرُ القمح يومئذ: مائتان وخمسون، والشعيرِ والفول جميعا كلُّ إردبٍ بثلاثمائة، أَزْيد من سعر القمح، وعَزَّ اللحمُ حتى بيع البقرى بتسعةٍ كلُّ رطل، وبيع المطبوخ من الضَّاني بعشرين؛ وكان سعرُ البندقيِ كل مشخَّصٍ بمائتين وخمسة وعشرين، ثم كثر اللَّحم بعد ولاية الششمانى، ثم تزايد القمح إلى أربعمائة إلى أن دخل جمادى الأولى فانحلَّ السعر إلى مائةٍ ومائتين. وفي المحرم قدم حسن بن عجلان من مكة بوساطة (١) ناظر الجيش وقام معه أُعيد إلى إمرة مكة، وأمر بإعادة الجيش الذين أُقيموا بمكَّة لحفظها من حسن، وصُرف علىُّ بنُ عنان من إمرة مكة، وبذَل حسن مالًا كثيرًا اقترضه من التُّجار بالقاهرة وكتب تقليدُه وأَرسله إلى مكة، وأَقام هو لإحضار ما وَعد به. * * * وفي مستهل صفر أَمرَ السلطانُ القضاةَ أَن يُلْزِموا العوامَّ بالصلاة فاجتمعوا في ثانِيهْ بالصّالحية ومعهم المحتسب ونائب الوالى وكتبوا ورقةٌ لتُقْرَأَ على الناس، وتولّى قراءتها بعضُ نواب الحكم من باب النصر إلى جامع طولون في الشارع الأَعظم. وفي خامس عشر صفر عُقد مجلسٌ بالقضاة وبياضِ الناس، وشاور الناسُ القضاة في إبطال المعاملة بالدّنانير البندقية المشخَّصية فاستحسنوا (٢) ذلك وضُربت الإفلوريةُ أَشرفيةً، ونودى بمنع. المعاملة بالبندقية، فظن الناس أَن المعاملة بالدراهم البندقية تبطل فنودى بإبقائها

стр. 1463

وفى يوم الخميس السابع من ربيع الأول عُمل المولد النبوى وابتدءوا به مِن بعد الخدمة، ومُدَّ السماط بعد صلاة العصر وفرغ بين العشاءين، وكانت العادة أَن يُبْدَأُ به بعد الظهر ويُمَدّ السماط المغرب ويفرغ عند ثلث الليل. وفى السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر صُرف القاضي زين الدين التفهني عن قضاء الحنفية وقُرّر في مشيخة الشيخونية عوضًا عن الشيخ سراج الدين قارئ الهداية بحكم وفاته، وكان السّراج، لما مات سعى جماعةٌ في المشيخة فأَمر السلطان بجمعهم فاجتمعوا، وتعصّب جماعةٌ من أَهل الشيخونية للتَّفهنى فقرّره السلطان فيها ففرح بذلك ظنا منه أنه يضمها إليه مع القضاء، فلما لبس الخلعة بها أُحضر العينتابي وأُلبِسْ الخلعة بولاية القضاء، فسَقط من يد التفهنى، وندم حيث لا يَنفع الندم ونزل إلى الشيخونية كئيبًا، ورجع أَكثر الناس مع العينتابي إلى الصّالحية ثم إلى منزله. وفي رابع عشرى ربيع الآخر صُرف الشيخ علاء الدين الرومى عن مشيخةِ الأَشرفية وقُرِّر عوضه الشيخُ كمالُ الدين بن الهُمَام، ولم يكن له في ذلك سعىٌ وإنما كان تَقرّر درسُه بقبّة الصالح، فطُلب إلى القلعة وأُلبس الخلعة، وكان سبب عزل علاء الدين أَن شخصًا من الصوفية مات وخَلَّف مالًا جزيلا فاحتاط عليه ونُقل عنه أُمورٌ فاحشة، فغضب السلطان وأَمر بإخراجه وعزْله منها وتقرير كمال الدين. * * * وفي ربيع الآخر كبست الحارة الجُودَرِيَّة في التَّفتيش على جَانِبِك الصوفى، والسبب فيه أن كِتاب نائبِ الشام ورد وفيه أَنه مختفٍ عند شخص جندى فلم يوجد، فأمر أَهلها بإخلائها وحرقها فرحلوا، وتُتبعت آثارُ جَانِبِكْ فلم يوقف له على أثر. * * * وفي الثالث عشرى من جمادى الآخرة صُرف القاضي محب الدين أَحمد بن نصر الله عن قضاء الحنابلة واستقر عز الدين عبد العزيز بن على بن أبي العز المقدسي الذي كان ولى قضاء الشام ودرّس بالمؤيدية، وكان قبل ذلك قديمًا ولى قضاء بيت المقدس، ثم فر

стр. 1464

من الشام لكائنةٍ وقعت له مع الباعونى فوصل إلى بغداد وولى القضاء بها، وكان ربما افتخر فقال: "وُلِّيت قضاء الشام والعراق ومصر ولم يقع ذلك لأَحدٍ من أَقرانى". وفى أَول يوم من رجب أُدير المحمل ولم تجر العادة بذلك بل كان يدار في النِّصف أَو قبله أَو بعده بقليل. * * * ذكر غزوة قبرص الكبرى بلغ الملكَ الأَشرف أنَّ جانوس ويقال جينوس بن جاك بن نيروين بن أنطون بن جينوس صاحب قبرص وكان قد ملكها من سنة ثمانمائة، راسلَ ملوك الفرنج يستنصر بهم على المصرييّن ويشكو ما جرى على بلاده، فأرسل كل منهم له نجدةً، وأَرسل ملكُ الكتلان ابنَ أَخيه بمراكبَ وفرسان، وجَدَّ جانوس في عمارة المراكب والقراقير وعزم على قصد الاسكندرية تأَسيًا بوالده في زمن الأَشرف شعبان بن حسين، فإنه هو الذي كان طرقها في آخر سنة ستٍّ وستين وسبعمائة، ودخلها عنوةً في أواخر المحرم وأَوائل صفر سنة سبعٍ وانتهبها وأَسر منها خلائق والقصة مشهورة، فأَمر السلطان - لما بلغه ذلك - بعمارة الأَغربة والحَمَّالات وجَدَّ في ذلك وبذَل الأَموال، فلما تكاملت العمارةُ انحدرت إلى فُوَّة، ويقال إنه بلغت عدة العمارة مائة قطعةٍ وزيادة، وندب السلطان إينال الَجكَمى وتَغْرِى بردى المحمودي وغيرهما من الأُمراء الكبار والصغار للغزاة، وأَن يكون إينَال علَى مَن فى البحر والآخر علَى مَن في البر، وأَن لا يعارض أحدُهما الآخر، وكان معهما من الأُمراء مراد خجا وإياس ويَشْبُك الشَّاد وإينال الأَجرودى (١) وسودون اللَّكَّاش وجَانَم المحمدّى وغيرهم، وتلاقت المراكب من الإسكندرية مع المراكب المصرية بثغر رشيد في رجب، فاتفق أَنَّ الريح هاجت في بعض الليالي فكسرت أَربع حمالات ومات فيها مائةُ فرسٍ وتسعةُ أَنفس، وبلغ السلطانَ ذلك وتطَيَّر جماعةٌ من الأُمراء وثَبَتَ هو ولم يتطيّر، وقال له كاتب السرّ - وهو يومئذ بدر الدين بن مزهر -

стр. 1465

"يامولانا السلطان إن كان في أَوله كسر يكون في آخره جبر! "، ولما بلغ قراقر الاسكندرية ما جرى على الحَمّالات رجع أَميُرهم فأَقام بها تحت العساكر، فلما كان مستهلّ شعبان هجم عليهم غراب وقرقورتان مملوّة من المقاتلة جهزها صاحب قبرص ليأْخذوا مَن يجدونه بساحل الإسكندرية لِعلْمِه بمسير القَراقر الخمس إلى جهته بإعلامِ مَنْ بالبلاد من الفرنج له، فدخلوا وهم يظنُّون أَن الخمس قراقر في رشيد فواجهوهم فأَوسعوهم رَميًا بالنشاب إلى أَن هزموهم، فاتفق أَنهم خرجوا مقلعين فوافتَهْم أَغربة أَرسلها إليهم مَن برشيد مِن الجند فلم يزل الجند مجتمعين والمراكب توافيهم من كل جهة إلى الرابع والعشرين من شعبان. فساروا مقلعين حتى وصلوا إلى اللَّمْسون، فوجدوا الحصن الذي كانوا أَحرقوه قد عُمِّر وشحن بالمقاتلة، فأحاطوا به في السابع والعشرين، وصعد يشبك قَرْقَش وهو من الفرسان المعدودين وقد ولى أَمْرَ الركب الأَول في الحج بعد ذلك في سنة أربع وأربعين، فصعد هو ومن معه على سُلَّم من الخشب وتبعهم خلقٌ كثير، فهرب الفرنج الذين في الحصن بعد أَن كانوا أَوقدوا قدور الزِّفت تغلى نارًا ليصبّوها على مَن يصعد إليهم من المسلمين، فهزمهم الله تعالى وملكوا البرج الأَول، وأحاط بعض المسلمين بالاسكنية، وهي قرية من قبرص خارجة عن حكم جانوس نظير الماغوصة وهي مع البنادقة، فطلبوا من المسلمين الأَمان فأَمنوهم، فحملوا إليهم الهدايا والضيافات، فسأَلوهم عن جانوس فقالوا: "إنه مستعد في خمسة آلاف فارس وسبعة آلاف راجل"، فراسلوه بأَن يدخل تحت الطاعة ليؤمّنوه على نفسه وجنده وبلده وإلَّا مشوا إليه وخرّبوا قصره وأَسروه وقتلوه، فلما بلغته الرسائل أَخذته حمية الجاهلية فقتل الرسول وأَحرقه، فبلغ المسلمين الخبُر في مستهل رمضان فاقتسموا قسمين: النصف مع المحمودي في البر، والنصف مع الجَكَمِي في البحر، فلم يزل أَهل البرّ سائرين حتى وصلوا موضع الكنيسة فوجدوها خرابًا والبئر الذى بها قد هُدم، فحفروا حوله فظهر الماء فشربوا بعد أَن كانوا عطشوا، ثم ساروا فى جبالٍ وتلالٍ وهم صُوَّامٌ والحرُّ شديد فنزلوا للقائلة فى ظلال الشجر، وإذا بصارخ يصرخ: "جاءكم العدوّ" فساروا وركبوا، وحصلت رجفة عظيمة. وكان جانوس - لما قَتل الرسولَ - ركب في عساكره بعد أن عرضهم وجَهَّز قَرَاقِرهُ في البحر للإحاطة بمَن في البحر من المسلمين.

стр. 1466

فلما تراءى الجمعان انحاز إلى بساتين هناك وجعل بيْنه وبين المسلمين نهرًا، ثم تقدم نحو الخمس مائة من المقاتلة فبرز لهم من المسلمين خمسة (١) هم: تغرى بردى الخَزِنْدار وقَطْلُوبُغَا والمُصارع وعلان فبادروا للأَبراج، فلحق بهم ابن القَاق مقدم العشير ومعه نحو الثلاثين فتنادوا: "ياوجوهَ العرب ويا آل جركس: إن أبواب الجنان فُتِحت، إنْ مِتُّم كنتم شهداء، وإنْ عشتم عشتم سعداء، بيّضوا وجوهكم، وأَخلصوا العمل لله!! " فحملوا عليه حملة واحدة فنصرهم الله تعالى، وقاتل يومئذ قَطْلُوبُغا قتالا شديدا فعَثر به جواده فقام عنه وقاتل راجلًا إلى أن قُتل، فلما رأى جانوس أن عسكره في إدبار وقد استظهر عليهم أهل الإسلام رَكن إلى الهرب؛ ثم إن عسكره خالفوه وحملوا، فصبر لهم المسلمون واشتدّ الأَمر، فاتفق أَن جانوس وقع عن فرسه فنزل أَصحابُه فأَركبوه فوقع ثانيًا فأَركبوه، فكبا به الفرس فدهشوا وذهلوا عنه، وانكسر عسكره وولوا الإدبار، فرآه بعض الترك فأراد قتله فصاح: "أنَا الملك! " فأَسروه. واستمر المسلمون خلف الفرنج فأوسقوهم نَبلا فلم يزالوا كذلك إلى أَن غربت الشمس، وقيل إن جملة من قُتل منهم في ذلك اليوم ستة آلاف. ثم رجع المسلمون فنزلوا على الماء وباتوا على أهبة، فلما أصبحوا توجّه يشبك الشَّاد ومَن معه إلى جبل الصليب فخرّبه وما حوله مِن الدّيارات، وأَحضروا الصليب الذي كان به وكانوا يعظمونه حتى إنهم يسمونه صليب الصُّلبان، ثم سار المحمودي بالعسكر إلى جهة الملَّاحة، وتوجّه بعض العسكر إلى مَن بالمراكب فأَعلموهم بما وقع من المسلمين، وأَن صاحب قبرص مقيدٌ، وأَن أَخاه قتل، وأَن ابن أَخي صاحب الكتلان الذي جاء نجدةً له مقيد، ثم وصل العسكر وكان ثاني شهر رمضان. فلما كان يوم الخميس خامسه ساروا إلى الأَقْفَهْسِية وهى كرسى المملكة، فلما رأى الفرنج الذين في القراقر خُلُوَّ البحر من الجند حطموا على مراكب المسلمين، فأَمر الجكمي مَن بقى عنده بمدافعتهم وأَرسل إلى المحمودي يُعْلِمه، فأَعاد عليه أَكثر العساكر وتأَخر معه طائفة، فلما رجعوا وجدوهم في وسط القتال، فأَعلنوا بالتكبير فأَجابهم مَن في البحر، وتبادروا إلى طلوع المراكب، ومشوا على مراكب الفرنج، فاشتد القتال إلى أَن دخل الليل، فحجز بينهم فلما طَلع الفجر بَعُدت مراكب الفرنج من المسلمين، فلما هربوا تفطن

стр. 1467

الجكمي فلم يجد الريح تساعدهم، فتبعهم إياس الجلالي فقطع مركبًا ووقع القتال بينهم وكان بالمركب ثلاثمائة مقاتل غير الأتباع، فرمى عليهم بالسهام الخطَّابية حتى ما بقى أَحد منهم يجسر يُخْرِج رأْسَه، فطلع المسلمون وملكوها وقتلوا أكثر من بها، واستمرت بقيةُ المراكب هاربةً في البحر حتى غابوا عن الأَعين وكفى الله المؤمنين القتال بهزيمة مَن في البحر من الفرنج. وكان سبب ثباتهم في القتال أَنهم لم يعلموا بما اتفق لملكهم من الأَسر ولعسكره من الهزيمة، واستمر المحمودى حتى دخل المدينة هو ومن معه وذلك في يوم الجمعة خامس شهر رمضان فخشى من مع المحمودي على أنفسهم لقِلَّتهم، فشجّعهم المحمُودي ثم دخل القصر فوجد به من الأَمتعة مالا يُحصر، فأَقاموا بها صلاة الجمعة وأَذَّنوا على صوامع الكنائس،، ثم خرجوا يوم السبت ومعهم الغنائم الكثيرة والأَسرى، فلما وصلوا إلى المراكب اجتمعوا وحصروا عدد الأسرى فكانوا ثلاثة آلاف وسبعمائة نفسٍ، واختَلَف رأيهم في الإقامة والمطالعة بما وقع من الفتح وانتظار وصول الرسول بالجواب أو التوجّه بالأَسرى والغنائم، والعود إذا أراد السلطان مرةً أخرى لاستئصال بقية الفرنج والاستيلاء على بقية الغنائم، فغلب الرأي الثاني، وصَحِبَتْهم الغنائم والأَسرى ومن جملتهم عظيمهم وهو مقيدّ، فلما وصلوا إلى ساحل بولاق ركب صاحب قبرص وولده وابن أَخى صاحب الكتلان على بغالٍ عُرْج، وأَعلامه منكَّسة أَمامه، وحُملت الغنائم والأَسرى على الجمال والبغال، وشقُّوا المدينة، وكان ذلك في يوم الاثنين ثامن شوال ومعه الأُمراء والجند، ولم يبق بالقاهرة ومصر وضواحيها كبير أَحدٍ إلَّا حضر الفرجة حتى سدّوا الأُفق، وكان أَول الحمالين باب المدرج وآخرهم بولاق، فلما وصلوا به إلى القلعة كَشف رأسه وكبَّ على وجهه عند الباب حتى قبَّل الأَرض، ثم أُحضر بين يدى السلطان فقَبَّل الأَرض مرارًا وسقط مغشيًا عليه، فلما أفاق ردّوه إلى مكانٍ أعدّوه له. وكانت صورة دخولهم أنهم ترتبوا من الميدان الكبير ثم أدخلوهم من باب القنطرة فشقوا القاهرة، واجتمع أهلُ البلد حتى لم يتخلف كبيرُ أَحد، فكان أمرًا مهولا من كثرة الخلق، وجاز الأُمراء ثم الأَسرى ثم الغنائم وتاج الملك وأَعلامه منكسة وهو راكب

стр. 1468

على بغلةٍ مقيد، فلما وصل إلى المدرج باس الأَرض ومشى في قَيْدِه إلى أن وقف قُدّام السلطان بالمقعد. وحضر ذلك أَميُر مكة، ورُسُل ابنِ عثمان، ورُسُل ملك تونس، ورُسل أَمير التركمان، ورُسُل ابنِ نعير، وكثيرٌ من قصاد أُمراء الشام، وكان اتفاق حضورهم من المستغرب. فلما رآى السلطانَ عفَّر وجهه فى التراب بعد أَن كشفه،، وخلع السلطان على الأُمراء، ثم قُرِّر عليه مائتا أَلف دينار يحمل منها - وهو بمصر - النصف، ويُرْسِل النصف إذا رجع، وأُلْزِم بحمل عشرين أَلفَ دينارٍ كلَّ سنة، ثم أُفرِج عنه بعد أَن حمل ما قُرِّر عليه معجّلا، وتوجّه فأَرسل شيئا بعد شئ إلى أَن أَكمل ما أَرسله خمسة وسبعين أَلف دينار، وقُدِّرت وفاته عقب ذلك؛ ويقال إنه كان فَهْمًا عاقلا عارفا بنظم الشعر بلسانه ويعربه بالترجمان، فأملى على بعض مَن معه هذه الأَبيات: يا مَالِكًا مُلْكَ الوَرَى بحُسَامِهِ … اُنظُرْ إلىَّ برحْمَةٍ وتعطُّفِ وارْحَمْ عَزِيزًا ذلًّ وامْنُنْ بالذِي … أَعْطَاك هذَا المُلْكُ والنَّصْر الوَفي إنْ لم تُؤَمِّنِّى وَتَرَحَمْ عَبْرَتى … فبِمَنْ أَلوُذُ وَمَنْ سِواكُمْ لِي يَفي؟ فلما قُرئت على السّلطان وعرَف معناها رقَّ له وقال: "عفْوتُ عنه"، وتقرر الحال معه بعد ذلك أَن يكون نائبا عن السلطان في قبرص وما معها، وأن يُقَرّر عليه لبيت المال في كل سنة بأَلفى ثوب صوف ملونة، قيمتها قريبٌ من عشرين أَلف دينار، وأَن يُعجِّل بسبعين أَلفَ دينارٍ خارجا عن الذى يحتاج إليه للحاشية، فأُلبس تشريفًا ومركوبا، وعَذَبَة، وتوجه المسفَّر صحبته إلى الإسكندرية يومئذ، وطلب جميع التجار من الفرنج المقيمين بها فأَقرضوه المبلغ جميعه، فعجّل به قبل أن يصل إلى بلاده. وكان أَمير الإسكندرية آقْبُغَا التَّمْرَازى فأَمر بعرض جميع مَن بها من الجند، فكانت عدتَهم ألفين وخمسمائة نفس (١)، واجتمع من الرّعية ما لا يحصى عددهم فاصطفُّوا له سماطين على طريقه، فلما رآى كثرتهم قال: "والله إنَّ كل مَن في بلاد الفرنج ما يقاوم أهل

стр. 1469

الإسكندرية وحدهم! "، وقد تقدم أَن أَباه رين (١) بطرس هو الذي كان هجم على الإسكندرية في سلطنة الأشرف شعبان بن حسين، فقدَّر الله تعالى أن ولده جانوس يدخلها في صورة الأَسر في سلطنة الأَشرف برسباي، ولله الحمد على جزيل هذه النعمة. وكان رتب له من الرواتب ما يَقُوم بكفايته وكفاية مَن يخدمه، وكان من أَمْره ما سأَذكره إن شاء الله تعالى في السنة الآتية، وفرح المؤمنون بنصر الله تعالى، وكان ذلك على غير القياس، فإنَّ الجند الذين توجّهوا إلى قبرص لم يكن لهم عادةٌ بركوب البحر ولا بالقتال فيه، فمَنَّ الله على المسلمين بلطفه ونَصَرَهم، ولو كانت الأُخرى لطمع الفرنج في بلاد المسلمين خصوصا السواحل. وطار خبر هذه الغزوة إلى الآفاق، وعظُم بها قدرُ سلطان مصر ولله الحمد، وأَنشد الأديب زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن الخراط موقِّع الدست بالقلعة قصيدة فائِيَّةً أَوّلها: بُشْراك يا مَلِكَ المُلُوك (٢) الأَشْرفى … بفتح قُبْرَص بالحُسَام المَشْرَفِي فتحٌ بشَهْرِ الصَّوْم تم قِتَالُه … مِن أَشْرفٍ في أَشْرَفٍ في أَشرفى أَحْيَى الجهَادَ وكان قَبْلُ على شَفا … مِنْ تَركِهِ وبسَيْفه المَاحِي شُفِي قالَتْ: وما تلْكَ الدِّيَارُ وقد عَفَا … إِنْجِيلُهَا، أَهلًا بِأَهْلِ المُصْحَفِ وهي طويلة يقول في آخرها: لم تخلف الأَيَّامُ مثْلَكَ فاتِكًا … مَلِكًا ومِثْليِ شاعِرًا لم تَخْلفِ فيكَ التَّقى والعَدْل والإحسان فيِ … كلِّ الرعية والوفا، والفَضْلُ فِي وبيع السّبي والغنائم، وحُمل الثمن إلى الخزانة السّلطانية وفُرق في الذين جاهدوا

стр. 1470

مِنْه بعضُه بعْد أَن كان السلطان همَّ أَن يقسم الغنيمة بالفريضة الشرعية، ثم انثنى عزمه عن ذلك. * * * وفي ثالث شعبان ابتُدِئ بقراءة الحديث بالقلعة، وبدأَ القارئ فقرأ في "صحيح مسلم" وأَمر السلطان بإحضار القضاة المنفصلين فجلسوا عن يسار السّلطان، وجلس كاتبُه عن يمينه وبجانبه العينتابي ثم المالكي ثم عبد العزيز الحنبلي؛ وجلس المشايخ يمنةً ويسرة وهم يزيدون على العشرة ووقعت فوائد ومباحث، وظهرت مقادير أقوام انحطاطا وارتفاعًا، فلما كان يوم الختم خُلع على القضاة التَّشاريف على العادة لكنهم كانوا سبعة،، وخُلع على المشايخ - بِسَعْى العيني - فراجىُّ صوف بسنجاب وفرجِيَّتُه هو بسمور، وهى أَول سَنَة خُلع فيها على المشايخ، وكانوا نحو عشرة. وفى النصف من ذى القعدة وصل نجم الدين بن حجى الذي كان كاتبَ السر ونُفِي في السّنة الماضية، فلم يزل يسعى ويكاتب ويبذل المال إلى أَن أُجيب، وأُذن له بالمجيء إلى القاهرة بعنايةِ من كان السبب في صرْفه وهو جَانِبِكْ الدويدار، فلما استقر بالقاهرة سعى في قضاء الدّيار المصرية فأجيب سؤاله، واستَدْعى بديوانِ خطبٍ فحفظ منه خطبةَ عيدِ النحر ظنًّا منه أَنه ربما أَفضت إليه الولاية عاجلًا فاحتاج إلى أَن يخطب يوم العيد، وأَمر بخياطة ملابس القضاء من فوقانية ونسج عذبة وغير ذلك، وفى غضون ذلك وصل الشريف شهاب الدين نقيب الأَشراف الحسنى الذى كان ولى القضاء عوضا عنه. كما استقر في كتابة السر ومعه من الهدايا والتحف مالا يوصف كثرةً، وذلك في أَواخر ذى الحجة، فأَهدى للسلطان وبقيةِ الكبارِ هدايًا جليلةً حتى لم يَدَع من يشاء الله من الرؤساء حتى أَهدى له، فقلَّب الله القلوب. وقُرر ابنُ حِجّي في قضاء الشام وأُمر بَأن يرجع الشَّريف بطَّالا، فتوجّها إلى الشام في السنة المقبلة. * * *

стр. 1471

وفيها في ذي القعدة بلغ عجلان بن ثابت بن هبة الحسنى أَمير المدينة أَن السلطان عَزله وولَّى ابنَ عمه حسن بن جماز بن هبة، فقَبض على الخدّام والقضاة ونَهب المدينة، فلما وصل خشرم مع أَمير الحج الشَّامي وَجد عجلانَ أَخلى المدينة فأَقام خشرم، وتوجّه الركب الشامي إلى مكة فعاد عجلان فأمسك خشرم وخرّب بيوتًا كثيرة وأحرق بيوتًا وسَلِم منه بيوت الرافضة؛ وكان قد أَقام من الرافضة قاضيًا اسمه "الصَّيْقَل" وكان يُرسِل إليه غالب الأَحكام، وخلا أَهل المدينة إلا الرافضة وإلَّا القاضي الشافعي فإنه كان اسْتَنْزل شخصًا من أَقارب خشرم يقال له مانع فأَجاره. وفيها استقر مقبل الرومي في نيابة صَفد عوضا عن إينال الخزندار بحكم مخامرته هو وأَخوه وكان يومئذ نائبَ القلعة فاتفقا فتحيّل مقبل عليهما حتى قبض عليهما فقتلا. وفيها خرجت العساكر إلى هابيل (١) بن قَرايُلُك بمدينة الرُّها فغلبوا عليها وانتهبوها وأَسروا هابيل وأَحضروه إلى القاهرة فسُجن بالقلعة حتى مات بالطاعون الكائن في سنة ثلاثٍ وثلاثين وثمانمائة. وفيها جَهَّز السلطانُ بَرَسْبُغا إلى ينبع، وقُرْقُمَاس الشعباني إلى مكة، فغلب بَرَسْبُغَا على صاحب ينبع وجهَّزه في الحديد إلى السّلطان، وأَقام قُرْقُمَاس بمكة فمهَّد البلاد وقطع أَكثر المفسدين * * * ذكر من مات فى سنة تسع وعشرين وثمانمائة من الأعيان ١ - أَحمد بن محمد بن مكنون، شهاب الدين المنَافى القَطَوى، وُلد بها (٢) سنة تسعٍ وسبعين، وأَبوه إذ ذاك الحاكم بها ونشأ نشأة حسنة، وحفظ "الحادى، واشتغل في

стр. 1472

الفرائض، ولازم الشيخ شمس الدين الغَرَّاقى (١) في ذلك، وكان يستحضر "الحاوى" وكثيرًا من شرحه، واشتغل في العربية قليلًا ثم ولى قضاء قَطَيَة بعد أَبيه، ثم ولى قضاء غزَّة بعناية القاضي ناصر الدين البارزى فى أَول الدولة المؤيّدية، ثم استقرّ في قضاء دِمياط مع بقاء قَطَيَة معه فاستناب فيها قريبَه زينَ الدين عبدَ الرحمن، واستمر في دمياط في غاية الإعزاز والإكرام، فلما انفصلت الدولة المؤيّدية تسلَّط عليه أُناسٌ بالشكاوى والتظلم؛ وكان كثيرَ الاحتمال حسنَ الأَخلاق، وصاهر عندى على ابنتي رابعة (٢) ودخل بها بكرًا بنت خمس عشرة سنة فولدت منه بنْتًا، ثم مات عنها فتزوجها الشيخ محبّ الدين الأَشقر فماتت عنده، عوَّضها الله الجنة. ومات ابن مكنون في شهر رمضان وكثر الأَسف عليه. ٢ - أبو بكر (٣) بن محمد بن عبد المؤمن بن الشيخ تقي الدين الحِصْنى (٤) ثم الدمشقي، الفقيه الشافعي، وُلد سنة ٧٤٢ وتفقَّه بالشَّريشي والزهرى وابن الجابي والصرْخدى والعزّى وابن غنوّم. وأَخذ عن الصَّدْر الياسوفى ثم انحرف عن طريقته، وحطَّ على ابن تيميّة وبالغ في ذلك وتلقَّى ذلك عنه الطلبة بدمشق وثارت بسبب ذلك فِتنٌ كثيرةٌ، وكان يميل إلى التقشُّف ويبالغ في الأَمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وللناس فيه اعتقادٌ زائد. ولخص "المهمات" في مجلَّد، وكتب على "التنبيه" شرحًا (٥) في خَمس مجلدات وكذا على "المنهاج"، وشرح "صحيح مسلم" في ثلاث مجلدات، ولخَّص "تخريج

стр. 1473

الإحياء" في مجلد، وشرح "الأربعين" في مجلد، وله "أَهوال القبور" في مجلَّد، و"سير نساء السلَّف العابدات" في مجلد، و"قواعد الفقه" في مجلَّدين، وتفسير آيات متفرقات في مجلد، و"تأديب القوم"، و"سير السالك على مضارّ المسالك"، في مجلد، وشرح "العامة" مجلد لطيف، و"شرح الهداية" كذلك "وقع النفوس" مجلد، و"دفع الشفقة" مجلد، وشرح "أسماء الله الحسنى" مجلد: هكذا ذكرها ابن قاضي شهبة ووَصَفه: "بالإمام العالم الرباني المتورّع الزاهد" ونَسبه حَسنِيًا وقال: "ثبت نسبه عمل قاضي حسبان متأَخرا، وقال: "وكان قدم دمشق وسكن البادرائية، وكان مِمَّن جمع بين العلم والعمل، ﵀"؛ وكانت وفاته في رابع عشر جمادى الآخرة. قال القاضي تقيّ الدين الأَسدى: "كان خفيف الروح منبسطًا، له نوادر، ويخرج إلى التنزَّه ويحثّ الطلبة على ذلك، مع الدين المتين والتحرّى في أَقواله وأَفعاله، وتزوّج عدة نساء ثم انقطع وتقشف وانجمع، وكل ذلك قبل القرن، ثم ازداد بعد الفتنة تقشفه وانجماعُه وكَثُرَ مع ذلك أَتباعه حتى امتنع عن مكالمة الناس ويطلق لسانَه في القضاة وأصحاب الولايات، وله في الزهد والتقلل من الدنيا حكايات تضاهى ما نُقل عن الأقدمين، وكان يتعصب للأشاعرة، وأُصيب في سمعه وبصره فضعف، وشرع في عمارة رباطٍ داخل باب الصغير فساعده الناس بأَموالهم وأَنفسهم، ثم شرع في عمارة خان السبيل ففرغ في مدةٍ قريبة، وكان قد كَتب بخطه كثيرًا قبل الفتنة، وجمَع تواليف كثيرة في الزهد والفقه". ٣ - إينال (١) النَّوْرُوزى أَمير سلاح، مات في أَول ربيع الثاني بالقاهرة. ٤ - حسن بن سويد المصرى المالكي، القاضى بدر الدين، كان أَصله من سوق شنودة وسلفه من القبط، ويقال إن أباه كان: يبيع الفراريج، ذكر لى ذلك بعض ثقات المصريين عن شيخنا شمس الدين المراغى أَنَّه شاهَدَه. ورُزِق سويد هذا من الأَولاد جماعةً نبغوا وصاروا مِن أَعيان الشهود بمصر، منهم: شمس الدين الأَكبر وبدرُ الدين هذا، ولازم الاشتغال في مركز الشافعية بباب العيد

стр. 1474

والمتجر الكارمى ومجلس القاضي فخر الدين القاياتي ودروس الشيخ شمس الدين المراغى، ثم حصَّل مالًا واتَّجر فيه إلى اليمن في سنة ثمانمائة ثم عاود البلَاد مرارًا، واتَّسعت حالُه جدًّا بزواج (١) بنت الهُورِينى التي هي شيختنا أُم هانئ بنت القاياتي بعد موْت زوجها ألْجَيْبُغَا والد الشيخ سيف الدين الحنفى فاستولى على تركة القاياتي بعد موته وأَدْخل معه منها من شاء، وبنى مدرسة مقابل حمام جندر ومات قبْل أَن تكمُل وأَوْصى لها بأَربعة آلاف دينارٍ لتكميلها، وصيّرها أولادُه بعده جامعا وأَبطلوا ما كان صيّره هو من كونها مدرسةً ولم يُقرر (٢) لها تدريسًا، وحصل في ذلك خَبْطٌ كبير. مات في أَوائل صفر. ٥ - حسن بن عجلان بن رُميْثة (٣)، واسمه مُنْجِد بن أَبي نُمَىّ محمد بن أَبي سَعد حسن بن أبي غرير بن قتادة بن إدريس بن مُطَاعِن بن عبد الكريم بن عَابس بن حسين بن سلمان بن علي بن عبد الله بن محمد بن محمد بن موسى بن عبد الله بن الحسن المثنى بن أَبى محمد الحسن السبط بن على بن أَبى طالب، الحسنى أمير مكة السيد الشريف، وكان قدم صحبة قُرْقُمَاس من الحجاز في المحرَّم واجتمع بالسلطان وقرّره في إمرة مكة على عادته، وأُلْزِم بثلاثين أَلف دينار وأَحضر منها خمسة آلاف، وأقام ليتجهَّز فتأَخَّر سفرُه إلى أَن كان! يوم الخميس سادس عشر جمادى الآخرة فمات وقد ناف على الستين. وكان أولَّ ما ولى الإمرة بعد قتْل أَخيه على بن عجلان في ذي القعدة سنة سبعٍ وتسعين فكانت مدّة إمْرته اثنتين وثلاثين سنة سوى ما تملَّكها من ولايةِ غيره، وكان في هذا الشهر قد تجهَّز وأَخرج أَثقاله ظاهر القاهرة؛ وقدم ولده بركات (٤) في رمضان من مكة فالتزم بما بقى على والده والتزم في كل سنةٍ بأَن يحمل عشرة آلاف دينار، والتَزَم بَأن يكون

стр. 1475

ما جرت به العادة من مكْس جدة يكون له، وما تجدّد من مراكب الهند يكون للسلطان خاصَّة. ٦ - خليفة (١) المغربي ثم الأَزهرى، الشيخ المعتَقَد، مات في حادى عشر المحرّم فجأَةً في الحمَّام ووُجد له شيءٌ كثير، وكان قد انقطع للعبادة بالجامع الأَزهر نيِّفًا وأَربعين سنة. ٧ - شمس بن عطاء الله الهروى، القاضي شمس الدين الرازي الأَصل وكان يكتب أَيام قضائه "محمد بن عطا"، وقد تقدمت أَخباره مفصَّلةً في سنة ثماني عشرة وفي سنة إحدى وعشرين وفى سنة سبعٍ وعشرين، وكان قد حجّ في سنة ثمان وعشرين ثم رجع إلى القدس فمات وهو شيخ الصّلاحية (٢). ٨ - على بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن على بن إسحق بن سلَّام بن عبد الوهاب
следующие страницы →