← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وفيها في ذي القعدة بلغ عجلان بن ثابت بن هبة الحسنى أَمير المدينة أَن السلطان عَزله وولَّى ابنَ عمه حسن بن جماز بن هبة، فقَبض على الخدّام والقضاة ونَهب المدينة، فلما وصل خشرم مع أَمير الحج الشَّامي وَجد عجلانَ أَخلى المدينة فأَقام خشرم، وتوجّه الركب الشامي إلى مكة فعاد عجلان فأمسك خشرم وخرّب بيوتًا كثيرة وأحرق بيوتًا وسَلِم منه بيوت الرافضة؛ وكان قد أَقام من الرافضة قاضيًا اسمه "الصَّيْقَل" وكان يُرسِل إليه غالب الأَحكام، وخلا أَهل المدينة إلا الرافضة وإلَّا القاضي الشافعي فإنه كان اسْتَنْزل شخصًا من أَقارب خشرم يقال له مانع فأَجاره. وفيها استقر مقبل الرومي في نيابة صَفد عوضا عن إينال الخزندار بحكم مخامرته هو وأَخوه وكان يومئذ نائبَ القلعة فاتفقا فتحيّل مقبل عليهما حتى قبض عليهما فقتلا. وفيها خرجت العساكر إلى هابيل (١) بن قَرايُلُك بمدينة الرُّها فغلبوا عليها وانتهبوها وأَسروا هابيل وأَحضروه إلى القاهرة فسُجن بالقلعة حتى مات بالطاعون الكائن في سنة ثلاثٍ وثلاثين وثمانمائة. وفيها جَهَّز السلطانُ بَرَسْبُغا إلى ينبع، وقُرْقُمَاس الشعباني إلى مكة، فغلب بَرَسْبُغَا على صاحب ينبع وجهَّزه في الحديد إلى السّلطان، وأَقام قُرْقُمَاس بمكة فمهَّد البلاد وقطع أَكثر المفسدين * * * ذكر من مات فى سنة تسع وعشرين وثمانمائة من الأعيان ١ - أَحمد بن محمد بن مكنون، شهاب الدين المنَافى القَطَوى، وُلد بها (٢) سنة تسعٍ وسبعين، وأَبوه إذ ذاك الحاكم بها ونشأ نشأة حسنة، وحفظ "الحادى، واشتغل في

стр. 1472

الفرائض، ولازم الشيخ شمس الدين الغَرَّاقى (١) في ذلك، وكان يستحضر "الحاوى" وكثيرًا من شرحه، واشتغل في العربية قليلًا ثم ولى قضاء قَطَيَة بعد أَبيه، ثم ولى قضاء غزَّة بعناية القاضي ناصر الدين البارزى فى أَول الدولة المؤيّدية، ثم استقرّ في قضاء دِمياط مع بقاء قَطَيَة معه فاستناب فيها قريبَه زينَ الدين عبدَ الرحمن، واستمر في دمياط في غاية الإعزاز والإكرام، فلما انفصلت الدولة المؤيّدية تسلَّط عليه أُناسٌ بالشكاوى والتظلم؛ وكان كثيرَ الاحتمال حسنَ الأَخلاق، وصاهر عندى على ابنتي رابعة (٢) ودخل بها بكرًا بنت خمس عشرة سنة فولدت منه بنْتًا، ثم مات عنها فتزوجها الشيخ محبّ الدين الأَشقر فماتت عنده، عوَّضها الله الجنة. ومات ابن مكنون في شهر رمضان وكثر الأَسف عليه. ٢ - أبو بكر (٣) بن محمد بن عبد المؤمن بن الشيخ تقي الدين الحِصْنى (٤) ثم الدمشقي، الفقيه الشافعي، وُلد سنة ٧٤٢ وتفقَّه بالشَّريشي والزهرى وابن الجابي والصرْخدى والعزّى وابن غنوّم. وأَخذ عن الصَّدْر الياسوفى ثم انحرف عن طريقته، وحطَّ على ابن تيميّة وبالغ في ذلك وتلقَّى ذلك عنه الطلبة بدمشق وثارت بسبب ذلك فِتنٌ كثيرةٌ، وكان يميل إلى التقشُّف ويبالغ في الأَمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وللناس فيه اعتقادٌ زائد. ولخص "المهمات" في مجلَّد، وكتب على "التنبيه" شرحًا (٥) في خَمس مجلدات وكذا على "المنهاج"، وشرح "صحيح مسلم" في ثلاث مجلدات، ولخَّص "تخريج

стр. 1473

الإحياء" في مجلد، وشرح "الأربعين" في مجلد، وله "أَهوال القبور" في مجلَّد، و"سير نساء السلَّف العابدات" في مجلد، و"قواعد الفقه" في مجلَّدين، وتفسير آيات متفرقات في مجلد، و"تأديب القوم"، و"سير السالك على مضارّ المسالك"، في مجلد، وشرح "العامة" مجلد لطيف، و"شرح الهداية" كذلك "وقع النفوس" مجلد، و"دفع الشفقة" مجلد، وشرح "أسماء الله الحسنى" مجلد: هكذا ذكرها ابن قاضي شهبة ووَصَفه: "بالإمام العالم الرباني المتورّع الزاهد" ونَسبه حَسنِيًا وقال: "ثبت نسبه عمل قاضي حسبان متأَخرا، وقال: "وكان قدم دمشق وسكن البادرائية، وكان مِمَّن جمع بين العلم والعمل، ﵀"؛ وكانت وفاته في رابع عشر جمادى الآخرة. قال القاضي تقيّ الدين الأَسدى: "كان خفيف الروح منبسطًا، له نوادر، ويخرج إلى التنزَّه ويحثّ الطلبة على ذلك، مع الدين المتين والتحرّى في أَقواله وأَفعاله، وتزوّج عدة نساء ثم انقطع وتقشف وانجمع، وكل ذلك قبل القرن، ثم ازداد بعد الفتنة تقشفه وانجماعُه وكَثُرَ مع ذلك أَتباعه حتى امتنع عن مكالمة الناس ويطلق لسانَه في القضاة وأصحاب الولايات، وله في الزهد والتقلل من الدنيا حكايات تضاهى ما نُقل عن الأقدمين، وكان يتعصب للأشاعرة، وأُصيب في سمعه وبصره فضعف، وشرع في عمارة رباطٍ داخل باب الصغير فساعده الناس بأَموالهم وأَنفسهم، ثم شرع في عمارة خان السبيل ففرغ في مدةٍ قريبة، وكان قد كَتب بخطه كثيرًا قبل الفتنة، وجمَع تواليف كثيرة في الزهد والفقه". ٣ - إينال (١) النَّوْرُوزى أَمير سلاح، مات في أَول ربيع الثاني بالقاهرة. ٤ - حسن بن سويد المصرى المالكي، القاضى بدر الدين، كان أَصله من سوق شنودة وسلفه من القبط، ويقال إن أباه كان: يبيع الفراريج، ذكر لى ذلك بعض ثقات المصريين عن شيخنا شمس الدين المراغى أَنَّه شاهَدَه. ورُزِق سويد هذا من الأَولاد جماعةً نبغوا وصاروا مِن أَعيان الشهود بمصر، منهم: شمس الدين الأَكبر وبدرُ الدين هذا، ولازم الاشتغال في مركز الشافعية بباب العيد

стр. 1474

والمتجر الكارمى ومجلس القاضي فخر الدين القاياتي ودروس الشيخ شمس الدين المراغى، ثم حصَّل مالًا واتَّجر فيه إلى اليمن في سنة ثمانمائة ثم عاود البلَاد مرارًا، واتَّسعت حالُه جدًّا بزواج (١) بنت الهُورِينى التي هي شيختنا أُم هانئ بنت القاياتي بعد موْت زوجها ألْجَيْبُغَا والد الشيخ سيف الدين الحنفى فاستولى على تركة القاياتي بعد موته وأَدْخل معه منها من شاء، وبنى مدرسة مقابل حمام جندر ومات قبْل أَن تكمُل وأَوْصى لها بأَربعة آلاف دينارٍ لتكميلها، وصيّرها أولادُه بعده جامعا وأَبطلوا ما كان صيّره هو من كونها مدرسةً ولم يُقرر (٢) لها تدريسًا، وحصل في ذلك خَبْطٌ كبير. مات في أَوائل صفر. ٥ - حسن بن عجلان بن رُميْثة (٣)، واسمه مُنْجِد بن أَبي نُمَىّ محمد بن أَبي سَعد حسن بن أبي غرير بن قتادة بن إدريس بن مُطَاعِن بن عبد الكريم بن عَابس بن حسين بن سلمان بن علي بن عبد الله بن محمد بن محمد بن موسى بن عبد الله بن الحسن المثنى بن أَبى محمد الحسن السبط بن على بن أَبى طالب، الحسنى أمير مكة السيد الشريف، وكان قدم صحبة قُرْقُمَاس من الحجاز في المحرَّم واجتمع بالسلطان وقرّره في إمرة مكة على عادته، وأُلْزِم بثلاثين أَلف دينار وأَحضر منها خمسة آلاف، وأقام ليتجهَّز فتأَخَّر سفرُه إلى أَن كان! يوم الخميس سادس عشر جمادى الآخرة فمات وقد ناف على الستين. وكان أولَّ ما ولى الإمرة بعد قتْل أَخيه على بن عجلان في ذي القعدة سنة سبعٍ وتسعين فكانت مدّة إمْرته اثنتين وثلاثين سنة سوى ما تملَّكها من ولايةِ غيره، وكان في هذا الشهر قد تجهَّز وأَخرج أَثقاله ظاهر القاهرة؛ وقدم ولده بركات (٤) في رمضان من مكة فالتزم بما بقى على والده والتزم في كل سنةٍ بأَن يحمل عشرة آلاف دينار، والتَزَم بَأن يكون

стр. 1475

ما جرت به العادة من مكْس جدة يكون له، وما تجدّد من مراكب الهند يكون للسلطان خاصَّة. ٦ - خليفة (١) المغربي ثم الأَزهرى، الشيخ المعتَقَد، مات في حادى عشر المحرّم فجأَةً في الحمَّام ووُجد له شيءٌ كثير، وكان قد انقطع للعبادة بالجامع الأَزهر نيِّفًا وأَربعين سنة. ٧ - شمس بن عطاء الله الهروى، القاضي شمس الدين الرازي الأَصل وكان يكتب أَيام قضائه "محمد بن عطا"، وقد تقدمت أَخباره مفصَّلةً في سنة ثماني عشرة وفي سنة إحدى وعشرين وفى سنة سبعٍ وعشرين، وكان قد حجّ في سنة ثمان وعشرين ثم رجع إلى القدس فمات وهو شيخ الصّلاحية (٢). ٨ - على بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن على بن إسحق بن سلَّام بن عبد الوهاب

стр. 1476

ابن الحسن بن سلَّام (١) الدمشقى، علاء الدين أبو الحسن الشافعي، وُلد سنة خمسٍ أَو ست وخمسين، وحفظ القرآن و"التنبيه" و"الأَلفية" و"مختصر ابن الحاجب"، وتفقَّه على علاء الدين بن حجّى وابن قاضي شهبة وغيرهما، وارتحل إلى القاهرة فقرأَ "المختصر" على الركراكي وكان يطريه حتى كان يقول: "كان يعرفه أكثر من مصنِّفه" فاشتهر وتميز ومهر، وكان يبحث في حلقة ابن خطيب ببرود فينتشر البحث بين الطلبة بكثرة اعتراضاته وإشكالاته، وأصيب في الفتنة الكبرى بماله وفى يده بالحْرق وأَسروه فسار معهم إلى مَارَدِين (٢) ثم انفلت منهم، وقرّره نجمُ الدين بنُ حجّى فى الظاهريّة البّرانية (٣) بعد وفاة أَخيه، ونزل له التاج الزهرى (٤) عن العذراويّة (٥) بمساعدة ابن حجّى، ودرَّس بالركنيّة (٦) بعد ابن خطيب (٧) عذرا، وكان يحفظ كثيرا من الرافعى، وإشكالاتٍ عليه وأَسئلة حسنة، ويُقرئ في الفقه إقراءً حسنًا، وكذا "المختصر"؛ وله يد في النظم والنثر والأَدب، وكان بحثه أَقوى من تقريره، وكان مقتصدًا في ملبسه وغيره، شريفَ النَّفس حسنَ المحاضرة، وكان يُنسب إلى نصرة مقالة ابن العربي فإذا حوقق في أَمره تبرّأَ من تلك المقالات وتمحّل لها تأْويلاتٍ والله أَعلم بغيبه، وكان يطلق لسانَه في جماعةٍ من الكبار فاتَّفق أَنَّه حجّ في هذه السنة فلما رُدَّ من الحج والزيارة مات في وادى بني سالم في أَواخر (٨) ذى الحجة وحُمل إلى المدينة فدُفِن بالبقيع وقد شاخ.

стр. 1477

لقيتُه قديمًا بدمشق وسمعْتُ من فوائده، وكان أخذ الفقه عن الحسبانى و [الشهاب] ابن الزهرى، والأُصول عن الضياء القرمى. ٩ - عمر بن على بن فارس (١)، الشيخ سراج الدين الخياط الطَّواقى الحنفى المعروف بقارئِ الهداية، وكان في أول أمره خياطًا بالحسينية ثم نزل (٢) في طلب العلم بالبرقوقيّة وتمهَّر في الفقه وغيره واستقر قارئها على الشيخ علاء الدين السّيرامي بها (٣)، وتلقَّب بقارئ الهداية تمييزًا له عن سراج الدين آخر كان يقرأُ في غيرها، وسمع الحديث من (٤). . . . . . . وتقدّم في الفقه إلى أن صار المشار إليه فى مذهبه: الحنفية، وكثرت تلامذتُه والأَخْذُ عنه، ثم ولى مشيخة الشيخونية بأخرة بعد [شرف الدين] ابن التِّبّاني فلما مات استقر فيها زين (٥) الدين التفهنى بعْد (٦) عزْله عن القضاء بالعينى، واستقرّت بقية وظائف سراج الدين بيد ولده، وناب عنه فيها صاحبنا الشيخ عبد السّلام البغدادي؛ ومن (٧) جُملة من أَخذ عنه الجمالُ بنُ الهمام. مات في ربيع الآخر بعد أَن انتهت إليه رئاسة مذهبه وصار المعوّل على فتواه مع جلالته في أُصول الفقه والعربية وغيرهما، ومشاركةٍ فى فنون كثيرة، وكان يَقْتَصد في ملبسه ومركبه ويتعاطى حوائجه من الأَسواق بنفسه ولم يُؤَثِّر ذلك في جلالته وعظمته في النفوس ومهابةِ السلطان فمن دونه له، هذا وهو غير ملتفتٍ لأَهل الدولة بالكلية، ولما ولى مشيخة الشيخونية أَراد التوجّه إليها ماشيًا من مسكنه بالظاهرية فأَرسل إليه الأَشرفُ فرسًا وأَلزمه بركوبها فلما ركبها أَخَذ بيده عصًا يسوق بها ونزل عنها كما ينزل عن الحمار برجلَيْه من ناحية واحدة، هذا وهو على ما هو عليه من الوقار الذي لم ينله أصحاب الشكائم والعمائم.

стр. 1478

١٠ - قُجُقْ (١) الظاهرى أتابك عساكر مصر. مات في تاسع رمضان. ١١ - محمد بن أحمد بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة المخزومي المكي الشافعي ابن عم الشيخ جمال الدين محمد بن عبد الله بن ظهيرة، يُلَقَّب "كمال الدين" ويُكْنى "أبا الفضل"، وُلد في شهر ربيع الأَول سنة ستٍ وخمسين، وسمع من عزّ الدين بن جماعة والشيخ خليل المالكي والموفَّق الحنبلي و [الجمال (٢)] بن عبد المعطى؛ وناب في الخطابة وحدّث، وأَضر بأخرة ومات في صفر (٣). ١٢ - محمد بن محمد بن أَبي القاسم، أَبو عبد الله الزَّجَّاجي (٤)، أَحدُ مشايخ الصوفية بزبيد، وكان قد تقدّم عند الأَشرف إسماعيل ثم عند ولده الناصر وكان يلازمه وينادمه ويحضر معه جميع ما يصنعه من خير وشرّ من غير تعرّضٍ لإنكار، وكان حسنَ الوساطة مُتديِّنًا. مات في رابع عشر ذي القعدة وله ستٌ وسبعون سنة (٥). ١٣ - يوسف بن خالد بن أيوب، القاضي جمال الدين الحسفاوي (٦) الشافعي، نشأَ

стр. 1479

بحلب وقرأَ الفقه على ابن أبى الرضا وقرأَ عليه القراءات، ثم سافر إلى ماردين فأَخذ عن زين الدين سَرِيجا، وولى قضاء مَلَطْية مدةً ثم دخل القاهرة، وولى قضاء حلب ثم قضاء طرابلس ثم كتابة السر بصفد، وكان حسن الشكل فائقَ الخطِّ قوىَّ النظر. مات بطرابلس في ثالث عشر المحرم.

стр. 1480

سنة ثلاثين وثمانمائة أَولها السبت، ففي الثَّامن منه خُلع على نجم الدين بن حجي بقضاء الشام على قاعدته وصُرف الشريف شهاب الدين فأَقام قليلًا ثم أَمر السلطان بسفره إلى الشام بطالا، فأَول شيءٍ صنعه ابن حجي أَنه قرّب أَبا شامة الذي كان أَثبت عليه المال الجزيل فيما مضى ظلمًا وعدوانا فأَحسن إليه، ثم استدعى منه أن يُثبِتَ على الشَّريف نظير ما أَثبت عليه فأَجابه إلى ذلك فبادر وفعل، وطولع السلطان بذلك فأمر بإلزام الشريف مايثبت عليه وعُدَّ ذلك من العجائب؛ واشتهر أَبو شامة بالأَحكام (١) الباطلة واستعاذ كل مسلم من شرِّه لجراءتِهِ على الأُمور الفظيعة، فخشي عاقبةَ ذلك فتحوّل إلى القاهرة فسكنها مدةً ثم أُخرج منها بعد؛ لا بارك الله فيه. وكان صرف الشريف من وظيفة القضاء مما يعد من الخوارق فإنه لم يكن أحدٌ بقى من أهل الدولة له بالٌ إلا وتعصّب له في أن يستمر فعاكس السلطان الجميع. * * * وفي المحرم نودى على أهل الذمة بأَن يصغروا عمائمهم وأن لا يدخلوا الحمامات مع المسلمين ومن دخل منهم فليكن في عنقه جلجل أَو طوق حديد، إلى أشياءَ كثيرة اخترعها المحتسب تبعًا لغيره، فضجوا من ذلك ورفعوا أمرهم إلى السلطان فأَحضر القضاة في ثالث عشر المحرم وسأَلهم عما يجب عليهم، فتقرر الحال على أن لا يدخلوا الحمام إلَّا بخيطٍ في رقبته حديد، يكون فيه خاتم من حديد أو رصاص، وأَن لا يُتعرض لعمائمهم الملونة كَبُرَت أَو صَغُرَت، وأَن نساءهم يتميزن عن نساء المسلمات بشيء يكون قدر الكفِّ أَو أَصغر: من لون عمائم رجالهم، فصنع ذلك وكُتب على أَكابرهم والتزموا به. وفيه صُرف حُشْرُم عن إمرة المدينة وأُعيد عجلان. وفى ذى الحجة مُنع من البيع فى داخل المسجد الحرام، ومِن نَصْب الصّواوين داخله، ومن نَقْل المنبر عند خطبة الجمعة من مكانه بجانب المقام إلى ظهر الكعبة.

стр. 1481

وفي أَواخر شعبان تكلَّمْتُ مع السلطان في أن لا تُطفأ القناديل في رمضان إلا قُبَيْل طلوع الفجر لما يحصل للناس من الإجحاف بمن ينام ثم يستيقظ عطشانَ فلا يجد القناديل بعد فيظُن أن الأَكل والشُّرب حُرِّمَا وليس كذلك، فوافق السلطان على ذلك، ثم عَقد لذلك مجلسًا، فاتفق مَن حضر على أَنه يترتب على ذلك أَن يغلط من كان يعرف العادة المستمرة فيبطل صومه، فتوقف الأمر واستمرت العادة، ولله الأَمر. وفي هذه السنة صرف أَبو السعادات، محمد بن أَبي البركات محمد بن أَبي السعود ابن ظهيرة عن قضاء مكة واستقر الجمال محمد بن على الشَّيْبي، ولما حَجَّ مع الناس استقرّ في مباشرة الحكم وأمر بسدّ أَبواب الحَرَمِ كلها إلا أَربعة أَبواب، فحصل للناس بذلك مشقة شديدة، وكان ما سنذكره. وفيها وصلت من الهند من صاحب بنجالة (١) هدايا جليلةٌ لجماعةٍ من الناس خصوصًا الشيخ علاء الدين محمد بن محمد بن محمد البخارى ثم الهندى نزيل القاهرة، ثم وصلت أَيضا هدايا من صاحبٍ له في الهند. * * * وفى العشر الأخير من شعبان انكشفت رأْس بعض المماليك وهو يلعب بالرمح فظهر أَنه أَقرع فضحكوا منه، فسأَل السلطان أَن يقرّره "شادّ القُرْعان" فكَتب له مرسوما بذلك، فكان يدور على الناس فمن ظن به أَنه أَقرع كشف رأْسه فإن وجده أَقرع أَخذ منه ثلاثة دراهم فضة وثلثا، ثم اضْمحلَّ أَمره بعد قليل. * * * وفيها قدم سودون نائب الشام ثم رجع إلى إمرته بعد عشرة أَيام، وصرف أُزْدُمُر شايه عن إمرته بالقاهرة وقُرِّر حاجبًا بحلب. وفيها خرج عرب الشرق من الحجاز على أَهل الركب العراقي فانتهبوهم، وكان من جملتهم ولدان لحسن بن عجلان كانا انتجعا المشرق فأَكرمهما الملوك اللَّنكية وغيرهم ورجعا بمال ونُهب، وذَهبت للتجار العراقيين أَموالٌ عظيمة كثيرة جدا.

стр. 1482

وفي أَواخر السّنة بلغ السلطان أن بعض التركمان نازل مَلَطْية فأَمر بتجريدة ثم بَطُلَت، وجهز قَانِبَاى البهلوان أَميرًا عليها. وفي خامس عشرى شهر ربيع الآخر مات كافور (١) الزمام وكان قد عمر وقارب التسعين ودفن في تربةٍ بناها بالصحراء. * * * وفي عاشر جمادى الآخرة قُبض على تغرى بردى المحمودي وهو يومئذٍ رأْسُ نوْبة الكبير، وكان حينئذ يلعب مع السلطان بالاكرة في الحوش، وذُكر أَنَّ ذنبه (٢) ما نُقل عنه أَنه اختلس من الأَموال من قبرص وشُيِّع في الحال إلى الاسكندرية مقيَّدًا. ومن عجائب ما اتفق له في تلك الحال أَنَّ شاهِد ديوانهِ شمس الدين محمد بن الشامية لحقه قبل أَن يصل إلى البحر فقال له وهو يبكي: "يا خَوَنْد هل لك عندى مالٌ؟ " وقصد أَن يقول لا فينفعه ذلك بعده عند السلطان وغيره، فكان جوابه له: "أنا لا مال لى، بل المال للسلطان"، فلما سمعها ابن الشامية دق صدره واشتد حزنه وسقط ميتا من غير ضَعْف ولا علة. * * * وفي آخر يوم من ذي القعدة استقر بهاء الدين بن نجم الدين بن حِجّي في قضاء الشام مكانَ والده، وبذل في ذلك ثلاثين أَلف دينار، وسيأْتي ذكر قتل أَبيه في ترجمته. * * * ذكر من مات فى سنة ثلاثين وثمانمائة من الأعيان ١ - أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عرب، أبو العباس المعروف بابن عرب اليماني، الزَّاهد بالشيخونية (٣) الحنفى تنقَّل أَبوه من اليمن إلى بلاد الروم فسكنها وولد

стр. 1483

بها أَحمد هذا فنشأَ بمدينة برصا فكان يقال له "ابن عرب" على عادة الروم والترك في تسميتهم من لم يكن منهم؛ ونشأ أحمد هذا نشأَةً حسنةً، ثم قدم القاهرة ونزل في القاعة التي استجدّها أكملُ الدين صوفيًا، وقرأَ على خير الدين (١) سليمان بن عبد الله ونسخ بالأُجرة واشتغل، ثم انقطع عن الناس فلم يكن يجتمع بأَحدٍ واختار العزلة مع مواظبته على الجمعة والجماعة، واقتصر على ملبسٍ خشنٍ جدًّا، وكان يقنع بيسيرٍ من القوت ومهما اطّلع على أَن أَحدًا من الباعة عَرفه فحاباه لم يَعُد إليه، وكان يتنكَّر ويشترى قوتَ يومين أَو ثلاثة بعد العشاء، ويدخل الجامعَ أَوّل النهار يوم الجمعة، ولا يكلم أَحدًا في حال ذهابه ولا إيابه، فأَقام على هذه الطريقة أَكثر من ثلاثين سنة، ولم يكن في عصره من داناه في طريقته، وكان يدرى (٢) القراءات. مات ليلة الأربعاء ثاني شهر ربيع الأَول. ومن عجائب أمره أنَّه لما مات كان الجمع في جنازته موفورًا، وأكثر الناس كانوا لا يعلمون بحاله ولا بسيرته، فلما تسامعوا (٣) بموته هرعوا إليه ونزل السلطان من القلعة فصلَّى عليه بالرُّمَيْلة وأعيد إلى الخانقاة فدُفِن بها، وتنافس الناس في شراء ثياب بدنه فاشتروها بأَغلى الأَثمان، فاتَّفق أنَّ جملة ما اجتمع من ثمنها حُسِب فكان قَدْر ما تناوله من المعلوم من أَوّل ما نزل بها إلى أَن مات لا يزيد ولا ينقص، فَعُدَّ ذلك من كراماته. ﵀. ٢ - أَحمد (٤) بن موسى بن نصير، شهاب الدين المتبولي المالكي، حدّث عن البياني وغيره وأَخذ عنه جماعة، ومات في يوم الأَربعاء ثاني شهر ربيع الأَول عن خمس وثمانين سنة.

стр. 1484

٣ - أَحمد (١) بن يحيي بن عبد الله الحموي الرُّواقي الصوفي، شهاب الدين أَبو العباس، وُلد سنة سبعٍ وأَربعين وسبعمائة، وذَكر أَنه سمع بمكَّة على العفيف عبد الله اليافعي (٢) فى سنة خمسٍ وخمسين، وتلقَّن (٣) الذّكر ولبس خرقة التصوف من الشيخ يوسف بن عبد الله ابن عمر بن خضر الكوراني (٤) [العجمي] وأَسندها له عن الشيخ نجم الدين الَأصفهاني عن نور الدين عبد الصمد عن الشيخ شهاب الدين السهروردي، وتعانى (٥) طريق التصوّف، وسكن في الآخر حماة وتردّد إلى طرابلس وغيرهما، وزار القدس سنة سبع وعشرين؛ قال القاضي علاء الدين [بن خطيب الناصرية]: "كان صالحًا خيرًا ناسكا سليكًا، يستحضر أَشياء حسنةً. عن الصوفية، واجتمعْتُ به بطرابلس فأنشدني"، وساق (٦) له عن أَبي حيان قصيدةً أَولها: لا خَيْرَ فِي لذَّةٍ مِنْ دُونِهَا حَذَرُ … ولا صفَا عِيشَةٍ فِي ضِمْنِهَا كَدَرُ فَلَا (٧) تَرُم رفْعَةً بين الأَنَام فَقَدْ … سارت هناءً بك الأَخْبارُ وَالسيِّر فالرَّفْعُ مِنْ بَعْدِهِ نَصْبٌ، وفَاعِلُه … عمَّا قَلِيلٍ بحرْفِ الْجَرِّ يَنْكَسِرُ وهي في نحو العشرين بيتًا لا تشبه نظم أَبي حيان ولا نَفسَه، ولا يُتَصَوّر لمن وُلد سنة سبعٍ وأَربعين أَن: يسمع من أَبي حيان الذي مات قبل ذلك بمدّة؛ ولقد عجبْتُ مِن خفاء

стр. 1485

ذلك على القاضي علاء الدين، ثم حَسِبْتُ أَن يكون بين الرواقي وأبي حيان واسطة (١)، وقد (٢) زعم أنه أَنشدها له العلَّامة جمال الدين (٣) عبد الله بن يوسف بن هشام قال: "أَنشدنا أَبو حيان" (٤) ولا نعرف أَن ابن هشام أخذ عن أبي حيان شيئًا بل كان يجتنبه. قال: "وكان الرواقي يقيم بحماة ويأتى طرابلس، ثم بلغنى أَنه توجّه إلى القدس فأَقام به ومات ما بين ثمان وتسعٍ وعشرين". ٤ - أَحمد بن يوسف الزُّعيْفرِيني، شهاب الدين الأَديب البارع (٥) بن محمد الدِستى، كان ينظم الشعر ويكتب المنسوب ويتكلم في معرفة علم الحرف ويخْبر عن المغيبات، ولذلك مال إليه جماعةٌ من الأَكابر وأَثرى، وامتُحن في سنة ٨١٢ وقَطع الناصرُ لسانَه وعُقْدَتين (٦) من أَصابعه، ورفق به المشاعلى (٧) عند قَطْع لسانه فلم يمنعه من الكلام، وكان السبب في ذلك (٨) أَنه نظم لجمال (٩) الدين ملحمةً أَوهمه بِقِدَمِها وأَنَّه يْملِك مصر، وصار بعد موت الناصر يكتب بشماله، فكتب مرة إلى الصدر بن الأَدمى (١٠): لقد عشتُ دَهْرًا في الكتابَةِ مُفْردًا … أُصَور منْهَا أَحْرُفًا تُشْبِهُ الدُّرَّا وقَدْ عَادَ حالى (١١) اليَوْم أَضْعَفَ مَا تَرَى … وَهَذَا الذي قَدْ يَسَّرَ اللهُ لِلْيُسْرى

стр. 1486

فأَجابه [الصدر بن الأَدمى بقوله]: لَئِنْ فَقَدتْ يُمْنَاكَ حُسْن كِتَابةٍ … فلا تَحْمِلْ هَمًّا ولا تَعْتَقِدْ عُسْرًا وأَبْشِرْ بِبِشْرٍ دائمٍ وَمَسرَّةٍ … فَقَدْ يَسَّرَ الله العظيم لَكَ اليُسْرى ٥ - أَحمد بن البدر محمد بن أُوَيْس المغربي نزيل طرابلس، قرأَ بالرّوايات على أَبي زيد عبد الرحمن بن المعلم سليمان بن إبراهيم التونسى نزيل طرابلس في سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، فقرأ على أبي عبد الله محمد بن محمد بن سلامة الأنصارى، ولبس خرقةَ التصوف من محمد بن أَحمد بن محمد بن المهندس بحصن الأَكراد (١) سنة ٨٤. ومات ابن البدر المذكور بطرابلس في ذي القعدة؛ وسمع من بهادر القرمى ومحمد بن هبة الله ابن وهبة وأَحمد بن على بن محمد الأَرموى ومحمد بن مظفر الحسيني وعلى بن اليونانية. ٦ - أُويس بن شاه ولد بن شاه زاده بن أُويس صاحب (٢) بغداد، قُتِل في الحرب بينه وبين محمد شاه بن قَرا يوسف واستولى محمد شاه على بغداد مرة أخرى. ٧ - برَكُوت بن عبد الله المَكِيني، شهاب الدين، عَتيقُ سعيد بن عبد الله المكينيِ عتيقُ مكين الدين اليمنى، كان حبشيًا صافىَ اللَّون حسنَ الخلق كثير الأَفضال محبًا في أَهل العلم وأَهل الخير كثيَر البرّ لهم واللّطف بهم، لقى حظًّا عظيمًا من الدنيا (٣) وتنقلَّت به الأحوال وبني بعدن أَماكنَ عديدة، ثم تحوّل إلى مكة فسكنها وبنى بها دارًا عظيمة، وصاهر إلى بيت المحلى التاجر فنكح بنته آمنة واستولدها، وكان كثير التزويج والأَولاد، ومات وله في حياته أَكثر من خمسين ولدًا، وما مات حتى تضعضع حاله وذلك في ذى القعدة بعدن، وله نحو الستين سنة. ٨ - عبد الله، الملك المنصور بن الناصر أحمد بن الأشرف إسماعيل صاحب اليمن، مات

стр. 1487

في جمادى منها، وفى (١) روايةٍ فى ثالث رجب، واستقرّ بعده الأشرف إسماعيل بن الناصر أَحمد. ٩ - عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمود بن غازي بن أَيوب بن محمود ابن خِتْلُو الحلبّي، فتح الدين بن الشحنة أخو العلامة محبّ الدين [محمد] أَبي الوليد، وُلِد (٢) سنة ثلاث وخمسين وسمع على الظهير العجمى وابن الصابوني والكمال بن حبيب، وأَخذ عن أَبيه وأَخيه والسراج الهندى، ثم تحوّل (٣)، وكان أصغر سنًّا من أَخيه واشتغل كثيرًا في الفقه حنفيًا حتى ناب عن أَخيه في الحكم، ثم تحوّل بعد الفتنة العظمى مالكيا، وولى القضاء ثم عُزل وحَصل له نكدٌ لاختلاف الدول، ثم عاد في سنة خمس عشرة مِن قِبَل نوروز (٤) ثم مِن قِبَل الملك المؤيّد إلى أَن مات في (٥) ليلة عاشوراء؛ قال القاضي علاء الدين: "رافقْتُه في القضاء وكان صديقي وصاحبي، وعنده مروءةٌ وحشمة"، وأَنشد له من نظمه، وهذا عنوانه: لا تلُومُوا الغَمَام إِنْ صَبَّ دَمْعًا … وتَوَالَتْ لأَجْلِهِ الأَنْواءُ فاللَّيَالي أَكْثَرْن فِينَا الرَّزَايَا … فبكَتْ رَحْمَةً عَلَيْنَا السَّمَاءُ

стр. 1488

١٠ - على (١) بن عبد الرحمن، نور الدين القمني، اشتغل كثيرًا وصاهر الشيخ زين الدين القِمني (٢) ثم فارقَه، ودرَّس ببعض المدارس، وقرأَ علىَّ في علوم الحديث وفي العروض؛ وكان فاضلًا مشاركًا في عدة فنون، وولى دَرْسَ الحديث بالظاهريَّة (٣) الجديدة، ومات في ثامن عشرى المحرّم ليلة الجمعة، واستقر بعده القاياتي في تدريس الحديث. ١١ - عمر بن حجّى بن موسى بن أَحمد بن سَعد السعدي، الحُسْبَاني الأَصل الدمشقى، نجم الدين أَبو الفتوح بن حجّى الشافعي، وُلد في سنة سبع وستين وسبعمائة بدمشق،، وقرأَ القرآن ومات والده وهو صغير، وحفظ "التنبيه" في ثمانية أَشهر، وحفظ كثيرًا من المختصرات، وأسمعه أخوه الشيخ شهاب (٤) الدين من ابن أَميلة وجماعة واستجاز له مِن جماعة؛ وسمع هو بنفسه من جماعة كثيرة، وأَخذ العلم عن أَخيه وابن الشريشي والزهرى وغيرهم، ودخل مصر سنة تسعٍ وثمانين فأَخذ عن ابن الملقن والبدر الزركشي والعزّ بن جماعة وغيرهم، وأَذن له ابن الملقّن، ولازم الشرف الأَنطاكي مدَّة، وتعلَّم العربية، وكان قليل الاستحضار إلَّا أَنه جيّد الذهن حَسَنُ التصرّف. وأَوّل ما حجّ سنة ستٍ وثمانين، ثم وَلِي إفْتَاء دار العدل سنة اثنتين وتسعين، وجرتْ له كائنةٌ مع [شهاب الدين] الباعونى فضربه هو والعزّى وغيرهما وطوّف بهم وسجنوا بالقلعة وذلك في رمضان سنة خمس وتسعين، ثم حجَّ سنة تسعٍ وتسعين وجاور، وولى قضاء حماة مرّتين، ثم ولى قضاء الشام في ربيع الآخر سنةَ تسعٍ وثمانمائة ثم انفصل بعْد شهرين ثم أُعيد في شوال سنة عشر، ثم صُرِف مرارًا ويعود وهكذا، وكانت مدة ولايته إحدى عشرة سنة وأَشهرًا في مدة إحدى وعشرين سنة، وعِدَّةُ ولايته سبع مرات، وقدم مصر سنة

стр. 1489

اللنك بعد أَن نجا منهم بحيلةٍ غريبةٍ فناب فى الحكم عن الجلال البلقيني، ثم عاد وولى قضاء طرابلس فى سنة إثنتي عشرة قدْر شهرين، وحبسه نَوْرُوز فى شوال سنة خمس عشرة وهمَّ بقتله ثم نجا منه، وقبض عليه مرةً أخرى قبل ذلك فهرب من الموكلين به بحيلةٍ عجيبة، ثم قُبض عليه في جمادى الأُولى سنة ست عشرة ثم تحيَّل وخَلُص وقدم القاهرة، ثم رجع مع المؤيد حتى قتل نوروز، واستقرّ في القضاء إلى أَن قام عليه الحاجب فنودِى عليه وحبس بالقلعة ثم خلص وقدم مصر ورجع متولّيًا؛ ثم فى سنة إحدى وعشرين سُجِنَ بالقلعة ثم أُطْلِق وحَجَّ سنة اثنتيْن وعشرين فاستناب الشريف شهاب الدين بن عدنان مع ما كان بينهما من العداوة الشديدة، والسبب في ذلك أَن النوَاب شطّوا عليه واختلفوا فيمن يصلح أن ينوب عنه في غيبتهِ فعاقبهم بأَن أَقام عليهم الشريف، وكان ذلك أَوّل طمع الشريف في الدخول في المنصب. ثم قام مع جَقْمق نائبِ الشام بعد موت المؤيّد وأَشار على نائب القلعة بتسليمها إليه، فلما وصَل ططر ومَن معه لم يؤاخذه بذلك. وحجّ في تلك السنة: سنة أَربع وعشرين، وهَمَّ بالدّخول إلى مصر لِيلى عِوَضَ البُلْقينى، ثم رجع إلى دمشق وبلغته ولاية العراقي فقعد، ثم قام عليه نائب (١) الشام في سنة ست وعشرين وتأَلبَ عليه أَعداؤُه وهَمُّوا بقتله، ثم اتَّفق مرضُ النائبِ فاشتغل بنفسه ومات فجاءتْه الولاية في رمضان منها، ولم يزل يتقلَّب في الأُمور إلى أن ولى كتابة السرّ بالقاهرة فلم يَمْشِ له فيها حال، وتغيّر عليه غالبُ أَصحابه وعادى مَن كان يحبَّه قبل ذلك فصُرِف صرفًا شنيعًا كما تقدم في الحوادث، ثم استأْذَن في الوصول إلى مصر فأُذن له فقُرّر في قضاء الشام في محرّم هذه السنة، وحصل له عند عوْدِه تعظيمٌ زائد، وتسلَّط على الشريف عدوِّه وأَذلَّه (٢) كثيرًا فعمل عليه إلى أَن قُتِل في منزله غيلة وذهب دمه هدرا (٣).

стр. 1490

وكان ذكيًّا فصيحا حسن الملتقى والمباسطة يُلقى الدروس بتأَنٍّ وتؤدة، وكان مع ذلك كثيَر الإحسان للطلبة والواردين عليه بدمشق، إلَّا أَنه انعكس بذلك في ولايته كتابة السّر وصار على ضد ما كان يُعْهد منه، وكان كثيَر التلوّن سريعَ الاستحالة، وكان قتْلُه في ليلة الاثنين ثاني ذي القعدة (١). ١٢ - عمر بن طَرْخَان بن شُهْرِى الحاجب الكبير بحلب، مات في حادى عشرى شهر رجب. ١٣ - عمر بن الشيخ شمس الدين محمد بن اللَّبَّان المقرئ، أَخذ القراءات عن والده (٢) وتصدّر للإقراء، وكان ساكنًا سليم الصّدر والباطن، وكان عاليةً في الشطرنج. مات في شعبان عن نحو ثمانين سنة. ١٤ - محمد بن إبراهيم بن محمد الدمشقى الأَصل البشتكي، الشيخ بدر الدين، كان أبوه فاضلًا فنزل في خانقاه (٣) بشتاك الناصري فولد له الشيخ بدر الدين هذا بها، وكان جميل الصورة، فنشأَ محبًّا في العلم وحَفِظ القرآن وعدّة مختصرات وتعانى الأَدب فمهَر فيه، ولازم ابنَ أَبي حَجْلة وابن الصّائغ، ثم قدم ابنُ نباتة مصرَ فلازمه وكتب عنه ديوان شعره، ثم رافق جلال الدين بن خطيب دَاريًّا ودخل معه دمشق واجتمع بفضلائها، وأَخذ عن البهاء السّبكي وغيره بالقاهرة، وصحب الشيخ بهاء الدين الكازروني (٤) مدة، ونَسخ له كثيرًا من تصانيف ابن العربي، ثم رجع عن ذلك بعْد موته وصار داعيةً إلى الحطِّ على

стр. 1491

مقالة ابن العربي، وأَحبّ المذهبَ الظاهرى على طريقة ابن حزم وامتُحِن بسبب ذلك بمكَّة على يد أَبي الفضل النّويْرى قاضيها، وكان جاور بها بعد الثمانين، وامتُحن أَيضًا بالقاهرة على يد البرهان الإخنائي وحُبس ثم أُطْلِق؛ وصحب فخر الدين بن مُكانِس وأَقرأَ ولده وأَدَّبه وتخرّج به فمهر في الأَدب، وله مطارحاتٌ مع أُدباء أَهل عصره، وهجا جماعة منهم. وكان هو كثير الانجماع، يرجع إلى دينٍ متينٍ مع محبةٍ في المجون والخلاعة، ثم أَقلع وتاب ولازم الانجماع، وكان حسنَ الأَخلاق في أَوّل ما يصحب ثم لا يلبث أَن يتغير؛ وفي الجملة كان عديمَ النظير فى الذكاء وسرعة الإدراك إلَّا أَنَّه تبلَّد ذهنه بكثرة النسخ؛ وقد مدح القاضي برهانَ الدين بنَ جماعة بعدَّةَ قصائد طنَّانة. سمعْتُ منه كثيرًا من شعره ومن فوائده. وكانت وفاته فجأَةً: دخل الحمّام فمات فى الحوض يوم الاثنين ثالث عشرى جمادي الآخرة. ومن (١) نظمه: وكنتُ إِذَا الحَوادِثُ دنَّسَتْنِي … فَزَعْتُ إلى النُّدامَةِ والنَّدِيم لأَغْسِل بالكؤوسِ الهَمَّ عَنِّى … لأَنَّ الرَّاحَ صَابُونُ الهُمُومِ ١٥ - محمد بن المحدث عماد الدين إسماعيل بن محمد بن (٢) برْدَس بن رسلان البعلبكي الحنبلي، الشيخ تاج الدين أَبو عبد الله؛ وُلد ليلة التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنةَ خمسٍ وأَربعين، وسمع من أَبيه وأَسمعه الكثير من ابن الخبّاز وتفرّد به، وسمع أَيضا من محمد بن يحيى [بن عثمان] بن الشقيراء وابن الجُوخِى (٣) وابن أَميلة، وأَجاز له العُرضى والبيّاتي وابن نباتة والعلائي وغيرُهم، وانتفع به الرَّحالة، وكان محبًّا لنشر العلم والرواية

стр. 1492

طلْقَ الوجْه حسنَ الملتقى كثيرَ البشاشة مع الدّين والعبادة وملازمة الأَوراد والصّلابة في الدين، وله نظم وتأليف وصدقة في السر. مات في شوال وقد أجاز لى (١) غير مرة. ١٦ - محمد بن خالد بن موسى الحمصي، القاضي شمس الدّين المعروف بابن زَهرة - بفتح الزاي - الحمصي الحنبلي، مات فى ثالث عشرى شهر رجب، وهو أَوّل حنبلى ولى قضاء حمص، وكان أَبوه خالدٌ شافعيًّا فيقال إن شخصا رآى النبي ﷺ وقال له إنَّ خالدًا وُلد له ولد حنبلى، فاتفق أَنه كان وُلِد له هذا فشغله لمّا كبر بمذهب الحنبليةِ، وقرأَ على بدر الدين بن أستادار بيليك وعلى الشيخ شرف الدين بن قاضي (٢) الجبل وزين الدين بن رجب (٣) بدمشق، وولى قضاء حمص. ١٧ - محمد بن عبد الواحد بن العماد محمد بن القاضي علم الدين أَحمد بن أَبي بكر، تقيّ الدين بن زكى (٤) الدين بن عماد الدين بن قاضي القضاة علم الدين الإخنائي المالكي نائب الحكم؛ كان من خيار القضاة. مات في ثالث (٥) ذى الحجة بمكة - وكان جاور بها - في هذه السنة عن (٦) ثلاث وستين سنة، وهو من بَيْتِ فضل وعلم ورئاسة. ١٨ - قَشْتْم (٧) المؤيّدى الدويدار كان ولىّ اسكندرية ثم إمرة حلب واستمر فيها إلى أَن قُتِل في المحرم.

стр. 1493

١٩ - كافور الصرغتمشى الطواشي الزّمام. مات في يوم الأَحد خامس عشرى ربيع الآخر وقد قارب الثمانين، وقد عمّر المدرسةَ التي بخط حارة الديلم (١) واستقرّ بعده في الزمامية خُشْقَدَم الظاهري (٢). ٢٠ - محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن عليّ القَلْقَشندى - بقافين مفتوحتين بينهما لام ساكنة وتبدل اللام راء مهملة-، نسبةً إلى قريةٍ (٣) من ضواحي مصر، القاضي بدر الدين أَبو عبد الله القرشي الشافعي، ولد سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة بقلقشندة ثم رحل إلى القاهرة، وهو صغير فقرأَ القرآن وحفظ "المنهاج" وعدة مختصرات بفنون من العلوم، وتفقه بالإسنوى ثم بالبُلْقينى، ومهر فيه (٤) حتى تقدّم على أَقرانه، وفاق في الفرائض والحساب والجبر والمقابلة، وكان قصير الباع في العربية، وسمع الحديث ولم يُكْثِر منه؛ ومن جملة مسموعه "صحيح ابن حيان" سمعه على العزّ بن جماعة؛ وناب في الحكم. وولَي قبل ذلك أمانةَ الحكم في سنةِ تسعين، وكان القاضي جلال الدين [البُلْقيني] يثنى عليه حتى قال مرة: "ليس في نُوَّابى أَمْثل منه"، وافتخر به السّراج البلقيني يومًا وقد أَجاب مسألةٍ مشكلةٍ في الفقه بجوابٍ حسنٍ فقال: "هو من قدماء طلبتي"، هكذا ترجمه قريبه [عبد الرحمن (٥) القلقشندي] وعيَّن غيره (٦). ٢١ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن الإمام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الشافعي، محيى الدين أُبو حامد الطوسي، قدم

стр. 1494

من بلاده إلى حلب في شهر رمضان سنة ثلاثين وثمانمائة بعد أن كان دخل الشام قديمًا، وسمع من زين الدين عمر بن أميلة مسندِ الوقت وحدّث عنه في هذه القدمة؛ وجدُّه الثامن - فيما زعمه - هو حجّة الإسلام أبو حامد الغزاليّ المشهور، كذا ذكر عنه ذلك الشيخ برهان الدين سبط بن العجمي فيما قرأتُ بخطه والقاضى علاءُ الدين في ذيل تاريخه، ووصفاه بالعلم والدين. وقال القاضي في الذيل: "رأَيْتُ أتباعه وتلاميذه يذكرون عنه علمًا كثيرًا وزهدًا وورعًا، وأخبر عنه بعضُ الطلبة أنّه حجّ مرارًا منها واحدة ماشيًا على قدم التَّجْريد، وكان معظَّما في بلاده"، قال: "وبلغنى أنَّه رآى مَلَك الموت فسأله متى يموت، فقال له: أنت تموت في العُشْر، فمادرى أيَّ عشر، فاتَّفق أنَّه مات في حلب في العشر الأخير من شهر رمضان (١) سنة ثلاثين"، وكانت جنازته مشهودة، وأخذ عنه إبراهيم بن علي الزمزمي (٢) المكِّي. * * *

стр. 1495

سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة في ثالث المحرم لبس السلطانُ الصوف وكان ذلك قبل العادة بمدة والحرُّ موجود، واستمر بعد ذلك أياما، ووقع الندى وأمطرت السماء قليلًا ودخل كِيَهْك من شهور القبط وهو أول الأربعين عند المصريين ولم يقع البرد بل كان نظير فَصْل الربيع، واستمر ذلك إلى أن نُقلت الشمس إلى الجَدْى ولم يُعْهد ذلك. وفي الثالث من المحرم قدم الحمل من قبرص وهو خمسون (١) ألف دينار. وفيها قتل عذرا بن [على بن] نعير أمير آل فضل واستقر بعده أخوه وحجّ. وفى ثالى عشر صفر صُرِفَ القاضي الحنبلي عز الدين عبد العزيز بن عليّ القدسي وأُعيد القاضي محب الدين [أحمد] بن نصر الله [البغدادي الحنبلي]، وكان عز الدين أحَسّ بأنه يعزل فمكر بأَن سأَل ناظرَ الجيش أن يسأل له السلطان في الإعفاء، فبلغ السلطان ذلك فأُعجب به، وقال: "لولا أنَّه رجل جيد ما طلب الإعفاء" وأمر أن يستمر، فظن حصول مقصوده بذلك من الاستمرار، فصبر على ذلك مدة، وسخط منه كاتب السر لأمر اقْتضاه فاحتال عليه بأن قال للسلطان: "هذا الحنبلي شيخ كبير وقد تكرر سؤاله الإعفاء وأن يقرر له رِزقٌ على جهة حِلٍّ يأكل منها ويعبد الله، ويدعو للسلطان"، فأمر السلطان بإجابته لذلك، فخُلع على محب الدين ولم يشعر عز الدين بذلك فضج ودار على الأُمراء فلم ينجع، وقُرّر له في الشهر على وقف يَلْبُغا التركماني معلومُ النظر، وكان يظن أنه بما تحيل به يستمرّ فانعكست حيلته (٢).

стр. 1496

وفي صفر أُمر بتحكير قصب السكر وأن لا يزرعه أحدٌ إلَّا للسلطان، ثم بطل ذلك بعد قليل. وفيه أُمر بهدم ما كان اليهود أحدثوه من بناء درْبٍ محدث يغلق على كنيستهم وسياج كالسور حاذوا فيه كثيرًا من دور المسلمين التي تهدَّمت، وكانوا فعلوا ذلك في سنة ثلاثٍ وعشرين بغير إذنٍ من حاكم، فقام الشريف شهاب الدين النعماني في ذلك، وكان لمّا أنكر عليهم لَبَّسُوا على قاضي الحنابلة وأخذوا خَطَّه على قصة، وكان القائم معهم في ذلك نقيبُ الحنبلي جمال الدين عبدُ الله الإسكندرانى، فحمَل النعماني أعيان الناس على الحنبلي حتى أوضح له القصة فحكم بهدم ما أحدثوه من السياجات والأبواب والخوخ، وسجل على نفسه بذلك في سنة أربع وعشرين، فلما كان في هذه السنة رفعوا للقاضي الحنفى العينتابي قصةً فأذن فيها لبعض النواب ممن كان الشافعي منعه من الحكم وكان من شيعة اليهود، فتوسل العينتابي بذلك فأذن له في الحكم وعيّن عليه هذه القصة، فكتب محضرًا يتضمن أن الذي كانوا جَدّدوه مختصٌ بالكنيسة وليس فيه تى من أبنية المسلمين ولا مِنْ حقوقهم، وإنما تعصّبوا عليهم في القضية التي تقدّم ذكرها، فأثبت ذلك وأذن لهم في إعادة ما كان الحنبلي حَكَم بهدمه فسارعوا إلى بنيانه، فقام النعماني وحمل الناس على العينتابي حتى نفَّذ حكم الحنبلي، ثم أخذ النعماني في التشنيع على النائب الذي تعاطى ذلك وهو عبد الله البرلسي حتى اتَّصلت القصة بالسلطان، فأذِن الشافعي والحنبلي أن يتوجها بمفردهما ومعهما ناظرُ الأوقاف إلى المكان المذكور ويشخّصوه وينظر القاضيان فيما حكم ابن المغلي ثم البرلسى ويفعلا فيه الواجب، فتوجّهوا يوم الجمعة ثانى عشري صفر، وكان النعماني استكتب شيوخ المصريين في محضر شهدوا فيه أن الذي أُعيد الآن هو عين ما كان ابن المغلي أمَر بهدمه، وأذن العينتابي لليهود في كتابة محضّرٍ بأنه غيْرُه وكتب فيه جماعة، فلما تأمَّلْتُ المحضرين وشاهدْتُ الأمكنة المجدّدة أغنَتِ المشاهدة عن الخبر وظهر الحق بيد النعماني، لكن رأيت الغوغاء قد اجتمعوا ومعهم المساحي والمعاول فلو أذنت هدم شيء ما

стр. 1497

لهُدِمت الكنيسة كلها ونُهب ما فيها، وكان ذلك وقت العصر، فقلت لهم": لا بد من كشف كنيسة النصارى حتى ينظر ما أحدثوا أيضا ويُهدم الجميع"، فأعجبهم ذلك وافترقنا على العود في أول النهار، ثم استوفى الشافعي والحنبلي الشروط في المسألة وحَكَمَا بهدم ما أُحْدِث وإبطال حُكْم البرلّسى، وكان ابن البرلّسي قبل ذلك خشى القالة فأشهد على نفسه بأنه رجع عن الحكم المذكور، ثم توجه لكاتب السر فأعلمه بذلك، واتصل ذلك بالسلطان وكتب عند الافتراق: "أمرْتُ الوالى أن يزيل ما أحدثوه من الأبنية الجديدة كلها بالليل"، ففعل ذلك وانحسمت المادة بعون الله تعالى. * * * وفى ربيع الأول غلا السعر بسبب هبوب الريح المريسيّة فمُنعت المراكب من الوصول إلى الوجه البحرى بالغلال وعزَّ وجود الخبز بالأسواق أياما، ثم فرج الله وانحلَّ السعر في جمادى الأولى ورخص القمح وغيره. وفي شهر ربيع الآخر شدّد السلطانُ في أمر الخمر وأمر بإراقة ما يوجد منها في مظانّها في جميع البلاد وكذلك الحشيش وأمر بإحراق ما يوجد منها، فأهريق من الخمر وأُحرق من الحشيش مالا يُحصَى كثرة، وأكثر ذلك كان بدمياط، وكان في القاهرة وغيرها من الأعمال على ذلك ضمانٌ وعليه إقطاعات لأناسٍ، فبطل ذلك والله الحمد، ثم أُعيد قليلا قليلا بدسائس أهل الظلم والمكر حتى عاد كما كان بعد مدة قريبة. وفيها أبطلت المعاملة بالبنادقة وضُربت أشرفيةً، وحصل بذلك لخيار المسلمين سرور كبير. * * * وفيه حضر جماعةٌ من أهل دمياط وشكوا من ابن الملَّاح الكاتب النصراني الملكي وأنه متجاهرٌ باللّواط ويستخدم من يكون جميل الصورة من أهل البلد ويبالغ في إظهار الفاحشة، حتى إنه ربما قام بحضرة الناس فخلا به الشاب منهم بحيث لا يواريه إلا جدارُ المخدع أو شبهه، ثم يخرجان معا على الهيئة الدالة على المُراد، وكَثُر ذلك منه وأنف جماعةٌ من الناس ومنعوا أولادهم من الخدمة عنده وهو يفسدهم بكثرة العطية ومعاقرة الخمر والغناء، مع ما هو فيه من الجاه العريض حتى كان والى البلد يقف في خدمته، ومهما قال لا يُرَد

стр. 1498

ومهما فعل لا يُتَعقَّب، ومن نازعه في شيء أفسد حاله عند ناظر الخاص المتكلّم على البلد، فرفعوا في أمره قصةً تتضمّن هذا وغيره من المفاسد، فعُقد له مجلسٌ بحضرة السلطان، فلما ادُّعِى عليه أنكر فقامت البيّنة بشيء من ذلك فبادر وأسلم وحُكم بإسلامه ولُقِّب محب الدين، وشرط عليه الشافعي أنه متى ثبت عليه شيء مما وقع فيه، أو وقع في حق أحد ممن قام عليه في ذلك رتَّب عليه بمقتضاه وتهدده في ذلك فأذعن والتزم وتوجه إلى دمياط وحسنت سيرته بالنسبة إلى ما كان، والله أعلم بغيبه. وفيه مُنع الفرنج من حمل الخمر من بلادهم ثم بعد مدة عادوا. وفيه جُعل على تجار الشام ثلاثة دنانير ونصف إنْ حملوا البهار إلى بلادهم زيادةً على المكس المعهود، ثم بعد سنين بطل ذلك والتزموا بعدَمِ الحَمْل. وفي الخامس من جمادى الأولى غضب السلطان على فيروز الساقي بسبب أنه تكلم في القاضي الحنفى العينتابي ونسبه إلى أمور معضلة: من تَناوُلِ الرّشوة والحكم بالغرض وتعاطى الأسباب المقيتة، فأراد السلطان الاستثبات من ذلك فأحضر الحنفى وأراد من فيروز أن يواجهه ويحاققه، فخارت قوى الطواشي فاعتذر واستغفر، فاشتدّ غضب السلطان وأمر بأن يُنْفَى أن ضُرب ضربًا شديدًا، ثم شُفع فيه بأن يكون توجهه إلى المدينة الشريفة، فأجاب وتوجه وأقام بها سنةً ثم أذن له في الرجوع. وفي جمادى الأولى عند نزول الشمس بُرجَ الحمل أمطرت السماء يومين متوالين مطرًا غزيرًا لم يقع نظيره في هذه السنة قبل ذلك. ووقع في أول يوم من برمودة (١) - والشمس في الحمل - حرٌ شديدٌ وسموم نَظير ما جرت العادة أنه يقع في تموز. وفيه لبس السلطانُ الأبيض قبل العادة بسبعة وثلاثين يوما لشدّة ما وقع من الحرّ، ثم لم يلبث البرد أن عاد أشد مما كان. واستمر إلى أن مضى عشرون يوما.

стр. 1499

وفيه وقع بالشَّام مرضٌ عامٌ وكثرموتُ الخيل بها وبحماة. * * * وفي جمادى الأولى خُلع الأشرف إسماعيل بن الناصر أحمد صاحب اليمن من المُلك، وكان السبب فيه أن وزيره الأشرف إسماعيل بن العفيف عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر العلوى قَصَّر في معاملات (١) الجند فطالبوه مرارًا فلم ينصفهم، فرفعوا أمرهم للسلطان فأحالهم على الوزير فتألَّموا وهجموا على الدار، فخرج إليهم سُنْقُر أمير جندار فضربوه بالسيوف حتى برد، وقتلوا الشادَّ الكبير واسمه (٢) عندهم مشد المشدّين، وهجموا على الأشرف وقبضوا عليه وعلى عليّ بن الحسام لاجين وسجنوا الأشرف وأمّه وخطيبه، وكان كبيرهم مملوكٌ يقال له برقوق من مماليك الناصر (٣)، فاتفق رأيهم أن يُخْرِجوا يحيى بن الناصر من محبسه ويسلطنوه ففعلوا. ولقَّبوه "الظاهر" ونهبوا دار السلطان، واستقرت سلطنة يحيى بن الناصر وحُبس الأشرف إسماعيل في الموضع الذي كان فيه يحيى وهو في حصن تعبات من بلاد تعز، وصُودر الوزيران وعظُم أمر الشهاب أحمد بن الأمير محمد بن زياد الكاملي وكان أبوه من أكابر أمراء الأشرف بن الأفضل، ثم صار هو الآن كبير الأمراء؛ وظهرت من الظاهر يحيى شجاعةٌ ومعرفةٌ ومهابة (٤). * * * وفي الثالث من جمادى الآخرة ادُّعى على شمس الدين محمد بن الشيخ عز الدين حسن الرازي الحنفى - أحد نواب الحكم - بأنه وقع في حق النبي ﷺ ، فأنكر، ثم ادَّعَى عليه نقيبُ الحنفى أنه قال له: "أنت يهودي" فأنكر، فأقام عليه البيّنة بذلك فعُزِّرَ وحُكم للحنفى بحقن دمه فسكنت القضية. وفي جمادى الآخرة وصَل إلى الشيخ علاء الدين بن البخاري من صاحب "كلبرجا" من بلاد الهند ثلاثةُ آلاف شاشٍ ففرّق منها ألفًا على الطلبة الملازمين له، من جملتها مائةُ

стр. 1500

شاش لصدر الدين بن العجمي ليوفى بها دينه؛ ويقال إن صاحب الهند كان قرأ على الشيخ علاء الدين لمّا كان بالهند فراسله فأشار عليه أن يرسل لفقراء الطلبة صدقةً فأرسل ذلك، ثم فرّق الشيخ علاء الدين على الطلبة كثيرًا من الشاشات وعمل لهم وليمةً في بستان ابن عنان صرف عليها ستين دينارًا، ووصلت هدية صاحب الهند للسلطان وهى مائتا شاش ومائتا إزار بَيْرمى وستون نافجة من المسك الطَّيب وأربعة أسياف محلاة، فيها نحو خمسمائة مثقال. وفيها عزم الشيخ علاء الدين البخارى على الحج واستأذن السلطان فامتنع فألحَّ مرةً بعد مرة، فأرسل إليه كاتب السر بدر الدين بن مزهر فلم يزل يراجعه ويرجعه إلى أن قبَّل يده فأطاع وقام. وفي السادس من جمادى الآخرة أُخذت الحوانيت التي فيها السيوفية والصيارف بظاهر الصّاغة وعلّوها، وقد أخذ فيها الخراب واستبدل النصف والربع بمالٍ جزيل يعمّر به في الربع الباقى لجهة وقفه على الصّالحية، فعمره عمارة جديدة، وصارت أجرة الربع أزيد من أجرة الكل بالنسبة لما كان يفضل بعد الصرف في ترميمه. وفى أول يوم من رجب عمل الموكب السلطاني وكان حافلًا جدا، والسبب فيه قدومُ رسولٍ من ابن عثمان يستأذن في الحج ومعه هدية جليلة. وفيه التمس الشيخ علاء الدين محمد بن محمد بن محمد البخاري من السلطان أن يُبطل إدارة المحمل حسمًا لمادّة الفساد الذي جرت العادة بوقوعه عند إدارته في الليل والنهار من ارتكاب المنكرات والتجاهر بالمعاصي،، فأمر السلطان القضاة وكاتب السر وأن يتوجّهوا إلى الشيخ علاء الدين فيتكلَّموا معه في هذه المسألة، فوقع الكلام فقلْتُ: "ينبغى أن يُنْظَر في السبب في هذه الإدارة فيعمل بما فيه المصلحة منها، ويزال ما فيه المفسدة، وذلك أن الأصل فيه إعلام أهل الآفاق أن الطريق من مصر إلى الحجاز آمنة، وأن من شاء أن يحجّ فلا يتأخَّر لخشيته خوف الطريق، وذلك لما كان حدث قبل ذلك من انقطاع الطريق

стр. 1501

إلى مكة من جهة مصر كما هي الآن منقطعة غالبًا من العراق، فالإدارة لعلها لا بأس بها لهذا المعنى، وما يترتب عليها من المفاسد يمكن إزالته بأن يبطل الأمر بزينة الحوانيت فإنها السبب في جلوس الناس فيها وكثرة ما يُوقَد فيها من الشموع والقناديل ويجتمع فيها من أهل الفساد، فإذا تُرِك هذا وأمر السلطان من تعاطى إدارة المحمل من غير تقدّم إعلام الناس بذلك حصل الجمع بين المصلحتين"، وانفصل المجلس على ذلك. ووقع في هذا المجلس ذكر ابن العربي الصوفى فبالغ الشيخ علاء الدين في تكفيره وتكفير من يقول بمقالته، فانتصر له المالكي وقال: "إنما يُنكر الناس عليه ظاهر الألفاظ التي يقولها، وإلَّا فليس في كلامه ما ينكر إذا حمل لفظه على مراده بضرب من التأويل (١) "، فانتشر الكلام بين الحاضرين، وكنتُ مائلًا في ذلك مع الشيخ علاء الدين بأن من أظهر لنا كلامًا يقتضي التكفير لا نُقِرّه عليه، وكان من جملة كلام الشيخ علاء الدين الإنكار على من يعتقد الوحدة المطلقة، وكان من جملة كلام المالكي: "أنتم ما تعرفون الوحدة المطلقة"، فاستشاط البخارى غضبًا وأقسم بالله أن السلطان إن لم يعزل المالكي من القضاء ليخرُجَنّ من مصر، والتمس من كاتب السر أن يسأل السلطان في إزالة أشياء من المظالم الشنيعة، ومن جملتها أن المسلم يؤخذ منه المكس أكثر مما يؤخذ من النَّصراني إذا أحضر بضاعةً واحدة، بحيث صار كثير من المسلمين يحمل بضاعته باسم النصراني وينقله (٢) له المائة، وأكد عليه في قصة المالكي (٣) فأعاد كاتب السر على السلطان جميع ما اتَّفق، فأمر بإحضار القضاة عنده فحضروا، فسأل عن مجلس علاء الدين فقصه كاتب السر بحضرتهم، ودار بين الشافعي والمالكي في ذلك بعض كلام فتبرأ المالكي من مقاله (٤) في ابن العربي وكفَّر من يعتقدها، فصوّب الشافعيُّ قوله وسأل السلطان: "ماذا يجب على المالكي، وهل تكفير

стр. 1502

الشيخ علاء الدين له مقبول؟ وهل يستحق العزل أو التعزير؟ " فقلت: "لا يجب عليه شي بعد اعترافه هذا، وهذا القدر كافٍ منه". وانفصل المجلس على ذلك، وأرسل السلطان يَتَرَضَّى علاء الدين ويسأله أن لا يسافر فأبى وسلم له حاله وقال: "يفعل ما أراد"، وهَمَّ بعزل القضاة لاختلاف قولهم الأول عند علاء الدين والثاني عنده، فبيَّن له كاتب السر أنَّ قولهم لم يختلف، وأوضح له المراد، فرضي واستمرّ المالكي بعد أن كان أراد أن يقرر الشيخ شهاب الدين بن تقى الدين الدميرى أحد نوابه مكانه، وحضر المجلس المذكور وأُحضرت خلفته فبطُل ذلك. وفى السادس والعشرين من رجب هبَّت ريحٌ شديدة ملأت الأزقَّةَ والبيوت ترابًا، فدام ذلك من أول النهار إلى آخره وبعض الليل. وفي رمضان توجّه سعد الدين إبراهيم بن المرة الكاتب لأجل المكوس من تجار الهند بجدّة، فعمر بجدّة جامعًا وفرضة وصارت ميناءً عظيمة، وجهز السلطان أميرًا يقال له أَرَنْبُغَا من أمراء العشراوات، وجهَّز معه خمسين مملوكا لدفع بنى حسين والقوّاد عن التعرّض إلى جدة والإعراض عن النهب، وحج بالركب الأول إينال الشِّشْمَاني رأس نوبة وبيده يومئذ حسبة القاهرة، فاستناب فيها دويداره شاهين فمَشَّى الأمور إلى أن وصل أستاذه فلم تشكر سيرته لكثرة نومه وإغفاله أمْرَ اللصوص. وفيه قُبض على وطج أحد أمراء الألوف وحمل إلى الإسكندرية، وقبض على جِرْبَاش أمير مجلس ونُفي إلى دمياط مطلقًا فأَقام بها، واتجر وتَمَوَّل، واستقر إينال الأجرود في نيابة غزة، وأُعيد بيبغا المظفرى من القدس واستقر في إمرة جَرْبَاش المذكور، وذلك في العشر الأخير من ذي القعدة. وفى خامس ذى الحجة قبض على أُزْبُكْ الدويدار واستقر مكانه أركماس الظاهري، واستقر تمراز - الذي كان نائب غزة - في وظيفة أَرْكُمَاس رأس النوبة الكبير.

стр. 1503

ووصل في هذه السنة المحمل من العراق بعد أن انقطع (١) عشر سنين أو أكثر، جهَّزه في هذه السنة حسين بن علاء الدولة [على] بن أحمد بن أويس أمير الحلة ومُغِيَرة بن سقم، ووقف الحج يومين للاختلاف في الهلال. وفى ذى الحجة انحطَّ سعر القمح بعد أن كان بلغ أربعمائة إلى ثلاثمائة وخمسين، ثم انحط بعد ذلك أيضًا، وفُتِحت الشون السلطانية وغيرها وبيع منها فحَصُل الاتساع، وكان الشعير بلغ مائتين وعشرين، والتبن مائةً وثمانين كلُّ حمل، ثم انحط أربعين درهما كل حمل. وفى ثامن رمضان استقر قُونصوه في نيابة طرسوس وكان أمير عشرة، وأضيف إقطاعه إلى الديوان المفرد. وفي جمادى الآخرة قُرِّر طَرَابَاى في نيابة طرابلس وكان قد أُذن له أن يقيم بالقدس بطَّالًا فتحول من ثُمَّ إلى طرابلس واستمر في إمرتها. * * * وفي شهر ربيع الآخر أُفرج عن جِينُوس الإفرنجي صاحب قبرص على فَدْيٍ مبلغهُ مائةُ ألفِ دينار، وأن يُطْلق من عندهم من أسرى المسلمين، وجُهِّز إلى الإسكندرية. وفيه قدم مركبان من فرنج الكَتَلان لأخْذِ الإسكندرية بغتةً فوجدوا أهلها قد أيقظهم متولى قبرص بهم فلم يحصل لهم مقصود. * * * وفيه أمر السلطان بإراقة الخمور فتُتُبِّعَتْ من كل من يتعاناها من المسلمين وأهل الذمة وشُدِد في ذلك وكتب إلى البلاد الشامية وغيرها، وكتب إلى الإسكندرية بإلزام الفرنج بإعادة ما جلبوه من الخمور إلى بلادهم، واتفق في دمياط أن بعض الفقهاء أراق خمرا فعارضه بعض الخاصكية وأهانه، فبلغ ذلك السلطان فأمر بضَرْب ذلك الخاصكي ضربًا

стр. 1504

مبرحا، حتى إن بعض الأمراء - وهو أخو السلطان - قام ليشفع فيه فأمر السطان بضربه معه، فضُرِبا معًا، ثم أمر بإحراق الحشيش والمنع من زرعها. * * * وفيها نقض ابن الرّكَاعِنة طاعة أبي فارس صاحب تونس، فسار إليه واجتمع به عبد الواحد بن أبو حمو وهو عمه، ففرّ ابن الرَّكَاعِنة وأقام أبو فارس عبد الواحد المذكور في مُلك تَلْمِسَان وفاس ورجع، وكان ما سيأتي ذكْرُه سنة ثلاث وثلاثين. * * * وفي السابع من رجب استقر كمال الدين بن البارزي في كتابة السر بدمشق عوضًا عن حسن السامرى (١) بحكم وفاته وكان له منذ عُزل من نظر الجيش مقيمًا بالقاهرة سبع سنين، واستقر شهاب الدين بن نقيب الأشراف بدمشق في نظر الجيش عوضًا عن حسن أيضا، وكان جمعَهُمَا. وفي عاشره استقر عز الدين عبد السلام بن داود بن عثمان المقدسي في تدريس الصلاحية بالقدس عوضا عن الشيخ شمس الدين البرماوى بحكم وفاته. واتفق في هذه السنة من العجائب أن الفول نزل عليه الصقيع بالصعيد فأفسده وهو أخضر، وشرق كثيرٌ من الأراضى فلم يُزرع، وأكلت الدودة مواضع مزروعة، فكانت هذه الأمور الثلاثة في العادة ينشأ منها الغلاء، وانضاف إلى ذلك نزول النيل بسرعة فزرعوا في شدة الحر، ثم تسلّطت الدودة مع ذلك فتحرك السعر قليلا، ولم يرتفع لشي من الغلة رأس، وتمادى الأمر على ما كان حتى جاء المغل الجديد، ثم غلا السعر في أيام زيادة النيل فزاد سعرُ كل إردبٍّ مائة درهم، وانحلت الأسعار بعد وفاء النيل، وكان ببلاد الصعيد الأعلى وباءٌ شديد ومرضٌ حاد، ومات بسببه خلائق كثيرة في رجب وشعبان. وفى سادس عشر شوال نودى بإبطال المعاملة بالدراهم البندقية واللنكية، وأخرجت الدنانير الأشرفية، ونودى أن تكون بمائتين وخمسة وعشرين، وأبطلت المعاملة بالأفلورية.

стр. 1505

وفى السادس من ذى الحجة قُبض على أزبُك الدويدار الكبير واستقر عوضه أرْكمَاس الظاهري رأس نوبة النوب واستقر في وظيفة تَمْرَاز الذي كان نائب غزة. وفيها استقر جوهر القَنْقَبَاوى خزندارًا ثانيًا، ثم بعد قليل استقر عوضا عن خُشْقَدم خزندارا كبيرًا واستقر خشقدم زماما بعد موت الزمام. وفى سابع عشر ذي الحجة استقر التاج الوالى مهمندارا عوضًا عن خَرَز، فاجتمعت له عدة وظائف: ولاية القاهرة والحجوبيةُ وشدُّ الدواوين والمهمندارية، مع استمراره في مجالسة السلطان وندمائه. * * * ذكر من مات في سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة من الأعيان ١ - إبراهيم بن عبد الله الشامى الملقَّب خرز (١)، قدم مع المؤيد فولَّاه المهمندارية بعد ابن لَاقي ومات وقد ولى مرّةً ولاية القاهرة، ومات في العشر الآخر من ذي القعدة. ٢ - أُزْدُمُرشاية (٢) أحد الأمراء الكبار، نُقِل لنيابة مَلَطْية في أول سنة ثلاثين ثم رجع إلى حلب أميرًا ومات بها في سادس شهر ربيع الآخر، وكان من مماليك الظاهر ثم صار من أتباع شيخٍ فلمّا تسلطن أمّره. ٣ - أياس الحاجب الظاهرى، كان أحد الأمراء الأربعين ثم أخرج إقطاعه وانفصل من الحجوبية ومات بطالًا. ٤ - بُكْتُمُر بن عبد الله السعدى مملوك سعد الدين بن غُراب، تربّي صغيرًا عنده وتعلّما لكتابة والقراءة وكان فصيحًا ذكيًّا ترقَّى إلى أن سَفّره السلطان إلى صاحب اليمن، ثم عاد فتأمّر وتقدّم؛ وكان فاضلًا شجاعًا عارفًا بالأمور. مات في يوم الخميس ثالث عشر ربيع الأول.

стр. 1506

٥ - جَانِبك الدويدار الأشرفى، كان (١) اشتراه وهو صغير ثم رقاه كما تقدم في الحوادث، وأمره طبلخاناه سنة ستٍّ وعشرين، وأرسل إلى الشام لتقليد النواب فأفاد مالًا عظيمًا، وتقرّر أولًا خازندارًا ثم تقرّر دويدارًا ثانيًا بعد سفر قُرْقُمَاس إلى الحجاز وصارت غالب الأمور منوطةً به وليس للدويدار الكبير معه كلام، وتمكَّن من سيده غاية التمكين حتى صار ما يُعْمل برأيه مستمرًا وما يُعمل بغير رأيه يُنْقَض عن قرب. وشرع في عمارة المدرسة التي خارج (٢) باب زويلة، وابتدأ به مرضه بالمغص ثم انتقل إلى القولنج وواظبه الأطباء بالأدوية والحقن، ثم اشتدّ به الأمر فعاده أهل الدولة كما هم من الخدمة السلطانية فحُجِبُوا دونه، فبلغ السلطان فنزل إليه العصر فعاده واغتمَّ له وأمر بنقله إلى القلعة وصار يباشر تمريضه بنفسه مع ما شاع بين الناس أنه سُقِي (٣) السّم، وعُولج بكل علاج إلى أن تماثل ودخل الحمام ونزل إلى داره فانتكس أيضا لأنه ركب إلى الصيد بالجيزة فرجع موعوكًا وتمادى به الأمر حتى مات، فنزل السلطان إلى داره وحضر غُسلَه وركب في جنازته وصلى عليه تحت القلعة. وكان شابًّا حادَّ الخلق عارفًا بالأمور الدنيوية، كثير البر للفقراء، شديدًا على من يتعاني الظلم من أهل الدولة، وهمَّ الأشرفُ مرارًا أن يؤمره تقدمةً فلم يُقدر ذلك، وكان هو في نفسه وحاله أكبر من المقدمين. مات في ليلة الخميس سابع عشري شهر ربيع الأول عن خمس وعشرين سنة تقريبًا، وماتت زوجته بعده بستَّة أيام فيقال إنه كان جامعها لما أفاق من مرضه قبل النكسة فأصابها ما كان به من الداء، ونقل السلطان أولاده عنده وبنى لهم "خان سرور" بالقرب بين القصرين وكان قد استهدم فأخذه بالربع وعمره عمارةً متقنةً بحيث صار الذي يتحصّل من ربعه يفي لأهل الربع بالقدر الذي يتحصّل لهم من جميعه.

стр. 1507

٦ - جانِبك بن حسين بن محمد بن قلاون، سيف الدين بن الأمير شرف الدين بن الناصر بن المنصور، ولد سنة بضعٍ وخمسين وأمّر طبلخاناه في سلطنة أخيه الأشرف شعبان، ولما زالت دولة آل قلاون استمر ساكنًا بالقلعة مع أهل بيته وكانت عُدَّتهُم إذ ذاك ستمائة نفس فما زال الموت يقلل عددهم إلى أن تسلطن الأشرف برسباي فأمر بهم أن يسكنوا من القاهرة حيث شاءوا فتحوّلوا، ولم يكن منهم يومئذ أقعد نسبًا من جانِبِكْ بل كان قبله بقليل ولد الناصر حسن وقد تقدّمت وفاته في ....... (١)، وأناف جانبك على السبعين. ٧ - حسن بن أحمد بن محمد البُرديني (٢)، بدر الدين، قدم من الشرقية (٣) صغيرًا ونشأ بالقاهرة فقيرًا ونزَّله أبو غالب (٤) القبطى الكاتب بمدرسته التي أنشأها بجوار باب الخوخة، فقرأ على الشيخ شمس الدين الكلائى ولم يتمهَّر في شيء من العلوم بل لما ترعرع تكسب بالشهادة، ثم ولى التوقيع واشتهر به، وكانت لديه معرفةٌ بالأمور الدنيوية فراج على ابن خلدون فنوَّه به وكذا صدْر الدين المناوى، ولم ينتقل في غالب عمره عن ذلك (٥) ولا عن ركوب الحمار حتى بأواخر دولة جمال الدين الأستادار فإن فتح الله نوّه به فركب الفرس، وناب في الحكم وطال لسانه، واشتهر بالمروءة والعصبية فهرع الناس إليه لقضاء حوائجهم وصار عمدة القبط في مهماتهم يقوم بها أتمَّ قيامٍ، وخصّوه هم بها فلا يثق أحدٌ منهم فيها بغيره فصارت له بذلك سمعة، وكان يتَجوّه على كاتب السر فتح الله بناظر

стр. 1508

الجيش ابن نصر الله وعلى ناظر الجيش ابن نصر الله بكاتب السر فتح الله، وعلى سائر الأكابر بهما معًا، فحوائجه مقضيّة عند الجميع. ولما باشر نيابة الحكم أظهر العفّة ولم يأخذ على الحكم شيئًا فأحبه أكثر الناس وفضّلوه على غيره من المهرة لهذا المعنى. وحُفِظت عنه كلمات منكرة مثل إنكاره أن يكون في الميراث خُمْسٌ أو سُبْعٌ لانَّ الله لم يذكره في كتابه، وغير ذلك من الخرافات التي كان يسميها المفردات، وحج بآخره فذكر لي صلاح الدين بن نصر الله عنه أمورًا منكرة من التبرّم والازدراء؛ نسأل الله العفو. وكان مع شدة جهله عريض الدعوى غير مُبالٍ بما يقول ويفعل مات (١) في يوم الاثنين خامس عشر رجب، وكان قد أناف على الثمانين، وتغيّر عقله. ٨ - حسن (٢) بن نجم الدين بن عبد الله، السامريُّ الأصل كاتب السرّ بدمشق وقد جمع بينها وبين نظر الجيش بعناية صهره زوج بنت امرأته أُزْبُك (٣) الدويدار، واستقر بعده كمال الدين البارزي في كتابة السر بدمشق وشهاب الدين الشريف نقيب الأشراف في نظر الجيش، وكان موت حسين المذكور في جمادى الآخرة وكان عريًّا عن العلوم جملة، والعجب أنه كان باسمه التدريس بدار الحديث الأشرفية (٤) بدمشق. وأوّل ولايته لكتابة السّر في أوّل اثنتى عشرة ثم صرف وباشر عند الأمراء، وأوّل

стр. 1509

ولايته نظر الجيش سنة خمسٍ وعشرين في صفر، ثم أضيفت إليه كتابة السر في جمادى الآخرة منها وصُرِف عن كتابة السرّ في سنة ثمانٍ وعشرين، ثم أعيدت إليه في ربيع الآخر سنة ثلاثين واستمر ما معه إلى أن مات يوم الأربعاء لست (١) بقين من جمادى الآخرة. ٩ - سعيد بن عبد الله المغربي المجاور بالجامع الأزهر وأحَدُ مَن يُعْتقد ويُزَار وكان عنده مالٌ جَمٌ من ذهبٍ وفضةٍ وفلوس، يشاهده الناس فلا يجسر أحد على أخذ شيء منه، وكان عنده ذهب هَرْجَة يخرجه أحيانا ويصففه، وقد شاع بين الناس أن من اختلس منه شيئًا أصيب في بدنه فلا يقربه أحدٌ، وكانت حوله قِفافٌ ذوات عدد ملأى من الفلوس، وكان يَحْضُر أحيانا ويغيب أحيانا إلى أن مات تاسع عشر ربيع الآخر بعد مرض طويل، وقد زاره السلطان مرة، ولما مات حمل المال الذي وجد له لبيت المال؛ وكانت جنازته حافلة. ١٠ - شرف (٢) بن أمير، السّرّائي ثم المارديني الكاتب المجوّد، تعانى الكتابة إلى أن أتقن الخط على طريقتي: ابن البواب وياقوت وتعلم منه أهل تلك البلاد، وقدم حلب على رأس القرن ثم حج في سنة تسع وعشرين، وذكر أن اللنك طلبه من صاحب ماردين فتغيّب هو كراهية من قربه من اللنك؛ ثم نزل حصن كَيْفا وسكنها وعلَّم الناس بها الكتابة، وقرّبه صاحبها. قرأتُ ترجمته في تاريخ القاضي علاء الدين بحلبٍ، أيَّده الله. ١١ - عبد الغني المعروف بابن الجيعان مستوفى الخاص، كان متموّلًا عارفًا بأمور الديوان وبالمتجر، وقد حجّ في سنة ستٍ وثمانمائة، ومات في جمادى الآخرة؛ وكان كثير السكون وفي لسانه لثغةٌ قبيحة، وعمر دارًا هائلة بقرب الجامع أخذ فيها أملاك الناس فَقُدِّر أَنْ آل نظرها إلى بنت زوجته التي كانت زوجًا لازبك الدويدار فباعَتْها بأبخس ثمن وهو ألف دينار في سنة إحدى وأربعين، وذكر لي كاتب السر كمال الدين - في سنة خمس وأربعين - أن مصروفها كان أكثر من عشرة آلاف دينار.

стр. 1510

١٢ - فَجْقَارٍ شَغَطَاي (١) أحد الأمراء الصغار، تقدم في دولة المؤيّد وقُرر رأس نوبة ولده إبراهيم، وتوجّه رسولا إلى ملك الططر، وعظم قدره في دولة الأشرف وصار زَرْدَ كاشًا، واستقر بعده فيها أحمد الأسود الذي كان دويدارًا صغيرا؛ وكان مشكور السيرة كثير الرّفق بالفلاحين عارفًا بعمارة الأرض. ١٣ - كَمَشْبُغا بن عبد الله (٢) الجمالي أحد أمراء الأربعين، كان عاقلًا وقورًا متديّنا واستنابه الناصر فرج في بعض سفراته إلى الشام، ولما كانت الدولة المؤيّدية بطل من الإمرة وولى النظر على الخانقاه بسرياقوس وحُمِدت سيرته، ومات (٣) بطالًا بحلب في يوم الجمعة في جمادى الأولى وجاوز الثمانين. ١٤ - محمد بن بن علي، الشيخ شمس الدين الرملي الحنبلي المعروف بالشَّامى، وُلد سنة أربعٍ وأربعين وسبعمائة، وسمع من أبي الحسن العرضي وتفرد بالرواية عنه بالسّماع، وسمع أيضا من [أبى الحرم] القلانسي وغيره، وسمع من موفَّق الدين القاضي وتفقَّه عليه ولازم صهره ناصر (٤) الدين وناب في الحكم مدة. وكان جلدًا قويًّا يمشى - وقد جاوز الثمانين - من بين القصرين إلى الشيخونية ليحضر وظيفة التصوف والدرس ويلازم دروسه في الطلب، يمشى على رجليه ويقضى حوائجه وحوائج الناس بنفسه، ولم يكن ماهرًا في العلم ولا متصوِّفًا في الدين ولا متثبتًا في الحكم، وكان على ذهنه ما جرياتٌ طريفة، وتعصَّب على مجد الدين سالم لما عُزِل من الحكم، وقام مع ابن المغلى قيامًا عظيما حتى كان يخدمه بنفسه في جميع ما يحتاج إليه حتى في شراء زيت القنديل يتعاطاه بنفسه. مات في ثانى عشري شعبان سامحه الله تعالى.
следующие страницы →