واتفق أَن ذلك كان وقت وفاء النيل فتفاعل المصريون على أينبك بالكسر، فإنه خرج (١) في ليلة الكسر (٢) فلم يلبث الجاليش أَن رجعوا في ثاني ربيع الآخر من بلبيس خوفًا من الأُمراء الذين صحبتهم، وكان ذلك مكيدةً من يلبغا الناصري فإنه قال: "يا أَخى أَينبك، احترز على نفسك فإن برقوق وبركة يريدان قتلك". فلم يكذبه، ففر في الحال قطلوبغا في ثلاثة أَنفس إلى أَخيه.
ويقال إنّ كُتُبَ الأُمراء وردت من الشام إلى مَن بمصر بتوبيخهم على تأمير أَينبك، فرجعوا إلى أَنفسهم وأَجابوهم بالاعتذار وأَنهم معهم، فاطّلع قطلوبغا على ذلك فهرب في ثلاثة أَنفس إلى أَخيه ورجع العسكر وطلع السلطان إلى القلعة، ثم ركب قَطْلَقْتَمر العلائي وأَلطنبغا السلطاني ليلا ومعهما جمع (٣) كبير إلى قبة النصر في ثالث ربيع الأَول. فتوجّه إليهما قطلوقجا في مائتي نفس فأَمسكوه وانكسر عسكره، فلما بلغ ذلك أَينبك هرب فرجع الأُمراءُ إلى الاسطبل، وتحدث قطلقتمر في المملكة في ذلك اليوم خاصة ثم أُمسك في اليوم الذي يليه لأَنه كان نزع لباس الحرب، فاجتمع الأُمراءُ الذين قاموا معه وأَشاروا عليه بتقرير سلطان كبيرٍ من أَولاد الناصر يكون (٤) مالك أَمره، فامتنع (٥).
ثم طلع إليه في ذلك اليوم الأُمراءُ الذين كانوا خامروا على أَينبك وهم: يلبغا الناصري ودمرداش اليوسفى وبلاط الصغير؛ ومن الطبلخانات برقوق وبركة وغير هؤلاء، فتكلموا مع قطلقتمر المذكور في أَمر المملكة، فزاد الكلام ونقص إلى أَن قبضوا عليه، وأُمْسِك معه أَلطنبغا السلطاني ومبارك شاه الطازى فأرسلوا إلى الاسكندرية.
واستقل بالكلام يلبغا النَّاصرى وبرقوق العثمانى وبركة الجوبانى، فركب الثلاثة وأَمسكوا دمرداش اليوسفى وتمرباى الحسنى ونحوهما، فأُرسلوا الجميع إلى الاسكندرية.
стр. 177
ولم يكن في الثلاثة أكبر من يلبغا النَّاصرى. وإنما كانت إمرة برقوق وبركة [إمرة] طبلخانات عن قرب ثم تقدما، واستقر بركةُ أَميرَ مجلس، وبرقوقُ أَمير آخور ومَلَكَ الاسطبل.
ثم اتفق رأيُ الثلاثة على إحضار طشتمر ليكون أَتابكًا، فحضر من الشام في ثاني عشر شهر جمادى الأُولى وخرج السلطان لتلقِّيه، فاستقر [طشتمر] أَتابك العساكر، وحضر صحبته سودون الشيخوني وتمرباى الدمرداشى رأس (١) نوبة وكانا قد نُفيا إلى الشام، واستقر يلبغا الناصري أَمير سلاح. وتمرباى الدمرداشي رأسَ نوبة، وبرقوقُ أَميرَ آخور، وبركةُ أَميرَ مجلس، وانتظم الحال على ذلك.
واستبد برقوق وبركة بالحكم وانطاع لهما طشتمر - وذلك من ثالث جمادى الأُولى، وكان ابتداء تقدمة برقوق إلى إمرة مائةٍ في سادس ربيع الآخر، وكذلك بركة.
وكان يلبغا النَّاصرى استقر أَمير آخور فانتزعه برقوق وسكن الاسطبل، وسكن بركة بيت شيخون. واستبدا بالحكم.
واستقر في نيابة الشام أقتمر الحنبلي، وفى نيابة حلب أَقشتمر، وفى نيابة حماة منكلى بغا البلدى، وكان كل هؤلاء مع طشتمر لما عزم على التوجه لمصر لنزع أَينبك.
وفي الخامس من المحرّم استقر قرطاى أَتابكَ العساكر عوضا عن طشتمر اللفاف لما مات، واستقر مبارك شاه الطازى رأسَ نوبة عوضا عن قرطاى، وخُلع على قرطاى بنظر المارستان.
* * *
وفى المحرم ولى جار الله قضاء الحنفية، وانفصل صدر الدين بن منصور من دمشق.
وفي العشرين من صفر أُحضر أَولاد الناصر من الكرك، وكان الأَشرف سيَّرهم إليها لما حج - وهم أَولاد حسن وأَولاد حسين وأَولاد حاجى - فنزلوا الدور بالقلعة على عادتهم.
وفيها أُمِر بنفى بيدمر من صفد إلى طرابلس ثم شُفع فيه فأَقام بالقدس بطالًا.
وفيها قُرر بيدمر الخوارزمي في نيابة الشام بعد موت أَقتمر.
стр. 178
وفى تاسع عشر شهر ربيع الآخر حضر أَينبك وحده إلى بلاط الصغير، فتوجّه معه إلى يلبغا الناصري فأَرسله إلى سجن الأسكندرية، وفى ذلك يقول شهاب الدين بن العطار:
مِنْ بعد عزٍّ قَدْ ذلَّ أَينبك … وانحطّ من بَعْد السمو من فتكا
وراحَ يبكي الدماء منفردًا … والناس لا يعرفون أَين بكا (١)
* * *
وفى ليلة الرابع من رجب سكر قطلقتمر - أَخو أَينبك - وهو في السجن، ثم قام ليبول فسقط من طاقٍ في المكان فمات سكرانًا ودُفن في صبيحة ذلك اليوم من غير غُسل ولا صلاة، وكان هو رأْس هذه الفتنة كلها لأَنَّه أكبر الأَسباب في القيام على الأَشرف، وأَراد بلاط الصيد فعدى إلى الجيزة فأَرسل إليه برقوق يخيّره في أَي نيابة أَراد من البلاد فامتنع، وأَراد إثارةً الفتنة فوجد المعادىَ قد عُوِّقت عليه فتوجّه إلى الكرك بطالًا.
* * *
وفى ذى الحجة وقعت الوحشة بين الأَميرين برقوق وبركة وبين أَتابك العساكر طشتمر، وكان طشتمر يحب السلامة ويكره القتال، فكان يسلِّم للأَميرين جميع ما يختارانه من ولايةٍ وعزلٍ وأَمرٍ ونهى وغير ذلك، فطمعا فيه وصارا يقترحان عليه إبعاد واحدٍ بعد واحد من أُمرائه وخواصه فيفعل ما يقترحانه عليه إلى أَن كان آخر ذلك أَن أمراه بنفى كمشبغا - رأس نوبته -، فأَراد [طشتمر] تسليمه لهما فامتنع [كمشبغا] ودخل عليه (٢) مماليكه ليلة عرفة مليسين (٣) وقالوا له: "إن لم تركب معنا قتلناك" فوعدهم وصرفهم ودخل بيت الحريم ثم قفل الباب. تركب من كان لبس (٤) من مماليكه إلى الرميلة وبلغ ذلك الأميرين (٥) فركبا ودُقّت الكوسات وتكاثر مماليك طشتمر على أُولئك فكسروا طُلب بركة وعدّة من أَطلاب الأُمراء، وظهرت من ققطاى الطواشي - خادمِ طشتمر - شجاعة عظيمة، وحَمل في مائتي نفس فكسرهم وهو يقول: "أين أَصحاب الخصي؟ ".
стр. 179
فاتفق أَن جاءَت في كمشبغا - رأسِ نوبة طشتمر - نشابةٌ فنحرته فحُمل إلى طشتمر وهو في السياق فقال له: "انظر كيف قاتلتُ عنك حتّى قتلتُ! " فقال: "وقتلتَ نفسك ورحتَ النار، وخربتَ بيتي وفتحتَ باب فتنةٍ كان قد أُغلقَ". فمات كمشبغا من ساعته وانكسر أَصحاب طشتمر بعده لأَنه ما كان ركب أَصلًا، فلما رآى ذلك جعل في رقبته منديلًا وركب من اصطبله إلى برقوق - وهو إذ ذاك زوج ابنته - بغير سلاح، فسلّم نفسه له وقال: "أَنا أُحب أَن أكون فداءَ المسلمين، فاصْنَع بي ما شئتْ"، فقبض عليه وعلى أَطلمش الدويدار وجماعةٍ من حواشيه وسُيِّروا إلى الإسكندرية. ونُفى تقطاى وجماعة معه إلى قوص.
واستقر برقوق - في ثالث عشر ذي الحجة - أَتابكَ العساكر ولم يتحول من الاسطبل، واستقر أَخوه قرادمرداش أَمير آخور وسكن في جانب الاسطبل.
ثم قَبض برقوق - في نصف ذى الحجة - على يلبغا الناصري ونفاه إلى الإسكندرية وقَرر إينال اليوسفى رأس نوبة مكان يلبعا الناصري.
* * *
وفى هذه السنة تزايد الرخاء بمصر حتى بيع بدرهم واحدٍ أَربعة وعشرون رغيفًا باردًا، والقنطار الجبن الجاموسي بثلاثين درهمًا، وبيع بدرهم أَربعون حبة من البيض وأَمثال ذلك. وفى ذلك يقول شيخنا بدر الدين بن الصاحب:
إنّ برقوق أَمير … كعبُه في الناس أَخضر (١)
* * *
وفي العشرين من جمادى الأُولى استقر الشيخ برهان الدين الأَنباسي في مشيخة سعيد السعداء بعد وفاة علاء الدين السرائي بعناية شمس الدين المقسى ناظرِ الخواص.
وفى ثالث عشرى جمادى الأُولى أُعيد القاضي علم الدين البساطي إلى قضاء المالكية، وصُرف
стр. 180
بدر الدين الإخنائي، وكان البساطى عُزل في صفر وأُعيد البدر، ثم صُرف البدر في رجب وأُعيد العلم.
وفى رجب صُرف التاج النشو من الوزارة واستقر كريم الدين بن الرويهب.
* * *
وفى صفر قُبض على يلبغا النظامي.
وفيه استقر سودون الشيخونى حاجبًا وكذلك بلوط الصرغتمشي.
وفيه نُفى منكلى بُغا الأَحمدى البلدى - وكان نائبَ طرابلس - إلى الكرك ثم نُقل إلى دمشق أَميرًا.
وفيها أُفرج عن يلبغا الناصري - وكان نُفي إلى الشام - فاستقر أَمير طبلخاناه.
* * *
وفى شعبان عَزل القاضي برهانُ الدين بنُ جماعة نفسه عن القضاءَ لوقوع هذه الفتن وكان قد انقطع عن حضور المواكب (١) فَعَين الأَميرُ طشتمر الشيخَ سراجَ الدين البلقيني مكانه، فنزل الشيخ سراج الدين لولده بدر الدين عن قضاء العسكر، ونزل ولدُه بدرُ الدين لأَخيه جلال الدين عن توقيع الدست، ولم يتم لطشتمر ما أَراده من تولية البلقيني بسَعْى بدر الدين ابن أَبي البقاء عند الأَميرين بركة وبرقوق، فقرراه في الولاية في ثامن عشر شعبان.
واستقر (٢) صدر الدين المناوي في إفتاء دار العدل عوضًا عن بدر الدين بن أَبي البقاء المذكور، واسترضيا الشيخ سراج الدين بتدريس الشافعي، والشيخ ضياءَ الدين [القرشي (٣)] بدرس الفقه والحديث بالمنصورية عوضًا عن بدر الدين.
وتوجه ابن جماعة إلى القدس على الخطابة والتدريس كعادته، وكان طشتمر يميل إلى الشيخ سراج الدين البلقيني فاتفق معه أَن يعزل ابن جماعة ويقرره [هو] في القضاء، فنزل
стр. 181
البلقيني عن قضاء العسكر لولده بدر الدين، وباتوا ليلةً من الليالي يقررون نوابَ البلاد والنوابَ بالقاهرة، حتى قيل إن بدر الدين طرق على أَبيه الباب نصف الليل فقال له: "غلطنا في تولية فلان فإنه جرى منه كذا"؛ واتفقا على تقرير غيره فيما عيّناه له، فأَصبح بدر الدين بن أَبي البقاء قاضيًا.
وقرأْتُ بخط القاضي تقى الدين الزبيرى وأَجازنيه "لما حضر طشتمر واستقر أَتابك العساكر في جمادى الآخرة شرع الشيخ سراج الدين البلقيني في الحطِّ على ابن جماعة، واستعان على ذلك بالضياء القرمى فذكرا عنه معائب وأَنه يستحق العزل، واستكتبا في ذلك عدةٌ من الفقهاء في محضر، وتقرر أَن البلقيني يستقر قاضى الشافعية، فعورض طشتمر في ذلك، واستقر بدر الدين بن أَبي البقاء كما ذكر".
* * *
وفيها استقر علم الدين القفصى في قضاء المالكية بدمشق عوضًا عن البرهان الصنهاجي، وكمالُ الدين المعرى في الحكم بحلب عوضا عن جلال الدين بن نجم الدين الزرعي.
وفيها استقر في الوزارة كريمُ الدين بنُ الرويهب عوضا عن التاج الملكي، ثم عُزل في شوال واستقر في الوزارة (١) صلاح الدين بن عرام الذي كان نائبَ الاسكندرية واستقر بالملكي ناظرَ الدولة.
وفيها استقر في نيابة حلب منكلى بغا البلدى عوضا عن أشقتمر، ثم أقبل كمشبغا واستقر بمرتبته.
* * *
وفيها قُتل بدر الدين المنشيء الذي كان الصالح - صاحب حصن كيفا - فَوّض إليه أُمور المملكة، وكان قَتْلُه وهو يصلّى التراويح في شهر رمضان ليلة إحدى وعشرين، وكان قد ضَعُف عن تدبير المملكة وأَشرفت البلاد على الخراب، فاتفق الجند على قتله فقتلوه بغتة، ثم أَعلموا
стр. 182
الصالح بذلك، فاتفق (١) الرأى على تفويض المملكة للملك العادل عز الدين سليمان: وكان قد حج في تلك السنة فتأَخر الأَمر إلى حضوره في السنة التي تليها.
* * *
وفيها استقر شيخ (٢) زاده بن أَبي أويس في سلطنة بغداد، واستمر أَخوه حسين مقيما بتبريز.
وفيها ولى قضاء المالكية بحماة رجل يقال له شمس الدين الأَدمى كان نقيب الحكم عند القفصي، فثار عليه المالكية بدمشق وعقدوا له مجلسًا عند النائب وحرروا أَنه جاهل وأَنه شاهِدُ زور وأَنه كاتِبُ مكس، فكاتَبَ النائبُ فيه فتوجه إلى مصر ثم رجع بتوقيعٍ بالاستمرار على ولايته: فباشر في السنة المقبلة.
وفى شوال (٣) سُمِّر تكا السلحدار (٤) بأَمر برقوق لأَنه كان أَخبر طشتمر بأَنه (٥) يريد أَن يقبض عليه، وأنكر تكا ذلك وحلف، ثم أَمر بإطلاقه.
وفيه أُمِّر جركس الخليلي وتكلّم في أمور الدولة (٦).
وفيه استقر عبدُ الله بن الحاجب والىَ القاهرة، وصُرف تقى الدين بن محب الدين عن نظر الجيش وأُضيفت إلى التاج الملكي.
* * *
وفيها نازل أَبو العباس بن أَبي سالم المريني - صاحبُ فاس - أبا بكر بن غازي بن يحيى
بن الكاسي الوزير، وكان غلب على غسانة واستقل بإمارتها، فحاصره أَبو العباس إلى أَن قبض
عليه فقتله طعنًا بالخناجرت مات.
стр. 183
وكان أَبو بكر المذكور استوزره عبد العزيز بن أَبي الحسن المريني في سنة ثمان وستين (١) فقام بأُموره أتم قيام حتى مات سلطانه، فقرر في السلطنة ولده محمدا - وهو صبي - وحجر عليه واستبد بالأُمور، فثار عليهم أَبو العباس هذا في سنة خمسٍ وسبعين ولم تزل الحرب دائرة بينهم إلى أَن غلب أَبو العباس على فاس في سنة ست وسبعين بعد أَن أَمَّن أبا بكر ثم قبض عليه وأَخرجه إلى غسانة فأَقام بها مسجونًا فاغتنم الفرصة ووثب على أَميرها واستقل بإمارتها إلى أَن نازله أَبو العباس، فخرج إليه بالعساكر في هذه السنة فقبض عليه وسجنه وقتله طعنًا بالخناجر وذهب مثلًا في هذه السنة.
* * *
ذكر من مات في سنة تسع وسبعين من الأعيان
١ - أَحمد بن إبراهيم بن وهيبة الصلتى قاضى حمص وبعلبك، وُلد سنة ثمانٍ وعشرين واشتغل ومهر. مات في جمادى الآخرة وله إحدى وخمسون سنة.
٢ - أَحمد بن علي بن عبد الرحمن العسقلاني الأَصل المصرى الشهير بالبلبيسي (٢) الملقب "سمكة"، كان بارعا في الفقه والعربية والقراءات، فكان الإسنوى يعظِّمه وهو من أَكابر مَن أَخذ عنه، واشتغل وبرع وأَخذ عن علماء عصره وسمع من الميدومى وغيره، ورافق (٣) شيخنا العراقي في سماع الحديث، وقرأَ بالروايات وكان خيرًا متواضعًا. مات في المحرم.
٣ - أَحمد بن قوصون التركي أَحد الأُمراء (٤)، وكان ساكنًا خيرًا دينا. مات في ذي الحجة.
٤ - أَحمد بن يوسف بن مالك الرُّعيني، أَبو جعفر الغرناطي، ارتحل إلى الحج فرافق أَبا عبد الله بن جابر الأَعمى فتصاحبا وترافقا إلى أَن صارا يعرفان بالأَعميين، وسمعا في الرحلة من أَبي حيان وأَحمد بن علي الجزرى والحافظ المزِّى وغيرهم، وكان أَبو جعفر شاعرًا ماهرًا عارفًا بفنون الأَدب، وكان رفيقه عالمًا بالعربية مقتدرًا على النظم، واستوطنا أَلبيرة من عمل حلب وانتفع بهما أَهل تلك البلاد، ونظم أَبو عبد الله البديعية، فشرحها
стр. 184
أَبو جعفر، وصنّف أَبو جعفر أَيضا في العروض والنحو. وكان أَبو جعفر كثير العبادة. مات (١) عن سبعين سنة.
٥ - أَحمد (٢) بن أَبي الخير اليمنى الصياد، أَحد المشهورين بالصلاح والكرامات من أَهل اليمن (٣)، صنّف الشيخ عبد الله بدر الدين أَسعد اليافعي في مناقبه جزءًا ذكر فيه عجائب ما وقع له، مِن أَطرفه أَنه دخل خلوةً هو ورجل من الزيدية واشترطا أَن يقيما فيها أَربعين يومًا لا يأكلان ولا يشربان، فضحّ الزيدى من رابع يوم فأُخرج ووفى هو بما قال: فتاب الزيدي على يده هو وجميع من معه مات في شوال وله أَربعون سنة.
٦ - إسماعيل بن سلطان الكردى، أَحدُ من كان يُعتقد بدمشق وكان يأكل من كسْب يده [وله نظم (٤)]. مات في شوال.
٧ - آقتمر الحنبلي الصالحي، كان من مماليك الصالح إسماعيل وولى رأس نوبة في دولة المنصور بن المظفر ثم خزندارًا في دولة الأَشرف، ثم تقدّم في سنة سبعين، ثم نفاه أُلجاى إلى الشام، ثم أُعيد بطالًا ثم استقر رأس نوبة ثم نائب السلطنة بعد منجك، ثم عُزل منها في أَواخر دولة الأَشرف لإنكاره على بعض خواصه، ثم أُعيد بعد الأَشرف، ثم نفاه أَينبك إلى الشام، ثم قُرر في نيابة الشام بعد مجيء طشتمر إلى مصر إلى أَن توفى في هذه السنة في شهر رجب، وكان يعرف أولا "بالصاحبي".
وكان يرجع إلى دينٍ وخير، وعنده وسواس كبير في الطهارة وغيرها فلُقب لذلك "بالحنبلي"، وكان يحب الأَمر بالمعروف وإزالة المنكر، واتفق في آخر عمره أَن بعض مماليكه قبضوا على
стр. 185
امرأَة أنكروا أَمرها فاستغاثت، فظن بعض العامة أَنهم أَرادوا بها الفساد فرجموهم فأَدْموا وجه أَحدهم، فشكوا إلى النائب فأَمسك مَن وُجد في ذلك المكان وأَمر بقطع أَيديهم فشفعوا فيهم، فأَمر بضربهم بالمقارع فضُربوا وغالبهم بريء. فابتهلوا بالدعاء عليه فلم يقم إلَّا دون الشهر ومات. فكانت إمرته على دمشق عاما واحدا وشهرا. مات في جمادى الأُولى (١).
٨ - أبو بكر (٢) بن بهادر بن سنقر الشاعر أَسد الدين: كان كثير الهجاء وبلغ ديوانه أَربع (٣) مجلدات. وكان شيعيا، وكان يلقب: "أَسد الدين" و "سيف الدين"، وكان له إقطاع، وكان قد سمع من ابن مشرف، ويقال كان صحيح العقيدة إلَّا أَنه يحب أَهل البيت، ويسلك في شعره طريق الأَعراب، وكان يتوسوس عند النية ليقرنها بالتكبير في أَول الصلاة، فربما كرر التكبير حتى يفرغ الإمام من الرباعية. وكان يدعى أَنه يجتمع بالجن ويقال إنه اجتمع بابن تيمية فقال له: "بلغني أَنك تفضل بلالًا عَلى علِيّ" فقال ابن تيمية: "أنا ما فضلته ولكن الله فضّله، قال: "في أَين؟، قال: "في قوله تعالى (٤) ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾، فقال له: في الاستدلال بهذه الآية على المدّعى نظر، قال: "اجلس، أقرره لك"، فأَبى وقال: "بلغني أنك ما ناظرتَ أَحدًا فقطعك".
ومات في جمادى الأُولى.
٩ - أَبو بكر بن دانيال: عماد الدين على (٥). مات في ربيع الأَول.
١٠ - أَبو بكر (٦) بن علي بن عبد الملك الماردى (٧): زين الدين المالكي قاضي دمشق بعد موت المسلاتي ثم قاضى حلب، ثم عُزل واستمر بدمشق بعد ذلك إلى أَن مات.
стр. 186
وكان سمع من ابن مشرف "منارهُ (١) في العلوم"، وكان مشاركا في العلوم إلَّا أَنه كان بذيء اللسان مع حسن صورته، مات فجأَة في شوال بدمشق وبلغ الستين.
١١ - أَبو بكر بن غازي بن يحيى بن الكاسي وزير صاحب فاس. تقدم (٢) ذكره في آخر الحوادث.
١٢ - أَبو بكر بن محمد بن أَحمد بن عبد الواحد الطرسوسي ثم الدمشقى، يعرف بابن أَخي القاضي، سمع من عمه العماد على بن أَحمد الطرسوسي القاضي الحنفي وأَبي نصر الشيرازي وغيرهما. مات في شوال.
١٣ - الحسن بن أَحمد بن هلال بن سعد بن فضل الله الصرخدى ثم الصالحي المعروف "بابن هُبل الطحان" وُلد سنة ثلاث وثمانين وستمائة. وسمع من الفخر بن البخاري الجزء الثاني من "الحربيات"، ومن التقى الواسطي الثاني من "مسند أَبي بكر لابن صاعد" وأَجاز له، وحدث بالكثير فإنه سمع بنفسه من التقى سليمان وأَخيه ومن فاطمة (٣) بنت سليمان والدشتي وعثمان الحمصي وعيسى المغارى وغيرهم. حدث بالكثير ورحل الناس إليه. مات في صفر.
١٤ - حسن بن عبد الله الكناني رئيس المؤذنين بالجامع الأموى وكان إليه المنتهى في حسن الصوت وطول النفس. مات في عاشوراء بدمشق.
١٥ - الحسن بن علي بن موسى الحمصي الحنفى: بدر الدين. سمع من أَبي بكر بن قوام والعلم سليمان المنشد والبرزالي وغيرهم، ودرّس بالخاتونية وناب في الحكم، وكان حسن الشيبة والخط. . مات في تاسع ذي القعدة.
١٦ - الحسن بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب بن عمر بن شريح (٤) بن عمر، الدمشقى الأَصل الحلبي، أَبو محمد بدر الدين، وُلد بحلب سنة عشر وأُحْضر في الشهر العاشر
стр. 187
من عمره على إبراهيم وعبد الرحمن وإسماعيل ابني صالح العجمي "عشرة الحداد" بسماعهم على يوسف بن خليل، وأُحضر على بيبرس العدمى وغيره، ورحل فسمع بالقاهرة "جزء ابن عرفة" على محمد بن إبراهيم بن معضاد، قال أنا النجيب. وسمع بها من محمد بن غالى وعبد المحسن بن الصابونى ويحيى بن المصرى وغيرهم واشتغل وبرع إلى أَن صار رأسًا في الأَدب والشروط، ثم انتقى وخرج وأَرخ وتعالى في تواليفه السجع، وكتب الشروط على القضاة وناب في الحكم، ووقع في الإنشاء وصنّف فيها. ونسخ "البخارى" بخطه، واشتهر بالأَدب فنظم ونثر وجمع مجاميع مفيدة، ثم لزم منزله بآخره مقبلًا على التصنيف والإفادة فمنها "درة الأَسلاك (١) في دولة الأَتراك" و "تذكرة النبيه، في أَيام المنصور وبنيه" وكل ما فيهما منثور.
وكان دمث الأَخلاق حسن المحاضرة جيد المذاكرة، وهو القائل:
وَلِي (٢) من بنات العُرب هيفاء قدُّها … متى لاح أخفى الوُرق (٣) في الورق الخُضْرِ
إذا مالَ منها الطرْف قال كنانة … يقول منادي خَدِّها: "يا بني النضر"
مات ضحى يوم الجمعة حادى عشرى شهر ربيع الآخر بحلب عن تسع وستين سنة، وهو والد الشيخ زين الدين طاهر، وقد ذَيّل على تاريخه.
١٧ - خديجة بنت أَحمد بن أَلطنباى المعروف أَبوها "بابن الحلبية" (٤): سمعَت من العماد البالسي وابن مشرف وهدية بنت عسكر وغيرهم وحدثتْ، وهى والدة شيخنا زين الدين عمر البالسى. ماتت بحلب.
١٨ - داود الكردى، أَحدُ من كان يُعتقد بدمشق، وكان لا يخالط. أَحدًا ولا يقطع التلاوة، ويتلو القرآن كلمةً كلمة ويتدبرها، ويقوم الليل ولا يخرج من جامع تنكز (٥) بدمشق إلَّا نادرًا مات في شوال.
١٩ - دنيا بنت الأَقباعى المغنية الدمشقية، اشتهرت بالتقدم في صناعتها فاستدعاها
стр. 188
الملك الناصر حسن علَى البريد فأَكرمها. ثم وفدت على الملك الأَشرف فحظيت عنده، وهى كانت من أَعظم الأَسباب في إسقاط مكس المغاني، سأَلتِ السلطان في ذلك فأَجاب إليه، ثم أَراد ابن أَقبغا آص إعادته فتكلم الشيخ ضباء الدين والشيخ سراج الدين البلقيني مع الأَشرف وهو ضعيف فأَنكر على ابن أَقبغا آص ذلك، واستمر إبطاله.
٢٠ - راشد بن عبيد (١) الله بن صالح التفتّى - قريةٌ بعجلون - سكنَ دمشق، وكان كثير التلاوة جدا يجهر بها ويذكر أَنه من ذرية معاذ ويغلط في ذلك فإن معاذا لم يعقب، وكان يقرئ القرآن، قرأ عليه خلق كثير ولم يكن لسانه يفتر. مات في ربيع الآخر.
٢١ - زينب بنت أَحمد بن عبد الخالق بن عبد الرحمن بن محمد بن يونس الموصلية الأَصل (٢) الدمشقية ويقال لها الفخرية، سمعت من عيسى المطعم وابن النشو وغيرهما وحدَّثت بالكثير: وماتت في شعبان.
٢٢ - صالح بن أَحمد بن عمر بن يوسف بن أَبي السفاح الحلبي، صلاح الدين أَبو النسك، كان يتعانى الكتابة، وباشر وكالة بيت المال ونظر الأَوقاف بحلب، وكان رئيسًا عالى الهمة حسن العشرة مشكور السيرة، ومن إنشاده وما أَدرى هل هو له أو لغيره (٣):
لا نلتُ من الوصال ما أَمَّلْت
إنْ كان متَى ما حِلْتَ عنى حلت
أَحبْتُكم طفلًا وها قد شببت
أبغى بدلًا (٤) ضاق عليّ الوقت
وكان قد تضعف هذه السنة فخرج إلى الحج فمات ببُصرى في شوال وله سبع وستون سنة. أَرخه طاهر (٥) بن حبيب.
стр. 189
٢٣ - طشتمر التفاف التركي، تأمر في أَواخر دولة الأَشرف ثم كان ممنْ قام مع قرطاي في تلك الفتنة واستقر أَتابكَ العساكر دفعةً (١) واحدة من الجندية، ثم سكن في بيت أَرغون شاه واحتاط على جميع موجوده، فلما ضعف في أَول هذه السنة وثقل في المرض أوصى أَن جميع موجوده ملك ورثة أَرغون شاه. مات في ثالث المحرم مطعونا.
٢٤ - طلحة بن محمد بن عثمان الشرمساحى، تقى الدين موقع الحكم، تقدم في صناعته وبرع في فنِّه وولى شهادة الخزانة وصاهر أَبا البقاء وعظمت منزلته: وقد حدَّث عن بعض أَصحاب النجيب.
مات في عاشر المحرم. وهو عم صاحبنا عز الدين بن أَبي طلحة.
٢٥ - عبد الله بن العلامة فخر الدين محمد بن علي بن إبراهيم المصرى ثم الدمشقي، جمال الدين بن الفخر المصرى الفقيه، الشافعي أَبوه، وُلد بعد سنة ثلاثين وأُسمع على زينب بنت الكمال وجماعة، وطلب بنفسه وكتب.
مات في شعبان، وكان رئيسا محتشما كريم النفس، وخلّف له أَبوه (٢) مالًا كثيرا فأَذهبه في النفقات. وعنى بالفقه على كبر، وكان عند موت أَبيه مشتغلا بالتجارة فاستقر جمال الدين قاضي الزبداني في تدريس الشافعية فباشرها نيابةً عنه، وشغله في "المنهاج" وغيره إلى أَن تأَهل ودرس، وقد طلب الحديث بنفسه فقرأَ وكتب (٣) وأَسمع أَولاده.
٢٦ - عبد الرحمن بن أَحمد بن عبد الهادى المقدسي، أَخو العلامة الحافظ. شمس الدين، سمع مع أَخيه من التقى سليمان "كتاب العلم" للمروزي، ومن المجد "الفرج" لابن أَبي الدنيا، ومن الحجار "الأَمالى" لابن عفَّان، ومن أَبى نصر بن الشيرازي وابن سعد.
مات في جمادى الآخرة، وكان أَحد شهود مجلس الحكم الحنبلي ويكتب خطا حسنا.
٢٧ - عبد السلام بن محمد بن محمود بن روزبة بن إبراهيم الكازرونى ثم المدني، أَحد الفضلاء بالمدينة. مات في ربيع الأَول.
стр. 190
٢٨ - علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم البعلبكي المقريزي، علاء الدين. وُلد بدمشق وسمع بها واشتغل، وكان (١) حنبليا، ثم قدم القاهرة فصاهر شمس (٢) الدين بن الصائغ وتزوج ابنته أَسماءَ سنة خمس وستين، وكتب التوقيع والشهادة بالديوان عند آقتمر عبد الغنى المعروف بالحنبلي النائب بديار مصر، وكان عاقلا عفيفا (٣) متدينا، وهو والد العلامة تقى الدين [المقريزى] ومات في خامس عشري رمضان.
٢٩ - عمر (٤) بن الجمال محمد بن أَبي بكر العبدري الشيبي، إمام مقام الحنفية بمكة، عنى بالعلم ومات في أَواخر ذى القعدة بخليص وحُمل إلى مكة فدُفن بها.
٣٠ - أَبو العباس الطرابلسي كان فاضلًا ببلده (٥). مات في رمضان.
٣١ - فاطمة بنت أَحمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطبري، أُم الحسن بنت أَبى العباس بن الرضى الإمام، سمعت من جدها الرضى وحدثت وماتت في هذه السنة.
٣٢ - قرَطاى بن عبد الله التركي أَكبر القائمين على الأَشرف وكان من مماليك طاز، ثم كان ممن خدم عند يلبغا، فلما قُتل يلبغا أُبعد مَن كان مِن جهته إلى أَن ولى طشتمر الدويدار فأعاد جماعةً هذا منهم فاستقر رأسَ نوبة عند وُلد السلطان، وقدَّمه الأَشرف ثم كفر نعمته وأَزال دولته وقتله وفرق الخزائن فمزّقها في أَسرع وقت ثم لم يتمتع بذلك بل مات قتلًا (٦) بطرابلس، وكان قد اتفق مع جماعةٍ على الخروج على نائب الشام فعلم بذلك فأَرسل من خنقه في رمضان.
٣٣ - محمد بن أَحمد بن عبد الرحمن الشامي، جمال الدين أَبو الفضل نزيل مكة (٧)، تفقه بالعماد الحسباني، وأَخذ عن أَبي العباس العنّابي وتقى الدين بن رافع، وسمع من ابن أميلة
стр. 191
وغيره، وتخرج بالعفيف المطرى، وسمع بمصر وغيرها، وكان ترافق هو وعبد السلام الكازرونى فمات الشامي في صفر ثم الكازرونى بعده بأَياء، وقد حدَّث باليسير ولم يكمل الأَربعين.
٣٤ - محمد بن سلمان (١) بن العماد السيرجي، تنقّل في الولايات بدمشق ما بين توقيع الدست - مكان أَبيه - والحسبة وغيرهما. وكان قد حج في هذه السنة فمات في ذى الحجة قبل أَن يصل إلى مكة.
٣٥ - محمد بن علم الدين صالح الإسنوى بدر الدين ناظر الأَوقاف، جاور بمكة فمات بعد رجوع الحاج في ذى الحجة.
٣٦ - محمد بن عبد الله الطرابلسي الحلبي، الشافعي الفروع، الحنبلى الأُصول، صاحب ابن القيم، حمل عنه الكثير وكان فاضلًا مشهورًا في (٢) فنِّه، وذهنه جيد وله نظم حسن، وكان قصيرا جدا ولم يكن يعاشر الفقهاء، ودرّس بالظاهرية (٣). مات في رمضان.
٣٧ - محمد بن عبد الله المنوفى الفقيه المالكي، كان أَبوه أَحد المعتقَدين وكان هو من الفضلاء. مات في رمضان.
٣٨ - محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن زهرة الحلبي، مجد الدين أَبو سالم، جال في بلاد العجم ولقى العلماء بها واشتغل بالمعانى وغيرها وقال الشعر، وكان يذكر أَنه سمع "المشارق" من محمد بن محمد بن الحسن بن أَبي العلاء الفيروزبادي بسماعه من محمد بن محمد بن الحسين بن أَحمد النيسابوري المعروف بالخليفة، وحدّث بشيء من ذلك بحلب، ومن نظمه:
أَبا سالمٍ: إعْمَلْ لنفسك صالحًا … فما كل من لاقى الحِمَامَ بسالم
مات في ربيع الأَول.
стр. 192
٣٩ - محمد بن عيسى بن أَحمد (١) بن حسين بن عبد المحسن الجزري الأَصل. الياسوفى ثم الدمشقى، سمع من أَحمد بن علي الجزرى، وصار نقيبا بالدرس وحدث. قال الشيخ الشهاب بن حجى: "كان لا بأس به". مات في ربيع الأَول وله نحو خمسين سنة.
٤٠ - محمد بن محمد بن إبراهيم البليسي، مجد (٢) الدين، الإسكندري الأَصل موع الحكم، سمع من الوانى والمزى وغيرهما وتفقه بالمجد الزنكلونى وأَخذ عن ابن هشام، وعنى بالحساب فكان رأسًا فيه وفى الشروط، وانتهت إليه معرفة السجلات، وكان يوقِّع عن المالكية وينوب عن الحنفية وعاش ستين سنة.
٤١ - محمد بن محمد بن أَحمد بن المغربل البصروى (٣) نزيل دمشق، سمع من الشيخ شرف الدين الفزاري غالب "سنن النسائي" ومن علاء الدين الوداعي وغيرهما. واعتنى بالفقه والعربية. مات في جمادى الآخرة وقد أَسَنَّ فإنّه أَدرك الشيخ برهان الدين الفزاري، وأَخذ عن ابن مُسَلم الحنبلي، وقد حدث قديما حتى إن الشيخ شهاب الدين بن الشيخ زين الدين القرشي حدث (٤) عنه، وحضر عنده أَبو البقاء وغيره فحدث في الدرس عن هذا المغربل وهو حاضر وهو لا يشعر. قال ابن حجى: "لم يتفق لي السماع من المغربل إلا بهذه الطريق".
٤٢ - محمد بن محمد بن علي بن الشمس أَحمد بن ملكتام (٥) الإربلى الأَصل ثم الدمشقى بدر الدين، سمع من الحجار وغيره وحدث عن الجيلى "بالمنتقى" من البيهقي ومات في ربيع الآخر عن اثنتين وسبعين سنة.
كان مولده سنة سبع عشرة وسبعمائة.
٤٣ - محمد بن محمد بن مشرق بن منصور بن محمود بن شرف الدين الزرعي قاضي عجلون، كان من الفضلاء حسن السيرة. مات بدمشق في ربيع الأَول.
стр. 193
٤٤ - محمد بن محمد بن يحيى بن عثمان بن رسلان البعلى، شمس الدين بن بدر الدين السلاوى، يعرف بابن الشقراء، وُلد بعد سنة سبع مائة، وسمع في سنة سبع وسبعمائة من شمس الدين بن أَبي الفتح وبعد ذلك من القطب اليونيني ومن جماعة وحدث. أَخذ عنه الياسوفى وابن حجى وغيرهما، وكان رجلًا خيرًا. مات في جمادى الأُولى.
٤٥ - محمد بن ميكال اليمني، بدر الدين، أَمير حرض والمهجم وغيرهما من بلاد اليمن زمن المجاهد ثم خرج عليه وادَّعى أَنه حسنى، وخطب له بالسلطنة على المنابر، ومات المجاهد في غضون ذلك فنهض الأَفضل لحربه إلى أَن فرَّ فلجأَ إلى الإمام الزيدي بصعدة فأَقام عنده حتى مات في هذه السنة.
٤٦ - محمود بن أَحمد الحلبي الخلعى إمام فارس، اشتغل كثيرًا بحلب ومهر وحفظ. كتبا وبحث وقرأَ ثم قدم دمشق فمات بها وهو شاب وله دون الأَربعين.
٤٧ - ميمون أَبو وكيل التونسى المالكي. أَحد الفضلاء بالقاهرة (١).
* * *
стр. 194
سنة ثمانين وسبعمائة
في أَولها مات أَينبك في السجن بالإسكندرية، ووهم من أَرخه في الماضية، وكان الوصول بخبر موته في يوم عاشوراء، وصودرت زوجته على مال عظيم جدا. وأُهينت إلى الغاية (١).
وفيها (٢) استقر كريم الدين بن مكانس في نظر الدولة عوضا عن التاج الملكي (٣). ثم استقر في سادس صفر عوضا عن ابن عرّام في الوزارة نقلًا من نظر الدولة، واستقر أَخوه فخر الدين في نظر الدولة.
وفيها أُعيد تقى الدين بن محب الدين إلى نظر الجيش في تاسع عشر صفر وعُزل التاج الملكي وصودر.
وفى ثامن المحرم قبض على ابن آقبغا آص وصودر على مائة أَلفٍ ثم اعتُقل بالكرك.
* * *
وفيها كان الحريق العظيم بدار التفاح ظاهر باب زويلة فعمل في الفكاهين (٤) والنقليين والبرادعيين، ولولا أَن السور منع النار النفوذ لاحترق أَكثر المدينة، فاهتم بأَمره بركة وركب بنفسه، وركب معه دمرداش الأَحمدى وأيتمش وغيرهما إلى أَن خمد بعد ثلاثة أَيام، وأَقام الناس في شيل التراب ثلاثة أَشهر، وعمل فيه زين الدين طاهر بن حبيب الموقع (٥) قطعةً، منها:
بباب زويلةٍ وافى حريقٌ … أَزال معانيَ الحسن المصونِ
وما برح الخلائق في ابتهالٍ … لمحيى الأَرض منْ بعد المنون
стр. 195
إلى أَن قال:
… (١) … ... … في لطف وفضل يانار كونى
وعمل شهاب الدين بن العطار:
حانوت غازى ونائب الحنفي … قد أَشعلا النارَ في الدُّجى الساري
ولا عجيبٌ من احتراقهما … فقد أَتى "قاضيان (٢) في النار"
وفيها (٣) أُفرج عن يلبغا الناصري واستقر في تقدمة أَلفٍ (٤) بدمشق ثم نقل إلى نيابة طرابلس.
وفى عاشر صفر استقر تاج الدين بن الرملى (٥) وزيرًا بالشام، وقد باشر (٦) هذا إلى أَن ولى نظر الدولة فدام فيها إلى أَن مات بعد أَربعين سنة. من هذا الوقت.
وفيها قُبض على تمرباى رأس نوبة: تحيّل عليه بركة حتى أَمسكه (٧) ونفاه إلى الإسكندرية واستقر بركة في وظيفته وباشر نظر المرستان، واستناب جمالَ الدين العجمي عوضا عن بدر الدين الأَقفهسي. واستقر دمرداش في وظيفة بركة - وهى أَمير مجلس - واستقر أَلطنبغا الجوباني على تقدمة تمرباي.
وتتبع برقوق مماليك (٨) أُلجاى وحواشيه فنفاهم إلى قوص وإلى الشام وإلى الاسكندرية، وغير ذلك (٩) وقد قيل كان عدد من نفاه منهم ثمانى مائة نفس وأُهينوا إلى الغاية فكانوا
стр. 196
يجعلون يد هذا ويد هذا في خشبةٍ ويحبسهما في خزانة شمائل، ووَسط، منهم جماعة وسَمر آخرين ثم قَبض على جماعةٍ من مماليك الأُمراء أرادوا إثارة الفتنة (١)، ثم قبض على جماعةٍ من الأَشرفية فحُبِسوا.
وفى سادس (٢) ربيع الأَول صودر سيف المقدم على مائة أَلف دينار فأَورد منها قدر النصف ثم شُفع فيه واستمر (٣)، وقبض على محمد بن يوسف المقدم فضُرب بحضرته حتى مات.
وفيها أُضيفت حسبة مصر لجمال الدين العجمي عوضا عن الشريف عاصم، فقرر (٤) فيها رفيقه سراج الدين عمر الفيومي (٥) القيسرى (٦).
وفيها (٧) ولى الشريف مرتضى نظر الأَوقاف، فطلب من الشريف شرف الدين على بن فخر الدين نقيب الأَشراف كتابَ وقف الأَشراف (٨)، فامتنع من إرساله فأَهانه الأَمير برقوق جدا وعزله عن النقابة وقَرر فيها الشريف عاصمًا.
* * *
وفى سابع عشر ربيع الآخر كانت كائنة الشيخ سراج الدين بن الملقّن وكان ينوب في الحكم فتكلّم برقوق فيمن يولِّيه قضاء الشافعية عوضا عن بدر الدين بن أَبي البقاء لسوء سيرته، وكان الشيخ سراج الدين يتردد إلى برقوق فذكره للولاية ومِن عزمه أَلَّا يغرمه شيئا (٩)، فذكر ذلك لبعض أَصحابه، فبلغ الخبر بدر الدين بن أَبي البقاء فسعى (١٠) ببذل
стр. 197
مال جزيل فلم يلتفت برقرق لذلك وصمم على ولاية ابن الملقِّن فبلغه ذلك، فأَشار عليه بعض أَصحابه أَن يُرضي بركة لئلا يفسد عليه الأَمر، فسعى ابن أَبي البقاء فكتب ورقةً بأَربعة آلاف دينار لبركة.
فلما شاور برقوق الأُمراء في تولية ابن الملقّن وأَثنى عليه بالدين والفضل قال له بركة: "يا أَغا: اصبر عليَّ حتى أَقبض منه الذي وعدنى به" فتغيظ برقوق (١) من ذلك، وأَخذ الورقة وأَمر بإحضار ابن الملقِّن وجمع (٢) العلماءَ؛ فتكلم كل واحد بما يهوى، فأَخرج برفيق الورقة وقال للشيخ سراج الدين: "هذا خطك؟ " فقال "لا"؛ وصدق في ذلك فإن الورقة لم تكن بخطه وإنما كتبها الذي أشار عليه - على لسانه -، فازداد غيظا عليه وأهانه وسلمه للمقدم محمد بن يوسف وأَمره أَن يخلص منه المال الذي وعد به في الورقة.
فاتفق أَن المقدم المذكور كان وقع في واقع، فرَفع أَمره إلى ابن الملقّن فحكم بحقن دمه فرعى له ذلك، فلما كان في يوم الخميس رابع عشرى ربيع الآخر اجتمع البلقيني والركراكي وطائفة من العلماء وسأَلوا الأَمير في الشيخ سراج الدين فوعدهم بأَن يطلقه، فصمم البلقيني وقال: "ما أتوجه إلَّا به"، فسلَّمه له فنزل به.
وكان ابن الملقن قد دخل في رأسه دخان المنصب فولّى وعزل وعَيّن جماعةً لوظائف فلم يتم له شيء من ذلك.
قرأْتُ بخط قاضي القضاة تقى الدين الزبيرى: "كان السبب في سعى ابن الملقِّن أَن برقوق كان طلب مَن يقرأُ عنده عليه "البخاري" في رمضان سنة تسع وسبعين فذكروه له، فاجتمع به وصارت بينهما صداقة، فلما استقر بدر الدين بن أَبي البقاء استنابه في الصالحية وأَعطاه الشرفية لقربه من برقوق، فتاقت نفسه إلى المنصب، فذكر القصة وذكر أَنه أُهين في ذلك المجلس وأَنه لما سئل أَجاب بأَنه سعى لتعين (٣) ذلك عليه، فأَمر برقوق القاضي بدر الدين بعزله وسلَّمه لشاد الدواوين فبقى عنده إلى أَن خلص في أَول جمادى الآخرة".
في ربيع الأَول سعى الشيخ شمس الدين العليمي في مشيخة الخانقاه الأَسدية (٤) بدمشق
стр. 198
وكانت ببد الشيخ صدر الدين الياسوفى وأَعانه على ذلك الشيخ حب الله فانتزعها من الصدر، فاتفق أَن العليمى قَبض عليه والى الشرطة في خامس عشر ربيع الآخر في بيت نصراني وبين يديه باطية خمر، فحمله إلى الحاجب فأَقام عليه الحد، واتفق أن الذين وشوا به كانوا من أَتباع الياسوفى، فانتصر له النائب فرسم عليهم وعلى الياسوفى، وقرر في مشيخة الأَسدية الشيخ شمس الدين بن سند.
وفى ربيع الآخر قام جماعةٌ على الشيخ شمس الدين الحنفى القونوى المقيم بالمزة (١)، ورفعوا إلى السلطان أَنه يقع في العلماء حتى فى الصحابة، فرسم بأَن يعقد له مجلس بدمشق، فطلبه النائب وادعى عليه فلم يثبت عليه شئ فأُطلق وعظم قدره بعد ذلك.
وفيها استقر أَمير غالب بن أَمير كاتب، همامُ الدين بن قوام الدين الأَتقانى في قضاء الحنفية بدمشق، وكان مذكورًا بالفسق والجهل.
* * *
وفيها (٢) نازل الفرنج طرابلس (٣) في عدة مراكب فالتقاهم يلبغا الناصري فهزمهم فإنه (٤) أَمر العسكر أَن يتأَخروا فطمع فيهم الفرنج وتتبعوهم إلى أَن بعدوا عن البحر فرجع عليهم بالعسكر فهزمهم، وقتل منهم جماعة، وكان فتحا مباركًا لأَنه استطرد لهم إلى أن صاروا في البر، فضرب عليهم يزكا فقبض على أكثرهم وقُتل منهم جمع كبير وفر مَن نجا (٥) إلى المراكب فأَقلعوا بها هاربين.
* * *
وفيها نازل مبارك شاه الطازى (٦) نائبَ أَبلستين خليل بن ذلغادر التركماني ومَنْ معه فانكسروا فتتبعهم فردوا عليه فكسروه. وأَمسكه خليل فضرب عنقه صبرا.
* * *
стр. 199
وفى جمادي الأُولى قُبض على الشمس المقسى ناظر الخاص وصودر على مالٍ جليل، ونُقل ما في منزله فوُجد من جملته أَلف بدن سنجاب، وأُضيف نظر الخاص لابن مكانس مع الوزارة.
وفيه ظهر كوكب له ذؤابة، وبقى مدة يُرى فى أَول الليل من ناحية الشمال، وفى آخر الليل من ناحية الجنوب.
* * *
وفيها تحدّث بركة في نظر الأَوقاف وتكلم معه فيها جمال الدين المحتسب، وانتزعوا جميع الأَوقاف من الشافعى حتى جامع ابن طولون. وذلك في شهر رجب.
وفيها في شعبان سعى شمس الدين بن أَخى جار الله في مشيخة سعيد السعداء وكانت بيد الشيخ برهان الدين الأَنباسي فحج في السنة الماضية واستناب صديقه الشيخ زين الدين [عبد الرحيم بن الحسين] العراق وجاور، فقام جماعةً من أَهلها فرافعوا الشيخ برهان الدين وذكروا (١) أَنه يهمل أَمرها وقال قوم منهم: "أَعرَض عنها"، فقرر بركةُ شمسَ الدين المذكور عوضا عنه.
وسعى جماعة ممن تتعصب للشيخ برهان الدين في عقد مجلسٍ وساعدهم الشيخ سراج الدين البلقيني فما أَفاد، واستقر ابن أَخي الجار (٢).
وفيه أُطلق طشتمر من سجن الإسكندرية ونُقل إلى دمياط فأَقام بها بطالًا مطلقا.
وفيها استقر كمشبغا اليلبغاوى فى النيابة بدمشق وصُرف بيدمر وسجن بالإسكندرية.
وفيها أَغار قرط -أَميرُ أسوان- على أَولاد الكنز فأَمسك منهم أَحد عشر نفسًا من أَكابرهم وأَحضرهم إلى القاهرة فقُتلوا، وهو أَول من تعرَّض لهم، وكانوا يسكنون خارجًا عنها، وهم من ذرية بعض عبيد بني عبيد أَصحاب القصر بالقاهرة، وكاتبَ بذلك كبيرَ الدولة فعُلِّقت الرءُوس بباب زويلة وأَرسل صحبتهم نحو المائتي نفس فاسْتُرِقوا وبيعوا، فانفتح منهم على
стр. 200
أَهل البلاد باب (١) شر، وآل الأَمر إلى أَن خربت أُسوان بأَيديهم وجلا عنها أَهلها في زماننا هذا واستولى بقاياهم عليها.
* * *
وفيها استقر موسى بن قرمان كاشفَ الوجه القبلى وأَمّر تقدمة أَلفٍ، وكوتب بملك الأُمراء، وهو أَول من صُنع له ذلك، وذلك (٢) بعد قتل مراد الكاشف (٣) من عربان البحيرة بدرَ ابن سلام ومَن معه.
وفيها استقر تمرباى الدمرداش في نيابة حماة عوضًا عن كمشبغا.
وفيها أُفرج عن قزدمر من المرقب وعن ابن أَخيه يُلك وأَقاما بطرابلس ثم نُقلا إلى دمشق، ثم عُيِّن قزدمر لنيابة حلب فلم يتم له ذلك، ثم أُعطى إقطاع خطط.، ثم استقر حطط. في في نيابة حماة لما انتقل تمرباى [الأَفضلى التمرتاشي (٤)] إلى نيابة حلب.
وفيها قُبض على أَشَقْتَمر نائب حلب وسُجن بالاسكندرية ثم أُفرج عنه ونقل إلى القدس (٥) بطالًا.
واستقر في نيابة حلب منكلي بغا الأَحمدى (٦) ثم قُبض عليه في رجب وسجن بالقلعة، ونُقل تمرباي من نيابة حماة إلى نيابة حلب.
* * *
وفيها قدم الشيخ أَمين الدين الخلوتي (٧) فأُنزل في دار الضيافة، وحصل له من الأُمراء فتوح كثير، فشرع في عمل السماعات وإنفاق ما يدخل عليه من الفتوح في ذلك، فانثال عليه الناس وكثر زائروه ومعتقدوه، وذكر أَنه دخل إلى بلاد برغال وأهلها كفار فدعاهم إلى الإسلام فأَسلم غالبهم على يده.
стр. 201
وفيها توجّه شخص من أَهل الصلاح -يقال له عبد الله الزيلعي- إلى الجيزة فبات بقرب "أَبو النمرس" فسمع حس الناقوس فسأَل عنه فقيل له إن بها كنيسةً يُعمل فيها ذلك كل ليلة حتى ليلة الجمعة وفى يومها والخطيب على المنبر، فسعى عند جمال الدين المحتسب في هدمها فقام في ذلك قياما تاما إلى أَن هدمها وصيّرها مسجدا.
وفي جمادى الآخرة تكلم تغرى برمش الحاجب الكبير فى الوزير ابن مكانس وشدةِ عسفه وظلمه، فقال له بركة: " اصلح أَنت نفسك، فغضب ورمى قباءَه ولزم بيته، ثم نُقل إلى حلب حاجبًا فسار إليها.
وفي أَواخر شوال قُبض على فخر الدين بن مكانس وأَخيه الوزير وأُهينا وصودرا ثم هربا، واستقر التاج الملكي في الوزارة، والشمسُ المقسى في نظر الخاص، وكان ابن مكانس في في مباشرته أَهوجَ شديدَ الجور وإحداث المظالم، حتى إنّه قبل إلقاء القبض عليه بقليلٍ توجه بنفسه إلى بركة الحجاج وألزم المقدمين (١) أَن يُحضروا أَوراق مكس الجمال التي معهم، ومَن لم يُحضر ورقة أُلزم بإعادة المكس، فحصل بذلك للحجاج ضرر كبير، وهو أَول من أَحدث ذلك فعوجل، وكان من قبل ذلك بقليل بلغه أَن بقيسارية جركس كثيرًا من القماش بغير ختم فأَغلقها في ليالي العيد ثمانية أَيام ففاتهم الموسم وكثر دعاؤهم عليه.
وفيها أمُسِك ابن التركية أَميرُ عربان البحيرة فقَبض عليه أَيدمر والى البحيرة وسُجن.
وتوجه جمع كبير من الأُمراء إلى الصعيد لتتبع العربان فهربوا (٢) فرجعوا (٣) بغير طائل، وكان الأَمير مراد استقر في كشف الصعيد في ثالث عشر صفر، وهو أَول (٤) من ولي ذلك بتقدمة أَلف، فوقع بينه وبين بدر بن سلام -أَمير عرب البحيرة- وقعة انجلت عن قتل مراد، فنُقل في مركب إلى القاهرة في شعبان، واستقر موسى بنُ قرمان ملكَ الأُمراء بالوجه القبلى وهو أَول من عملها، وقَرر فى خدمته حاجبًا أَمير أَربعين، وذلك في سادس رمضان.
стр. 202
وفيها كانت بين تمرباي (١) -نائب حلب- وبين التركمان وقعة كبيرة كسروه فيها كسرةً شنيعة، وارتفعت رءُوس التركمان من يومئذٍ ومنعوا العداد. هذا من التاريخ.
وفيها ولى ناصر الدين أَحمد بن التنسى القضاءَ بالاسكندرية، وصُرف عز الدين بن الريغي وكان استقر بعد موت أَبيه، ثم صُرف [ابن التنسى] بعد قليل وعاد ابن الريغي، ثم صُرف وعاد ابن التنسى فى ذى الحجة منها، وصارا يتنازعان ذلك مدةً إلى أَن نُقل ابن التنسى إلى القضاءَ بالقاهرة كما سيأْتي.
وفيها جهز الأَشرفُ -صاحبُ اليمن- المحمل إلى مكة ومعه كسوةٌ للكعبة، فحال أَمير الركب المصرى بينهم وبين كسوة الكعبة، وكادت تقع الفتنة ثم خمدت بلطف الله تعالى وبعناية صاحب مكة، وحصل له بذلك من اليمنيين ما ذُكر.
وفيها حُمل إلى المرستان رجلٌ كان منقطعا بين النهرين في عريشٍ فمرض فبقى ملقًى على الطريق أَياما، فحمله بعضهم إلى المرستان فنزل فيه ثم مات فغُسّل وصلى عليه وحمل إلى المقبرة، فلما أُدخل القبر عطس فأُخرج ثم عوفى وعاش، وصار يحدث بما رأى وعاين، وكانت هذه كائنةً غريبة بدمشق في جمادى الآخرة.
وفى السادس عشر من ذي الحجة كان قد تكلّم الأُمراءُ في إبطال الأَوقاف من أَراضي الديار المصرية بسبب أَن الواقفين يشترون الأَرض بطريق الحيلة ثم يوقفونها، فعُقد لذلك مجلسٌ حضره أَهل العلم والأَعيان فقال برقوق: "ما أَضعفَ عسكرَ المسلمين إلا هذه الأَوقاف، والصواب استرجاعُها"، فأَنكر الشيخ أَكمل الدين ذلك وتكلم معه ومع بركة بالتركي إلى أَن نفر فيه بركة وأَظهر الغضب، فبادر الشيخ سراج الدين البلقيني وقال: "أَمّا أَوقاف الجوامع والمدارس وجميع ما للعلماء والطلبة فلا سبيل إليها، ولا يحل لأَحد نقضُهُ لأَن لهم في الخمس أَكثر من ذلك، وأَما ما وقف على عويشة وفطيمة واشتُرِىَ لأَمثالهم من بيت المال بالحيلة فينبغي أَن يُنْقَض إذا تُحُقِّق أَنه أُخذ بغير حق".
فقال بدر الدين بن أَبي البقاء للقاضي: "الأَرض كلها للسلطان يفعل فيها ما يشاء"، فرد عليه بدر الدين بن الشيخ سراج الدين وقال: "بل السلطان كآحاد الناس لا يملك من الأَرض شَيئًا إلَّا كما يملكه غيره" فكثر اللغط. . وانفصلوا على غير شيء.
стр. 203
إلا أَن الشيخ أَكمل الدين بعد ذلك بالَغَ في الرد على من أَراد إبطال شيء من الأَوقاف وقبَّح فِعل ذلك، وساعده الشيخ ضياء الدين القرمى إلى أَن سكن الحال.
وفيها استقر أَوحد الدين -موقّع برقوق- في نظر خزانة الخاص بعد موت علاء الدين ابن غراب.
وفى شوال رَمى ابنُ الحاجب عبدُ الله طيرًا فصرعه وادعى لبركة، وشرع في تجهيز التقدمة (١) على العادة، والعادة في ذلك أَن يُقدِّم من يفعل ذلك للأمير الذى يدعى له تقدمةً هائلة تساوى قدر أَلفي دينار، فذَكر بعض الأُمراء لبركة أَن عبد الله بن الحاجب هذا قدَّم لصرغتمش قبل هذا التاريخ أَضعاف ذلك، فغضب بركة وأَخذ التقدمة وأَمر بنفيه هو وولده إلى الشام بطالين، ثم تُشُفِّع عنده فيهما فأَمر بردهما، فبذلا عشرة آلاف دينار، فأَمَّر عبدَ الله [إمرة] أَربعين، وأَقام ابنه بطالًا.
وفيها في خامس عشرى ذى الحجة وُجدت ورقة عند برقوق فيها "إن غلام الله -مشدّ الشربخاناه- يريد أَن يكبس عليكم في صلاة الجمعة العبيد"، فأَمر [برقوق] الخطيبَ أَن يؤخر الخطبة، واتفق حضور قرط من أسوان ومعه كتبٌ من غلام الله إلى أَولاد الكنز يحرّضهم على المجئ، فقبض على غلام الله وسُجن.
وفيها طغى التركمان وتجمعوا بعد كسر مبارك الطازى وقَتْلِه، فأَرسل برقوق إلى تمر باى- نائبِ حلب- أَن يرسل إليهم الجيوش، وجهز عسكر الشام (٢) إليهم أَيضا فتوجهوا، فكسرهم التركمان وتبعوهم إلى الدربند ونجحوا في ذلك، وكان التركمان -لما أَحسوا بالغلبة- أَرسلوا منهم أَربعين نفسًا بالتحف والهدايا وأَظهروا الطاعة والخضوع قبل الوقعة والتزموا بدرْك الطرقات (٣): فلم يقبل منهم ذلك وأُمسكت رسلهم وأُخذ ما معهم وكُبِس في الحال على منازلهم ونُهبت أَموالهم وسُبيت نساؤهم وانتُهكت محارمهم، حتى كان الغلمان والأَتباع يفتضون الأَبكار بغير إنكار.
стр. 204
فلما أَلحّ العسكر في اتباعهم رجعوا عليهم مستقتلين، فوقفوا لهم عند مضيق، فقُتل من العسكر عدد كبير وجُرح أَكثرهم، ونُهب ما معهم وهزموهم، فقيل كان جملة ما نهب ثلاثين أَلف جمل محملة، وثلاثة عشر أَلف فرس ونحو ذلك، فحمِىَ التركمان واجتمعوا وكمنوا لهم عند مضيقٍ يقال له " فار الملك" على شاطى البحر بالقرب من بلدة أَياس، وطريقُه لا يسلكها إلّا جمل واحد، فلما مروا بهم أَوقعوا بهم فلم ينج منهم إلّا الشارد وهَلك المُعْظم، ويقال إن تمر باى أسِر فلم يُعرف فتحيل حتى أُطلق. وملك التركمان بلستين (١) واستعدوا لقصد حلب ونهبها في صفر.
وفى صفر منها استقر السلطان الملك العادل فخر الدين سليمان بن غازي في مملكة حصن كيفا، فَوّض إليه ذلك أَخوه الملك الصالح بعد أَن أشهد على نفسه بالرضا بذلك وخَلع نفسه من الملك، وضُربت الدراهم والدنانير باسم سليمان، ورسخت قدمه في المملكة.
وفيها أُمْسِك سابق الدين مثقال الأَشرفي -زمام الأَشرف شعبان كان- فصودر على مالٍ كبير على يد سيف المقدم، فأُخِذ منه ثلاثة آلاف دينار.
وفى شوال أُمر بتبطيل الوكلاء من دور القضاة.
وفيها (٢) مات موسى بن محمد بن شُهرى التركماني من أَكابرهم، ومات بسيس بعد رجوعه من أَلبيرة.
* * *
ذكر من مات فى سنة ثمانين وسبع مائة من الأعيان:
١ - إبراهيم بن عبد الله الحِكرى، برهان الدين المصرى، ولى القضاءَ (٣) بالمدينة، وكان عارفًا بالعربية، وشرَح "الأَلفية"، ثم رجع فمات بالقدس في جمادى الآخرة، وقد ناب في الحكم عن البلقيني في الخليل والقدس، وأَمَّ عنه نيابةً بالجامع بدمشق.
٢ - أحمد بن خضر بن أحمد بن سعد بن عمار بن غزوان بن علي بن مشرف بن تركى
стр. 205
الحسباني السعدي، شهاب الدين نزيل دمشق. كان من أَهل حسبان وسكن دمشق فكانت له جلادة وصرامة وكان من الشهود، ذكره قريبه شهاب الدين بن حجى وذكر أَنه وجد شهادةَ عمِّ جد أَبيه على المعظم بن العادل في سنة خمس وستمائة في وقف جامع حسبان، "وشهد بذلك عمار بن غزوان بن على السعدي"، ثم أدلى بتلك الشهادة عند الحاكم بحسبان عبدِ الحق بن عبد الرحمن سنة عشرين وستمائة. مات بدمشق.
٣ - أحمد بن سليمان بن محمد العدناني: أَبو العباسّ البِرِشْكي، بكسر الموحدة والراء وسكون المعجمة بعدها كاف، والد صاحبنا المحدث زين الدين عبد الرحمن (١)، روى عن الوادي آثى والشريف المعرى، واشْتغل ومهر، وله حواشٍ على رياض الصالحين" للنووى في مجلد، وله تواليف. روى عنه عبد الله بن مسعود بن على بن القرشية وغيره من أَهل تونس. مات في هذه السنة.
٤ - أحمد بن عبد الله العجمي المعروف بِـ "أَبي ذر"، قدم مصر بعد أَن صحب حب الشريف حيدر ابن محمد فأَقام مدة ثم رجع إلى القدس وبه مات، واشتهر على أَلسنة العامة بآذار. كان يَعرف علم الحرف ويدرِّس من كتب ابن العربى، وله اشتغال في المعقول وذكاء، وكان كثير التقشّف وللناس فيه اعتقاد.
مات في ذى الحجة وقد أضرَّ وجاوز السبعين.
٥ - أحمد بن محمد بن إسماعيل الطبرى المكي، سمع من الرضى الطبرى وغيره وحدث.
٦ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن ملك بن مكتوم العجلونى بن خطيب بيت لهيا، شهاب الدين بن فخر الدين. وُلد سنة تسع وسبعمائة، وسمع من الحجار وإسماعيل بن عمر الحموي (٢) وغيرهما وحدث. وكان رئيسًا وجيها وله عدة مشاركات. مات في المحرم.
٧ - أحمد بن محمد بن محمد بن حسن العِزِّى -بالعين المهملة المكسورة ثم الزاى- كان أَحد المؤذنين والقراء بالأَلحان وفاق أَقرانه، وكان وجيها يتعانى الشهادة ثم ترك، وكان شريف
стр. 206
النفس منجمعا محببا إلى الناس. مات في جمادى الأُولى وقد جاوز الأَربعين، وهو خال الشيخ شهاب الدين بن حجى.
٨ - أحمد بن مخلص السنجاري، الشيخ شهاب الدين الدمشقى، وُلد سنة بضعٍ وسبعمائة، وسمع من السلاوى والمزى والبرزالي وغيرهم، وكان صوفيا بخانقاه خاتون (١)، منجمعا متقشفا بِمِلكٍ له وقَفه على نفسه ثم على الخانقاه وحدّث. مات في جادى الآخرة.
٩ - أطلمش بن (٢) عبد الله الدوادار، مات بالاسكندرية، وكان يقال له الأَرغونى، أَمّر أَربعين بعد قتل الأَشرف، ثم استقر دويدارًا كبيرًا، ثم قُبض عليه مع طشتمر، ثم أُعطى تقدمةَ أَلف بالشام، ومات في ربيع الآخر.
١٠ - أَقبغا البجمدار خزندار أُلجاى: كان شجاعًا مقدامًا تقدّم في زمن أُستاذه ثم نُفى بعده إلى الشام ثم أُعطى إمرة عشرة بمصر ثم قُبض عليه في صفر وقتل بسيس (٣). مات بعد رجوعه من القاهرة.
١١ - أَبو بكر بن الحافظ. تقى الدين محمد بن رافع، وُلد في رمضان سنة ست وثلاثين، وأَسمعه أَبوه من زينب بنت الكمال والجزرى وغيرهما وحدث، وكان قد درّس بالعزيزية (٤) بعد أَبيه. مات في رجب.
١٢ - الحسن بن عبد الله الصيرفى المصرى، كان نقيبَ الفقراء وله نظم. مات في صفر.
١٣ - الحسن بن سالار بن محمود الغزنوى (٥) ثم البغدادى الفقيه الشافعي، رحل قديمًا فسمع من الحجار وغيره ثم رجع وحدث ببغداد "بصحيح البخارى" عن الحجار و "بتلخيص المفتاح" عن مصنفه الجلال القزويني. مات في شوال.
١٤ - الحسن بن محمد بن حسن بن أَحمد بن عبد الواحد الدمشقي، بدر الدين بن الزملكاني، كان من رؤساء الدمشقيين ومات في رمضان.
стр. 207
١٥ - داود بن إسماعيل القلقيلي، نسبة إلى قرية بين نابلس والرملة، يلقب "بهاء الدين" كان فاضلًا شافعيا يدرس ويُفتى. وسكن في حلب، ومات في هذه السنة.
ذكره القاضي علاء الدين في تاريخه.
١٦ - صالح بن محمد بن صالح المناوى، أَحدُ المعتقَدين بالقاهرة. مات بمنية السيرج وبها كانت زاويته وتُذكر عنه كرامات، وكان كثير الضيافة للواردين وللناس فيه اعتقاد كبير. مات في رمضان.
١٧ - ضياء بن سعد الله بن محمد بن عثمان القزويني، ويقال له "القرمي"، ويعرف "بقاضي القرم"، ويسمى أَيضا "عبد الله"، الشيخ ضياء الدين العفيفى أَحد العلماء، تفقّه في بلاده وأَخذ عن القاضي عضد الدين وغيره، واشتغل على أَبيه والبدر التسترى والخلخالي، وتقدم في العلم قديمًا حتى كان سعد الدين التفتازانى أَحد من قرأَ عليه، وحج قديمًا فسمع بالمدينة من العفيف المطرى، وكان اسمه "عُبيد الله" فكان لا يرضى أَن يكتبه، فقيل له في ذلك فقال: "لموافقته اسم عبيد الله بن زياد قاتل الحسين".
وكان يستحضر المذهبين: الحنفية (١) والشافعية ويُفتى فيهما، ويحسن إلى الطلبة بجاهه وماله مع الدين المتين والتواضع الزائد وكثرة الخير وعدم الشر والعظمة الزائدة، وكانت لحيته طويلة جدا بحيث تصل إلى قدميه ولا ينام إلّا وهى في كيس، وكان إذا ركب فرقها فرقتين، وكان عوام مصر إذا رأَوه قالوا: "سبحان الخالق" فكان يقول: "عوام مصر مؤمنون حقا لأَنهم يستدلّون بالصنعة على الصانع".
ولما قدم القاهرة استقر فى تدريس الشافعية بالشيخونية وفى مشيخة البيبرسية وغير ذلك، وكان لا يمل من الاشتغال حتى في حال مشيه وركوبه، ويحل "الكشاف" و "الحاوى" حلًّا إليه المنتهى حتى يُظَنّ أَنه يحفَظهما أَو يقدر على سردهما، وكان يقول: "أَنا حنفى الأُصول شافعي الفروع"، وكان يدرس دائما بغير مطالعة، وعظم قدره جدا في أَيام دولة الأَشرف. مات في ثالث عشر ذي الحجة (٢).
стр. 208
قرأتُ بخط. قاضي القضاة تقى الدين الزبيرى -وهو فيما أَجازنيه-: "وإن سبب موته أَنه عُقد عند برقوق مجلس بسبب الأَوقاف، فتكلّم الضياءُ بكلام قوىٍّ فغضب منه برقوق وأَجابه بجواب خشن خاف منه على نفسه، فلما رجع إلى الشيخونية ثم رجع إلى بيته مرض واستمر إلى أَن مات".
كتب إليه زين الدين طاهر بن الحسن بن حبيب:
قُلْ لرب النّدى وَمَنْ طَلَبَ العِلْـ … ـمَ مُجدًّا إلى سبيل السواء
إنْ أَردْتَ الخلاصَ منْ ظُلمةِ الجهْـ … ـلِ فما تهتدى بغيْر الضياء
فأَجاب:
قل لمن يطلب الهدايةَ منِّى … خلتَ لمعَ السرابِ بركةَ ماء
ليس عندي من الضياء شعاع … كيف تبغى الهدى من اسم الضياء
١٨ - طلحة بن عيسى بن ابراهيم بن عيسى الزبيدي المهتار، كان صالحًا له كرامات. مات في ربيع الآخر".
١٩ - عارف (١) بن محمد العجمى نزيل التماهرة، كان عارفًا بالموسيقى وانتهت إليه الرياسة في ذلك، وكان أَحد الصوفية بالبيبرسية. مات في ذي القعدة.
٢٠ - عبد الله بن عبد الله الجبرتي صاحب الزاوية بالقرافة، أَحدُ من يُعتقد بالقاهرة. مات في المحرم (٢) سادس عشره.
٢١ - عبد الله بن محمد بن سهل المرسى المغربي نزيل الاسكندرية، ويعرف "بالشيخ نهار"، كان أَحد من يُعتقد ببلده وتُذْكر عنه مكاشفات كبيرة. مات في جمادى الأُولى ودُفن (٣) بتربة الديماس بالاسكندرية.
٢٢ - عبد الله بن محمد بن شاهد الاصطبل، وكان من الخواص عند ابن الغنَّام، وولى نظر المواريث، وكان شديد السمرة. مات بعد رجوعه من الحج في صفر.
стр. 209
٢٣ - عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم، عز الدين (١) أَبو محمد بن العجمى الحلبي، سمع من أَبى (٢) بكر أَحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن العجمي "مجالس ابن عبد ربه" الثلاثة، سمع منه ابن ظهيرة والبرهان المحدث وغيرهما، ومات راجعا من الحج في ثالث المحرم، وكان شيخا منقطعا عن الناس له وقفٌ يرتزق. منه، وهو من بيتٍ كبير بحلب.
٢٤ - عبد الملك بن عبد الكريم بن يحيى بن محمد بن على بن محمد بن يحيى القرشي بن محيى الدين بن الركن الدمشقى، كان من بيتٍ كبير بدمشق، وُلد قبل التلاثين وسمع من زينب بنت الكمال وغيرها، وطلب بنفسه واشتغل وحدث وناب في الحكم ودرّس وكان من الرؤساء. مات فى ذى القعدة ولم يكمل الخمسين وكان له نظم.
٢٥ - على بن صالح بن أَحمد بن خلف بن أَبي بكر الطيبي ثم المصرى، سمع من الحجار ووزيرة وحدّث عن ابن مخلوف بالسادس من "الثقفيّات" سماعًا. أنا جعفر "مات في سابع عشر المحرم"، وسمع منه أَبو حامد بن ظهيرة بالقاهرة.
٢٦ - على بن (٣) عبد الوهاب بن عثمان بن محمد. بن عرب الطنبدى محتسب القاهرة، وولى وكالة بيت المال ونظر الخزانة، وحج في هذه السنة فمات بعد قضاء حجه بمكة في ثالث عشر ذي الحجة.
٢٧ - على بن كلفت والعامة تقول "كلبك" شاد الدواوين، كان مشهورًا بالفقه ويقال إنه ما ارتشى قط. لكنه كان ظالما غشومًا. مات بالطريق بين حلب ودمشق في جمادى الآخرة فحُمل إلى دمشق فدُفن بها، ويقال إنه لما كان بحلب ظَلم ظلما كثيرًا فطلبه منكلي بغا النائب وأَهانه وضربه، فكان ذلك سبب موته.
٢٨ - مبارك شاه الطازى أَحد الأُمراء، كان من أَعيان أَتباع طاز وأَول ما تأَمّر أَربعين في شوال سنةَ ثمان وستين، ثم أَمِّر تقدمةً في سنة خمس وسبعين، ثم كان ممن أَعان على قتل الأَشرف، واستقر في أَول سنة تسع وسبعين رأسَ نوبة، ثم قُبض عليه مع قرطاي وسجن بالاسكندرية ثم أُطلق وأعطى نيابة البلستين، ثم نقل إلى نيابة غزّة في أَول سنة ثمانين ثم أُعيد إلى البلستين فقُتل فى صفر.
стр. 210
٢٩ - محمد بن ابراهيم بن محمد بن يوسف الدمشقي شمس الدين الحسباني، وُلد بحسبان وأَصله من غزّة وإنما ولى أَبوه القضاءَ بحسبان ونشأَ هو بها وكتب بين يدى أَبيه، ثم ولى كتابة الحكم بدمشق، وكان مشهورًا بالمهارة في ذلك عارفًا بالوثائق. مات في المحرم عن سبعين سنة.
٣٠ - محمد بن أَحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أَبي عمر محمد بن أَحمد بن قدامة المقدسي الصالحي الحنبلي، صلاح الدين بن تقى الدين بن العزِّ: مسند الدنيا في عصره. وُلد سنة أَربع وثمانين، وتفرّد بالسماع من الفخر بن البخارى وسمع منه " مشيخته" وأَكثر "مسند أَحمد" و "الشمائل" و "المنتقى الكبير من الغيلانيات"، وسمع من التقى الواسطي وأَخيه محمد وأَحمد بن عبد المؤمن الصورى وعيسى المغارى والحسن بن على الخلّال والعزّ الفراء والتقى بن مؤمن ونصر الله بن عياش وآخرين (١)، وأَجاز له فى سنة خمس وثمانين جماعة من أَصحاب ابن طبرزاد والكندى وخرج له الياسوفى "مشيخة"، وحدث بالإجازة عن الفخر ابن المجاور وعبد الرحمن بن الزين وزينب بنت مكِّى وزينب بنت العلم، وأُسمع الكثير ورحل الناس إليه وتزاحموا عليه وأَكثروا عنه، وكان ديّنا صالحًا حسن الاستماعَ، أَمَّ بمدرسة جده وأسمع الحديث أَكثر من خمسين سنة، وكان أَولا متعسرا ثم سمح، وقد أَجاز لأَهل مصر خصوصًا من عمومٍ فدخلْنا في ذلك. مات في شوال عن ست وتسعين سنة وأَشهر، ونزل الناس بموته درجة؛ وُلد في آخر سنة ثلاث أَو أَول أَربع وثمانين فأَكمل ستا وتسعين سنة وأَشهرًا.
٣١ - محمد بن أَحمد بن رسول بن الأَنْبَاسى محتسب دمشق وليها مرارًا. مات في ذي القعدة.
٣٢ - محمد بن أَحمد بن على بن جابر الهواري الأَندلسي، أَبو عبد الله بن جابر الضرير صاحب "البديعية"، تقدّم ذكره مع رفيقه أَبي جعفر الغرناطي. ومات هو في هذه السنة.
٣٣ - محمد بن أَحمد بن محمد بن أَحمد بن حسن الخراساني بدر الدين بن ركن الدين ابن وحيد الدين الخراساني الأَصل الدمشقى، شيخ خانقاه الطووايس (٢)، تلقاها عن والده
стр. 211
سنة إحدى وأَربعين، وكان مولده سنة عشرين وسبعمائة، وسمع من السادجي بعض "جامع الترمذي" وحدث ومات في صفر.
٣٤ - محمد بن إسماعيل بن أَحمد الدمشقى الفراء الأَشقر الملقب بالقِزِل (١)، سمع المزي وإبراهيم بن القرشية والبرزالي وجماعةً من أَصحاب ابن عبد الدائم وحدث، وكان دمث الأَخلاق يحب أَهل الحديث وأصحاب ابن تيمية. حفظ القرآن على كبر، وقد حفظ عليه القرآنَ جماعة. مات في ربيع الآخر.
٣٥ - محمد بن على بن أَلجُبغا (٢) العادلى ناصر الدين، نشأَ في رياسة وتعانى الفروسية ومهر في لعب الأكرة، وولى إمرة عشرة ثم طبلخاناه ثم أَمِّر تقدمةً في سنة سبع وسبعين وولى نيابة السلطنة في أَول سنة ثمانين، ثم ولى نيابة غزة في ربيع الأَول منها ثم استعفى لمرض عَرَض له ومات في جمادى الآخرة.
٣٦ - محمد بن عيسى شمس الدين النابلسى قاضيها وخطيبها وهو سبط القلقشندى. مات في جمادى الآخرة وهو من أبناء الأربعين.
٣٧ - محمد بن محمد بن سعيد بن عمر بن على الهندى الصاغاني (٣)، ضياء الدين، نزيل المدينة ثم مكة، كان فاضلًا صاحب فنون ويدرى الفقه والعربية والأُصول، وله سماع من البدر الفارقى والعفيف المطرى، وكان يتعانى التجارة. مات فى ذى الحجة وقد جاوز الثمانين.
وهو والد صاحبنا شهاب الدين (٤) بن الضياء قاضي الحنفية الآن بمكة، وقد ادَّعى والده أَنهم من ذرية الصفائى وأَن الصفانى من ذرية عمر بن الخطاب. وكان قد سمع على الجمال المطرى والقطب بن مكرم والبدر الفارق، وكان سبب تحوله من المدينة أَنه كان كثير المال فطلب منه جماز أَميرها شيئًا فامتنع فسجنه ثم أَفرج عنه، فاتفق أَنهما اجتمعا بالمسجد، فوقع من جماز كلام في حق أَبي بكر وعمر فكفّره الضياء، وقام من المجلس فتغيّب وتوصل إلى ينبع، واستجار بأميرها أَبي الغيث فأرسله إلى مصر فشنع على جماز، فأَمر السلطان بقتله فقُتل
стр. 212
في الموسم، فنهب آل جماز دار الضيافة، فتحول إلى مكة وتعصب له يلبغا، فقرر له درسًا للحنفية في سنة ثلاث وستين، واستمر مقيما بمكة إلى أَن مات.
وكان عارفًا بالفقه والعربية، شديد التعصب للحنفية، كثير الوقيعة في الشافعية.
٣٨ - محمد بن محمد بن عثمان بن الصفى أَحمد بن محمد بن أَبي بكر الطيري، سمع من جده عثمان وجماعة بدمشق ومكة وحدث. أَخذ عنه السراج الدمنهورى وغيره، وكتب الكثير وتوجه إلى بلاد الهند سنة ثمان وخمسين فأَقام بها إلى أَن مات في هذه السنة.
٣٩ - محمود بن على بن ابراهيم القيصرى، شيخ الخانقاه الخاتونية وناظر الربوة، وولى أَيضا نظر الأَسرى (١)، وكان مكينًا عند الناس كثير الأَفضال والمكارم، وقد نزل لولده عبد الملك عن المشيخة قبل موته بقليل، وكانت له مكانة عند الناس ومكارم أَخلاق. مات في شوال. [و] أُسمع "صحيح مسلم" على السلاوى، ونزل له صهره ابن حمويه عن مشيخة الشيوخ وما سعى فيها واستمر في الخاتونية.
٤٠ - موسى بن عبد الله الأَزْكُشِّى نائب السلطنة في عدة أَقاليم وبالقاهرة (٢) ثم الأستادارية والحجوبية والإشارة والكلام في أُمور المملكة كلها. مات في المحلة في ذي القعدة وحُمل (٣) إلى داره بالحسينية؛ وكان معروفًا بالعفه والديانة.
٤١ - موسى بن محمد بن شُهْرِى -بضم المعجمة وسكون الهاء- التركماني، أَحد أَكابر الأُمراء بحلب (٤) والنائب في سيس وغيرها من البلاد الشمالية: وهو (٥) سبط. الملك المؤيد صاحب حماة؛ مات في رمضان وقد جاوز الأَربعين وكان يحب العلم ويفهم كثيرًا ويذاكر
стр. 213
ويتمذهب للشافعي، ويقال إن الباريني (١) أَذن له الإفتاء، وكان ذلك في سنةِ وفاته، قد ولى نيابة سيس.
٤٢ - نهار (٢)، الذى كان يُعتقد بالاسكندرية. هو عبد الله. تقدم (٣).
* * *
стр. 214
سنة احدى وثمانين وسبعمائة
فيها وصل الحجاج إلى الأَزلم فلم يجدوا بها الإقامة على العادة، فوقع فيهم الغلاء الشديد، وكان السبب في تأخير الإقامة أَن العرب الذين جرت عادتهم بحملها نُقل لهم عن عرب بُلَىّ أَنهم أَرادوا نهب الإقامة فتأَخروا بمغارة شعيب، فوصل الحاج إلى المويلحة فلم يجدوا شيئًا ثم عيون القصب فلم يجدوا شيئا، فغلا (١) السعر حتى بيعت الويبة الشعير بإثنين وتسعين درهما، قيمتها حينئذ تزيد على خمسة دنانير هرجة؛ ومات من الجمال شيءٌ كثير، وقاسى الحجاج مشقة شديدة، وتأَخّروا عن العادة خمسة أَيام.
وفي رابع عشرى المحرم (٢) استقر قرط (٣) بن عمر التركماني الكاشف نائب السلطنة بالوجه القبلى وابنه حسين والى قوص، وأَوقع قرط فى ربيع الآخر بالعرب فكسروه وقتلوا عددا (٤) من مماليكه، ثم عاد فانتصر عليهم وقتل منهم مقتلةً وأَرسل رءُوسًا من القتلى إلى القاهرة فعُلِّقَت (٥).
وفيها توجه فخر الدين أَياس في طلب برهان الدين بن جماعة (٦) لشكوى الناس من سيرة ابن أَبي البقاء، فوصل في أَواخر صفر فخرج بركة لملتقاه وطلع صحبته إلى برقوق ونزل آخر النهار في صهريج منجك، ثم طُلب صبيحة قدومه إلى القلعة وخُلع عليه، ونزل في موكب حافل في ثلاثة عشر من الأُمراء الكبار، فارتجت له القاهرة بحيث كان أَعظم من يوم المحمل وباشر بحرمة ومهابة أَعظم من المرة الأُولى واستعاد من البلقيني تدريس الشافعي،
стр. 215
وكان انتزعه البلقيني لما استقر ابن أَبي البقاء في القضاءَ، ثم إن ابن جماعة اصطلح مع البلقيني وعوّضه نظر وقف السيفى ووقف المدرسة الطقجية، فكانت ولاية ابن أَبي البقاء هذه الأُولى: سنةً وأربعة أشهر.
وقرأْتُ بخط. الزبيرى أَن العظمة المذكورة لابن جماعة كانت من جهة بركة، فلما تلاشي أَمره لم يتفق لابن جماعة مثل هذه الصورة التي كانت في أَيام الأَشرف بعناية ابن أقبغا آص.
وفيها أَمر بركة بمسك الكلاب ونفيها (١) إلى الجيزة، وقرّر على كل أَميرٍ وكلِّ صاحبِ دكانٍ منهم شيئًا.
وفيها قيس الميدان وجُعل على كل أَميرٍ فدانٌ، فأَحضر كل أَمير رجالًا من عنده فعَزقوه وأَصلحوه (٢).
وفي صفر (٣) قُبض على مثقال الجمالي الزمامي الأَشرفي، وسئل عن ذخائر (٤) الأَشرف بعد أَن عُرض على العقوبة، فدلّ على ذخيرةٍ وجدوا فيها ثلاثين أَلف دينار، ثم هُدِّد فأَقرّ بأُخرى فيها نصف الأُولى.
وفيها أَحْضر (٥) مثقال المذكور برنية فصوص من جملتها فص عين هرٍّ زنته ستة عشر درهما، ثم ضُرِب وسُعِّط مرارًا فلم يقر بشئ، ثم وجدت ورقة (٦) بخط الأَشرف فيها فهرست ذخائره فاعتبرت، فتحققوا أَنه ما بقى عند مثقال شي، فأُطلق.
وفي ربيع الآخر أَمر بركة بتسمير جماعة من قطّاع الطريق فسُمّروا، وكانوا نحو الستة عشر نفسًا.
وفيها شاع بين العامة أَن بركة يريد أَن يركب عليهم فتحدثوا في ذلك، فأَمر بركة والىَ