← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

سمع منه "المسلسل" عن النجيب، و "جزء ابن عرفة"، وسمع من عبد الرحمن بن تيمية وابنه والمزِّى والبرزالي والحسن (١) الشبلى وحبيبة بنت العزِّ وغيرهم: ومات في شعبان وله ست (٢) وستون سنة، وهو أَصغر سنا من أَخيه صدر الدين وأَفْقَه. ٥ - أَحمد بن محمد بن عبد الله البدماصي، شهاب الدين، كان فقيها فاضلًا ديّنا. ٦ - أَبو بكر بن أَحمد بن أَبي الفتح بن إدريس الدمشقى، عماد الدين بن السراج، ولد سنة خمس (٣) وسبعمائة، وسمع من الحجار. وتفقَّه على الشيخ شرف الدين البارزي وأَذن له في الإفتاء، وسمع من المزِّى والبرزالي وغيرهما، وأَثنى عليه الذهبي في المعجم المختص بالمحدثين، وكان يعمل المواعيد ويجيد الخط، ومات في شوال عن سبع وسبعين سنة، وهو آخر من ترجم له الذهبي في هذا المعجم وكان يقرأُ البخاري في كل سنة بالجامع في رمضان ويجتمع الجم الغفير، وللناس فيه اعتقاد زائد. ٧ - بركة بن عبد الله الأَمير، تقدّم في الحوادث، وكان أَصله من جماعة يلبغا ونفُى مع مماليك يلبغا الأَجلاب ثم عاد في إمرة طشتمر، وكان -لما قُتل الأَشرف- أَميرَ عشرة ثم كان ممن قام مع أَينبك، ثم قام عليه هو وبرقوق، وكان من أَمره ما مضى مفصلًا؛ وكان شجاعا مفرط الشجاعة مشهورًا في ذلك. وكانت مدة عظمته منذ ولى أَمير مجلس -في جمادى الأَول سنة تسع وسبعين إلى أَن قُبض عليه بالقاهرة- ثلاث سنين إلا شهرين. ٨ - تنبغا (٤) الصالحي من أُمراء الطبلخانات بدمشق. كان مشكور السيرة. ٩ - جوبان (٥) الجركسي، كان من أَقدم الجراكسة وأَوّل أَمْره أَنه كان من جماعة أياس، ثم ولى نيابة حمص ثم قلعة دمشق ثم حجوبية الحجاب بحلب. ثم خرج مع العسكر

стр. 247

إلى التركمان فقُتل في أَواخر هذه السنة أَو في أَوائل التي بعدها، ثم تحرر لى أَنه قُتل في الوقعة في صفر من السنة المقبلة. ١٠ - حجّي بن موسى بن أَحمد بن سعد (١) الحُسباني، علاء الدين نزيل دمشق، وُلد في سنة إحدى وعشرين وقبْل قبل ذلك، [و] سمع من أَحمد بن على الجزرى والبرزالي وغيرهما، وأَخذ الفقه أَولًا بالقدس عن مشايخها، وحفظ كتب "التنبيه" وابن الحاجب و "العمدة"، ثم أَخذ بدمشق لما قدمها سنة أَربع وعشرين عن الشيخ شمس الدين بن النقيب، وعن شرف الدين قاسم (٢) خطيب جامع (٣) جيراح، وشهد له بأنه فقيه المذهب و [أَخذ (٤) عن] تاج الدين السبكي وشهد له بالتقدم فى الفقه، وتقدّم في التدريس والفتوى، وأفاد الناس، وتخرّج به أَهل بلده بدمشق، وكان كثير الاطلاع صحيح النقل غواصا نقالّا عارفًا بحل المشكلات، صحيح الفهم سريع الإدراك مع الرياضة وحسن الخلق. انتهت إليه رياسة المذهب بدمشق، وأَوّل ما حدّث سنة ثمان وستين، وكان متصديًا الاشتغال، فارغًا عن طلب المناصب، مواظبا على الصلاة، مطرحا للكلفة، تاركا للتردد إلى الأَكابر، ساذجًا من أحوال الدنيا لا يعرف صنجة عشرة من عشرين (٥) ولا يحسن براية قلم ولا تكوير عمامة. ومات فى صفر (٦) بعلة البطن وقد جاوز السبعين. ١١ - حسن بن السَّياح- بمهملة (٧) ثم تحتانية ثقيلة وآخره مهملة -الصالحي أَحد من يُعتَقَد بدمشق، وكانت له مكاشفات كثيرة، ومات في ربيع الآخر. ١٢ - خليل (٨) بن على بن عرام الاسكندرانى، صلاح الدين، نائب الاسكندرية، أَول ما ولى بها الحجوبية ثم النيابة ثم ولى بمصر الحجوبية والوزارة مرة، ولما أَوقع الفرنج

стр. 248

بالإسكندرية كان هو إذ ذاك نائبها لكنه كان قد حج فوقع ذلك في غيبته: ورأيْتُ له تاريخًا جمع فيه فأوْعى في التراجم والحوادث وهو في عشر مجلدات: وولى نيابة الإسكندرية مرارًا، وصودر بعد قتل الأشرف على مال عظيم، ثم عمل أستادارية بركة ثم أُعيد إلى نيابة الإسكندرية فجرى له ما جرى. وله مدرسة ظاهر القاهرة بالقرب من جامع أمير حسين، وكان مرة قد تجرد عن الإمرة ولبس بالفقيرى ومال إلى الفقراء وتجرّد معهم: وربما سلك على يد بعضهم، وأقام بزاوية ثم رجع؛ وكان شهمًا فاضلا ومات في رجب. ١٣ - صُرَيتمر (١)، كان طشتمر لما قام على الأشرف. وولى نيابة الكرك ثم صفد ثم قبض عليه مرة وسُجنَ بالكرك في سنة ثمانين، ومات في المحرم من هذه السنة. ١٤ - عاصم بن محمد الحسنى نقيب الأشراف، وليها مرتين، ومحتسب مصر وليها مرة. ١٥ - عباس (٢) بن حسين بن بدر التميمي (٣) الشيخ شرف الدين الشافعي، كان ينفع الطلبة في الفقه والقراءات، ودرس بالسابقية بالقاهرة وخطب بجامع أصلم. مات في ذى الحجة وكان برجله داءُ الفيل. ١٦ - عبد الله بن عمر بن عيسى بن عمر الباريني (٤)، جمال الدين بن تقي الدين، وإن عن أبيه (٥) بحلب وباشر نظر الأسرى وغيرها. ١٧ - عبد الرحمن بن أحمد بن إبراهيم بن جملة، تفى الدين المحجى الصالحي، ابن عم الخطيب كمال الدين. سمع من الحجار وحدث وناب في الخطابة عن ابن عمه، وكان أكبر من بقى من بني جملة، وكان من أعيان الشاميين وفيه برّ وإحسان. مات في شعبان عن إحدى وسبعين سنة وكان خيرًا.

стр. 249

١٨ - عبد الرحمن بن يوسف بن سحلول (١)، شمس الدين، كان مقربا عند الأسعردي (٢) نائب حماة، وبنى له خانقاه على شط (٣) نهر قويق، وكان غايةً في مكارم الأخلاق. وقد باشر الوظائف الجليلة بحلب. مات في تاسع عشرى المحرم. ١٩ - عبد الرحيم بن أحمد بن محمد المنهاجي، سبط الشيخ شمس الدين بن اللبان، سمع من ابن عبد الهادي في "صحيح مسلم" وحدث عن جده، وكان من أطيب الناس صوتًا بالأذان واشتهر بذلك في زمانه. مات في جمادى الأولى، وهو أخو صاحبنا أمين الدين محمد ووالد صاحبنا شمس الدين محمد (٤): أحد الفضلاء الآن. ٢٠ - عبد الوهاب (٥) بن يوسف بن إبراهيم بن بيرم بن بهرام بن السلار بن محمود (٦) ابن عبيد الدمشقي، أمين الدين، ابن السلار. عنى بالعلم وأخذ عن التقى الصائغ وجماعة، وكانت لديه معرفة بالفرائض والعربية، وله مشاركة في الفقه، وصنف في القراءات مؤلفات مفيدة وانتهت إليه رياسة الإقراء بدمشق وله خطب جياد، وسمع من الحجار وغيره، وطلب الحديث بنفسه، وكتب الطباق بدمشق، وكان ثقة صحيح النقل وله نظم، وألف مؤلفات محررة. مات ثامن عشر شعبان عن خمس وثمانين سنة، فإن مولده كان - كما كتب بخطه - في شوّال، ويقال في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وستمائة؛ وأخذ عن ابن نصحان والشهاب الحراني، وبمصر عن التقى الصائغ وتفرد به بدمشق؛ وسمع من أسماء بنت صصرى وأيوب (٧) ابن الكمال والمزى، ودخل بغداد والبصرة، وخرج له السرمرى (٨) مشيخة قرئت عليه، واستقر بعده في الإقراء بتربة أُم الصالح شمسُ الدين بن الجزري لكونه أول من بقى بذلك وحضره الأعيان وأثنوا على درسه.

стр. 250

٢١ - علي بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن مهدى الفوى (١) ثم المدني ثم الدلجي (٢)، نور الدين، عنى بالحديث وجال في البلاد وسمع بالشام والعراق ومصر من ابن شاهد الجيش وأبي حيان وابن غالى والميدومى وجماعةٍ من أصحاب الفخر بدمشق وببلاد كثيرة، وحدّث بالإجازة عن الرضى الطبرى والحجار، ومهر في العربية والحديث، ودرس بمدرسة إسماعيل بن زكريا أمير بغداد وحدث عن أصحاب النجيب والفخر. واتفق له - وهو ببلاد العجم - أن شخصا حدثه بحديث عن آخر عنه فقال له: "أنا الفوى، اسمَعْه منِّي يَعْلُ سندك" وهو نظير ما اتفق للطبراني مع الجعاني. وكان عارفًا بالعربية وغيرها وأقام بالمدينة النبوية مدة ودرّس بها. مات بالقاهرة في ربيع (٣) الآخر أو جمادى الأولى، [و] سمع منه أبو حامد بن ظهيرة. ٢٢ - على بن زيادة (٤) بن عبد الرحمن الحبكى الفقيه الشافعي، عنى بالفقه والأصول ودرس وأفاد، وأخذ عن أبي البقاء وعلاء الدين بن سلام وابن قاضي شهبة وغيرهم، وكان يُفْتى بآخره بدمشق مع الدين والورع والملازمة للاشتغال بالعلم، وعنده وسواس في الطهارة. مات في ذي القعدة. والحبكي بحاءٍ مهملة ثم موحدة ثم كاف منسوب إلى قرية من حوران. ٢٣ - على بن عبد الصمد الحلاوي، نور الدين المالكي الفرائضى، انتهت إليه رياسة الفن (٥)، وكان مشاركًا في الفنون عارفًا بالمعائي والبيان والحساب والهندسة. مات في العشر الأخير من ذى الحجة، وكان يدرس بغير مطالعةٍ مع جودةِ القريحة وسيلان الذهن، انتفع به جماعة. ٢٤ - على بن عمر بن علي بن علي بن محمد الإربلى، سبط الشيخ كمال الدين الشريشي جلال الدين، كان يشهد على الحكام. مات في رجب.

стр. 251

٢٥ - على بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدربندي ثم الدمشقى، وُلد قبل سنة تسعين وستمائة، واستقر مؤذنا بالجامع الأموى بعد أن كانت له سياحات ورحلات (١)، ووجدوا له إجازة من عمر بن القواس وأحمد بن عساكر وغيرهما، ولم يتفق له أن تحدّث بها لكون ذلك لم يظهر إلا بعد موته. ثم وجدتُ ابن حجي أرّخ مولده سنة ثمان وثمانين. ٢٦ - عمر بن حمزة (٢) بن يونس بن حمزة بن عباس العدوى الإربلي ثم الصالحي، ابن القطَّان نزيل صفد، سمع من التقى سليمان والفخر أحمد بن عبد الدائم وابن الزراد وابن مشرف. وكان فاضلا وله مذاكرات حسنة مقرئا للسبع. طلب الحديث وكتب الكثير وحدث. سمع منه ابن رافع وكتب عنه في معجمه ومات قبله بمدّة، وخرّج له الياسوفى جزء وعاش ستا وثمانين سنة سواء. ٢٧ - محمد بن أحمد بن العزّ محمد بن التقى سليمان الحنبلي الصالحي، خطيب الجامع المظفرى، يلقب عز الدين. مات في ربيع الأول. ٢٨ - محمد بن أبي بكر بن أحمد الدوالى الزبيدي جمال الدين الشافعي، كان نابغة (٣) في الأدب مشاركا في غيره مع الصلاح والعبادة، وأشعاره سائرة باليمن. ٢٩ - محمد بن حامد بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي، وُلد سنة اثنتين أو ثلاث وسبعمائة، وسمع من محمد (٤) بن يعقوب الجرائدى وزينب بنت شكر (٥) وغيرهما وحدث روى عنه الشهاب ابن حجى بالإجازة وأرّخه في شعبان. ٣٠ - محمد (٦) بن علي بن عرام، صلاح الدين نائب الإسكندرية، تنقّل في الولايات وولى تقدمة ألفٍ بالقاهرة، وكان فاضلا عارفًا، كتب بخطه تاريخًا في عشر مجلدات، وكان (٧) نقيب الفقراء وعُدَّ منهم. تقدم ذكر قتله في الحوادث ويقال اسمه خليل كما تقدّم (٨).

стр. 252

٣١ - محمد (١) بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب الدمشقى الأسدى شمس الدين بن نجم الدين بن شرف الدين بن قاضي شهبة، وُلد سنة إحدى وتسعين وستمائة في ربيع الأول، كذا وُجد بخطه، وتفقه على عمه الكمال وبرهان الدين بن الفركاح، وأخذ العربية عن الشيخ شرف الدين الفزاري؛ ولما مات عمه كمال الدين سنة ست وعشرين قعد مكانه للاشتغال، واستمر على ذلك أكثر من خمسين سنة على طريقة واحدة من إيثار الانجماع وعدم الالتفات إلى المناصب، يخدم نفسه ويشترى حاجته ويحملها، ثم ولى في آخر عمره تدريس الشامية البرانية، ثم تركها بعد سنة وثلاثة أشهر للشهاب الزهري، وسمع من ابن الموازيني "الأموال لأبي عبيدة" وغير ذلك. وسمع من ست الأهل (٢) بنت علوان وغيرها، وناب في الحكم عن السبكي يسيرًا وكان يتصدى لذلك، وكانوا يثنون عليه بالورع حتى إن الشيخ شرف الدين الغزِّى ذكر أنه لما اجتمع بالشيخ جمال الدين الإسنوى سأله عن شيوخ دمشق، فوصف له قاضي شهبة فقال: "هذا مثل الشيخ مجد الدين الزنكلوني عندنا"، وكان أقدر (٣) الشاميين في الفقه وأقدمهم هجرة حتى كان أكثرُ الفضلاء (٤) بها من تلامذته وتلامذة تلامذته. فمن الطبقة الأولى ممن حضر دروسه ابن خطيب يبرود والعماد ابن كثير والشهاب الأذرعى، وكتب الأذرعى بخطه على ظهر مجلدة من شرح "الوسيط (٥) " لابن الأستاذ: "هذه المجلدة لشيخي وسيدي شمس الدين بن قاضي شهبة". وقد حدّث فسمع منه العراقي والهيثمي وابن رجب والياسوفى وابن ظهيرة وابن حجى والبرهان الحلبي وآخرون. مات في ثامن المحرم وقد أكمل تسعين سنة ودخل في عشر المائة، [و] أعاد في حلقة ابن الفركاح، وقرأ "الجرجانية" على الفزاري. وأول ما جلس للاشتغال بعد موت عمه مستقلا سنة ست وعشرين. وممن جلس عنده ابن خطيب يبرود وابن كثير، وكان اشتهر بمعرفة "التنبيه" وشرحه وحسن تقريره، وكذا

стр. 253

"الجرجانية"، ولم يكن يحضر المحافل ولا يُفْتى. وكان يستحضر الرافعي وينزله على مسائل "التنبيه" تنزيلا عجيبا. وعنده انجماع وعدم معرفة بأمور الدنيا، وكانت وفاة أبيه بشهبة - وهو قاضيها - سنة سبعٍ وعشرين، قضى بها أربعين سنة فعاش بعده خمسًا وستين سنة. ٣٢ - محمد بن عمر بن محمد بن بنت المغربي، كان ربيب القاضي بدر الدين بن أبي البقاء، وكان جده صلاح الدين المغربي رئيس الأطباء. مات في ذي الحجة. ٣٣ - محمد (١) بن محمد بن عبد الله بن محمود، جلال الدين بن قطب الدين قاضي الحنفية، يلقب جار الله، ويقال له الجار. تقدم عند الأشرف بالطب، وكان نائب الحكم عن صهره السراج الهندى، وكان بارعًا في العلوم العقلية كالطب وغيره، وحظى عند الأشرف، وقد ولى مشيخة سعيد السعداء ثم ولى القضاء إلى أن مات في رجب ويقال إنه جاوز الثمانين، وكان مشاركًا في العربية وفي الفقه قليلًا. وقد تقدم في الحوادث ما اتفق له من إرادة إقامة المودع للحنفية، وقد ناب أولا عن صهره السراج الهندى، ثم استقر في تدريس المنصورية بعد موته في رجب سنة ثلاث وسبعين، واستقر في تدريس جامع ابن طولون في سنة ست وسبعين بعد ابن التركماني، واستقر في قضاء الحنفية في رجب سنة ثمان وسبعين. ٣٤ - محمد بن عثمان بن أحمد بن عمرو (٢) بن محمد الزرعي الأصل، يعرف بابن شمر نوح، جلال الدين بن نجم الدين بن فخر الدين قاضي حلب وابن قاضيها، وهو سبط جمال الدين بن الشريشي. باشر الحكم نيابةً بحلب ثم استقلالًا إلى أن مات في ربيع الأول، وكان قليل الكلام جميل الوجه قوى المعرفة بالأحكام، وقد ولى بدمشق قضاء العسكر ووكالة بيت المال. ٣٥ - محمد بن محمد بن هبة الله الأنصاري، زين الدين، ناب في الحكم ومات في ربيع الآخر. ٣٦ - محمد بن محمد الشاذلي، زين الدين بن الموان، صهر الشيخ محمد بن وفاء، مات في ربيع الأول (٣).

стр. 254

٣٧ - محمد الحكرى شمس الدين المقرى، قرأ على البرهان الحكرى وناب في الحكم بجامع الصالح، وولى قضاء القدس وغزة. مات في ذى الحجة، وذكر لي الشيخ برهان الدين بن رفاعة الغزِّى أنه قرأ عليه القراءات وأذن له في الإقراء. ٣٨ - محمد المقدسى المحب (١) واحد الموذنين بدمشق، كان حسن الصوت. مات في رجب. ٣٩ - محمد بك الإسماعيلى حاجب الحجاب بدمشق، وقد ولى نيابة قلعة الروم وغيرها مات في هذه السنة، وكان عنده أدب وتواضع وخضوع لأهل العلم. ٤٠ - مختار [السحرتي (٢) الحبشي] مقدم المماليك. مات في هذه السنة واستقر عوضه جوهر الصلاحي. ٤١ - منكلي بغا [ابن عبد الله الأحمدى (٣)] البلدى، تنقل في الولايات فإنه أوّل ما تأمر عشرة في سنة إحدى وسبعين، ثم أعطى طبلخاناه بعد قليل، ثم أعطى نيابة صفد في رمضان سنة خمس وسبعين، ثم نُقل إلى نيابة طرابلس آخر السنة، ثم قُبض عليه في أول سنة تسع وسبعين وسجن بالكرك، ثم أطلق في ربيع الأول وجعل أتابك الشام ثم ولى نيابة طرابلس ويقال إنه ولى نيابة حماة قبل ذلك ثم نُقل إلى نيابة حلب، ثم قبض عليه وسجن بها ثم أطلق. وقدم في رمضان سنة ثمانين بطالًا، ثم ولى نيابة صفد في المحرم سنة إحدى وثمانين، ثم نُقل في شعبان منها إلى طرابلس ثم إلى حلب في ربيع الأول كما تقدم في هذه السنة. وكان صارمًا شجاعًا كثير المروءة. مات في جمادى الآخرة بحلب. ٤٢ - يحيى بن يوسف بن محمد بن يحيى المكي، الشاعر محيى الدين المعروف بالمبشر (٤)، مدح أمراء مكة وكتب لهم الإنشاء (٥)، وكان غاية في الذكاء وسرعة الحفظ، حفظ "التنبيه" في أربعة أشهر، وكان سمع من النجم الطبرى وعيسى الحجى وغيرهما، وعاش سبعين سنة. ٤٣ - أبو القاسم بن أحمد بن عبد الصمد اليماني المقرئ، نزيل مكة. تصدى للقراءات وأتقنها، وأقرأ الناس حتى يقال إن الجن كانوا يقرءُون عليه. * * *

стр. 255

سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة فيها ابتدأ الطاعون بالقاهرة، فأول من مات من الأمراء أيدمر الشمسى فأعطيت إمرته لأنس - والد برقوق - في المحرم، ثم مات على بن قشتمر فتقرر مكانه تغرى برمش. وفيها في صفر قُبض على الشمس المقسى وتسلَّمه بهادر المنجكي بخمسمائة ألف درهم وأُطلق إلى منزله، واستقر في وظائفه كريم الدين بن مكانس، وكان السبب في ذلك أن برقوق لما استقر في تدبير المملكة أخرج كثيرًا من البلاد المتعلِّقة بالدولة لجماعة من جهته، فضاق الحال على الوزير فاستعفى، فغضب منه وولى عنه (١) وقبض على صهره علم الدين يحيى ناظر الدولة، وعلى شمس الدين بن غراب وغيرهما، وانتهز ابن مكانس الفرصة فالتزم بالنفقة (٢) فقُرِّر وزيرًا فباشر على هوج فيه. وفيها قبض على سيف المقدم وصودر على مائتي ألف درهم، واستقر عوضه أحمد العظمة، فقال الشاعر: مضى المقدم سيفٌ بنعمةٍ … وبهمهْ (٣) وكان لحمًا سمينًا فأبْدلوه … بعظْمَهْ وفيها تزايد الطاعون في صفر وتناهى في آخر ربيع الأول، وقرأتُ بخط صارم الدين بن دقماق أنه سمع الشيخ عليًّا الروبى - حين حضر من الفيوم إلى القاهرة في أواخر صفر - وكان للناس فيه اعتقاد زائد وخرج (٤) الناس إليه للزيارة - يقول: "إن الطاعون يرتفع في آخر ربيع الآخر"، فوقع كما قال. وفيها عاد ابن التنسى إلى ولاية القضاء عوضا عن ابن الريغي، ثم استقر ابن الريغي عوضا عن ابن التنسي، ثم تكرر ذلك بينهما.

стр. 256

وفيها استقر سودون الشيخوني مقدّمَ ألف. وفى المحرم خُلع على القاضي ولى الدين بن أبي البقاء وأُعيد إلى دمشق على وظيفة القضاء. فوصل في سادس صفر، وكذا خُلع على الكمال المعرى وأعيد إلى حلب على وظيفة القضاء، فوصلها في ثامن صفر. وفيها استقر الشيخ أصلم (١) في مشيخة سرياقوس عوضا عن أبيه نظام الدين. وفيها خرج الحاج (٢) في شهر رجب. وفيها (٣) مات السلطان الملك على بن الأشرف شعبان في شهر ربيع الأول، وكانت المملكة باسمه وهو محجوب، وعاش ثلاث عشرة سنة: منها في المملكة خمس سنين وأربعة أشهر، وقُرر مكانه أخوه حاجى بن الأشرف وعمره ست سنين وأربعة أشهر، ولُقِّب "الصالح". وفيها ضيق قرط على العرب فحضر إلى أيتمش (٤) ومن معه من الأمراء المجرّدين بالبحيرة ومعه خمسة من أمراء العربان، ومعهم ستمائة فارس وجماعة من الرجال، فأقبلوا عليهم وطيِّبوا قلوبهم. ثم أرسل بدر بن سلام إلى بلوط - نائب الاسكندرية - يطلب الأمان وأن يحضر صحبته إلى القاهرة، فلم يتم ذلك. ثم حضر رحاب - أمير تروجة - وجماعة من أمراء البحيرة صحبة قرط إلى القاهرة طائعين فخلع عليهم واستمر قرط بدمنهور يعمر ما خرب منها ويوطِّن أهلها، ولم يهرب منهم غير بدر بن سلام. وفيها في رجب جُهِّز برهان الدين إبراهيم الدمياطي - الذي كان نقيب الحكم عند المالكية

стр. 257

ثم ولى بعد ذلك نظر المواريث - إلى الحبشة رسولًا من قبل السلطان، وكان السبب في ذلك أن بعض الحبشة وصلوا إلى قرب أسوان وأفسدوا في نواحيها فخاف منهم أهلها فطالعوا السلطان بذلك، فأرسل برقوق إلى بَتْرك النصارى اليعاقبة - متَّى بن سمعان - فتهدده، فأرسل من جهته رسلا لكشف الخبر، ثم كتب إلى ملك الحبشة ينكر عليه ويأمره أن لا يُحدث حادثًا، وجُهز إبراهيم المذكور من جهة السلطان بالكتب. وفي صفر ورد الأمر (١) إلى دمشق بعزل القاضي برهان الدين التادْلى (٢) قاضي المالكية واستقرار الشيخ برهان الدين الصنهاجي (٣) عوضه، فامتنع البرهان وصمم، فبقي المنصب شاغرًا إلى أن استقر علم الدين القفصي في جمادى الأولى. وفيها هبت ريح عظيمة بدمشق فأتلفت كثيرًا من الأشجار وقلَعَتْها بعروشها، وشاهد أهل دمشق من ذلك هولًا عظيما. وفيها حضر شخص عجمي عند برقوق، وأخبره أن النيل يتوقَّف من مستهل جمادى الأولى فلا يزيد بعد ذلك شيئًا فأمر بحبسه، فاتَّفق أن النيل زاد في ذلك اليوم خمسة عشر إصبعا، ثم في اليوم الذي يليه ستة عشر، فأُحضر العجمي وأمر بضربه فضُرب مقترحًا مائة عصًا وجُرس، فشَفع فيه مأمور الحاجب فأُطلق، وأوفى (٤) النيل في عاشر الشهر المذكور؛ ولله الحمد. وفيها غضب برقوق على جمال الدين المحتسب وأمر بنفيه فخرج، ثم شُفع فيه فأُعيد إلى بيته بطالًا وكان ذلك في أوائل شعبان. وكان السبب في ذلك أن برقوق تكلم بالتركي في حق القضاة بسبب من الأسباب نُقل له عن بعضهم فقال: "ما هم مسلمين"، فذكر ذلك جمال الدين لصدر الدين بن منصور قاضي، الحنفية، فذكره ابن منصور لبرهان الدين بن جماعة واستشاره في عزل نفسه فسكَّنه، وركب بن جماعة إلى برقوق فذكر له ذلك، فغضب على جمال الدين وعزله وقَرر في الحسبة تاج الدين المليجي، ثم أُعيد جمال الدين إليها في ذي القعدة.

стр. 258

وفيها استقر سعد الدين بن البقرى في نظر الخاص، والخليلي مشير الدولة فأَحْدَثَ فلوسًا وأمر الناس بالمعاملة بها، فلم يمش له فيها حال فَتُرِكَت. وفيها غضب السلطان على علم الدين البساطي فعزله عن قضاء المالكية واستشار فيمن يولِّيه مكانه فأشار عليه ابن جماعة بجمال الدين عبد الرحمن بن خير الاسكندرانى فولاه، وقيل كان السبب في عزله أنه وقع منه في بعض المجالس كلام نفر (١) منه ابن جماعة: فتكلَّم مع أكمل الدين في أمره وسعى في عزله حتى عُزِل. وفيها أمْسك كريم الدين بن مكانس وإخوته وأُهينوا وصودروا، وتولى الوزارة علم الدين سن إبرة. وكان السبب في ذلك أن ابن مكانس فتك في الناس وبالغ في الظلم وألزم المباشرين كلهم بجامكية شهرين، وظلم التجارَ وأخذ منهم أموالًا جمة، فاستغاثوا بأهل الدولة حتى رفعوا أمورهم للسلطان فعزله في رمضان عن نظر الخاص، واستقر عوضه سعد الدين بن البقرى ثم عزل عن الوزارة واستقر علم الدين سن إبرة. ثم صُرف في ذى القعدة فاستقر شمس الدين كاتب أرلان في ديوان برقوق وكان ابن مكانس أشار بتوليته وزارة الشام خوفًا منه، فأرسل إليها ثم استُعيد واستقر في ديوان برقوق عوضًا عن علم الدين بن قارورة. وارتفع سعر القمح في هذه السنة إلى أربعين، فأُعيد محمود إلى الحسبة. وفيها ولى صلاح الدين خليل بن عبد المعطى حسبة مصر بعد أن سعى أن يكون نقيبا عند الحنفية فلم يُجَبْ. وفي جمادى الأولى خرج نظر الأوقاف عن القاضي برهان الدين بن جماعة، ووليه فخر الدين أياس الحاجب. واستقر سودون الشيخوني حاجبا كبيرا بعد على بن قشتمر، ومات أميرُ سلاح علَّان فأُعطى أنسُ - والدُ برقوق - تقدمته. وفيها استقر شهاب الدين بن أبي الرضا الشافعي في قضاء حلب بعد موت المعرى.

стр. 259

وفيها جُرّدت العساكر إلى الشام بسبب التركمان، ومقدمُ العساكر يونس - دويدار برقوق - فكسروا التركمان على مرعش، وقُتل منهم خلق كثير وذلك من ابتداء جمادى الأولى إلى شعبان، بعد أن فرّ خليل بن ذلغادر وإخوته، وهم كانوا السبب في هذه الحركة لأنهم كانوا جمعوا جموعًا كثيرة فوصلوا إلى العمق وإلى تبريز وخاف أهل حلب منهم، فكاتب إينال اليوسفى فجردت العساكر من دمشق ومن جميع الممالك ومشوا على التركمان من حلب إلى عينتاب ثم إلى مرعش ثم إلى أبلستين ثم إلى ملطية، والتركمان تفرّ منهم وتتحصن بالجبال المنيعة إلى أن وصل هَزْمُهُم إلى أطراف بلاد الروم، ولما بالغ العسكر في نهب ما قدروا عليه وانتبهوا إلى ملطية كاتبوا بذلك، فأُذِن لهم في الرجوع. وفيها كانت الوقعة بين العسكر الحلبي والتركماني فانكسر العسكر، ثم أوقع بهم نائب حلب أشقتمر وانتصف منهم. ثم لما توجه يونس الدوادار إلى الشام بسلطنة الصالح أمر العسكرَ الشامي بالتوجه إلى غزو التركمان، فجمعوا العربان والجند وتوجهوا إلى جهة حلب فخرجوا في ربيع الآخر. فلما كان ثامن جمادى الأولى - وهم بمرعش - هبط. جماعةٌ من التركمان عليهم من مكانٍ عال، فوقع بينهم وبين شرف الدين موسى (١) الهدبانى ومن معه من الأكراد وغرب بني كلاب مقتلة، فانكسر التركمان وجُرح الهدبانى وأُسِر ثم أفْلتَ ثم وقعت الوقعة الكبرى في حادى عشرة، فاستظهر الترك وانكسر التركمان وانهزموا أقبح هزيمة بعد أن قاسي العسكر شدة في سلوك المضايق والأوعار وشدة البرد. أما كبير التركمان - سولى بن ذلغادر - فنجا وقطع الفراتَ إلى خَرْتِبَرْت (٢) وانتهب العسكر من التركمان شيئًا كثيرًا، فأرسل خليلُ بن ذلغادر ومَن معه يطلبون الأمان. وفيها فتحت مدينة دوركى (٣) فاستقر في إمرتها إبراهيم بن محمد بن شهرى.

стр. 260

وفى رجب نُفي مأمور الحاجب ثم أُعْطى نيابة حماة عوضا عن طشتمر الشعباني. وفي رمضان أحضر يلبغا الناصرى إلى مصر واستقر أمير سلاح رأس الميسرة، واستقر جركس الخليلي مشيرَ الدولة؛ ثم في شوال قُرِّر في نيابة حلب عوضًا عن إينال اليوسفى، واستقر يونس الدوادار بتقدمة يلبغا، وأمر الوزير ألا يتكلم في شيء إلا بعد مراجعته. وفي جمادى الأولى عُقد الجسر بحجارة مقنطرة على نهر بردى عند جامع يلبغا وكان قبل ذلك خشبًا، عمله ألطنبغا أستادارُ جندمر، ثم عَمل نظيره مقابله على نهر الخندق، وحصل به رفق كبير. وفيها في ذى الحجة شاع أن قيبيط (١) - وكان رأس منسر (٢) بالقاهرة. قد فعل ما لا يُحصى وجاء تائبا (٣) إلى زاوية الشيخ إسماعيل الإنبابي، فبلغ برقوق فأرسل حسين الكوراني إليه فقبض عليه وعلى اثنين من أتباعه فسُلِخوا وحشوا تبنا، وعلقوا بباب زويلة. وفي حادى عشر ذي الحجة وَسَّط قرط رحابًا - أمير العرب - وثلاثة معه، وعُلِّقت رءُوسهم بباب زويلة. وفيها ارتفع السعر بالحجاز حتى بلغت الغرارة أربعمائة درهم. وفبها كائنة ابن القماح البزاز بقيسارية جركس، وكان قد تعامل هو والبواب فصار يفتح له القيسارية بالليل ويغلق (٤) عليه فيفتح حوانيت التجار (٥) ويأخذ منها ما يريد، إلى أن كثر ذلك وافتضح، فعثروا عليه فأُمسك (٦) وضُرب بالمقارع هو وولده وسجنا بخزانة شمائل.

стр. 261

وكانت سلامته من القطع (١) من العجائب، وفى ذلك يقول بدر الدين بن الصاحب مضمّنا، وكان بلغه أنه عشر فسقط. فانكسرت يده: قالوا بأنَّ يد القمّاح قد كُسِرَت … فأعلنت أُختها بالوَيْل والغير تأخَّر (٢) القطع عنها وهي سارقة … فجاءها الكسر يستقصى عن الخبر وقد اهتدم ذلك برمته من البيتين السائرين في تاريخ ابن خلكان: إن العمادَ بنَ جبريلٍ أخَا علمٍ … له يدٌ أصبحَتْ مذمومة الأثر تأخَّر (٢) القطع عنها وهي سارقة … فجاءها الكسرُ يستقصى عن الخبر وفيها - في جمادى الأولى - حضرت رسل حسين بن أويس صاحب بغداد وتبريز إلى برقوق، وهم قاضي البلد الشيخ زين الدين على بن عبد الله بن سليمان بن الشامي المغربي الغافقي (٣) الآمدي الشافعي، وشرف الدين عطاء بن الحسين الواسطى الوزير. وشمس الدين محمد بن أحمد البرادعي فأكرموا غاية الإكرام. وذكر الغافقي أنه غرم على سفرته عشرة آلاف دينار وأنه جاء في مائة عليقة، وكان يكثر الثناء على أهل الشام. وتردّد الكبار للسلام عليهم حتى القضاة؛ ورتب لهم برقوق رواتب كثيرة وطلبهم عنده مرة ومد لهم سماطا حافلًا. وكان تسفيرهم في العشر الأخير من رجب. وفيها كانت الوقعة بالتركمان وزعيمهم ابن ذلغادر، أوقع بهم العسكر الشامى ومعهم نائب حلب ونائب دمشق في جمادى الأولى فانكسروا كسرة شنيعة وقُتل منهم جماعة، ثم رجع العسكر التركماني فهَزموا العسكر وجُرح نائب ملطية منطاش وتمزَّق الجيش، ووقع التركمان في النهب، وقُتل جركان (٤) الجركسي وكان من قدمائهم، له ذكرٌ في حوادث سنة خمسين وسبعمائة، وكان من أتباع الفخر أياس وولى نيابة حمص ثم قلعة دمشق ثم الحجوبية بحلب.

стр. 262

وفيها ابتدئ في عمارة المدرسة الظاهرية بين القصرين، فابتدئ بهدم خان الزكاة بين القصرين، وحصل للناس بذلك مشقة زائدة. وفيها في شهر رمضان أمطرت السماءُ مطرًا عظيما حتى صار باب زويلة خوضًا إلى بطون الخيل، وخرج سيل عظيم من جهة "طرا" فغرق زرعها وأقام الماءُ أيامًا ولم يعهد الناس ذلك بالقاهرة. وفيها ظهر نجم له ذوابةٌ قَدَرْ رمحين من جهة القبلة، فأقام (١) أياما وذلك في شعبان. وفيها أمسك شخص يقال له الحاج على السرورى، ووُجد عنده رءُوس بني آدم فضرب وجُرِّس. وفيها أجرى الماءُ إلى الميدان بسوق الخيل وإلى الحوض الذي على بابه، وكان له نحو من سبعين سنة منقطعا. * * * وفيها في شهر رمضان قام شخص يقال له ابن بهار إلى ابن جماعة، فأمسك بعنان بغلته عند "العنبرانيين" وقال له: "حكمتَ في بغير الشرع"؛ فرجع ابن جماعة إلى برقوق فشكاه إليه فاتفق أنه كان يفكِّر في أمر من أمور المملكة، وزاد ابن بهار في الإساءة على ابن جماعة بحضرة برقوق فلم يرد عليه، فرجع ابن جماعة إلى التربة فأقام بها وعزل نفسه من الحكم، فبلغ ذلك الأمير فأنكر القصة واعتذر بالفكرة التي كان فيها، فأرسل إلى ابن بهار فأحضره وعُقِد له مجلس. فأفتى البلقيني - ووافقه العلماءُ - بتعزيره، فعُزِّر وضُرب بحضرة برقوق بالمقارع، وأرسل قطاوبغا الكوكائى وأياس الصرغتمشى إلى ابن جماعة فترضَّياه وطلع معهما إلى برقوق، فقام إليه وترضَّاه واعتذر إليه وأعاده إلى القضاء وقال له: "من تكلَّم في حقك بكلمة ضربتُه بالمقارع" فقبل ذلك ونزل. وقرأت بخط القاضي تقى الدين الزبيرى (٢) وأجازنيه ما نصه: "وفي شهر رمضان تسلّط

стр. 263

شخص يقال له ابن نهار على القاضي ابن جماعة بالإساءة والسب، وكتب فيه تصنيفا واستمر على ذلك مدّة حتى لقى ابن جماعة قد خرج من عند برقوق فشتمه ولعنه، فأمسكه ابن جماعة ودخل به إلى برقوق وقال له: "هذا قال لي كذا وكذا"، فلم يجبه فعزل نفسه ونزل إلى تربة الشيخ جمال الدين الإسنائى - ظاهر باب النصر - ليسافر منها إلى القدس، فقام الأمراء الذين حضروا ذلك مثل قطلوبغا الكوكائي وسودون الشيخونى وأياس الصرغتمشى وسألوا برقوق في عقد مجلس" فذكر قصَّتَه. وفي آخرها "أنه جُرّس ونفى". * * * وفيها ثار جماعة على الملك الأشرف صاحب اليمن وأرادوا الفتك به وتولية خاله المظفر، فعُرف بهم وأراد القبض عليهم، فهربوا إلى "الدملوه"، فخرج عليهم العرب فأمسكوهم وأحضروهم إليه فاستتابهم (١) وعفا عنهم. وقيل كان ذلك في السنة التي قبلها. وفيها وقع بين العادل صاحب الحصن وبين السليمانية - ورئيسهم عزيز الدين - وأعان صاحب بَدْلِيسُ (٢) وجميع حكام ديار بكر، ومن جملتهم سيف الدين النجبى صاحب جزيرة ابن عمر، فعرّف عزيز الدين بكثرة العساكر، فأرسل أباه بهاء الدين في الصلح فاجتمع أبوه بصاحب أرزن فجمع بينه وبين العادل فأقبل عليه ورحل عنهم. * * * وفيها في شعبان كائنة الشيخ شمس الدين القونوي (٣) وكان مقيما بزاويته بالمزة وللناس فيه اعتقاد، وكان شديد الإنكار على أهل الظلم، ورسائلُه إلى الحكام لا تُرَد. فاتفق أن الحاجب "يلو" - نائب الغيبة بدمشق - عزل ابن بلبان من ولاية البر وكتب فيه إلى مصر

стр. 264

بما يعتمده محضرًا، فجاء الجواب (١) بالتنكيل به. فبلغه ذلك، فهرب إلى زاوية الشيخ شمس الدين القونوي فاستجار به فأجاره ابن الشيخ، فغضب الشيخ. وكان الشيخ يشطح في حقه وفى حق غيره، فبلغ الحاجب فغضب وأرسل إليه الجنادرة ليحضروا الشيخ وابنه والوالى فنعوا أنفسهم، ووقع بينهم مقاتلة، فشُجَّ الشيخ في رأسه ثم غُلِبوا، فأُحضروا إلى الحاجب، وأحضر القضاة وعرضوا عليهم أمرهم، وأحضروا السلاح الذي قاتلوا به، وأُمِر بكتب محضر بصورة الحال. فأنكر الشيخ أن يكون عرف بحضور ابن بلبان وإنما ابنه فعل ذلك. وانفصل الحال على أن ضُرب الوالى وابن الشيخ وسُجنا بالقلعة. وتوجه الشيخ إلى منزله وذلك في شعبان، وحصل للشيخ من ذلك غم كبير. وأقام في زاويته بالمزة وأقصر مما كان فيه من الإنكار ومراسلة الأُمراء، وكان للنائب (٢) فيه اعتقاد كبير ورسائله للحكام لا تردّ. فلما كان في جمادى الأُولى سنة خمس وثمانين وصل المرسوم السلطاني إلى الشيخ بالتعظيم والإكرام، وبطلب الذين قاموا عليه وتمكينه من تعزيرهم، ووصل إليه كتابٌ بالتعظيم والتبجيل والإكرام وبطلب الدعاء منه، فأحضر الحاجب (٣) إليه أربعة، فربط واحدًا منهم في شجرة وأمر بسجن آخر، وزال ما عنده من الانكسار: ورجع إلى حالته الأولى. وفيها كائنة الشيخ شمس الدين محمد بن خليل الجزري الحنبلي الصوفى. وكان إمام مدرسة الضياء بسبب فتواه بشيءٍ من مسائل ابن تيمية، فأحضره ولى الدين قاضي دمشق وأراد ضربه ثم سجنه فشفع فيه الحنبلي ومنعاه من الفتوى، وذلك في رمضان. * * * ذكر من مات في سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة من الأعيان ١ - إبراهيم بن حسين بن الملك الناصر، أخو الملك الأشرف شعبان، كان خيرًا دينا وقد ذُكر للسلطنة فلم يتم له ذلك. مات في جمادى الآخرة.

стр. 265

٢ - أحمد (١) بن حمدان بن أحمد بن عبد القادر بن عبد الغني بن أحمد بن سالم بن داود الأذرعي، شهاب الدين، نزيل (٢) حلب. وُلد سنة سبع وسبعمائة، وتفقَّه بدمشق قليلا وناب في بعض النواحي في الحكم (٣) بها ثم تحول إلى حلب فقطنها وناب في الحكم بها ثم ترك، وأقبل على الاشتغال والتصنيف والفتوى والتدريس وجمْع الكتب حتى اجتمع عنده ما لم يُحَصَّل عند غيره، وظفر من النقول ما لم يحصل لأهل عصره وذلك بين في تصانيفه. وتعقب "المهمات" للإسنوى بقدر حجمها والذي بيضه منها إلى النكاح في أربع مجلدات، وهو ثبت في النقل، وَسَطٌ في التصرّفات، قاصر في غير الفقه؛ وأجاز له القاسم بن عساكر والحجار وغيرهما، وسمع من الكمال بن عبيد وطائفة: وجمع له شهاب الدين بن حجي مشيخة، وتفقه بشيوخ عصره ومهر في الفنّ، وكان اشتغاله على كبر وله في ذلك حكاية ومنام ذكرهما في خطبة كتابه "التوسط"، وسأل السبكي أسئلة شهيرة اسمها "الحلبية (٤) ". وصنَّف شرحين على "المنهاج"، وجمع على "الروضة" كتابًا سماه "التوسط. والفتح بين الروضة والشرح" أكثر فيه من المنقولات المفيدة. وانتهت إليه رئاسة العلم بحلب. مات في نصف جمادى الآخرة (٥) بعد أن حصل له عرجٌ وقليلُ صمم، وضعف بصره. وله شعر فمنه ما حكاه ابنه عبد (٦) الرحمن عنه، وأخبرني أنه سمعه يقول: "رأيت (٧) في المنام رجلًا وقف أمامى وهو ينشد: كيف ترجو استجابةً لدعاء … قدْ سدَدْنا طريقه بالذنوب؟ قال: فأنشدته: كيف لا يستجيب ربى دعائى … وهْو - سبحانه - قد دعانى إليْهِ

стр. 266

مع رجائى لفضله وابتهالي … واتِّكالي في كل خَطْبٍ عليه قال: وانتبهتُ وأنا أحفظ الأبيات الثلاثة. قرأتُ بخط الشيخ تقي الدين بن قاضي شهبة أن جمال الدين بن الطيماني أخبره أنه ذكر في مجلس الشيخ سراج الدين البلقيني شيئًا استغربه فقال: "من أين هذا؟ قال: "فقلتُ له من القوت للأذرعى، فطلبه فأحضرته فبقى عنده أياما ثم قال لي ﵀ "لقد أفاد". قلت: ولقد كنت أتعجّب حين أُطالع في "تصحيح المنهاج" لشيخنا وأجده يوافق الأذرعى في مواضع، إلى أن وقفت على هذه الحكاية، فعرفت أنه استعان بكلامه. ٣ - أحمد: بن عبد الله التونسى (١)، أبو العباس، مشهور بكنيته، وكان أحد الفضلاء بزيّ العجم. ٤ - أحمد بن محمد بن إبراهيم بن غنائم (٢) بن كتامة، شهاب الدين بن المحدّث شمس الدين، سمع من القاسم بن عساكر وأبي نصر بن الشيرازي وغيرهما، وولى نيابة الحكم. مات بدمشق في رجب. ٥ - أحمد (٣) بن عبد الله المزِّى، شهاب الدين، كان رجلًا صالحًا حج ماشيًا وكان يصوم مع ذلك. مات في ربيع الأول. ٦ - أحمد بن علي بن عبد الله الفارسي، شهاب الدين، أحد نبهاء الطلبة، كان فاضلًا خيرًا دينا. مات في شهر ربيع الأول، سقط من سطح فمات شهيدًا. ٧ - أحمد بن محمد بن عبد المؤمن الحنفى، الشيخ ركن الدين القرمى، يقال له أيضا "قاضي قرم". قدم القاهرة بعد أن حكم بالقرم ثلاثين سنة فناب في الحكم، وولى إفتاء دار العدل ودرّس بالجامع الأزهر وغيره، وجمع شرحًا على البخارى استمد فيه من شرح شيخنا ابن الملقن، رأيتُ بعضه، وكان يزن بالهنات. مات في شهر رجب. سمعت الشيخ عز الدين بن جماعة يقول: "سمعت الشيخ ركن الدين يقول "شرف العلم من ستة أوجه: موضوعه وغايته ووسائله ووثوق براهينه وشدّة الحاجة إليه وخساسة مقابله".

стр. 267

قال لنا الشيخ عز الدين: "ولما ولى ركنُ الدين التدريس قال "لأذكرنَّ لكم في التفسير ما لم تسمعوه"، فعمل درسًا حافلا، فاتفق أنه وقع منه شي فبادر جماعة. وتعصبوا عليه وكفروه، فبادر إلى الشيخ سراج الدين الهندى - وكان قد استنابه في الحكم - فادّعى عليه عنده وحكم بإسلامه، فاتفق أنه بعده حضر درس السراج الهندى ووقع من السراج شيء فبادر الركن إليه وقال: "هذا كفر" فضحك السراج حتى استلقى على (١) قفاه، وقال: "يا شيخ ركن الدين، تكفر من حكم بإسلامك؟ ". قال: فأخجله". ٨ - أحمد بن محمد بن أبي العمران المخزومي الشافعي، أحد الفضلاء. مات شابا. ٩ - أحمد بن محمد الأرموى الصالحي، كان من بقايا الأكابر. مات في رجب. ١٠ - إسحق بن عاصم - ويقال لعاصم أيضا محمد الهندي - نظام الدين، شيخ الخانقاه الناصرية بسرياقوس. كان ذا همة عالية مع لطافة الذات وحسن (٢) الصفات. مات في ربيع (٣) الآخر بسرياقوس وحُمل إلى داره تحت قلعة الجبل فدفن بها. ١١ - إسماعيل (٤) بن أبي البركات محمد بن أبي العزِّ بن صالح الحنفى المعروف بابن الكشك، عماد الدين قاضي دمشق، ولى قضاءها بعد القاضي جمال الدين بن السراج (٥) فباشر دون السنة وتركه لولده نجم الدين ودرّس بعدّة مدارس بدمشق؛ وكان جامعًا بين العلم والعمل، وكان مصمما في الأُمور حسن السيرة، عمر حتى جاوز التسعين. مات في شوال أو بعده من هذه السنة ١٢ - أقتمر عبد الغني التركي، تنقل في الإمرة وتقلَّبت به الأحوال وأول ما ولى طلبخاناه في حياة شيخون، ثم أعطى تقدمة ألف واستقر خازندارا، ثم ولى نيابة طرابلس في سلطنة الناصر حسن سنة تسع وخمسين، ثم أعاده يلبغا إلى أن استقر حاجبا كبيرا، ثم ولى نيابة الشام

стр. 268

في صفر سنة ثمان وخمسين، ثم أُعيد إلى القاهرة حاجبًا، ثم استقر في نيابة السلطنة بمصر سنة خمس وسبعين، ثم ولى نيابة طرابلس ثم صفد ثم عاد إلى الحجوبية سنة ثمان وسبعين واستقر نائب الغيبة لما حج الأشرف ثم قُبض عليه وسجن، ثم أعطى إمرة بغزة، ثم عاد إلى النيابة في سنة تسع وسبعين، ثم قرر أميرًا كبيرًا إلى أن مات وهو أمير كبير رأس الميسرة في جمادى الآخرة. وكان لينا سليم الصدر متواضعًا يرجع إلى خير. ١٣ - أنس بن عبد الله الجركسي والد برقوق، كان كثير البر والشفقة لا يمر به مقيد إلَّا ويطلقه ولا سيما إذا رأى الذين يعمرون في المدرسة التي ابتدأ ابنه بعمارتها. مات في شوال ودفن بتربة يونس (١) ثم نقل إلى المدرسة، وأعطَى ولدُه [برقوق] الشيخ جلالَ الدين التباني ثلاثين ألف درهم فحج عنه وقيمتها إذ ذاك ألف وخمسمائة مثقال ذهبًا؛ ويقال إنه جاوز التسعين واستقر في تقدمته (٢) قطلوبغا الكوكائي. ١٤ - أيدمر الشمسي، عز الدين، أحد كبار الأُمراء. مات في صفر مطعونًا وكان من أمراء الناصر أمره طبلخاناه ثم تقدّم إلى أن كان رأس الميمنة وكان ليّن الجانب. ١٥ - ألان بن عبد الله الشعباني، أحد كبار الأمراء. مات في رجب (٣) والعامة تقول "علان" بالعين المهملة بدل الهمزة، وكان أصله من مماليك حسن وكان شجاعًا تأمر تقدمةً بعد فتنة بركة واستقر أمير سلاح حتى مات. ١٦ - أبو بكر بن يوسف بن عبد القادر بن سعد الله بن مسعود الخليلي ثم الصالحي الحنبلي عماد الدين، وُلد سنة خمس (٤) وسبعمائة في صفر، وسمع بعد العشرين وعنى بالحديث وطلب بنفسه. وقد ذكره الذهبي في المعجم المختص وقال: "من فضلاء المقادسة، مليح الكتابة، حسن الفهم، له إلمام بالحديث، وقرأ بنفسه قليلًا ونسخ لنفسه ولغيره كثيرا"، انتهى.

стр. 269

وحدث عن الحجار وعن أبي نصر بن الشيرازي وأبي الحسن بن هلال وغيرهم. مات في جمادى الأولى بدمشق. ١٧ - جركان الجركسى، ذكر في الحوادث، وقد تقدّم في السنة التي قبلها. ١٨ - جويرية (١) بنت أحمد بن أحمد (٢) بن الحسين بن موسك الهكاري. تكنى "أم البهاء (٣) "، سمعت من ابن الصواف مسموعه من النسائي و "مسند الحميدي"، ومن علي ابن القيم ما عنده من "صحيح الإسماعيلى"؛ وكانت خيرة دينة، أكثر الطلبة عنها. ماتت في صفر. ١٩ - حسام بن أبي الفرج أحمد بن عمر بن محمد بن ثابت بن عثمان بن محمد بن عبد الرحمن بن ميمون بن محمد بن حسان (٤) بن سمعان بن يوسف بن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الفرغاني النعماني، نزيل بغداد. اشتغل كثيرا وسمع الحديث من سراج الدين عمر بن علي القزويني (٥)، وله من أبي الفضل صالح بن عبد الله بن جعفر بن الصباغ الكوفى (٦) إجازة. وأعاد بمشهد أبي حنيفة ببغداد، ونقلتُ نسبه من خط ابن أخيه (٧) القاضي تاج الدين البغدادي لما قدم علينا من بغداد بعد العشرين وثمانى مائة، وكان قد قدم في أواخر زمن المؤيد فارًّا من ابن قرا يوسف لأنه كان آذاه وجدع أنفه ففر منه إلى القاهرة وألَّب عليه: فهم المؤيد بغزو بغداد وصمّم على ذلك ثم عاقه الأجل، فتحوّل تاج الدين بعد موت المؤيد إلى دمشق، وولى بها بعض المدارس ومات بها (٨). وكان تاج الدين حدث بمسند أبي حنيفة - جَمْع أبي المؤيد محمد بن محمود بن محمد

стр. 270

الخوارزمي - بروايته عن عمه ابن الصباغ عن مؤلفه، وبروايته عن عبد الرحمن بن لاحق الفندى عن علي بن أبي القاسم بن تميم الدهستانى، أجازه عن مؤلفه سماعًا. ٢٠ - حسين بن أُويس بن حسين صاحب تبريز وبغداد، قُتل بمواطأة أخيه أحمد بإشارة الشيخ خجا الكججانى؛ وكان حسين شهما شجاعًا، واستقر بعده أحمد في السلطنة، وقيل كان ذلك في ربيع الآخر من السنة التي بعدها،، وسيأتي. ٢١ - داود بن ذكرى (١) التكرورى، الشيخ زين الدين العباسي، من أصحاب الشيخ أبي العباس الضرير وكان ممَّن يُعتقد. مات في أواخر ذي الحجة. ٢٢ - سيف بن عبد الله المقدم، كان رأسا في الظلم مهيبا. مات تحت العقوبة. ٢٣ - طشتمر بن عبد الله الشعباني، كان حاجبًا صغيرًا بدمشق وناب في قلعة الروم سنة سبع وستين وولى الحجوبية بدمشق سنة تسع وسبعين وبعدها، ثم ولى نيابة حماة ومات بعينتاب في رجب، وكان صارمًا شهمًا. ٢٤ - عبد الله بن حسن (٢) بن طوغان، جمال الدين بن الأوحدى، كان خيِّرًا كثير التلاوة وافر العقل، وأنجب ولدَه شهاب الدين أحمد. مات في صفر. ٢٥ - عبد الله بن علي بن أحمد بن عبد الرحمن بن عتيق (٣) الأنصاري، جمال الدين بن حديدة، وُلد سنة إحدى وعشرين (٤) وسبعمائة، وسمع على ابن شاهد الجيش وإسماعيل التفليسي وابن الأخوة وغيرهم، وعنى بالحديث وكتب الأجزاء والطباق، وجمع كتابًا سماه "المصباح المضي في معرفة كتّاب النبي". وكان خازن (٥) الكتب بالخانقاه الصلاحية سعيد (٦) السعداء بالقاهرة، وربما سُمى

стр. 271

محمدًا، وكان يذكر أنه سمع من الحجار ولم يظفروا له بذلك مع أنه حدّث عنه بالثلاثيات بقوله. مات في شعبان. ٢٦ - عبد الله القبطي المعروف بالرفيق، كان كاتبا موصوفًا بالمعرفة، تقدّم (١) عند أينبك ومات في صفر مطعونًا. ٢٧ - عبد الوهاب بن عبد الله القلعي، مؤذن جامع القلعة وجامع شيخون. كان موصوفًا بحسن الصوت وطيب النغمة، مات هو ومحمد بن حسن البصري جميعا وكانا متناظرين. ٢٨ - عثمان بن محمد بن أيوب بن مسافر الأسعردي، الخواجا التاجر في المماليك وهو الذي أحضر والد برقوق إلى القاهرة، وهو الذي أحضر من قبل ابنه (٢) في دولة الأشرف. وكان قد سعي في إبطال مكس الرمان بدمشق فأُجيب إلى ذلك. وكان له جاه وصيت في البلاد، وعمر بدمشق قيسارية مليحة. مات في رجب وأسف عليه برقوق وصلى عليه وأكثر البكاء عليه. ٢٩ - عرفك بن موسى بن عرفك بن بدر بن محمد بن محمود بن رباح (٣) بن محمود المخزومي من عرب المشارقة المعمّر، جاوز المائة، فقرءُوا عليه بالإجازة العامة من الفخر بن البخاري وغيره، وكان يُكنى "أبا حميضة"، وكان يذكر أنه رأى الشجاعي ولاجين، ويعرف "بالفيض". ٣٠ - عطية بن منصور بن جماز [بن شيحة] الحسنى أمير المدينة. مات هو وأخوه نعير وابن أخيه هبة بن جماز بن منصور في هذا العام. ٣١ - علان (٤)، تقدم في الهمزة. ٣٢ - على (٥) بن شعبان، تقدّم في الحوادث.

стр. 272

٣٣ - على بن عبد الله اللحفى المعروف "بالمكشوف"، ويقال له "أبو لحاف" لأنه كان مكشوف الرأس شتاءً وصيفا، وكان (١) شاميا سكن مصر، وتذكر عنه كرامات كثيرة. مات في صفر. ٣٤ - على بن أبي الفضل بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن فلاح الإسكندراني ثم الدمشقى العطار، علاء الدين. كان من بيت الرواية والفضل؛ ولد سنة سبع وتسعين وستمائة، وسمع من القاضي نجم الدين بن صصرى مشيخته تخريج العلائي، ومن علاء الدين بن العطار "أربعين النووى"، وكان لما كبر ترك الحانوت وافتقر وانقطع بمسجدٍ إلى أن مات في ربيع الأول وله بضع وثمانون سنة، وحدَّث، ولو أُسمع على قدر سنه لكان (٢) عالى الإسناد. ٣٥ - على بن قشتمر التركي، ولى نيابة الكرك ثم الاسكندرية، وأمِّر تقدمةً بمصر بعد الأشرف، واستقر حاجبًا ثانيا إلى أن مات في شهر ربيع الأول (٣)، واستقر في تقدمته تغرى برمش وترك لأولاده عدة إقطاعات. ٣٦ - عمر بن إسماعيل بن عمر بن كثير، عز الدين بن عماد الدين، عنى بالفقه وكتب تصانيف أبيه، وولى الحسبة مرارًا ونظر الأوقاف، ودرّس بعدّة أماكن وعاش خمسا وأربعين سنة. مات في رجب. ٣٧ - عمر بن عثمان بن أبي القاسم عبد الله بن معمر، كمال الدين المعرّى (٤) اشتغل قليلا وعنى بالفقه، ويقال إن شرف الدين البارزى أذن له فولى قضاء بلده ثم طرابلس ثم حلب ثم دمشق ثم حلب في سنة ثلاث وخمسين، ثم تكرّرت ولايته لها، وأقام مرة من سنة تسع وخمسين إلى سنة إحدى وسبعين، ثم ولى قضاء (٥) دمشق بعد تاج الدين السبكي إلى أن عُزل منها سنة خمس وسبعين، ثم أعيد في سنة تسع وسبعين، ثم عزل ثم أُعيد إلى أن مات. قال ابن حجى: "سمعنا منه وكان يحفظ التدريس جيدا ويذاكر بأشياء حسنة وخلّف مالا طائلًا، وقد حدّث عن الحجار وغيره، ولم يكن مشكورًا في الحكم ولا متورعا فيه بل

стр. 273

كان يأخذ الرشوة ظاهرا على ما قيل، مع أنه كان يكثر الصوم والحج والعبادة. ومن العجائب أنه ولى دار الحديث الأشرفية (١): انتزعها من الحافظ. عماد الدين بن كثير، مع أن شرطها أن يكون مع أعلم أهل الحديث بالبلد فمقته الطلبة وعدُّوا عليه غلطات وفلتات (٢) منها أنه قال: "الجهبذ" فنطق بها بضم الجيم وفتح الهاء، وكان طلق الوجه (٣) كثير المال والسعى، وكان يكتب خطا حسنًا ونسخ بخطه كتبا، وكان يحفظ الدرس جيدا ويذاكر بوفياتٍ وغيرها، وكان عارفًا بالأحكام والمصطلح، كثير التودّد والثروة (٤). عاش إحدى وسبعين سنة، وأول ما ولى قضاء بلده في سنة ثلاث وثلاثين، فكان يقول: "ليس في قضاة الإسلام أقدم هجرة منى". مات في رجب. ٣٨ - فاطمة (٥) بنت الشهاب أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الحرازي المكية ثم المدنية، سمعت على جدها لأُمها الرضى الطبرى الكبير، وسمعت على أخيه الصفى حضورًا، وأجاز لها الفخر التوزرى والعفيف الدلاصى وأبو بكر الدشتي والمطعم وآخرون، وكانت خيرة. ماتت في شوال عن ثلاث وسبعين سنة. ٣٩ - فرج بن قاسم بن أحمد بن ليث، أبو سعيد التغلبي الغرناطي. برع في العربية والأُصول وشارك في الفنون وأقرأ ببلده وأفاد، وولى خطابة جامع غرناطة. أخذ عنه شيخنا بالإجازة قاسم بن علي المالقي وذكر أنه مات في هذه السنة تقريبا،، ورأيتُ له تصنيفا في "الباء الموحّدة".

стр. 274

٤٠ - محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الدمشقى، أمين الدين بن الشماع؛ وُلد سنة ثمان وتسعين وستمائة، وسمع من وزيرة "مسند الشافعي" بفوت يسير، و "صحيح البخاري"، وسمع على التقي محمد بن عمر الحريري "تفسير الكواشي" بروايته عنه، ودرّس في الفقه، وأذن له الشرف البارزي في الإفتاء، وناب في الحكم عن عز الدين بن جماعة، وتولَّى قضاء القدس عن السبكى الكبير ثم ترك وجاور بمكة فمات بها في نصف صفر (١). ٤١ - محمد بن حسب الله الزعيم التاجر، كان واسع الملاة كثير الثروة مشهورًا بمعرفة التجارة إلَّا أنه كثير الربا. مات بمكة. ٤٢ - محمد بن حسن المصرى رئيس المؤذنين بالجامع الأزهر وغيره، كان مشهورًا بحسن الصوت وطيب النغمة. مات في شهر ربيع الأول ومات معه رفيقه عبد الوهاب (٢) كما مضى. ٤٣ - محمد بن سكر، الشاهد بدمشق، كان يحجّ كثيرًا، يقال حجّ خمسا وثلاثين حجة، مات في جمادى الأولى. ٤٤ - محمد بن عبد الله بن العماد إبراهيم بن النجم أحمد بن محمد بن خلف، فخر الدين الحاسب، سمع من التقى سليمان والحجار وطبقتهما، واشتغل بالفقه والفرائض والعربية، وأفتى ودرّس، وكان حسن الخُلق تام الخَلْق، فيه دين ومروءة ولطف وسلامةُ باطن، مهر في الفرائض والعربية وكان عارفًا بالحساب، وذُكر لقضاء الحنابلة فلم يتم ذلك. مات راجعًا من القدس بدمشق. ٤٥ - محمد بن عثمان بن حسن بن علي الرِّقى ثم الصالحي المؤذن، وُلد سنة اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة وسبعمائة، وسمع "صحيح البخارى" على عيسى المطعم وأبى بكر بن عبد الدائم وغيرهما، وحضر على التقى سليمان، وسمع وهو كبير من المزِّى والسلاوى وغيرهم؛ وأجاز له الدشتي وطبقته من دمشق وابن مخلوف ونحوه وحسن الكردى وعلى بن عبد العظيم الزيني عبد الحمن النيسابورى وابن المهتار والوداعى وابن مكتوم وابن النشو والشريف موسى

стр. 275

والرشيد بن العلم وغيرهم من مصر والاسكندرية، وخرج له ابن حجى مشيخة، ويقال إنه كان أوحد عصره في التلقين، وكان على طريقة السلف من السكوت والتواضع والفقه وكفّ اللسان، وكان عارفًا بعلم الميقات ويقرئ الناس متبرعًا. مات في شعبان (١). ٤٦ - محمد بن علي بن محمد بن نبهان بن عمر بن نبهان بن عباد، شمس الدين، شيخ زاوية (٢) قرية جبرين. مات في صفر، وسمع من عم أبيه صافى بن نبهان وحدّث. سمع منه البرهان سبط بن العجمى وأثنى عليه القاضي علاء الدين في تاريخ حلب. ٤٧ - محمد بن علي بن يوسف بن الحسن بن محمد بن محمود بن عبد الله الزرندي الحنفى، قاضي المدينة بعد أبيه. كان فاضلًا متواضعا يُكنى أبا الفتح وهو بها أشهر. ٤٨ - محمد بن عمر بن عيسى بن أبي بكر الكناني المصرى، زين الدين، سمع من وزيرة والحجار وكان خيرًا، ولى نيابة الحكم، وسمع منه نور الدين على بن شيخنا سراج الدين بن الملقن بقراءة أبي زرعة بن العراقي. ٤٩ - محمد بن عمر بن مشرف الأنصارى الشيرازي الملقب "طقطق"، وُلد سنة سبع عشره وسبعمائة وسمع من المزِّى وغيره وحدّث. وكان شيخا طريفًا يحفظ. أشعارًا ويذاكر بأشياء ويتردد إلى مدارس الشافعية. مات في جمادى الآخرة. ٥٠ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن رشيد الجمالي السرائي الأصل الدمشق، وُلد بسراى في الثاني والعشرين من جمادى الأُولى سنة سبع وسبعمائة، وقدم إلى الشام كبيرًا وعنى بالحديث على كبر وطلبه وقتًا، وسمع من الميدومى - أظنه بالقدس - ونحوه وطلب بنفسه، وكتب بخطه وهو خط. حسن، ونظم الشعر (٣) المقبول، وكتب عنه ابن سند وجماعة منهم سبط ابن العجمى، وكان دينا خيرا، وكان يُكنى "أبا حامد" و "أبا المجد" و "أبا الفياض"، وكان فاضلا له نظم جيد ومشاركة في العلم وورع زائد، ولم يكن يملك شيئًا إلَّا

стр. 276

ما هو لابسه. وكان تارة يمشى بطاقيةٍ ولا يتكلَّف هيئة مع التواضع والبشاشة وحُسن الصورة، وكان العلماءُ يتردّدون إليه ولا يقوم لأحد ولا يملك شيئًا ولا يقتنيه. ٥١ - محمد بن محمد بن محمد، شمس الدين، ابن السيوري (١). انتهت إليه الرياسة في حسن الضرب بالعود، وكان عارفًا بالموسيقى حسن الخط، مليح العشرة، وله إقطاع يعمل في السنة ألف دينار، وكان يقول إنه من ذرية عمار بن ياسر. مات في صفر. ٥٢ - محمد بن محمد بن دقيق العيد بن ولى الدين. ناب في الحكم وولى بعض الخوانق (٢). ٥٣ - محمود الغازاني شاد الأوقاف بدمشق. قُتل في تجريدة التركمان في جمادى. ٥٤ - نعير بن منصور وابن أخيه هبة بن جماز. تقدّما في عطية. ٥٥ - يعقوب بن عبد الله المغربي المالكي، كان عارفًا بالفقه والأُصول والعربية، انتفع به الناس. مات في صفر. ٥٦ - يوسف بن ماجد بن أبي المجد بن عبد الخالق المرداوى، جمال الدين الحنبلي، كان فاضلًا في الفقه وامتُحن مرارًا بسبب فتياه بمسألة ابن تيمية في الطلاق وكذا في عدّةٍ من مسائله، وقد حدَّث عن الحجار وابن الرضى والشرف بن الحافظ. وغيرهم؛ وكان شديد التعصب لمسائل ابن تيمية وسُجن بسبب ذلك ولا يرجع حتى إنه بلغه أن الشيخ بهاء الدين ابن المصرى حط في دروسه على ابن تيمية بالجامع، فجاء إليه وضربه بيده وأهانه. مات في تاسع عشر صفر. ٥٧ - يوسف بن أبي راجح بن محمد بن إدريس بن غانم بن مفرح العبدري، جمال الدين الشيبي الحجبي، شيخ الحجبة. مات بمكة. * * *

стр. 277

سنة أربع وثمانين وسبعمائة فيها في المحرّم وقع الطاعون بدمشق وتزايد في صفر حتى قارب الثلاثمائة ثم تناقص، ويقال جاوز الأربعمائة، ثم تناقص في ربيع الآخر إلى ثمانين. وفيها (١) في المحرم وقع الغلاءُ بمصر، وارتفع السعر إلى أن أبيع القمح بمائة درهم الإردب، وعدمت الأقوات، ثم فرّج الله تعالى عن قريب ودخل الشعير الجديد وانحط. القمح إلى أربعين. وفى المحرّم استقر كمشبغا الحموي في إمرته. * * * وفيها لما كثر الغلاءُ أمر برقوق الحكام أن لا يُحبَس أحد على دين لأجل الغلاء، وأفرج عن المحابيس. وفيها رضى برقوق على بيدمر ورده إلى نيابة الشام وذلك في صفر وهي المرة السادسة، وكان الذي أحضره من الاسكندرية بكلمش العلائي فوصل في الحادي والعشرين من المحرم فخلع عليه بنيابة الشام وأرسل أشقتمر النائب الذي كان قبله إلى دمشق بطالًا، ودخل بيدمر الشام في شهر ربيع الأول فاحتفل به أهل الشام وفرحوا بولايته جدا، وكان يوم دخوله يوما مشهودًا وجاوزوا الحدّ إلى ذلك. * * * وفيها شرع جركس الخليلي في عمل جسرٍ بين الروضة ومصر، وكان طوله مائتي قصبة في عرض عشرة، وحفر في وسط البحر خليجا إلى فم الخليج الناصرى عند موردة الجيش (٢)، وكان غرضه بذلك أن يستمر النيل في جهة بر مصر فلم يتم مراده، بل كان ذلك أعظم الأسباب في عكس ما قصده وانطرد النيل عن برّ مصر بحيث كان ينشف نصفه، فكشف كله إلى قرب المقياس، ثم بعد عشرين سنة حُفر النيل بغير سَعْي أحد وصار يلبث قليلًا قليلا إلى هذه

стр. 278

الغاية، ولم يُلزم الخليلي أحدًا من الناس فيما أنفقه على هذا الجسر بغرامةِ درهم فما فوقه، وأنشد ابن العطار في ذلك: شكت النيل أرضُه … للخليلي فأحضرَهْ ورآى الماء خائفًا … أن يطاها فجسَّرَهْ * * * وفيها عمل الخليلي على النيل طاحونًا تدور في الماء فاستأجرها منه بعض الطحانين فحصل فيها مالًا عظيما لكثرة من كان يأتي إليه برسم الفرجة. * * * وفيها في ثالث المحرم استقرّ سودون الشيخونى حاجب الحجاب وأُعطى إمرة تغرى برمش، وأُرسل تغرى برمش إلى القدس بطالًا، واستقر أيدكار حاجبَ الميسرة. * * * وفيها حضر الشيخ على الروبى (١) من الفيوم إلى مصر وحصل للناس فيه محبة زائدة واعتقاد مفرط وسارعوا إلى الاجتماع به وهو في الجيزة. * * * وفيها امتنع القاضي برهان الدين بن جماعة من الحكم وذلك في صفر، والسبب فيه أن تاجرًا مات وخلف مالا كثيرًا، فثبت عند القاضي برهان الدين أن له ورثةً فمنع أهل المواريث من التعرّض للمال، فغضب برقوق من ذلك وراسله في تسليم المال فصمم. وبلغه أن برقوق طلب من يولِّيه القضاء فذُكر له الشيخ برهان الدين الأنباسي فاختفى، فوقف البرهان عن الحكم بين الناس، وسعى بدر الدين بن أبي البقاء في العود إلى المنصب وبذل مالًا وأن لا يتعرّض للتركة المذكورة، فأُجيب واستقر في سلخ صفر. وتوجّه برهان الدين بن جماعة إلى القدس في ثالث عشر ربيع الأول؛ وقرر ابن أبي البقاء في نيابة الحكم بالقاهرة شهابَ الدين الزركشي مضافًا إلى أمانة الحكم في مضر، وقَرر في نظر

стр. 279

الأوقاف بمصر شمسَ الدين بن الوحيد عوضا عن زين الدين الزواوي، وفي نظر الأوقاف بالقاهرة جمال الدين بن العجمي عوضا عن تقيّ الدين الإسنائي. وقرأت بخط القاضي تقيّ الدين الزبيرى وأجازنيه: "في أول سنة أربع وثمانين سأل برقوق من يختص به أن يطلب له رجلًا جيدا يولِّيه قضاء الشافعية، فذكر له جماعةً منهم الشيخ برهان الدين الأنباسي فطلبه مع موقعه أوحد الدين وعرفه القصة، فوافقه على أنه يجيء إليه ويتوجّه معه إلى الاسطبل، فهرب واختفى. فأقام على ذلك أياما وابن جماعة لا يعرف شيئًا من ذلك بل يظن أن ذلك بأمر آخر، فلما أيسوا منه طلب القاضي بدر الدين بن أبي البقاء، فأُعيد إلى القضاء في يوم السبت تاسع عشرى صفر، واستمر معه تدريس الشافعي وتوجه ابن جماعة إلى القدس". انتهى. ويقال إن برقوق كان يعرف قوة نفس برهان الدين بن جماعة فخشي ألَّا يوافقه إذا رام أن يتسلطن ويعارضه فلا ينتظم أمره، فعمل على عزله وتولية من لا يخالفه لكوْنه هو الذي أنشأ ولايته. وكان الشيخ برهان الدين الأنباسى يقول إنه لما أوعد أوحد الدين ودخل إلى منزله فتح المصحف فخرج (١) "قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحبّ إليَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ" فأطبقه وتغيب. * * * وفيها صُرف همام الدين بن الشيخ الأتقاني عن قضاء الحنفية بدمشق، وأُعيد نجم الدين بن الكشك، وكان وصل الخبر بعزْله وولاية النجم، فامتنع النواب من الحكم، فأنكر عليهم الهمام واستمر يحكم حتى قدم النجم، فتوجّه الهمام إلى النائب - وكان غائبًا عن البلد - ثم رجع معزولًا؛ وكان الهمام من عجائب الدهر في الجهل والخبط وقلَّة الدين. وفيها استقر تقى الدين الزبيري في نيابة الحكم بالقاهرة، وقد تولَّى القضاء استقلالًا بعد ذلك.

стр. 280

وفيها انكسر الجسر من جهة المنشية عند المرسى فرجع الماءُ إلى البركة التي هناك ففاضت على الميدان فلم يركب السلطان تلك السنة إلَّا ميدانين خاصة. وفيها حضر رسل صاحب إشبيلية من عند ملك الكتلان يسألون السلطان الشفاعة في صاحب سيس، فأرسله إليهم مكرما. * * * وفيها حضر رسول صاحب (١) سيس ومعه (٢) كتاب يخبر فيه أن الأرمن الذين هناك مات كبيرهم فأمروا عليهم زوجته فحكمت فيهم مدّة ثم عزلت نفسها، فاتفق رأيهم أن يفوضوا أمرهم لصاحب مصر فيختار لهم من يولِّيه عليهم، فانتقى لهم برقوق واحدًا من الأرمن الأسارى الذي يسكنون بالكوم ظاهر القاهرة ويبيعون هناك الخمر، فأخذوه معهم فملِّكوه عليهم. * * * وفيها في ربيع الآخر (٣) ولى بدر الدين محمد بن أحمد بن مزهر كتابة السر بدمشق عوضا عن فتح الدين بن الشهيد، وهرب ابن الشهيد بعد أن طُلب، فأُمْسِكَ ولده تاج الدين ورُسم عليه ثم ظهر لما ولى بيدمر، فقُرر عليه مال ورسم عليه بالعذراوية (٤) ثم بالدماغية ثم أُطلق، وهرب ابن نبهان الذي استقر كاتب السرّ لكونه أُلزم بوزن ما التزم به من المال فلم يقدر على ذلك، فاستقر ابن مزهر. وفيها ولى القضاء بالقدس خير الدين الحنفى وهو أول حنفى قضى به، وولى القضاء بغزة موفق الدين رسول الحنفى وهو أول حنفى قضى بها. وهذان من طلبة الحنفية بالشيخونية، وكان الثاني أولًا ينوب عن الهمام الأنقاني بدمشق. * * *

стр. 281

وفى (١) رمضان من هذه السنة خُلع الملك الصالح حاجى من السلطنة، فكانت مدّة مملكته سنة ونصفًا ونصف شهر، وبويع برقوق بالسلطنة ولقب "الملك الظاهر" وكنى "أبا سعيد" ولم تنتطح في ذلك عنزتان. وكان [برقوق] يعمل في تدبير المملكة بعد مسك بركة إلى أن أفنى المماليك الأشرفية نفيا وقتلًا، وقرب الجراكسة وأبعد الترك، ثم طلب القضاة والعلماء والأمراء واستشارهم في أمر المملكة وأن الأُمور اضطربت لصغر سنّ السلطان وطمع المفسدون في الأمر فأجمعوا على طاعته وبايعوه وذلك في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان وخُطب له بالجامع يوم الجمعة حادى عشريه (٢). وتوجّه البريد إلى البلاد فبويع له بدمشق في يوم الخميس سابع عشريه وخطب له بالجامع يوم الجمعة ثامن عشريه. * * * واستقر أيتمش أتابك العساكر، والجوباني أميرَ مجلس، وجركسُ الخليليُّ أميرَ آخور، وسودون الشيخونيُّ نائبَ السلطنة، وقردم الحسنى رأس نوبة، ويونسُ في الدويدارية. * * * وفى يوم سلطنته انحط سعر القمح، فاستبشر الناس بذلك وأُدخل الصالح داخل الدور، وقرئ تقليد الظاهر يوم الاثنين رابع عشريه. * * * وفى ربيع الأول هرب ابن مكانس الوزير من الترسيم، فبلغ برقوق فغضب على شاد الدواوين بهادر الأعسر وحبسه بخزانة شمائل ثم شُفع فيه فأطلق، وبالغ في أذية إخوة ابن مكانس وأقاربه، وسلّط عليهم العذاب وضُربوا بالمقارع وهجموا على حريمهم وهجموا بيوت معارفهم، واستقصوا في التفتيش عليه من الكنائس والديور فلم يقعوا به. * * * وفى شعبان أراد جماعة من مماليك برقوق ومماليك أولاد السلاطين الفتك ببرقوق فأنذره

стр. 282

شيخ الصفوى وهو يكبّسه فقعد، فدخل أحدهم فوثب برقوق فضربه ضربة انقلب ثم نزل إلى باب (١) الاسطبل، وطلب الأمراء وتتبَّع الذين أرادوا الفتك به، فسجن منهم ونفى، وغضب السلطان على ألابغا العثماني لأنه بلغه أنه اطلع على القضية فأخفاها عنه فنفاه إلى طرابلس وأعطى إمرته إلى شخص من أقاربه قدم عليه من الجراكسة وهو قجماس. * * * وفي ربيع الآخر منها جهزت التجريدة إلى الفيوم بسبب صدّ عرب البحيرة عن الدخول إلى الصعيد، فتجهّز خمسة أمراء من المقدّمين ومن تبعهم فتوجّهوا إلى أن تحققوا أن العرب توجهوا إلى جهة برقة، فرجعوا في جمادى الأولى. * * * وفيها كائنة الشيخ صدر الدين على بن العزِّ الحنفى بدمشق، وأولها أن الأديب على بن ببك الصفدى عمل قصيدة لامية على وزن "بانت سعاد" وعرضها على الأُدباء والعلماء فقرظوه، ومنهم صدر الدين على بن علاء الدين بن العز الحنفى، ثم انتقد فيها أشياء، فوقف عليها على بن أيبك المذكور فساءه ذلك ودار بالورقة على بعض العلماء. فأنكر غالب من وقف عليها وشاع الأمر. فالتمس ابن أيبك من ابن العزِّ أن يعطيه شيئًا ويعيد إليه الورقة فامتنع، فدار على المخالفين وألَّبهم عليه، وشاع الأمر إلى أن انتهى إلى مصر فقام بعض المتعصبين إلى أن انتهت القضية السلطان، فكتب مرسومًا طويلا منه: "بلغنا أن على بن أيبك مدح النبي ﷺ بقصيدة، وأن على بن العزِّ اعترض عليه وأنكر أمورًا منها التوسّل بالنبي ﷺ والقدح في عصمته وغير ذلك، وأن العلماء بالديار المصرية - خصوصا أهل مذهبه من الحنفية - أنكروا ذلك فيتقدّم بطلبه وطلبِ القضاة والعلماء من أهل المذاهب ويعمل معه ما يقتضيه الشرع من تعزير وغيره". وفى المرسوم أيضا: "بلغنا أن جماعة بدمشق ينتحلون مذهب ابن حزم وداود ويدعون إليه. منهم القرشي

стр. 283

وابن ألجاي وابن الحسبانى والياسوفى: فيُتقدم بطلبهم: فإن ثبت عليهم منه شيء عمل بمقتضاه من ضربٍ ونفى وقطع معلوم، ويقرر في وظائفهم غيرهم من أهل السنة والجماعة". وفيه: "وبلغنا أن جماعة من الشافعية والحنابلة والمالكية يظهرون البدع ومذهب ابن تيمية". فذكر نحو ما تقدم في الظاهرية، فطلب النائب القضاة وغيرهم، فحضر أول مرة القضاة ونوابهم وبعض المفتيين، فقرئ عليهم المرسوم، وأحضر خط ابن العزِّ فوجد فيه قوله: "حسبى رسول الله: هذا لا يقال إلَّا الله! ": وقوله: "اشفع لي". قال: "لا تطلب منه الشفاعة". ومنها "توسلت بك" فقال: "لا يُتوسل به". وقوله "المعصوم من الزلل"، قال: إلّا من زلة العتاب". وقوله "يا خير خلق الله" الراجح تفضيل الملائكة إلى غير ذلك. فسئل فاعترف ثم قال: "رجعتُ عن ذلك وأنا الآن أعتقد غير ما قلتُ أوّلًا" فكُتب ما قال وانفصل المجلس. ثم طلب بقية العلماء فحضروا المجلس الثاني وحضر القضاة أيضا؛ وممن حضر القاضي شمس الدين الصرخدى والقاضي شرف الدين بن الشريشي، والقاضى شهاب الدين الزهري وجمعٌ كثير، فأعيد الكلام، فقال بعضهم: "يُعزَّر" وقال بعضهم: "ما وقع معه من الكلام أولًا كافٍ في تعزير مثله" وانفصلوا. ثم طُلبوا ثالثًا وطُلب من تأخر وكتبت أسماؤهم في ورقة، فحضر القاضي الشافعي، وحضر ممن لم يحضر أولا: أمين الدين الأتقى وبرهان الدين الصنهاجي وشمس الدين بن عبيد الحنبلي وجماعة. ودار الكلام أيضا بينهم ثم انفصلوا ثم طُلبوا. وشدد الأمر على من تأخر فحضروا أيضا. وممن حضر سعد الدين النووى وجمال الدين الكردى وشرف الدين الغزى وزين الدين بن رجب وتقى الدين بن مفلح وأخوه وشهاب الدين بن حجى، فتواردوا على الإنكار على ابن العزِّ في أكثر ما قاله. ثم سئلوا عن قضية الذين نسبوا إلى الظاهر وإلى ابن تيمية، فأجابوا كلهم أنهم لا يعلمون في المسمون من جهة الاعتقاد إلَّا خيرا، وتوقف ابن مفلح في بعضهم، ثم حضروا خامس مرة واتفق رأيهم على أنه لابد من تعزير ابن العز، إلا الحنبلي.

стр. 284

فسئل ابن العزِّ عما أراد بما كتب فقال: "ما أردتُ إلَّا تعظيم جانب النبي ﷺ . وامتثالُ أمره أنه لا يُعطى فوق حقه". فأفتى القاضي شهاب الدين الزهرى بأن ذلك كاف في قبول قوله وإن أساء في التعبير، وكتب خطه بذلك. وأفتى ابن الشريشي وغيره بتعزيره، فحكم القاضي الشافعي بحبسه، فحبس بالعذراوية ثم نُقل إلى القلعة، ثم حكم برفع ما سوى الحبس من التعزيرات، ونفذه بقية القضاة. ثم كُتبت نسخة بصورة ما وقع وأُخذ فيها خطوط القضاة والعلماء وأرسلت مع البريد إلى مصر، فجاء المرسوم في ذى الحجة بإخراج وظائف ابن العزِّ، فأخذ تدريسَ العزية البرانية شرفُ الدين الهروى، والجوهرية على الملقب الأكبر، واستمر ابن العزِّ في الاعتقال إلى شهر ربيع الأول من السنة المقبلة. وأُحدث من يومئذ - عقب صلاة الصبح - التوسل بجاه النبي ﷺ : أمر القاضي الشافعي بذلك المؤذنين، ففعلوه. * * * [و] في الرابع من ذى القعدة طلب ابن الزهرى شمسَ الدين محمدَ بن خليل الحريري المنصفى فعزّره بسبب فتواه بمسألة الطلاق على رأى ابن تيمية، وبسبب قوله: "الله في السماء". وكان الذي شكاه القرشي فضربه بالدرة وأمر بتطويفه على أبواب دور القضاة، ثم اعتذر ابن الزهرى بعد ذلك وقال: "ما ظننته إلَّا من العوام لأنهم أنهوا إلى أن فلانا الحريري قال: كيت وكيت". حكى ذلك ابن حجى. وهذا العذر دالٌ على أنه تهوَّر في أمره ولم يثبت. فلله الأمر. ومن أطرف ما حكى عن ابن المنصفى أن بعض الناس اغتمّ له مما جرى فقال: "ما أسفى إلَّا على أخذهم خطى بأني أشعري فيراه عيسى بن مريم إذا نزل". * * * وفيها كان الحاج بمكة كثيرًا بحيث مات من الزحام بباب السلام أربعون نفسًا. أخبر الشيخ ناصرُ الدين بن عشائر أنه شاهد منهم سبعة عشر نفسًا موتى بعد أن ارتفع الزحام،

стр. 285

وأن شيوخ مكة ذكروا أنهم لم يروا الحاج أكثر منهم في تلك السنة. وكانت الوقفة يوم الجمعة بلا ارتيابٍ عندهم. ولكن وقع للشيخ زين الدين القرشي أنه قيل عنه إنه ضحّى يوم الجمعة لأجل شهادة من شهد برؤية هلال ذى الحجة ليلة الأربعاء، فلم يصم يوم الخميس وضحى يوم الجمعة، وشاع عنه أنه أمر بذلك فبلغ القضاة فشقّ عليهم ورفعوا أمره للنائب، فطلبه النائب فتغيّب ثم حضر وأخبر أنه لم يضح، واعترف بأنه لم يصم احتياطًا للعبادة، استدل بأشياء تدلّ على قوة ما ذهب إليه، وخالفه جماعة في ذلك، وانفصل الحال. وكان استجار بالأمير تمرباي فأرسل إلى القضاة فعفوا عنه، ثم أحضر النقل من مصنف ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعى أنهم كانوا يرون صوم يوم عرفة إلَّا أن يتخوفوا أن يكون يومَ النحر، وأنه أفطر لذلك وأن هذا الأمر يردّ عليه، فعورض بأن الأخذَ بالأثر المذكور يخالف مذهب الشافعي لعدم قوله بصوم يوم الشك من رمضان، ولم يلتفتوا إلى الاحتياط المذكور. * * * وفى شعبان انتهت زيادة النيل إلى إصبع من أحد وعشرين ذراعًا. وفي رمضان استعفى طشتمر الدويدار من نيابة صفد فأُعفى وتحوّل إلى القدس بطالًا. وفيها استقر محمود شادَّ الدواوين وكان قبل ذلك أُستادارَ سودون باق. * * * وفيها حججت مع زكى الدين الخروبى، وكانت الوقفة الجمعة، وجاورنا بها فصليت بالقدس في السنة التي تليها، وقد كنت ختمت من أول السنة الماضية واشتغلت بالإعادة في هذه السنة فشغلنا بأمر الحج إلى أن قدر ذلك بمكة، وكانت فيه الخيرة. * * * وفى تاسع شوال صرف بدر الدين بن فضل الله من كتابة السر بمصر واستقر أوحد الدين عوضه فيها، وكان (١) أوحدُ الدين موقعَ برقوق وله به معرفة قديمة فجازاه.
следующие страницы →