وفى (١) رمضان من هذه السنة خُلع الملك الصالح حاجى من السلطنة، فكانت مدّة مملكته سنة ونصفًا ونصف شهر، وبويع برقوق بالسلطنة ولقب "الملك الظاهر" وكنى "أبا سعيد" ولم تنتطح في ذلك عنزتان.
وكان [برقوق] يعمل في تدبير المملكة بعد مسك بركة إلى أن أفنى المماليك الأشرفية نفيا وقتلًا، وقرب الجراكسة وأبعد الترك، ثم طلب القضاة والعلماء والأمراء واستشارهم في أمر المملكة وأن الأُمور اضطربت لصغر سنّ السلطان وطمع المفسدون في الأمر فأجمعوا على طاعته وبايعوه وذلك في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان وخُطب له بالجامع يوم الجمعة حادى عشريه (٢). وتوجّه البريد إلى البلاد فبويع له بدمشق في يوم الخميس سابع عشريه وخطب له بالجامع يوم الجمعة ثامن عشريه.
* * *
واستقر أيتمش أتابك العساكر، والجوباني أميرَ مجلس، وجركسُ الخليليُّ أميرَ آخور، وسودون الشيخونيُّ نائبَ السلطنة، وقردم الحسنى رأس نوبة، ويونسُ في الدويدارية.
* * *
وفى يوم سلطنته انحط سعر القمح، فاستبشر الناس بذلك وأُدخل الصالح داخل الدور، وقرئ تقليد الظاهر يوم الاثنين رابع عشريه.
* * *
وفى ربيع الأول هرب ابن مكانس الوزير من الترسيم، فبلغ برقوق فغضب على شاد الدواوين بهادر الأعسر وحبسه بخزانة شمائل ثم شُفع فيه فأطلق، وبالغ في أذية إخوة ابن مكانس وأقاربه، وسلّط عليهم العذاب وضُربوا بالمقارع وهجموا على حريمهم وهجموا بيوت معارفهم، واستقصوا في التفتيش عليه من الكنائس والديور فلم يقعوا به.
* * *
وفى شعبان أراد جماعة من مماليك برقوق ومماليك أولاد السلاطين الفتك ببرقوق فأنذره
стр. 282
شيخ الصفوى وهو يكبّسه فقعد، فدخل أحدهم فوثب برقوق فضربه ضربة انقلب ثم نزل إلى باب (١) الاسطبل، وطلب الأمراء وتتبَّع الذين أرادوا الفتك به، فسجن منهم ونفى، وغضب السلطان على ألابغا العثماني لأنه بلغه أنه اطلع على القضية فأخفاها عنه فنفاه إلى طرابلس وأعطى إمرته إلى شخص من أقاربه قدم عليه من الجراكسة وهو قجماس.
* * *
وفي ربيع الآخر منها جهزت التجريدة إلى الفيوم بسبب صدّ عرب البحيرة عن الدخول إلى الصعيد، فتجهّز خمسة أمراء من المقدّمين ومن تبعهم فتوجّهوا إلى أن تحققوا أن العرب توجهوا إلى جهة برقة، فرجعوا في جمادى الأولى.
* * *
وفيها كائنة الشيخ صدر الدين على بن العزِّ الحنفى بدمشق، وأولها أن الأديب على بن ببك الصفدى عمل قصيدة لامية على وزن "بانت سعاد" وعرضها على الأُدباء والعلماء فقرظوه، ومنهم صدر الدين على بن علاء الدين بن العز الحنفى، ثم انتقد فيها أشياء، فوقف عليها على بن أيبك المذكور فساءه ذلك ودار بالورقة على بعض العلماء. فأنكر غالب من وقف عليها وشاع الأمر.
فالتمس ابن أيبك من ابن العزِّ أن يعطيه شيئًا ويعيد إليه الورقة فامتنع، فدار على المخالفين وألَّبهم عليه، وشاع الأمر إلى أن انتهى إلى مصر فقام بعض المتعصبين إلى أن انتهت القضية السلطان، فكتب مرسومًا طويلا منه:
"بلغنا أن على بن أيبك مدح النبي ﷺ بقصيدة، وأن على بن العزِّ اعترض عليه وأنكر أمورًا منها التوسّل بالنبي ﷺ والقدح في عصمته وغير ذلك، وأن العلماء بالديار المصرية - خصوصا أهل مذهبه من الحنفية - أنكروا ذلك فيتقدّم بطلبه وطلبِ القضاة والعلماء من أهل المذاهب ويعمل معه ما يقتضيه الشرع من تعزير وغيره".
وفى المرسوم أيضا:
"بلغنا أن جماعة بدمشق ينتحلون مذهب ابن حزم وداود ويدعون إليه. منهم القرشي
стр. 283
وابن ألجاي وابن الحسبانى والياسوفى: فيُتقدم بطلبهم: فإن ثبت عليهم منه شيء عمل بمقتضاه من ضربٍ ونفى وقطع معلوم، ويقرر في وظائفهم غيرهم من أهل السنة والجماعة".
وفيه:
"وبلغنا أن جماعة من الشافعية والحنابلة والمالكية يظهرون البدع ومذهب ابن تيمية".
فذكر نحو ما تقدم في الظاهرية، فطلب النائب القضاة وغيرهم، فحضر أول مرة القضاة ونوابهم وبعض المفتيين، فقرئ عليهم المرسوم، وأحضر خط ابن العزِّ فوجد فيه قوله: "حسبى رسول الله: هذا لا يقال إلَّا الله! ": وقوله: "اشفع لي". قال: "لا تطلب منه الشفاعة".
ومنها "توسلت بك" فقال: "لا يُتوسل به".
وقوله "المعصوم من الزلل"، قال: إلّا من زلة العتاب".
وقوله "يا خير خلق الله" الراجح تفضيل الملائكة إلى غير ذلك.
فسئل فاعترف ثم قال: "رجعتُ عن ذلك وأنا الآن أعتقد غير ما قلتُ أوّلًا" فكُتب ما قال وانفصل المجلس.
ثم طلب بقية العلماء فحضروا المجلس الثاني وحضر القضاة أيضا؛ وممن حضر القاضي شمس الدين الصرخدى والقاضي شرف الدين بن الشريشي، والقاضى شهاب الدين الزهري وجمعٌ كثير، فأعيد الكلام، فقال بعضهم: "يُعزَّر" وقال بعضهم: "ما وقع معه من الكلام أولًا كافٍ في تعزير مثله" وانفصلوا.
ثم طُلبوا ثالثًا وطُلب من تأخر وكتبت أسماؤهم في ورقة، فحضر القاضي الشافعي، وحضر ممن لم يحضر أولا: أمين الدين الأتقى وبرهان الدين الصنهاجي وشمس الدين بن عبيد الحنبلي وجماعة. ودار الكلام أيضا بينهم ثم انفصلوا ثم طُلبوا. وشدد الأمر على من تأخر فحضروا أيضا. وممن حضر سعد الدين النووى وجمال الدين الكردى وشرف الدين الغزى وزين الدين بن رجب وتقى الدين بن مفلح وأخوه وشهاب الدين بن حجى، فتواردوا على الإنكار على ابن العزِّ في أكثر ما قاله.
ثم سئلوا عن قضية الذين نسبوا إلى الظاهر وإلى ابن تيمية، فأجابوا كلهم أنهم لا يعلمون في المسمون من جهة الاعتقاد إلَّا خيرا، وتوقف ابن مفلح في بعضهم، ثم حضروا خامس مرة واتفق رأيهم على أنه لابد من تعزير ابن العز، إلا الحنبلي.
стр. 284
فسئل ابن العزِّ عما أراد بما كتب فقال: "ما أردتُ إلَّا تعظيم جانب النبي ﷺ . وامتثالُ أمره أنه لا يُعطى فوق حقه".
فأفتى القاضي شهاب الدين الزهرى بأن ذلك كاف في قبول قوله وإن أساء في التعبير، وكتب خطه بذلك.
وأفتى ابن الشريشي وغيره بتعزيره، فحكم القاضي الشافعي بحبسه، فحبس بالعذراوية ثم نُقل إلى القلعة، ثم حكم برفع ما سوى الحبس من التعزيرات، ونفذه بقية القضاة.
ثم كُتبت نسخة بصورة ما وقع وأُخذ فيها خطوط القضاة والعلماء وأرسلت مع البريد إلى مصر، فجاء المرسوم في ذى الحجة بإخراج وظائف ابن العزِّ، فأخذ تدريسَ العزية البرانية شرفُ الدين الهروى، والجوهرية على الملقب الأكبر، واستمر ابن العزِّ في الاعتقال إلى شهر ربيع الأول من السنة المقبلة.
وأُحدث من يومئذ - عقب صلاة الصبح - التوسل بجاه النبي ﷺ : أمر القاضي الشافعي بذلك المؤذنين، ففعلوه.
* * *
[و] في الرابع من ذى القعدة طلب ابن الزهرى شمسَ الدين محمدَ بن خليل الحريري المنصفى فعزّره بسبب فتواه بمسألة الطلاق على رأى ابن تيمية، وبسبب قوله: "الله في السماء". وكان الذي شكاه القرشي فضربه بالدرة وأمر بتطويفه على أبواب دور القضاة، ثم اعتذر ابن الزهرى بعد ذلك وقال: "ما ظننته إلَّا من العوام لأنهم أنهوا إلى أن فلانا الحريري قال: كيت وكيت".
حكى ذلك ابن حجى. وهذا العذر دالٌ على أنه تهوَّر في أمره ولم يثبت. فلله الأمر.
ومن أطرف ما حكى عن ابن المنصفى أن بعض الناس اغتمّ له مما جرى فقال: "ما أسفى إلَّا على أخذهم خطى بأني أشعري فيراه عيسى بن مريم إذا نزل".
* * *
وفيها كان الحاج بمكة كثيرًا بحيث مات من الزحام بباب السلام أربعون نفسًا. أخبر الشيخ ناصرُ الدين بن عشائر أنه شاهد منهم سبعة عشر نفسًا موتى بعد أن ارتفع الزحام،
стр. 285
وأن شيوخ مكة ذكروا أنهم لم يروا الحاج أكثر منهم في تلك السنة. وكانت الوقفة يوم الجمعة بلا ارتيابٍ عندهم.
ولكن وقع للشيخ زين الدين القرشي أنه قيل عنه إنه ضحّى يوم الجمعة لأجل شهادة من شهد برؤية هلال ذى الحجة ليلة الأربعاء، فلم يصم يوم الخميس وضحى يوم الجمعة، وشاع عنه أنه أمر بذلك فبلغ القضاة فشقّ عليهم ورفعوا أمره للنائب، فطلبه النائب فتغيّب ثم حضر وأخبر أنه لم يضح، واعترف بأنه لم يصم احتياطًا للعبادة، استدل بأشياء تدلّ على قوة ما ذهب إليه، وخالفه جماعة في ذلك، وانفصل الحال.
وكان استجار بالأمير تمرباي فأرسل إلى القضاة فعفوا عنه، ثم أحضر النقل من مصنف ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعى أنهم كانوا يرون صوم يوم عرفة إلَّا أن يتخوفوا أن يكون يومَ النحر، وأنه أفطر لذلك وأن هذا الأمر يردّ عليه، فعورض بأن الأخذَ بالأثر المذكور يخالف مذهب الشافعي لعدم قوله بصوم يوم الشك من رمضان، ولم يلتفتوا إلى الاحتياط المذكور.
* * *
وفى شعبان انتهت زيادة النيل إلى إصبع من أحد وعشرين ذراعًا.
وفي رمضان استعفى طشتمر الدويدار من نيابة صفد فأُعفى وتحوّل إلى القدس بطالًا.
وفيها استقر محمود شادَّ الدواوين وكان قبل ذلك أُستادارَ سودون باق.
* * *
وفيها حججت مع زكى الدين الخروبى، وكانت الوقفة الجمعة، وجاورنا بها فصليت بالقدس في السنة التي تليها، وقد كنت ختمت من أول السنة الماضية واشتغلت بالإعادة في هذه السنة فشغلنا بأمر الحج إلى أن قدر ذلك بمكة، وكانت فيه الخيرة.
* * *
وفى تاسع شوال صرف بدر الدين بن فضل الله من كتابة السر بمصر واستقر أوحد الدين عوضه فيها، وكان (١) أوحدُ الدين موقعَ برقوق وله به معرفة قديمة فجازاه.
стр. 286
وفيه قدم الشيخ أبو زيد بن خلدون من المغرب فأكرمه السلطان.
* * *
وفي ذي القعدة أسلم أبو الفرج الأسعد كاتب الحوائج خاناه فسمّاه السلطان "موفق الدين" وولَّاه نظر ديوان أولاده وتقدّم واشتهر ذكره.
* * *
وفيها وقع بين الشيخ سراج الدين البلقيني والشيخ بدر الدين بن الصاحب في الخشابية بجامع مصر بحيث ألزمه فيه البلقيني بالكفر، فجرى بينهما كلام كثير وتولَّد منه شر كبير. فقام على ابن الصاحب جماعةٌ وادّعوا عليه عند المالكي، فسعى له آخرون عند أكمل الدين حتى نقل القضية إلى القاضي الشافعي، وأقام [ابن الصاحب] مدة في الترسيم حتى حُكم بحقن دمه واستمر في وظائفه، وعاش من بعدها مدة.
فحدّثني بعض من سمع من الشيخ سراج الدين يجهر بصوته بين القصرين وابن الصاحب مع الرسل الموكلين به سائر مع البلقينى وهو يقول: "يا معشر المسلمين هذا كفر" فيقول ابن الصاحب: "يا معشر المسلمين، هذا فشر": فلما رأى الشيخ ذلك عدل إلى قوله: "يا معشر المسلمين، هذا قال إن نبيكم ما هو مدفون بالمدينة" وكان البحث بينهما في شيء من ذلك، فتعصب له جماعة منهم الفاضل محمد النحاس المصرى فقال فيه:
لبدْر الدين بين الناس فضلٌ … ومذهَبُه الصحيح بلا اعوجاج
فأشْرَقَ في سماء العلم بدرًا … فأَطفأ نورُه نورَ السراج
* * *
وفى ذي القعدة توجه السلطان إلى بولاق التكرور، فاجتاز من الصليبة وقناطر السباع وفم الخور، وكانت عادة السلاطين قبله من زمن الناصر لا يظهرون الَّا في الأحيان ولا يركبون إلَّا من طريق الجزيرة الوسطانية، ثم تكرّر ذلك منه وشق القاهرة مرارًا، وجرى على ما ألف في زمن الإمرة، وأبطل كثيرًا من رسوم السلطنة، وأخذ من بعده طريقته في ذلك إلى أن لم يبق من رسمها في زماننا إلَّا اليسير جدا.
وفيها استسلم (١) الظاهر أبا الفرج الذي استوزره بعد ذلك وكان كاتب الحوائج خاناه
стр. 287
واللحم، فاتفق أن المعاملين في اللحم ضجروا مِن تأخر حقهم فغضب الظاهر (١) على الوزير علم الدين سنّ إبرة وضربه، وأمر بإحضار أبي الفرج فحضر وهو فزعٌ، فعرض عليه الإسلام فبادر إليه، فلقبه "موفق الدين" وخلع عليه وأركبه فرسًا بسرج وكنبوش ذهب.
* * *
وفيه هرب ألطنبغا السلطاني نائب البلستين إلى سيواس.
* * *
وفيها بني السلطان قناطر بنى منجا، فأحكم عمارتها.
وفيها غضب السلطان على قرط فظفر به فأهانه وصادره، ونودى على ولده حسين، وذلك في ذى الحجة.
وفيها ولى عبد الرحمن بن رشيد المغربي المالكي القضاء بحلب عوضا عن علم الدين القفصى. وفيها وقع الخلف بين أحمد بن عجلان صاحب مكة وبين الأشرف صاحب اليمن بسبب المحمل اليمني، فغضب الأشرف عليه ومنع التجار من الاجتياز عليه (٢). فسافروا من جهة سواكن، فضاق ابن عجلان من ذلك، فتشفع إليه حتى رضى عنه، وأطلقهم.
* * *
وفيها قُتل حسين بن أويس، اغتاله أحمدُ بن أويس - أخوه - سلطانُ بغداد وكان استنابه على البصرة، وتوجه إلى تبريز فمالأ أحمد الأمراء عليه حتى قُتل، واستقل أحمد بالسلطنة (٣).
* * *
ذكر من مات في سنة أربع وثمانين وسبعمائة من الأعيان
١ - أحمد (٤) بن أحمد بن أحمد بن فضل الله، شهاب الدين بن عز الدين بن شهاب الدين كاتب السرّ بطرابلس ثم دمشق، وكان قد اشتغل ومهر وكان مقدامًا.
مات في جمادى الأُولى ومات أبوه قبله بشهر.
стр. 288
٢ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن الناصح عبد الرحمن الحنبلي، شهاب الدين بن تقى الدين، ولد سنة اثنتين وسبعمائة وسمع من ابن مشرف والتقى سليمان وغيرهما، وله إجازة من جماعة، وكان له حانوت يبيع فيه البز (١) بالصالحية وكان يباشر الأوقاف (٢). مات في المحرم وله اثنتان وثمانون سنة.
٣ - أحمد بن علي بن يحيى بن عثمان بن نحلة، شرف الدين الدمشقى، وُلد سنة أربع وسبعمائة، وحضر على حسن [بن عبد (٣)] الكردى، وسمع من أبي بكر بن عبد الدائم، و [محمد بن] أبي بكر بن النحاس وغيرهما وحدّث. وكان من كبار العدول بدمشق تحت الساعات (٤) ثم انقطع ببستانه.
مات في رمضان وله ثمانون سنة.
٤ - أحمد بن محمد بن خلف البهوتى البصرى (٥)، سمع على الوانى وحدّث وكان كثير التلاوة.
٥ - أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود، القاضي شهاب الدين العينتابي الخسفى (٦)، والد القاضي بدر الدين محمود. قرأت بخط. ولده أنه وُلد في حدود سنة عشرين وأنه كان يستحضر الفروع ويعرف أمور السجلات والمكاتيب، وأنه ناب في الحكم نحوًا من ثلاثين سنة، وأنه مات في رجب هذه السنة.
وقدم ولده بدر الدين محمود إلى القدس سنة ثمان وثمانين وله من العمر ست وعشرون سنة فصادف الشيخ علاء الدين السيرامى يزور القدس فقدم معه إلى القاهرة، فنزله في الظاهرية ثم جعله خادمًا بها، فلما مات العلاء أخرجه جركس الخليلي بسبب غرض له، ثم صحب جكم بعد موت الظاهر فسعى له في الحسبة فوليها في أول ذى الحجة سنة إحدى وثمانمائة.
стр. 289
٦ - أمير غالب بن أمير كاتب بن أمير عمر بن العميد (١) بن أمير غالب القازانى (٢) الأتقانى، همام الدين بن قوام الدين، اشتغل قليلا بالشام وكان بزئ الجند وله إقطاع، ثم ولى الحسبة (٣) في ذى الحجة سنة تسع وثمانين فبدت منه عجائب. ثم ولى قضاء الحنفية سنة ثمانين وانتزع التدريس من علماء الحنفية.
وكان مع فرط جهله وقلة دينه جوادًا سليم الصدر، وتحكى عنه في أحكامه حكايات ما تحكى عن قراقوش وأُطُم، حتى إنه حلف امرأة ادعت وحكم على المدعى عليه أنه يدفع لها ما حلفت عليه. وحكى لي عنه ابن الفصيح - وكان نقيبا عنده - مساوئ من الاقتراف (٤) على نفسه. وكان ابن جماعة يحكى أنه قدمت له قصة فيها فلان له دعوى شرعية على شخص يسمى "أسدا"، فكتب "إن كان وحشيا فلا يحضر". مات في جمادى الأولى (٥) أو ربيع الأول عن خمسين سنة.
٧ - أياس الصرغتمشى، تنقلت به الأحوال إلى أن ولى تقدمة (٦) في أيام أسندمر، ثم رتبه الأشرف لولده عليٍّ دويدارًا، ثم نقل إلى الحجوبية الكبرى (٧) وأضيف إليه نظر الأوقاف في السنة الماضية فاستمر فيها إلى أن مات في ربيع الآخر فاستقر بعده سودون الشيخوني.
٨ - أمين الدين الحنبلي الحلبي (٨)، كان فاضلا في مذهبه كثير الاستحضار جدًّا مشهورًا بالعلم والديانة، اتفق أنه في أواخر عمره استغاث به شخص فنزل إليه من بيته فضربه بالسكين فقُتل وقتل قاتله في الحال.
٩ - حسين بن أويس بن الشيخ حسن بن النوير بن حسين بن آقبغا بن إيلكان بن
стр. 290
ألقان غياث الدين، ولى السلطنة بالعراق بعد أبيه (١) واستخلف أخاه أحمد على البصرة، فلما اختلف عليه الأمراء وتوجّه من بغداد إلى تبريز توجه أحمد ومالأ الأُمراء حتى اغتال أخاه حسينا بتبريز وقام بالسلطنة وذلك في صفر. وكان شهما شجاعًا حسن السياسة.
١٠ - زبالة (٢) الفارقاني نائب دمشق، تنقَّل في الولايات وكان مشكور السيرة متواضعًا، مات في شعبان وقد جاوز السبعين.
١١ - صالح بن إبراهيم بن صالح بن عبد الوهاب بن أحمد بن أبي الفتح بن سحنون التنوخى الحنفى، تقى الدين بن خطيب النيرب؛ وُلد سنة عشرين أو قبلها. وحضر على زينب بنت ابن عبد السلام "مسند أنس للحنينى"، ثم سمعه عليها وعلى أبي بكر بن عمر من لفظ البرزالي وغيرهم وحدّث. وكان يشهد عند جامع تنكز، وفيه الجماع وسكون.
مات مطعونًا في جمادى الأولى.
١٢ - عباس بن عبد المؤمن بن عباس الكفرماوى الحارمي، قاضي جب عسّال، ولد قبل العشرين وحضر عند الشيخ برهان الدين بن الفركاح واشتغل قديما وولَّاه السبكي الكبير قضاء الخليل، وسمع من الجزرى وابن النقيب وحدّث، وتولّى عدة بلاد ثم ناب بدمشق عن ولى الدين بن أبي البقاء.
ولى قضاء صفد في رمضان سنة ثمانين ومات في رجب.
١٣ - عبد الله بن محمد الصفدي ثم الدمشقى شاهد الحكم للحنفية. مات في ربيع الأول وكان مشكور السيرة.
١٤ - عبد الله بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن راجح، موفق الدين، كان شابا ذكيا ملازما للدرس، ومات شابا بعد والده بسنة.
١٥ - عبد الله بن موسى بن علي الجبرتى، جمال الدين، الفقيه الزاهد. مات في رمضان بالشام وكان رجلًا صالحًا.
١٦ - عبد الرحمن بن حمدان العينقاوي، زين الدين، وُلد بعينقاء من نابلس وقدم
стр. 291
الشام لطلب العلم فتفقَّه بابن مفلح وغيره، وسمع من جماعةٍ وتميّز في الفقه. واختصر "الأحكام للماوردى". مع الدين والتعفِّف.
١٧ - عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن التقى سليمان المقدسي الحنبلي، وُلد سنة اثنتين وثلاثين، وتفقَّه بابن قاضي الجبل وغيره وسمع من جماعة، وولى دار الحديث الأشرفية بالجبل. وناب عن ابن قاضى الجبل قليلا.
مات في ذى الحجة.
١٨ - عبد العزيز بن عبد المحيى بن عبد الخالق الأسيوطي، عز الدين المصرى، سمع على الدبوسي وغيره، وعنى بالفقه ودرّس في حياة ابن عدلان، ويقال إن الشيخ سراج الدين قرأ عليه في بداية أمره، وتفقَّه به جماعة.
ومات في ذى الحجة وقد جاوز الثمانين.
١٩ - عبد الكريم بن محمود بن علي بن إبراهيم بن جلال الدين القيصرى، شيخ خانقاه خاتون بدمشق، كان معروفًا بالكرم وحجّ في هذه السنة ورجع مع أمير حاج المصرى فمات في أواخر ذى الحجة.
٢٠ - عبد (١) الوهاب بن أحمد بن علم الدين محمد بن أبي بكر الإخنائي، بدر الدين، ابن كمال الدين الشافعي ثم المالكي، ولى القضاء وحدّث عن صالح الأشنهي (٢) وعبد الغفار السعدي (٣) وغيرهما، وعُزل في أواخر عمره سنة تسع وسبعين بالبساطي فأقام معزولًا، ثم حج وجاور في الرجبية سنة ثلاث وسبعين، ثم رجع فتوعك إلى أن مات في سادس عشر رجب. وكان (٤) عزل سنة تسع وسبعين بالبساطى.
٢١ - على بن تمريغا التركي بن نائب الكرك، كان شجاعًا عارفًا بفنون الحرب كلها. مات وابنه محمد في ليلة واحدة.
стр. 292
٢٢ - على بن عمر بن محمد بن الشيخ تقي الدين محمد [بن (١) دقيق العيد] بن علي القشيري، علاءُ الدين، موقع الحكم، وكان كبير اللحية وفيه يقول الشاعر:
لعلاء الدين ذقْنٌ … تملأ الكَفَّ وتَفْضُل
فاعمل الغربال منها … لدقيق العيد وانْخُلْ
مات في صفر.
٢٣ - عمر بن علي بن أبي بكر المغربي (٢)، ولى الخطبة بطرابلس، وُلد سنة نيف وعشرين وكان يقرأ "الصحيح" قراءة حسنة ويفهم الحديث وله عناية بضبط رجاله. مات في المحرم بحماة وقد جاوز الستين.
٢٤ - غازي بن محمد بن أحمد بن عمر الشراريبى الفلاح نزيل المزة، جاوز المائة فقرءُوا عليه بأجازته العامة من الفخر على، وكان جلدًا قوى الهمة يدور البلد ويسأل الناس.
مات في جمادى الأولى.
٢٥ - قيس بن يمن بن قيس الصالحي البياع بالصالحية (٣)، ولد على رأس القرن وسمع من ابن سعد "الثالث من الثقفيات" ومن أبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم "مشيخته" ويحيى بن سعيد وجماعة وحدث. مات في ذى الحجة.
٢٦ - محمد بن إبراهيم بن راضى الصلتي، شمس الدين. وُلد سنة عشر واشتغل وقرأ كتبا ثم قدم دمشتى فاشتغل بالشامية ثم دخل مصر بعد السبعين وولى القضاء بقوص وغيرها ثم رجع فمات بمصر في المحرم وقد جاوز السبعين.
٢٧ - محمد بن إبراهيم الجوبانى (٤) ثم الدمشقي الحنبلى، وُلد قبل الأربعين وسمع الحديث من جماعة، وتفقَّه بابن مفلح وغيره حتى برع وأفتى، وكان إمامًا في العربية مع العفة والصيانة والذكاء حسن الإقراء، ومات في شوال.
٢٨ - محمد بن إبراهيم بن جمال الدين بن الجلَّاد الزبيدي (٥)، أحد المباشرين بتلك البلاد.
стр. 293
٢٩ - محمد بن أحمد بن يحيى بن فضل الله، نجم الدين العدوى كبير الموقعين بدمشق، وقد أسمع من محمد بن أبي بكر بن عبد الدائم وغيره، ومات في شوال، وكان (١) له منذ ولى توقيع الدست ثلاثون سنة سواء.
٣٠ - محمد بن طريف، الشيخ شمس الدين الغزِّى، كان يذكر بالخير والصلاح. مات (٢) في ذي الحجة.
٣١ - محمد بن عبد الله الأَرْزَكْيْانى (٣)، شرف الدين، أحد فضلاء العجم، شرح "المشارق" و "الكشاف" وانتفع به أهل تلك البلاد، وكان قدم الشام قبل الثمانين أيام أبي البقاء وقرأ عليه "الكشاف" وغيره، وقد نقل عنه الشيخ شمس الدين بن الصائغ في شرحه للمشارق شيئا كثيرًا.
٣٢ - محمد بن محمد بن أحمد بن سليمان القفصى، حضر على الحجار في الرابعة سنة ثمان وعشرين، وكان بزى الجند، وهو والد القاضي علم الدين القفصي الذي ولى قضاء المالكية.
٣٣ - محمد بن محمد بن عبد الله بن الحاسب موفق الدين بن فخر الدين المقدسي، سبط الشيخ صلاح الدين بن أبي عمر؛ اشتغل وحفظ "المقنع" وكان يستحضره، وكان خيرا متواضعًا. مات في ربيع (٤) الآخر.
٣٤ - محمد بن محمد بن علي بن يوسف النيسابوري (٥) الأسناوى، الخطيب جمال الدين.
قدم مصر سنة إحدى وعشرين وسمع على الحجار، وتفقه بالقطب السنباطي وابن القماح وابن عدلان وغيرهم، وأخذ العربية عن أبي الحسن والد شيخنا سراج الدين بن الملقن، ودرس وأفتى، وشرح "التعجيز" في الفقه، وناب في الحكم.
وكان عالمًا خيرًا ذا مهابة وصيانة وعفاف، قائمًا بالحق حتى إنه كتب على قصة سئل فيها
стр. 294
أن يحضر يلبغا - وهو إذ ذاك صاحب المملكة -: "يحضر هو أو وكيله"، فلما وقف عليها يلبغا (١) عظم قدره عنده؛ ويقال إن ذلك كان بطريق الامتحان من يلبغا، وأنه لما جاءه الرسول قال له: "قل له إلى أصالح غريمي" فقال له الرسول: "والله ما أقدر إلَّا أن يروح معى الوكيل أو الغريم فيقول قد أرضيت" فأعجبه ذلك، ودفع للرسول ألف درهم وأرسل للقاضي ذهبًا وبغلة. فرد ذلك فاشتدّ اغتباطه به واعتقاده فيه.
وكان في سمعه ثقل بآخره ولذلك يقال له "الأطروش". مات في عاشر (٢) ربيع الأول.
٣٥ - محمد بن محمد بن ناصر بن أبي الفضل الفراء، الحمصي ثم الحلبي المعروف بابن رباح (٣) ويعرف أيضا "بالقيم" و "بالفقيه". ولد بحمص سنة ست وسبعمائة وكان يحفظ القرآن ويتعانى التجارة في الفراء، وكان مشكورًا في صناعته. وحدث بصحيح البخاري عن ابن الشيخة، وكان سماعه منه سنة سبع عشرة بحمص، ومات في جمادى الآخرة في هذه (٤) السنة.
٣٦ - محمد بن محمد بن الكامل ناصر الدين. مات في رمضان بدمشق.
٣٧ - محمد بن محمد بن يوسف المرداوى، شرف الدين الحنبلي، سبط القاضي جمال الدين؛ وُلد قبل الأربعين وأخذ عن جده وتخرّج بابن مفلح وسمع الحديث من جماعة، ولم يكن بالصَّيِّن. مات في ربيع الآخر.
٣٨ - محمد بن النظام (٥) محمود جلال الدين إمام منكلي بغا، كان عارفًا بالفقه والأصول والعربية والنظم.
أخذ عن بهاء الدين الإخميمي وأبي البقاء، وتصدَّر بالجامع وكان بزيّ الجند. مات في رمضان وكان يعرف قديما "بابن صاحب شيراز"، وحفظ "الحاوى" الصغير وغير ذلك.
٣٩ - مفتاح التقوى السبكي، مولى زين الدين عبد الكافي، والد تقي الدين السبكي.
стр. 295
كان تقي الدين يركن إليه وكلمته نافذة عنده، وسمع مع أولاده من زينب بنت الكمال وغيرها وحدث.
مات في جمادى الآخرة.
٤٠ - موفق اليمني. مات بدمشق في شوال.
٤١ - همام الدين، هو أمير غالب. تقدم.
٤٢ - شمس الدين بن غراب الكاتب القبطى. مات في صفر، وهو والد سعد الدين الذي بلغ الرتبة في الإمرة.
٤٣ - كريم الدين [عبد الكريم بن عبد الله] بن الرويهب القبطى المصرى؛ ولى الوزارة ثلاث مرات وغيرها، وقد تقدّم شرح حاله في الحوادث.
٤٤ - جهطاى (١) الجحفلية والدة الملك الأشرف. قامت بتدبير أمر ولدها قبل أن يترعرع، وكانت حسنة التدبير كثيرة العطاء والإحسان إلى العسكر والتقرب من قلوب الرعية.
٤٥ - موفق الدين عبد الله بن محمد بن عبد الغني بن محمد بن راجح، كان شابا ذكيا ومات شابا بعد والده بسنة.
* * *
стр. 296
سنة خمس وثمانين وسبعمائة
فيها في المحرّم حضر يلبغا الناصري - نائب حلب - إلى القاهرة، فخرج سودون النائب إلى ملتقاه في أكثر العساكر، فحضر الموكب بدار العدل فخلع عليه السلطان استقرارًا، وركب عن يمينه أيتمش وعن يساره الجوبانى، ثم توجّه إلى بلاده في عاشر الشهر.
وفيها طلب السلطانُ شمسَ الدين إبراهيم القبطى المعروف بكاتب أرلان فعرض عليه الوزارة فامتنع فألزمه فاشترط شروطا كثيرة أجيب إليها حتى وضع السلطان يده على يد نفسه وقال للأُمراء: "انظروا إلى يد الوزير فقد جعلتها فوق يدى" مبالغةً منه في تنفيذ كلمته، فسلك في وزارته ما لم يسلكه أحد في الضبط، وترك القبط في أضيق من الخياط ودقق عليهم الحساب. ولم يتناول من الرواتب غير شيء يسير جدًّا. ولم يزل يسوس القضايا إلى أن حصل في بيت المال جملة كثيرة جدا مع تعليق المعاملين وتقديم رواتب المماليك وجوامكهم، وفتح الطواحين بمصر بعد أن كانت مغلقة، وأعاد المخابز السلطانية وملأ الحوائج خاناه من جميع الأصناف، وكان إذا ركب ركب وحده ولا يترك أحدًا يركب معه: لا مقدم ولا غيره.
وجرى بينه وبين ناظر الخاص - ابن البقرى - وجركس الخليلي - مشير الدولة منازعة ومفاوضة آل أمره فيها إلى أن منع السلطانُ الخليلى من الكلام في الدولة، ولما استقر في الوزارة لم يلبس ما جرت (١) به عادة الوزير أن يلبسه من القبع الزركش والعنبرية وغير ذلك، وقرر علم الدين الجويني مستوفى الدولة عوضا عن أمين الدين بن حنيص.
وفى صفر وصل رسلُ صاحب بغداد - أحمد بن أويس - فأحضروا بدار العدل وقدموا هديتهم فخلع عليهم وأُنزلوا بدار الضيافة.
وفيه أُفرج عن الأمير قرط فتوجّه إلى بيته بطالًا.
وفيه وقعت بين قبلاي (٢) نائب الكرك وخاطر أمير العرب بها مقتلة، فانكسر قبلاى وخلَّص
стр. 297
خاطرُ من كان قبلاى أمسكه قبل ذلك منهم، ثم تحيّل قبلاى على خاطر إلى أن حضر عنده فذبحه وذبح ولديه (١) غدرًا.
وفيها حضر سالم الدوكاري التركماني إلى نائب حلب طائعا فأمره السلطان بإرساله إلى مصر، ولم يكن أطاع ملكًا قبله.
وفي جمادى الأولى نزل السلطان إلى النيل فخلّق المقياس وكسر الخليج وفتح السد، ولم يباشر ذلك بنفسه سلطانٌ قبله من زمن الظاهر بيبرس.
وفيها أمر السلطانُ جمالَ الدين المحتسب أن يتحدّث في الأوقاف الحكمية فتحدّث فيها، فشقَّ ذلك على القاضي الشافعي فتحدَّث مع أوحد الدين فراجع السلطان فقال [السلطان]: "أنا ما ولَّيْتُ جمال الدين وعزلتُ الشافعي وإنما أمرته أن يتحدث معه في عمارة ما تهدّم"؛ ثم شافه السلطانُ القاضي بذلك وقال له: "أنت الناظر وهذا ينوب عنك في ذلك"، فسأله المحتسب أن يكون الأمير قديد معه في العمارة.
وبالغ مَن بيده شيء من الأوقاف في إصلاحه خوفًا من الإهانة، وفى ذلك يقول شهاب الدين بن العطَّار.
يا مَنْ أَكَلْتُمْ من جَنَى أوقافِنا … لحمًا طريًّا فاصبروا لقديد
* * *
وفيه عمل أهل "برمة (٢) " - وهم نصارى - عرسا بالمغاني والملاهي على عادتهم، فطلع (٣) المؤذن يسبح على العادة فأنزلوه فبلغ ذلك الخطيب، فانتصر للمؤذن وساعده الإمام فأهانهما أهل البلد، فتوجهوا (٤) إلى القاهرة وشكوا الأمر للنائب فأرسلهم إلى صاحب (٥) برمة - وهو جركس الخليلي - فضرب الثلاثة وحبسهم، فبلغ ذلك السلطان من جهة ناصر الدين ابن الميلق الواعظ فتغيظ على الخليلي وأمره بإطلاقهم وإنصافهم من غرمائهم، فأحضر من
стр. 298
برمة جماعة من المسالمة فشهد عليهم بالزندقة، فضرب القاضي المالكي رقاب ستة (١) أَنفس وسُرَّ المسلمون بذلك.
وقرأْت بخط القاضي تقيّ الدين الزبيرى وأَجازنيه: "أَن ابن خير حكم بضرب رقابهم بحضور القضاة، فضُربت في المجلس، وكان سودون النائب حاضرًا بين القصرين"، قال: "ثم قام بعض المالكية وادّعى أَنه خالف مذهبه وبالغ في التشنيع - يعني ابن الجلال الدميرى - وجرى على ابن خير ما لا خير فيه. ثم إِنه استفتى أَهل العلم الموجودين في ذلك الوقت فأَفتوا بتصويب فعله وانتصر على خصمه".
وفي جمادى الآخرة نازل الفرنج بيروت في عشرين مركبًا فراسلوا نائب الشام فتقاعد عنهم واعتلّ باحتياجه إِلى مرسوم السلطان، فقام إِينال اليوسفى فنادي الغزاة في سبيل الله، فنفر معه جماعة، فحال بين الفرنج وبين البحر وقتل بعضهم، ونزل إِليه بقية الفرنج فكسرهم وقبض من مراكبهم ستة عشر مركبا، فسُرَّ المسلمون بذلك سرورا عظيمًا.
ولما بلغ السلطانُ قبْل ذلك تحرُّك (٢) الفرنج جهّز عدة أُمراء لحفظ الثغور من الفرنج كرشيد ودمياط وغيرهما، فلما توجهوا إِلى بيروت وكُسِروا بها حصلت الطمأْنينة منهم.
وممن توجّه من المطوّعة القاضي المالكي ومعه المغاربة والشيخ شمس الدين القونوي ومعه خلائق من المطوّعة، ثم جمع القاضي الشافعي جمعًا من الفقهاءِ وتوجّه، وكان الفرنج دخلوا صيداءَ فوجدوا المسلمين قد بدروا بهم فأَحرزوا أَموالهم وأَولادهم بقريةٍ خلف الجبل، فوجد الفرنج بعض أَمتعتهم فنهبوها ونهبوا (٣) ما وجدوا من زيت وصابون وأَحرقوا السوق، وقصدوا بيروت فتداركهم المسلمون، ثم وصل النائب وانكسر الفرنج بحمد الله تعالى.
ثم عاد الفرنج إِلى مباهلة بيروت فطرقوها في شعبان، فتيقَّظ لهم أَهلها فحاربوهم وراموهم، ونزل طائفة من الفرنج فوجدوا بالساحل خمسة عشر نفسا فقتلوهم، ثم قتل من الفرنج جماعة، فوصل النائب من دمشق بعد انقضاءِ الوقعة ورجوع الفرنج بغيظهم لم ينالوا خيرا.
стр. 299
وفيها ابتدأَ الأَمير أَيتمش بإنشاءِ مدرسته التي بالقرب من القلعة.
* * *
وفى صفر عَزل القاضي الحنفى بدمشق نوابه بسبب بدر الدين القدسي، ثم أَعاد واحدا منهم وهو تقي الدين الكفرى فشاع الخبر أَن النائب تعصّب للكفرى وكاتب فيه ليلى القضاءَ استقلالًا، ثم وصل الخبر بذلك واستقر في ربيع الأَول.
وفيها أَراد جماعة القيام على السلطان ونَزْعه من الملك وساعدهم على ذلك الخليفة المتوكل وغيره، فبلغه (١) ذلك فأَمسك الخليفةَ وسجنه وخلعه من الخلافة وفوّضها لقريبه عمر بن إِبراهيم بن الواثق، ورتَّب له ما كان للمتوكِّل ولُقِّب الواثق أَو المستعصم، وسُمّر قرط بن عمير الكاشف وإبراهيم بن قطلقتمر وغيرهما.
وكان الذي نمّ عليهم بذلك صلاح الدين محمد بن محمد بن تنكز وأَخبره بأَنهم اتفقوا مع الخليفة وجمعوا ثمانى مائة نفس، واتفقوا (٢) على قتل السلطان إِذا نزل للعب الكرة بالميدان، وقيل إِن بدر بن سلام كان وافقهم على ذلك، فأَرسل السلطان لما سمع بذلك إِلى سودون النائب فأَخبره بما قيل، فبرّأَهم من ذلك وقال إِن الخليفة رجل عاقل لا يصدر منه شيء من ذلك، فأَمر السلطان بإِحضاره وإِحضار قرط وإِبراهيم بن قطلقتمر، فقرّرهم على ما بلغه فأَنكروا، فشدّد على قرط وهدّده فأَقر.
فالتفت [السلطان] إِلى الخليفة وقال: "ما يقول هذا؟ " قال: "يكذب". ثم قرر السلطان إِبراهيم بن قطلقتمر فأَقرّ بنحو ما أَقرّ به قرط، فسأَل [برقوق] الخليفة فأَنكر، فجعل إِبراهيم يحاققه ويذكر إِمارات وهو مصرّ على الإِنكار إِلى أَن غضب السلطان وسلّ السيف وأَراد ضرب عنقه، فحال بينهما سودون النائب.
ثم أَمر [السلطان] بتسمير الثلاثة فقال له سودون: "متى سمّرنا الخليفة رجمتنا العامة"، فوافقه بعض مَن حضر.
ثم عُقد مجلس بالعلماءِ والقضاة فلم يصرّح أَحد منهم بوجوب قتل أَحد من المذكورين
стр. 300
فانفصل المجلس، وحُبس الخليفة في القلعة وقُيّد بقيد ثقيل، و أُمِر بتسمير قرط وإِبراهيم فتسلمهما حسين بن علي الكورانى والى القاهرة، فطاف بهما مصر والقاهرة، ثم استأْذن عليهما القصر فأَمر بتوسيطهما فوُسّط قرط، ثم وقعت الشفاعة في إبراهيم فحبس بالخزانة وحبس معه حسين بن قرط بن عمير.
وفيها خرج سلَّام (١) بن التركية مع العرب بالوجه البحرى وتوجّهوا إِلى جهة الفيّوم ومعهم إبراهيم بن اللبان - وكان موقِّعا عند بعض الأُمراءِ - فاتفق مع الذين أَرادوا الخروج على السلطان وأَشعر بهم العرب، وأَظهر للعرب أَنه قريب الخليفة، وتعمّم بزى الخليفة فهرعوا إِليه فصار يأْمر وينهى؛ فجهّز السلطان إِليهم أَربعة أُمراء، فلما بلغهم ذلك توجهوا إِلى جهة الصعيد وتتبّعوهم، وكان ما سيأْتي ذكره.
* * *
وفيها حصر أَبو العباس بن أَبي سالم المريني مدينة تازى وخرّب قصرها، ثم ملك مراكش وعاد إِلى فاس وخرج لغزو أَبي حمّو بتلمسان ففرّ منه.
وفيها زاد النيل زيادة عظيمة إِلى أَن تهدمت به بيوت كثيرة، وانفتح مقطع بالزريبة فبادر إِليه أَيدكار الحاجب وحسين الوالى فأَحضروا المراكب وسدّوه بأَبواب وصوارى وأَخشاب، فلم ينسدّ إِلَّا بعد أَيام، ورتب السلطانُ جماعةً من الأُمراءِ والمماليك للإِقامة بجوانب البحر والخلجان لحفظ الجسور.
وفيها حضر رسل صاحب سنجار ورسل صاحب قونية (٢) ورسل صاحب تكريت بهداياهم، وتضمّنت كتبهم سؤال السلطان أَن يكونوا تحت حكمه ويخطبوا باسمه، فأُجيب سؤالهم وكُتب لهم بذلك تقاليد، وخُلع على رسلهم (٣).
وفيها قبض على سعد الدين بن البقرى ناظر الخاص وذلك في تاسع رمضان، واتفق أَنه كان في بيته عرسُ بعضِ بناته وقد تجمّع عندهم النساءُ بالحليّ والحلل فأُحيط بهم ولم يُسمع
стр. 301
بمثل كائنته ونُهب جميع ما عنده، وأُهين هو وضُرب بالمقارع بحضرة السلطان وباع موجوده إِلى أَن بلغ من حمُل من منزله ثلاثمائة أَلف دينار.
وأَمر السلطانُ الوزير أَن يباشر نظر الخاص فامتنع وأَصرّ، فاستقر في نظر الخاص أَبو الفرج موفق الدين الذي تقدم ذكر إِسلامه قريبا.
ثم أُعيد الضرب على ابن البقرى في ذى القعدة فضُربَ على رجليه ثلاثمائة عصا وعلى ظهره مقترحًا مثلها وعلى إِسته مثلها، وصار من شدة الضرب يمرّغ وجهه في الحصى إِلى أَن أَثَّر ذلك في وجهه أثرًا لم يزل إِلى أَن مات بعد دهر طويل، وأَثَرُ ذلك ظاهر فيه.
* * *
وفى رجب جُدِّد للمحمل ثوب أَطلس معدني مرصّع وعمل عليه رنك السلطان وذلك بعناية الخليلي.
وفيه دخل السلطان المرستان المنصوري بين القصرين وعاد المرضى وسأَل عن أَحوالهم.
وفى شوال أُطلق إِبراهيم بن قطلقتمر وأَرسله السلطان إِلى والده، وشَفع سودون في الخليفة وفكَّ قيده، ثم في ذى الحجة أُسكِن في بيت الخليلي بالقلعة وأُذن لعياله في الاجتماع به.
* * *
وفي رمضان أَمر السلطان بِإطلاق مَن في الحبوس من أَهل الديون، وقام جركس الخليلي في المصالحة بينهم.
…
وفى صفر ولى مسعود قضاءَ حلب وعُزل ابن أَبي الرضا، فباشر خمسة أَشهر ثم رافعوه فعُزل وحُبس بالقلعة.
وفيها استقر برهان الدين بن جماعة في قضاءِ الشام بعد موت ولّى الدين بن أَبي البقاءِ، وقرأْت بخط. تقى الدين الزبيرى وأَجازنيه: "إِنه استقر به في وظائفه التي بالقدس فاستناب فيها، وباشر القضاءَ بدمشق بعظمة ورياسة، واشترى بها بستانا بالمزّة وصرف على عمارته مالا كثيرا، ووقع بينه وبين إينال اليوسفى فانتصر البرهان"، انتهى.
стр. 302
وذكر لي غيره أَن البرهان كان قد حضر من القدس إِلى دمشق ثم رجع فوصل كتاب السلطان إِلى نائب الشام بيدمر يذكر فيه أَنه يعرض منصب القضاء على البرهان، فإِن أَجاب أُلْبِس الخلعة التي صحبة البريدى، فأَرسل إِليه بيدمر البريديّ، فرجع من مرحلتين وعرض عليه ذلك فأَجاب وقال: "لو ولَّانى السلطان قضاءَ قرية لقبلتها".
وكان سبب ذلك ما تقدم من الإِشاعة التي أَوْجبَتْ عزله أَنه لا يوافق على تولية برقوق السلطنة، فأَلبسه بريديُّ بيدمر الخلعةَ واستأْذنه في التوجه إِلى القدس فأَذن له، فتوجه مسرعًا وخطب فيهم خطبة وداع ورجع هو وأَهله، وأَقام بدمشق إِلى أَن مات.
ويقال إِنه لم يجد في المودع الحكمى شيئًا فما زال بحسن نيابته (١) ونزاهته وعفته إِلى أَن امتلأَ، ووُجد فيه - لما مات - جملة من الأَموال النقد وغيره.
…
وفيها اشترى السلطانُ أَيتمش البجاسي من ورثة جرجي أُستاذ بجاس، وذلك أَن أُستاذه بجاسًا مات قبل أَن يعتقه واستحق ميراثَه ورثةُ أُستاذه جرجى، فصار أَيتمش مرقوقًا لهم؛ فسأَل السلطانُ في شرائه منهم فاشتراه منهم بمئة أَلف درهم ثم أَعتقه وأَمر له بَأربعمائة أَلف درهم وعُدَّ ذلك من الغرائب، فإِن جرجى مات سنة اثنتين وسبعين فأَقام أَيتمش سبعة عشرة سنة في الرق يتصرّف تصرّف الأَحرار إِلى أَن صار أَكبر الأُمراءِ بالديار المصرية.
…
وفيها فُوّض أَمر نقابة الأَشراف والنظر عليهم لعبد الرحيم الطباطبي، وكان القاضي الشافعي - قَبْل ذلك - ينظر فيه.
…
وفيها خرج سعد الدين بن أَبي الغيث صاحبُ ينبع على ركب المغاربة بوادي العقيق وطلب منهم مالًا فتكاثروا عليه وقيّدوه، فقام العرب الذين كانوا معه فقاتلوهم فقتلت منهم مقتلة عظيمة، ثم جاء التكرور والمغاربة فكثرت القتلى ونُهبت من المغاربة والتكرور أَموال عظيمة، فبلغ ذلك بهادر أَمير المحمل فقام في لمّ شعث هذه القضية وتسكين هذه الفتنة إِلى أَن هدأَت.
стр. 303
وفيها خرج زامل النووى على ركْب العراق في ثمانية آلاف نفس فنهبهم ومنعهم من التوجه إِلى مكة حتى جبوا له عشرين أَلف دينار عراقية.
وانسلخت هذه السنة ومضت في غاية الرخاءِ حتى بيع اللحم الضانى السليخ بثمانين درهم القنطار، والبقرى بخمسين درهم القنطار، والسمن بستة عشر القنطار، والقمح من ثمانية إِلى خمسة عشر الإِردب، والشعير من سنة إِلى ثمانية الإِردب.
وفيها وقع بين نعير بن مهنا وابن عمه عثمان بن قارا فتنة، فساعد يلبغا الناصري عثمان، فكُسر نعير ونُهبت أَمواله حتى قيل إِن من جملة ما نُهب له ثلاثون أَلف بعير.
وفيها سار يلبغا الناصري بالعساكر الحلبية وبعض الشامية إِلى جهة التركمان (١)، فنازلوا أحمد بن رمضان التركماني، فتواقعوا عند الجسر على الفرات، فانكسر التركمان وأُسر إِبراهيم بن رمضان وابنه وأُمه فوسّطهم يلبغا الناصري. ثم تجمَّع التركمان وواقعوا الناصري عند أَدنة، فانكسر العسكر وقلعت عين الناصري وجرح، ثم تراجع العسكر ولم يُفْقد منه إِلَّا اليسير، فطردوا التركمان إِلى أَن كسروهم، فغدر التركمان بنائب حماة وبيتوه فانهزم، ثم ركب يلبغا الناصري فهزمهم.
* * *
وفيها حضر نصراني للقاضي ولى الدين بن أَبي البقاءِ بدمشق فاعترف بأَنه أَسلم ثم ارتدّ وسأَله أَن يضرب عنقه فهمَّ بذلك، فلما رآى القتل أَسلم ثم ارتدّ، فحُمل إِلى المالكي فضرب عنقه بدمشق في صفر.
* * *
وفيها قبض على بيدمر نائب الشام وحُبس بصفد، وفيه يقول الشاعر:
نائبُ الشَّام قَدْ نَفَى … صفدا بعد ما اجْتَهَدْ
والشياطين لم تزلْ … بعد شعبان في صَفَدْ
стр. 304
وفيها مات سيف الدين النجيبي صاحب جزيرة ابن عمر في رجب، واستقر بعده أخوه عز الدين أَحمد وعلى طيرة وولده عبد الله بن سيف الدين، وعلى قبل ولده أَبي بكر.
* * *
وفيها أَوقع العادل صاحب الحصن بالزرقية وأَعانه على ذلك جمع من النجمية وغيرهم.
* * *
ذكر من مات في سنة خمس وثمانين وسبعمائة من الأكابر
١ - إبراهيم بن خضر بن عبد الله المقدسي ثم الدمشقى، برهان الدين، كان مؤذنا (١) ببيت المقدس ثم قدم دمشق وأَخذ عن الشيخ صدر الدين بن منصور، وصحب أَسندمر نائب الشام، فلما مات ابن الربوة ولَّاه خطابة جامع يلبغا (٢) لأَنَّه كان الناظر عليه لكونه أَخا الواقف ثم نزل عنه لولده تقي الدين، فنازعه شمس الدين الكفرى ثم اشتركا، وانفرد المقدسي بالإِمامة إِلى أَن مات؛ وكانت وفاة البرهان في سادس عشر ذي القعدة.
٢ - إبراهيم بن رمضان التركماني، كان مقدمًا على العساكر لمَّا واقعهم عسكر حلب مع يلبغا الناصري كما مضى في الحوادث، وكان من تحت يد أَخيه أَحمد بن رمضان.
مات في ثالث العشرين من ذى الحجة.
٣ - إِبراهيم بن عبد الله المعروف بابن الفارّ (٣) - بالفاءِ وتشديد الراءِ - الكركي، كان الزهّاد والعباد حسن الآداب، صَحِبَه ناصر الدين بن الغرابيلي (٤) ولم يزل معه حتى مات في هذه السنة.
٤ - إِبراهيم بن علي الصرخدى، برهان الدين، ناب في الحكم بحلب ثم دمشق. مات في رمضان (٥) ولم يكمل الستين.
стр. 305
٥ - أَحمد (١) بن عبد الله التهامي، شهاب الدين، قاضي الشرع بزبيد، قضى بها نيفا وخمسين سنة ومات في جمادى الآخرة.
٦ - أحمد (٢) بن أَبي القاسم بن محمد بن أَحمد بن محمد بن عبد الله الكلبي، أَبو بكر بن جزى، أَجاز له أَبو عبد الله بن رشيد وابن ربيع وابن برطال، ومن مصر: الحجار وابن جماعة، وسمع من الوادي آشي وابن الزيات وأَبي عبد الله بن سالم وأَبى بكر بن مسعود وغيرهم.
وكان عالمًا بالفقه والفرائض والعربية والنظم، وشرح "الأَلفية" وغيرها، وولى الخطابة بغرناطة والقضاء بها، ونظمه سائر كأَبيه.
٧ - أحمد (٣) بن محمد بن عمر بن الخضر بن مسلم الدمشقي، شهاب الدين الحنفى المعروف بابن خضر. وُلد سنة ست وسبعمائة، وكان يدرى الفقه والأُصول ودرّس بأَماكن وسمع من عيسى المطعم والحجار وغيرهما وكان فاضلًا، حدَّث بدمشق ومات بها في رابع عشرى رجب عن ثمانين سنة بنقص يسير.
وكان جلْدًا قويا، وَلِي إِفتاءَ دار العدل بدمشق، وهو أَول من وليه، وشرح "الدرر للقونوي" في مجلدات.
٨ - أَحمد بن يحيى بن مخلوف بن مرّى (٤) بن فضل الله بن سعد بن ساعد، شهاب الدين الأعرج السعدى، اشتغل بالعلم وتعانى الأَدب ونظم الشعر وهو صغير وأَدّب الأَطفال.
ومن الاتفاق الذي وقع أَنه أَنشد لما ماتت أُم (٥) الأَشرف وهى إِذ ذاك زوجة أُلجاى اليوسفى:
في (٦) مستهل العشر من ذي حجة … كانت صبيحة موت أُم الأَشرفِ
فالله يرحمها ويعظم أَجْرَهُ … ويكون في عاشور موت اليوسفى.
стр. 306
فاتفق أَن كان ذلك كذلك، وذلك في سنة ست وسبعين؛ وهو القائل:
وكيف يرومُ الرزقَ في مصرَ عاقِلٌ … ومِن دونه الأَتراك بالسيف والترسِ
وقد جمعتْه القبط من كل وجهة … لأَنفسهم بالربع والثمن والخُمْسِ
فللتُّرْك والسلطانِ ثلثُ خراجها … وللقبط، نصفٌ، والخلائقُ في السُّدْسِ
وله في علم الدين صالح لما (١) مات:
على كل ميْت إِذْ يموت نوادبٌ … وما ثمّ مَنْ يبكى على موت صالح
فإِن جميع الناس سُروا بموته … سرورَ ثمودٍ يوم ناقة (٢) صالح
لئن كان عند الخلق بالمال صالحًا … فما صالحٌ عند الإِله بصالحِ
مات (٣) في أَوائل السنة، وله سبع وستون سنة.
٩ - أَرغون (٤) دوادار طشتمر، مات بحمص (٥).
١٠ - أَمَة العزيز بنت الحافظ شمس الدين محمد بن أَحمد بن عثمان الذهبي، حضرَت على عيسى المطعم وغيره، وسمعَتْ من الحجار وجماعة وحدّثت معه (٦) حتى ماتت في هذه السنة.
١١ - أَيدمر بن صديق الخطابي، عز الدين، أَخو طغتمر النظامي، كان أَحد الأُمراءِ الكبار بالقاهرة. مات مجردًا بالقاهرة.
١٢ - بلاط الصغير أَحد أَكابر الأُمراءِ بطرابلس. مات في جمادى الأُولى.
١٣ - تمرباي بن عبد الله الجركسى (٧) الحسنى نائب صفد. كان أَحد الأُمراءِ الكبار بالقاهرة، تقدم عند الأَشرف وتنقَّل في الولايات والنيابات.
стр. 307
قال ابن حجى: "كان شابا عنده شهامة ومات وهو نائب صفد بغتة".
١٤ - حسن بن منصور بن ناصر بن بدر الدين الزرعى، ناب في الحكم عن تاج الدين السبكي بدمشق (١)، وكان أَبوه قاضى نابلس فأَرسله إِلى القدس ليشتغل، فأَخذ عن تقي الدين القلقشندى وغيره ثم تنبّه، وولى القضاءَ في بعض البلاد ثم استوطن دمشق وناب في الحكم.
وكان عنده تصميمٌ وقوة نفس بحيث كان يعزل نفسه أَحيانًا، وباشر الأَوقاف مباشرة حسنة وعُيّن مرة لقضاءِ حلب. مات في صفر.
١٥ - حيدر بن علي بن أَبي بكر بن عمر قطب الدين الدهقلي الشيرازي نزيل دمشق، سمع الكثير وأَسمع أَولاده، وكتب الطباق بخطه.
أَخذ عن أَصحاب الفخر وغيرهم ثم سكن الهند ثم مات غريقا، وهو والد شيخنا عبد الرحمن.
١٦ - زينب بنت العماد محمد بن الضياءِ محمد بن علي البالسى، سمعَت من أَبيها سنة ثمان وسبعمائة، وكانت تَذْكر أَنها سمعَت من عمتها ست الخطباءِ، وماتت في صفر وقد جاوزت الثمانين.
١٧ - سليمان بن أَحمد الكناني العسقلاني، علم الدين الحنبلي، اشتغل بالعلم وبرع في المذهب فأَفتى ودرّس وصاهر موفق الدين وناب عنه إِلى أَن صار أَكبر النواب. مات في جمادى الآخرة.
١٨ - عائشة بنت الحسن بن علي الدمشقية؛ وُلدت بعد العشرين وسمعت بإِفادة ولدها العلَّامة شمس الدين بن الجزري من أَصحاب الفخر وماتت في ربيع الآخر من هذه السنة.
١٩ - عبد الله بن أَبي البقاءِ محمد بن عبد البر السبكي، وليّ الدين أَبو ذر بن بهاءِ الدين، وُلد سنة خمس وعشرين بالقاهرة، وأُحضر على يحيى بن فضل الله ومحمد بن غالى (٢) وأَبي نعيم الأَسعردى وغيرهم. ثم سمع بدمشق من الجزرى والمزِّى وبنت الكمال وغيرهم. واشتغل بالعلم
стр. 308
ومهر في الأَدب وناب الحكم عن أَبيه (١) بالقاهرة ودمشق، وعن تاج الدين السبكي ثم اشتغل بالقضاء بعد أَبيه.
وكان ينظم جيدا ويحفظ "الحاوى" ويذاكر به ويدرّس منه، وكان يدرّس في "الكشاف" وله مشاركة جيّدة في العربية. وكان قد باشر توقيع الدست، وحجّ سنة ثلاث وخمسين وسنة ثلاث وستين.
وكان جيّد الفهم فطنا عارفًا بالأُمور كثير المداراة لين العريكة بعيدًا عن الشر صبورًا على الأَذى، وكان كثير الإِحسان للفقراءِ سرا.
قال ابن حجّى رحمه الله تعالى: "كان أَديبًا بارعًا، له نظم وقصائد طنَّانة".
وبلغنى أَن له ديوانًا، وكان يحفظ "الحاوى" ويذاكر به ويدرّس منه، وله مشاركة في العربية ومات في شوال وله خمسون سنة وزيادة.
قرأْت بخط ابن القطان وأَجازنيه: "كان فاضلًا عارفًا بدنياه، منتصرا لأَصحابه".
٢٠ - عبد الله بن محمد بن نجم الدين بن أبى الرضى، ابن اخت القاضي برهان الدين بن جماعة. يقال مات مسحورًا في جمادى الآخرة.
٢١ - عثمان أحمد الرصدى، فخر الدين رئيس المؤذنين بجامع طولون. أَخذ عن بن ناصر الدين بن سمعون وصاهره، واشتهر بمعرفة الميقات. مات في جمادى الأُولى.
٢٢ - عثمان بن محمد بن محمد بن الحسن بن الحافظ عبد الغنى فخر الدين، سمع من الحجّار، واشتغل بالفقه وقتًا على التاج المراكشي، وسمع من ابن الرضى وبنت الكمال، وحفظ "التسهيل" وحدّث وأَفاد ومات في رجب.
٢٣ - على بن محمد بن عبد المنعم الحنبلي، سبط عبد الرحمن بن صومع نقيب السبع. بات في مع الآخر.
٢٤ - على بن محمد العقبى رئيس المؤذنين بدمشق. مات في جمادى الأُولى.
٢٥ - قرط بن عمير الكاشف، تقدّم في الحوادث.
стр. 309
٢٦ - قطلوبغا الكوكائي أحد المقدمين من الأُمراء. مات وهو حاجب الحجاب بالقاهرة في المحرّم.
٢٧ - محمد بن أَحمد بن صعير، شمس الدين الغسّاني قاضي الأقضية بزبيد، وَلِيَها في زمن المجاهد واستمر بضعا وثلاثين سنة ..
٢٨ - محمد بن أَحمد بن عثمان الشُّشْتُرِى (١) ثم المدني، شمس الدين، سمع "الشفاءَ" على محمد بن محمد بن حريث وتفرّد عنْه به [وكان خاتمة أَصحابه (٢)]. مات في شعبان وله خمس وسبعون سنة.
٢٩ - محمد بن حمد بن محمد بن أَبي الحسن المزِّى الصحراوي المعروف بابن قَطْلَيْشَا الصحراوي. وُلد سنة أَربع عشرة وسمع من ابن الشيرازي وغيره، وكان يشهد قسمة المغلات بالمزّة وحدّث.
مات في جمادي الأُول عن ثلاث وسبعين سنة، وروى عنه الياسوفى وابن حجّى وابن الشرائحي وآخرون.
٣٠ - محمد بن أحمد بن محمد بن علي تاج الدين الخروبي، أَحد التجار الكبار بمصر، وهو صاحب المدرسة بجوار بيته بشاطئ النيل بالشون.
مات مجاورًا بمكة في أَواخر المحرّم.
٣١ - محمد بن أَزبك أَلفافا، أَحد الأُمراءِ. مات بالقاهرة.
٣٢ - محمد بن صالح بن إِسماعيل الكناني المدني، سمع من أَبي عبد الله القصرى وتلا عليه بالسبع وناب في الخطابة بالمدينة [وأَمّ (٣) بها]، وكان خيّرا.
مات في تاسع المحرم عن اثنتين وثمانين سنة.
٣٣ - محمد بن عُبَيْد (٤) بن داود بن أحمد بن يوسف شمس الدين المرداوي الحنبلي، كان ذا عناية بالفرائض وقرأَ الفقه ولازم ابن مفلح حتى فضل ودرّس.
стр. 310
قال ابن حجى: "كان يحفظ فروعًا كثيرة وغرائب، وله ميل إِلى الشافعية، وكان بشع الشكل جدا. مات في ذي القعدة".
٣٤ - محمد بن علي السّرى، أَحد المعيدين بالبدرائية (١) وله نظم ركيك، وكان يخضب (٢) بالسواد. مات في صفر.
٣٥ - محمد (٣) بن محمد بن محمد بن محمود الصالحي المنبجي، كان من فضلاءِ الحنابلة، سمع الحديث وحفظ "المقنع" وأَفتى ودرّس، وكان يتكسب من حانوت له على طريق السلف مع الدين والتقشُّف والتعبّد.
مات في رمضان وهو صاحب الجزءِ المشهور في "الطاعون" ذكر فيه فوائد كثيرة، عمله في سنة أَربع وستين.
٣٦ - محمد البهنسى الصاحب شمس الدين ناظر الجامع الأموى. مات ف ربيع الأَول وكان فاضلًا وله نظم حسن، وكان محمودًا في مباشرته وولى نظر المرستان، وكان له شرفُ نفسٍ يَلزم بيته إِذا عُزِل فاتفق موته وهو معزول. وكان بيدمر يكرهه فإِذا (٤) ولى النيابة عزله.
٣٧ - محمود بن الصفدي الغَرَّابي، نسبة إِلى غرّابة - بفتح المعجمة وتشدّيد الراءِ ثم موحّدة - من قري صفد. اشتغل بدمشق على الشيخين تاج الدين المراكشي والفخر المصري، وفضل وتنزّل بالمدارس بدمشق ثم رجع إِلى صفد فأَقام بها يدرس إِلى أَن مات في صفر.
٣٨ - موسى بن محمد بن محمد بن الشهاب محمود، شرف الدين، أَبو البركات بن بدر الدين بن شمس الدين بن شهاب الدين، أَحد الفضلاءِ في الأَدب والكتابة.
مات بالرملة (٥) عن ثلاث وأَربعين سنة وكتب الإِنشاء في حلب، وفاق في حسن الخط والنثر والنظم وناب في الحكم، وهو القائل، وكتبهما على مسموع:
ومجموعٍ كعقد الدّر نظمًا … على تفضيله الإِجماع يُعْقَدْ
يطابق كلٌّ معنى فيه حسنًا … فمجموعًا تراه وهو مفرَدْ
стр. 311
٣٩ - يوسف بن أَحمد بن ذبيان (١) بن أَبي الحسن البعلى، جمال الدين التاجر المعروف بابن ظبيان. كان أَحد التجار المياسير وله إِحسانٌ وأَفضالٌ ومال ولا يتشدّد في تقاضى ماله من الدين ويتصدّق.
مات في شعبان وله بضع وستون سنة.
٤٠ - يوسف بن محمد بن عبد الرحمن بن شندى المصرى العطّار، جمال الدين الرسام، سمع من ابن الجزري والمزى وحدث. مات في المحرّم.
٤١ - أمين الدين عبد الله القبطى مستوفى المرتجع، يعرف بجُعَيْص. مات في المحرّم.
* * *
стр. 312
سنة ست وثمانين وسبعمائة
في أَول يوم (١) المحرّم دخل برهان الدين بن جماعة دمشق قاضيا، وكان ولى في ذي القعدة سنة خمسٍ بعد موت وليّ الدين بن أَبي البقاءِ فخرج نائب الشام لتلقِّيه إِلى خان العقبة وهو شيء لم يُعهد منذ دهر، ثم لبس الخلعة، ومدحه فتح الدين بن الشهيد بقصيدةٍ قرئت عليه ومُدح بعدّة قصائد.
وفيها قدم زكى الدين الخروبي من المجاورة (٢) فأَهدى للسلطان هدايا جليلة ولغيره من الأُمراءِ، ووقع بينه وبين شهاب الدين الفارق - أَحد أَعيان التجار اليمنيّين - وهو أَخو شرف الدين وزير صاحب اليمن - فترافعا إِلى السلطان، فنَسب الفارقيُّ زكيَّ الدين إِلى أُمور معضلة، فأَخرج الخرّوبي كتاب الأَشرف صاحب اليمن إِليه وضمنه كتابٌ من الفارق يقول فيه: "إِن مصر آل أَمرها إِلى الفساد، وليس بها صاحبٌ له قيمة، فلا ترسل بعد هذه السنة هدية فإِن صاحبها اليوم أَقل المماليك وأَرذلهم".
فأَمر السلطان بالقبض على الفارق وقطْع لسانه، فتسلَّمه (٣) شاد الدواوين وصودر، ثم شُفع في لسانه فأُطلق، ولم يلبث بعد ذلك أَن عمى، وخُلع على زكى الدين خلعة معظمة واستقر كبيرَ التجار.
وفيها خرج موسى بن أَبي عنان المريني على أَبي العباس بن أَبي سالم، وكان أَبو العباس بن أَبي سالم قد حصر أَبو حمو بتلمسان وخرّب قصورها، فسار عنها فرجع إِليها أَبو حمّو، فتنكَّر له ابنه أَبو تاشفين، فخرج أَبو حمو ليصلح الأَعمال فجاهره أَبو تاشفين بالعصيان وقبض عليه بتلمسان وسجنه وأَخذ ماله واعتقله بوهران.
وفيها قدم بيدمر نائب الشام إِلى القاهرة فأَكرمه السلطان وقبل منه هديّته وتقدمته، وردّه إلى نيابته مكرّما.
стр. 313
وفيها - في ربيع الأَول - ضعف ألطنبغا الجوباني أحد الأُمراء الكبار (١) فعاده السلطان في بيته.
وفيها شغر منصب القضاءِ الحنفية بموت صدر الدين بن منصور أَكثر من أَربعين يومًا، وسعى فيه جماعةٌ من النواب إِلى أَن ترجّح أَمر شمس الدين الطرابلسي بعناية أَوحد الدين، فاستقر بعد أَن عُرض المنصب مرة ثالثة على الشيخ جلال الدين التباني فامتنع كعادته.
وفيها عاد برهان الدين الدمياطى من الرسلية إِلى الحبشة (٢)، وكان قد حصل له من صاحبها إِخراق بسبب فسادٍ حصل منه هناك ثم طرده من بلاده.
وفيها راجع (٣) السلطانُ ناظرَ الجيش تقى الدين عبد الرحمن بن محبّ الدين في شيء فأَجابه فغضب منه فأَمر بضربه فبطح وضرب بين يديه نحو ثلاثمائة عصاة، فحمل إِلى منزله مريضا فأَقام ثلاثة أَيام ومات، واستقر في نظر الجيش موفق الدين [أَبو الفرج الأَسلمي] الذي أَسلم قريبا مضافًا لنظر الخاص (٤).
وفيها (٥) توجّه شهاب الدين الطيلوني لعمارة البرجين بدمياط.
وفيها وقع في دمشق سيل (٦) عظيم، ذكروا أَنهم لم يشاهدوا مثله.
وفيها ولى بدر الدين بن منهال - صهر الشيخ سراج الدين البلقيني وزوج ابنته - نظر المواريث، فباشره أَحد عشر يومًا وعُزل.
وفيها اعتنى ألطنبغا الجوبانى بالشيخ ولّى الدين بن خلدون إِلى أَن استقر في قضاءِ المالكية عوصًا عن جمال الدين بن خير في جمادى الآخرة (٧)، وكان قدم قبل ذلك في السنة التي مضت ليحجّ فلم يتهيأ له في تلك السنة، فأَقام وتعرّف بالجوباني فراجَ عليه وجمعه على السلطان.
стр. 314
وقرأْت بخط القاضي تقى الدين الزبيرى أَنه باشر بقوةٍ وشدة وخروج عن العادة، وعانَدَ الحنبليَّ وغيره من الأَكابر فلم تطل مدّته.
وفيها نزل بدمشق سيل عظيم.
وفيها هدمت قبة القاهرة.
وفيها وقع بين الشيخ أَكمل الدين وبين الشيخ شمس الدين الركراكي منازعة في الشيخونية فعزله من التدريس (١) فتشفع (٢) إِليه بالأُمراءِ فامتنع، فتوصّل إِلى أَن تشفع عنده بالسلطان، فراسل أَكمل الدين في ذلك فلم يجب، فتغيّر خاطر السلطان على الشيخ أَكمل الدين وشكى منه لجلسائه، فبلغ ذلك الشيخ أَكمل الدين فطلع إِلى القلعة الجمعة وصلَّى مع السلطان وشكى إِليه صورة الحال وأَنه لم يردّ رسالته إِلا لما يترتب على ذلك من بهدلته عند أَهل الخانقاه. وتدخل عليه إِلى أَن أَرضاه، واستمر عزل الرّكراكي واستقر تاج الدين بهرام في تدريس المالكية عوضه.
ثم لم يلبث أَكمل الدين أَن مات في رمضان فعاد الركراكي إِلى وظيفته، واستقر عز العرب الفزارى في مشيخة الشيخونية نقلًا من مشيخة البيبرسية، واستقر في مشيخة البيبرسية عوضه شرفُ الدين عثمان بن سليمان الكردي المعروف بالأَشقر: إِمام السلطان.
وفيها توجّه سودون النائب وبعض القضاة إِلى الكنيسة المعلقة بمصر فهدموا منها أَماكن جدّدها النصارى.
وفى شهر رجب ابتدئ بعمارة المدرسة الظاهرية ببيْن القصرين، واستقر جركس الخليلي شادَّ العمائر بها، وأُسست في المكان الذي كان خان (٣) الزكاة وهدم في سنة ثلاث (٤) وثمانين وسبعمائة، فلما تكامل شيل التراب شرع في العمارة.
وفيها ورد كتاب من نائب حلب يخبر فيه أَن القضاة الأَربعة بحلب تخاصموا في شيء فآل أَمرهم إِلى المماسكة بالذقون، ثم وردت منهم أربعة محاضر: من كل قاض محضر يتضمّن فسق البقية، فقال الظاهر: "لا يحقّ تولية الفسّاق"، وأمر بعزل الأَربعة.
стр. 315
وفى رمضان - بعد موت أَكمل الدين - ادُّعِيَ على برهان الدين الدمياطي عند ابن خلدون وأَنه قال: "لا رحم الله أَكمل الدين [فإِن (١) موته فتح]، فعزّره [ابن خلدون] بالحبس.
ورُفع عند ابن خلدون على تاج الدين بن الطريف وعزِّ الدين الطيبي (٢) أَنهما أَعانا على بيع وقف بأَن محيا الكتابة من المكتوب في الرق وقدَّما تاريخ الإِجازة، فلما ثبت ذلك عندة عليهما عزّرهما ومنعهما من التوقيع. وفى كائنة الطيبي يقول ابن العطار:
سعى الطيبي بتزويرد … وظن ابنَ خلدون لم يرقب
وما ساقه الله إِلا لأَن … يميّز الخبيث من الطيب
وفيها وصلت مركب من المغرب فيها ولد ابن خلدون وعياله وهدية من صاحب المغرب ورسول صاحب مصر المجهز لذلك بسبب ابن خلدون. فلما وصلت المركب إِلى الميناءِ غرقت وغرق أَكثر من فيها، وغرق (٣) مسعود رسول صاحب مصر الذي كان توجّه لإِحضارهم، وسلم أبو عبد الله العباسي رسول صاحب المغرب وولدا ابن خلدون وهما محمد وعلى، وغرق للقاضي خمس بنات، وبقى من الهدية فرس وبغلة وشيء يسير جدا.
وفيها عاد بدر الدين بن فضل الله إِلى كتابة السرّ بعد موت أوحد الدين.
وفيها مات بهادر أمير الركب فدفن بعيون القصب في قبة، وأرسل السلطان ابن أَخيه أَبا بكر (٤) بن سنقر أَميرا على الحج، فأَدركهم بمكة وحجّ بهم.
وفيها قدمت رسل مقتمش خان بن أَزبك (٥) سلطان الدشت: واسم كبيرهم حسن بن رمضان، وكان أَبوه نائب القرم أَرسل بهم صاحب القرم ومعهم هدية فقبلت وأُرسلت أَجوبتهم.
وفيها أَوقع العادل صاحب حصن كيفا بالزرقية فصالحوه على ترك الغارة وقطع الطريق.
وفيها أَرسل قرا محمد من الموصل يخطب بنت القادر صاحب مباردين فامتنع، فتجهّز
стр. 316
بعساكر التركمان بقصد ماردين، فاستنجد صاحب ماردين بصاحب الحصن فأَنجده بأَخيه الصالح المخلوع وأَمره أَن يشير على صاحب ماردين بالمداراة مع قرا محمد جهد الطاقة، فبلغه ذالك فامتنع وأَعاد (١) مَن فضل من العساكر فأَوقع بهم قرا محمد، فهزمهم أَمير العسكر من قبل صاحب ماردين واسمه فياض.
ثم وقع الصلح على أَن (٢) يزوج أُخت صاحب ماردين وهُودن مع ذلك بمال جزيل ورحل عنهم.
* * *
ذكر من مات في سنة ست وثمانين وسبعمائة:
١ - إبراهيم بن سرايا الكفرماوى الدمشقى الشافعي المعروف بالحارمي، عرف بذلك لكونه ولى قضاءَها. اشتغل كثيرًا وناب في الحكم عن أَبي البقاءِ.
قال ابن حجى: "كانت عنده فضيلة ويستحضر "الحاوى الصغير"، وناب في عدة بلاد" مات في ذي القعدة.
٢ - إبراهيم بن عيسى الحلبي أحد فقهاءِ الشافعية، كان معيدًا بالباذرائية (٣) وبذلك اشتهر. قال ابن حجّى: "كان على سمت السلف، سليم الفطرة وخطه ضعيف، لكنه نسخ (٤) كثيرا ووقف كتبه، ومات في رمضان بطرابلس".
٣ - أحمد (٥) بن محمد بن محمد القيسي ناظر المواريث وغيرها (٦). مات في رجب.
٤ - أحمد بن محمد المدني، شهاب الدين، طلب الحديث وحصل الأَجزاء وكتب الطباق واستقر أَحد أَئمة القصر بالقلعة.
٥ - إِسماعيل (٧) بن محمد بن قيس بن نصر بن بردس بن رسلان البعلبكي المحدّث
стр. 317
الفاضل، ولد سنة عشرين وسمع من القطب اليونيني وطائفة. وعنى بالحديث ورحل في طلبه إِلى دمشق فأَخذ عن مشايخها وقرأَ بنفسه وكتب الكثير، ونظم "النهاية لابن الأَثير في غريب الحديث"، ونظم "طبقات الحفاظ" للذهبي، وخرّج وأَلقى المواعيد وحدّث وتخرّج به جماعة، ومات في العشر الأَخير من شوال.
٦ - بهادر بن عبد الله الجمالي المعروف بالمشرف (١). كان للناصر الكبير فتنقلت به الأَحوال إِلى أَن أُمِّر طبلخاناة في سلطنة حسن، ثم تقدّم في سلطنة الأَشرف واستقر أَمير الحاج من سنة ثمان وسبعين إِلى هذه الغاية (٢)، وصارت له معرفة قوية بالطرقات وأَهلها.
٧ - حسن بن محمد بن عبد القادر بن الحافظ أبي الحسين على بن محمد اليونيني، سمع وحدّث ومات في ربيع الأَول ببلده (٣).
٨ - رضوان بن عبد الله الرومى شيخ الرباط بالمدرسة الركنية بيبرس، مات في ذي الحجة واستقرّ ولده عليّ في المشيخة بعناية السلطان، فراجعه شيخُ الخانقاه شرفُ الدين بن الأَشقر بأَنه صغير لا يصلح، فأَمر بعرضه عليه فلما رآه أَعرض عنه فقُرِّر صوفيا واستقر غيره في مشيخة الرباط.
٩ - سليمان بن خالد بن نعيم بن مقدّم (٤) بن محمد بن حسن بن تمام بن محمد الطائي، أبو الربيع، علم الدين البساطي المالكي. كان في ابتداءِ أَمره عريفًا بمكتب للسبيل وموقعا لجنتمر حمص أَخضر بحدرة البقر، ثم ولى نيابة الحكم بجامع الصالح ثم اشتغل بالقضاءِ. وكان يدّعى أنه يجتمع بالخضر وله في ذلك أَخبار كثيرة يُسْتَنْكر بعضها.
وكان أَصله من شبرا (٥) بسيون من الغربية، ونزل عمه عثمان بساط وأَخوه خالد في كفالته فوُلد له سليمان بها، ثم قدم القاهرة واشتغل وتمهّر وناب عن الإخنائي، ثم سعى على بدر الدين بجاه قرطاي بعد قتل الأَشرف حتى استقلّ بالقضاءِ في ذى القعدة سنة ثمان وسبعين.
стр. 318
وكان متقشفا مطرح التكلّف فاستمر على ذلك، وكان طعامه مبذولًا لكل من دخل عليه، وصُرِف بعد ثمانين يومًا بالبدر الإِخنائى، ثم أُعيد في رجب سنة تسع وسبعين واشتدّ في أَمره وعاند ابنَ جماعة والأَكملَ فتمالَآ عليه حتى صُرف في جمادى الأُولى سنة ثلاثٍ فلزم داره حتى مات في سادس عشر صفر.
١٠ - شيخ علي شاه زاد بن أويس بن حسن بن حسين بن آقبغا، كان من جملة الأُمراءِ، فلما قَتل أحمدُ بن أَويس أَخاه حسينا في سنة أَربع وثمانين قبض على أُمراءِ الدولة فقتلهم وأقام أَولادهم في وظائفهم، فنفرت منه (١) قلوب الرعية وتمالأُوا عليه وأقاموا أخاه هذا سلطانًا وتوجهوا به من بغداد إِلى تبريز فالتقاهم بمن معه ومعه قرا محمد بن بيرم خجا صاحب الموصل وهو صهره - وكانت بنته تحت أحمد - فالتقى بمقدّمة القوم فراسله خضر شاه بن سليمان شاه الانبلاتي (٢) وكان أَجلّ أُمراءِ بغداد، فانهزم خضر شاه وأُصيب شاه زاد بسهم، فحُمل إِلى أخيه وبه رمق فمات.
١١ - طشتمر بن عبد الله الدوادار (٣)، مات بالقدس بطالًا.
١٢ - طقج (٤) المحمدى أحد الأُمراء المقدمين بالقاهرة ثم نقل إِلى دمشق فمات بها.
١٣ - عبد الله بن الحاجب بيبرس، تقدّم بالقاهرة في دولة أَينبك، وكان خيّرا متواضعا، وكان ولى كشف الجسور فأَنكر عليه السلطان أَمرًا، فكتب إِليه كتابا يتهدّده فيه، فخاف وغلب عليه الخوف فمرض ومات في جمادى الأُولى.
١٤ - عبد الرحمن بن محمد بن يوسف الحلبي الأَصل، تقى الدين بن محب الدين ناظرُ الجيش وُلد سنة ست وعشرين وسبعمائة، واشتغل بالعلم ثم باشر كتابة الدست في حياة أبيه وتقدّم في معرفة الفنّ، وصنف فيه تصنيفًا لطيفًا عليه اعتماد الموقعين إِلى هذه الغاية.
وكانت له عناية بالعلم، وسمع "الشفاء" على الدلاصي وغيره، ثم ولى نظر الجيش استقلالًا بعد أبيه ومات في حادى عشر جمادى الأُولى.
стр. 319
١٥ - عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحيم بن الترجمان، عماد الدين الحلبي، سمع حضورًا على العزِّ إِبراهيم بن صالح في الثانية من أول عشرة الحداد إِلى ترجمة أبي المكارم سنة ٣١٤ (١)، وسمع - وهو كبير - عل غيره، وكان ذا ثروة (٢) وبنى مكتبا للأَيتام (٣)، ووقف عليه وقفا.
سمع منه الشيخ برهان الدين المحدّث، ومات يوم عيد الفطر سنة ست وثمانين وسبعمائة.
١٦ - عبد الواحد بن إِسماعيل بن يس بن أبي حفص (٤) الإِفريقي ثم المصرى، أوحد الدين، سبط القاضي كمال الدين بن التركماني. استغل على مذهب الحنفية قليلا وباشر توقيع الحكم ثم اتصل ببرقوق أول ما تأَمّر، والسبب في معرفته أن شخصا يقال له يونس كان أمير طبلخاناه في حياة الأَشرف مات وكان أَوحد الدين شاهد ديوانه، فادّعى برقوق أنه ابن عمه عصبية، فساعده أَوحد الدين على ذلك إِلى أن ثبت له ذلك بالطريق الشرعي.
فلما قبض برقوق الميراث ممَّن وضع يده عليه - وهو أحمد بن آل ملك مولى يونس الميت المذكور - أَعطى أَوحد الدين منها ثلاثة آلاف درهم - وهى إِذ ذاك مائة وخمسون مثقالًا ذهبا - فامتنع من أَخْذها واعتذر بأَنه ما ساعده إِلَّا لله تعالى: فحسن اعتقاد برقوق فيه.
فلما صار (٥) أَمير طبلخاناه استخدمه شاهد ديوانه، ثم لما تأَمّر جعله موقِّعا عنده فاستمرّ في خدمته وبالغ في نصحه، واستقر موقع الدست مع ذلك إِلى أَن تسلطن فصيّره كاتب سرّه، وعزل بدر الدين بن فضل الله فباشرها أوحد الدين مباشرة حسنة مع حسن الخلق وكثرة السكون وجمال الهيئة وحسن الصورة والمعرفة التامة بالأُمور. وبلغ من الحرمة ونفاذ الكلمة أمرًا عجيبا، لكن لم تطل مدّته بل تعلَّل وضعف. ثم اشتدّ به الأَمر حتى ذهبت منه شهوة الطعام، وابتلى بالقئ وصار لا يستقرّ في بطنه شيء إِلى أن مات في ذي الحجة ولم يكمل الأَربعين.
١٧ - على بن أحمد الطيبرسي. كان أَستادار (٦) خوند أُم الأَشرف، وسئل في الإِمرة مرارًا فامتنع. مات في شوال.
стр. 320
١٨ - الشيخ علي العريان، أَحد مَن كان يُعتقد ويزوره الأُمراء وللعوام فيه اعتقاد كبير، وكان يركب الخيول، وله طريقة. مات في شوال.
١٩ - قرابغا العلائي نسبةً إِلى الأَمير على المردانى. وَلى حجوبية دمشق مدةً ونيابةَ الرحبة، وحجّ بالناس سنة سبعين. مات بدمشق في شعبان.
٢٠ - كافور بن عبد الله الهندي الطواشي، عمّر طويلا (١) حتى زاد على الثمانين.
٢١ - محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن قاسم بن عبد الرحمن بن القاسم بن عبد الله النويري، نسبة إِلى النويرة من عمل القاهرة، [ثم (٢)] المكي، القاضي كمال الدين أبو الفضل. كان ينسب إِلى عقيل بن أبي طالب، وسمع من عيسى الحجّى وجدّه لأُمه القاضي نجم الدين الطبرى والزين بن علي وغيرهم.
ورحل إِلى دمشق فسمع من المزى والجزرى وغيرهم. وبرع في الفقه وغيره، وساد أهل زمانه ببلده، وولى قضاءَ (٣) مكة ثلاثا وعشرين سنة إِلى أن مات في شهر رجب وله أربع وستون سنة.
وحدّث بالكثير ودرّس وأفاد وأَفتى، وكان مشهورًا بالعلم والذكاءِ، سمعتُ (٤) خطبه وكلامه، وكان مولده في شعبان سنة اثنتين وعشرين، وتفقه بالتقى السبكي والتاج المراكشي ووليّ الدين الملوى وابن النقيب. وأخذ عن الجمال بن هشام في العربية، وشارك في المعارف. وناب عن الشهاب الطبرى في الحكم بمكة، ثم ولى الحكم بعد التقى الحرازي في سنة ثلاث وستين مع الخطابة ونظر الحرم، ومات وهو متوجه إِلى الطائف في ثالث عشر رجب فحُمل إِلى مكة فدُفن بها، وكان فصيح العبارة لسنًا جيّد الخطبة متواضعا محبًّا للفقراءِ.
قال ابن حجى: "كان يستحضر فقها كثيرا، وبلغني أَنه كان يستحضر شرح مسلم للنووى" قال: وخلَّف تركة وافرة وكان ينسب إِلى الكرم".