← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٢٨ - محمد بن عتيك (١) البردى، كان الرؤساء الحلبيين، وأنشأ جامعا بحارة القناصة ومات بها في مدينة الرها هذه السنة أو نحوها. ٢٩ - محمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد الشافعي الآسَجِي (٢) - بمدّة وفتح المهملة بعدها جيمة - الأديب شمس الدين نزيل مكة. جاور بمكة عدة سنين وباشر بالحرم، واختص بالناس مع الفضل ومات في شعبان، وكان شاعرا مكثرًا أكثر عنه صاحبنا نجم الدين المرجاني (٣). ٣٠ - محمد (٤) بن تقى الدين عبد الله بن محمد بن محمود بن أحمد بن عزاز الحنبلي، القاضي شمس الدين بن التقى المرداوى: وُلد (٥) سنة أربع عشرة وسبعمائة فيما قيل، [و] سمع الكثير من (٦) أبى بكر بن الرضى والشهاب الصرخدى والشرف بن الحافظ. وعائشة (٧) ابنة المسلم [الحرّانية] وجماعة، وتفقَّه وناب في القضاء من سنة ستين وهلمّ جرا ثم استقل به سنة ست وسبعين إلى أن مات، وكان محمودًا (٨) في ولايته إلّا أنه في حال نيابته عن عمه كان كثير التصميم بخلافه لما استقل. وكان يكتب على الفتاوى كتابة جيدة، وكان كيّسًا متواضعًا قاضيًا لحوائج من يقصده. وكان خبيرًا بالأحكام ذاكرًا للوقائع صبورًا على الخصوم عارفًا بالإثباتات وغير هذا، لا يُلحَق في ذلك. وكان يركب الحمارة على طريقة عمه، وقد خرّج له ابن المحبّ الصامت أحاديث متباينة

стр. 352

وصلت إلى خمسة عشر حديثا. وحدّث بمشيخة ابن عبد الدائم عن حفيده محمد بن أبي بكر عن جدّه سماعًا. مات في رمضان عن أربع وأربعين سنة. ٣١ - محمد بن عطية الحسيني أمير المدينة. ٣٢ - محمد بن عمر بن محمد بن محمود بن أبي الفخر الزرندي ثم الصالحي، سمع من الحجار وغيره، ومات بدمشق عن سبعين سنة. ٣٣ - محمد بن عيسى بن أحمد بن محمد الزيلعي نزيل اللُّحيَّة (١) من سواحل اليمن ويعرف بصاحبها، وكان يُذكر بالكرامات ومكانه يزار الآن. ٣٤ - محمد بن محمد بن بن المحب عبد الله المقدسي شمس الدين، وُلد في ذي القعدة سنة ٧٣١. وسمع من ابن الرضى والجزرى وبنت الكمال وغيرهم، وأُحْضِر على أسماء بنت صصرى وعائشة بنت المسلم وغيرهما، وعنى بالحديث وكتب الأجزاء والطباق، وعمل المواعيد. وأخذ عن إبراهيم بن قيم الجوزية [الحنبلي (٢)]، وكتب بخطه الحسن شيئًا كثيرا، وكان شديد التعصب لابن تيمية. مات في جمادى الأولى وله سبع وخمسون سنة. ٣٥ - محمد بن محمد بن علي بن حزب (٣) الله المغربي؛ قرأتُ بخط القاضي برهان الدين بن جماعة: "مات الإمام العالم الكاتب البليغ أبو عبد الله بن حزب الله بدمشق في خامس عشري شعبان سنة ثمان وثمانين، وله نظم وسط، وفضائل"، قلت: منها كتاب سماه "عرف الطيب، في وصف الخطيب" صنفه البرهان المذكور. ومن عنوان نظمه قصيدة أوّلها: لِبَرِيقِ أرضِ (٤) الأبرقَيْنِ وللنَّقَا … قد طار منِّي القلبُ ذاك تألّقا ٣٦ - محمد بن يوسف بن إلياس الحنفى، الشيخ شمس الدين القونوي نزيل المزة، ولد سنة خمس عشرة أو في التي بعدها، وقدم دمشق شابا، وأخذ عن التبريزي وغيره وتنزّه عن مباشرة الوظائف حتى المدارس، وكان الشيخ تقي الدين السبكي يبالغ في تعظيمه، وكان له

стр. 353

حظ من عبادة وعلم وزهد، وكان شديدَ البأْس على الحكام شديدَ الإنكار للمنكر، أمَّارا بالمعروف، يحب الانفراد والانجماع، قليل المهابة للأُمراء والسلاطين والحكام يغلظ لهم كثيرا. وكان قد أقبل على الاشتغال بالحديث بآخره. والتزم أن لا ينظر في غيره: وصارت له اختباراتٌ يخالف فيها المذاهب الأربعة لما يَظهر له من دليل الحديث، قال ابن حجّي: "كانت له وجاهة عظيمة، وكان ينهى أولاده وأتباعه عن الدخول في الوظائف". وكان ربما كتب شفاعةً إلى النائب نصها "إلى فلان المكَّاس" أو "الظالم" أو نحو ذلك وهم لا يخالفون له أمرًا ولا يردّون له شفاعة، وكان الكثير من الناس يَتَوَقُّون الاجتماع به لغلظةٍ في لفظه وفي خطابه، وكان مع ذلك يبالغ في تعظم نفسه في العلم حتى قال مرة: "أنا أعلم من النووى، وهو أزهد مني". وكان يتعانى الفروسية وآلات الحرب ويحبّ من يتعانى ذلك، ويتردّد إلى صيدا وبيروت على نية الرباط (١). وقد باشر القتال في نوبة بيروت وبني برجا (٢) على الساحل، وصنّف كتابا سماه "الدرر (٣) "فيه فقه كثير، نظمَ (٤) فيه فقه الأربعة على أُسلوب غريب. مات بالطاعون في جمادى الآخرة وقد جاوز السبعين، واختصر "شرح مسلم للنووى" وتعقَّب عليه مواضع، وشرح "مجمع البحرين" في عشر مجلدات، وقد قدم القاهرة وأقام بها مدّةً وأقام بالقدس مدة ثم رجع إلى دمشق وانقطع بزاويته بالربوة، ثم انقطع بزاويته بالمزّة. ٣٧ - محمد بن يوسف بن محمد بن عمر، شرف الدين بن جمال الدين بن الشيخ شمس الدين بن قاضي شهبة، اشتغل على جدّه ثم على أبيه، وتعانى الأدبيات وقال الشعر وكتب الخط الحسن، قال ابن حجّى: "كان جميل الشكل حسن الخلق، وافر العقل، كثير

стр. 354

التودّد" وولى قضاء الزبداني مدة ثم تركه، ومات في عشر الأربعين في ربيع الآخر ووجد عليه أبوه (١) وجدا كثيرا حتى مات بعده عن قرب. ٣٨ - محمد الأصبهاني، إمام الدين، كان عالمًا عابدًا مشهورًا بالفضل والكرامات، وكان ينذر بوقوع البلاء على يد اللنك، ويخبر أنه ما دام حيا لا يصيب أهل إصبهان أذًى، فاتفقت وفاته في ليالي طروق اللنك لهم في هذه السنة. ٣٩ - موسى بن ألفافا، شرف الدين، أستادار أيتمش، كان يتعصّب للظاهرية ويميل إلى مذهبهم. مات في شوال. ٤٠ - هيازع بن هبة الحسينى (٢) قريب أمير المدينة وهو أخو جماز الذي تأمّر بعد ذلك. ٤١ - يوسف بن المجد أبي المعالي محمد بن علي بن إبراهيم بن أبي القاسم بن جعفر الأنصاري المعروف بابن الصيرفى. ولد في رمضان سنة عشر وسبعمائة، وأسمعه أبوه الكثير من أبي بكر الدشتي والقاضي سليمان وعيسى المطعم وغيرهم وحدث بالكثير، وكان يزن (٣) القبان ثم كبر وعجز، وكان بآخره يأخذ الأُجرة ويماكس في ذلك. مات في ذى الحجة عن ثمانين سنة، وكان له ثبت يشتمل على شيءٍ كثير من الكتب والأجزاء، وآخر (٤) من حدّث عنه الحافظ برهان الدين محدّث حلب. ٤٢ - شمس الدين الغزولى المصرى الميقاتي، انتهت إليه رئاسة هذا العلم في بلده، وكان أطروشا. مات في رجب. ٤٣ - شمس الدين بن الجندى الخطابي المقرئ، انتهت إليه الرياسة في حل التقاويم ومعرفة الميقات، وكان لكل منهما - أعنى الغزولي وابن الجندى - عصبة، فاتفق أن ماتا في سنة واحدة. مات الغزولى في رجب ومات ابن الجندى في شعبان. * * *

стр. 355

سنة تسع وثمانين وسبعمائة فيها في تاسع عشر المحرّم ولى الجوباني نيابة الشام عوضا عن أشقتمر (١). وفيها ابتدأ السلطان بلعب الرمح وألزم الأُمراء والمماليك بذلك (٢). فاستمر. وفيها ابتدأ أيضا في رمضان بالحكم بين الناس يومى الأحد والأربعاء. ونودى (٣): "من كانت له ظلامةٌ فليحضر إلى الباب"، وحصل للناس بسبب ذلك - خصوصا رؤساؤهم - تشويش كبير، وصار من شاء من الأراذل أن يهين الكبار فعل. وفيها كثرت الشكاوى من بدر الدين بن أبي البقاء فعيّن السلطانُ ناصر الدين محمد بن عبد الدائم الشاذلى ابن بنت الميلق الواعظ، وطلبه في رابع شعبان، وفوّض له قضاء الشافعية، فاستجار الله بعد صلاة ركعتين وقَبِل (٤)، وكان (٥) [السلطان] يعرفه من خطبه (٦) بمدرسة حسن، ووصفه له سودون النائب وغيره فتمّ أمره. وقرأتُ بخط القاضي تقيّ الدين الزبيرى أن سبب عزل أبي البقاء ما تقدّم من قصة أمين الحكم، وانضاف إلى ذلك أن بعض مدرّكي البلاد السلطانية مات في أول هذه السنة، وكان يُذكر بالمال الجزيل، فجهّزَ القاضي أمينَ الحكم ليحتاط على موجوده، فذُكر ذلك للسلطان فأنكر عليه، وأحضر أمين الحكم وضربه وعزل القاضي وطلب مَن يوليه عوضه، فغرم القاضي في هذه الحركة خمسة آلاف دينار ثم ما أفاد، بل طلب ابن الميلق وولّاه فباشر بعزَّة وعظمة. * * *

стр. 356

وفيها جمع كبيش العربان ونهب جُدّة وأخذ منها للتجار ثلاثة مراكب، وتقاتل هو وعنان أمير مكة، فقُتل كبيش في المعركة بعد أن كاد يتمّ له النصر، وذلك بأَذاخر (١) بالقرب من مكة. وفيها سار عليّ بن عجلان من مكة إلى القاهرة فقدمها في رمضان، فأشرك السلطانُ عليّ بنَ عجلان في إمرة مكة مع عنان، فتوجّه عنان إلى وادى نخلة ومنع الجلب عن مكة فوقع بها الغلاءُ؛ فوافى قرقماسُ - أميرُ الركب إلى مكة - بتقليد عليّ بن عجلان وأمره أن يتجهّز إلى عنان فخرج، وأرسل معه طبول المحمل فدقُّوا بين الأودية، فظنَّ عنان أن العساكر دهمته فهرب ودخلت القافلة فباعوا ما معهم برخص، حتى انحطَّت الويبة من القمح إلى عشرة بعد ثلاثين. وفيها استولى على إمرة المدينة على بن عطية ثم قُتل، وذلك أنه طَرق المدينة فنهبها وقتل منها أُناسا (٢) فأفرج السلطان عن ثابت بن نعير وقلَّده إمرة المدينة وأمره بالمسير. وفي رابع ربيع الأول قُبض (٣) على كريم الدين بن مكانس وضُرب بالمقارع وصودر على مائة ألف ثم عزل عن نظر الدولة في ثاني رمضان. * * * وفيها خامر منطاش - نائب ملطية - وهو لقب واسمه تمربغا الأفضلى - وجماعة من المماليك (٤) الأشرفية الذين نفاهم برقوق، ووافقهم القاضي برهان الدين أحمد صاحب سيواس وقرا محمد التركماني كبير التركمان ويلبغا المنجكي وجمعوا جمعًا كبيرًا. وبلغ ذلك السلطانَ فجرّد العساكر إليهم، فسار إينال الأتابك بدمشق وقزدمر وسودون

стр. 357

باق وأَلطنبغا المعلم، ومقدّمهم يلبغا الناصري نائب حلب فنازلوا ملطية، فهرب منطاش؛ فتوجّهوا إلى سيواس ونازلوها: فاستنجد برهان الدين صاحبها بالأرمن وغيرهم، فوقعت بينهم وبين عساكر الشام وقعةٌ قُتل فيها من الفريقين جماعة، ثم كان النصر على يد يلبغا الناصري وانهزم برهان الدين، ثم أرسل يطلب الأمان ويبذل الطاعة للظاهر فأمنه وصار من جهته. وكانت عدة الذين مع الناصري نحو الألف، والذين تجمعوا لقتاله عشرين ألفًا. وفيها قُبض على جبريل [الخوارزمي] قريب بيدمر وعلَى محمد [شاه] بن بيدمر وتسلمهما (١) والى القاهرة فصادرهما على مال كبير. وفيها قُتل بدر بن سلام أميرُ العربان بالبحيرة، قتله بعض العرب غيلة، وكان قد قَهر السلطانَ وأعجز العسكر من التجاريد إليه وهو يفرّ من مكان إلى مكان، وفسدت أحوال البحيرة. وفيها في أواخر شعبان استقر في الوزارة علم الدين إبراهيم القبطى (٢) ابن كاتب سيدى، وكان [علم الدين] مستوفى المرتجع، فوصّى ابن كاتب أرلان (٣) بأن يُستوزر بعده، فقبل الظاهر [برقوق] ذلك. وفى تاسع رمضان نزل جلال الدين البلقيني عن توقيع الدست لزوج ابنته بهاء الدين البُرْجي (٤) ونزل بدر الدين البلقيني لأخيه جلال الدين عن إفتاء دار العدل، واستمر بيد (٥) بدر الدين قضاءُ العسكر. وفى (٦) ليلة الثلاثاء ثامن عشر جمادى الآخرة ظهر كوكب عظيم من جهة الشمال ثم امتدّ

стр. 358

وتشعب منه ثلاث شعب لأحدها ذنَبٌ طويل نحو الرمح وله (١) ضوء زائد على ضوء القمر ونوره شديد، وذلك بعد العشاء بنحو ساعة. وفى هذه السنة انتهت زيادة النيل إلى أربعة عشر إصبعا من تسعة عشر ذراعًا وثبت إلى خامس بابة (٢). وفى أوائلها ملك أبو حموّ تلمسان فحاصره ولده أبو تاشفين إلى أن قبض عليه وسجنه بالقصر، فسأله أبو حموّ أن يخرجه إلى الديار المصرية ليحجّ، فأسعفه وحمله في مركب، فخدع (٣) أبو حموّ صاحبها حتى أنزله وبعث إلى محمد بن أبي محمد مهدى القائد ببجاية (٤) يستنصره فأنزله عنده وكتب إلى السلطان بتونس يأمره بمساعدته أبي حمو، واستنفر العرب فنفروا معه: فقتل أبو زيان بن أبي تاشفين في الحرب وانفض جمع أبي تاشفين فخرج من تلمسان ودخلها أبو حموّ في رجب سنة تسعين (٥). وفيها كائنة (٦) ميخائيل الأسلمي وكان نصرانيا فأسلم في شعبان سنة ثمان وثمانين بحضرة السلطان وعناية محمود (٧). فأركب بغلة وعمل تاجر الخاص كما تقدم، ثم قُرِّر في نظر الإسكندرية في المحرم من هذه السنة. فلما كان ثالث عشر ربيع الآخر ضُربت عنقه بالإسكندرية بعد أن ثبت عليه أنَّه زنديق، وشهد عليه بذلك خمسون إلا واحدًا. * * *

стр. 359

وفيها ضُربت الفلوس (١) التي أحدثها جركس الخليلي وجُعل اسم السلطان في دائرة، فتفاءلوا له من ذلك بالحبس فوقع عن قريب، ووقع نظيره لولده الناصر فرج في الدنانير الناصرية. وفيها كان الغلاءُ (٢) بدمشق وقلة الماء بالقدس حتى بلغت الجرة نصف درهم. وفيها وقعت بين ابن يغمر (٣) نائب الأبلستين وبين ابن ذلغادر حرب. وفى سادس عشر جمادى الآخرة - وهو تاسع (٤) أبيب - توقف النيل ثم نقص ثم ردّ النقص وزاد في رابع عشريه. * * * وفى هذه السنة نازل عسكر تمرلنك - صحبة ولده - آمد، ففرّ منه قرا محمد في مائة (٥) فارس إلى ملطية، فاضطرب أُولو الأمر بالقاهرة، وجمع الظاهر الفقهاء والأُمراء، وتحدّث في إعادة ما وُقف من الأراضي الخراجية فطال التنازع وآل الأمر إلى أنه (٦) يأخذ لتجهيز العسكر متحصل (٧) سنة. وأمر السلطان الظاهرُ بتجهيز أربعة من الأُمراء (٨) وهم: قرا دمرداش ويونس (٩) وألطنبغا المعلم وسودون باق وغيرهم (١٠)، فتجهّزوا في أول رجب فوصلوا إلى حلب فوجدوا تمرلنك

стр. 360

قد (١) أرسل ولده في جريدةٍ إلى قرامحمد فواقعه، فانكسر ابن تمرلنك ورجع إلى أبيه، واقتضى الحال رجوع تمرلنك إلى بلاده لأمرٍ حدث بها. وأرسل نائب الشام رجلا (٢) اتُّهِم بأنه جاسوس فضُرب فأقرّ على ثلاثة بدمشق فضُرب وحبس وكُتب إلى دمشق بإحضار رفقته. ولما (٣) وصل الأمراء إلى حلب في شعبان كاتبوا بأن اللنك رجع، فصادف وصول الخبر بمخامرة منطاش، فأُمِروا أن يتوجهوا إلى محاربته فتوجهوا؛ وكان ما سنذكره في السنة الآتية. * * * وفيها عاد اللنك إلى عراق العجم فاستقبله ملوكها وأذعنوا له بالطاعة. مثل إسكندر الجلالي وأبي سعيد (٤) وإبراهيم العجمى وأبى إسحق الشيرجاني وسلطان بن أحمد بن أخى شجاع وابن عمه شاه يحيى، فكان جملة من اجتمع عنده من ملوك العجم سبعة عشر ملكا، فبلغه أنهم تواعدوا على الفتك به فسبقهم وأمر بالقبض عليهم وقد اجتمعوا في خيمة، وقرّر في ممالكهم أولاده وأحفاده، وتتبّع ذرارى المقتولين فلم يُبقِ منهم أحدًا. ثم توجه إلى عراق العرب فبلغ ذلك أحمدَ بن أويس فجهز له (٥) عسكرا كثيفا مع أمير يقال له "أسَنْباى (٦) "، فتلاقيا على مدينة سلطانية فانهزم جند بغداد فلم يتبعهم اللنك، وعطف على همدان وما يليها، فقبض على متوليها واستناب فيها: ثم كرّ راجعًا إلى بغداد فبلغ أحمد بن أويس ذلك فعرف أنه لا طاقة له بلقائه. وكان أحمد بن أويس استولى على مملكة تبريز عوضا عن أخيه حسين بعد قتله، فلم يلبث إلا قليلا حتى فاجأه عسكر اللنك، فلما بلغه ذلك رحل عنها وترك أهلها حيارى، فهجم عليهم العسكر عنوة فانتهبوها وفعلوا فيها ما لا يمكن شرحه، وأقاموا بها شهر رجب كله في استخلاص

стр. 361

الأموال وتخريب الدور وتعذيب ذوى الأموال بالعصر والإحراق والضرب وأنواع العذاب، وانتهكوا الحرمات وسبوا الحريم والذراري. وكان [تيمور لنك] قبل ذلك قد استولى على تبريز وفعل بها الأفاعيل، وكان أحمد بن أويس قد أرسل ذخائره وحريمه وأولاده إلى قلعة يقال لها: "النجاء (١) "في غاية الحصانة، وقرّر فيها أميرًا يقال له: "ألتُون" (٢) مع ثلاثمائة نفس من أهل النجدة، فسار (٣) له اللنك فلم يقدر عليها. وقُتل في الحصار أميران كبيران من عسكره (٤) ثم رحل عنها لما بلغه ما طرق بلاده من جهة طقتمش خان وأنه تعرض لأطراف بلاده فكَّر راجعًا أيضا، ولما بلغ ذلك قرا محمد التركماني انتهز الفرصة ووصل إلى تبريز فملكها وقرّر فيها ولده نصر خجا ورجع إلى بلاده. * * * وفى تاسع رجب أمر المحتسب بطلب ذوى الأموال واستخراج زكاتها منهم، وأن يتولى قاضي الحنفية الطرابلسي تحليفهم ففعل ذلك في يوم واحد، فلما ورد الخبر برجوع تمرلنك ردّ على الناس ما أُخذ منهم، وبطلت مطالبتهم بالزكاة وبالخراج أيضا. * * * وفي العشرين من رمضان استقر جمال الدين [محمود القيصرى (٥)] المحتسب في قضاء العسكر عوضًا عن شمس الدين القرمى بعد وفاته، وسعى نجم الدين بن عرب [الطنبدي] في الحسبة فبذل فيها خمسين ألف درهم فضة قيمتها يومئذٍ أكثر من ألفي مثقال ذهبا (٦). * * *

стр. 362

وفى نصف شوال أفرج الظاهر عن يلبغا الناصري من دمياط وأعطاه شيئًا كثيرًا (١) وقرّره في نيابة حلب، وسافر في تاسع ذي القعدة، وقرر سودون المظفرى نائب حلب أتابك العساكر بها. * * * وفي هذه السنة - في ذى الحجة - صُرف تقي الدين الكفرى عن قضاء الحنفية وقُرّر عوضه نجم الدين بن الكشك. * * * وفي رابع ذى الحجة استقر أمير حاج بن مغلطاي في نيابة الإسكندرية. * * * ذكر من مات في سنة تسع وثمانين وسبعمائة من الأعيان ١ - إبراهيم بن عبد شمس الدين، الوزير القبطى المعروف بكاتب أرنان (٢). أصله من نصارى القبط. فأسلم وخدم الأُمراء إلى أن اتصل بالظاهر قبل سلطنته فخدم في ديوانه ثم قلَّده الوزارة فباشرها أحسن (٣) مباشرة فتنقلت الأحوال إلى أن خدم في ديوان برقوق وهو أتابك العساكر، فأراد ابن مكانس أن يبعده عنه فعيّنه لوزارة الشام فاستعفى، ثم ولّاه برقوق الوزارة فنهض فيها نهوضًا تاما حتى قيل إنه دخل الوزارة (٤) وليس فيها درهم ولا قدح غلة وخرج عنها وفيها من النقد ألفُ أَلفٍ، ومن الغلة ثلاثمائة ألف أردب وستون ألف إردب، ومن الغنم ستة وثلاثون ألف رأس وغير ذلك، حتى إنه كتب في مرض موته أوراقًا بحواصله فكان جملة قيمتها خمسمائة ألف دينار: فأرسل بالورق إلى السلطان، ويقال بل عاده السلطان في الليل سرا فناولها له. وكان منذ ولى الوزارة لم يغيّر ملبوسه ولا شيئًا من حاله، وعنده جواري في البيت فيغلق بابه

стр. 363

إذا ركب ويحمل (١) مفتاحه معه ولا يمكِّن أحدًا من الركوب معه سوى غلامه على بغلة: ووراءه عبدٌ معه الدواة. ويقال إنه كان في الباطن على النصرانية. والله أعلم بغيبه. مات في شعبان. ٢ - أحمد بن إبراهيم بن إسحق بن أبي يحيى (٢)، شهاب الدين الغزاوى (٣)، ناب (٤) أبوه في الحكم، ونشأ له ولده هذا فتعلَّق بالمباشرات في الديوان (٥) عند الأُمراء وخطب بالصالحية وخدم في الاصطبل السلطاني شاهدًا. وكان (٦) لطيف المعاشرة حسن التودّد. مات في صفر. ٣ - أحمد بن أبي القاسم بن شعيب الإخميمي: أبو القاسم المصرى: أحد فقهاء القاهرة. ٤ - إسماعيل (٧) بن مازن الهوارى (٨)، أحد أكابر العرب [بالصعيد (٩)]. مات في هذه السنة وخلَّف أموالًا كثيرة جدا. فيقال إن القاضي أمر أمين الحكم أن يتكلَّم فيها فجر ذلك إلى عزل القاضي وصَرْف (١٠) أمين الحكم. ٥ - أبو بكر بن أحمد بن أحمد بن طرخان الأسدى. مات في شعبان. ٦ - بيدمر (١١) بن عبد الله الخوارزمى نائب الشام مرارًا، يقال كان اسمه في الأصل زكريا بن عبد الله بن أيوب.

стр. 364

٧ - خليل بن فرج (١) بن سعيد الإسرائيلي المقدسي ثم الشافعي القلعي، أسلم ببيت المقدس وله تسع عشرة سنة وعنى بالعلم ولازم الشيخ وليّ الدين المنفلوطي وانتفع به، وقرأ القرآن ولُقب محبّ الدين، وكان مولده في آخر سنة ٧١٤ (٢). وتفقه على مذهب الشافعي فمهر وصار من أكثر الناس مواظبةً على الطاعة من قيام الليل وإدامة (٣) التلاوة والمطالعة، وولى مشيخة القضاعين ثم تركها لولده وجاور في آخر عمره بمكة فقدم دمشق متمرّضا فمات في حادى عشر صفر. ٨ - سليمان بن يوسف بن مفلح بن أبي الوفاء، الشيخ صدر الدين الياسوفى الدمشقى، سمع الكثير وعنى بالحديث واشتغل بالفنون وحدّث وأفاد وخرّج مع الخط. الحسن والدين المتين والفهم القوى والمشاركة الكثيرة. أُوذي في فتنة الفقهاء القائمين على الملك الظاهر فسجن ومات في السجن بعد أيامٍ بالقلعة مع أنه صنَّف في "منع الخروج على الأُمراء" تصنيفا حسنا وقفتُ عليه بدمشق. وهو القائل: ليس الطريقُ سوى طريقِ محمدٍ … فهي الصراط المستقيم لمن سلك (٤) مَن يمشِ في طرقاته فقد اهتدى … سبل الرشاد، ومن يزغْ عنها هلك وكان (٥) مولده تقريبا سنة تسع وثلاثين وحفظ محفوظات، وكان مشهورًا بالذكاء سريع الحفظ، ودأب في الاشتغال ولازم العماد الحسبانى وغيره وفضل في مدة يسيرة، وتنزّل بالمدارس ثم تركها. وقرأ في الأصول على الإخميمي، وترافق هو وبدر الدين بن خطيب المدينة فتركا الوظائف جملة وتزهدا وصارا يأْمران بالمعروف وينهيان عن المنكر، وأوذيا بسبب ذلك مرارًا، ثم حُبِّب إلى الصدر (٦) الحديث فصحب ابنَ رافع وجدّ في الطلب، وأخذ عن أصحاب ابن

стр. 365

النجارى كثيرًا، وخرّج لجماعة من الشيوخ، ورحل إلى مصر سنة إحدى وسبعين (١) وسبعمائة وسمع بها من جماعة، وخرّج لناظر الجيش جزءًا. وصادف ولاية ابن وهيب (٢) قضاء طرابلس عند موت ابن السبكي فولى وظائفه بعناية ناظر الجيش وهي تدريس [الأكزية] (٣) ومشيخة الأسدية (٤) وغيرهما، ودرّس وأفتى، واستمر على الاشتغال بالحديث يُسمع ويفيد الطلبة القادمين وينوّه بهم. مع صحة الفهم وجودة الذهن. قال ابن حجى: "وفى آخر أمره صار يسلك مسلك الاجتهاد ويصرّح بتخطئة الكبار"، واتفق وصول أحمد الظاهرى من بلاد الشرق فلازمه فمال إليه، فلما كانت كائنة بيدمر مع ابن الحمصي أمر بالقبض على أحمد الظاهرى ومن يُنسب إليه، فاتفق أنه وجد مع اثنين من طلبة الياسوفى فسئلا فذكرا أنهما من طلبة الياسوفى فقبض على الياسوفى وسجن بالقلعة أحد عشر شهرًا إلى أن مات في ثالث عشر شوال (٥). ٩ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن السلجماسي (٦)، أبو زيد، المعروف بالحفيد، ابن رشد (٧) المالكي، كان بارعًا في مذهبه وروى عن أبي البركات البلقيعي (٨) والعفيف المطرى والشيخ خليل، وتقدّم في الفقه على مذهبه، وولى قضاء حلب ثم غزة ثم سكن بيت المقدس. قرأتُ بخط القاضي علاء الدين في تاريخ حلب: "كان فاضلا يستحضر، لكن كلامه كان أكثر من علمه حتى كان يزعم أن ابن الحاجب لا يعرف مذهب مالك، وأما من تأخَّر

стр. 366

من أهل العلم فإنه كان لا يرفع بهم (١) رأسا إلا ابن عبد السلام وابن دقيق العيد". وكان كثير الصخب في بحثه. ووقع بينه وبين شهاب الدين بن أبي الرضى - قاضي حلب الشافعي - منافرة. فكان كل منهما يقع في حق الآخر، وأكثر الحلبيين مع ابن الرضا لكثرة وقوع الحفيد في الأعراض، وسافر في تجارةٍ من حلب إلى بغداد ثم حج وعاد إلى القاهرة، ومات عن ثلاث وستين (٢) سنة معزولًا عن القضاء، ولم يكن محمودًا. ١٠ - عبد الواحد (٣) بن عمر بن عياد المالكي، تاج الدين بن الجزار (٤)، برع في الفقه وشارك في غيره. ١١ - على بن الحسين (٥) بن علي بن أبي بكر عز الدين الموصلي نزيل دمشق، كان معتنيا بالآداب، قدم دمشق قديما وراسل الصلاح الصفدى ونظم على طريقة ابن نباتة وعنى بالفنون، وكان ماهرًا في النظم قاصرا في النثر، نظم "البديعية" واخترع التورية في كل بيت باسم ذلك النوع، وشرح هذه "البديعية" شرحا حسنا، وكان يشهد تحت الساعات وله ديوان شعر، وشعره سائر. ورثاه علاء الدين بن أيبك بقوله: وقالوا علاءُ الدين وافى لقبره … فهل هو فيه طيب أو معذَّبُ؟ فقلت لهم: قد كان منه نباته … وكل مكان ينبت العزَّ طيبُ ١٢ - على بن عمر بن عبد الرحيم بن بدر الجزرى الأصل، الصالحي، أبو الحسن النسّاج، وُلد سنة بضع وسبعمائة (٦) وسمع الكثير من التقى سليمان من ذلك "الطبقات" لمسلم، ومن أبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم وابن سعد وغيرهما وحدّث. وكان يقال له "أبو الهول" وهو بها أشهر من اسمه. عاش نحوا من تسعين سنة ومات

стр. 367

في ربيع الأول، وكان سمحًا بالتحديث ثم لحقه في أواخر عمره طرف صمم فكان لا يسمع إلا مشقة: وقد حدّث بالكثير. سمع منه التسكرى وسبط ابن العجمي وابن حجّى وآخرون. ١٣ - على بن عنان البزاز الرئيس، تقدّم عند الأشرف ورأس بين التجار وجمع مالًا كثيرًا، فلما وقعت كائنة الأشرف خاف على نفسه ودفن ماله وأظهر التقلّل والفقر ثم مرض فجأة فجاءَه الخرس قبل أن يدلّ أولاده على مواضع ماله ومات على ذلك، فحفروا غالب الأماكن فلم يظفروا بشيء. ١٤ - على بن محمد البعلى، مات في جمادى الآخرة. ١٥ - عائشة بنت الخطيب عبد الرحيم (١) بن بدر الدين بن جماعة أخت قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة؛ سمعَت من الوانى وغيره وحدّثت. ١٦ - كبيش بن عجلان، قتل في الوقعة التي تقدّم ذكرها في الحوادث. ١٧ - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن علي شمس الدين، أبو المجد الحسني نقيب الأشراف بحلب: وذكره طاهر بن حبيب في ذيل تاريخ أبيه وأثنى عليه بالفضل الوافر وحسن المجالسة وطيب المحاضرة ومات في الطاعون الكائن بحلب سنة تسع وثمانين وسبعمائة. واتفق أنه قبض روحه وهو يقرأُ يس؛ وهو أخو شيخنا بالإجازة عز الدين أبي جعفر أحمد النقيب. ١٨ - محمد بن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر بن هبة الله النصيبي شمس الدين. أحد علماء الحلبيين. أثنى عليه القاضي علاء الدين في الذيل، قال: "كان حسن الخط. كثير التلاوة وكتب الإنشاء في حلب" ومات في هذه السنة بالوباء الكائن بها. ١٩ - محمد (٢) بن المحب عبد الله بن أحمد بن المحب عبد الله الصالحي، أبو بكر بن المحبّ المقدسى الحنبلي المعروف بالصامت، الحافظ شمس الدين. وُلد سنة [٧١٣] (٣) وأحضر

стр. 368

على التقى سليمان وأُسمع الكثير من بعده وطلب بنفسه فأكثر وكتب الأجزاء والطباق، وكان إليه المنتهى في معرفة العالى والنازل، وقد جمع مجاميع ورتب أحاديث "المسند" على الحروف، ونسخ "تهذيب الكمال"، وكتب عليه حواشى مفيدة وبيّض من مصنفات ابن تيمية كثيرًا وكان متعصبا (١) له محبا فيمن يحبه، وكان له حظ من قيام الليل والتعبّد، دقيق الخط. جدا مع كبره، وصنَّف في الضعفاء كتابا سمَّاه "التذكرة" عُدم في الفتنة اللنكية، وحدّث بالكثير وتخرج به الدماشقة وكان كثير الانجماع والسكون فقيل له الصامت لذلك، [وكان] كثير التقشف جدا بحيث يلبس الثوب أو العمامة فتتقطع قبل أن يبدلها أو يغسلها، وربما مشى إلى البيت بقبقاب عتيق، وإذا بَعُد عليه المكان أمسكه بيده ومشي حافيا. وكان يمشى إلى الحلق التي تحت القلعة فيتفرج على أصحابها مع العامة، ولم يتزوج قط، وكانت إقامته بالضيائية فلما مات باع ابن أخيه كتبه بأبخس ثمن، وكان كثير الإسراف (٢) على نفسه فبذَّر الثمن في ذلك بسرعة. مات الشيخ في خامس ذي القعدة. ٢٠ - محمد (٣) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل بن فتح الدين بن الشيخ بهاء الدين مات في صفر وكان موقعا في الإنشاء وكان لطيف الخلق. ٢١ - محمد بن عبد الله القرشي شمس الدين قاضى العسكر، كان وجيها عند الملك الظاهر مقبول الشفاعة، وكان يرتشى الكثير على قضاء الأشغال ويخدم السلطان بذلك، مات (٤) وله ست وأربعون سنة، وكان عربا عن العلم، وهو الذي قرب الشيخ علاء الدين السيرامي للظاهر وكذلك غيره من العجم. ٢٢ - محمد بن علي بن عمر بن خالد بن الخشاب المصرى، سمع "الصحيح" من وزيرة والحجار وحدّث به، وولى نيابة الحسبة، وأضرّ قبل موته. مات في شعبان (٥). ٢٣ - محمد (٦) بن علي بن محمد بن محمد بن هاشم بن عبد الواحد بن أبى المكارم

стр. 369

ابن حامد بن عشائر (١) الحلبي.، الحافظ. ناصر الدين. سمع الحي. ودمشق والقاهرة، وكان خطيب بلده فقدم القاهرة بسبب وظائف نوزع فيها ففاجأته الوفاة الآخر ويقال إنه مات مسمومًا. وكان بارعا في الفقه والحديث والأدب، حسن الخط جيّد الضبط، جمع مجاميع جيّده وحدّث وناظر وألَّف ولم يكمل الخمسين فإنه ولد سنة ٧٤٢، وأخذ بدمشق عن ابن رافع وفى العربية عن العنَّابي. وكتب بخطه وقرأ بنفسه وأسمع ولده ولى الدين الكثير، وشرع في "تاريخ حلب" يذيّل به على "تاريخ ابن العديم" جَمَعَهُ مسودّة وذكر ذلك ابن حجى فظفر بها بعده القاضي علاءُ الدين فبيّضها ونقل منها (٢) كثيرًا وأضاف ما تجدد وكمل في أربعة أسفار مرتبة على الحروف يذكر فيها من مات من أهل حلب أو دخلها أو دخل شيئًا من معاملاتها على قاعدةٍ أصيلة فأفاد وأجاد. قال ابن حجى: "وكان رأس بلده وصار يذكر لقضائها وله ثروة وملك كبير ومشاركة جيدة في الفقه والعربية، وخطه حسن جدا متقن، وكان حسن المذاكرة ومات غريبا بالقاهرة". ٢٤ - محمد بن قطب البكرى المصرى، عنى بالفقه ونفع الناس. مات في شوال. ٢٥ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر الدمراجي الهندي، محب الدين الحنفى، قدم مكة قديما (٣) من العزِّ بن جماعة وهو بارع، وكان يقيم في كل يومٍ ختمةً ويقرأُ كل يوم بختمة، وكان يكتب العلم لكنه كان شديد العصبية يقع في الشافعي ويرى في ذلك عبادة؛ نقلت ذلك من خط. الشيخ تقي الدين المقريزى، ومات وقد قارب المائة. ٢٦ - محمد بن محمد بن محمد النسفي، أمين الدين الخلوتي (٤)؛ كان مشهورًا بالصلاح

стр. 370

وتربية المريدين. عظَّمه السلطان ورتب له الرواتب وولَّاه نظر المرستان الكبير، وكان حسن السمت مهيبا متنسكا. مات في رمضان (١). ٢٧ - محمد بن الملك الكامل محمد بن الملك السعيد عبد الملك بن الصالح إسماعيل بن العادل بن أيوب بن صالح الدين الدمشقى، كان أحد الأُمراء بدمشق مولده سنة عشر تقريبا، أجاز له الدشتي والقاضى وغيرهما وحدَّث. مات في رمضان. ٢٨ - محمد بن الوحيد شمس الدين الدمشقى قدم القاهرة للسعى في بعض الوظائف بها وولى نظر المواريث والأوقاف وشهادة الجيش. ومات في الأول. ٢٩ - مجمود بن موسى بن أحمد الأذرعى التاجر. أجاز له التقى سليمان وغيره وحدَّث. ٣٠ - منسا بن موسى بن ماري بن حاطة بن منسّا نقا بن منسا موسى ملك التكرور، وليها بعد أبيه سنة خمس وسبعين وكان عادلًا عاقلًا ومات في هذه السنة. ٣١ - موسى بن علي بن عبد الصمد (٢) المراكشي نزيل مكة، كان خيّرًا صالحًا مشاركا في الفقه، وكان للناس فيه اعتقادٌ زائد بحيث أنه لما مات حمل عنان أمير مكة جنازته، وهو والد صاحبنا الحافظ جمال الدين بن موسى. ٣٢ - يوسف بن موسى الجنابي (٣)، له كرامات. مات في ذي القعدة. ٣٣ - يوسف بن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب (٤) الأسدى، جمال الدين بن الشيخ شمس الدين بن قاضي شهبة، ولد في رمضان سنة عشرين (٥) وسبعمائة، واشتغل على والده وغيره ومهر، وكان والده يرجحه على أقرانه وولى قضاء الزبداني ثم الكرك ثم نزل له أبوه عن وظائفه فباشرها في حياته ثم ولى تدريس العصرونية (٦) وأفتى وشغل الناس بالجامع. وكان ساكنا منجمعا ديّنا خيرًا حسن الشكل. مات في شوال.

стр. 371

سنة تسعين وسبعمائة فيها أصاب الحاجَ في رجوعهم - في ليلة التاسع من المحرم - عند نعرة حامد سيل عظيم فمات عدد كبير عرف (١) منهم سبعة وثلاثون نفسًا، وأما من لم يُعرف (٢) فكثير جدا، وتلف للناس من الأمتعة شيءٌ كثير جدا. وفيها في صفر أمر السلطان بعرْض أجناد الحلقة وكتب إلى جميع البلاد بذلك فقاسوا من ذلك شدَّة، ثم استعان الأُمراءُ ليلة المولد النبوى بالشيخ سراج الدين البلقيني والشيخ برهان الدين بن رفاعة (٣) - وكان السلطان يعتقده - فشفعا فيهم وأعانهما الأمراء: فأمر [السلطان (٤)] بترك العرض. وفيها كانت الوقعة بين العسكر المجهز من القاهرة مع عساكر دمشق وجلب، وفيهم ألطنبغا المعلم وقزدمر (٥) وسودون باق وآخرون، فنازلوا سيواس فاستعان عليهم صاحبها بالتتار (٦) المقيمين ببلاد الروم فافترفوا فرقتين: فرقة تقاتل التركمان وفرقة تقاتل التتار إلى أن كسروا الطائفتين وحاصروا سيواس، وطال عليهم الأمر إلى أن جرح كثير من خيولهم، وقلَّت (٧) الأقوات لديهم فأمدّهم السلطان بالمال الكثير والجند والخيول والأمتعة، وجهّز لهم ذلك صحبة مَلَكْتَمِر الدويدار، وأذن لهم في ترك حصار سيواس والرجوع إلى ملطية فلما أرادوا الرجوع كبسهم التتار من خلفهم فأَنجدهم يلبغا الناصري نائب حلب ومعه (٨) نحو ألف نفس فكسرهم وهم نحو عشرة آلاف وقيل بل أكثر.

стр. 372

وكان السبب في ذلك أن الناصرى لما وصل إلى سيواس راسله القاضي برهان الدين صاحبها يطلب الأمان، واقترح أن الناصري يرحل بالعساكر إلى الجانب الآخر ليخرج إليه ويسلِّمه منطاش، فخشي الناصرى من المكيدة فاحترز ورحل ونزل قريبا، فاستمر أكثر العسكر راجعًا إلى حلب. فلما تحقق برهان الدين ذلك ركب في عسكره ومعه منطاش ومن انضوى إليه، فحملوا على الناصري فثبت لهم وحمل عليهم بمن معه فهربوا (١) وطلبوا المدينة، واستمر في حصارها إلى أن أذن له في الرجوع إلى حلب، فقتل من التتار خلق وأُسر نحو الألف، وغنموا كثيرًا من خيولهم ورجعوا إلى حلب، وقُتل إبراهيم بن شهرى نائب دُورِكي (٢) على سيواس، ثم توجّه العسكر إلى حلب ثم إلى القاهرة فدخلوها في ثالث شعبان. وكان (٣) توجههم من حلب في ربيع الآخر وكبيرهم يونس الدويدار، وكان خروج المدد لهم مع تلكتمر في جمادى الآخرة. * * * وفيها أراد ألطنبغا الجوباني نائب الشام المخامرة، ففطن به بعض الأمراء فكاتب (٤) السلطان بأنه ضرب طرنطاى حاجب الحجاب واستكثر من استخدام المماليك ونحو ذلك، فأذن له بالقبض عليه فأحسّ ألطنبغا بذلك فركب جريدة إلى القاهرة مظهرًا للطاعة، متنصّلا مما نُقل عنه، فتلقاه فارس الجوكندار إلى سرياقوس فسار به إلى الإسكندرية فسجنه بها في شوال. واستقر طرنطاى نائبَ دمشق وحُمل إليه التقليد مع سودون الطرنطائي الذي (٥) ولى نيابة الشام بعد ذلك، وأمر طرنطاى بقبض الأُمراء البطالين ببلاد الشام وبالقبض على كثير ممَّن يظن به المخامرة، فقبض على عدد كبير، وقبض على ألطنبغا المعلم أمير سلاح وقزدمر رأس

стр. 373

نوبة وسُجنا بالإسكندرية أيضا، وقُبض على كمشبغا الحموى نائب طرابلس في شوال بأمْر السلطان أيضا، واستقر (١) أسندمر حاجبُها نائبًا بها. * * * وفي المحرّم سُمّر على بن نجم أمير العرب في عشرين نفسًا من أكابر قومه لقتلهم محمدا وعمرا ابنى شادِّ واليهم. * * * وفيه قدمت رسل أبي يزيد (٢) بن عثمان ملك الروم بهدية منه إلى الظاهر فقبلت هديته ورُدَّت أجوبته (٣). * * * وفيه (٤) كان الغلاءُ ببلاد الشام حتى بيعت الغرارة بإثنى عشر دينارًا وأكثر، وعزّ الماء في القدس جدا. * * * وفيها استقرّ جمال الدين محمود - شادُّ الدواوين - أُستادارًا كبيرًا بعد موت بهادر المنجكى وأُضيف إليه أمر الوزير وناظر الخاص وأن إلا يخالفاه فيما يراه مصلحة. وكان (٥) تقريره في الأستادارية في ثالث جمادى الآخرة، وفى وظيفة المشورة في الخامس منه. واستقر ناصر الدين بن الحسام الصفرى (٦) شادَّ الدواوين عوضا عن محمود المذكور. * * * وفيها (٧) رجع تمرلنك إلى الدشت فبلغ ذلك قرا محمد التركماني فنازل تبريز فغلب عليها،

стр. 374

وخطب (١) فيها باسم السلطان وكتب (٢) اسمه على السكة، وأرسل الدراهم إليه بذلك، ففرح السلطان بذلك وكتب له أجوبته بالشكر. * * * وفى رجب وقع الخُلف بين برهان الدين أحمد صاحب سيواس ومنطاش: فأراد البرهان القبض عليه ففرّ منه. * * * وفيها (٣) كانت الوقعة بين عنان بن مغامس وعلى بن عجلان، فأنكسر عنان وتوجّه إلى القاهرة فيصل في شعبان (٤). * * * وفى (٥) شهر ربيع الأول وقع الطاعون بمصر وتزايد إلى أن بلغ في جمادى الآخرة ثلاثمائة نفس في اليوم: وبيعت البطيخة الصيفى بخمسين، وكان معظم الموت في المماليك الذين في الطباق. * * * وفيه هبّت ريح عظيمة وتراب شديد إلى أن كاد يُعْمِي المارة في الطرقات وكان ذلك صبيحة المولد (٦) الذي يعمله الشيخ إسماعيل بن يوسف الإنبانى (٧) فيجتمع فيه من الخلق من

стр. 375

من لا يحصى عددهم بحيث أنه وجد في صبيحته مائة وخمسون جرّة من جرار الخمر فارغات، [هذا] إلى ما كان في تلك الليلة من الفساد من الزنا واللواط والتجاهر بذلك، فأمر الشيخ إسماعيل بإبطال المولد بعد ذلك فيما يقال. ومات (١) في سلخ شعبان. * * * وفى (٢) رمضان عزل علم الدين الوزير من الوزارة واستقر ابن الغنام. * * * وفى (٣) شهر صفر ابتدأ الظاهر بشرب التمر واستمر ذلك كل يوم أربعاء. * * * وفيها استولى الفرنج على جزيرة جربة، انتزعوها من المسلمين. وفيها عمل إبراهيم بن الجمال المغنِّى المشهور وأخوه خليل المشبّبُ السماعَ على العادة في المولد لبعض المصريين بمكان بالقرب من رحبة الخروب، فسقط البيت الذي هم فيه فمات المغنِّى والمشبّب وجماعة تحت الردم وتهشَّم من عاش منهم حتى إن بعض معارفنا استمر أحدبَ إلى أن مات، وكان إلى وَلدَىْ ابن الجمال المنتهى في صناعتهما. * * * وفى ربيع الأول استقر فخر الدين بن مكانس في نظر الدولة عوضا عن أمين الدين عبد الله بن ريشة. * * * وفيها استقر سريّ الدين بن المسلاتي - وهو سبط. الشيخ تقي الدين السبكي - في قضاء الشافعية عوضا عن برهان الدين بن جماعة، وحُمل إليه التقليد إلى دمشق في أواخر شعبان، وأُعيد تقى الدين الكفرى إلى قضاء الحنفية عوضا عن نجم الدين بن الكشك. * * *

стр. 376

وفى تاسع عشر رمضان غضب (١) السلطان على سعد الدين بن البقرى (٢) ناظر الديوان المفرد وصادره على خمسة آلاف دينار. وقُبض على سعد الدين بن قارورة مستوفى الدولة وصودر على ألف دينار أو أكثر، وقُبض على الوزير علم الدين كاتب سيدى في شهر رمضان وقُرّر عليه عشرة آلاف دينار فمات بعد ذلك في أواخر ذى الحجة وقرر في الوزارة عوضه كريم الدين بن الغنام. * * * وفى عاشر شوال استقر شمس الدين بن أخي الجار في مشيخة سعيد السعداء عوضا عن شهاب الدين الأنصاري. * * * وفى (٣) رجب قدم بعض التجار بجماعةٍ من أقارب السلطان الجراكسة فخرج عليهم طائفة من الفرنج الجنوية فأَسروهم، فبلغ الظاهر الخبرُ فأمر بالقبض على من بالإسكندرية من الجنوية وختم على حواصلهم في أواخر شعبان فبلغهم الخبر، فأطلقوا من بأيديهم منهم، فقدم الإسكندرية خواجا على - أخو الخواجا عثمان - بجميع من أسره الفرنج من أقارب السلطان، ففكَّ الختم عن حواصل الفرنج وذلك في أواخر ذى الحجة. * * * وفيها في ربيع الأول رَتّب نجم الطنبدى لدى المحتسب من فقراء الفقهاء من يعلم أصحاب الدكاكين من العامة الفاتحة وفرائض الصلاة: ونهى قراء المواعيد والوعاظ عن التهنيك، وأمرهم أن يبدلوه بالصلاة والسلام على النبي ﷺ . * * * وفيها غضب السلطان على بهادر مقدم المماليك بسبب أنه وجد سكرانا في بيتٍ على البحر فضربه وأمر بنفيه إلى صفد وقرّر عوضه في التقدمة صندلًا الأسود الملقَّب بشنكل (٤). * * *

стр. 377

وفيها (١) بلغ السلطانَ أن كريم الدين بن مكانس وأبا البركات بن الرويهب صهرَه نصبا خيمةً على شاطئ النيل وأحضرا من يغنِّى وعملا مقامًا حافلًا فأمر بالقبض عليهما وضَرْبِهما بالمقارع ومصادرتهما، فأخذ خط. ابن مكانس بمائة ألفٍ وابن الرويهب بخمسين ألفًا. * * * وفيها (٢) - في رجب - ضُرب أمين الدين السمسطائي - أمين الحكم - بين يدى السلطان نحو مائتي عصاة لأنه رفع عليه أن تحت يده وديعةً لإسماعيل بن مازن أمير العرب بالصعيد، وهي وديعةُ ذهب وأنه لم يُطلع عليها السلطان، فحصل بسبب ذلك للقاضي بدر الدين بن أبي البقاء إهانة، وعُزل عن قريب. * * * وفيها (٣) نازل الفرنج طرابلس الشام فدافعهم (٤) المسلمون فكسروهم وأخذوا منهم ثلاث مراكب. * * * وفيها (٥) حجّ جركس الخليلي وعمل في الحجاز خيرًا كبيرا. * * * وفى (٦) أواخرها خامر يلبغا الناصري نائب حلب. وفيها (٧) كان الرخص الزائد حتّى بيع الإردب القمح بثمانية دراهم. * * * وفى ربيع الأول تزايد الموت بالأمراض الحادة والطاعون حتى بيعت البطيخة من

стр. 378

الصيفي بخمسين درهما قيمتها يومئذٍ ديناران. وكان أكثر الموت في المماليك السلطانية حتى زاد كل يوم على عشرين نفسًا منهم، فندب القاضي برهان الدين بن الميلق جماعةً لقراءة البخارى بالجامع الأزهر ودعوا (١) الله عقب كل ختمة برفع الوباء، ثم اجتمعوا يوم الجمعة بالجامع الحاكمي ففعلوا مثل ذلك، ثم اجتمعوا أكثر الأول فاستغاثوا بالجامع الأزهر، وكان وقتا عظيما. فارتفع الوباءُ في ثامن جمادى الآخرة بعد أن بلغ في كل يوم ثلاثمائة نفس. * * * وفيها استقر أيدكار حاجبًا كبيرًا بعد أن شعرت الوظيفة أربع سنين منذ مات قطلوبغا الكوكائي. * * * وفى ثالث (٢) عشر مسرى أوفى النيل بمصر وذلك في أول يوم من شعبان. * * * وفى ذى الحجة استقر محمد بن عيسى أمير عرب العائد في كشف الشرقية عوضا عن قطلوبغا التركماني. وفيها وقع الخلف بين قرا محمد التركماني وبين صوفي حسن بن حسين بك وثارت الفتنة بينهما. وفى ذى الحجة استقر شمس الدين محمد بن أحمد بن مهاجر في قضاء الشافعية بحلب عوضا عن مسعود، واستقر محب الدين بن الشحنة في قضاء الحنفية بها. * * *

стр. 379

ذكر من مات في سنة تسعين وسبعمائة من الأعيان: ١ - إبراهيم (١) بن عبد الرحيم بن محمد بن إبراهيم بن سعد الدين (٢) بن جماعة الكنانيّ الحموي الأصل ثم المقدسي، قاضى الديار المصرية ثم الديار الشامية، برهان الدين بن جماعة الشافعي أبو إسحق. كان مولده سنة خمسٍ وعشرين، وسمع الكثير بالقاهرة ودمشق وأخذ عن جدِّه وطبقته، وحضر عند الذهبي ولازمه وأثنى الذهبي على فضائله وناب في الحكم، ثم ولى خطابة القدس. ثم خطب إلى قضاء الديار المصرية فوليه مرتين بصرامةٍ وشهامة وقوة نفس وكثرة بذل، وعَزَل نفسه مرارًا ثم يُسؤل ويُعاد حتى هَمَّ السلطان في بعض المرات أن ينزل إليه بنفسه ليترضَّاه. وكان حسن الإلقاء لدرسه. محبًّا في الحديث وأهله، كثير الإنصاف والاعتراف، قويا في أمر الله. ثم ولى قضاء الشام سنة خمس وثمانين عقب ولى الدين بن أبي البقاء إلى أن مات؛ وكان قوالًا بالحق معظَّما لحرمات الشرع مهابًا محبا في السُّنة وأهلها، لم يأْت بعده له نظيرٌ ولا قريب من طريقته. مات في شعبان وخلَّف من الكتب النفسية ما يعزّ اجتماع مثله لأنه كان مغرمًا بها، فكان الكتاب التي إليها المنتهى في الحسن ثم يقع له ذلك الكتاب بخط مصنِّفه فيشتريه ولا يترك الأُولى، إلى أن اقتنى بخطوط المصنفين ما لا يعبر عنه كثرة، ثم صار أكثرها إلى جمال الدين محمود الأستادار فوقفها بمدرسته بالموازنين. وانتفع بها الطلبة إلى هذا الوقت. وكان محبا للآداب مصغيا للأمداح كثير البذل للشعراء: مدحه البدر البشتكي بغرر القصائد، فأخبرني شمس الدين الفيومى الكتبي قال: "سمعت البرهان يقول: ما قارب أحد من أهل العصر ابن نباتة إلَّا هذا الرجل"، ومع ذلك فكان ينظم نظما عجيبا. فقرأت بخط من أثق به أنه نقل من خطه ذمّ مصر لما وقع بها الغلاءُ سنة ست وسبعين: وماذا بمصر من المؤلمات … فذو اللب لا يرتضى سَكَنْ فتُرْك وجود وفرط غلا … وهمُّ وغمّ والسراج يدخِّن (٣)

стр. 380

فيا ربّ لطفًا منك في أمرنا … فالقلب يدعو واللسان يؤمن ٢ - إبراهيم بن محمد بن شهرى التركماني صاحب دِوِرْكي (١)، قُتل في هذه السنة في وقعة سيواس. ٣ - إبراهيم (٢) بن محمد بن عبد الرحيم بن إبراهيم بن يحيى بن أبى المجد اللخمي، جمال الدين الأميوطى ثم المكى، ولد سنة خمس عشرة وسبعمائة، وتفقه (٣) على المجد الزنكلوني والتاج التبريزى والكمال النسائي، ولازم الشيخ جمال الدين الإسنوى، وصحب شهاب الدين بن الميلق وأخذ عنه في الأصول والتصوّف، وسمع "صحيح البخاري" من الحجار، وسمع "صحيح مسلم" من الوانى وحدّث عنهما وعن الدبوسى ونحوه بالكثير، وسمع بدمشق من الذهبي والمزى وجماعة، واشتغل في الفقه والعربية والأُصول ومهر في الفنون وناب في الحكم، ثم جاور بمكة مدة طويلة من (٤) سنة سبعين وتصدّى بها (٥) للتدريس والتحديث، وكان حسن الخط. فصيح اللسان، وكان شرع في الجمع بين "الشرح الكبير" و "الروضة" و "المهمات" فبيّض من ذلك نصف الكتاب في تسع مجلدات؛ وله شرح "بانت سعاد"، ومات بمكة في ثالث (٦). شهر رجب وله خمس وسبعون سنة. ذكر لي بعض من أثق به أنني سمعت (٧) عليه ولم أتحقق إلى (٨) الآن ذلك. ٤ - أحمد بن عمر اليمني، شهاب الدين الحنفى، عنى بالنحو والفقه والقراءات والفرائض، وأقام ببلاده. مات بزبيد (٩). ٥ - أحمد بن محمد بن عمر، شهاب الدين بن الشيخ شمس الدين بن قاضي شهبة. وُلد سنة سبعٍ وثلاثين وسبعمائة واشتغل على أبيه حتى أذن له ومهر في الفرائض وصنَّف ودرس

стр. 381

وأفاد وجلس مكان أبيه بالجامع وكان كثير الإحسان المطلبة ولا يخلو بستانه يوم السبت والثلاثاء من جماعة منهم فيطعمهم، ولم يكن من يشابهه في ذلك إلَّا النجم ابن الجابي. مات في ذي القعدة. ٦ - أحمد بن محمد بن غازي بن جانم التركماني، شهاب الدين المعروف بابن الحجازي، ولد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وحضر على أبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم وغيره، وأجاز له ابن المهتار وست الوزراء وغيرهما، وهو جدّ أبيه لأبيه. وطلب بنفسه بعد الثلاثين فسمع من جماعةٍ وأجاز له جماعة، وكان فاضلًا مشاركا. أقرأ الناس القراءات. مات في رجب. ٧ - أحمد بن مطيع الأنصاري، كان يقرأُ المواعيد بالجامع الأزهر، ويصحب ناصر الدين بن الميلق. مات في تاسع جمادى الأُولى. ٨ - إسماعيل بن علي المشرف (١)، عماد الدين، أحد الرؤساء بالقاهرة وكان من أتباع جركس الخليلي. ٩ - إسماعيل بن يوسف بن محمد الإنبابي، كان أبوه صاحب الزاوية بإنبابة على طريقة السطوحية، فنشأ ولده على طريقة حسنة، واشتغل بالعلم ثم انقطع (٢) بزاويته ثم صار يُعمل عنده المولد كما يعمل بطنتدا (٣)، ويحصل من المفاسد والقبائح ما لا يعبّر عنه. مات في شعبان. ١٠ - أشقتمر [المارديني (٤)] ولى نيابة حلب سبع (٥) مرات ونيابة الشام ثلاث مرات، وهو صاحب المدرسة بحلب داخل باب النيرب، وكان موصوفا بالمعرفة.

стр. 382

١١ - أبو بكر بن محمد بن قاسم السنجارى الغافقي (١) الحنبلي، شجاع الدين نزيل بغداد، روي "جامع المسانيد" و "مسند الشافعي" و "رموز الكنوز" للرسعني في التفسير، و"التوابين" لابن قدامة. وحدّث. مات عن ثمانين سنة. [و] سمع منه نصر الله بن أحمد التسترى وولده محب الدين. ١٢ - بهادر بن عبد الله الرومى المنجكي، أحد الأمراء (٢) الكبار بالقاهرة. وكان ظالما جائرًا كبير الحرمة مسموع (٣) الكلمة مع كثرة صدقاته للفقراء وخصوصا للغرباء. ١٣ - جلبان الحاجب. الأمير سيف الدين، وكان متدينا عارفًا. ١٤ - سُبرُج بن عبد الله الكمشبغاوى، أحد الأُمراء الأربعين (٤) بالقاهرة، وكان نائب القلعة: وكمشبغا (٥) الذي نسب إليه كان خازندار صرغتمش. وسُبْرُج: بضم السين والراء المهملتين بينهما موحدة ساكنة وآخره جيم. ١٥ - سلمان بن فيروز بن عبد الله القرافي، علم الدين، وكان أعجوبة دهره في شجي الصوت عند الإنشاد. وكان صديق أبى ولا ينشد غالبًا إلَّا من شعره وكان أبي ينظم له في وقائع الأحوال وحصل عنده ديوانٌ من نظمه. أخبرني ولده أبو الخير أنه عاش ثلاثا وستين سنة. ١٦ - عبد الله بن فضل الله، أمين الدين بن ريشة، ناظر الدولة. مات في جمادى الأولى. ١٧ - عبد الله بن محمد بن حسن بن مسافر الحرّاني ثم الدمشقي، محتسب دمشق ومباشر الأوقاف بها، جمال الدين. مات في ذي القعدة. ١٨ - عبد الله بن محمد بن محمد بن سلمان، النيسابورى الأصل، ثم المكي المعروف بالنشاورى، ولد سنة خمس وسبعمائة وقيل قبل ذلك وسمع من الرضا الطبرى، وأجاز له أخوه الصفى وحدّث بالكثير.

стр. 383

سمعتُ عليه "صحيح البخاري" بمكة. وتفرّد عن الرضى بسماع "الثقفيات" وغيرها، وقد حضر إلى القاهرة في أواخر عمره وحدّث. ثم رجع إلى مكة، وتغير قليلا. مات بها (١) في ذي الحجة. ١٩ - عبد المحسن بن عبد الدائم بن عبد المحسن بن يحيى الدواليبي البغدادي الحنبلي، وُلد سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وروى عن جده عفيف الدين بن عبد المحسن بن محمد وغيره، وكان واعظًا يكنى أبا المحاسن. ٢٠ - عبد الواحد بن عبد الله المغربي المعروف بابن اللوز، كان فاضلًا ماهرًا في الطب والهيئة وغير ذلك. مات في شوال. ٢١ - عبد (٢) الوهاب بن عبد الله القبطى المعروف بكاتب سيدى، وَلِيَ الوزارة بعد كاتب أولان ثم عُزِل بعد قليل، وكان مستضعفا. ٢٢ - العلاء بن أحمد بن محمد بن أحمد السيرامى - بمهملة مكسورة بعدها تحتانية ساكنة - علاء الدين؛ كان من كبار العلماء في المعقولات. قدم من البلاد الشرقية بعد (٣) أن درس في تلك البلاد ثم قدم فأقام في ماردين مدّة ثم فارقها لزيارة القدس فلازمه أهل حلب للإفادة، وبلغ خبرُه الملك الظاهر فاستدعى به وقرره شيخا ومدرسا بمدرسته التي أنشأها بين القصرين وأفاد الناس في علوم عديدة، وكان إليه المنتهى في علم المعاني والبيان، وكان متودّدا إلى الناس محسنًا إلى الطلبة، قائما في مصالحهم لا يطوى بِشْرَهُ عن أحدٍ مع الدين المتين والعبادة الدائمة. مات في ثالث جمادى الأولى وكانت جنازته حافلة وقد جاوز السبعين. ٢٣ - علي بن عبد الله المؤذن، رئيس المؤذنين علاءُ الدين، يُعرف بابن الشاطر. مات في ربيع الأول.

стр. 384

٢٤ - على بن محمد بن عبد الرحمن المصرى نزيل حلب المعروف بابن العُبْي (١) - بضم المهملة وسكون الموحدة بعدها تحتانية ثم ياء النسب - نشأ بالقاهرة وحصل على الوظائف وتعانى الآداب وقال الشعر الحسن ولقي الصلاح الصفدى بدمشق وغيره، وسمع من ابن المرحّل وغيرِه، وولى بها توقيع الدست، وكان جاور بعد ذلك بالمدينة الشريفة. قال البرهان المحدّث: "كان عارفًا بفنون (٢) الشعر ونظم النظم حسنا". قلتُ: وأَنشد له: حلاوية ألفاظها سكريّة … قلتني، وقوت نار قلبي بالعجب يسير دمعي في حلاوي (٣) مشبك … ومن أجل ست الحسن زاد بي السكب مات في غرة المحرّم (٤). ٢٥ - عمر بن عبد الله الإسناوى، سراج الدين: لقبه قنور، وفيه يقول بدر الدين بن الناصح بلّيقة أولها: قنور عمره فار السنداس كله أنجاس ٢٦ - عمر بن منهال الدمشقي كاتب السرّ بدمشق، وليها قليلًا وكان حسن المحاضرة وكان موقع القبلية مدّة، وحصل أموالًا، وكان وهابا نهابا وتسحّب لما عجز عن الوفاء بما وعد به على كتابة السر فولى غيره، واستمر غائبًا مدة ثم ظهر واستمر خاملا إلى أن مات في رمضان. ٢٧ - محمد بن إبراهيم بن يعقوب، شمس الدين، شيخ الوضوء. كان يقرئ بالسبع ويشارك في الفضائل، وقيل له "شيخ الوضوء" لأنه كان يطوف على المطاهر فيعلم العامة الوضوء، وكان يعاب (٥) بالنظر في كلام ابن العربي ومات في سابع عشرى شعبان، وبخط ابن حجى: "مات في جمادى الآخرة" جاوز السبعين، قال ابن حجي: "قدم من صفد قديما (٦) "،

стр. 385

وسمع على السيارجي أحد أصحاب الفخر وتفقه بوالدى وغيره. وأذن له ابن الخطيب بيبرود (١) في الإفتاء، وكان التاج السبكي يثنى عليه، وسلك مع ذلك طريق التصوف، وكانت بيده إمامة الطواويس، وله فيها وقتٌ للذكر، وله راتب على الجامع، ثم دخل القاهرة واجتمع بالسلطان ورتَّب له راتبا على المرستان المنصوري، وذكر أنه طالع "النهاية" مرة، وكان حسن الفهم جيّد المناظرة" قال: "وكان يعتقد ابن العربي، وأقام بالقاهرة تسع سنين". ٢٨ - محمد بن أحمد بن عبد الرحمن المنبجي، شمس الدين الأسمري، خطيب المزة، سمع الكثير على التقى سليمان ووزيرة وابن مكتوم وغيرهم وتفرد بأشياء وأكثروا عنه. مات في ذي القعدة عن ست وثمانين سنة، وهو آخر من حدث عن ابن مكتوم "بالموطأ"، وعن وزيرة "بمسند الشافعي"، وولى بآخره قضاء الزبداني. ٢٩ - محمد بن أحمد بن علي بن الفاضح، بدر الدين، نشأ في طلب الكتابة فكتب الخط. المنسوب وشارك في الفضائل والآداب، ونظم الشعر وخدم ابن فضل الله، وكان لطيف الذات حسن الشكل، وسمعتُ من نظمه ونوادره. مات في جمادى وله نحو الثلاثين سنة. ٣٠ - محمد بن إسماعيل الإربلى، بدر الدين بن الكحال، عنى بالفقه والأُصول وكان جيّد الفهم فقيرًا ذا عيال وهو مع ذلك راضٍ قانع، جاوز الأربعين. ٣١ - محمد بن عبد اللطيف بن محمود بن أحمد الريغي، أبو اليمن، عز الدين بن الكويك، أصله من تكريت ثم سكن سلفه الإسكندرية وكانوا تجارا، وسمع هذا بالإسكندرية من العتبى ووجيهة بنت الصفدى وبدر الدين بن جماعة وعن ابن قريش وابن حيان وغيرهم، وكان رئيسًا مسموع الكلمة. مات في جمادى الأُولى عن خمس وسبعين سنة، فإنه ولد في شعبان سنة خمس عشرة وسبعمائة. ٣٢ - محمد بن علي بن أبي زيا (٢) المصرى، سمع من السديد الإربلي وغيره وحدّث، مات في ربيع الآخر. سمع منه أصحابنا.

стр. 386

٣٣ - محمد بن فرج المعروف بالجمال بن تقَلْحَلَد (١)، كان من غلمان أحمد بن عجلان كثير التردّد في الرسلية، وكان ممن قام في الفتن والحروب التي بين عنان وبين عجلان حتى قُتل كبيش، ولما تسلطن على بن عجلان استنابه فقام بتدبير أمر مكة مدةً ومات في حادى عشر المحرم. ٣٤ - محمد بن قطلوبغا الفخرى المعروف ببيليك (٢). ٣٥ - محمد بن محمد بن عبد الله المالكي فتح الدين بن شاش، كان أبوه ينوب في الحكم وكان متشدّدا في الوثائق فنشأ ولده مشتغلا بصناعة الإنشاء واتصل في الخدم إلى أن اتصل بيونس الدويدار فوقع عنده، وتولّى توقيع الإنشاء وتوقيع الدست ونيابة كتابة السر بعد موت أوحد الدين فلم يتفق ذلك، وركب ليلبس وأحضر تشريفة فاستأذن يونس الدويدار السلطان على ذلك، فأمره بصرفه واستدعى في المركب التالي ابن فضل الله. ومات في شعبان. ٣٦ - محمد بن محمد الرجبي، نجم الدين. أحد أعيان التجار بدمشق. ٣٧ - محمود بن علي بن رستم الخراساني ثم الدمشقى، نجم الدين، قرأ على ابن اللبان، وتصدّر للإقراء بالجامع الأُموى مدة ومات في ربيع الآخر. ٣٨ - منسابغا بن مارى حناطة التكرورى ملك التكرور، ملكها سنة تسع وثمانين وقتل سنة تسعين هذه السنة. ٣٩ - مطهر بن عبد الله الهروى الزيدي الصنعاني الشاعر. مدح ملوكها وغيرهم. ٤٠ - نافع بن عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز القيسي، معين الدين الشاهد المالكي، كان مشهورًا بالاحتراز في الشهادات فكان يُقصد لذلك. مات في ثالث عشر شعبان. ٤١ - يلبغا المحمدى أمير جندار. عمر طويلا وأقام في هذه الوظيفة عشرين سنة. ٤٢ - يوسف بن أحمد بن إبراهيم، جمال الدين، سمع الجزري وابن أبي اليسر والذهبي وغيرهم. مات في ذى الحجة عن ثلاثٍ وسبعين سنة. ٤٣ - تقى الدين بن الفحام نقيب الحكم. مات في المحرم فجأة.

стр. 387

٤٤ - شرف الدين النويرى شاهد ديوان يونس ونائب الحسبة في القاهرة. ٤٥ - أُم الخير بنت القاضي موفق الدين عبد الله الحنبلي: آخر من مات من أولاده. ٤٦ - أُم عمر التي بنت أزدمر، حضرت على الحجار وسمعت من البندنيجي بعناية عم أبيها (١) صلاح الدين العلائي. ماتت في ذى الحجة عن سبع وسبعين سنة. وفيها (٢) مات من الأُمراء أيضا: سيف الدين جلبان الحاجب وكان متديّنا عارفًا، وسبرج الكمشبغاوى نائب القلعة، ومحمد بن قطلوبغا الفخرى المعروف ببيليك.

стр. 388

سنة إحدى وتسعين وسبعمائة في المحرم حضر رسل على باى (١) بن قرمان صاحب قونية وغيرها من بلاد الروم ومعهم هدية، فقبلت وأكرموا. وفى عاشوراء أمطرت السماءُ على الحجّاج مطرًا عظيما واشتد بهم البرد جدًّا في حال رجوعهم. * * * وفى تاسع عشر المحرّم حضر رسل صاحب جنوة ومعهم خواجا على أخو عثمان الذي كان الفرنج نهبوا مركبه وأسروا منه أُخت قجماس بنتَ السلطان، فأعادوا المركب بما فيه، وقدَّموا هديةً فقُبلت منهم. * * * وفيها (٢) انكسر منطاش من التركمان وبقى في نفرٍ يسير وذلك أن ناصر الدين خليل بن ذلغادر ونائب سيس جمع التركمان الذين في طاعة السلطان وأوقع بمنطاش فانهزم فاتفق مع الناصري بحلب، وكان الناصرى قد وقع الخلف بينه وبين سودون المظفري أحد الأُمراء الكبار بحلب وكان قبله نائبًا بحلب، فتكاتبا إلى السلطان وحطَّ كلٌّ منهما على الآخر، فأرسل السلطان إلى الناصرى هديةً جليلةً وكتابا يأْمره فيه بالحضور، فقبل الهدية وماطل في الحضور وتعلَّل بالخوف من منطاش والتركمان، فأرسل السلطان إلى ملكتمر المحمّدى أن يُصلح بين يلبغا الناصري وسودون المظفرى بحضرة الأمراء والقضاة. وكتب السلطان إلى سودون في الباطن أن يقبض على يلبغا ويفتك به، وكان مملوك الناصري بالقاهرة وأخّر الظاهرُ أجوبته ليسبقه ملكتمر، فقرّ حتى دخل حلب قبل وصول ملكتمر، وأعلم الناصريَّ بصورة الحال فاحترز، ويقال إن ملكتمر كان صهر حسن رأس نوبة يلبغا الناصري، فاطلع على القضية من هذه الجهة.

стр. 389

فلما وصل ملكتمر إلى حلب تلقاه الناصري وقبل الكتب التي معه، فامتثل ما فيها وجمع القضاة والأمراء في دار العدل ليقرأ عليهم مرسوم السلطان. فلما حضر سودون المظفرى لذلك لبس قازان أمير آخور الناصري قماش سودون فأحسّ أنه لابسٌ آلة الحرب، فأنكر عليه وقال: "من يطلب الصلح يدخل في آلة الحرب؟ " فشتمه سودون، فسلّ قازان سيفه وضرب به سودون في المجلس وقتله، ولم يكن الناصريُّ حاضرا بل وقع ذلك قبل أن يخرج من مكانه إلى القاعة التي اجتمعوا فيها، وهي القاعة الحمراء. فتناوش مماليكه ومماليك الناصري وقامت الفتنة، فقتل من مماليك سودون أربعة، وأمسك الحاجبَ الكبيرَ بحلب وركب بمن معه إلى القلعة، فعصُوا عليه قليلا ثم سلَّمها له نائبها، وانهال الناس عليه بالدخول معه والمخامرة على السلطان. ورجع ملكتمر من حلب فأخبر السلطان بما اتفق، فأرسل إلى إينال اليوسفى - وهو يومئذٍ أتابك دمشق - أن يتوجّه إلى نيابة حلب وأن يمسك الناصرى. وتجهَّز السلطان بالعساكر لقصد حلب واهتم لذلك، فلما بلغ من بطرابلس من الأُمراء - الذين نفاهم السلطان - تحالفوا ووثبوا على باب أسندمر نائب طرابلس فأمسكوه، وقتلوا جماعةً من الأُمراء وأرسلوا إلى الناصرى يعلمونه باتفاقهم على طاعته. وكان ممَّن قام في ذلك من المشهورين كمشبغا الخاصكي الأشرفي وبُزْلار العمرى ودمرداش اليوسفى، وممن قُتل خليل بن سنجر وولده، ثم دخل كمشبغا المنجكي نائب بعلبك في طاعة الناصري، ثم خرج ثلاثة عشر أميرا من دمشق على حمية طالبين حلب فأوقع بهم النائب فانهزموا (١) بعد أن جرح (٢) منهم عدة، واستمروا ذاهبين إلى حلب. ثم اتفق من بحماة من المماليك على قتل النائب بها فبلغه ذلك فهرب، فقام بيرم الغزِّى الحاجب واستولى هو ومن معه على القلعة، فتوجَّه (٣) منطاش وكان قد حضر عند الناصري إلى حلب فسار إلى حماة فتسلمها وأرسلوا إلى الناصري بالطاعة. ثم توجه سنقر نائب سيس إلى طاعة الناصرى، فعارضه خليل بن ذلغادر التركماني فقبض عليه وأرسل سيفه إلى السلطان، ثم دخل سولى بن ذلغادر أمير التركمان ونعير أمير العرب في طاعة الناصري فأقام سناجق خليفية ودعا إلى نصر الخليفة.

стр. 390

ولما تواترت هذه الأخبار إلى السلطان حبس الخليفة في البرج وضيَّق عليه ثم أفرج عنه في اليوم الثاني من ربيع الأول واعتذر إليه ووعده بمواعيد جميلة لما بلغه أن الناصرى ينقم عليه حبْس الخليفة، ثم أرسل إليه دراهم وثيابا، وضيَّق على ذرية الناصر بالحوش وأنفق النفقات الكبيرة، حتى حمل إلى كل واحد من الأمراء الكبار مائة ألف درهم فضة قيمتها يومئذ أكثر من أربعة آلاف دينار؛ وأحواله مع ذلك مضطربة وتغيرت النيات عليه. وشرع في إبطال السلف على البرسيم والشعير، وكان الناس يقاسون من ذلك شدَّة عظيمة. وأمر بإبطال مكس القصب والقلقاس وقياس ذلك، ثم أُعيد بعد قليل. وعزل [السلطان] موفق الدين ناظر الخاص من نظر الجيش وولَّاه لجمال الدين المحتسب في ربيع الآخر. واستقر شرف الدين الأشقر في قضاء العسكر عوضا عن جمال الدين فلم تطل مدته بل مات في ربيع الآخر كما سيأتي، فاستقر ابن خلدون عوضه في مشيخة البيبرسية، واستقر سراجُ الدين محتسب مصر في قضاء العسكر عوضا عنه أيضا، واستقر في الحسبة همام الدين، واستقر شمس الدين البلالي في مشيخة سعيد السعداء عوضًا (١) عن ابن أخى الجار. ثم توجه الجاليش السلطاني صحبة أيتمش وجركس الخليلي ويونس الدوادار وغيرهم، فوصلوا إلى غزة فأمسكوا نائبها آقبغا الصفوى وحبسوه بالكرك، واستقر حسين بن باكيش في نيابة غزة ثم توجهوا إلى دمشق فتلقاهم نائبها فأرسلوا جماعةً من العلماء إلى الناصر في الصلح فتوجهوا إليه فأكرمهم، وسار من حلب إلى دمشق بمن معه من العساكر، فالتقاهم في تاسع عشر ربيع الآخر على خان لاجين، فانكسر الناصريُّ مرتين، فخامر أحمدُ بن يلبغا وأيدكار الحاجب وجماعةٌ معهما وقاتلوا رِفقتَهم إلى أن كسروهم، وقتل جركس الخليليّ في المعركة، وفريونس فقتل بعد ذلك بالجربة، قتله عنقا بن شطى من آل فضل. ووقع في العسكر المصرى النهب الشديد والقتل الذريع، وملك الناصريُّ دمشق، وحبَس أيتمش بالقلعة واحتاط على موجوده، وراسل حسينُ بن باكيش الناصري بالطاعة، وعمَّى
следующие страницы →