← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بعساكر التركمان بقصد ماردين، فاستنجد صاحب ماردين بصاحب الحصن فأَنجده بأَخيه الصالح المخلوع وأَمره أَن يشير على صاحب ماردين بالمداراة مع قرا محمد جهد الطاقة، فبلغه ذالك فامتنع وأَعاد (١) مَن فضل من العساكر فأَوقع بهم قرا محمد، فهزمهم أَمير العسكر من قبل صاحب ماردين واسمه فياض. ثم وقع الصلح على أَن (٢) يزوج أُخت صاحب ماردين وهُودن مع ذلك بمال جزيل ورحل عنهم. * * * ذكر من مات في سنة ست وثمانين وسبعمائة: ١ - إبراهيم بن سرايا الكفرماوى الدمشقى الشافعي المعروف بالحارمي، عرف بذلك لكونه ولى قضاءَها. اشتغل كثيرًا وناب في الحكم عن أَبي البقاءِ. قال ابن حجى: "كانت عنده فضيلة ويستحضر "الحاوى الصغير"، وناب في عدة بلاد" مات في ذي القعدة. ٢ - إبراهيم بن عيسى الحلبي أحد فقهاءِ الشافعية، كان معيدًا بالباذرائية (٣) وبذلك اشتهر. قال ابن حجّى: "كان على سمت السلف، سليم الفطرة وخطه ضعيف، لكنه نسخ (٤) كثيرا ووقف كتبه، ومات في رمضان بطرابلس". ٣ - أحمد (٥) بن محمد بن محمد القيسي ناظر المواريث وغيرها (٦). مات في رجب. ٤ - أحمد بن محمد المدني، شهاب الدين، طلب الحديث وحصل الأَجزاء وكتب الطباق واستقر أَحد أَئمة القصر بالقلعة. ٥ - إِسماعيل (٧) بن محمد بن قيس بن نصر بن بردس بن رسلان البعلبكي المحدّث

стр. 317

الفاضل، ولد سنة عشرين وسمع من القطب اليونيني وطائفة. وعنى بالحديث ورحل في طلبه إِلى دمشق فأَخذ عن مشايخها وقرأَ بنفسه وكتب الكثير، ونظم "النهاية لابن الأَثير في غريب الحديث"، ونظم "طبقات الحفاظ" للذهبي، وخرّج وأَلقى المواعيد وحدّث وتخرّج به جماعة، ومات في العشر الأَخير من شوال. ٦ - بهادر بن عبد الله الجمالي المعروف بالمشرف (١). كان للناصر الكبير فتنقلت به الأَحوال إِلى أَن أُمِّر طبلخاناة في سلطنة حسن، ثم تقدّم في سلطنة الأَشرف واستقر أَمير الحاج من سنة ثمان وسبعين إِلى هذه الغاية (٢)، وصارت له معرفة قوية بالطرقات وأَهلها. ٧ - حسن بن محمد بن عبد القادر بن الحافظ أبي الحسين على بن محمد اليونيني، سمع وحدّث ومات في ربيع الأَول ببلده (٣). ٨ - رضوان بن عبد الله الرومى شيخ الرباط بالمدرسة الركنية بيبرس، مات في ذي الحجة واستقرّ ولده عليّ في المشيخة بعناية السلطان، فراجعه شيخُ الخانقاه شرفُ الدين بن الأَشقر بأَنه صغير لا يصلح، فأَمر بعرضه عليه فلما رآه أَعرض عنه فقُرِّر صوفيا واستقر غيره في مشيخة الرباط. ٩ - سليمان بن خالد بن نعيم بن مقدّم (٤) بن محمد بن حسن بن تمام بن محمد الطائي، أبو الربيع، علم الدين البساطي المالكي. كان في ابتداءِ أَمره عريفًا بمكتب للسبيل وموقعا لجنتمر حمص أَخضر بحدرة البقر، ثم ولى نيابة الحكم بجامع الصالح ثم اشتغل بالقضاءِ. وكان يدّعى أنه يجتمع بالخضر وله في ذلك أَخبار كثيرة يُسْتَنْكر بعضها. وكان أَصله من شبرا (٥) بسيون من الغربية، ونزل عمه عثمان بساط وأَخوه خالد في كفالته فوُلد له سليمان بها، ثم قدم القاهرة واشتغل وتمهّر وناب عن الإخنائي، ثم سعى على بدر الدين بجاه قرطاي بعد قتل الأَشرف حتى استقلّ بالقضاءِ في ذى القعدة سنة ثمان وسبعين.

стр. 318

وكان متقشفا مطرح التكلّف فاستمر على ذلك، وكان طعامه مبذولًا لكل من دخل عليه، وصُرِف بعد ثمانين يومًا بالبدر الإِخنائى، ثم أُعيد في رجب سنة تسع وسبعين واشتدّ في أَمره وعاند ابنَ جماعة والأَكملَ فتمالَآ عليه حتى صُرف في جمادى الأُولى سنة ثلاثٍ فلزم داره حتى مات في سادس عشر صفر. ١٠ - شيخ علي شاه زاد بن أويس بن حسن بن حسين بن آقبغا، كان من جملة الأُمراءِ، فلما قَتل أحمدُ بن أَويس أَخاه حسينا في سنة أَربع وثمانين قبض على أُمراءِ الدولة فقتلهم وأقام أَولادهم في وظائفهم، فنفرت منه (١) قلوب الرعية وتمالأُوا عليه وأقاموا أخاه هذا سلطانًا وتوجهوا به من بغداد إِلى تبريز فالتقاهم بمن معه ومعه قرا محمد بن بيرم خجا صاحب الموصل وهو صهره - وكانت بنته تحت أحمد - فالتقى بمقدّمة القوم فراسله خضر شاه بن سليمان شاه الانبلاتي (٢) وكان أَجلّ أُمراءِ بغداد، فانهزم خضر شاه وأُصيب شاه زاد بسهم، فحُمل إِلى أخيه وبه رمق فمات. ١١ - طشتمر بن عبد الله الدوادار (٣)، مات بالقدس بطالًا. ١٢ - طقج (٤) المحمدى أحد الأُمراء المقدمين بالقاهرة ثم نقل إِلى دمشق فمات بها. ١٣ - عبد الله بن الحاجب بيبرس، تقدّم بالقاهرة في دولة أَينبك، وكان خيّرا متواضعا، وكان ولى كشف الجسور فأَنكر عليه السلطان أَمرًا، فكتب إِليه كتابا يتهدّده فيه، فخاف وغلب عليه الخوف فمرض ومات في جمادى الأُولى. ١٤ - عبد الرحمن بن محمد بن يوسف الحلبي الأَصل، تقى الدين بن محب الدين ناظرُ الجيش وُلد سنة ست وعشرين وسبعمائة، واشتغل بالعلم ثم باشر كتابة الدست في حياة أبيه وتقدّم في معرفة الفنّ، وصنف فيه تصنيفًا لطيفًا عليه اعتماد الموقعين إِلى هذه الغاية. وكانت له عناية بالعلم، وسمع "الشفاء" على الدلاصي وغيره، ثم ولى نظر الجيش استقلالًا بعد أبيه ومات في حادى عشر جمادى الأُولى.

стр. 319

١٥ - عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحيم بن الترجمان، عماد الدين الحلبي، سمع حضورًا على العزِّ إِبراهيم بن صالح في الثانية من أول عشرة الحداد إِلى ترجمة أبي المكارم سنة ٣١٤ (١)، وسمع - وهو كبير - عل غيره، وكان ذا ثروة (٢) وبنى مكتبا للأَيتام (٣)، ووقف عليه وقفا. سمع منه الشيخ برهان الدين المحدّث، ومات يوم عيد الفطر سنة ست وثمانين وسبعمائة. ١٦ - عبد الواحد بن إِسماعيل بن يس بن أبي حفص (٤) الإِفريقي ثم المصرى، أوحد الدين، سبط القاضي كمال الدين بن التركماني. استغل على مذهب الحنفية قليلا وباشر توقيع الحكم ثم اتصل ببرقوق أول ما تأَمّر، والسبب في معرفته أن شخصا يقال له يونس كان أمير طبلخاناه في حياة الأَشرف مات وكان أَوحد الدين شاهد ديوانه، فادّعى برقوق أنه ابن عمه عصبية، فساعده أَوحد الدين على ذلك إِلى أن ثبت له ذلك بالطريق الشرعي. فلما قبض برقوق الميراث ممَّن وضع يده عليه - وهو أحمد بن آل ملك مولى يونس الميت المذكور - أَعطى أَوحد الدين منها ثلاثة آلاف درهم - وهى إِذ ذاك مائة وخمسون مثقالًا ذهبا - فامتنع من أَخْذها واعتذر بأَنه ما ساعده إِلَّا لله تعالى: فحسن اعتقاد برقوق فيه. فلما صار (٥) أَمير طبلخاناه استخدمه شاهد ديوانه، ثم لما تأَمّر جعله موقِّعا عنده فاستمرّ في خدمته وبالغ في نصحه، واستقر موقع الدست مع ذلك إِلى أَن تسلطن فصيّره كاتب سرّه، وعزل بدر الدين بن فضل الله فباشرها أوحد الدين مباشرة حسنة مع حسن الخلق وكثرة السكون وجمال الهيئة وحسن الصورة والمعرفة التامة بالأُمور. وبلغ من الحرمة ونفاذ الكلمة أمرًا عجيبا، لكن لم تطل مدّته بل تعلَّل وضعف. ثم اشتدّ به الأَمر حتى ذهبت منه شهوة الطعام، وابتلى بالقئ وصار لا يستقرّ في بطنه شيء إِلى أن مات في ذي الحجة ولم يكمل الأَربعين. ١٧ - على بن أحمد الطيبرسي. كان أَستادار (٦) خوند أُم الأَشرف، وسئل في الإِمرة مرارًا فامتنع. مات في شوال.

стр. 320

١٨ - الشيخ علي العريان، أَحد مَن كان يُعتقد ويزوره الأُمراء وللعوام فيه اعتقاد كبير، وكان يركب الخيول، وله طريقة. مات في شوال. ١٩ - قرابغا العلائي نسبةً إِلى الأَمير على المردانى. وَلى حجوبية دمشق مدةً ونيابةَ الرحبة، وحجّ بالناس سنة سبعين. مات بدمشق في شعبان. ٢٠ - كافور بن عبد الله الهندي الطواشي، عمّر طويلا (١) حتى زاد على الثمانين. ٢١ - محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن قاسم بن عبد الرحمن بن القاسم بن عبد الله النويري، نسبة إِلى النويرة من عمل القاهرة، [ثم (٢)] المكي، القاضي كمال الدين أبو الفضل. كان ينسب إِلى عقيل بن أبي طالب، وسمع من عيسى الحجّى وجدّه لأُمه القاضي نجم الدين الطبرى والزين بن علي وغيرهم. ورحل إِلى دمشق فسمع من المزى والجزرى وغيرهم. وبرع في الفقه وغيره، وساد أهل زمانه ببلده، وولى قضاءَ (٣) مكة ثلاثا وعشرين سنة إِلى أن مات في شهر رجب وله أربع وستون سنة. وحدّث بالكثير ودرّس وأفاد وأَفتى، وكان مشهورًا بالعلم والذكاءِ، سمعتُ (٤) خطبه وكلامه، وكان مولده في شعبان سنة اثنتين وعشرين، وتفقه بالتقى السبكي والتاج المراكشي ووليّ الدين الملوى وابن النقيب. وأخذ عن الجمال بن هشام في العربية، وشارك في المعارف. وناب عن الشهاب الطبرى في الحكم بمكة، ثم ولى الحكم بعد التقى الحرازي في سنة ثلاث وستين مع الخطابة ونظر الحرم، ومات وهو متوجه إِلى الطائف في ثالث عشر رجب فحُمل إِلى مكة فدُفن بها، وكان فصيح العبارة لسنًا جيّد الخطبة متواضعا محبًّا للفقراءِ. قال ابن حجى: "كان يستحضر فقها كثيرا، وبلغني أَنه كان يستحضر شرح مسلم للنووى" قال: وخلَّف تركة وافرة وكان ينسب إِلى الكرم".

стр. 321

٢٢ - محمد بن عبد الله بن أحمد الهكارى ثم الصلتي، شمس الدين، ولى قضاءَ حمص أَخيرًا، وكان اشتغل على أَبيه بالصلت، وكان مدرّسًا ثم درّس بعد أبيه ثم قدم دمشق فسمع بها، وكان لا يملّ من الاشتغال بالعلم وتعليق الفوائد، وتنقَّل في قضاءِ البر، ولخص "ميدان الفرسان" في قدر نصفه (١). ٢٣ - محمد بن علي بن الحسن بن عبد الله أمين (٢) الدين الأَنَفى - بفتحات - المالكي، وُلد سنة ٧١٣ وعنى بالحديث، وظهر له سماع من الحجار فحدّث به، وسمع من البندنيجي وأَسماء بنت صصرى وغيرهما وطلبه بنفسه، وكتب الكثير. وسمع العالى والنازل، وأَخذ عن البرزالي والذهبي، ونسخ كثيرًا من مصنفاته وغيرها. وولى قضاءَ حلب يسيرًا، وكان يُفتى على مذهب مالك، وناب في الحكم عن السلامي خمس سنين، وولى مشيخة الحديث بالناصرية ومشيخة الخانقاه النجمية، ثم ولى قضاءَ حلب في شوال سنة سبع وخمسين فأَقام أربع سنين، ثم رجع إِلى دمشق فناب عن الفاروثى ثم ترك. قال ابن حجّى: "كان حسن العشرة يقصده الناس لحسن محادثته ويطلبه الرؤساء كذلك ويحرصون على مجالسته لفكاهة فيه" مات في شوال عن ثمانين سنة. وقال الذهبي في المعجم المختص: "كان يحفظ كثيرًا من الفوائد الحديثية والأَدبية". ٢٤ - محمد بن علي بن منصور بن ناصر الدمشقي الحنفى، وُلد سنة سبع وسبعمائة أو قبلها، وأَخذ عن أَبيه (٣) والبرهان بن عبد الحق والنجم القحفازي وابن القويرة ورضيّ الدين المنطقى وجلال الدين الرازي وعلاءَ الدين القونوى، وسمع من الحجار والبندنيجي وغيرهما، وحدّث ودرّس في أَماكن، وولى قضاءَ مصر في رمضان سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، ودرّس بالصرغتمشية وغيرها إِلى أن مات في ربيع (٤) الأَول، وكان بارعًا في الفقه صلبًا في الحكم متواضعًا ليّن الجانب.

стр. 322

٢٥ - محمد (١) بن محمد بن محمود بن أحمد الرومى البابرتى: أكمل الدين بن شمس الدين بن جمال الدين، وُلد سنة بضع عشرة وسبعمائة، واشتغل بالعلم ورحل إلى حلب فأَنزله القاضي ناصر الدين بن العديم المدرسة السادجية فأَقام بها مدّة، ثم قدم القاهرة بعد سنة أَربعين فأَخذ عن الشيخ شمس الدين الأَصبهاني وأبي حيان، وسمع من ابن عبد الهادي والدّلاصي وغيرهما، وصحب شيخون واختص به وقرره شيخا (٢) بالخانقاه التي أَنشأَها وفوّض أُمورها إِليه فباشرها أحسن مباشرة. وكان قويّ النفس عظيم الهمة، مهابا عنيفا في المباشرة: عمّر أَوقافها (٣) وزاد معاليمها، وعُرض عليه القضاء مرارًا فامتنع. وكان حسن المعرفة بالفقه والعربية والأُصول، وصنف "شرح مشارق الأَنوار"، وشرح "اليزدري" و "الهداية" وعمل تفسيرًا (٤)، وشرح "مختصر ابن الحاجب" وشرح "المنار والتلخيص" وغير (٥) ذلك. وما علمْتُه حدّث بشيءٍ من مسموعاته، وكانت رسالته لا تردّ حسن البشر والقيام مع من يقصده والإِنصاف والتواضع والتلطُّف في المعاشرة والتنزّه عن الدخول في المناصب الكبار، بل كان أَصحاب المناصب على بابه قائمين بأَوامره مسرعين إِلى قضاءِ مأْربه. وكان الظاهر يبالغ في تعظيمه حتى إِنه إِذا اجتاز به لا يزال راكبًا واقفا على باب الخانقاه إِلى أَن يخرج فيركب معه ويتحدّث معه في الطريق، ولم يزل على ذلك إِلى أَن مات في ليلة الجمعة تاسع عشر شهر رمضان. وحضر السلطانُ فمَن دونه جنازته، وأَراد السلطان حمْلَ نَعْشه فمنعه الأُمراء راء وحملهُ أَيتمش وأحمد بن يلبغا وسودون النائب ونحوهم، وتقدّم في الصلاة عليه عزّ الدين الرازي ودفن بالخانقاه المذكورة.

стр. 323

٢٦ - محمد بن مكِّي العراقى، كان عارفا بالأُصول والعربية فقُتِل (١) على الرفض ومذهب النصيرية في جمادى الأُولى، وقد تقدّم ذكره في حوادث سنة إِحدى وثمانين والله أَعلم. ٢٧ - محمد (٢) بن يوسف بن علي بن عبد الكريم الكرماني، الشيخ شمس الدين، تنزيل بغداد. وُلد في سادس عشر جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة، واشتغل بالعلم وأخذ عن والده، ثم حَمل عن القاضي عضد الدين ولازمه (٣) اثنتى عشرة سنة وأَخذ عن غيره، ثم طاف البلاد ودخل مصر والشام والحجاز والعراق، ثم استوطن بغداد وتصدّى لنشر العلم بها ثلاثين سنة. وكان مقبلًا على شأْنه معرضًا عن أَبناءِ الدنيا. وقال ولده: "كان متواضعا بارًّا لأَهل العلم" وسقط من عُلَيّة فكان لا يمشى إلَّا على عصا منذ أن كان ابن أربع وثلاثين. قال ابن حجّى: "كان يتصدّى لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة، وصنَّف شرحا حافلًا على "المختصر" وشرحًا مشهورًا على "البخارى" وغير ذلك، وقد حجّ مرة وسمع بالحرمين ودمشق والقاهرة، وذكر أَنه سمع بجامع الأَزهر على ناصر الدين الفارق"، وذكر لي (٤) الشيخ زين الدين العراقى أنه اجتمع به في الحجاز، وكان شريف النفس قانعًا باليسير لا يتردّد إِلى أَبناءِ الدنيا، مقبلًا على شأْنه بارًّا لأَهل العلم. ورأَيت في الدعوات أَو بعدها من شرحه للبخارى أنه في شرحه وهو بالطائف - البلد المشهور بالحجاز - كأَنه لما كان مجاورًا بمكة كان يبيّض فيه وما أَكمله إِلَّا ببغداد. وذكر لي ولده الشيخ تقي الدين يحيى أنه سمع عليه جميع شرحه، ومات راجعًا من مكة في سادس عشر المحرّم بمنزلة تعرف بروض مهنا ونقل إِلى بغداد فدفن بها، وكان أَعدّ لنفسه قبرًا بجوار الشيخ أبي إسحق الشيرازي، وبنيت عليه قبة ومات عن سبعين سنة إِلَّا سنة، فإِنَّ مولده كان في جمادى الآخرة سنة سبع عشرة.

стр. 324

٢٨ - محمود (١) بن عبد الله الأَنطالى، باللام، شرف الدين الحنفى، قدم دمشق فأَقام بها إِلى أن ولى مشيخة السميساطية فباشرها مدّة ودرّس بالمعزية وتصدّر بالجامع، وكان من الصوفية البسطامية. مات في رمضان وولى بعده المشيخة القاضي برهانُ الدين بنُ جماعة. ٢٩ - مُقَيْقِيل بن فضل الله بن مهنا أَحد أُمراءِ العرب من آل فضل (٢). ٣٠ - موسى بن عبد الله تاج الدين بن كاتب السعدي، ولى نظر الخاص مرة أَيامًا يسيرة. ٣١ - يَلُّو الشركسي العلائي، نسبة إِلى علاءِ الدين طيبغا الطويل وكان من أَتباعه فلما مات تأَمّر عشرةً بمصر بواسطة قطلوبغا الكوكائي لأَنه كان أَخا أَبيه ثم ترقى إِلى أَن أُعْطِيَ تقدمة أَلف، ثم ولى الحجوبية بدمشق ثم ناب في الحكم في حماة، ثم ولى نيابة صفد في أَوائل هذه السنة فمات مها بعد ثلاثة أشهر في شهر رمضان. ٣٢ - يحيى بن الملك الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاون. ٣٣ - تاج الدين بن وزير بيته ناظر الإسكندرية. مات بها (٣) في ربيع الآخر. ٣٤ - تاج الدين الغزولي مستوفى الدولة. مات في ربيع الأَول. ٣٥ - هبة بنت أحمد بن محمد بن سالم بن صصرى. وُلدت سنة إِحدى عشرة أو اثنتي عشرة، وأُحضرت على ست الوزراءِ في الثالثة "صحيح البخارى" وحدّثت. ماتت في شهر رمضان. ٣٦ - محمد (٤) بن صديق شمس الدين التبريزى نزيل القاهرة المعروف بصائم الدهر، كان مشهورًا بالعبادة وهو الذي طمس وجوه السباع التي بالقناطر بين مصر والقاهرة وشوّهها وقلع عيونها، وكان صوفيا بخانقاه سعيد السعداءِ فلما مات وجدوا ما تناوله من الخانقاه مثل ما هو، فحسبوا مدّة إِقامته بها ومقدار معلومه فجاءَ سواءً بسواءٍ، فتسلَّم ذلك أَهل الوقف لأَنه مات عن غير ولد. مات في نصف رمضان. * * *

стр. 325

سنة سبع وثمانين وسبعمائة فيها وصل رسل الأَشكرى (١) صاحب اصطنبول ومعهم الهدايا يسأَل أَن يكون لهم قنصل بالإسكندرية كالبنادقة فأُجيبوا إِلى ذلك. وفيها نفى بلوط الصرغتمشى نائب الإسكندرية إِلى الكرك. وفيها أَمر السلطان أَن لا يدخل أَحد من الأُمراءِ القصر إِلَّا بمملوكٍ واحد، ويترك بقية الأَتباع خارج القصر، فامتثلوا ذلك. وفيها ظهرت عمارة المدرسة الظاهرة. * * * وفى صفر وصل رسل طقتمش خان ومعهم هدية جهّزها طقتمش (٢) خان مدبّر المملكة وفيها: "إِنا نحب أَن نكون إِخوة كما كان أَسلافنا مع أَسلافكم". * * * وفيها أُضيف نظر الخاص بدمشق إِلى وزيرها ابن بشارة. وفيها في شوال وصل مصر خجا التركماني - أخو بيرم خجا عم قرا محمد التركماني - طائعًا وكان له الحكم من ماردين إِلى الموصل، وسأَل السلطانَ أَن يكون من جهته وأَن ينضاف إِليه فأَجاب سؤاله؛ ثم وصل سولى بن ذلغادر التركماني إِلى حلب ثم رجع هاربًا. وفي ربيع الآخر استقر نعير بن حيار في إِمرة آل فضل عوضا عن عمه. وفيها اشترى الملك الظاهرُ منطاش بن عبد الله التركي من أولاد أُستاذه وأَعتقه، وهو أَخو تمرباي الحسنى (٣) فما كان بين ذلك وبين أَن خامر وأَثار تلك الفتن إِلا نحو سنتين.

стр. 326

وفيها أَنشأَ الأَميرُ أَلطنبغا الجوبانى أَغربةً وشوانى لغزو الفرنج في البحر الرومى واجتهد في عملها وإِصلاحها، وساروا إِلى دمياط فوجدوا بساحلها غرابا للجنوية فكبسوا عليه وأَسروا مَن فيه، وقُتل من الفرنج نحو العشرة وأُسر منهم فوق الثلاثين نفسا، فبذل ثلاثة منهم عن أَنفسهم ثلاثمائة أَلف درهم - قيمتها يومئذ خمسة عشر ألف دينار - ووصلت الأَغربة بالأَسارى إِلى بولاق في جمادى الآخرة فعُرضوا على السلطان في ثاني يوم وصولهم. * * * وفي جمادى الأُولى عُزل ابن خلدون عن قضاءِ المالكية وأُعيد [عبد الرحمن] بن خير فكانت (١) ولاية ابن خلدون دون السنة. وفى رجب كبس أَولاد الكنز أُسوان (٢) فقتلوا من وجدوه بها إِلّا القليل. فهرب واليها إِلى قوص فَأَمَّر السلطانُ حسيَن بنَ قرط على أُسوان فتوجّه إِليها. وفيها كان الطاعون بحلب فزادت عدة الموتى فيه على أَلف (٣) نفس في كل يوم. وفيها عُزل يلبغا الناصري من حلب وأُحْضِر إِلى القاهرة فتلقاه بهادر المنجكي إِلى بلبيس، فقيّده ووجَّهه إِلى الإِسكندرية فَسُجن بها، وتوجّه محمود - شاد الدواوين - إِلى حلب للاحتياط على موجود يلبغا المذكور واستقر سودون المظفري في نيابة حماة. وكان (٤) السبب في عزل يلبغا [الناصري] أَن سولى بن قراجا بن ذلغادر التركماني - وهو أخو خليل صاحب الوقائع المشهورة - حضر إِلى حلب طائعا صحبة بعض البريدية فأَنزله يلبغا عنده، وكاتب السلطانَ في أَمره فأَرسل يأْمر بإِمساكه وتجهيزه إِلى القاهرة مقيّدا، فقيّده وجُعل في القلعة. فحضر بريدى وعلى يده مطالعة إِلى نائب القلعة بإِطلاقه ولم يكن لذلك حقيقة، فاغتر نائب القلعة وأَطلقه، فاجتمع (٥) بيلبغا وكان ذلك بتدبيره فأَمره بالهرب ففرَّ ليلا. فأَصبح

стр. 327

فأَظهر إِنكار ذلك وخرج بالعسكر في طلبه، فساروا يومًا في غير الطريق التي توجّه فيها [سولى ابن قراجا] فلم يروا له أَثرًا، فبلغ ذلك السلطانَ فاتَّهمه به، وكان ما كان من عزله. وفى شعبان زلزلت مصر والقاهرة زلزلة لطيفة (١)، وذلك في ليلة الثالث عشر منه. * * * وفيه أُحْضِرت إِلى أحمد بن يلبغا صغيرة ميتة لها رأْسان وصدر واحد ويدان فقط، ومن تحت السّرّة صورة شخصين كاملين، كل شخص بفرج أُنثى ورجْلَين، فشاهدها الناس وأَمر بدفنها. وفي رمضان أُمر عبيد البرددار - مقدمُ الدولة - أَن يلبس بزيّ (٢) الترك ففعل، ثم أُذِن له بعد ذلك فرجع إِلى شكله الأَول في السنة التي تليها. وفيها أُمسك الجوباني ثم أُطلق في آخر السنة وأُعْطِى نيابة الكرك. وفيها ثارت فتنةٌ بين عَبيد صاحب مكة وبين التجار ونهبوا منهم شيئًا كثيرًا. وفيها استقر محبّ الدين بن الشحنة في قضاءِ حلب بعد موت جمال الدين إبراهيم بن العديم. وفيها وقع الغلاءُ بمصر إِلى أَن بلغ القمح خمسين درهما كل إِردب. وفيها أُمْسك الناصري وحُبس بالإسكندرية واستقر عوضه بحلب سودون المظفرّى، ثم في السنة المقبلة عصى منطاش عليه فعجز عنه سودون المظفرى فأَخرج برقوقُ الناصريَّ من الإسكندرية وأَعاده إِلى نيابة حلب، واستمر سودون المذكور مقيما بحلب: أميرًا كبيرًا. * * * وفيها أَوقع العادل صاحب الحصن بالتجيبيّة وكبيرهم عبد الله التجيبي، وأَعانه صاحب ميافارقين وعز الدين السليماني (٣) وصاحب أَرزن ولكنه لم يظهر ذلك وأَغار عبد الله المذكور على الطرقات ونهب القوافل، فقصده العادل فانهزم إِلى قلعته وانحصر بها مدّة.

стр. 328

ثم بنى العادل بمساعدة قرا محمد التركماني قلعة مقابل قلعة التجيبي، وهى ما بين دجلة ووسط الدرب، ويقال إِنها كانت قديمة البناءِ من عهد سليمان النبيّ ﵇، ثم خرّب قلعة تل ويقال لها "قاقان". * * * ذكر من مات في سنة سبع وثمانين وسبعمائة: ١ - إبراهيم بن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن هبة الله بن أبى (١) جرادة العقيلي الحلبي المعروف بابن العديم، كمال الدين بن ناصر الدين بن كمال الدين. سمع من الحجار وحدّث عنه؛ وكان هينا لينا ناظرًا إِلى مصالح أَصحابه، ناب عن والده (٢) مدة بحلب ثم استقل بعد وفاته. ومات (٣) عن نيف وسبعين سنة. ٢ - أحمد بن أبي بكر بن عبد الله الحضرمي (٤) الزبيدى مفتى أَهل اليمن في زمانه، انتهت إِليه الرئاسة في ذلك. مات في شهر رجب. ٣ - أحمد بن عبد الرحمن (٥) بن محمد المرداي (٦) بن عبد الله بن محمد بن محمود شهاب الدين الحنبلي نزيل حماة، ولد بمرد وقدم دمشق للفقه فبرع في الفنون وتميّز، ثم ولى قضاءَ حماة فباشرها مدّة ودرّس وأَفاد، ولازم علاء الدين بن المغلى وتميّز به. وله نظم. ٤ - أحمد بن عبد الهادي بن أبي العبّاس الشاطر الدمنهوري (٧)، شهاب الدين المعروف بابن الشيخ، وُلد سنة ثلاث وثلاثين، وتعانى الآداب فكان أَحدَ الأَذكياء، وكان أَديبًا فاضلًا أُعجوبة في حل المترجم. وهو القائل: نادى منادٍ (٨) لقرط … فطاب سمع البريَّة وشنَّف الأُذن منه … قرط أَتى للرعيَّه

стр. 329

وكان لا يسمع شعرًا ولا حكاية إِلّا ويخبر بعدد حروفها فلا يخطئ. جُرّب عليه ذلك مرارًا. مات في ذي القعدة. ٥ - أحمد بن عثمان بن عيسى بن حسن بن حسين بن عبد المحسن نجم الدين، الياسوفي (١) الأَصل الدمشقي المعروف بابن الجابي (٢). وُلد سنة ست وثلاثين، وبرع في الفقه والأُصول، وسمع من أصحاب الفخر بطلبه، وكان أبوه جابى أَوقاف الشامية فعُرف به. وكان اعتناؤه بالطلب بعد السبعين فقرأ بنفسه وكتب الطباق ونسخ كثيرًا من الكتب الحديثية وصار يفهم فيه، وأَخذ عن (٣) العماد الحسباني وغيره. قال ابن حجّى: "كان سريع الإِدراك والفهم، حسن المناظرة، كثير الجرأَة والإِقدام في المحافل، وكان يجيد في بحثه ويخرج على من يباحثه، وكان مع ذلك منصفا سريع الانتقال، ودرّس بالدماغية وأَعاد بغيرها، وكان أَولًا فقيرًا ثم تموّل واتّسع وسافر إِلى مصر وحصلت له وجاهة، وصحب أَوحد الدين واختص به، ويقال إِنه سُمّ معه وتأَخَّر عمل السمّ فيه إِلى أَن مات بدمشق بعد (٤) عوده في جمادى الأُولى وقد جاوز الخمسين بدمشق". ٦ - أحمد بن محمد بن محبوب الدمشقى، تاج الدين، وُلد سنة خمس وسبعمائة، وكان عارفًا بالتاريخ فاضلًا مشاركا. مات بدمشق في ذى الحجة أو في المحرم (٥). وسيعاد. ٧ - أهيف بن عبد الله الطواشي المجاهدى والى زبيد، خَدَم المؤيّد ومَن بعده وعمّر دهرًا. ٨ - أبو بكر بن أحمد الجندي، سيف الدين بن ناظر الحرمين، كان شيخًا مباركا يُجتمع عنده للذكر وهو بزيّ الجند، وله إِقطاع وعنده كَيَس وتواضع ولينُ جانب وقضاءٌ لحاجةِ من يقصده، وله مكانة عند النائب وغيره، وكان شكلًا حسنًا طوالًا يلبس الصوف بزيّ الجند مع الاقتصاد (٦) والحشمة. مات في جمادى الآخرة.

стр. 330

٩ - أبو بكر بن علي بن أحمد بن محمد الخرّوبي (١)، زكى الدين التاجر المشهور، كان رئيسًا ضخما (٢). وُلد سنة خمس وعشرين تقريبا ونشأَ مع أبيه وكان منقطعا بزاويته بشاطئ النيل الغربي بالجيزة، فلما مات عمه بدر الدين ثم مات ولداه كان عصبهم فورث (٣) مالًا كثيرًا فتعانى الرياسة، وعظم قدره في الدولة وصار كبير التجار ورئيسهم وكثرت مكارمه، ولم يمش على طريقة التجار في التقتير بل كان جوادًا ممدحا؛ وله مجاورات بمكة. ورأَيْته يجوّد القرآن حفظا في سنة خمس وثمانين، وكان أبي قد أوصاه بي فنشأْت عنده مدّة إِلى أَن مات في [تاسع (٤) عشر] المحرّم وأنا مراهق. ويقال إِنه مات مسمومًا، وأَوصى بأَشياء كثيرة في وجوه البر والقربات منها للحرمين أَلفا مثقال ذهبا. ١٠ - أبو بكر (٥) بن عمر بن مظفر الحلبي، شرف الدين الوردي الأَصل، ابن الفاضل. مات عن سبعين سنة بحلب. ١١ - أبو بكر بن محمد بن أَبي بكر بن جَميع - بفتح الجيم - عماد الدين البالسي، سمع من أبي بكر بن عبد الدائم وغيره وحدّث. مات في شعبان. ١٢ - بيليك التركي، كان والى الأَشمونين. مات في ربيع الآخر. ١٣ - حسن بن محمد بن أبي الحسن بن الشيخ الفقيه أبي عبد الله اليونيني، شرف الدين البعلبكي، وُلد سنة ثلاثين وسبعمائة، وقرأَ وسمع الحديث ورحل فيه، وأَفتى ودرّس وأَفاد. مات في رمضان. ١٤ - شاه شجاع بن محمد بن مظفر اليزدى، كان جدّه مظفر صاحب درك يزد وكرمان في زمن بو سعيد بن خربندا، ثم كان ابنه محمد فقام مقامه، وأَمنت الطرقات في زمانه ولم يزل أمره يقوى حتى ملك كرمان عنوة وانتزعها من شيخ بن محمود شاه، ثم تزوّج محمد بن ظفر امرأةً من بنات الأَكابر بكرمان فقاموا بنصره، وفرّ شيخ إِلى شيراز فحاصره محمد

стр. 331

ابن مظفر بها إِلى أن ظفر به فقتله، واستقل بعد موته بوسعيد تملك العراق كله وأَظهر العدل. وكان له من الولد خمسة: شاه ولى، وشاه محمود، وشاه شجاع، وأحمد، وأبو يزيد (١)، فاتفقوا على والدهم فكحّلوه وسجنوه في قلعة سرية من عمل شيراز وذلك سنة ستين (٢) وسبعمائة. فتولى شاه شجاع: شيراز وكرمان ويزد، وتولى شاه محمود: أَصبهان وكردماستان. ومات شاه ولى واستمر أحمد وأبو يزيد في كنف شاه شجاع، ثم وقع الخلف بين شاه محمود وشاه شجاع فآل الأَمر إِلى انْتصار شاه شجاع ومات شاه محمود. ثم استولى شاه شجاع على أَذربيجان انتزعها من أويس، ثم قُتل شاه شجاع. قتله أَخوه لكونه قتل أَباه. ولما مات شاه شجاع استقر ولده زين العابدين، واستقر أبو يزيد بن محمد بن مظفر بعمّه أَتابكه، واستقر أبو يزيد بن محمد بن مظفر بأَحمد بن محمد في كرمان، وشاه يحيى بن شاه ولى في يزد، وشاه منصور أخوه بتستر. ثم إِنه غلب على شيراز وكحّل ابن عمه زين العابدين فخرج عليه اللنك فقبض عليه فقتله وقتل أقاربه. وكان شاه شجاع ملكا عادلًا عالما بفنون من العلم، محبا للعلماءِ والعلم، وكان (٣) يقرأُ "الكشاف" والأُصول بالعربية، وينظم الشعر بالعربي والفارسي، مع سعة العلم والحلم والأَفضال والكرم، وكتب (٤) الخط الفائق، وكان قد ابتلى بترك الشبع فكان لا يسير إلّا والمأكول على البغال صحبته فلا يزال يأْكل. ١٥ - عبد الله بن أحمد التونسي، كان يقول إِنه شريف، وله شعر حسن وأَناشيد لطيفة. مات في صعيد مصر من هذه السنة. ومن شعره مواليا: رِكبْت في جاريَه … لم ير فيها عين وصحبتى جاريَهْ … تِسْوى جمل من عين

стр. 332

إلى المرج جاريَهْ … وأَنا عليها عين من كاينَهْ جاريَهْ … أو من حسد أَو عين وله: عذار كظلّ الغصنَ في صفحة النهْر … ووجه يريك البدر منتصف الشهر قضى لفؤاد الصبّ ما قد قضَتْ به … عيون المها بين الرصافة والجسر ١٦ - عبد الله بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطبرى ثم المكي، عفيف الدين أبو محمد بن الزين أبي الطاهر بن الجمال بن المحب، ولد (١) في المحرم سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة بمكة، وسمع من والده (٢) وعيسى الحجى والأَمين الأَقشهرى والوادي آشي والزين (٣) بن علي والجمال المطري في آخرين. وأَجاز له الدبوسي والحجار وغيرهما، وطلب بنفسه وقرأَ على القطب بن مكرم والجمال محمد بن سالم وغيرهما؛ وسمع من شهاب الدين بن فضل الله من شعره، ودخل (٤) الهند وحدّث بها ودرّس في الفقه وخطب ثم رجع وولى قضاءَ بجيلة وما حولها مدة. ومات بالمدينة في جمادى من هذه السنة. ١٧ - عبد اللطيف بن عبد الله البصري الواعظ المعروف بابن الجعبري، كان يتردّد إِلى دمشق ويعظ. بالجامع فتزدحم عليه العامة ويتعصّبون له؛ وكان ظريفا مطبوعًا غريب الأسلوب في وعظه، وربما مشى بين الصفوف فيذهب ويجيء ويقعد في أَثناءِ ذلك. ومات في دمشق في جمادى الأُولى. ١٨ - عبد اللطيف (٥) بن محمد بن أبي البركات موسى بن أبي سعيد فضل الله بن أبي الخير، نجم الدين الشهبي (٦) الخراساني نزيل حلب وشيخ الشيوخ بها. مات وقد جاوز السبعين.

стр. 333

ذكره طاهر بن حبيب في ذيله وأَثنى عليه في طريقته بالرياضة. ١٩ - عثمان بن قارا بن مهنا بن عيسى أَمير آل فضل [بالشام والعراق (١)] كان شابا كريما شجاعا جميلا يحبّ اللهو والخلاعة. مات (٢) شابا. ٢٠ - على بن الجنيد الفيّومى الخادم بسعيد السعداءِ. مات في صفر. ٢١ - على بن أبى راجح محمد بن إِدريس العبدرى الشيبي شيخ الحجبة بمكة. مات في صفر. ٢٢ - على بن عمر بن مُعَيْبِد (٣) اليمنى وزير الملك الأَشرف بعد أَبيه. ٢٣ - فضل الله بن إِبراهيم بن عبد الله السامكارى. الفقيه الشافعي سعد الدين. قرأَ على القاضي عضد الدين وغيره وحدّث عنه بشرح "مختصر ابن الحاجب" و "بالمواقف" وغير ذلك، وصنَّف في الأُصول والعربية وعلق ونظم وتقدّم في العلوم العقلية. مات في جمادى الأُولى. ٢٤ - قرابلاط الأَحمدى اليلبغاوى (٤) أحد المقدمين ونائب الإسكندرية في أواخر عمره. ٢٥ - محمد بن إِبراهيم بن محمد بن محمود البعلى الأَصل الدمشقي المعروف بابن مرّى محتسب (٥) دمشق. مات في صفر عن أَربع وستين سنة لأَنه وُلد سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين (٦)؛ وأُحضر على ابن الشحنة. وكان مليح الخط، باشر بالجامع وغيره. وكان أَمثل من وَلى الحسبة في هذه الأَعصار، وباشر قضاءَ العسكر للحنفية ثم ركبه الدين وافتقر ومات في ربيع الآخر. ٢٦ - محمد بن إِبراهيم بن وهيبة النابلسي، بدر الدين، قاضى طرابلس، سمع من المزى وابن هلال وغيرهما.

стр. 334

٢٧ - محمد بن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر النصيبي، شمس الدين، من بيت كبير مشهور بحلب، وولى هذا الإِنشاء بحلب، وكان كثير التلاوة حسن الخطِّ. مات في الطاعون بحلب. ٢٨ - محمد بن أَبي بكر بن محمد التدمري (١) الأَصل الدمشقى المؤذن، بدر الدين قاضي القدس، كان ماهرًا في الفقه ولم يكن محمود الولاية. قال ابن حجّى: "ولى القدس عن البلقينى. وكان يكتب على الفتوى بخطٍّ حسن وعبارة جيّدة إلّا أَنه كان يتمحلّ للمستفتى ما يوافق غرضه ويأْخذ على ذلك جُعلا"، قال: "وقد اجتمعت به فأَعجبنى فهمه (٢) واستنباطه في اللغة واستخراج الحوادث من أُصولها وردّها إِلى القواعد" قال: "ولكنه كان متساهلًا في الصلاة فربما تركها، وكان ضنينًا بنفسه معجبا بها كثير الحطِّ والازدراءِ لغيره. حتى إِنه في طول المجلس الذي اجتمعت به فيه ما ذكر أَحدًا بخير". مات في ربيع الأَول وقد قارب السبعين. ٢٩ - محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زين (٣) الدين عمر بن مكي بن عبد الصّمد بن أبي بكر بن عطية العثماني الأَصل الدمشق الشافعي، علم الدين بن تقى الدين بن المرحّل، سبط، التقيّ السبكي. ولد سنة سبع وأَربعين، وسمع من ابن أبي اليُسر وعلى بن العز عمر (٤) وغيرهما، وكان له اشتغال وفهم ودرّس بالعذراوية (٥)، وكان ينوب عن خاله تاج الدين فيها فسعى عليه من الدولة واستقل بها، وكان مع ذلك كثير الرياسة والأَدب والتواضع والمروءَة والمساعدة لمن يقصده، ومات في شوال. ٣١ - محمد بن محمد بن الحسن صلاح الدين الجواشنى، ولد سنة تسع وتسعين وستمائة،

стр. 335

وسمع من البدر بن جماعة "الشاطبية" وحدّث بها، ومات في سابع (١) عشرى ذي القعدة، وقرأَها عليه الكلوتاتي. ٣٠ - محمد بن عبد الله القيسي (٢)، شمس الدين القاهرى الأَديب الفاضل، ولى استيفاء الأَحباس. وكتب في التوقيع، ونظم الشعر. مات في شعبان وهو (٣) القائل: بي منْ بنى الترك رشيق أَهيف … مثل الغزال مقبلا ومعرضا ما جاءَني قط بليل زائرًا … إِلا كبرق في الظلام أَومضا ٣٢ - محمد بن محمد بن محمد بن ميمون البلوى أَبو الحسن الأندلسي، تقدّم في معرفة الفرائض والعربية، وسمع بنفسه بالقاهرة ومصر من ابن أَميلة وغيره (٤)، ورافقه الشيخ أبو زرعة بن العراقي في السماع كثيرًا، ووهم (٥) من أَرّخه سنة ثلاث وتسعين. ٣٣ - محمد بن محمد بن يحيى بن سالم الحسنى، سمع من المطرى وغيره، وفضل في العلم وعاش أربعًا وسبعين سنة. ٣٤ - محمد بن محمد المالكي، أَبو عبد الله الجديدى، أَحد الفضلاءِ الصلحاءِ، مات بمكة. ٣٥ - محمد بن يوسف بن إِبراهيم بن العجيل اليمني، جمال الدين. مات في ذي الحجة (٦). * * *

стр. 336

سنة ثمان وثمانين وسبعمائة فيها مات أحمد بن عجلان أمير مكة واستقر ولده محمد بن أحمد، فعمد عمه (١) كبيش بن عجلان إِلى أقاربه فكحّلهم، منهم أحمد ثَقَبة (٢) وولده (٣) وحسين بن ثقبة ومحمد بن عجلان، ففر منه (٤) عنان بن مغامس إِلى القاهرة فشكى إِلى السلطان من صنيعه والتزم بتعمير مكة وسعى في إِمرتها فأُجيب إِلى سؤاله، وكان ما سنبينه من ذِكره مِنْ قَتْل محمد بن أَحمد بن عجلان. وفيها تَأخّر وصول المبشِّرين بالحجاج (٥) إِلى سادس المحرم، ثم حضر القاصد وأَخبر أَن صاحب ينبع عاقهم خوفًا عليهم من العرب ولم يتعرّض لهم بسوء. وفيها تزوّج السلطان بنت منكلى بغا، وأُّمُّها (٦) أُخت الملك الأَشرف. وفيها وصل رسل (٧) صاحب ماردين وأخبروا أَن تمرلنك قصد تبريز فنازلها وواقع صاحبها أحمد بن أويس إِلى أَن كسره، فانهزم [أَحمد (٨)] إِلى بغداد، ودخل تمرلنك تبريز فأَباد أَهلها وخرّبها، وجَهز أَحمدُ بنُ أويس إِلى صاحب مصر امرأَةً تخبره بأَمر تمرلنك وتحذِّره منه وتعلمه بأَنه توجه إِلى قراباغ ليشتى بها ثم يعود في الصيف إِلى بغداد ثم إِلى الشام، فوصلت المرأَة إِلى دمشق، فجهّزها بيدمر صحبة قريبه جبريل. وفيها تجهّز قديد الحاجب وبكتمر العلائي إِلى طقتمش خان في الرسلية من صاحب مصر.

стр. 337

وفي ربيع الأَول أُفرج (١) عن يلبغا الناصرى من الإسكندرية وأُذِن له بالإِقامة في دمياط. وفيها قتل (٢) خليل بن قراجابك بن ذلغادر التركماني: فَتَكَ (٣) به إبراهيم بن يغمر التركماني بمواطأَة السلطان، وكان قتله خارج مرعش، توجه إِليه إِبراهيم في جماعة، فلما قرب منه أَرسل إِليه يعلمه أنه يريد الاجتماع به لإِعلامه بأَمرٍ له فيه منفعة، فاغترّ بذلك ولاقاه، فرآه وحده فأَمِن ونزل عنده فتحدّثا طويلا، فخرج جماعة إِبراهيم فقتلوه وركب إبراهيم ومَن معه هاربين، فلما استبطأَ أصحابُ خليل صاحبَهم حضروا إِليه فوجدوه قتيلًا، فتتبعوا القوم فلم يلحقوهم وذهب دمه هدرًا، وكان ذلك في ربيع الأَول. * * * وفيها أَمر السلطان بتعمير الأَغربة وتجهيزها لقتال الفرنج. * * * وفيها قيل للسلطان إِن جماعة أرادوا الثورة عليه فقَبض على تمريغا الحاجب ومعه عشرة مماليك وأَمر بتسميرهم وتوسيطهم لكون تمريغا اطَّلع على أَمرهم ولم يُعلِم السلطانَ بذلك؛ ثم تتبع السلطانُ المماليكَ الأَشرفية فشرّدهم قتلًا ونفيا إِلى أَن شفع الشيخ خلف في الباقين فقُطعت إِمرتهم وتُركوا بطالين. وفيها انتهت عمارة السلطان لمدرسته الجديدة ببين القصرين في ثالث شهر رجب، وكان (٤) الشروع فيها في رجب سنة ست وثمانين، وكان القائم في عمارتها جركس الخليلي وهو يومئذ أَمير آخور ومشير الدولة. وقال الشعراءِ في ذلك فأَكثروا، فمن أحسن ما قيل: الظاهرُ الملك (٥) السلطان هِمَّتُه … كادت لرفعتها تسمو على زُحَلِ وبعض خدّامه طوعًا لخدمته … يدعو الجبال فتأْتيه على عجل

стр. 338

وأَخذه ابن العطَّار فحسّنه فقال: قد أَنشأَ الظاهر السلطانُ مدرسةً … فاقت على إِرمٍ معْ سرعة العملِ يكفى الخليليّ أَن جاءَت لخدمته … شمُّ الجبال لها تأتي على عجل ومن رأى الأَعمدة التي بها عَرَف الإِشارة. ونزل (١) [السلطان برقوقا] إِليها في الثاني عشر من شهر رجب وقرّر أُمورها ومدّ بها سماطًا عظيما وتكلم فيها المدرّسون (٢). واستقر علاءُ الدين السيرامى مدرّسَ الحنفية بها وشيخَ الصوفية، وبالغ (٣) السلطان في تعظيمه حتى فرش سجادته بيده، وحضر جميعُ الأَعيان، وأَخذ الشيخ في قوله تعالى (٤) ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ ونقل السلطان أَولاده ووالده من الأَماكن التي دُفنوا بها إِلى القبة التي أَنشأَها بها. ثم أُقيمت بها خطبة في عاشر شهر رمضان، وفوّض [السلطان] الخطابة إِلى جمال الدين المحتسب، وكان قد أَمر ابنه صدْر الدين أحمد بالصلاة فيها في رمضان وهو ابن اثنتي عشرة سنه، وعمل له مهمًّا حافلًا. واستقر (٥) بها الشيخ أَوحد الدين الرومى النسوى مدرسَ الشافعية بعناية الشريف الأَخلاطى، والشيخُ شمس الدين بنُ مكين نائبُ الحكم بمصر مدرسَ المالكية، والشيخُ صلاحُ الدين بن الأَعمى مدرّسَ الحنابلة، والشيخ أحمد زاده العجمى مدرّس الحديث، والشيخ فخرُ الدين الضرير إِمامُ الجامع الأَزهر مدرّسَ القراءَات، فلم يكن فيهم من هو فائق في فنه على غيره من الموجودين، ثم بعد مدّة قُرّر فيها شيخنا البلقيني مدرسَ التفسير وشيخَ المعاد. * * *

стр. 339

وفيها ثار المنتصر وأبو زيان - ابنا أَبي حمّو - على أخيهما أبي تاشفين بسبب أَبيهما، فحصرهما أبو تاشفين بجبل تطرى، وبعث ولده أَبا زيّان لقتل أَبي حمّو بمعتقله بمدينة وهران، فلما أحسّ أَبو حمو بذلك نظر من شقٍّ في الجدار وصاح بأَهل البلد فأَتوه من كل جهة، فتدلّى بحبلٍ وصله بعمامته وسقط إِلى الأَرض سالمًا، فبلغ الذين حضروا (١) لقتله فهربوا، واجتمع عليه أَهل البلد وساروا إِلى تلمسان. وكان ما سنذكره في التي تليها. وفيها مات الخليفة عمر بن إبراهيم بن الواثق بن محمد بن الحاكم، واستقر في الخلافة أخوه المعتصم زكريا في شوال. وفى ربيع الأَول منها رخص اللحم جدا حتى بلغ الضانى السميط كل قنطار بخمسين درهما. وفي جمادى الآخرة زلزلت الأَرض زلزلة لطيفة. وفي ربيع الآخر قبض على بهادر المنجكي الأستادار الكبير. وفيها وقع الفناءُ بالإسكندرية فمات في كل يوم مائة نفس. وفيها تولّى كريم الدين بن مكانس نظر الدولة بعد الوزارة، وعلمُ الدين سن (٢) إِبرة نظرَ الأَسواق بعد الوزارة أَيضا، وتعجّب الناس منهما. * * * وفيها أُحْضِر (٣) أَمير زاه بن ملك الكرج إِلى السلطان، فادّعى أَنه رأى النبيَّ ﷺ في المنام فقال له "اسلم على يد خادم الحرمين" فأَصبح يسأَل عن خادم الحرمين فقيل له إِنه صاحب مصر فهاجر إِليه، فأَخبره (٤) بذلك فتلقاه بالإِكرام وأَمره بالإِسلام

стр. 340

فأَسلم (١) بمحضر من القضاة الأَربعة في دار العدل، فأَعطاه إِمرة عشرة وأَسكنه القاهرة (٢)، وكان ذلك في جمادى الأُولى. وفيها عُزل شهاب الدين أحمد بن ظهيرة من قضاءِ مكة ونُقل إِلى قضائها محبُّ الدين بن أبي الفضل النويري، وقُرّر في قضاءِ المدينة عوضا عنه الشيخ زين الدين العراقي، واستقر الشيخ سراج الدين بن الملقِّن مدرسًا بالكاملية عوضًا عن العراقي. وفيها توجّه نواب الشام إِلى قتال التركمان فانكسر العسكر وفتك فيهم التركمان، وقتلوا سودونَ العلائي نائبَ حماة وغيره، وكان (٣) أَصل ذلك أَن السلطان أَمر نواب الشام بالتوجّه إِلى قتال سولى بن ذلغادر ومن معه من التركمان، فوصلوا إِلى طبول - وهى بين مرعش وأبلستين - فالتقى بهم سولى، فقتل سودون - نائب حماة - في المعركة وكذا سودون نائب بهنسا، وكان ذلك في أول جمادى الآخرة، فبلغ السلطان فشقّ عليه ولم يزل يعمل الحيلة حتى دسّ على سولى من قتله، كما قتل أَخاه كما سيأْتي بيانه. وفي جمادى الآخرة وصلت رسل الفرنج بهدايا جليلة. وفي آخر السنة وصلت رُسل الحبشة بهدايا جليلة أَيضا. وفي أَواخر رمضان عزّ الفستق عزة شديدة إِلى أَن بيع الرطل منه بمثقال ذهب ونصف، ثم وصل منه شيء كثير إِلى أَنْ بيع بعد العيد بربع مثقال الرطل. * * *

стр. 341

وفى شعبان أَسلم نصراني يقال له ميخائيل [الصبان (١)] من أَهل مصر فقُرر ناظرَ المتجر السلطاني وحصل للناس منه ضرر كبير، وسيأْتى ما آل إِليه أَمره في سنة تسع وثمانين. * * * وفيها أُمسك شهاب الدين أحمد بن البرهان ومَن معه في الشام وأُحضروا إِلى القاهرة، وكانوا أَرادوا القيام على السلطان، فطاف أحمد البلاد داعيًا إِلى ذلك، ثم استقر بدمشق فدعى الناس إِلى القيام فأَطاعه خلق كثير إِلى أَن فطن ابن الحمصي والى قلعة دمشق، فنُمَّ عليهم عند السلطان وكان يبغض بيدمرَ نائب الشام فوجد من ذلك سبيلًا إِلى الافتراء عليه، فكاتب السلطانَ بالاطلاع على أَمرهم وأَن بيدمر معهم، فأَمره السلطان بالقبض عليهم وعلى بيدمر فقبض عليهم وجهّزهم إِلى القاهرة. فعاقب السلطان الشيخ أحمد ومن معه من الفقهاءِ فضُربوا بين يديه بالاصطبل بالمقارع وحبسهم في حبس الجرائم بعد أَن قرّرهم على من كان متفِقا معهم في ذلك. * * * وفيها وصل إِبراهيم بن قراجابك بن ذلغادر إِلى القاهرة طائعا وكان (٢) صاحب خرتبرت وهي قلعة حصينة بقرب ملطية، وكان له أَولاد عدة فعصى عليه بعضهم ففرّ منهم، فأَعطاه السلطان إِمرة طبلخاناه وسكن ظاهر القاهرة، ثم وصلت رأْس خليل بن ذلغادر عد نائب حلب فقُبض على إِبراهيم وعلى عمه عثمان. * * * وفيها في صفر سُرق [سوق (٣)] الجملون الذي في وسط القاهرة، وأُخذ من حوانيت البزازين مال كبير إِلى الغاية، فقام حسين بن الكوراني في تتبّع الحرامية إِلى أَن ظفر بعشرين منهم فسمّرهم وطاف بهم. * * *

стр. 342

وفيها أَمر السلطان بِإحضار الشيخ شهاب الدين بن الجندي الدمنهورى فأُحضر وضرب بين يديه لأَنه كان بدمنهور يأْمر بالمعروف وينهي عن المنكر، فشكي منه مُقْطَع دمنهور إِلى السلطان فأَمر بإِحضاره فضُرب، ثم شَفع فيه بعض الأُمراءِ وعرّف السلطانَ قدره وأَنه طُلب للقضاءِ فامتنع فخجل السلطان وأَرسل إِليه فجاءَ إِليه وخلع عليه وأَذن له في الرجوع إِلى بلده على عادته. * * * وفيها حجّ بالناس آقبغا المارداني، وحجّ فيها جركس الخليلي أَميرًا على الركب الأَول، فلما وصل إِلى مكة وأَراد صاحبها محمد بن أحمد بن عجلان أَن يُقَبّل رِجل الجمل الذي عليه المحمل السلطاني على العادة بَدَر إِليه شخص فداويّ فقتلَه، وزعم أَن السلطانَ أَذنَ له في ذلك. وفَطِن كبيش لذلك فجمع عساكره وخرج من مكة خوفًا على نفسه وخوفا على الحاج من النهب (١)، وقرّر جركسُ الخليلى عنانَ بنَ مغامس في الإِمرة، وحج الناس آمنين. ثم التقى كبيش ببُطا الخاصكى رأْسِ المبشرين فقال له: "أَعلِم السلطانَ أَنني طائع وأَنني منعتُ العرب من نهب الحاج، وأَنّني لا أَرجع عن طلب ثأْرى من غريمي عنان". وفرّق الخليلي بمكة صدقات كثيرة جدا. وفيها اشتد أَذى الوزير للتجار حتى رمى عليهم من القمح مائة أَلف إِردب وأَزيد، كل إِردب بدينار، وكانت خسارتهم فيها جملة مستكثرة. وفيها سعى شهاب الدين بن الأَنصاري في مشيخة سعيد السعداءِ والتزم بتكفية الخانقاه وعمارة أَوقافها، وبذل لهم ثلاثين أَلف درهم من ماله وذلك من غير رجوعٍ عليهم بها، فأُجيب سؤاله. * * *

стр. 343

وفيها طرق اللنك شيراز فحاربه شاه منصور وثبت ثباتًا عظيما فاتكًا في عسكر اللنك، وهجم علي المكان الذي فيه اللنك ففرّوا منه فأَمرهم أَن يُلقوه بين النساءِ، فوصل شاه منصور في حملته فتلقاه النساءُ وقُلنْ له: "ليس علينا قدرة ونحن في طاعتك" فكفَّ عنهن ورجع يقاتل، فخذله بعض أُمرائه ففتّ في عضده، ولم يزل يقاتل حتى انتهت المعركة وانهزم بقية مَن معه، فقامت قيامة اللنك على فقده لأَنه لم يجده في القتلى. ثم ظفر به بعض الجند فعرَفه فحزّ رأْسه وأَحضره إِلى اللنك، فلما تحقق فرح في الباطن وأَظهر الأَسف عليه في الظاهر وأَمر بقتل قاتله، واستولى على شيراز وأَكرمَ زين العابدين وقرّر له رواتب. فلما بَلغ السلطانَ أحمد - صاحبَ كرمان - الخبرُ راسل اللنكَ بالطاعة وأَرسل مع رسله هدية جليلة، وكذلك صنع شاه يحيى صاحب يزد فقبل [اللنك] الهدية وتوجّه بعسكره إِلى إِلى أَصبهان فنازلها وحاصرها، فلما لم تكن لهم به طاقة صالحوه على مالٍ له صورة فتوزعوه بينهم، فأَرسل اللنك أَعوانه فعاثوا وأَفسدوا ومدّوا أَيديهم إِلى الأَموال والحرم، فشكوا ذلك إِلى ملكهم فواعَدهم أَنه يضرب الطبل عند العشاءِ فإِذا سمعوه قتل كلُّ منهم مَن عنده مِن الأَعوان. فلما فعلوا ذلك - وكانوا نحوًا من ستة آلاف - عظم ذلك على اللنك ورجعوا إِلى المدينة فتحصّنوا، فحصرهم حتى اشتد الحصار، فأَشار عليهم بعض عسكره أَن يجمعوا أَطفالهم ويقفوا بهم على طريق اللنك، فاجتاز بهم فسأَل عنهم فقال له المشير عليهم: "هؤلاءِ أَطفالٌ لا قدرة عليهم ولا عقاب بجناية آبائهم وهم يسترحمونك" فمال بعنان فرسه عليهم وتبعه العسكر فصاروا طعمةً لسنابك الخيل، ثم هجم البلد واستخلص الأَموال وخرّب البلد ورجع إِلى سمرقند. وحين وصوله أَمر حفيده محمد سلطان بن جهانكير بالتوجه (١) إِلى أَقصى ما تبلغ مملكته وهو من وراءِ سيحون آخذًا شرقا إِلى نحو شهر في ممالك المغل والخُطا، فمهّدوا تلك الأَراضي وبنوا فيها عدّة قلاع، وبنوا مدينة على طرف جيحون من ذلك الجانب سمّاها اللنك "شاه

стр. 344

رخية"، وخطب له أَحد أُمرائه "داد" بعض الملكات وأَحضرها إِليه صحبته، فأَولدها شاه رخ الملك المشهور في عصرنا هذا. * * * ذكر من مات في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة: ١ - أحمد بن الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاون الصالحي، كان أَكبر إِخوته وقد عُيِّن للسلطنة مرارا فلم يتفق له ذلك، ومات في رابع عشر جمادى الآخرة. ٢ - أحمد بن عبد العزيز بن (١) يوسف بن المرحّل المصرى نزيل حلب، شهاب الدين، سمع من حسن سبط زيادة وتفرّد به، وسمع منه شمس الدين الزراتيني (٢) المقرئ وغيره من الرحالة، وأَخذ عنه شيخنا (٣) ابن عشائر والحلبيون، وأَكثر عنه المحدّث برهان الدين. ٣ - أحمد بن عجلان بن رُميثة (٤) بن أبى نمى بن أبى سعد بن علي بن قتادة بن إِدريس بن مطاعن، شهاب الدين أبو العباس الحسنى أمير مكة وما معها. كان عظيم الرياسة والحشمة، اقتنى من العقار والعبيد شيئًا كثيرًا، وكان يكنى أَبا سليمان. ولّاه أَبوه عجلان إِمرة مكة وهو حيّ في شوال سنة اثنتين وستين، وكان قبل ذلك ينظر في الأُمور نيابةً عن أبيه أيام مشاركة أبيه وعمه ثقبة، ثم اعتقله السلطان هو وأَخوه كبيش وأَبوهما بالقاهرة لأَن الضياءَ الحموى كان ولى خطابة الحرم فخرج في شعار الخطبة فصده أحمد بن (٥) عجلان عن ذلك، ومات ثقبة في أَوائل شوال سنة اثنتين وستين، ولم يزل أحمد يتقدّم في الأَمر إِلى أَن غلب على أبيه، ولم يزل إِلى أن أفرده بالسلطنة سنة أربع وسبعين فاستمر إِلى أن أَشرك معه ولده محمدا سنة ثمانين، وجرت له بمكة خطيب وحروب، وكان يحب العدل والإِنصاف. مات في شعبان واستقر ابنه محمد بعده ثم قُتل في أول ذي الحجة. ٤ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين بن إِسماعيل بن وهب بن محبوب، تاج

стр. 345

الدين الحميدي المصرى (١) ثم البعلي ثم الدمشقى. أُحضر على ابن الموازيني وست الأَهل، وسمع من ابن مشرف وابن النشو (٢) والقاسم والمطعم والرضى الطبرى وغيرهم، وله إِجازة من سنقر الزيني وبيبرس العديمي والشرف الفزاري وإسحق النحاس والعماد النابلسي وغيرهم. وكان يذاكر بفوائد؛ وأُصيب في آخره فاستولت عليه الغفلة، ورأَيْتُ بخطه تذكرة في نحو الستين مجلدة، وعبارته عامية وخطه ردئ جدا. مات في المحرّم. ٥ - أَحمد بن محمد بن عبد المعطى المكي المالكي، شهاب الدين أَبو العباس، أَخذ عن أَبي حيّان وغيره، ومهر في العربية وشارك في الفقه وتخرّج به أَهل مكة. مات في المحرّم وقد جاوز السبعين. ٦ - أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم بن حنا: الشيخ بدر الدين بن شرف الدين بن فخر الدين بن الصاحب بهاءِ الدين المصرى المعروف بابن الصاحب (٣)، تفقَّه ومهر في العلم ونظم ونثر وفاق أَهل عصره في ذلك، وفاق أَيضا في معرفة لعب الشطرنج. وكان جمّاعا للمال لطيف الذات كثير النوادر (٤)، أَلَّف تواليف في الأَدب وغيره، وكتب الخط الحسن، وكان يحسن الظن بتصانيف ابن العربي ويتعصّب له، ووقعت له محنة مع الشيخ سراج الدين البلقيني، وكان يكثر الشطح ويتكلم بما لا يليق بأَهل العلم من الفحش ويصرّح بالاتحاد (٥)؛ وهو القائل. أَميل لِشِطْرنْجِ أَهْل النُّهَى … وأَشكوه من ناقل الباطِل وكمْ رُمْتُ تهذيب لُعّابها … وتأْبي الطباع على الناقلِ مات في تاسع عشرى جمادى الآخرة وله إِحدى وسبعون سنة، رأَيتُه واجتمعتُ به وسمعت فوائده (٦) ونوادره.

стр. 346

٧ - أحمد بن محمد الزركشي، شهاب الدين، أَمين الحكم بالقاهرة ومصر. مات في ربيع الأَول فجأَة (١) وضاع للأَيتام عنده أَموال عظيمة؛ قرأْتُ بخط القاضي تقيّ الدين الزبيري: "أَنها تزيد على ثلاثمائة أَلف درهم تكون نحوًا من خمسة عشر أَلف دينار، فبيع موجوده فكان دون النصف"، قلت: والذي تحرّر (٢) لي أَن المقاصصة وقعت على ربعٍ وسدس عن كل درهم، وبلغ السلطانَ ذلك فأَسرّها في نفسه على القاضي الشافعي حتى عزله في السنة التي بعدها. ٨ - إِسماعيل بن عبد الله الناسخ المعروف بابن الزمُكحُلِ (٣)، كان أَعجوبةَ دهره في كتابة قلم الغبار (٤) مع أَنه لا يطمس واوًا ولا ميما، ويكتب آية الكرسي على أَرزة وكذلك سورة الإِخلاص، وكتب من المصاحف الحمائلية ما لا يحصى. ٩ - حسن بن علي بن عمر بن أَبي بكر بن مسلَّم الكتاني، بدر الدين الصالحي المؤذن بالجامع المظفرى. وُلد سنة ٧١٣ وسمع من الحجار وغيره، وحدّث بالإِجازة عن الدستى وإِبراهيم بن عبد الرحمن الشيرازي (٥) وجماعة. مات في المحرم عن بضع وسبعين سنة. ١٠ - خليل بن قراجا بن ذلغادر التركماني أَمير الأَبُلسْتَيْن بعد والده (٦)، قُتل بيد إِبراهيم بن يغمر (٧) التركماني بالقرب من مرعش. قال (٨) القاضي علاء الدين: "كان عارفًا ذا رأْى صائب، وله أَفعال جميلة وملاطفة حسنة وسياسة، وكان له مدة متحيرا في البلاد لغضب سلطان مصر عليه، وكان قتله بمكيدة احتالها عليه إِبراهيم"، وجاوز خليل من العمر ستين سنة.

стр. 347

١١ - داود بن محمد بن داود بن عبد الله الحسنى الحميري صاحب صنعاء من جبال اليمن، حاربه الإِمام صاحب صعدة (١) فغلب على صنعاء وانتزعها منه ففرّ داود منه إِلى الأَشرف صاحب زبيد فأَكرمه إِلى أَن مات في ذى القعدة؛ وهو آخر من وليها من أَهل بيته ودامت مملكتهم بها قريبا من خمس مائة سنة. ١٢ - سَرِيجا (٢) - بفتح المهملة وكسر الراءِ بعدها تحتانية ساكنة ثم جيم مفتوحة بغير مدّ - ابن محمد بن سريجا بن أَحمد (٣) الملطى ثم المارديني، زين الدين بن بدر الدين، كان من أَعيان علماءِ تلك البلاد في زمانه في الفقه والقراءَات والأَدب وغير ذلك، وله تصانيف منها "شرح الأَربعين النووية" سماه "نشر فوائد الأَربعين" و "النبوية في نثر فوائد (٤) الأَربعين النووية" و "حنة الجازع وجنة الجارع" صنعه عند موت ولد له سنة إِحدى وثمانين، و "سدّ باب الضلال، في ترجمة الغزالي"، ونظم قصيدة في القراءَات سماها "الجمع، في القراءَات السبع" بوزن الشاطبية، أَولها: يقولُ سريجا قانتًا مبتهلا … بدأْتُ (٥) بنظمي حامدًا ومُبَسْمِلا ومن نظمه: خُذ بالحديثِ وكنْ به متمسّكا … فلطالما ظمئتْ به الأَكبادُ شَدَّ الرحالَ له الرجالُ إِذا سعوا … إِلّا خُطًا ضربَتْ لها الأَكبادُ مات بماردين في المحرم وله ثمان وستون سنة. أَخذ عنه ولده عقيل (٦) الذي مات سنة أَربع عشرة [وثمانمائة] وبدر الدين بن سلام الذي مات (٧) سنة سبع وثلاثين وثمانمائة وآخرون.

стр. 348

١٣ - سودون العلائي نائب حماة، مات قتيلا ببلاد (١) التركمان. ١٤ - شنشك بنت محمد بن الشيخ على التركماني، سمعت من عبد الله بن علي الصنهاجي وحدّثت. ١٥ - صدقة بن الركن عمر بن محمد بن محمد المصرى، شرف الدين العادلي، سمع من أبي الفتح الميدومى وطبقته، ورافق الشيخ زين الدين العراقى مدّة في السماع، ثم ترك لبس الجندية (٢) ولبس بالفقيرى وصحب الفقراء القادرية إلى أن صار من كبارهم. مات بالفيوم في جمادى الآخرة. رأيتُ وسمعت كلامه. ١٦ - عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطاب الباجي (٣)، سمع من محمد بن علي بن ساعد وغيره. مات في شعبان عن بضعٍ وثمانين سنة. ١٧ - عبد الحميد (٤) شيخ زاوية المنيبع. مات في شهر رمضان وقد جاوز الثمانين. ١٨ - عبد الرحمن بن محمد بن عثمان بن الجمال محمد بن علوان، زين الدين بن الأستادار (٥) الحلبي، حضر على سنقر (٦) الزينى وتفرّد به (٧). ١٩ - عبد اللطيف بن عبد المحسن بن عبد المجيد (٨) بن يوسف السبكي نزيل دمشق، قطب الدين بن أُخت التقى السبكي، حضر على ابن الصوّاف مسموعه من النسائي وتفرّد به، ومن أبى الحسن بن هرون من "مشيخة جعفر الهمداني" تخريج الزكي البرزالي وحدّث. وكان كثير التسرّى حتى يقال إنه وطأَ أزيد من ألف جارية.

стр. 349

مات في خامس جمادى الآخرة، [و] روى عنه شيخنا العراقي وابن سندوابن حجى وغيرهم. ٢٠ - عبد المعطى بن عبد الله فتح الدين، كان يؤدّب بكتَّاب المرستان، وكان أحد من قرأ على أبي حيّان، وهو والد صلاح الدين محمد الذي ولى حسبة مصر ونظر المواريث وغير ذلك في حياة والده. مات في رمضان وقد أَسَنَّ. ٢١ - عبد الوهاب بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن يحيى بن أسد الإسكندراني القروى، محيى الدين، سمع من عبد الرحمن بن مخلوف عدة كتب منها "المحب (١) في الفضل" و "الدعاءُ" للمحاملي، ومن محمد بن عبد المجيد الصواف (٢) و "التوكل"، وسمع بمكة من الرضى الطبري "مسلسلات ابن شادان"، وقرأ على عبد النصير بن السعد "القراءات بكتاب الإعلان" عن المكي وحدّث. مات في ذي القعدة (٣) وله ست وثمانون سنة، وقد خرّج له الذهبي جزءًا من حديثه. ٢٢ - على بن أحمد بن علي الحلبي، علاءُ الدين، صاهر أبا أمامة بن النقاش على ابنته ودرّس بجامع أصلم، وطلب الحديث وكتبه بخطه. مات كهلًا. ٢٣ - على بن عبد القادر الراعى الصوفى، شرف الدين، اشتغل في بلاده ومهر في الفقه والأُصول والطب والنجوم، وفاق في العلوم العقلية، وشغل في "الكشاف" وغيره، وقام عليه جماعةٌ من أهل السميساطية وكان صوفيا بها فشهدوا (٤) عليه بالاعتزال فاستنيب بعد أن عُزِّر، ثم قُرّر بخانقاه خاتون إلى أن مات. وكان يدرى النجوم وأحكامها ويُنسب إلى الرفض، وكان من تلامذة السيد المجد. قرأ عليه تقى الدين بن مفلح ونجم الدين بن حجى، وغيرهما ومات في شهر ربيع الآخر. ٢٤ - عمر بن إبراهيم بن محمد بن أحمد المستعصم بن الواثق بن المستمسك بن الحاكم

стр. 350

العباسي، ولى الخلافة بعد خلع المتوكل ومات في هذه السنة. فاستقر بعده أخوه (١) زكريا (٢). ٢٥ - عائشة (٣) بنت الخطيب عبد الرحيم بن بدر الدين بن جماعة، أُخت قاضي القضاة برهان (٤) الدين: سمعت على الوانى وغيره وحدّثت. ٢٦ - محمد أحمد بن عثمان بن عمر التركستاني الأصل، الشيخ شمس الدين القرمى نزيل بيت المقدس، وُلد بدمشق سنة عشرين (٥) ثم تجرّد وخرج منها سنة إحدى وأربعين، وطاف البلاد ودخل الحجاز واليمن ثم أقام بالقدس وبُنيت له زاوية، وكان يقيم في الخلوة أربعين يوما لا يخرج إلّا للجمعة وصار أحد أفراد الزمان عبادة وزهدًا وورعًا، وقُصِد بالزيارة من الملوك بسرورٍ منهم، وله خلوات ومجاهداتٌ، بدمشق من الحجار وغيره: وكان يتورّع عن التحديث ثم (٦) انبسط وحدّث. وكان عجبا في كثرة العبادة وملازمة التلاوة حتى بلغ في اليوم ستٍّ ختمات وقيل بلغ ثمانية. وسأله الشيخ عبد الله البسطامي فقال له: "إن الناس يذكرون عنك القول في سرعة التلاوة فما القدر الذي نذكر عنك أنك قرأته في اليوم الواحد؟، فقال: "اضبط. أني قرأتُ من الصبح إلى العصر خمس ختمات". وتذكر عنه كرامات كثيرة وخوارق. مع سعة العلم ومحبة الانفراد وقهر النفس. انتفع به جماعة. ومات في تاسع (٧) شهر رمضان. ٢٧ - محمد بن طلحة بن يوسف بن هبة (٨) الله الحلبي، سمع من الكمال بن النحاس وغيره، ومات في شوال وقد جاوز الثمانين.

стр. 351

٢٨ - محمد بن عتيك (١) البردى، كان الرؤساء الحلبيين، وأنشأ جامعا بحارة القناصة ومات بها في مدينة الرها هذه السنة أو نحوها. ٢٩ - محمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد الشافعي الآسَجِي (٢) - بمدّة وفتح المهملة بعدها جيمة - الأديب شمس الدين نزيل مكة. جاور بمكة عدة سنين وباشر بالحرم، واختص بالناس مع الفضل ومات في شعبان، وكان شاعرا مكثرًا أكثر عنه صاحبنا نجم الدين المرجاني (٣). ٣٠ - محمد (٤) بن تقى الدين عبد الله بن محمد بن محمود بن أحمد بن عزاز الحنبلي، القاضي شمس الدين بن التقى المرداوى: وُلد (٥) سنة أربع عشرة وسبعمائة فيما قيل، [و] سمع الكثير من (٦) أبى بكر بن الرضى والشهاب الصرخدى والشرف بن الحافظ. وعائشة (٧) ابنة المسلم [الحرّانية] وجماعة، وتفقَّه وناب في القضاء من سنة ستين وهلمّ جرا ثم استقل به سنة ست وسبعين إلى أن مات، وكان محمودًا (٨) في ولايته إلّا أنه في حال نيابته عن عمه كان كثير التصميم بخلافه لما استقل. وكان يكتب على الفتاوى كتابة جيدة، وكان كيّسًا متواضعًا قاضيًا لحوائج من يقصده. وكان خبيرًا بالأحكام ذاكرًا للوقائع صبورًا على الخصوم عارفًا بالإثباتات وغير هذا، لا يُلحَق في ذلك. وكان يركب الحمارة على طريقة عمه، وقد خرّج له ابن المحبّ الصامت أحاديث متباينة

стр. 352

وصلت إلى خمسة عشر حديثا. وحدّث بمشيخة ابن عبد الدائم عن حفيده محمد بن أبي بكر عن جدّه سماعًا. مات في رمضان عن أربع وأربعين سنة. ٣١ - محمد بن عطية الحسيني أمير المدينة. ٣٢ - محمد بن عمر بن محمد بن محمود بن أبي الفخر الزرندي ثم الصالحي، سمع من الحجار وغيره، ومات بدمشق عن سبعين سنة. ٣٣ - محمد بن عيسى بن أحمد بن محمد الزيلعي نزيل اللُّحيَّة (١) من سواحل اليمن ويعرف بصاحبها، وكان يُذكر بالكرامات ومكانه يزار الآن. ٣٤ - محمد بن محمد بن بن المحب عبد الله المقدسي شمس الدين، وُلد في ذي القعدة سنة ٧٣١. وسمع من ابن الرضى والجزرى وبنت الكمال وغيرهم، وأُحْضِر على أسماء بنت صصرى وعائشة بنت المسلم وغيرهما، وعنى بالحديث وكتب الأجزاء والطباق، وعمل المواعيد. وأخذ عن إبراهيم بن قيم الجوزية [الحنبلي (٢)]، وكتب بخطه الحسن شيئًا كثيرا، وكان شديد التعصب لابن تيمية. مات في جمادى الأولى وله سبع وخمسون سنة. ٣٥ - محمد بن محمد بن علي بن حزب (٣) الله المغربي؛ قرأتُ بخط القاضي برهان الدين بن جماعة: "مات الإمام العالم الكاتب البليغ أبو عبد الله بن حزب الله بدمشق في خامس عشري شعبان سنة ثمان وثمانين، وله نظم وسط، وفضائل"، قلت: منها كتاب سماه "عرف الطيب، في وصف الخطيب" صنفه البرهان المذكور. ومن عنوان نظمه قصيدة أوّلها: لِبَرِيقِ أرضِ (٤) الأبرقَيْنِ وللنَّقَا … قد طار منِّي القلبُ ذاك تألّقا ٣٦ - محمد بن يوسف بن إلياس الحنفى، الشيخ شمس الدين القونوي نزيل المزة، ولد سنة خمس عشرة أو في التي بعدها، وقدم دمشق شابا، وأخذ عن التبريزي وغيره وتنزّه عن مباشرة الوظائف حتى المدارس، وكان الشيخ تقي الدين السبكي يبالغ في تعظيمه، وكان له

стр. 353

حظ من عبادة وعلم وزهد، وكان شديدَ البأْس على الحكام شديدَ الإنكار للمنكر، أمَّارا بالمعروف، يحب الانفراد والانجماع، قليل المهابة للأُمراء والسلاطين والحكام يغلظ لهم كثيرا. وكان قد أقبل على الاشتغال بالحديث بآخره. والتزم أن لا ينظر في غيره: وصارت له اختباراتٌ يخالف فيها المذاهب الأربعة لما يَظهر له من دليل الحديث، قال ابن حجّي: "كانت له وجاهة عظيمة، وكان ينهى أولاده وأتباعه عن الدخول في الوظائف". وكان ربما كتب شفاعةً إلى النائب نصها "إلى فلان المكَّاس" أو "الظالم" أو نحو ذلك وهم لا يخالفون له أمرًا ولا يردّون له شفاعة، وكان الكثير من الناس يَتَوَقُّون الاجتماع به لغلظةٍ في لفظه وفي خطابه، وكان مع ذلك يبالغ في تعظم نفسه في العلم حتى قال مرة: "أنا أعلم من النووى، وهو أزهد مني". وكان يتعانى الفروسية وآلات الحرب ويحبّ من يتعانى ذلك، ويتردّد إلى صيدا وبيروت على نية الرباط (١). وقد باشر القتال في نوبة بيروت وبني برجا (٢) على الساحل، وصنّف كتابا سماه "الدرر (٣) "فيه فقه كثير، نظمَ (٤) فيه فقه الأربعة على أُسلوب غريب. مات بالطاعون في جمادى الآخرة وقد جاوز السبعين، واختصر "شرح مسلم للنووى" وتعقَّب عليه مواضع، وشرح "مجمع البحرين" في عشر مجلدات، وقد قدم القاهرة وأقام بها مدّةً وأقام بالقدس مدة ثم رجع إلى دمشق وانقطع بزاويته بالربوة، ثم انقطع بزاويته بالمزّة. ٣٧ - محمد بن يوسف بن محمد بن عمر، شرف الدين بن جمال الدين بن الشيخ شمس الدين بن قاضي شهبة، اشتغل على جدّه ثم على أبيه، وتعانى الأدبيات وقال الشعر وكتب الخط الحسن، قال ابن حجّى: "كان جميل الشكل حسن الخلق، وافر العقل، كثير

стр. 354

التودّد" وولى قضاء الزبداني مدة ثم تركه، ومات في عشر الأربعين في ربيع الآخر ووجد عليه أبوه (١) وجدا كثيرا حتى مات بعده عن قرب. ٣٨ - محمد الأصبهاني، إمام الدين، كان عالمًا عابدًا مشهورًا بالفضل والكرامات، وكان ينذر بوقوع البلاء على يد اللنك، ويخبر أنه ما دام حيا لا يصيب أهل إصبهان أذًى، فاتفقت وفاته في ليالي طروق اللنك لهم في هذه السنة. ٣٩ - موسى بن ألفافا، شرف الدين، أستادار أيتمش، كان يتعصّب للظاهرية ويميل إلى مذهبهم. مات في شوال. ٤٠ - هيازع بن هبة الحسينى (٢) قريب أمير المدينة وهو أخو جماز الذي تأمّر بعد ذلك. ٤١ - يوسف بن المجد أبي المعالي محمد بن علي بن إبراهيم بن أبي القاسم بن جعفر الأنصاري المعروف بابن الصيرفى. ولد في رمضان سنة عشر وسبعمائة، وأسمعه أبوه الكثير من أبي بكر الدشتي والقاضي سليمان وعيسى المطعم وغيرهم وحدث بالكثير، وكان يزن (٣) القبان ثم كبر وعجز، وكان بآخره يأخذ الأُجرة ويماكس في ذلك. مات في ذى الحجة عن ثمانين سنة، وكان له ثبت يشتمل على شيءٍ كثير من الكتب والأجزاء، وآخر (٤) من حدّث عنه الحافظ برهان الدين محدّث حلب. ٤٢ - شمس الدين الغزولى المصرى الميقاتي، انتهت إليه رئاسة هذا العلم في بلده، وكان أطروشا. مات في رجب. ٤٣ - شمس الدين بن الجندى الخطابي المقرئ، انتهت إليه الرياسة في حل التقاويم ومعرفة الميقات، وكان لكل منهما - أعنى الغزولي وابن الجندى - عصبة، فاتفق أن ماتا في سنة واحدة. مات الغزولى في رجب ومات ابن الجندى في شعبان. * * *

стр. 355

سنة تسع وثمانين وسبعمائة فيها في تاسع عشر المحرّم ولى الجوباني نيابة الشام عوضا عن أشقتمر (١). وفيها ابتدأ السلطان بلعب الرمح وألزم الأُمراء والمماليك بذلك (٢). فاستمر. وفيها ابتدأ أيضا في رمضان بالحكم بين الناس يومى الأحد والأربعاء. ونودى (٣): "من كانت له ظلامةٌ فليحضر إلى الباب"، وحصل للناس بسبب ذلك - خصوصا رؤساؤهم - تشويش كبير، وصار من شاء من الأراذل أن يهين الكبار فعل. وفيها كثرت الشكاوى من بدر الدين بن أبي البقاء فعيّن السلطانُ ناصر الدين محمد بن عبد الدائم الشاذلى ابن بنت الميلق الواعظ، وطلبه في رابع شعبان، وفوّض له قضاء الشافعية، فاستجار الله بعد صلاة ركعتين وقَبِل (٤)، وكان (٥) [السلطان] يعرفه من خطبه (٦) بمدرسة حسن، ووصفه له سودون النائب وغيره فتمّ أمره. وقرأتُ بخط القاضي تقيّ الدين الزبيرى أن سبب عزل أبي البقاء ما تقدّم من قصة أمين الحكم، وانضاف إلى ذلك أن بعض مدرّكي البلاد السلطانية مات في أول هذه السنة، وكان يُذكر بالمال الجزيل، فجهّزَ القاضي أمينَ الحكم ليحتاط على موجوده، فذُكر ذلك للسلطان فأنكر عليه، وأحضر أمين الحكم وضربه وعزل القاضي وطلب مَن يوليه عوضه، فغرم القاضي في هذه الحركة خمسة آلاف دينار ثم ما أفاد، بل طلب ابن الميلق وولّاه فباشر بعزَّة وعظمة. * * *
следующие страницы →