← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

واستقر جمال الدين (١) السبكي في إفتاء دار العدل (٢) عوضا عن بهاء الدين أيضا، واستقرَّ في تدريس الشيخونية عوضا عنه الشيخُ ضياءُ الدين القرمى (٣) العفيفي. وفيها استقر القاضي برهان الدين بن جماعة (٤) في قضاء الشافعية عوضا عن أبي البقاء السبكي (٥)، وكان ابتداءُ ذلك أن القاضي برهان الدين الإخنائي (٦) بحث مع أبي البقاء، فقال أبو البقاء: "لو كان مالك حيا لناظرْتُه في هذه المسألة"، أو نحو ذلك، فزبره البرهان [الإخنائى] وقال: "لو غيرك قالها لأوقعت فيه الفعل (٧) "، وتفارقا. فاتفق أن السلطان عزل أبا البقاء عقب ذلك عزلًا فاحشا (٨)، فاستقر في الأَذهان أن ذلك ببركة الإمام مالك. وكانت صورة عزله أنه حضر دار العدل على العادة وذلك (٩) في جمادى الأولى، فقام القضاة وتوجهوا إلى الجامع (١٠) فجلسوا فيه على العادة في ذلك الوقت، فجاء شخص إلى أبي البقاء

стр. 37

فأسرّ إليه كلامًا، ثم التفت إلى رفقته من القضاة فقال لهم إن السلطان عزله وأمره بلزوم بيته (١)، ففعل ذلك واستمرّ المنصب شاغرًا، إلى أن وصل الخطيب برهان الدين بن جماعة في خامس جمادى الآخرة. وكان برهان الدين - حين عُزل أبو البقاءِ - بدمشق زائرًا لأهله الأول من ربيع، ورجع بعد خمسين يومًا بعد أن فوّض له النائبُ نظرّ القدس والخليل، فخالفه البريدي في الطريق، فأمره النائب بلحاقه إلى القدس فلحقه، فخطب في السادس عشر من جمادى الأولى (٢) خطبةً بليغة تعرَّض فيها لتوديعهم فأَبكاهم، وتوجه على البريد. فلما اجتمع بالسلطان عرض [السلطان] عليه المنصب فاشترط شروطًا كثيرة، فالتزم له السلطان بها، ولبس الخلعة وركب في حشمةٍ عظيمة وأُبهة زائدة، فراح الناس إلى تهنئته حتى القاضي المعزول فرحًا منه به لعلمه برياسته وحسن سياسته. وقرأتُ بخط تقى الدين الزبيرى (٣) وأجازنيه: "وكان منكلي بغا - نائبُ السلطنة - يعظِّم القاضي بهاءُ الدين السبكي، ولما عُزِل كان في الصيد فلما بلغه لم يسهل به، فلما عاد من الصيد اجتمع به بهاءُ الدين فأشار إليه أن يستقر قاضي الشام فامتنع فغضب منه، وكان منكلى بغا يبغض المعريَّ لما يعتمده من تناول الرشوة (٤) فكان يحب عزله، فلما لم يوافقه بهاءُ الدين غضب منه فعزله من تدريس الفقه بالمنصورية (٥) وعزل ابنه بدر الدين (٦) من تدريس الحديث بالقبة، وكان (٧) استقر فيه بعد موفق الدين، وقرر في الفقه شمس الدين

стр. 38

التبريزي: وفي الحديث ابن مرزوق التلمساني (١). فلما مات [منكلى (٢) بغا] واستقر أُلجاى ناظرَ المرستان (٣) أعادهما (٤) إلى الوظيفتين. وكان منكلى بغا يقوم في حق القاضي بهاء الدين القيام التام، حتى إنه لما عُزل طلب أمينَ الحكم وأُلزم بعمل المحاسبة وكشف المودع، وندب بدر الدين بن الخشاب (٥) للتنقيب (٦) على تصرف بهاء الدين، فحضر منكلي بغا يوم الموعد إلى المدرسة الصالحية (٧) وكُشف المودع بحضرته فلم يظهر على بهاء الدين شيء". وفى أواخر شهر رجب قُرر القاضي بهاء الدين أبو البقاء في (٨) قضاء الشام عوضًا عن كمال الدين المعرى (٩) فبلغه ذلك، فسافر إلى الحج ثم استعفى أبو البقاء فأُعفى، وأُرسلت إلى المعرّى خلعة الاستمرار فبلغه ذلك بعد أن وصل إلى بُصرى (١٠). وأن البريدي واصلٌ إليه بخلعة الاستمرار، فترك الحج ولاقى البريديَّ ولبس الخلعة واستمر في قضاء دمشق. وفيها (١١) أراد السراج الهندى - قاضي الحنفية - أن يساوى قاضيَ الشافعية في لبس الطرحة (١٢) وتوليةِ القضاة في البلاد وتقرير مودع الأيتام فأُجيب إلى ذلك (١٣)، فاتفق أنه توعك عقب ذلك وطال مرضه إلى أن مات في رجب ولم يتم الذي أراده، واستقر عوضه صدر الدين بن التركماني (١٤).

стр. 39

وفيها استجد (١) الملك الأشرف - عند طلوعه من سرحة الأهرام - أن يلبس الأمراءُ الكبار (٢) أقبيةَ حرير بسمور وأطرزة مزركشة عراضا، ومن دونهم بأَقبية حرير بقاقم (٣)، ومَن دونهم بسنجاب. والجميع بأطراز متفاوتة (٤) وأُلْحِقَ مقدم المماليك - وهو يومئذ سابق الدين مثقال (٥) - بكبار الخاسكية (٦) في ذلك، وهو أول من وقع له ذلك من مقدمى المماليك. وفيها (٧) كملت عمارة حمام منجك ببصرى ومدرسة (٨) رين الدين الأسعردي بدمشق. وفيها أُحدثت خطبة بخان السلطان العتيق بدمشق. وفيها (٩) تنازع عماد الدين الحسباني (١٠)

стр. 40

وشهاب الدين الزهري (١) فقيها الشام - في تدريس الجاروخية (٢)، وكان زين الدين الجعفرى قد نزل عنها للعماد فباشرها ثم انتزعها منه الزهرى، ثم استعادها العماد واستقرت معه. وفى أول يوم من جمادى الآخرة وصل القود (٣) من نائب الشام منجك (٤) يشتمل على شيء كثير جدا، حتى اتفق أهل المعرفة أنه لم يتقدمه بمثل ذلك نائب، ومن جملة ما كان فيه أسدان وضبع وأيل ونحو الخمسين من الكلاب المعلمة، ونحو الخمسين من البخاتي بلبوسها، وخمسة من (٥) البخاتي أيضا كلٌّ منها بسنامين وكلها بثياب أطلس، ونحو الأربعين حملًا تشتمل على قماش وحلوى وفاكهة، ونحو الأربعين هجينا، ومن الكنابيش (٦) الزركش والعرقيات الزركش والعبي الحرير شيءٌ كثير جدا، ومن الصوف الملون والحرير والفراء خمسون بقجة، إلى غير ذلك. وفيها قدم رجل مفرط الطول طوله أربعة أذرع بالحديد وعرضه ذراعان، ووُصف للسلطان فتعجب من شكله، فأرسل البريد (٧) في طلبه فأحضر، فوصل إلى دمشق في شهر رجب ثم دخل القاهرة، وكان جلدا. وفيها (٨) شدد منجك - نائب الشام - على أَهل اللهو، وأمر بقطع أشجار الصفصاف التي بين النهرين (٩) وبتخريب المكان الذي أحدث بالشرف الأعلى (١٠)، وأزال المنكرات (١١)

стр. 41

من هذا المكان ومن الذي فوق الجبهة أيضا. وهدم الأبنية والحوانيت المستجدة هناك. وفيها شكى الحاج من أمير الركب الدمشقى لنائب الشام فرسم (١) عليه، فدخل الحمام فجُب ذكره وأُنثياه بالموسى فحُمل مغشيا عليه، فلما رآه النائب أمر بإطلاقه إلى منزله، فبقى مدة متمرضا ثم أفاق وعاش. وهو ابن آقجبا (٢). وفي ليلة الرابع عشر من شهر ربيع الأول خَسف القمر واستمر إلى التسبيح. * * * وفى هذه السنة مَلَك اللنك - واسمه تيمور - بفتح المثناة وسكون التحتانية وضم الميم وسكون الواو بعدها راء - ومعناه بالعربية حديد - بن ترغاى بن ألغاى المغلى وأصله من كَشّ (٣) - مدينة مشهورة مما وراء النهر - بينها وبين سمرقند يوم واحد، ويقال إن أمه أوجدته من ذرّية جنكزخان، ومولده على (٤) ما كان يذكر - في سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة. وكان أبوه من الفلاحين، ونشأ [تيمور] هذا (٥) خاملًا إلَّا أنه كان قوى القلب شديد البطش، ذكيًّا فطنا مطبوعًا على الشر، ولما بلغ أشدّه وترعرع (٦) صار يتحرَّم، فسرق مرة غنمًا، فرماه راعيها بسهم فأصاب (٧) رجله فعرج منه: فمن حينئذ قيل له: اللنك. ثم انضمت إليه طائفة فصار يقطع الطريق. ويقال إنه كان ببلدهم عابد يقال له شمس الدين الفاخوري، ولأهله (٨) فيه اعتقاد زائد، فقصده اللنك فزاره وأهدى له ماعزًا وقعد بين يديه وسأله أن يدعو له بأمورٍ يتمنّاها، فدعى له بأن تُقضى حاجته، فكان لا يتوجه إلى جهة فيرجع خائبًا، وكان يلهج بأنه سيملك البلاد ويبيد العباد.

стр. 42

وكان قد اشتهر بمعرفة الخيل فطلبه صاحب خيل السلطان بسمرقند، فقرره في خدمته فحظى عنده، واتفق أنه مات عن قرب (١)، فقرّره السلطان مكانه - وكان اسمه حسين من ذرية جنكزخان - وكانت هراة (٢) وغيرها من بلاد المشرق في مُلكه، فاستمر اللنك في خدمته إلى أن بدا منه إجرام على ما (٣) ألفه من تطبعه بالشر، فلما أحس باطلاع السلطان منه على ذلك خشي على نفسه فهرب، وانضم إليه جمع وعاد إلى قطع الطريق، فاهتم السلطان بأمره، وجهز إليه جيشا فظفروا به، فلما أحضروه استوهبه بعضُ أقارب السلطان فاستتابه وأقرَّه في خدمته رغبةً في شهامته، فاستمر إلى أن خرج خارج بسجستان (٤) - وكان ينوب فيها -، فجهز إليه السلطان عسكرا رأسهم اللنك، فأوقعوا بذلك النائب، واستولى اللنك منه على مال كثير، فقسمه بين العسكر الذين صُحْبَته واستغواهم في الاستبداد بذلك البلد وما حوله، فأطاعوه وعصوا على السلطان، فاتفق في تلك الأيام موت السلطان -واسمه حسين- وقام (٥) بعده ولده غياث الدين في المملكة، فجهز إلى اللنك عسكرا كثيفًا فلم يكن له بهم طاقة، ففر منهم إلى أن اضطروه إلى نهر جيحون (٦)، فترجَّل عن فرسه وأخذ معرفتها بيده وولج النهر سابحًا إلى أن قطعه ونجا إلى البر الآخر، فتبعه جماعة من أصحابه على ما فعل وانضموا إليه، وتبعهم جمعٌ كانوا على طريقته الأولى فالتفّوا عليه، وقصدوا نخشب (٧) - وهي مدينة حصينة - فطرقوها بغتة، فقتل أميرها واستولى اللنك على قلعتها واتخذها حصنًا له يلجأ إليه، ثم توجه إلى بلخشان (٨) وبها أميران من جهة السلطان، وكانا قريبَيْ العهد بغرامة ألزمهما

стр. 43

بها السلطان لجنايةٍ صدرتْ منهما، فكانا حاقديْن عليه، فانضمّا إلى اللنك فكثر جمعه. واتفق في تلك الأيام خروج طائفة من أهل (١) المغل على قمرخان (٢) صاحب هراة، فجمع (٣) لهم والتقوا فهزموه، فبلغ ذلك اللنك فسار إليهم وصاروا على كلمة واحدة، فتوجه صاحب هراة إلى بلخ (٤)، وتوجه اللنك بمن معه إلى سمرقند فنازلها، فصالحه النائب بها - - واسمه على شير (٥) - على أن تكون المملكة بينهما نصفين، فأقرّه بسمرقند وتوجه إلى بلخ فتحصن السلطان منه، فحاصره إلى أن نزل إليه بالأمان فقبض عليه وتسلّم البلد ورجع إلى سمرقند فدخلها أمنا وذلك في أوائل هذه السنة: سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، فأقام رجلًا من ذرية جنكزخان يقال له "سرغتمش" (٦) وكانت السلطنة يومئذ قد انتهت إلى طقتمش خان بالدَّشْت (٧) وتركستان، فبلغه ما اتفق لسلطان هراة فجمع العساكرَ وقصد اللنكَ بسمرقند، فالتقوا بين سمرقند وخُجُندة (٨) فكانت الكسرة أولًا على اللنك ثم عادت على طقتمش خان فانتصر اللنك (٩)، ويقال إنه كان في عسكره عابد يقال له "بركة"، فلما رآى اللنكُ الهزيمة تمسّك به فصاح على عسكر (١٠) طقتمش خان فانهزموا؛ ويحتمل أن يكون هذا من وضع (١١) بعض من يتعصب للّنك، ويحتمل الصحة ليقضى الأمر المقدور و ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ (١٢)

стр. 44

ولما تمت الكسرة على طقتمش خان دخل اللنك خجندة ففر أميرها (١) وأمَّر فيها بعض جنده واستولى على بقية البلاد التي لم تكن دخلت في طاعته رهبةً ورغبة. ثم دخل سمرقند فأول شيء فعله أن غدر بعلى شير صاحبه الذي أعانه على مستنيبه وقسّم البلدَ بينه وبينه ولقى عاقبة غدره فقتله غيلة، ثم أوقع بمن كان في سمرقند (٢) من الزعر (٣) وكانوا عددا كبيرًا قد أسعروا البلاد، وكان اللنك أعلم بأمرهم من غيره لأنه كان يرافقهم كثيرا، وكان إيقاعه بهم بالتدريج بطريق المكر والخديعة والحيلة إلى أن استأَصلهم وكفى أهلَ البلاد شرَّهم. ثم لما استقرت قدمه في المملكة خطب بنت ملك المغل - وهو فرخان - فزوّجها له، وزادوا في اسمه "كوركان"، فلذلك كان يُكتب عنه "تيمور كوركان". ومعناه: "الصهر". ثم توجّه بعساكره إلى خوارزم وجرجان فصالحوه على مال، ثم قصد (٤) هواة فنزل إليه ولد ملكها غياث الدين بالأمان واستولى عليها واستصحب ملكها معه إلى سمرقند فسجنه، فاستمر في سجنه إلى أن مات. ثم قصد سجستان فنازلهم فتحصنوا منه مدة، ثم طلبوا منه الأمان فأمَّنهم على شريطة أن يمدوه مما عندهم من السلاح، فاستكثروا له من ذلك ليرضوه، وصار يستزيدهم فبلغوا الجهد في التقرب إليه بما قدروا عليه منه، فلما ظن أن غالب سلاحهم صار عنده، وأن غالبهم صار بغير سلاح بذل فيهم السيف وخرّب المدينة حتى لم يبقَ بها - بعد أن رحل عنها - من يقوم بهم الجمعة. ولما استولى على هذه الممالك - مع سعته وشدة فتكه بأَهلها - توارد أُمراءُ النواحى على الدخول في طاعته والوفادة عليه، ومنهم خُجا على بن مؤيد بطوس، وأمير محمد بناورد، وأمير حسين بَسْرخَس (٥)، فأقرّهم نُوابا في ممالكهم، وكذا جميع من بذل له الطاعة ابتداءً، ومن راسله فعصى عليه يتعذّر أن يعفو عنه إذا قدر عليه. وكان من جملة مَن راسل شاه شجاع صاحب شيراز وعراق العجم فبذل له الطاعة وسأله

стр. 45

المصاهرة، فزوج ابنته بابن اللنك وهاداه وهادئه واستمر على ذلك. ويقال إنه كان يدعو الله ويتضرع إليه ألّا يسلّط اللنك عليه، فاتفق أنه مات حتف أنفه قبل أن يتوجه اللنك إلى شيراز، وسيأتي ذلك في ترجمته سنة سبع وسبعين (١) وسبعمائة. وإنما جمعتُ هذه الأخبار مع أنها لم تكن في سَنة واحدة لتسهل معرفتها على مَن أراد أن يعرف أولية اللنك. وممن نازله اللنك في هذه السنة حسين صوفي صاحب خوارزم، ومات فاستقر ولده يوسف مكانه، واستولى اللنك على خوارزم فخربها كدأبه في غيرها من البلاد (٢). * * * ذكر من مات في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة من الأعيان ١ - أحمد بن إسماعيل بن عمر بن أبي عمرو (٣) الصالحي، شهاب الدين، المعروف بابن النجم، ولد سنة اثنتين وثمانين (٤) وستمائة، وأحضر على الفخر على "آمالي" ابن سمعون وغيرها، وعلى التقى الواسطى (٥) "الأربعين للحاكم" وغير ذلك. وحدث. سمع منه القدماءُ وجماعةٌ من أكابر رفقتنا وأصاغر شيوخنا، ومات في ثالث جمادى الآخرة، وهو ممن أجاز عاما لكن لم أدخل في عموم إجازته. ٢ - أحمد بن بلبان بن عبد الله، شهاب الدين، الدمشقي المالكي الفقيه المفتى كاتب الحكم. مات في صفر وخلّف مالًا كثيرًا. ٣ - أحمد بن علي (٦) بن عبد الكافي بن يحيى بن تمام أبو حامد: بهاء الدين السبكي،

стр. 46

ولد سنة سبع (١) عشرة وسبعمائة، وكان اسمه أولا "تمّاما"، ثم غيره أبوه [إلى أحمد] بعد أن بلغ سن التمييز؛ وحفظ القرآن صغيرًا. وتلا على التقى الصائغ (٢) ببعض القراءات، وأُحضر على عليّ بن عمر الوانى (٣)، وأسمع على الحجار (٤) وغيره، وسمع بنفسه من جماعة، واشتغل بالعلوم فمهر فيها فأفتى ودرّس وله عشرون (٥) سنة، وولى وظائف (٦) أبيه بالقاهرة وله إحدى وعشرون سنة لما تحوّل أبوه إلى قضاء الشام، وقد ولى قضاء الشام مرة (٧) بدلًا عن أخيه وذلك سنة ثلاث وستين (٨) وسبعمائة، وحضر أخوه تاج الدين على وظائفه بالقاهرة، وولى بهاء الدين درس الفقه (٩) بجامع ابن طولون والخطابةَ به والميعاد، ودرّس الفقه بالمنصورية، وولى قضاء العسكر (١٠) وإفتاء دار العدل (١١)، ودرّس للشافعية بالشيخونية أول ما فُتحت؛ قال العماد بن كثير في حقه: "كان قانتًا (١٢) عابدًا كثير الحج"، وقال

стр. 47

ابن حبيب: "إمام عِلمٍ زاخر اليمّ، مقرون بالوقار الجم. وفضله مبذول لمن قصد وأمّ، وقلمُه كم باب عدلٍ فَتح، وكم شمْل معروف منح"، أفتى وهو ابن عشرين سنة، وكان مواظبا على التلاوة والعبادة، وهو القائل: أتَتْنِي فآتَتْنِي (١) الّذي كنتُ طالبا … وَحَيَّتْ فأحْيَتْ لي مُنى ومآربَا وقد كنتُ عبدًا للكتابة أبتغى … فرقَّتْ على رقيِّ فصرْتُ مكاتبا مات بمكة في شهر رجب وله ست وخمسون (٢) سنة. وقرأتُ (٣) بخط القاضي تقي الدين الزبيري: "لما مات بهاء الدين كان أرسل في مرض (٤) موته نجابًا إلى القاضي محب الدين ناظر الجيش أن يدير وظائفه باسم أولاده، فنازعه مختص النقاشي - وكان له قدر عند الأشرف -، فأخذ الخطابة والميعاد بالجامع الطولوني لابن أُستاذه أبي هريرة بن النقاش ولم يُقْدِم محب الدين على معارضته، واستقر الشيخ سراج الدين البلقيني في درس التفسير بالمنصورية، وأبو البقاء في تدريس الشافعي، واستقر أبو البقاء في تدريس الشيخونية فعارضه أكمل الدين وقُرر فيها الشيخ ضياءُ الدين". ٤ - أحمد بن محمد بن عثمان البكرى، شهاب الدين بن المجد الشاعر، كانت له قدرة على النظم وله مدائح في الأعيان، ومن شعره قصيدة أولها: رَعَاهُمُ الله ولا رُوِّعوا … ما بَالُهُمْ (٥) ساروا وما وَدّعُوا مات بمنية ابن خصيب في شهر رمضان. ٥ - أحمد بن شرف الدين محمد بن هاشم بن عبد الواحد بن أبى عشائر الحلبي، شهاب الدين، موقع الحكم، سمع "صحيح البخاري" من سنقر (٦) بفوت وحدث وتفرد. مات في

стр. 48

ثاني رجب وقد قارب الثمانين فإن مولده سنة سبع وتسعين، وكان قد انقطع قبل موته بمنزله مدة يسيرة. ٦ - أيْدُمُر (١) بن عبد الله الشيخي، عز الدين، نائب حماة، وليَها مرارًا (٢) ومات في هذه السنة بحلب نائبًا. ٧ - أَبو بكر بن رسلان بن نَصِير (٣) البلقيني، أخو شيخنا سراج الدين، كان على طريقة والده بزيّ أَهل البر وكان يتردد إلى أخيه بالقاهرة وهو أَسنّ منه بقليل فقدِّر أَنه قدم في هذه السنة ليزوج ولده جعفرًا فمرض فمات عند الشيخ فأَسف عليه كثيرًا لأَنه مات في غربةٍ وهو شقيقه فصار يقول: "ذهب أَبو بكر فيذهب عمر"، هذا أَو معناه، فبينا هو في هذه الحالة إِذْ سمع قارئا يقرأ ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٤)، فعاش بعد أَخيه اثنتين وثلاثين سنة. وقد أَنجب أَبو بكر هذا أولادًا نبغ منهم أَبو الفتح بهاء الدين بن رسلان (٥) فمهر وأَفتى ودرّس وناب في الحكم، وكان شكلا حسنًا كثير النفع للطلبة مع التواضع والتودد، وهو أَول أَولاده وفاة؛ ومنهم جعفر (٦) وكان فقيها فاضلا ديِّنا (٧) متواضعا، ناب في الحكم وولي قضاء بعض البلاد كسمنّود، ومنهم ناصر الدين (٨) كان يحفظ. "المحرر" للرافعي وناب في الحكم بعد أَن كتب في التوقيع مدة، ومنهم شهاب الدين وكان يعرف بالعُجَيْمِي (٩) ولي قضاء المحلة مدة طويلة. ٨ - أَبو بكر بن محمد بن أَحمد بن عبد القاهر النصيبي (١٠) ثم الحلبي، شرف الدين،

стр. 49

ابن تاج الدين أبي المكارم. سمع على أبي بكر بن العجمي (١) وكان من كتّاب الإِنشاء بحلب، حسنَ الخط. . مات وله سبع وستون (٢) سنة. ٩ - أَبو بكر (٣) بن محمد العراقي ثم المصري، تقي الدين الحنبلي، كان من فضلاء الحنابلة، مات في جمادى الأولى. ١٠ - الحسن بن أَحمد بن عبد الله بن الحافظ الحنبلي إمام محراب الحنابلة بدمشق، سمع التقي سليمان (٤) وغيره وحدث، وكان بارعا في العلم. مات في أَواخر شعبان. ١١ - ست الخطباء بنت الشيخ تقي الدين السبكي، أُسْمِعت من ابن الصواف (٥) وعلى ابن القيم (٦)، وكانت قد أَضرّت بآخرة. ١٢ - عبد الله بن يعقوب بن محمد بن علي بن مفرج البكري المدني، بدر الدين، المعروف بابن جمال. وُلد بالمدينة سنة أَربع عشرة وسبعمائة، وسمع من الجمال المطري ومحمد بن إبراهيم المؤذن، وحدّث بالمدينة؛ سمع منه شيخنا العراقي، وحدث أَبو حامد بن ظهيرة عنه في معجمه بالإجازة، ومات بالمدينة في ربيع الأَول. ١٣ - عبد الله المصري، الشيخ درويش، أحد من كان يُعتقد بمصر، مات في رجب. ١٤ - عبد الرحمن بن عبد الله الجبرتي (٧)، أَبو محمد، المقرئ المؤدب، نزيل مكة،

стр. 50

سمع بدمشق من المزِّي (١)، وبمكة من الوادي آشي (٢) والزين الطبري وغيرهم، وحدَّث، وسمع منه أَبو حامد بن ظهيرة، ومات في صفر. ١٥ - عبد الرحمن بن العزِّ محمد بن العزِّ إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر الصالحي شمس الدين، أَبو الفرج، ولد في رجب سنة ثمانٍ وتسعين وستمائة، وسمع من عيسى المغاري (٣) والحسن بن علي الخلال (٤) والتقيّ سليمان، (٥) وكان عالمًا بالفرائض. خطب بالجامع (٦) المظفري بالسفح، ومات في مستهل شعبان (٧) وله خمس وسبعون سنة. ١٦ - عبيد الله - بالتصغير - بن محمد بن عبد الله بن أبي عمر المقدسي (٨) شمس (٩) الدين أبو محمد، قرأَ الروايات، وسمع التقي سليمان وطبقته، وكان ينظم ودرّس وأَفتى؛ ومات في جمادى الآخرة، وكانت جنازته حافلة. ١٧ - عثمان بن محمد بن أبي بكر بن حسن (١٠) الحراني ثم الدمشقي، فخر الدين بن المغربل، ويُعرف قديما بابن سينا، وُلد سنة ثمان وتسعين وستمائة، وسمع من القاسم بن مظفر (١١) وابن الشيرازي (١٢) وغيرهما، ثم طلب بنفسه فحصل الكثير وحدث. مات بحلب في حادي عشر ذي القعدة أَو ذي الحجة. ذكره ابن رافع (١٣) وقال: "رافقته في السماع"، وذكره الذهبي (١٤)

стр. 51

في المعجم المختص، وقال فيه: "الفقيه فخر الدين بن القماح المغربل، شاب حسن متواضع، تفقّه قليلًا وحج كثيرًا، ودار مع المحدّثين". ١٨ - عزاق (١) بن عبد الله التركي أحد الأُمراء الكبار بدمشق، عمّر طويلا إلى أن جاوز المائة، وكان أُعفي أَخيرًا من الخدمة وأُعطي خبزًا يقوم بكفالته (٢) فنال إمرة طبلخاناة (٣). ١٩ - علي بن إبراهيم بن حسن بن تميم الحلبي (٤)، علاء الدين، كاتب السر بحلب (٥)، مات بها عن نيف وستين سنة، وكان عُزل قبل موته ونُكب. ٢٠ - عمر بن أَرغون بن عبد الله التركي، ركْن الدين، وَلَدُ نائب السلطنة، وَلِد بالقاهرة وأسمع على وزيرة (٦) والحجار (٧) والرضى الطبري وغيرهم، وولي نيابة صفد وغزة والكرك وحدّث. مات في ذي الحجة. ٢١ - عمر بن إسحق بن أحمد الغزنوي (٨)، سراج الدين الهندي، قاضي الحنفية بالقاهرة ويقال إن اسم أَبيه "إسماعيل"، والصحيح "إسحق"، تفقه على الوجيه الرازي بمدينة دِلّي بالهند، وبالسراج الثقفي والركن البرائي (٩) وغيرهم من علماء الهند، وحج فسمع من الشيخ خضر - شيخ رباط السدرة (١٠) - "عوارف المعارف"، وحدث به عنه عن القطب القسطلاني عن مؤلفه، وقدم القاهرة قديما نحو سنة أَربعين، وسمع من أَحمد بن منصور الجوهري (١١)

стр. 52

وغيره، وظهرت فضائله، ثم ولي قضاءَ العسكر بعد أَن كان ينوب عن الجمال [عبد الله] التركماني ثم عزل، ثم (١) ولي استقلالا سنة تسع وستين. وقرأتُ بخط القاضي تقي الدين الزبيري: كان عالمًا فاضلا له وجاهة في كل دولة، وكان أَول ما قدم لازم درس القاضي زين الدين البسطامي وهو قاضي الحنفية في ذلك الوقت، ثم لازم القاضي علاءَ الدين التركماني، فأَذن له في العقود والفروض بالحانوت الذي بين القصرين مقابل المدرسة الصالحية، ثم قويت شوكته لما مات علاء الدين، وولي ولده جمال الدين فاستنابه ولم يستنب غيره واستبد بجميع الأُمور، ولما مات علاء الدين بن الأَطروش محتسب القاهرة كان بيده قضاءُ العسكر فسأَل الهنديُّ شيخو فيه فامتنع وأَعطاه إقطاعًا جيدا، فتوجه الهندي إلى صرغتمش وسأَله فيه فولاه (٢)، فشقّ ذلك على شيخو، ثم قُتل شيخو وعظمت منزلة الهندي عند صرغتمش وعند السلطان حسن: فلما أُمسك صرغتمش عمل الهرماس على الهندي، وقال للجمال التركماني: "إن السلطان رسم بعزل الهندي" فعزله، فتغير خاطره من القاضي وهجره وأقام بمنزله والناس يترددون إليه ويقرءُون عليه ويلازمون دروسه والأَخذ عنه، ثم قرّبه السلطان حسن، وصار هو وابن النقاش يلازمانه ويركبان معه في السرحات ويدخل القاهرة وهما معه، ورتّب لهما الرواتب العظيمة، فاتفق أَن الهرماس حج سنة ستين فتمكَن الهندي وابن النقاش من الطعن عليه عند السلطان، وأَطلعاه على أَحواله إلى أَن تغير عليه وامتُحن المحنة المشهورة، فتمكَن الهندي ثم خمل لما أُمْسِك السلطان مدةَ يلبغا، ثم لما ولي الأَشرف [شعبان] تقدم عند أُلجاي (٣) [اليوسفي] وغيره. وقُرر في قضاء الحنفية استقلالًا سنة تسع وستين؛ ولما مات البسطامي أُضيف إليه تدريس جامع ابن طولون، وتكلّم في أَوقاف الشافعية لما ولي أُلجاي نظر الأَوقاف، فلما حضر معه استعرض الدروس في الجامع الطولوني وبالمدرسة الأَشرفية وضَيَّق عليهم، فقام الهندي في ذلك قيامًا عظيما، وأغلظ له القول حتى قال: "إقطاعك يبلغ أَلفي أَلف درهم، وتستكثر على الفقيه المسكين هذا القدر؟ "

стр. 53

فقال: "أنا آخذ الإقطاع لحفظ بلاد المسلمين"، فقال: "ومَن علَّمكم الجهاد إلا الفقهاء! " فسكت وتُرك كل أَحدٍ على حاله. وللهندي "شرح المغني"، و "شرح الهداية"، و "بديع ابن الساعاتي"، و "تائيّة ابن الفارض". وكان واسعَ العلم كبير الإِقدام والمهابة، وكان يتعصب للصوفية الاتحادية، وعَزّر ابنَ أَبي حجلة (١) لكلامه في ابن الفارض. مات في الليلة التي مات فيها البهاءُ السبكي سابع شهر رجب، وكانت ولايته نحو أَربع سنين، وكان يكتب بخطه "مولدي سنة أَربعٍ وسبعمائة". ٢٢ - عمر بن عثمان بن موسى (٢) الجعفري الدمشقي زين الدين، تفقه وبرع ودرس بالجاروخية (٣)، وخطب بجامع العقيبة (٤). ومات في نصف المحرم راجعًا من الحج، ﵀. ٢٣ - أَبو الفتح بن يوسف بن الحسن بن علي الشحري (٥) المكي الحنفي، إِمام مقام الحنفية بمكة، صحب الشيخ أَحمد الأَهدلي اليمني، وتزهد ودار بمكة وفي عنقه زنبيل. ٢٤ - محمد بن أَحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن إبراهيم بن سعيد بن حامد الهلالي الإسكندري المالكي، كمال الدين بنُ فخر الدين بن كمال الدين بن الريغي قاضي الاسكندرية وابن قاضيها، وُلد بها سنة ثلاثٍ وسبعمائة، وسمع من عبد الرحمن بن مخلوف (٦) وغيره، وسمع بمكة من عيسى بن الحجي (٧). سمع منه شيخنا العراقي وهو الذي أَرّخه. ٢٥ - محمد بن أبي بكر بن علي السوق (٨) الصالحي، عز الدين، أحد المسندين بدمشق،

стр. 54

وُلد سنة إِحدى أَو اثنتين وثمانين وستمائة. وسمع من عمر بن القواس (١) "معجم ابن جميع" ومن إسماعيل بن الفراء (٢) بعض سنن ابن ماجة، وحدث وتفرد، وهو أَحد من أَجاز عاما. مات بالصالحية في أَحد الجمادين من هذه السنة، وأَرخه بعضهم في ربيع الآخر (٣) ولعله أَتقن. ٢٦ - محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الخالق، جمال الدين أَبو الغيث (٤) ابن تقي الدين بن نور الدين بن الصائغ الدمشقي، سمع من الحجار وأَسماء بنت صصرى (٥) وغيرهما، وولي قضاءَ حمص وغزة، ودرس بالعمادية (٦) بدمشق فأَقام عند جده بحلب مدة، وناب في الحكم بسرمين، ومات في ذي الحجة عن نحو الأَربعين، وقال ابن حبيب: "عن بضعٍ وأربعين"؛ قلت: وهو أخو شيخنا (٧) أَبي اليسر أَحمد. ٢٧ - محمد بن فيروز بن كامل بن فيروز الحوراني، شمس الدين قاضي القدس، مات به في ربيع الأَول، وكان قد ولي قضاءَ حلب وغيرها. ٢٨ - محمد بن محمد بن عبد الله الهاشمي، أَبو الحسن بن فهد المكي (٨)، سمع من الفخر النويري والسراج الدمنهوري (٩) وغيرهما. مات في ذي الحجة. ٢٩ - محمد بن محمد بن عيسى الأقصرائي الحنفي، بدر الدين، قدم دمشق وسمع على المزِّي وغيره، ودرّس بالعزية (١٠) البرانية بالشرف الأَعلى وخطب بها، مات في ذي القعدة

стр. 55

٣٠ - محمد بن محمد بن يعقوب البالسي (١) ثم الدمشقي، بدر الدين بن الجواشني (٢) الحنفى، سمع من عيسى المطعم (٣) وأبى بكر بن أَحمد بن عبد الدائم (٤) وغيرهما، وعنى بالعلم وناب في الحكم بدمشق وولي قضاء القدس؛ ومات في تاسع عشر ربيع الآخر (٥) عن ستين سنة وأشهر. ٣١ - محمد (٦) بن موسى بن ياسين بن مسعود، شمس الدين الحوراني ثم الدمشقي، سمع من الحجار وغيره، وناب في الحكم بدمشق، وولي قضاءَ القدس. مات في تاسع عشر ربيع الأَول بدمشق. ٣٢ - محمد بن يوسف بن عبد الله بن محمد اليحصبي اللَّوْشي (٧) - بفتح اللام وسكون الواو بعدهما معجمة - الغرناطي، سمع على أَبي جعفر بن الزبير "سنن النسائي الكبرى" و "الشفاء" و "الموطأ"، وأَخذ عن أَبي الحسن فضل بن محمد المعافري، وكان عارفًا بالحديث وضَبْطِ مشكله وبالقراءَات وطرقها، مشاركا في الفقه وغيره. مات في جمادى الآخرة، [و] أَخذ عنه شيخنا قاسم بن علي المالقي (٨) الذي مات سنة إحدى عشرة وثماني مائة. ٣٣ - نظام الدين محمد الخوارزمي ثم (٩) المصري، مدرّس الفقه (١٠)، بالجامع الطولوني،

стр. 56

ذكره محمد بن عبد الرحمن العثماني قاضي صفد في طبقات الفقهاء فقال: "كان من أكابر العلماء الشافعية وفقهائها". مات بمصر. ٣٤ - يحي بن عبد الله الرهوني شرف الدين الفقيه المالكي، أَصله من المغرب، واشتغل ومهر واشتهر ودرّس بالشيخونية، ودرّس (١) الحديث بالصرغتمشية، وأَفتى (٢)، وله تخاريج وتصانيف، تخرّج به المصريون. مات في ثالث شوال ورثاه ابن الصائغ، وأَرّخه بعضهم سنة أَربع وسبعين في ذي القعدة. ٣٥ - يحيى بن محمد بن زكريا بن محمد بن يحيى العامرى البلدي الحمويّ، ابن الخباز الشاعر الزجال، تلميذ السرّاج النجار (٣)، تمهر ونظم في الفنون وشارك (٤) في الآداب، وقد كتب عنه الصفدي وغيره، وكان يتشيع. مات في ذي الحجة وقد عمّر طويلا. قال الصفدي: "اجتمعت به غير مرة وأَنشدني من نظمه (٥)، وسأَلتُه عن مولده فقال في سنة سبع وتسعين وستمائة في شهر المحرم بحماة، وكان مشاركا في الآداب". * * *

стр. 57

سنة أربع وسبعين وسبعمائة فيها اشتد الحر بوادي الأخيضر (١) على الحاج الشامي وهم رجوع، فمات منهم جماعة عطشا، وكان السبب في ذلك أَن أَمير الحاج في الذهاب ضرب الموكلين بعمل (٢) الفساق بسبب قلة ما بها من الماء، فلما عاد الحاج لم يجدوا أُولئك ملأوا الفساق شيئًا أَصلا حِقْدا منهم على ما صُنع بهم، وكان في ظن الحاج أَنهم يجدون الفساقي ملآى فقدموا معتمدين على ذلك حتى إن بعضهم سقى بقية ما معه من الماء للجمال، فلما وصلوا ولم يجدوا الماء اقتتلوا على البئر، فمات منهم خلقٌ كثير من الزحمة ومن العطش، ومات بعد ذلك منهم أكثر ممن قُتل بالعطش. وفيها كان الوباءُ (٣) بدمشق فدام قدْر ستة أَشهر، وبلغ العدد في كل يوم مائتي نفر (٤). وفي ربيع الآخر (٥) الموافق تشرين الأَول زادت الأَنهار بدمشق فسُدّت أَبوابها فانكسر بعضها فانقلب على نهر بردي، فتلف بسبب ذلك شيء كثير وبطلت طواحين كثيرة وحمامات. وفيها (٦) ولي صلاح الدين بن غرَّام نيابة (٧) الاسكندرية عوضا عن شرف الدين موسى الأَزكشي (٨)، وكانت ولاية الأَزكشي في هذه السنة أَشهرًا.

стр. 58

وفيها أُمِر أَلّا يزيد عدد الشهود في كل مركز على أربعة. وأَن لا يولِّي (١) أحد من القضاة من غير مذهبه (٢)؛ وذلك من قِبل ألجاي المتحدث في المملكة. وفيها استقر ألجاي أَتابكَ السلطنة، وولي نظر المارستان. فاستناب كريم الدين بنَ الغنام فيه (٣). وفيها ولي أَشِقْتمِر المارديني (٤) نيابة حلب بعد أَيدمر (٥) المتوفى في العام الماضي. وفيها استقر يلبغا الناصري شادَّ الشربخاناه. وفيها (٦) وصل (٧) قود منجك نائب الشام، وكان شيئًا كثيرا إلى الغاية (٨) وفيه سباع وضبع وأَيل - وهو وحش بقرن واحد معروف - وغير ذلك. وفيها أرسل ألجاي أَخاه طَقْتَمِر الحسني إلى دمشق لعرْض الأَجنادِ بها، فحصّل أَموالا عظيمة حتى قيل إن الذي خصه خمسون أَلف دينار، وأَخذ من ذخائر القلعة أَشياءَ نفيسة. وبالغ في الظلم فاستغاث الناس إلى منبجك نائب الشام فكاتب فيه، ثم توجه المذكور إلى جهة حلب ففَعل في بقية البلاد أَشد مما فعل في دمشق (٩). ولولا تلطّف النائب وناظر الجيش بالناس

стр. 59

لهلكوا معه، واستناب ألجاي في نظر الأَوقاف الشريفَ بكْتَمر الذي كان واليَ القاهرة. وصار يحمِل إليه المعلوم. وفيها عُزل الشريف فخر الدين (١) من نقابة الأَشراف بسبب ما أَنهاه الشريف بدر الدين حسن النَّسابة أَنه يرتشي ممَّنْ ليس بشريف فيلبسه العلامة الخضراء، فعُقد له مجلس وعرض الجماعة، وحصل للجماعة التعصب، وعُزِل الشريف وقرر الشريف عاصم نقيبًا في تاسع شوال، فباشرها إلى العشرين من ذي الحجة، ثم أُعيد فخر الدين. وفيها ولي شهاب الدين أَحمد بن شرف الدين موسى بن فياض المقدسي الحنبلي الحكم (٢) بحلب، عوضًا عن أبيه بسؤاله في ذلك. وفيها استقر شمسُ الدين محمدُ بن أَحمد بن مهاجر كاتبَ السر بحلب عوضًا عن ابن غلان لما مات. وفيها كان الحريق بقلعة الجبل داخل الدور السلطانية، واستمر أَياما فُقِدَ (٣) فيه شيء كثير، ويقال إن أَصله من (٤) صاعقة وقعت. وفيها مات منكلي بغا الشمسي، فرسم السلطان لأَجناده (٥) أَن يمشوا في خدمة ولِيَّ العهد أَمير علي، وهو الذي تولَّى السلطنة بعده. وفي جمادى الأُولى ولي بيدمر نيابة طرابلس. وفيها عَقد أُلجاي مجلسا (٦) بالعلماءِ في إقامة خطبةٍ بالمنصورية، فأَفتاه البلقيني وابن الصائغ وآخر بالجواز، وخالفهم الباقون، فانفصل المجلس على ما قاله الجمهور. وصنّف البلقيني كتابًا في الجواز: وصنّف شيخنا الحافظ العراقي كتابا في المنع، وقد سبق بالتصنيف

стр. 60

في المنع (١) تقيّ الدين السبكي فجمع فيه عدة تواليف صغار، وقفتُ على أَربعة منها، ووقفتُ بعد ذلك على جزء جمعه القاضي برهان الدين بن جماعة في المنع. وفيها استقر ابن الغنام وزيرًا وولدُه عبد الله ناظر البيوت (٢)، وكريمُ الدين بن الرُوَيْهب ناظر الدولة (٣)، وجمالُ الدين عبد الرحيم بن الوراق (٤) ناظرَ الخزانة الكبرى، وقرطاي [الكركي (٥)] كاشفَ الوجه القبلي. وأُمْسك الوزير المنفصل وهو فخر الدين بن تاج الدين موسى. وفيها ضربت عنق ابن سويدات بسبب أُمورٍ تنافي الشريعة، فحكم البرهان الإخنائي بسفك دمه، وكان من أَهل الحسينية ظاهر القاهرة. وفيها قدم بعض الشيوخ الزواكرة إلى دمشق ومعه تمر ومرسوم أَن يباع ما معه من التمر كل تمرة بدرهم، فشق ذلك على الباعة وأَكثروا الشناعة. ذكر ذلك ابن كثير. وفي هذه السنة راسل اللنك شاه ولي صاحب مازَنْدَران (٦) يستدعيه إلى حضرته، فأَرسل إليه جماعةً من أكابر مملكته، منهم إسكندر الجلالي وأرسبوند وإبراهيم القُمِّي فأَكرمهم اللنك. وراسل (٧) شاه ولي ملوكَ العراق، فأَطمعه أَحمد بن أَويس صاحب بغداد في نصره (٨) إن قصده اللنك. وامتنع شاه شجاع من إجابته لكونه هادن اللنك وهاداه قبل ذلك. ورحل اللنك بعساكره طالبا مازندران فنازلها، فلم يثبت شاه ولي للقائه (٩)، فانهزم إلى الري وكان بها أَمير من جهته يقال له "محمد جوكان"، فغدر به (١٠) وقبض عليه وأَرسله إلى اللنك متقربًا به إليه فأَمر بقتله؛ ودخل جوكان في طاعة اللنك، وغَلب اللنك على تلك البلاد كلها (١١). * * *

стр. 61

ذكر من مات في سنة أربع وسبعين وسبعمائة من الأعيان: ١ - إبراهيم بن أَحمد بن إسماعيل الجعفري الدمشقي الحنفي، برع في الفقه وثاب في الحكم ودرس. مات في المحرم. ٢ - إبراهيم بن خليل بن شعبان الصارم أُستادار (١) الأَتابك أسندمر، مات في ذي القعدة. ٣ - إبراهيم بن محمد بن عيسى بن مطير بن علي بن عثمان الحكمي (٢) اليمنى (٣)، كان عالمًا صالحًا عارفا بالفقه، درّس وأَفتى وحدّث عن أَبيه. وكان مقيما بأَبيات حسين من سواحل اليمن: وكان يلقّب ضياء الدين. سمع من والده (٤) ومن محمد بن عثمان بن هاشم الحجري وغيرهما. وحدث. ٤ - أَحمد بن رجب بن حسن بن محمد بن مسعود البغدادي نزيل دمشق، والد الحافظ زين الدين [عبد الرحمن] بن رجب، وُلد ببغداد ونشأَ بها وقرأَ بالروايات وسمع من مشايخها ورحل إلى دمشق بأَولاده فأَسمعهم بها وبالحجاز والقدس، وجلس للإقراء بدمشق وانتفع به. وكان ذا خير ودين وعفاف. ومات في هذه السنة أو التي قبلها (٥). ٥ - أَحمد بن عبد الله العباسي ثم المصري الحنبلي (٦) سبط أَبي الحزم القلانسي، مات في جمادى الأُولى: وهو منسوب إلى العباسة (٧) من قرى الشرقية. ٦ - أَحمد بن عبد الوارث البكري الفقيه الشافعي، شهاب الدين، وهو والد الشيخ نور الدين (٨) الذي ولي الحسبة، وأَخو صاحبنا عبد الوارث (٩) المالكي، وجدُّ صاحبنا نجم

стр. 62

الدين عبد الرحمن (١). مات في شهر رمضان؛ وقال لي (٢) شيخنا ابن القطان: "كان عارفًا بالفقه والأصل والعربية، منصفا في البحث، ولي تدريس إطفيح، واعتزل الناس في آخر عمره". ٧ - أَحمد بن محمد بن جمعة بن أبي بكر بن إسماعيل بن حسن الأَنصاري الحلبي الشافعي، ويقال له ابن الحنبلي: سمع من التاج (٣) النصيبي "جزء محمد بن الفرج الأَزرق"، وأَفتى وحدث وناب في الحكم. مات (٤) في ذي الحجة عن نحو سبع وسبعين سنة. فإِنّ مولده في ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين. ٨ - أَحمد بن محمد بن علي بن سعيد الدمشقي، صدر الدين، أَبو طاهر بن بهاء الدين ابن إِمام المشهد. وُلد سنة أَربع وثلاثين أَو بعد ذلك. وأُحضر على زينب (٥) بنت الكمال وأحمد بن علي الجزري (٦)، وسمع من أصحاب الفخر فأكثر: وبرع في الطلب، وكتب الطباق بخطه الحسن، ووقَّع على القضاة، ومات في ثامن شعبان. ٩ - أحمد بن محمد بن محمد بن المسَلِّم (٧) بن عَلان القيسي الدمشقي اليوسفي (٨)، شهاب الدين كاتب السر بحلب، باشرها سنةً واحدة، ومات وله نيف وخمسون سنة. ١٠ - أَرغون ططر (٩) بن عبد الله التركي، كان من مماليك حسن، وتقدم في دولة يلبغا، ثم ولي رأس نوبة، ثم قُبض عليه (١٠) بعد كائنة (١١) يلبغا سنة ثمان وستين وحُبس بالإسكندرية، ثم أُفرج عنه وولي إمرة حماة واستقر بها إلى أَن مات في أَوائل هذه السنة.

стр. 63

١١ - إسماعيل بن عمر بن كثير (١) بن ضوءِ بن درع البصروي ثم الدمشقي، الفقيه الشافعي الحافظ عماد الدين بن الخطيب شهاب الدين، وُلد سنة سبعمائة (٢) وقدم (٣) دمشق وله نحو سبع سنين: سنة ست وسبعمائة مع أَخيه بعد موت أَبيه، وحفظ "التنبيه" وعَرضه سنة ثماني عشرة، وحفظ "مختصر ابن الحاجب"، وتفقه بالبرهان (٤) الفزاري وبالكمال ابن قاضي شهبة، ثم صاهر المزِّي وصحب ابن تيمية، وقرأَ في الأُصول على الأَصبهاني. وأَلّف في صغره "أَحكام التنبيه"، فيقال إن شيخه البرهان أَعجبه وأَثنى عليه، واتفق قدوم ابن جماعة في الرحلة بولده عُمر سنة عشر إلى دمشق فاستقدمه معه، وانتفع به في تخريج "أحاديث الرافعي". ورأَيت نسخة من "تخريج أَحاديث مختصر ابن الحاجب"، له، بعضها بخط تقي الدين بن رافع؛ وكان كثير الاستحضار قليل النسيان جيد الفهم، وكان يشارك في العربية ويستحضر "التنبيه" ويكرر عليه إلى آخر وقت، وينظم نظما وسطا، قال ابن حجي: "ما اجتمعت به قطّ إلّا استفدت منه وقد لازمته ستّ سنين"، وقد ذكره الذهبي في معجمه المختص فقال (٥): "الإمام المتحدث المفتي البارع"، ووصفه بحفظ المتون وكثرة الاستحضار جماعة منهم: الحسيني وشيخنا العراقي وغيرهما، وسمع من الحجار والقاسم بن عساكر وغيرهما، ولازم الحافظ المزِّي وتزوج بابنته وسمع عليه أَكثر تصانيفه، وأَخذ عن الشيخ تقي الدين بن تيمية فأَكثر عنه، وصنَّف التصانيف الكثيرة في التفسير والتاريخ والأَحكام، وقال ابن حبيب فيه: "إمام (٦) ذوي التسبيح والتهليل، وزعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنّف، وأَطرب الأسماع بأَقواله وشنّف، وحدَّث وأَفاد، وطارت أَوراق فتاويه إلى البلاد. واشتهر بالضبط

стр. 64

والتحرير، وانتهت إليه رياسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير". مات بدمشق في خامس عشر شعبان، وقد أَجاز لمن أَدرك حياته وهو القائل: تَمُرُّ بِنَا الأَيَّام تَتْرَى وإِنَّمَا … نُسَاقُ إلى الآجَالِ والعينُ تنظرُ فلا عائدٌ ذاك الشبابُ الذي مضى … وَلَا زائلٌ هذا المشيبُ المكدِّرُ قلت: ولو قال: "فلا عائدٌ صفو الشباب" إلى آخره لكان أَمتع. ولما (١) رتّب الحافظ شمس الدين بن المحب المعروف بالصامت "مسند أَحمد" على ترتيب حروف المعجم حتى في التابعين المكثرين عن الصحابة أَعجب ابنَ كثير فاستحسنه ورأَيتُ النسخة بدمشق بخط ولده عمر فأَلحق ابن كثير [ما استحسنه] (٢) في الهوامش من الكتب الستة و "مسْنَدَيْ ابن أبي يعلى والبزار" و "معجمي الطبراني" ما ليس في "المسند" وسمي الكتاب "جامع المسانيد والسنن (٣) "، وكُتِبَتْ منه عدة نسخ نُسبت إليه، وهو الآن في أَوقاف المدرسة المحمودية: المتن وترتيب ابن المحب والإِلحاقات بخط ابن كثير في (٤) الهوامش والعصافير، وقد كنتُ رأيتُ منه نسخة بيضها عمر بن العماد بن كثير مما في المتن والإلحاق، وكتب عليه الاسم المذكور. ١٢ - إسماعيل بن محمد بن نصر الله بن يحيى بن دعجان بن خلف العدوي، فخر الدين، ابن عم محيي الدين بن فضل الله كاتب السر، سمع [وهو كبير] (٥) من البندنيجي (٦) مشيخته وحدث؛ ومات في المحرم وله سبع وسبعون سنة لأَن مولده سنة سبع وتسعين وستمائة، ولو سمع على قدر سنِّه لأدرك إسنادًا عاليا. ١٣ - أَبو بكر بن محمد بن يعقوب الشُّقَّاني (٧) المعروف بابن أَبي حربة (٨). كان فقيها

стр. 65

عارفًا فاضلا زاهدًا صاحب كرامات شهيرة ببلاده، وهو من شُقّان - بضم المعجمة وتشديد القاف وآخره نون - من السواحل بين جدة وحلى. ١٤ - بهادر [بن عبد الله (١)] قلقاس وكيل السلطان بدمشق. كان أَكابر الظلمة ففرح الناس بموته. ١٥ - بركة خاتون بنت عبد الله والدة الملك الأَشرف، تزوجت أُلجاي في سلطنة ولدها وماتت في عصمته في ذي القعدة (٢)، ولها مدرسة بالتبانة (٣). وكان الأَشرف كثير البر بها بحيث أَنه عادها مرارًا حتى بالروضة (٤) مقابل مصر، وماتت في ذي المعدة فدفنها (٥) ولدها بمدرستها التي أَنشأَتها بالتبانة بالقرب من القلعة، فأَراد الأَشرف أن يزوج أُلجاي ابنته فقيل له لا تحل له، فجَمع القضاةَ فأَفتوه بالمنع لأَن بنت الربيب ربيبة فعوضه عنها بسرية كان يحبها اسمها بستان فأَعتقها وزوجها له، ثم وقع بينهما منافرة بسبب تركة أُم الأَشرف التي ماتت (٦)

стр. 66

١٦ - الحسن (١) بن عبد العزيز بن عبد الكريم بن أَبي طالب بن علي بن سيدهم اللخمي التستراوي ثم المصري، أَبو بكر (٢) محمد بدر الدين، كان جوادًا وافر المروءة كثير المكارم محبا في الصالحين، باشر ديوان طيبغا (٣) الطويل ودخل معه حلب لما وليها (٤) ثم رجع، وكان قد سمع من الحجار وعبد الرحمن بن مخلوف (٥) وابن جماعة ومحمد بن عبد الحميد الهمداني (٦) والجلال بن عبد السلام وجماعة، ولازم سماع الحديث من المتأَخرين، وحدث بكتاب "المدخل" لابن الحاج بسماعه منه، وكتب عدة أَجزاء بخطّه، وهو عم صهري كريم الدين عبد الكريم (٧) بن أَحمد بن عبد العزيز. مات في العشرين من جمادى الأُولى، وكان قد ركبه الدَّين الكثير وهو لا يترك طريقته في العطايا والجود، فاتفق أَن ماتت زوجته وتركت مالًا جزيلًا، فمات عقبها فوفَّى دينَه قريبُه المذكور بموجوده، ولم (٨) يتأَخّر من ميراثه شيء بل جاء حقُّه بحقِّه؛ وكذا اتفق لقريبه المذكور لكن على غير هذه الكيفية كما سأَذكره إن شاء الله في ترجمته (٩) سنة سبع وثماني مائة. قال الحافظ أَبو المعالى بن عشائر: "حدث بحلب بالمائة المنتقاة من الصحيح لابن تيمية بسماعه من الحجار ووزيره، ولم يتحقق لنا سماعه لذلك ولكن قرءُوا عليه بأَخباره (١٠)، والمحقق سماعه للمحدث الفاضل من ابن مخلوف والمتوكل من ابن الصواف وكلاهما بالإسكندرية".

стр. 67

١٧ - سليمان بن محمد بن حميد بن محاسن الحلبي ثم النيربي الصابوني (١). ولد سنة إحدى وسبعمائة (٢) بمصر، وأُحضر على الحافظ الدمياطي في الرابعة من عمره "السيرة النبوية" و "التعيين" لابن أَبي الدنيا. وحدّث عن ستِّ الوزراءِ والحجار، فقرأتُ بخط محمد بن يحيى بن سعيد (٣) في شيوخ حلب سنة ثمان وأَربعين أَن ذلك لم يكن صحيحا وإنما له منهما إجازة، قلت: وذكره ابن رافع في معجمه؛ وكنيته أَبو قمر. وكانت وفاته بالنّيْرَب (٤) في شهر رمضان. سمع منه البرهان محدث حلب. ١٨ - سنقر بن عبد الله الواسطي ويقال له عبد الله، كان مولى الحسين الواسطي. سمع من المزّي ويحيى بن أَبي إسحق الشيباني (٥) قاضي زرع من "سنن الدارقطني" وحدث، وكان كثير الصدقة والتودد، مواظبا على الجماعة. مات في ربيع الآخر. ١٩ - طاهر بن أبي بكر بن محمد بن محمود بن سعيد التبريزي ثم الدمشقي، الخواجا نجم الدين، سمع من الحجار والمزي والجزري (٦) وغيرهم، وكان يكفن الموتى من ماله ثم افتقر، ونزل صوفيا بالسميساطية (٧)، ومات في أواخر صفر وقد جاوز الثمانين بأَربع سنين لأَن مولده كان سنة تسعين (٨) وستمائة، قال ابن كثير: "كان من أَحاسن الناس، وفيه حشمة ورياسة وإحسان، وكان قد حظى عند تنكز وولّاه أَنظارًا كبارًا ووظائفه"، وهو الذي كفّن المزي من ماله. ٢٠ - عبد الله بن عمر بن سليمان المصري المعروف بالسبطين، وأَصله مغربي: كان مقيما بالجامع الأَزهر وللناس فيه اعتقاد، وهو والد صاحبنا شهاب الدين أَحمد.

стр. 68

٢١ - عبد الرحمن (١) بن الخضر بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يوسف (٢) بن عثمان السنجاري (٣) ثم الحلبي، الأَديب زين الدين أَبو محمد كاتب الدَّرَج بحلب: أَناف على الستين، ومن نظمه: حَمَامَ الأَرَاكِ أَرَاكَ (٤) الهَوَى … شجونًا غَدَوْتَ لها مُسْتَكِينا فَلَوْلَا (٥) النَّوى ما عرَفْتَ النواحَ … ولولَا الشجَى ما ألِفْتَ الشجونا أَثنى عليه ابن حبيب (٦). ٢٢ - عبد العزيز بن علي بن عثمان (٧) بن يعقوب عبد الحق، أَبو فارس المريني بن أبي الحسن بن أَبي سعيد بن أَبي يحيي البربري صاحب فاس. لما مات أَبوه أَبو الحسن اعتُقل هو إلى أَن غلب الوزير عمر بن الوزير عبد الله بن علِي علَى أَمْرِ المملكة ونصب تاشفين بن أَبي الحسن - أَخا عبد العزيز هذا - في السلطنة، وذلك في سابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين وستين، وقاتل أَبا سالم إبراهيم بن أَبي الحسن إلى أَن قُتل: فثار محمد بن أَبي عبد الرحمن بن أَبي الحسن في صفر من سنة ثلاث وستين، فكانت له حروب آلَتْ إلى خروجه إلى مصر فحج ورجع فمات، فقام أَخوه عبد الرحمن بسجلماسة فسجن، وقام أَبو الفضل بن أَبي سالم بمراكش، وقام عبد الرحمن بن أَبي علي مُنَازِلًا فحاربهم الوزير المذكور، ثم توهّم من أَبي زيان، فقتله في المحرم سنة ثمان وستين، وبايع عبد العزيز وأَخرجه من الاعتقال وسلطنه ورحل به من فاس في شعبان منها، فنزل (٨) مراكش، فوقع الصلح بينه وبين أَبي الفضل ومن معه ورجعوا إلى فاس، فشقَّ على أَبي فارس استبدادُ الوزير وساء ما بينهما. فهمّ الوزير بخلعه وإقامة أَخيه عمر، فبادر وقتله بغتة واستولى على أَمواله وتتبّع أَهله وحشمه فقتل بعضا ونفى (٩) بعضا،

стр. 69

وتوجه من فاس إلى مراكش فنازل أَبا الفضل حتى قتله، ثم حارب عامر بن محمد المتغلِّب بفاس حتى هزمه ثم ظفر به فقتله، وقتل تاشفين في سنة إحدى وسبعين، ثم ملك تلمسان في يوم عاشوراءَ سنة اثنتين وسبعين، واستأمنوا ملك المغرب الأَوسط، وثبت قدمه، ودفع الثوار والخوارج واستمال العرب، ولم يزل إلى أَن طرقه مالا بد منه فمات بمعسكره في تلمسان في شهر ربيع الآخر، واستقر في السلطنة بعده ولده السعيد محمد، ثم خُلع سنة ست وسبعين واستقر السلطان أَبو العباس بن أبي سالم. ٢٣ - عثمان بن محمد بن عيسى بن علي بن وهب القشيري، فخر الدين، ابن دقيق العيد المصري. سمع من عم أَبيه تاج الدين أَحمد بن علي (١) الأول من "مشيخة ابن المقري"، وناب في الحكم ونظر في الأَوقاف ودرّس بجامع آق سنقر (٢) والمسرورية (٣) والنابلسية، وكان مُزجَى البضاعة. مات في شهر ربيع الأَول. ٢٤ - علي بن إبراهيم بن سعد (٤) الأَنصاري: أَبو الحسن بن معاذ، كان يذكر أَنه من ذرية سعد بن معاذ الأَوسي، وكان فاضلًا مشاركا في عدة علوم متظاهرًا بمذهب أَهل الظاهر يناضل عنه ويجادل مع شدةِ بأس وقوةِ جنان ومعاشرةٍ لأَهل الدولة خصوصا القبط، ونسخ (٥) بخطه غالب تصانيف ابن حزم، وكتب بخطه شيئًا كثيرًا خصوصا من كتب الكيمياء، وقد سمع من ابن سيد الناس (٦) ولازمه مدة طويلة، وسمع منه البرهان محدث حلب، ومات بمصر في رابع شوال. أَخذ عنه الشيخ أَحمد القصير مذهب أَهل (٧) الظاهر، وكان يذكر لنا عنه فوائد ونوادر وعجائب. والله يسامحه.

стр. 70

٢٥ - علي بن الحسن بن قيس (١) البابي الحلبي الشافعي. عنى بالعلم وأَفتى وانتفع الناس به، ودرس بالسيفية (٢)، ومات في صفر. ٢٦ - عمر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن عبد الله الكناني الصالحي المعروف بابن النَّقْبِي (٣)، سمع من عمر بن القواس "معجم ابن جميع" و "جزء ابن عبد الصمد" وغير ذلك وتفرَّد بذلك. مات في ذي القعدة عن نيف وثمانين سنة. ٢٧ - فاطمة بنت نصر الله بن أَبي محمد بن محمد السلامي: قريبة (٤) ابن رافع، وُلدت تقريبا سنة عشر، وأُسمعت على الواني، وكانت خيرة دينة. ماتت في صفر سنة (٥) أَربع وسبعين: سنة مات قريبها (٦). ٢٨ - محمد بن أَحمد بن إبراهيم [بن يوسف (٧)] الديباجي المنفلوطي: الشيخ ولي الدين الملوي الشافعي: سمع من الحجار وأَسماء بنت صصرى وغيرهما بدمشق، ثم تجرد إلى الروم وأَخذ عن جماعة من علمائها، ثم رجع إلى دمشق، وقدم القاهرة مرارًا ثم استوطنها ودرس بالمنصورية (٨) والسلطانية حسن وغيرهما (٩) وكان فاضلا متواضعا جدا قليل التكلّف إذا لم يجد ما يركب مشى، كثير الإِنصاف ولو على نفسه، خبيرًا بدينه ودنياه. عارفًا بالتفسير والفقه والأَصلين والتصوف، صنف عدة تواليف صغار منها "مشكلات من تصوف الاتحادية"، وكان ابن عقيل قد ولي درس مدرسة حسن قبل موت السلطان، فلما قُتل أَراد يلبغا هدْم المدرسة ومنَع ابنَ عقيل من تدريسها وولّاها الشيخ ولي الدين فغضب منه (١٠) ابن عقيل وهجر ولي الدين، ثم استرضى

стр. 71

يلبغا ابنَ عقيل بالخشابية واستمر التراضي بينهما، وحدَّث باليسير. قال ابن حجى: "كان يحفظ تنجيز التعجيز"، وسمع في صباه من الحجار وأَسماء بنت صصرى، وكان من أَلطف الناس وأَظرفهم شكلا، ويرقص في السماع، ويجيد التدريس، وله تواليف بديعة الترتيب، وكان يصغِّر عمته ويتصوف. مات في شهر ربيع الأَول عن بضع وستين سنة وكان الجمع في جنازته حافلًا متوافرًا يقال بلغوا ثلاثين أَلفًا. قال العثماني الصفدي: "رأَيْتُه شابا في حلقة النور الأَردبيلي، حسن الملبوس مترفَ الهيئة، ثم رأَيتُه بالقدس بعد ثلاثين سنة وعليه ثياب دنسة وبيده عكاز وقد نحف جسمه"، وقال: "وتوجه إلى مصر مجردًا فزار الشافعي فحضر التدريس بجانب القبة (١) فعرفه المدرس فأَكرمه وأَجلسه معه، ثم سأَله أن يدرّس فدرّس في الموضع الذي كانوا فيه اتفاقا مما عظم به قدره"، ويقال إِنه قال عند موته: "حضرَت ملائكة ربي وبشَّروني وأحضروا لي ثيابًا من الجنة فانزعوا عني ثيابي"، فنزعوها فقال: "أرحتموني"، ثم زاد سروره ومات في الحال. ٢٩ - محمد بن أَحمد بن أَبي بكر بن عبد الصمد بن مرجان الصالحي المقرئ الحنبلي، سمع من القاضي سليمان (٢)، وعيسى المطعم ويحيى بن سعد وغيرهم وحدث. مات في شعبان عن سبعين (٣) سنة. ٣٠ - محمد بن رافع بن أبي محمد بن شافع بن محمد بن سلّام السلامي، الحافظ تقي الدين الصميدي - نسبة إلى قرية من قرى دمشق - المصريّ المولد والمنشأ ثم الدمشقي، وُلد سنة أَربع وسبعمائة، وسمع بإِفادة أَبيه من على بن القيم (٤) والحسن (٥) سبط زيادة ونحوهما، وأَجاز له الدمياطي، ثم ارتحل به أَبوه إلى الشام سنة أَربع عشرة وأَسمعه من التقي سليمان وأبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم وعيسى المطعم وإسماعيل بن مكتوم (٦) وستّ الوزراء (٧)، ثم

стр. 72

طلب بنفسه بعد العشرين وتخرَّج بالقطب الحلبي وأَبي الفتح اليعمري، ورحل سنة ثلاث وعشرين إلى دمشق أيضا فسمع من القاسم بن عساكر وأَبي نصر (١) الشيرازي وابن الشحنة، ولازم المزِّي والبرزالي والذهبي مدةً ثم رجع، ثم عاد صحبة القاضي تقي الدين السبكي سنة تسع وثلاثين وولي درس الحديث بالنورية (٢) بعد الذهبي سنة ثمان وعشرين: وخرَّج لنفسه معجما حافلًا في أربع مجلدات، وجمع "الوفيات" التي ذيَّلها على البرزالي: وجمع "الذيل على تاريخ ابن النجار لبغداد"، وكان ذا صلاحٍ وورع ومعرفة بالفن فائقًا، وكان الشيخ تقي الدين السبكي يرجحه على العماد ابن كثير، قال ابن حبيب: "إمامٌ تقدم في علم الحديث ودرايته، وتميز بمعرفة أَسماء ذوي إسناده وروايته، ورحل وطلب، وسمع بمصر ودمشق وحلب، وأَضرم نار التحصيل وأَجَّج: وقرأَ وكتب وانتقى وخرَّج، وعنى بما روى عن سيد البشر، وجمع معجمه الذي يزيد على أَلفي نفر، وكان لا يعتني بملبس ولا مأكل، ولا يدخل فيما أَبهم عليه من أَمر الدنيا وأَشكل (٣)، ويختصر من الاجتماع بالناس، وعنده في طهارة ثوبه وبدنه أَي وسواس". سكن دمشق وباشر التدريس في الحديث بالنورية وغيرها، ومات بها في شهر جمادى الأُولى عن سبعين سنة، وكان أَبوه (٤) من المحدّثين فأَحضر ابنه هذا علَى الشيخ علِيّ بن هرون وابن الصواف وغيرهما وأَسمعه من جماعة. ثم حبَّب إليه الطلب فرحل به إلى دمشق وحلب فأَسمعه من جماعة، واستجاز له أَبوه من الدمياطي وغيره، وقرأَ أَبوه تهذيب "الكمال" على المزي فسمعه منه (٥)، وسمع من التقي سليمان وطبقته ومَن بعدهم، ثم رجع إلى القاهرة فتخرج بالقطب والفتح، ثم قدم دمشق صحبة السبكي لما قدم قاضيا، وانتقى له الذهبي جزءً من "عواليه" وحدث قديما؛ ذكره الذهبي في المعجم المختص وقال فيه: "المتقن الرحال، رحل به أَبوه فسمّعه تهذيب الكمال على مؤلفه، ثم مات والده فحُبب إليه هذا الشأن، ورحل مرارًا منها في سنة تسع وعشرين إلى حلب وحماة وسمع بها وبغيرها"، وقال أيضا: "قدم دمشق مرارًا آخرها سنة تسع

стр. 73

وثلاثين فاستوطنها وحصَّل وظائف"، وذكره في "المعجم الكبير" أَيضا، وأَنشد (١) له شعرًا أَنه أَنشده إياه عن الذهبي نفسه فحدَّث عن واحد عن نفسه بشي من شعره. ولما توفي المزي أَعطاه السبكي مشيخة الحديث النورية وقدَّمه على ابن كثير وغيره، ولما شعرت الفاضلية (٢) عن الذهبي قدمه على مَن سواه من المحدثين. وذكر لي شيخنا العراقي أَن السبكي كان يقدمه لمعرفته بالأَجزاءِ وعنايته بالرحلة والطلب (٣). قلت: والإنصاف أَن ابن رافع أَقرب إلى وصف الحفظ. على طريقة أَهل الحديث من ابن كثير لعنايته بالعوالي والأَجزاء والوفيات والمسموعات، وابنَ كثير أَقربُ إلى الوصف بالحفظ على طريقة الفقهاء لمعرفته بالمتون الفقهية والتفسيرية دون ابن رافع، فيُجمع منهما حافظ كامل، وقَلَّ من جمعهما بعد أَهل العصر الأَول كابن خزيمة والطحاوي وأَبي حبان والبيهقي (٤)، وفي المتأَخرين شيخنا العراقي. وكان ابن رافع كثير الإِتقان لما يكتبه والتحرير والضبط لما يصنِّفه، وابتلي بالوسواس في الطهارة حتى انحل بدنه، وأَفسد ذهنَه وثيابه، وتأَسف هو على ذلك، ولم يزل مُبتلًى به حتى مات. قال ابن حجي: "كان يحفظ المنهاج والأَلفية ويُكرر عليهما إلى أَن مات". ٣١ - محمد (٥) بن عبد الله الكازروني، الشيخ بهاء الدين، قدم مصر فصحب الشيخَ أَحمدَ الجزري (٦) صاحِبَ الشيخ ياقوت تلميذ أَبي العباس المرسي، وانقطع بعده في المشتهى (٧) من الروضة، وكان الناس يترددون إليه ويعتقدونه، وكان الشيخ أكملُ الدين كثيرَ التعظيم

стр. 74

له، وكان أعجوبةً في جذب الناس إليه وإقامتهم عنده، وانقطاعهم عن أَهلهم خصوصا المرد (١)، وممن اتفق له معه ذلك من أَصحابنا الشيخ بدر الدين البُشتكي فيما أَخبرني به، وكان يكثر الثناءَ عليه، وذكر لي أَنه نسخ له شيئًا كثيرًا خصوصا من تصانيف محيى الدين بن عربي، وكان منقطعا إليه إلى أَن مات. واتفق من العجائب ما حكاه لي الشيخ نجم الدين البالسي أَنه لما مات [الكازروني] حضر جنازته في جملةٍ خلقٌ كثير، فبينا هو في أَثناء دفنه وإِذْ باللاحد خرج من القبر أَمردَ جميلَ الصورة للغاية، فاشتغل الناس أَوْ غالبهم بالنظر إليه، وقضوا العجب من استمرار ملازمة هذا الجنس للشيخ حتى دفنه. ومات في ذي الحجة وأَرخه ابن دقماق ليلة الأحد خامس ذي القعدة. ٣٢ - محمد بن عبد الرحمن بن أَبي بكر بن السِّراج الزبيدي الحنفي، أَحد الفضلاء، يُكنى أبا يزيد (٢). مات عن ثلاث وخمسين سنة. ٣٣ - محمد بن عبد الكريم بن محمد بن صالح بن قاسم (٣) الحلبي، ظهير الدين أَبو محمد بن العجمي، سمع "صحيح البخاري" و "سنن ابن ماجه" (٤)، و "البعث" لأَبي داود من سنقر الزيني (٥)، "وسمع مشيخة ابن شادان" من بيبرس العديمي (٦) وسمع من غيرهما وحدّث. مات في خامس عشري المحرم عن ثمانين سنة لأَن مولده كان سنة أربعٍ وتسعين وستمائة، وسمع منه شيخنا (٧) وأَرخه، وسمع منه أَيضا ابن عساكر (٨) وأَبو إسحق سبط ابن العجمي - وهو أَقدم شيخٍ له -، والبرهان - آخر من روى عنه - وآخرون، وطلب بنفسه، وكتب الطباق والأَجزاء، ونسخ كثيرا من الكتب بالأُجرة، وكان يسترزق من الشهادة، فإذا طُلب منه السماع طَلب الأُجرة لما يفوته من الشهادة بقدر ما يكفيه من القوت.

стр. 75

٣٤ - محمد بن عثمان بن موسى بن علي بن الأقرب (١) الحنفي الحنبلي، شمس الدين بن فخر الدين، كان فاضلا متواضعا، درَّس بالأَتابكية (٢) والقليجية (٣). مات عن نيّف وستين (٤). ذكره ابن حبيب؛ وقال ابن كثير: "كان من أَحاسن الناس، وفيه حشمةٌ وسياسة (٥) وإحسان". وأَخوه شهاب الدين أَحمد كان فاضلًا رحل إلى مصر واشتغل بها، ومهر في المعقول وولي قضاءَ عينتاب، وأَخوهما علاء الدين تتلمذ للقوام الأَبراري ومهر في الفتوى. ٣٥ - محمد بن علي بن أَحمد السمرقندي بن العطار، نزيل دمشق، كان زاهدًا عابدا ديِّنا (٦) عاملا ملازما للعلم والعمل، أثنى عليه ابن كثير ووصفه بالجمع بين العلم والعبادة، وكان يؤثر على نفسه حتى بقميصه ويغضب في إزالة المنكر لله، وكان حسنَ الفهم للعلم على عُجمة فيه، وكان يَعِظُ على كرسي ويحصل له حال في تلك الحالة. مات (٧) في تاسع جمادى الآخرة عن نحو الخمسين. ٣٦ - محمد بن علي بن إسماعيل الزواوي، سمع الصحيح من وزيرة والحجار وحدث به. مات في أَوائل (٨) السنة عن خمس وسبعين قتيلا. ٣٧ - محمد بن عوض (٩) بن عبد الخالق بن عبد المنعم البكرى الفقيه، ناصر الدين الشافعي، ولد سنة سبعمائة واشتغل كثيرًا، ثم ولي تدريس الفيوم مدة طويلة وكان عالما (١٠) بالأَصل والفقه والعربية والهيئة، وصنّف تصانيف مفيدة، وهو والد صاحبنا نور الدين
следующие страницы →