وفى ثامن جمادى الأُولى - بعْد إطلاق أَكثر الأُمراء المحبوسين - استقرّ أَلطنبغا الجوباتيُّ نائبَ السلطنة بدمشق، وجُهِّزَت صحبته العساكر لقتال منطاش فوصلوا في جمادى الآخرة، فبرز لهم منطاش فقاتلهم ثم انهزم، ثم بلغه أَن أيتمش ومن معه في الحبس بقلعة دمشق وثبوا على نائبها فأَمسكوه وملكوا القامة، فكرَّ راجعًا إلى دمشق فَقَتَل من قدر عليه، وأَخذ ما أَمكنه من الأَموال وتوجَّه إلى الجهة الشمالية، وتسلَّل أَكثر من كان مع منطاش إلى الظاهر ودخلوا القاهرة أَرسالًا.
واستولى [أَلطنبغا] الجوباني على دمشق، وقَبض على من أمكنه من أَصحاب منطاش، فلما وصلت الأَخبار إلى القاهرة بذلك زُيِّنَتْ عشرة أَيام، ثم قدم عسكر طرابلس باستدعاء منطاش فوجدوه قد هرب، فقبض على أَعيانهم أَخذًا باليد، وجُهِّزت سيوفهم إلى القاهرة.
* * *
وفى العشرين حضر السلطان دار العدل ولم يدخلها المنصور منذ خُلع الظاهر، ولما فرغ الموكب دخل السلطان القصر فحضر الخليفة ومعه القضاة فقرئ عهد السلطنة بحضرتهم وحضور الأُمراء.
ثم خلع على الخليفة وركب من باب القصر حجرة بسرج ذهب وكنبوش مزركش، وكان الحنفيُّ ضعيفا فلم يحضر، وحضر المناوى وهو معزول فجلس تحت الحنبلي.
* * *
وفى الثاني عشر من شهر رجب وصل بدر الدين بن فضل الله وجمال الدين العجمي إلى القاهرة فأُمِرا بلزوم بيوتهما، وأَغْرم كلًّا منهما مالًا كبيرًا.
* * *
وفيه استقر علاء الدين بن الطبلاوي في ولاية القاهرة.
* * *
وفيه قوى كمشبغا بحلب على النائب الذي بها من جهة منطاش، وكان كمشبغا
стр. 422
لما انهزم في وقعة شقحب سار إلى حلب في البرية، فوصل في ثامن عشر المحرم فدخلها متخفيا ثم التفَّت عليه جماعة من الظاهرية فحاصروا القلعة وقبضوا على ولد نائبها حسين بن الفقيه فهددوه بقتل ولده ففتح لهم الباب (١) فدخلوها، وأَرسلوا إلى كمشنبغا فملكها، فحاصره النائب من جهة منطاش وهو جَنْتَمِر (٢) وعاونه أَهل بانقوسا فأَحرقوا باب القلعة والجسر لواصل، ونقبوا من ثلاثة مواضع، فرمى عليهم كمشنبغا بالمكاحل، وصار يتخطَّفهم بالكلاليب، فدام ذلك نحو شهرين أَو أَكثر.
فلما سمع جنتمر هَرَبَ منطاشٍ خاف على نفسه فهرب، فبلغ ذلك كمشبغا فعمَّر الجسر وخرج فقاتل أَهل بانقوسا، وعمر أَسوار حلب أَحسن عمارة في أَسرع وقت، وكانت من وقعة قازان خرابًا.
فلما انتصر كمشبغا عليهم قتل غالبَ أَهلها وهم زيادة على أَربعة آلاف نفس، وقتل كبيرهم أَحمد بن الحرامى وخربّها إلى أَن جعلها دكَّا، وقتل قاضي حلب وغيره صبرًا، كما سيأْتي في الوفيات.
فلما بلغ ذلك كلُّه السلطان أعجبه وأَرسل إلى كمشبغا يطلب منه الحضور إلى القاهرة فحضر، وكان ما سنذكره.
* * *
وفى العشرين من رجب كان شاع أَن بطا يريد أَن يثير الفتنة، فحلّ سيفه بحضرة السلطان في القصر وعمل في عنقه منديلًا واستسلم للموت. فشكَرَ الظاهر فعله وبرَّأه مما نُقِل عنه وجَمع الأُمراء وحلَّفهم وحلَّف المماليك وطيّب خواطرهم، وأَحضر مملوكًا يقال إنه [هو] الذي آثار الفتنة فضربه وسجنه.
* * *
في رجب خرج: الناصري وأَلطنبغا الجوباني بالعساكر من قَبِل الظاهر من دمشق، وقد قرر في نيابة دمشق أَلطنبغا الجوبانى وقرا دمرداش في نيابة طرابلس ومأمور في نيابة حماة،
стр. 423
وتوجّه عليهم يلبغا الناصري ومعه جماعة من المماليك الظاهرية وغيرهم، فتوجهوا إلى دمشق، فبلغ ذلك منطاش وكان قد جبى من الأَموال من أَهل دمشق شيئًا كثيرًا فخرج بها - وهي نحو من سبعين حِمْلًا - في ثالث عشر جمادى الآخرة بعد أَن قتل من مماليك (١) الظاهر نحو مائة وعشرين نفسًا واستصحب معه ابن جنتمرو ابن إينال اليوسفى، وسار من دمشق فخرج (٢) أَيتمش من الحبس فملك القلعة وراسل الجوبانى، فدخل الجوبانى دمشق وهرب محمد بن إينال اليوسفى ونحو مائتي نفر من منطاش فرجعوا إلى دمشق.
ثم خرج أَلطنبغا الجوبائي والناصري ومن معهم، وانضمّ إليهم في طلب منطاش فالتقوا به بين حمص ونوسا (٣)، فانكسرت الميمنة وفيها الناصري فانهزم، وثبت الجوباني فخامر عليه بعض من معه فجُرح في رأْسه وسقط. فقتله نعير بيده وتمَّت الهزيمة.
واتفق أَن ميسرة العسكر كسرت منطاشًا ففرّ في طائفة، فلما بلغَهُ قَتْلُ أَلطنبغا الجوباني رجع فقتل أَتباع أَلطنبغا الجوهرى ومأمور، ووقع النهب في العسكر من العرب والتركمان، ورجع الناصري إلى دمشق. فبلَغَتْ هذه الأَخبار السلطانَ فساءَه قَتْلُ الجوباني، وقرَّرَ يلبغا الناصري في نيابة دمشق، وجَهَّز أبا يزيد - الذي كان اختفى عنده لما هرب - وصحبته شمس الدين الصوفى لكشف الأَخبار، وكان الصوفى من العباسة - بلدة معروفة بالشرقية - وكان قد اتَّصل بالظاهر لما كان بالكرك، وشهد معه وقعة شقحب وتزيا له بزي الخليفة وانتسب عباسيا، فحصل لبرقوق بذلك نوع مساعدة.
* * *
وفى رمضان نزل ابن نعير على سرمين، فثار عليه أَحمد بن المهمندار في عسكرٍ كبير من التركمان فأَسروا ابنه عليا وهزموه، وأَرسلوا ابنه إلى كمشبغا فقتله (٤).
* * *
وفى ثامن رمضان استقر ناصر الدين محمد بن رجب في شد الدواوين عوضا عن ابن آقبغا آص.
* * *
стр. 424
وفى تاسع عشر رمضان استقر مجد الدين إسماعيل الكنائى البلبيسي الحنفي في قضاء الحنفية عوضا عن شمس الدين الطرابلسي بحكم عزله.
* * *
وفي العشرين من رمضان أُعيد أَبو الفرج إلى الوزارة، وقُبض على سعد الدين بن البقرى. وفيها غلب ابن أَبان التركماني على طرابلس في أَثناء الفتنة بين الظاهر ومنطاش، فأَرسل إليها الظاهر قرا دمرداش فغلب عليها، ثم نقله الظاهر إلى نيابة حلب وأَمر كمشبغا بالتوجه إلى القاهرة، فاستقرّ بها أَميرًا كبيرًا.
* * *
وفيها وصل رسل صاحب تونس - أَبي العباس أَحمد بن محمد بن أَبي بكر الحفصي - ومقدَّمهم محمد بن علي بن أَبي هلال - صحبة الركب القاصد إلى الحج، وحج معهم أَبو عبد الله بن عرفة الفقيه المشهور، وقد أَجاز لي المذكور بعد أَن رجع من الحج في السنة المقبلة.
* * *
وفيها نازل منطاش ونعير حلبًا، فتحصَّن كمشبغا من أَول رمضان إلى العُشر الأُخير منه، فراسل نعير كمشبغا يعتذر: فبلغ ذلك منطاشًا فأَخذ حِذره من نعير وخدعه بأَن طلب منه جماعةً من العرب يغيرون معه على بعض التركمان، فأَرسل معه جماعة من العرب، فلما بعدُوا ونزلوا بالليل أَخذ خيولهم وتوجّه إلى البلاد الشمالية.
وكان نعير ملَّ من الحرب فأَرسل يعتذر إلى السلطان ويطلب منه الأَمان فقبل ذلك منه وأَرسل إليه بما يرغب فيه، فسار منطاش إلى مرعش وهرب معه عنقاء بن شطى واجتاز بأَعزاز فانتهبها، ثم نازل منطاش عينتاب ومعه سولى بن ذلغادر وذلك في شوال فغلب عليها ووقع فيها النهب والتخريب إلى أَن تفرَّق أهلها شذر مذر بعد أَن كان نادى لهم بالأَمان ثم غدر بهم، ثم حاصر القلعة وتحصن نائبها محمد بن شهرى التركماني بقلعتها، ثم جَيَّش على منطاش فقتل أَكثر من معه، ومع ذلك فقد دام الحصار إلى آخر السنة إلى أَن تجهز يلبغا الناصري نائب الشام ونائب حلب إليه، وقبل وصولهم بيوم هرب منطاش وقدم محمد بن بيدمر
стр. 425
الذي كان أَبوه نائب الشام وأسندمر رأس نوبة منطاش مُستأْمنين في جماعة من المنطاشية فأَكرمهم السلطان.
وفيها (١) قتل الأَمير .... (٢) بن بردبك بن أَرنا صاحب الروم، واستقر بعده في مملكة الروم أَبو يزيد بن عثمان.
وفى شوال عطش الحاج بعجرود حتى بلغت القربة مائة درهم فضة، ووقع بين الركب وبين العرب الكسرة لما رجعوا، وكان أَمير الأَول بيسق أَمير آخور، وأمير المحمل عبد الرحيم بن منكلي بغا.
وفي أَواخر ذى الحجة استقر ناصر الدين بن الحسام وزيرا عوضا عن أَبي الفرج فاستخدم الوزراءَ الذين كانوا قبله وهم شمس الدين المقسى وسن إبرة في نظر الدولة وفخر الدين بن مكانس وسعد الدين بن البقرى في استيفاء الدولة، وأُعيد محمد بن آقبغا آص إلى شدّ الدواوين، ونقل ناصر الدين بن رجب إلى كشف المعاصر عوضا عن خاله ناصر الدين بن الحسام المذكور، وكان ابن الحسام أَولا يخدم عند سعد الدين بن البقرى دويدارًا واقفا في خدمته لما كان ناظرَ الخاص فانعكس الحال وصار ابن البقرى تحت أَمره وربما يكلمه الكلام الفظ، فلله الأَمر.
وفى شوال جهزت عائشة خوند أُخت الملك الظاهر للحجرة الشريفة كسوةَ حريرٍ منقوش بالَغَتْ في تحسينها، وطرزت بابها بالزركش.
وفى رمضان توجه ابن الحسام إلى الصعيد فحصل بها الأَموال السلطانية، فكبس عليه ابن التركية ونهب جميع ما حصله، فبلغ ذلك السلطان فأَرسل إليه عسكرا.
стр. 426
وفيها (١) اختلفت كلمة التركمان وتحزَّبوا أحزابا بعد قتل قرا محمد، ووقع بينهم وقائع كثيرة إلى أَن أَصلح بينهم سالم الدوكارى.
وفى رمضان نزل الفرنج على طرابلس فلما أَشرفوا على الميناء أَرسل الله عليهم ريحا فرَّقت مراكبهم وغرق الكثير منهم، فردوا عن طرابلس فقصدوا المدينة فنازلوها وبها أَبو العباس (٢) صاحب تونس ففتح لهم البلد فدخلوه، فقاتلهم وكسرهم بعد (٣) أَن قتل منهم خلائق.
* * *
وفيها قتل صاحب تلمسان أَبو حمو بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى، قتله ولده وغلب على ملكه، وكانت دولة أَبي حمو إحدى وثلاثين سنة.
* * *
وفى ذى الحجة استقر قرا دمرداش في نيابة حلب نقلا من طرابلس، واستقر في طرابلس إينال بن خجا على، وسولى بن ذلغادر في نيابة الأَبلستين، وتوجّه كمشبغا من حلب إلى جهة القاهرة.
وقيه مُنع من يلبس العمامة من ركوب الخيل إلَّا الوزير وكاتب السر وناظر الخاص وأُذِن لهم في ركوب البغال ونودى أَن الطحانين لا يستعملون الخيل الصحاح وكذلك الحمَّارة.
* * *
وفيها (٤) مات فخر الدين بن سبع الخلوتي، فأَرسل السلطان قرقماس الخزندار إلى زفتا - بلد المذكور - للحوطة على ماله، وكان المذكور نصرانيا فأَسلم، ثم وقع في واقعٍ كما تقدم في الحوادث أَولا وثانيا، فاتفق أَن بعض أَعدائه قتله في الحمام غيلة فيقال إنه
стр. 427
حُمل من ماله أَلفُ أَلف ومائتا أَلف درهم، ووجد له من الغلال واواني والرقيق ما يساوى أَلفى أَلف، وكان يزرع في كل سنة أَلف فدان، ويطعم كل ليلة مائة نفس، وكان قتله في جمادى الآخرة.
ذكر من مات في سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة من الأعيان
١ - إبراهيم بن عبد الله الواسطى، أَحد من كان يُعْتَقَد بالقاهرة، مات في جمادى الآخرة.
٢ - إبراهيم بن محمد بن إسماعيل الحرائي، الخواجا برهان الدين التاجر، سمع الصحيح على الحجار وحدث. مات في ربيع الآخر.
٣ - أَحمد (١) بن ظهيرة بن أَحمد بن عطية بن ظهيرة بن محمد (٢) بن علي بن عليان بن قاسم (٣) بن أمين (٤) بن مرزوق المخزومى المكِّى، القاضي شهاب الدين؛ ولد سنة ثمانى عشرة وسمع من نجم الدين الطبرى وعيسى الحجِّى والأقشهرى (٥) والوادي آشي وغيرهم وحدث؛ وتفقه على النجم الأَصفونى والعلائي وأذن له في الإفتاء، وأَخذ القراءَات عن البرهان المسرورى (٦) مقرئ مكة، وتقدَّم في العلم ودخل بلاد المغرب فأَخذ (٧) عن بعض الشيوخ هناك، ودرّس وأَفتى وأَقرأ، ثم ولى قضاء مكة بعد أَبي الفضل النويري، ثم عُزل بولده أَبي الفضل ومات وهو معزول في شهر ربيع الأَول عن أَربع وسبعين سنة، وكانت مدة ولايته سنةً وتسعة أشهر.
وكان (٨) جليلا مهابا وقد ولى قضاء مكة بعده ابن أَخيه (٩) الشيخ كمال الدين وولده (١٠) أَبو البركات بن الشهاب ثم ولده (١١) أَبو السعادات.
стр. 428
٤ - أَحمد بن عبد الله بن فرحون المدني المكي قاضي المدينة. مات في رمضان.
٥ - أَحمد بن موسى بن علي، شهاب الدين بن الحداد الزبيدي الحنفى، كان عارفًا بالفرائض. مات في ذى الحجة.
٦ - إسماعيل بن حاجي (١) الهروى شرف الدين الفقيه، كان من العلماء الشافعية ببغداد في المستنصرية، ودرّس في الحاوى، ثم قدم دمشق في حدود السبعين فأَفاد بها في الجامع وغيره، ودرّس بالمعينية وغيرها، وكان دينا خيرًا، تصدق بما يملكه في مرض موته، ومات في صفر.
٧ - آقبغا بن عبد الله الجوهري اليلبغاوى، قتل في وقعة حمص وقد قارب السبعين (٢)، وكان كثير المعرفة يذاكر بمسائل فقهية مع حدة خلق.
٨ - أَلطنبغا بن عبد الله الجوباني (٣) التركي، أَحد كبار الأُمراء، تنقَّل في الولايات إلى أَن قُتل بدمشق وهو نائبها، وكان يحب العلماء خصوصا الأُدباء ويجمعهم عنده ويسمع كلامهم ويعتبر مدائحهم.
٩ - خليل بن إبراهيم الحافظي، روى عن أَبي بكر بن أَحمد بن عبد الدائم وغيره وحدث وتفرّد. مات في ربيع الأَول.
١٠ - سرحان بن عبد الله الفقيه المالكي، كان عارفًا بمذهبه. مات في ذي الحجة بالقاهرة، وكان أَكولًا مشهورًا بذلك.
١١ - عبد الرحمن (٤) بن إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي ثم الدمشقى، كتب الكثير بخطِّه من تصانيف أَبيه وكان بزى الجند وذيَّل على تاريخ أَبيه قليلًا. مات في ذي القعدة.
١٢ - عبد المؤمن بن أَحمد بن عثمان المارداني ثم الدمشقى الشافعي، قدم دمشق فاشتغل
стр. 429
ومهر واستنابه التاج السبكي في إمامة الجامع والخطابة، واستمرَّ ينوب في ذلك إلى أَن مات، وكان خيّرًا ملازما للجامع يشغل الطلبة. مات في ربيع الآخر.
١٣ - عثمان بن عبد الله الأَبّار نزيل جامع عمرو بن العاص، كان أَحد من يَعتقده المصريون. مات في شهر رجب.
١٤ - على بن خلف بن كامل بن عطاء الله الغزِّى (١)، علاء الدين قاضي غزة، ولد سنة اثنتي (٢) عشرة وسبعمائة، وحدّث عن الحجار بالصحيح سماعا وأَخذ عنه الرحالة، وسمع (٣) من أَبي بكر بن عنبر وزينب بنت يحيى بن عبد السلام وغيرهما، وتفقَّه أَخيه الشيخ شمس الدين صاحب ميدان الفرسان وعلى العماد الحسبانى وغيرهما وولى قضاء غزَّة فرأَس بها.
قرأْتُ في تاريخ ابن حجى: "كان له اشتغال بدمشق، وأَخذ عن ابن الفركاح وهو أَسنّ من أَخيه"، ويقال إن أَخاه قرأَ عليه أَولا وكذلك العماد الحسباني وكان يفتخر بذلك ثم تقدما وتأَخَّر هو، ومات بغزَّة في أَحد الربيعين ويقال في جمادى الأُولى ويقال في صفر ويقال في شعبان، وسمع أَيضا من زينب (٤) السلمية.
١٥ - على بن عبد المغربل أَحد من كان يُعتقد بالقاهرة. مات في سادس عشر جمادى الأُولى ولم يكن (٥) بعده في فنه مثله.
١٦ - عمر بن سعيد بن عمر بن بدر بن مُسَلم (٦) بن سعيد الكتَّان، بالمثناة المشدَّدة ثم النون - زين الدين القرشي، البلخي الأَصل العينتابي، ولد سنة أَربع وعشرين وسبعمائة، واشتغل كثيرًا وسمع الكثير وعنى بالحديث والفقه والأُصول والعربية، وكان يعمل المواعيد وللناس فيه محبةٌ واعتقاد، وقد امتُحن مرةً بسبب المذهب التيمي كما تقدّم في الحوادث، ثم امتُحن لصحبة ولده لمنطاش ومات مسجونا بقلعة دمشق في جمادى الآخرة.
стр. 430
قرأْتُ بخط المحدّث برهان الدين الحلبي (١): "اجتمعت به فوجدّته عالما كثير الاستحضار في فنون منها التفسير والفقه والأُصول، يحفظ متونا كثيرة وأَلفاظ التفسير كما هي، ويجرّد غرائبَ من المتون وزيادات غريبة يعزوها، ويعرف أَسماءَ الرجال وطبقاتهم، ويتكلم في الصحيح والضعيف، ولم يكن عنده مكر ولا غش، مع الدين والخير وملازمة السُّنة".
وقرأْتُ في تاريخ ابن حجى: "ورد إلى دمشق بعد الأَربعين فنزل القبيبات وقرأَ وأَخذ عن خطيب جامع (٢) جراح شرف الدين قاسم وعن البهاء الإخميمي، واشتغل بعلم الحديث وبعمل المواعيد النافعة للعامة والخاصة، حتى إنَّ كثيرًا من العوام انتفعوا به وصارت لديهم فضيلة مما استفادوا منه؛ وكان مع ذلك يُقصد (٣) للإفادة والافتاء، ودرّس بالمسرورية (٤) والناصرية (٥).
ولما ولى القاضي برهان الدين بن جماعة وقع بينهما بسبب الناصرية ووكل به مدّة لاستعادة المعلوم، فذهب إلى مصر فردّوه من الطريق وسجنوه بالقلعة، ثم اصطلح مع ابن جماعة وعوّضه الأَتابكية (٦) ودار الحديث الأَشرفية (٧)، فلما عادت دولة الظاهر أُخِذ وسُجن بالقلعة.
وكان التاج السبكي هو الذي أَدخله الفقهاء، فلما امتُحِن تاج الدين كان هو أشدّ (٨) بين من قام عليه، وكان مشهورًا بقوة الحافظة ودوام المحفوظ قل أَن ينسى شيئًا حفظه.
وكان كثير الإنكار على أَرباب التهم، شجاعًا مقدامًا، كثير المساعدة لطلبة العلم لا يُحابي ولا يُداهن، واقتنى من الكتب النفيسة شيئًا كثيرًا، وكان لا يملّ من الاشتغال. مات في ثالث عشر ذي الحجة مسجونًا بقلعة دمشق.
стр. 431
١٨ - محمد بن أَحمد بن علي المصرى، شمس الدين المعروف بالرّفاء، عنى بالعلم قليلا وسمع الحديث فأَكثر وسمع العالى والنازل وجاور كثيرًا فكان يُلَقَّب "حمامة الحرم"، وكان يسكن الناصرية بين القصرين.
صحبْتُه كثيرًا (١) ومات في جمادى الأُولى.
١٩ - محمد بن أَحمد بن عمر بن عبد الكريم بن محبوب، فخر الدين بن مجد الدين، سبط، شرف الدين الحافظ، سمع من يحيى بن سعيد وابن الشحنة والتقى ابن محمد (٢) وغيرهم، وكان مكثرًا من الحديث وقد تفقَّه على جدّه وأَذن له في الإفتاء.
وكان فاضلًا ذكيا يتعانى كل شيء يراه حتى الخياطة والنجارة والغناء (٣) والموسيقى مع حسن الشكالة ولطف المعاشرة ورقَّة النظم.
مات في ربيع الأَول عن ثمان وثمانين سنة.
٢٠ - محمد بن إسماعيل الأَفلاقي (٤) المالكي، كان فاضلًا ينظم الشعر نظمًا وسطًا. مات في سادس جمادى الأُولى.
٢١ - محمد بن بلبان الناصريّ بن المهمندار، أَحد أَكابر الأُمراء بحلب ثم ولَّاه الظاهر برقوق نيابةَ القلعة، فلما خامر يلبغا النَّاصرى على الظاهر سلَّمه ابن بلبان القلعة، ثم لما غلب الناصري ومنطاش على الملك وسُجن الملك الظاهر برقوق وثار منطاش على الناصريّ صادر ابنَ بلبان هذا على مال كثير ثم قتله في هذه السنة.
وخلَّف ولدين [هما]: أَحمد ولى نيابة حماة بعد ذلك، ومحمد كان حاجبا بحلب.
٢٢ - محمد (٥) بن عبد الله بن أَبي بكر الحُثَيْثى - بمهملة ومثلثتين مصغَّر - الصَّرُّوفى، جمال الدين الرَّيْمي - بفتح الراء بعدها تحتانية ساكنة - اشتغل بالعلم وتقدم في الفقه فكانت
стр. 432
إليه الرحلة في زمانه، وصنَّف التصانيف النافعة منها "شرح التنبيه" في أَربعةٍ وعشرين سفرا أثابه الملك الأَشرف على إهدائه إليه أَربعة وعشرين أَلف دينار ببلادهم: يكون قَدْرُها ببلادنا أَربعة آلاف مثقال ذهبا؛ وله "المعانى الشريفة" و "بغية الناسك في المناسك" و "خلاصة الخواطر" وغير ذلك.
ولى قضاء الأَقضية بزبيد دهرًا من ذى الحجة سنة تسعٍ وثمانين إلى أَن مات في أَواخر المحرم وقيل في أَول (١) صفر.
قال (٢) الجمال المصرى: "كان الرَّيْمى كثير الازدراء بالنووى، فرأَيت لسانه في مرض موته وقد ادلع واسود ثم جاءت هرة فخطفته فكان ذلك آيةً للناظرين (٣) ".
٢٣ - محمد (٤) بن عبد الله الصرخدى شمس الدين، كان عارفًا بأُصول الفقه. مات بدمشق وكان قد أَخذ عن العنَّابي في العربية وتفنَّن حتى صار أَجْمَعَ أَهلِ دمشق للعلوم فأَفتى ودرَّس وشغل وصنَّف، وكان يقال إن قلمه أَقوى من لسانه.
وكان متقلِّلا لم يتفق أَنه حصل له شيءٌ من المناصب، إلَّا أَنه تصدَّر بالجامع وناب في عدة مدارس عن الصبيان الذين تقرروا مدرّسين بغير تأَمّل، وكان شديد التعصب للأَشعرية كثير المعاداة للحنابلة.
وله اختصار "إعراب السفاقسي"، واعترض عليه في مواضع، و "شرح المختصر" في ثلاثة أَسفار، واختصر "قواعد العلائي" و "مهمات (٥) الإسنوى" وكان كثير العيال مقلًّا من الدنيا. مات في ذي القعدة.
٢٤ - محمد بن علي بن محمد بن محمد بن أَبي العزّ الحنفى الصالحي (٦)، صدر الدين بن علاء الدين، اشتغل قديمًا وتمهَّر ودرّس وأفتى وخطب بحسبان مدة، ثم ولى قضاء مصر
стр. 433
بعد ابن عمه فأَقام شهرًا ثم استعفى ورجع إلى دمشق على وظائفه، ثم بدت منه هفوة فاعْتُقِل بسببها ثم مات في هذه السنة بعد أَن أَقام مدة فقيرًا خاملًا إلى أَن جاء الناصرى فرُفع إليه أَمره فأَمر بردّ وظائفه إليه، فلم تطل مدته بعد ذلك ومات في ذي القعدة.
٢٥ - محمد بن محمد بن أَحمد بن إبراهيم بن فلَاح الاسكندراني ثم الدمشقى، شمس الدين بن شرف الدين، سمع من الحجار وحدَّث، وكان يُنسب إلى غفلة.
٢٦ - محمد بن محمد بن عمر الأنصاري البلبيسي (١)، صلاح الدين نزيل مصر، سمع "صحيح مسلم" على الشريف الموسوى موسى بن علي بن أَبي طالب والعزّ محمد بن عبد الحميد وتفرَّد به عنهما بالسماع، وقد تأَخَّر بعده رفيقه محمد بن ياسين لكنه كان حاصِرًا.
وقد اجتمعْتُ بصلاح الدين هذا مرارًا وأشك هل سمعت عليه شيئًا أَو أَجاز لي أَم لا.
مات في رمضان (٢) عن سبع وثمانين سنة.
٢٧ - محمد بن موسى بن محمد بن سند بن تميم (٣) اللخمي الدمشقي المحدث شمس الدين، ولد في ربيع الآخر (٤) سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وعنى بالحديث وطلبه من سنة بضع وأَربعين، فسمع من فاطمة (٥) بنت العز خاتمة أَصحاب إبراهيم بن خليل (٦) ومن جماعة من أَصحاب ابن عبد الدائم.
وصنَّف وخرَّج وكتب العالي والنازل، وأَخذ عن أَبي الفتح الميدومى ومن بعده كابن الملوك وأَحمد بن المظفر، وكان يقول إنه تخرّج به، وأَخذ أَيضا عن الذهبي وذكره في "المعجم المختص" وهو آخر من ذكره منهم وفاةً، وكان حسن القراءة جدًّا مع الذكاء المفرط وله محفوظات، وأَخذ العربية عن المراكشي وأَذن له في الإقراء في العربية سنة خمسين، وصحب العلائي وابن كثير والسبكي، وأَخذ أَيضا عن سيف الدين خطيب جامع جراح، وناب عن بعض القضاة
стр. 434
الشافعية كالتاج السبكي وكان (١) شديد اللزوم له وقارئًا لتصانيفه في دروسه وناب عنه في مشيخة دار الحديث الأَشرفية وغيرها؛ ثمَّ تحوّل مالكيا فناب عن بعض المالكية ثم رجع فتاب عن وليّ الدين أَبي البقاء، ومات شافعيا في خامس صفر، ووهم من أَرّخه سنة إحدى وهو القائل (٢):
الحافظُ الفردُ إنْ أَحبَبْتَ روْيَتَه … فانظرْ إليّ تجدْني ذاك منفردَا
كفى بهذا دليلًا أَنني رجلٌ … لولاه أَضحى الورَى لم يعرفوا سَنَدَا
أَنشده عنه شرف الدين المقدسي.
وقرأْت بخط. القاضي البرهان المحدّث: إنه اختلط (٣) قبل موته بسنةٍ بسبب مرضٍ طال به اختلاطًا فاحشًا" قال: "وكان عالمًا له يدّ في النحو والحديث، حسن الشكل كيّسا متواضعًا لين الجانب، وكان يعمل الميعاد فيسرده من غير تلعثم، ويعمل أَشياءَ حسنة".
وقرأْت بخط ابن حجى: "إنه تغيَّر في آخر موته تغيرًا شديدًا، ونسى حتى (٤) القرآن، فيقال إن ذلك لكثرة وقيمته في الناس".
٢٨ - موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراس التلمساني من بني عبد الود - بطن من زناتة - يكنى "أَبو حمو" وهو بها أَشهر.
مَلَك تلمسان بعد أَبيه وجرت له مع جماعة حروب وخطوب مع ولده أَبى تاشفين وقد ذُكرتْ في الحوادث، وكان قتله في ثالث المحرّم هذه السنة.
٢٩ - يعقوب بن عيسى الأَقصرائي شرف الدين ثم الدمشقى، ولد سنة عشرين وسمع من الحجار والمزى وغيرهما وحدّث وخطب ودرّس وناب في الحكم، وكان رجلًا خيّرًا. مات بدمشق في ذي الحجة.
* * *
стр. 435
سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة
في (١) صفر حضر كمشبغا من حلب فأَمر السلطان بتلقِّيه.
وفي المحرّم احتال [يلبغا] الناصرى وأَيتمش فأَظهرا التنافس، وأَلبس الناصريُّ مماليكه وأَظهر الخروج عن طاعة السلطان وأَمر مناديه فنادى: "من كان من جهة منطاش فليحضر"، فحضر إليه أَلف ومائتا نفس فقَبض عليهم وسجنهم.
وفيها توجّه منطاش في (٢) جمادى الآخرة من مرعش إلى العمق ثم سار منها إلى سرمين ثم إلى حماة ثم إلى حمص ثم (٣) إلى بعلبك، فبلغ ذلك الناصري فخرج إليه من طريق الزبداني فخالفه منطاش إلى دمشق فنزل القصر الأَبلق (٤) وذلك في رجب.
وسار أَحمد تنكز بجماعة البيد مرية ودخل دمشق من باب كيسان ولاقى منطاش بالخيول فرجع الناصري فاقتتلا قتالًا كبيرًا، وكاتب الناصريُّ السلطانَ يستحثه على الوصول لدمشق فاتفق خروج السلطان في العساكر في أَواخر شعبان إلى أَن بلغ دمشق في رمضان، فلما قرب من دمشق هرب منطاش فدخل في العشر الأَخير من رمضان ثم رحل (٥) إلى حلب فدخلها في العشر الأَخير من شوال، وكان الناصريّ في أَول السنة أَظهر الخروج عن طاعة السلطان ونادى: "من كان من جهة منطاش فليحضر إليّ استخدمه"، فحضر إليه أَكثر من أَلف نفس فحبسهم (٦)، فلما بلغ ذلك السلطان شكره.
* * *
وكان طروق منطاش البلاد الشامية في جمادى الآخرة، فأَول ما طرق سرمين فبلغ ذلك نائب حماة فخاف منه فهرب، فدخل [منطاش] حماة بغير قتال، ثم كثُر جمعه فتوجّه إلى
стр. 436
حمص فهرب نائبها (١) إلى دمشق فملكها أَيضا ثم توجّه إلى دمشق. فلما وصل بعلبك هرب أَيضا فدخلها بغير قتال ولم يشوش على أَحد من أَهل هذه البلاد.
ثم توجّه إلى دمشق فخرج إليه النَّاصرى بعساكر دمشق من جهة الزبداني، وكان منطاش توجّه إلى جهة طرابلس فخالف شكر (٢) أَحمد التركماني - وكان من جهة منطاش - الطريق التي توجّه منها الناصري في العسكر فدخل دمشق، فالتفَّتْ عليه جماعة من البيدمرية فأَخذ منها خيولًا كثيرة وتوجهوا بها إلى منطاش فقوى بهم ورجع إلى دمشق من طريق أُخرى، ونزل القصر الأَبلق، وبلغ ذلك الناصريَّ فرجع وحاصره بدمشق، ودام القتال بينهما وقُتل من الطائفتين جماعة ونهيت دورٌ كثيرة وخرّبت.
فلما طال الحصار ترك منطاش دمشق وتوجّه إلى بعلبك فوصل نعير فيمن معه من العرب والتركمان فقاتل الناصري فانكسر (٣) منه، وكاتب السلطان واستحثه على المجئ إلى الشام، فخرج [السلطان] في العساكر واستخلف في غيبته كمشبغا في الاصطبل وسودون النائب بالقلعة والصفوى حاجب الحجاب، واستصحب معه الخليفة والقضاة والمباشرين وجماعة (٤) من القضاة والمباشرين المعزولين، فوصل دمشق في الثاني والعشرين من شهر رمضان فدخل من في طاعته جميع المحالفين من العرب والترك والتركمان ولم يُشْهر في وجهه سيف.
وكان (٥) يلبغا الناصريّ التقاه فترجّل له السلطان وأركبه من خيوله (٦) الخاصة وصلَّى الجمعة ثاني يوم قدومه ونادي في البلد بالأَمان وأنَّ الماضي لا يعاد فكثر الدعاء له، وولَّى القاضي شهاب الدين الباعونى (٧) قضاءَ الشام والخطابة، وعَزّل الزهرى، وكان بدر الدين بن أَبي البقاء أَخذ الخطابة من سرى الدين، فلما دخل الناصريّ مصر وغلب على المملكة نزل عنها ابن أَبي البقاء لابن القرشي فأَضافها إلى القضاءِ، فلما عَزل منطاشُ ابنَ القرشي عن القضاء وولاه الزهرى استمر حتى دخل برقوق دمشق فعزله وولَّى الباعوني.
стр. 437
وأَرسل إليه (١) نعير بالطاعة والاعتذار عمّا جرى منه، والتزم له بإحضار منطاش بعد أَن طلب لنفسه الأَمان ولأَصحابه، فأُجيب سؤاله.
ووصل إليه (٢) رسول سولى بن ذلغادر يتنصّل من الذي جرى منه، وأَرسل هدية جليلة منها مائنا إكديش.
واستناب [السلطان] في قلعة دمشق سودون باى فظلم الناس بالمصادرة وسفك الدماء فلم يفلح فقُتل بعد ذلك، وبرز السلطان إلى برزة في سابع شوال، وسار في تاسعه طالبا البلاد الحلبية، وقرّر فخر الدين بن مكانس وزيرًا بالشام فوصل إلى حلب في الثاني والعشرين منه، وقرّر بدر الدين بن فضل الله في كتابة السرّ عوضا عن علاء الدين أَلبيرى (٣) بحكم ضعفه، وكان (٤) استصحب ابن فضل الله معه بطالا، وأَمر الكركي بالعود إلى دمشق فاستمر بها من أَول غيبة السلطان في سفرته إلى حلب، فلما عاد وجده على حاله من الضعف، فتوجّه صحبته إلى مصر فاستمر بها ضعيفا إلى أَن مات.
ووصل إلى السلطان كتاب من صاحب ماردين يتضمّن أَن [قد] اجتمع عنده ثلاثة عشر أَميرا من الأَشرفية وجملة من المماليك، فجهّز إليه إينال اليوسفى فتسلَّمهم وأَحضرهم صحبته بعد أَيام قلائل، وكان كبيرهم قشتمر الأَشرفى، فشكر السلطان ذلك لصاحب ماردين.
ووصل أَيضا كتاب من سالم الدوكاري التركماني يخبر السلطان الظاهر بأَن منطاش في قبضته، فجهّز السلطانُ دمرداش نائب حلب في جريدة من إحدى الجهات، وجهّز يلبغا الناصري - نائب دمشق - في جريدة أُخرى، فوصل دمرداش إلى سالم وأَقام عنده أَربعة أَيام، فماطله [سالم] في تسليم منطاش، فلما طال الأَمر عليه (٥) ركب عليه (٦) ونهب بيوته وقُتل جماعة من أَصحابه، فهرب سالم ومنطاش إلى جهة سنجار.
стр. 438
ثم قدم يلبغا الناصرى بعد الهزيمة فتفاوض هو ودمرداش إلى أَن غضب الناصري فجرّد الدبوس (١) على دمرداش ثم أَصلح الحاضرون بينهما فرجعا إلى السلطان، فأخبره دمرداش بأَن الناصري هو الذي كاتب منطاش أَولا حتى حضر إلى دمشق وأَنه هو يخذِّل عنه أَول الأَمر وآخره. وأَحضر إليه كتابًا من عند سالم الدوكارى التركماني صورته أَن الناصريّ أَرسل إليه يعرفه فيه أَنه لا يُسلم منطاش ولا يخذله، ويقول فيه بأَنه ما دام [منطاش] موجودًا فنحن موجودون.
فلما وقف السلطان على ذلك خلا بالناصري فعاتبه على ذلك عتابًا شديدًا، ثم أَفضى به الأَمر إلى أَن أَمر بذبحه، فذُبح بحضرته وذلك في ذى القعدة، ثم تتبّع جماعة من أَصحابه بالقتل والحبس، منهم: أَحمد بن المهمندار نائب حماة، وقرّر في نيابة دمشق بُطا الدويدار، وفى نيابة حلب جلبان عوضا عن قرادمرداش، واستصحب قرا دمرداش إلى القاهرة، و [قرر] في نيابة طرابلس فخر الدين أياس، وفى نيابة حماة دمرداش المحمدى، واستقر أَبو زيد دويدارًا عوضا عن بطا.
* * *
ثم رجع السلطان إلى دمشق فوصلها في ثالث عشر ذي الحجة فقتل بها جماعة من الأُمراء منهم أَحمد بن بيدمر، وكان شابا حسن الشكل فحزن عليه جميع من بدمشق و [قتل] محمد بن أَمير على الماردانى وكمشبغا المنجكى وقرابغا الأَشرفى وغيرهم، وخرج منها في ثاني عشرى ذي الحجة فتوجّه إلى القاهرة.
* * *
ذكر بقية الحوادث الكائنة في هذه السنة:
في المحرم أُمسك أَبو الفرج موفق الدين الوزير وصهره سعد الدين بن البقرى وصودرا.
وفى ثامن صفر أَمر السلطان بهدم سلالم البوابة التي لمدرسة السلطان حسن والبسطة التي قدام الباب إلى العتبة، وقفل (٢) الباب وسُدَّ من داخله وأَمر بفتح شباك يقابل باب الاصطبل
стр. 439
وجعل بابًا إلى المدرسة فصار الناس يستطرقون منه وكان أَحد قاعات المدرسين، وسُدَّت الطرق إلى الأسطحة والمواذن وأَبطل الأَذان على المنارتين وجُعل على الباب الذي فتح، كلّ ذلك لمَا حدث من منطاش ومَن بعده من اتخاذهم المدرسة المذكورة عُدّةً لمن يحاصر القلعة، ودام ذلك دهرا طويلًا إلى أَن أَمر الأَشرف (١) قبل الثلاثين وثمانى مائة بفتح الباب الكبير وإعادة السلم والبسطة، فأُعيد جميع ذلك.
* * *
وفيه ضُرب حسين بن باكيش بالمقارع، واستمر في الحبس إلى أَن وُسط في ثاني شعبان.
* * *
واستقر يلبغا مجنون كاشف الوجه القبلى.
* * *
وضُرب القاضي شمس الدين بن الحبال قاضي طرابلس تأْديبًا بسبب فنيا أفتى بها لمنطاش في حقّ السلطان.
وفى ثالث عشر ربيع الأَول توجه يلبغا السالمي على البريد لتقليد نعير إمرة العرب، فسمع في هذه السفرة على أَبي هريرة بن الذهبي: "الأَربعين" التي خرّجها له أَبوه وحدث بها بعد ذلك.
* * *
وفى (٢) رابع جمادى الأُولى وصل أَيتمش من دمشق إلى القاهرة فتلقاه نائب السلطنة وأكرمه السلطان ومَن دونه، ووصل صحبته (٣) جمع كبير من الأُمراء المسجونين بدمشق الذين كانوا قد خرجوا عن الطاعة وقاتلوه ومنعوه من دخول دمشق وأَساءُوا في حقِّه: منهم ألابغا (٤) الدوادار وجنتمر أَخوطاز وأَمير ملك ابن أُخت جنتمر ودمرداش اليوسفي وتمام ستة وثلاثين أَميرا فسجنوا، ثم أُطلق منهم جبريل الخوارزمى بشفاعة نعير ووصل صحبته أَيضا كمال
стр. 440
الدين أَحمد بن عمر القرشي قاضي دمشق، وفتح الدين بن الشهيد كاتب السربها وتاج الدين بن مشكور ناظر الجيش بها - الثلاثة في الترسيم والجميع في القيود - فصودر ناظر الجيش على مالٍ وأُطلق، وسُجن القاضي وكاتب السرّ.
وكان ابن القرشي أَفحش في أَمر الظاهرّ [برقوق] جدا حتى كان يقف على الأَسوار ويصيح: "قتال برقوق أوجب من صلاة الجمعة".
ثم قدم جبريل الخوارزمى فارًّا من منطاش فأَكرمه السلطان ثم قَبض عليه وعلى كثير من الأُمراء وقتَل أكثرهم توسيطا وخنقا.
* * *
وفيه استقر قطلوبغا الصفوى حاجبَ الحجاب.
* * *
وفيه شرع في عمارة الوكالة الظاهرية بجوار وكالة قيسون.
* * *
وفي جمادى الآخرة استقر كمال الدين بنُ العديم قاضىَ العسكر بحلب عوضا عن جمال الدين بن الحافظ بحكم استقراره في قضاء حلب عوضا عن محبّ الدين بن الشحنة، و [استقر] البرهانُ الشاذلي المالكي في قضاء دمشق عوضا عن البرهان القفصى.
* * *
وفيه قُبض على جماعةٍ من الأُمراء الذين كان هواهم مع منطاش فسُلِّموا للوالى فسمّرهم ثم أَمر بتوسيطهم فوُسطوا، منهم: أَسندمر اليوسفى (١) وآقبغا الظريف وغيرهما وصَرْبُغا وإسماعيل التركماني وكزل القرمي في آخرين.
* * *
وفى نصف جمادى الآخر ادّعى رجل عجمى على القاضي شهاب الدين بن القرشي قاضي دمشق بين يدى السلطان بأنَّ له في جهته مالًا، فأَحضره السلطان من البرج فأَنكر الدعوى
стр. 441
فلم يحتَجْ خصمه إلى إقامة بينّة بل أَمر السلطان بضربه فضرب بحضرته بالمقارع نحو الستين (١) شيبًا وسُلِّم للوالى.
وكان [ابن القرشي] قد بالغ في الإساءة على الظاهر لما حاصر دمشق فحقد عليه [السلطان] فأَمر بضربه عنده فكرّر عليه الضرب مرات وبالغ في إهانته، وآل الأَمر إلى أَن ضربه بالمقارع ثانيا (٢) نحو المائتي، ثم حُبس فمات في يده بعد قليل، وقيل إنه خنق.
* * *
وادعى (٣) جمال الدين بن الهدبانى على أَمير ملك ابن أُخت جنتمر قريب بيدمر بمالٍ فأَمر السلطان بضربه فضُرب بين يديه بالمقارع وتسلَّمه الوالى فمات في يده.
* * *
وفى هذا الشهر استقر قاسم بن كمشبغا أَمير طبلخاناه وهو ابن سبع سنين أَو نحوها.
وفيه تتبّع الوالى المماليك الأَشرفية ممن كان مع بركة ومنطاش فأَفناهم قتلًا وخنقًا، فممن قتل صريتمر نائب الغيبة لمنطاش وتكا الأَشرفى ودمرداش اليوسفى ودمرداش القشتمرى وعلى الجرْكتمرى وجنتمر أَخو طاز الذي كان نائب الشام في أَيام منطاش وتقطاى الطواشي أَحد الشجعان: ضُرِبت رقابهم بالصحراء ظاهر القاهرة في (٤) في شعبان بها.
* * *
وفى شعبان أَيضا قتل فتح الدين بن الشهيد كاتب السر أَحد الفضلاء، ﵀.
وقُتل حسين بن الكورانى بخزانة شمائل في هذا الشهر أَيضا.
وممن قتل فيها أَيضا أَحمد ومحمد إبنا أستدمر، وأحمد بن محمد المهمندار وأرغون شاه وآقبغا المارداني وآقبغا الرماح وألابغا العثماني.
* * *
стр. 442
وفى نصف رجب ادعى عند الركراكي قاضي المالكية بحضرة بنحاص الحاجب بالصالحية [على أَلطنبغا الحلبي وأَلطنبغا دوادار جنتمر بأُمورٍ تقتضى الكفر، فحكم القاضي بإراقة دمهما، فضربت أَعناقهما ببين القصرين.
* * *
وفى نصف شعبان استقر جمال الدين المحتسب في قضاء الحنفية عوضا عن شيخنا مجد الدين بن إسماعيل بن إبراهيم الكناني، فكانت مدة مباشرته دون السنة.
* * *
وفى (١) ثالث شعبان استقر شمس الدين بن الجزرى في قضاء الشافعية بدمشق، وكُتب توقيعه بالقاهرة وخرج مع العسكر عوضا عن مسعود، ثم فتر أَمره فإن السلطان لما دخل دمشق سعى مسعود وأُعيد.
* * *
وفي رمضان استقر بهاء الدين بن البرجى في الحسبة عوضا عن نجم الدين الطنبدى.
* * *
وفيه (٢) أَمر كمشبغا نائب الغيبة أَن لا تخرج النساء إلى الترب بالقرافة وغيْرها، وشدّد في ذلك ومنع المتفرّجين في الشخاتير وهدّد على ذلك بالتغريق (٣) والتوسيط، فحصل لأَهل الخير بذلك فرح ولأَهل الشر ترح، ثم منع النساء من لبس القمصان الواسعة الأَكمام وشدد في ذلك إلى أَن رتب ناسًا يقطعون أَكمام من توجد أَكمامها واسعة.
وساس الناس سياسة (٤) حسنة حتى لم يتمكن أَحد في مدة مباشرته الحكم في هذه الغيبة أَن يتظاهر بفسق ولا فجور من هيبته.
* * *
стр. 443
وفى شوال نازل (١) ابن عثمان قيسارية فملكها.
* * *
وفى هذه السنة سافرْتُ إلى قوص وغيرها من بلاد الصعيد ولم أَستفد شيئًا من المسموعات الحديثية، بل لقيت جماعة من أَهل العلم منهم: ناصر الدين قاضي "هو"، وابن السراج قاضى قوص وجماعة من أَهل الأدب سمعنا من نظمهم.
* * *
وفيها مات مير (٢) حسن الذي كان تأَمّر على التركمان بعد قتل قرا محمد، وأَقاموا بعده ابنه حسين بك.
* * *
وفيها كمل تعمير المدرسة الفخرية.
* * *
وفيها مات عمر بن يحيى الأرتقي من أَولاد الملوك بماردين بحصن كيفا، وكان قد لجأَ إلى العادل بحصن كيفا وأَقام عنده مغاضبا لابن عمه. فمات في هذه السنة.
* * *
وفى ثامن عشر المحرم - بعد موت زين الدين بن رزين - استقر العراقي في تدريس الظاهرية العتيقة، و [استقر] القاياتي في الحكم بإيوان الصالحية.
* * *
وفى تاسع صفر قدم كمشبغا من حلب فتلقَّاه النائب، فهاداه السلطان فمَن دونه بشيءٍ كثير جدا، وحضر صحبتة حسن الكجكني.
وفى تاسع عشر صفر استقر يلبغا المجنون كاشف الوجه القبلى.
* * *
стр. 444
وفي أَواخر صفر أُحضر شهاب الدين أَحمد بن محمد بن الحبال - قاضي الحنابلة بطرابلس - وضُرب بين يدى السلطان الظاهر بسبب قيامه منطاش وفتواه لأَهل طرابلس بقتال الظاهرية، وأَمر بسجنه ثم شُفع فيه فأُطلق، وقد ولى هذا قضاءَ الشام في دولة الملك الظاهر ططر بعناية علم الدين بن الكويز كاتب السرّ إذ ذاك لصحبته إياه في طرابلس.
* * *
وفيها قدم رسول سولى بن ذلغادر بهدية ومفاتيح سيس وكتاب اعتذار عن أَخْذها ويسأَل عمَّن يسلمها له.
* * *
وفى شوال أُعيد ابن فضل الله إلى كتابة السر واستقر ناصر الدين محمد الفاقوسي في توقيع الدست عوضا عن ناصر الدين محمد بن علي بك الطوسي.
* * *
وفيها أَرسل السلطان الشيخ شمس الدين الصوفى ناظر المرستان لكشف أَخبار منطاش فوصل إلى حلب ورجع في ربيع الأَول، وأخبر أَن منطاش توجّه إلى ضمضوا (١) شاردًا من العساكر.
* * *
وفيها في جمادى الآخرة ادعى شخص مسخرة عند السلطان على أَمير ملك - ابن أُخت جنتمر أَخي طاز - بأَنه غرّمه ستمائة أَلف درهم، وأَغرى به منطاش حتى ضربه بالمقارع، فأَمر به الظاهر فجُرِّد وضرب بالمقارع نحو المائتي شيب وسلَّمه (٢) إلى الوالى، فأَرسل إلى الخزانة ودُسَّ عليه مَن خنقه (٣)، فمات في ليلته: ليلة حادي عشريه.
وفي جمادى الآخرة منها ظهر كوكب كبير بذؤابةٍ طول رمحين أَو نحو ثلاثة رماح قليل النور، وصار يظهر من أَول الليل إلى أَن يغيب نصفَ الليل، وكان (٤) قد ظهر مثله في سنة
стр. 445
ثمانٍ وسبعين في أَواخر دولة شعبان: فتفاءل بعض الناس بذلك على الظاهر [برقوق]، فلم يؤثر فيه.
* * *
وأَوفى النيل عاشر مسرى وانتهت زيادته إلى أصبع من عشرين (١).
وفى هذه السنة كثر تتبّع السلطان لعرب الزهور وكانوا قد أفسدوا في الشرقية وبالغوا في ذلك، وأُحضر (٢) ابن فضالة - شيخ عرب الزهور - فضُرب بحضرته بالمقارع، وأُحضر خالد بن بغداد فضرب (٣) بين يديه بالعصيّ فشفع فيه بكلمش أَمير آخور فرده ثم عاد فغضب منه وضربه بالنمجاة ضربتين وأَمر بإمساكه فأُمسك، ثم شفع فيه الأُمراءُ آخر النهار فأَطلقه واستمر على إمرته.
* * *
وفى شعبان قُبض على محمد بن أقبغا آص شادِّ الدواوين وسُلِّم لابن الطبلاوى لعصره (٤) فبالغ في عقوبته، واستقر في شدّ الدواوين ناصر الدين محمد بن رجب، وسار صحبة العسكر فأُعيد إلى القاهرة وعلى يده مثال (٥) إلى محمود الأستادار، فإذا المثال يتضمّن أَن يقبض عليه ويُلزم بوزن مائة وستين (٦) أَلف درهم، فقُبض عليه فحَمل سبعين أَلفًا.
وفي رمضان وُسِّط أَحمد بن علي الشلاقي والى قطية وابن (٧) البهاء.
* * *
وفى سادس عشرى شوال استقر الشريف شهاب الدين أَحمد بن محمد بن حسين بن حيدر بن بنت عطا في حسبة مصر.
* * *
стр. 446
وفيها غلب أَبو يزيد بن عثمان على قيسارية (١).
* * *
وفيها أَمر الظاهر أَن يُعزل جميع ولاة الأَعمال بالرّيف وأَن لا يولى عليها أَحد ممن كان قد ولى، فاختار سودون النائب ثلاثة أَنفس فولاهم بغير رشوة، فاستقر شاهين الكلفتي في الغربية وطرقجي في البهنسا وقجماس في المنوفية.
واستقر يلبغا المجنونُ نائبَ الوجه القبلى، وأَسنبغا السيفى والىَ الفيوم وكشف البهنسا، وتقطاي الشهابي والىَ الأَشمونين، ودمرداش السيفى نائب الوجه البحرى.
* * *
ذكر من مات في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة من الأعيان
١ - أَحمد بن آل ملك (٢) بن عبد الله الجوكندار، تأَمر في أَيام الناصر الكبير ثم تقدم في سلطنة حسن، ثم تنقَّل في الولايات بغزَّة وغيرها، ثم رمى الإمرة سنة تسع وسبعين وليس بالفقيرى وصار يمشى وحج كثيرًا وجاور إلى أَن توفى في جمادى الآخرة.
٢ - أَحمد بن زيد اليمنى (٣) أَحد المصلحين في بلاد المخلاف، سخط عليه الإمام صلاح الدين بن علي في قضيَّةٍ جرت له فأَمر بقتله فبلغه ذلك، فحمل المصحف مستجيرًا به على رأَسه فلم يغن عنه ذلك وقُتل في تلك الحالة، ثم أُصيب الإمام بعد قليلٍ فقيل كان ذلك بسببه.
٣ - أَحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خير المالكي ولى الدين، وَلَدُ قاضي القضاة، قُرر في بعض وظائف أَبيه بعد موته منها درّس الحديث بالشيخونية؛ ومات شابا في جمادى الآخرة.
٤ - أَحمد بن عبد الله الدمنهورى، شهاب الدين الجندى أَحد الفضلاء المشهورين بالخير، تقدم ما جرى له مع برقوق في الحوادث وكان معظما عند أَهل بلده وغيرهم.
стр. 447
٥ - أَحمد بن عمر بن مسلم بن سعيد بن عمر بن بدر بن مسلم القرشي الدمشقي القاضي شهاب الدين بن القاضي زين الدين، كان فاضلًا يتشاغل بالوعظ. على طريقة أَبيه وكان العوام يعجبون به جدا ويعتقدونه، ثم ولى قضاء الشام في أَيام الناصري لأَنه كان ممن يعتقده، فلما حاصر الظاهر (١) دمشق قام القرشي في صده عنها وحرض عليه العامة، ثم قبض عليه عليه منطاش وسجنه، فلما ظفر الظاهر قبض عليه - على يد أَيتمش - وأَحضره إلى القاهرة وبالغ في إهانته، ثم أَقام شخصًا ادعى عليه بحضرته أَنه أَخذ له مالًا وفعل به أَفعالًا قبيحة، فجرّده الظاهر وضربه بالمقارع وسلمه لوالى القاهرة فوالَى ضربه مرارًا وعصره ثم دس عليه من خنقه.
ويقال إنه لما حضر عنده بادر فقال: "بالله لقد أَمّرك (٢) الله علينا وإن كنا لخاطئين"، فلم يَرِقّ له وأَمر بحبسه فحُبِس إلى أَن قُتل خنقا في محبسه في ليلة تاسع شهر رجب.
قرأْت بخط البرهان المحدث بحلب: اجتمعت به مرارًا، وكان أَفضل أَولاد أَبيه". وكان كثير الفوائد والمجون.
٦ - أَحمد قطلوبغا العلائي الحلبي، سمع من إبراهيم بن صالح بن العجمى شيئًا من "عشرة الحداد" وحدث. مات في شعبان وقد جاوز التسعين (٣).
٧ - أَحمد بن محمد الأنصارى المصرى، شهاب الدين، شيخ الخانقاه السعيدية، كان يجلس مع الشهود ويكتسب (٤) فأَثرى وكثر ماله ولم يتزوج، وتقرّب إلى القاضي برهان الدين فعمل درسا بجامع الأَزهر وقف عليه ربعا يغل مالًا كثيرًا وطلب منه أَن يدرّس فيه، ففوضه لبرهان الدين الأبناسي ثم بذل مالًا لأَهل سعيد السعداء حتى عمل شيخها وعمر أَوقافها وأَنشأَ بها مئذنة، وبالغ في ضبط أَحوالها فأَبغضوه وقاموا عليه حتى ضربوه (٥)، وكان موسرًا فالتزم أَلَّا يأخذ لها معلومًا، ثم عُزِلَ بابن أَخي الجار، ومات في ذي القعدة.
стр. 448
٨ - جلال بن أحمد بن يوسف بن طوع بن رسلان الثِّيرى - بكسر المثلثة وسكون التحتانية بعدها راء - الشيخ العلَّامة جلال الدين التباني وقيل اسمه: "رسولا".
قدم القاهرة قديما وذلك (١) في آخر دولة الناصر وأقام بمسجد التبانة (٢) فغلبت عليه النسبة إليها، وكان يذكر أنه سمع "صحيح البخارى" على علاء الدين التركماني، وتلمذ للشيخين جمال الدين بن هشام وبهاء الدين بن عقيل، فبرع في العربية وصنَّف فيها، وتفقه على القوام الأتقانى والقوام الكاسى، وانتصب للإفادة مدةً وشرح "المنار" ونظم في الفقه منظومة وشرحها في أربع مجلدات، وعلَّق على النووى (٣) واختصر "شرح البخارى" لمغلطاي، وعلَّق على "المشارق" و"التلخيص" وصنَّف في "منع تعدد الجمعة" وفى "أن الإيمان يزيد وينقص".
ودرس بالصرغتمشية والألجيهية وغير ذلك، وعُرض عليه القضاءُ مرارًا فامتنع وأصرّ على الامتناع. ومات في ثالث عشر شهر رجب، وهو والد صاحبنا العلامة شرف الدين يعقوب (٤).
٩ - جنتمر ويقال جردمر (٥)، أخو طاز، تنقلت به الأحوال في الخِدم إلى أن استقر أتابكا بدمشق وحبس في صفد مدة ثم أطلقه الناصري وناب عنه بدمشق في غيبته، ثم أمسكه منطاش بعد إمساك بزلار، ثم كان ممَّن قام على برقوق لما حاصر دمشق ثم تغيَّر عليه منطاش وسجنه، فلما استقام الأمر للظاهر طلبه إلى مصر فقتله عشرة.
وكان شكلا حسنا شجاعًا حسن الرأى والتدبير محمود السيرة. ﵀.
١٠ - صلاح بن علي بن محمد بن علي العلوى الزيدى (٦) الإمام، ولى الإمامة بصُعْدة وحارب صاحب اليمن مرارًا وكاد أن يغلب على المملكة كلها فإنه ملك لحج وأبيات حسين وحاصر عدن وهدم أكثر سورها وحاصر زبيد فكاد أن يملكها ورحل عنها. ثم هادنه (٧) الأشرف وصار يهاديه (٨).
стр. 449
وكان مهابا فاضلًا عالمًا عادلًا، سقط من بغلته بسبب نفورها من طائرٍ طار فتعلَّل حتى مات بعد ثلاثة أشهر في ذي القعدة.
١١ - عامر بن عبد الله المسلمى المصرى، الشيخ، أحد من كان يعتقده المصريون مات في صفر.
١٢ - عائشة بنت السيف أبي بكر بن عيسى بن منصور بن قواليح الدمشقية، روت عن القاسم بن مظفر والحجار وغيرهما وحدثت.
ماتت في شوال وهي بنت عم بدر الدين بن قواليح.
١٣ - عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن بهرام الحلبي السروجي (١)، حفيد القاضي شمس الدين محمد بن بهرام. ولد سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، واشتغل وتفقَّه ووقع في الحكم وتعالى الشروط وصنف فيه، وولى قضاء عينتاب، وكان حسن الخط. قدوةً في فنه.
١٤ - عبد القادر بن محمد بن عبد القادر النابلسي ثم الدمشقي، شرف الدين قاضي الحنابلة بدمشق، كان فاضلا. مات شابا في ذي القعدة أو ذي الحجة.
وكان مولده بنابلس سنة سبع وخمسين، وكان قد صحب الركراكي فسعى له في القضاء وانفصل به ابن المنجا بعد أن كان هو في خدمته فلم تطل مدته في القضاء ثم مات بعد شهر في ذي القعدة، وبلغ أباه موته فانزعج لذلك واختلط عقله وما زال مختلطا حتى مات سنة .. (٢).
١٥ - عبد (٣) المؤمن بن علي بن إبراهيم المغربي المالكي، أخذ عن قاضي تونس ابن عبد السلام وعن شرف الدين عيسى الزواوي والشيخ عبد الله الفيومي، وعنى بالفقه، ومات في رمضان.
١٦ - على بن طيبغا الحلبي، علاء الدين الموقّت، اشتغل في الهيئة والحساب والجبر والمقابلة والأصلين ومهر في ذلك واشتهر حتى صار موقت البلد من غير منازع، وكان يسكن جامع ألطنبغا.
стр. 450
قرأ عليه جماعة من شيوخ حلب كأبى البركات وشمس الدين النابلسي وشرف الدين الدارنجي وعزِّ الدين الحاضري.
وذكر القاضي علاء الدين في تاريخه أن جمال الدين بن الحافظ. قال له يوما: "يا كافر"، فقال له ابن طيبغا: "بما عرفتَ الله؟ " فسكت، فقال علاء الدين: "فمن هو الكافر؟ الذي يعرف الله أو الذي لا يعرفه؟ "؛ قال: "وكان يُعرف بفساد العقيدة ويُنسب إلى ترك الصلاة وشرب الخمر ولم يكن عليه وضاءة الدين وأهل العلم، وكان أكثر الأُمراء يعتمد عليه في أحكام النجوم".
١٧ - على بن عبد الله الروبي - بالباء الموحدة - نسبة إلى موضع بالفيوم، كان مجذوبًا وتظهر منه أشياء خوارق للعادة وللناس فيه اعتقاد زائد. مات في ذي الحجة.
١٨ - على بن عبد الله الحراني، علاء الدين قاضي المحلة، مشهور. مات في المحرم.
١٩ - عمر بن عبد المحسن بن عبد اللطيف، صدر الدين بن رزين؛ سمع الدبوسي والقطب الحلبي وغيرهما، وأجاز له الحجار وابن الزراد وطائفة، وحدث وناب في الحكم بصلابةٍ ومهابة، ودرّس بأماكن.
مات في المحرم وكان بيده تدريس الحديث بالظاهرية البيبرسية وبالفاضلية، واستقر فيها شيخنا العراقي بعده.
٢٠ - فاطمة بنت عمر بن يحيى المدنية، تعرف ببنت المؤذن (١) وبنت الأعمى، أجاز لها الدستى والقاضي والمطعم ونحوهم، وحدثت بمصر، [و] ماتت في آخر السنة.
٢١ - فاطمة بنت محمد بن عبد الرحيم الأميوطي، أُخت الشيخ جمال الدين. سمعَتْ من وزيرة والحجار وحدثت.
٢٢ - محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن محمد بن أبي الكرم، النابلسي الأصل ثم الدمشقى، فتح الدين بن الشهيد، أحد أفراد الدهر ذكاءً وعلمًا ورياسةً ونظمًا. تفقَّه ومهر في التفسير والفقه، وبرع في الأدب والفضائل، وأقرأ الكشاف وغيره، ونظم "السيرة النبوية"
стр. 451
نظما مليحًا إلى الغاية وحدّث بها لما قدم القاهرة سنة إحدى وتسعين، [و] قرأها عليه شيخنا الغمارى وهو أسن منه، وأثنى هو وجميع فضلاء القاهرة على فضله، وأثنى عليه بنظمها - قبل ذلك - الحافظ شمس الدين بن المحب ومدحه بقصيدتين فأجابه عنهما، وكانت (١) له دروس حافلة عظيمة، وكان رئيسا عالى الرتبة رفيع المنزلة، وكانت له آثار حميدة وسجايا جليلة ومحاضرة حسنة، وولى كتابة السر بدمشق مرارًا ومشيخة الشيوخ بها، ودرّس وتقدم إلى أن قُتِل ظلمًا في شعبان من سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وذلك أنه لما خرج منطاش ويلبغا الناصري وملكا الإمرة ونُفى برقوق إلى الكرك ثم خلص منها وحاصر دمشق قام ابن الشهيد في وجهه وجمع لمحاربته.
فلما آل الأمر إلى برقوق حقد عليه فأمر بالقبض عليه فحُمل إلى القاهرة مقيَّدًا فأُودع السجن مع أهل الجرائم، ثم أمر به فأُخرج إلى ظاهر القاهرة فضُربت عنقه بالقرب من القلعة وذلك قبل رمضان بيوم.
وكان بينه وبين بيدمر شر كبير، فإذا ولى بيدمر النيابة سعى في أذاه بكل طريق، وصودر غير مرة واختفى، وعزل مرارًا ثم يعود، وكان أعظم ذنوبه عند الظاهر أن منطاش لما سجن الشهاب القرشي أعطاه الخطابة فكان يحرِّض في خطبته على الظاهر.
٢٣ - محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن محمد النابلسي الأصل ثم الدمشقي، ثم سمى شمس الدين بن الشهيد.
أخو الذي قتله (٢) الظاهر، كان مقيما بالقاهرة فمات قبل أخيه فتح الدين ودفن أخوه عنده.
٢٤ - محمد بن إبراهيم بن (٣) محمد النابلسي ثم الدمشقي، نجم الدين بن الشهيد أخو اللذين (٤) قبله. تنقَّل في البلاد وولى كتابة السرّ بسيس عشرين سنة، ثم قدم القاهرة فمات بها بعد أخويه في ذى القعدة، واتفق أن دُفن الثلاثة في قبر واحد بعد الشتات الطويل.
стр. 452
٢٥ - محمد أحمد بن بن عبد الرحمن الدمشقى، تقى الدين بن الطاهر، سمع من الحجار ومن ابن محمد بن عربشاه وتفقه. مات في صفر سنة ثلاثٍ وتسعين وسبعمائة.
٢٦ - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حاتم، تقى الدين المصرى بن إمام جامع ابن الرفعة، ولد سنة سبع عشرة، وسمع على الحجار والوانى والدبوسي وغيرهم، وكان عارفًا (١) بالفقه، [و] درّس بالشريفية ودرّس للمحدثين بقبّة بيبرس وحدَّث وأفاد. مات في ذي القعدة.
٢٧ - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد العسقلاني، فتح الدين أبو الفتح البصرى (٢) إمام جامع طولون. وُلد سنة أربع وسبعمائة، وتلا بالسبع على التقى الصائغ وسمع عليه "الشَّاطبية" فكان خاتمة أصحابه بالسماع، وأقرأ الناس بآخره فتكاثروا عليه. مات في المحرّم.
٢٨ - محمد بن أحمد أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد القرطبي، أبو الوليد بن الحاج، ثم الغرناطي نزيل دمشق. أمَّ بالجامع وكان فاضلا. مات في ذي الحجة.
٢٩ - محمد أحمد بن محمد بن مزهر، بدر الدين الدمشقي، كاتب السر بدمشق، وليها مرتين قدْر عشر سنين، وكان قد تفقَّه على ابن قاضي شهبة وهو الذي قام معه في تدريس الشامية البرانية، ونشأَ على طريقةٍ مثلى، وباشر بعفة ونزاهة.
٣٠ - محمد بن أحمد بن موسى بن عيسى البَطَرْنى (٣) الأنصاري، أبو الحسن، سمع من والده (٤) كثيرا، وأجاز له أبو جعفر بن الزبير (٥) وقاضي فاس أبو بكر بن محمد بن عيسى بن منتصر وتفرَّد بذلك، وكان آخر المسندين ببلاد إفريقية، وكان زاهدا مقبلا على القراءات والخير. مات بتونس في ذي القعدة عن تسعين سنة وأشهر.
٣١ - محمد بن إسماعيل بن سراج الكفرطباوى، حدث "بالصحيح" عن الحجار بمصر وغيرها، وكان من فقهاء المدارس بدمشق، وأذن له ابن النقيب بمصر (٦). مات في أحد الجمادين ببيسان راجعًا من القاهرة.
стр. 453
٣٢ - محمد بن الحسن الأسدى، شمس الدين، كان إمام خانقاه سعيد السعداء مات راجعا من الحج.
٣٣ - محمد بن عبد الله بن الكلح، زين الدين المصري، كان ممَّن يُعتقد بمصر. مات في جمادى الأولى.
٣٤ - محمد بن عبد الله المحلِّى، القاضي الشيخ موفق الدين العابد، كان كبير القدر معتقدًا عند أهل بلده.
٣٥ - محمد بن علي بن أحمد بن محمد اليونينى البعلى الحنبلى، شمس الدين بن اليونانية (١) ولد سنة سبعٍ وسبعمائة، وسمع من الحجار وتفقَّه وسمع الكثير وتميز، ولخَّص "تفسير ابن كثير" في أربع مجلدات وانتفع به. مات في شوّال.
٣٦ - محمد بن أمير على المارديني. مات في ذى الحجة.
٣٧ - محمد بن علي الطوسى المصرى، ناصر الدين موقع الدست، ولد بعد العشرين، وسمع من ابن عبد الهادى وغيره واشتغل حتى مهر، وكان (٢) يستحضر كثيرًا من التواريخ والأدبيات، وكان في أول أمره من صوفية الخانقاه بسرياقوس ثم تنقلت به الأحوال إلى أن ولى شهادة الخاص ثم (٣) التوقيع، وكان حسن المذاكرة جميل المحاضرة، وصار من وجوه الموقعين ويشار إليه بالفضل دون كثير منهم.
مات في شوال وقد قارب التسعين بحلب لما (٤) توجه الظاهر إليها بعد عوده إلى السلطنة.
٣٨ - محمد بن محمد بن عبد الله بن عمر بن عوض الصالحي، ناصر الدين بن البيطار، حضر على ابن مشرف وسمع من القاضي وابن عبد الدائم وأجاز له الدمياطي والموازيني والشريف الفزاري وآخرون. مات في شعبان عن تسع وثمانين سنة.
٣٩ - محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد القادر بن عبد الله بن سوار، عز الدين
стр. 454
الزبيري (١) المليجي (٢)، سمع الحديث من الحسن بن عمر الكردي (٣) وتفرّد به عنه بالسماع، وسمع "الصحيح" على الحجار وحدث به وناب (٤) في الحكم. مات في جمادى الآخرة.
٤٠ - محمد بن محمد بن النجيب عبد الخالق الحنبلي قاضي بعلبك، أمين الدين سبط. فخر الدين أبي الحسن اليونيني. كان فاضلًا وهو أول من ناب في الحكم عن الحنابلة ببعلبك. قُتل في فتنة منطاش في رمضان وله تسعٌ وأربعون سنة.
٤١ - محمد بن محمد بن محمد بن ميمون البلوى أبو الحسن الأندلسي، تقدّم في سنة ٧٨٧ (٥).
٤٢ - محمد بن يوسف الزيلعي، يُكنى أبا عبد الله، "حدّث بالبخارى" عن عبد الرحيم بن شاهد الجيش، وكان أحد من يُعتقد.
٤٣ - محمد بن يوسف، أبو عبد الله الركراكي المالكي شمس الدين، كان عالمًا بالأصول والمعقول ويُنسب لسوء الاعتقاد وسُجن بسبب ذلك الاعتقاد، ونُفى إلى الشام ثم تقدم عند الظاهر وولَّاه القضاء وسافر معه في هذه السنة فمات بحمص في رابع شوال، ورثاه عيسى بن حجاج (٦) بقوله:
لهفى على قاضي القضاة محمد … إلْفِ العلوم الفارس الركراكي
قد كان رأسًا في القضا فلأَجل ذا … حَزِنَتْ (٧) عليه عصابة الأتراك
ولما سمع شيخنا سراج الدين بموته قال: "لله در عقارب حمص"، وكانت (٨) هذه تعد
стр. 455
في نوادر شيخنا إلى أن وجدت في "ربيع الأبرار" أن أرض حمص لا يعيش فيها عقارب، وإن دخل فيها عقرب غريب ماتت لساعتها.
٤٤ - موسى بن عمر بن منصور بن رحل بن نجدة، شرف الدين اللوبياني الشاميّ، وُلد بعد سنة عشرين وسمع من الحجار، وكان فقيها نبيها. مات في ربيع الأول.
وكان ابن النقيب هو الذي أذن له وكان يدرّس ويفتى ويرتزق من الشهادة.
٤٥ - منصور بن عبد الله الحاجب بغزَّة.
٤٦ - يلبغا بن عبد الله الناصري أحد كبار الأمراء وقد حكم في المملكة أياما قلائل ثم ثار عليه منطاش كما تقدّم في الحوادث، وكان سببا لبقاء مهجة برقوق ثم جازاه أن ولَّاه نيابة دمشق ثم حلب ثم غضب عليه وقتله كما تقدّم.
* * *
стр. 456
سنة أربع وتسعين وسبعمائة
في أوّلها وصل بهادر مقدم المماليك بحريم السلطان فتجهّز نائب الغيبة في حادى (١) عشر المحرّم لملاقاة السلطان إلى بلبيس، ودخل السلطان القاهرة يوم الجمعة سابع (٢) عشر المحرّم وكان يومًا مشهودًا (٣).
وفى (٤) آخرها استقر سودون الطرنطاى نائب دمشق عوضا عن بطا بحكم وفاته.
* * *
واستقر شهاب الدين التحريري في قضاء المالكية عوضا عن الركراكي، وكان (٥) كمشبغا أذن لشهاب الدين الديري أن يتكلم في الأمور إلى أن يحضر السلطان.
* * *
وفى صفر قبض على دمرداش نائب حلب وحبس بالبرج، وعلى قزدمر الحسنى.
وفيه استقر ركن الدين عمر بن قايماز في الوزارة عوضا عن ابن الحسام.
وفى نصف صفر استقر الشريف مرتضى بن إبراهيم بن حمزة الحسيني في نظر القدس والخليل.
وفيه هجم على بطا النائب بدمشق خمسة أنفس منهم: آقبغا داودار بزلار فقتلوه وأخرجوا من في الحبس من المنطاشية - وهم نحو مائة نفس - وملكوا القلعة، فحاصرهم الحاجب في عسكر دمشق وضيّق عليهم إلى أن غُلبوا فأحرقوا عليهم الباب وأمسكوا الثائرين، فلم يبقوا منهم إلَّا من هرب.
стр. 457
ولما بلغ السلطان ذلك قرّر في نيابة دمشق سودون الطرنطاى (١) فخرج إليها في عاشر ربيع الأول ودخلها في العشر الأخير منه، فلم يلبث أن مات في شعبان (٢) وكانت ولايته ستة (٣) أشهر، واستقر مكانه كمشبغا الأشرفى، ومات من مماليكه وجماعته نحو مائة نفس بالطاعون.
وفى سادس الأول ولى جمال الدين [محمود] العجمي (٤) - قاضي الحنفية - مشيخة الشيخونية بعد وفاة العز [يوسف] الرازي.
* * *
وفى نصف الأول أمر السلطان القضاة (٥) بتخفيف النواب، وكان القاضي عماد الدين الكركي قد استكثر منهم جدا حتى استناب من لم تَجْرِ له عادة بالنيابة مثل جمال الدين العرياني وولى الدين بن العراقي وعز الدين عبد العزيز البلقيني ونحوهم، فعزل من نوابه أكثر من عشرين نفسًا، وأبقى تقى الدين الزبيرى وتقيّ الدين الإسنائي وفخر الدين القاياتي خاصة، فهؤلاء الثلاثة في إيوان الصالحية بالنَّوبة، وأذن لبهاء الدين أبي الفتح البلقيني بالجلوس بالقبة وآخر معه بالنَّوبة.
واستقر القاضي المالكي بخمسة من النواب أيضا، وهم ابن الجلال وجمال الدين الأقفهسي وشهاب الدين الذفرى وخلف الطوخى. وقد ولى الأولان القضاء استقلالا بعد ذلك، وناب عنه بمصر جمال الدين القيسي (٦).
وفى هذا اليوم أمر السلطان أن ينقل محب الدين بن الشحنة - قاضي حلب - من عند محمود فتسلَّمه والى القاهرة وكذلك تسلَّم علاء الدين ألبيرى موقِّع الناصري، وكان قبض
стр. 458
عليهما بالشام، فقتل البيرى واعتُقل ابن الشحنة ثم أُفرج عنه في أواخر هذا الشهر بعناية محمود الأستادار.
* * *
وفيها خلع السلطان على يوسف بن علي بن غانم أحد أمراء المغرب (١) لما رجع من الحج وتوجّه إلى بلاده في ربيع الأول.
* * *
وفيها عزل ناصر الدين بن الخطيب عن قضاء حلب واستقرّ شرف الدين الأنصارى. وفي آخر ربيع الآخر عُزل ناصر الدين بن البرجي عن الحسبة وأعيد نجم الدين الطنبدى. وفى هذا (٢) الشهر قُتل أيدكار الحاجب وقرا كشك ورسلان اللفاف وسنجق وغيرهم من الأمراء.
* * *
وفى المحرّم مات ناصر الدين (٣) بن الحسام بعد مرضٍ طويل.
* * *
وفى ثالث عشري صفر استقر محمد بن محمود في نيابة الاسكندرية.
* * *
وفيه (٤) جهز حسن الكجكني بهدية إلى صاحب الروم.
* * *
وفيه أُعيد نظر جامع طولون إلى القاضي الشافعي وكان الحاجب قد تحدّث فيه نحو سنة.
* * *
стр. 459
وفيه أمر السلطان الدويدار وكاتب السرّ أن يتكلما في الأوقاف الحكمية لما بلغه من تخريب الأوقاف، فأمر نصر الله بن شُطَيّة - كاتب المرتجع - باسترجاع الحساب من مباشرى الأوقاف، وألزمهم بعمل حساب المودع مدة عشر سنين.
وفى تاسع عشر جمادى الآخرة استقر كمشبغا أتابكا بموت إينال اليوسفى، واستقر أيتمش رأس نوبة.
* * *
وفي رجب ثار جماعة من المماليك على محمود الأُستادار وطالبوه بالكسوة والنفقة ورجموه من الطباق وضربوا بعض مماليكه بالدبابيس وأرادوا قتله فمنعه منهم أيتمش.
وفيها عزل ابن قايماز عن الوزارة واستقر عوضه تاج الدين بن أبي شاكر واستقر ابن قايماز في الأستادارية كسرًا لشوكة المماليك، ثم أنفق محمود على المماليك وكساهم فأُعيد إلى وظيفته في نصف شعبان، وكان ذلك أول وهن دخل عليه.
* * *
وفى شعبان قدم عنان بن مغامس أمير مكة وشريكه على بن عجلان، فقَعَد عليّ - لصغر سنه - تحت عنان، فرفعه السلطان على عنان ثم خلع عليه في رمضان وأفرده بالإمرة واعتقل عنانًا بالقاهرة.
* * *
وفي رمضان شكى تاج الدين النصراني - معلِّم أولاد كريم الدين بن مكانس الكتابة - أنه مختف في بيته (١) فأَرسل معه بكلمش الأميرُ آخور جماعةً من الوجاقية، فدقَّ التاجُ الباب فخرج إليه ابن مكانس فقال له من هذا فقال: "تاج" ففتح له مطمئنا به لكثرة دخوله عليه، فهجم عليه الأوجاقية فحوّلوه إلى بكلمش فعرضه على السلطان، فأمر الوالي بتسلُّمه، فخاف تاج أن يتخلَّص ابن مكانس فأسلم على يد بكلمش ولبس بالجندية وخدم عنده شادا في بعض بلاده.
стр. 460
وفى ذى القعدة قبض جماعةٌ من المماليك بسرياقوس على شاب من العامة قهرا فارتكبوا فيه الفاحشة فأمعنوا في ذلك إلى أن مات، فرُفع الأمر إلى السلطان فأمر بالقبض عليهم وسلمهم لوالى القاهرة.
* * *
وفى هذه السنة عصى طغيتمر - نائب سيس - فبلغ ذلك الظاهر فتحيّل عليه فدسّ لأهل الكرك أن يقفوا له يوم المحاكمة ويشكوا من نائبهم وسألوه أن يؤمِّر عليهم طغيتمر ففعلوا ذلك، وخَفيت هذه المكيدة على بكلمش - وكان طغيتمر من جهته - فكاتبه بما جرى فاطمأن وحضر إلى القاهرة فقبض عليه السلطان.
* * *
وفى شعبان مات سودون الطرنطاى نائب دمشق وقُرر بعده كمشبغا الخاسكي الأشرفي، وكان (١) سودون محبا في الخير عديم الهزل كارها في الخمر جدا والمظالم، ولكنه كان متعاظمًا جدا ولم يبلغ ثلاثين سنة - وكان مهابًا - ويقال إنه قال لما ولى النيابة: "كيف أعمل في الأحكام بين الناس وأنا لا أدرى شيئًا من الأمور الشرعية؟ ". وكان يتنزَّه عن الرشوة وحصل له قبل موته "برسام"، فكانت تصدر منه أفعال لا تشبه أفعال العقلاء، وعزله الظاهر قبل موته بعشرة أيام.
* * *
وفى نصف رمضان أُمِّر تغْرى بردى تقدمة ألف.
* * *
وفيه قُرِّر بدر الدين الطوخي في وزارة دمشق عوضا عن ابن مكانس بحكم انفصاله ورجوعه إلى القاهرة.
* * *
وفى شعبان كان الحريق العظيم بدمشق فاحترقت المئذنة الشرقية وسقطت، واحترقت