سنة أربع وتسعين وسبعمائة
في أوّلها وصل بهادر مقدم المماليك بحريم السلطان فتجهّز نائب الغيبة في حادى (١) عشر المحرّم لملاقاة السلطان إلى بلبيس، ودخل السلطان القاهرة يوم الجمعة سابع (٢) عشر المحرّم وكان يومًا مشهودًا (٣).
وفى (٤) آخرها استقر سودون الطرنطاى نائب دمشق عوضا عن بطا بحكم وفاته.
* * *
واستقر شهاب الدين التحريري في قضاء المالكية عوضا عن الركراكي، وكان (٥) كمشبغا أذن لشهاب الدين الديري أن يتكلم في الأمور إلى أن يحضر السلطان.
* * *
وفى صفر قبض على دمرداش نائب حلب وحبس بالبرج، وعلى قزدمر الحسنى.
وفيه استقر ركن الدين عمر بن قايماز في الوزارة عوضا عن ابن الحسام.
وفى نصف صفر استقر الشريف مرتضى بن إبراهيم بن حمزة الحسيني في نظر القدس والخليل.
وفيه هجم على بطا النائب بدمشق خمسة أنفس منهم: آقبغا داودار بزلار فقتلوه وأخرجوا من في الحبس من المنطاشية - وهم نحو مائة نفس - وملكوا القلعة، فحاصرهم الحاجب في عسكر دمشق وضيّق عليهم إلى أن غُلبوا فأحرقوا عليهم الباب وأمسكوا الثائرين، فلم يبقوا منهم إلَّا من هرب.
стр. 457
ولما بلغ السلطان ذلك قرّر في نيابة دمشق سودون الطرنطاى (١) فخرج إليها في عاشر ربيع الأول ودخلها في العشر الأخير منه، فلم يلبث أن مات في شعبان (٢) وكانت ولايته ستة (٣) أشهر، واستقر مكانه كمشبغا الأشرفى، ومات من مماليكه وجماعته نحو مائة نفس بالطاعون.
وفى سادس الأول ولى جمال الدين [محمود] العجمي (٤) - قاضي الحنفية - مشيخة الشيخونية بعد وفاة العز [يوسف] الرازي.
* * *
وفى نصف الأول أمر السلطان القضاة (٥) بتخفيف النواب، وكان القاضي عماد الدين الكركي قد استكثر منهم جدا حتى استناب من لم تَجْرِ له عادة بالنيابة مثل جمال الدين العرياني وولى الدين بن العراقي وعز الدين عبد العزيز البلقيني ونحوهم، فعزل من نوابه أكثر من عشرين نفسًا، وأبقى تقى الدين الزبيرى وتقيّ الدين الإسنائي وفخر الدين القاياتي خاصة، فهؤلاء الثلاثة في إيوان الصالحية بالنَّوبة، وأذن لبهاء الدين أبي الفتح البلقيني بالجلوس بالقبة وآخر معه بالنَّوبة.
واستقر القاضي المالكي بخمسة من النواب أيضا، وهم ابن الجلال وجمال الدين الأقفهسي وشهاب الدين الذفرى وخلف الطوخى. وقد ولى الأولان القضاء استقلالا بعد ذلك، وناب عنه بمصر جمال الدين القيسي (٦).
وفى هذا اليوم أمر السلطان أن ينقل محب الدين بن الشحنة - قاضي حلب - من عند محمود فتسلَّمه والى القاهرة وكذلك تسلَّم علاء الدين ألبيرى موقِّع الناصري، وكان قبض
стр. 458
عليهما بالشام، فقتل البيرى واعتُقل ابن الشحنة ثم أُفرج عنه في أواخر هذا الشهر بعناية محمود الأستادار.
* * *
وفيها خلع السلطان على يوسف بن علي بن غانم أحد أمراء المغرب (١) لما رجع من الحج وتوجّه إلى بلاده في ربيع الأول.
* * *
وفيها عزل ناصر الدين بن الخطيب عن قضاء حلب واستقرّ شرف الدين الأنصارى. وفي آخر ربيع الآخر عُزل ناصر الدين بن البرجي عن الحسبة وأعيد نجم الدين الطنبدى. وفى هذا (٢) الشهر قُتل أيدكار الحاجب وقرا كشك ورسلان اللفاف وسنجق وغيرهم من الأمراء.
* * *
وفى المحرّم مات ناصر الدين (٣) بن الحسام بعد مرضٍ طويل.
* * *
وفى ثالث عشري صفر استقر محمد بن محمود في نيابة الاسكندرية.
* * *
وفيه (٤) جهز حسن الكجكني بهدية إلى صاحب الروم.
* * *
وفيه أُعيد نظر جامع طولون إلى القاضي الشافعي وكان الحاجب قد تحدّث فيه نحو سنة.
* * *
стр. 459
وفيه أمر السلطان الدويدار وكاتب السرّ أن يتكلما في الأوقاف الحكمية لما بلغه من تخريب الأوقاف، فأمر نصر الله بن شُطَيّة - كاتب المرتجع - باسترجاع الحساب من مباشرى الأوقاف، وألزمهم بعمل حساب المودع مدة عشر سنين.
وفى تاسع عشر جمادى الآخرة استقر كمشبغا أتابكا بموت إينال اليوسفى، واستقر أيتمش رأس نوبة.
* * *
وفي رجب ثار جماعة من المماليك على محمود الأُستادار وطالبوه بالكسوة والنفقة ورجموه من الطباق وضربوا بعض مماليكه بالدبابيس وأرادوا قتله فمنعه منهم أيتمش.
وفيها عزل ابن قايماز عن الوزارة واستقر عوضه تاج الدين بن أبي شاكر واستقر ابن قايماز في الأستادارية كسرًا لشوكة المماليك، ثم أنفق محمود على المماليك وكساهم فأُعيد إلى وظيفته في نصف شعبان، وكان ذلك أول وهن دخل عليه.
* * *
وفى شعبان قدم عنان بن مغامس أمير مكة وشريكه على بن عجلان، فقَعَد عليّ - لصغر سنه - تحت عنان، فرفعه السلطان على عنان ثم خلع عليه في رمضان وأفرده بالإمرة واعتقل عنانًا بالقاهرة.
* * *
وفي رمضان شكى تاج الدين النصراني - معلِّم أولاد كريم الدين بن مكانس الكتابة - أنه مختف في بيته (١) فأَرسل معه بكلمش الأميرُ آخور جماعةً من الوجاقية، فدقَّ التاجُ الباب فخرج إليه ابن مكانس فقال له من هذا فقال: "تاج" ففتح له مطمئنا به لكثرة دخوله عليه، فهجم عليه الأوجاقية فحوّلوه إلى بكلمش فعرضه على السلطان، فأمر الوالي بتسلُّمه، فخاف تاج أن يتخلَّص ابن مكانس فأسلم على يد بكلمش ولبس بالجندية وخدم عنده شادا في بعض بلاده.
стр. 460
وفى ذى القعدة قبض جماعةٌ من المماليك بسرياقوس على شاب من العامة قهرا فارتكبوا فيه الفاحشة فأمعنوا في ذلك إلى أن مات، فرُفع الأمر إلى السلطان فأمر بالقبض عليهم وسلمهم لوالى القاهرة.
* * *
وفى هذه السنة عصى طغيتمر - نائب سيس - فبلغ ذلك الظاهر فتحيّل عليه فدسّ لأهل الكرك أن يقفوا له يوم المحاكمة ويشكوا من نائبهم وسألوه أن يؤمِّر عليهم طغيتمر ففعلوا ذلك، وخَفيت هذه المكيدة على بكلمش - وكان طغيتمر من جهته - فكاتبه بما جرى فاطمأن وحضر إلى القاهرة فقبض عليه السلطان.
* * *
وفى شعبان مات سودون الطرنطاى نائب دمشق وقُرر بعده كمشبغا الخاسكي الأشرفي، وكان (١) سودون محبا في الخير عديم الهزل كارها في الخمر جدا والمظالم، ولكنه كان متعاظمًا جدا ولم يبلغ ثلاثين سنة - وكان مهابًا - ويقال إنه قال لما ولى النيابة: "كيف أعمل في الأحكام بين الناس وأنا لا أدرى شيئًا من الأمور الشرعية؟ ". وكان يتنزَّه عن الرشوة وحصل له قبل موته "برسام"، فكانت تصدر منه أفعال لا تشبه أفعال العقلاء، وعزله الظاهر قبل موته بعشرة أيام.
* * *
وفى نصف رمضان أُمِّر تغْرى بردى تقدمة ألف.
* * *
وفيه قُرِّر بدر الدين الطوخي في وزارة دمشق عوضا عن ابن مكانس بحكم انفصاله ورجوعه إلى القاهرة.
* * *
وفى شعبان كان الحريق العظيم بدمشق فاحترقت المئذنة الشرقية وسقطت، واحترقت
стр. 461
الصاغة والدهيشة وتلف من الأموال ما لا يحصى، وعمل (١) في ذلك صاحبنا الأديب تقى الدين ابن حجة الحموى مقامةً في نحو عشرة أوراق من رائق النثر وفائق النظم، وهي أعجوبة في فنّها.
* * *
وفيها (٢) كان بالقاهرة الطاعون العظيم في البقر حتى كاد أن يفنى من القاهرة.
* * *
وفيها ثار الغلاءُ المفرط بدمشق.
* * *
وأوفى (٣) النيل ثالث مسرى وانتهى إلى عشرين إصبعا من عشرين ذراعًا.
وفى شعبان وقع الوباء في البقر حتى كاد إقليم مصر أن يفنى منها (٤).
* * *
وفيها استقر بدر الدين الأقفهسي - شاهدُ أُلجاى - ناظرَ الدولة.
* * *
وفيها شكى أهل خانقاه سرياقوس من شيخهم (٥) فأمر السلطان بإحضاره فسأله عما أنهِىَ عنه فأومأَ بيده، فلمح بعض الناس فيها أحرفًا مقطعة فأعلم السلطان بذلك فسأله فاضطرب، فقيل للسلطان إنه ساحر فعزله عن المشيخة وسلَّمه لشاد الدواوين وولَّاها (٦) للشريف فخر الدين.
وقيل إن السلطان كان أودع عنده خمسة آلاف دينار قبل أن تقع قصة الناصري فلما
стр. 462
عاد طالبه [بها] فأجاب بأنه تصدَّق بها وأصرّ على ذلك، فأسرَّها السلطان الظاهر في نفسه إلى هذه الغاية.
* * *
وفى العشرين من شوال استقر جمال الدين (١) في نظر الجيش مضافًا إلى القضاء ومشيخة الشيخونية، فعظم شأنه وكثر تردّد الناس إليه، ويقال إنه بذل في ذلك مالًا يفوق الوصف.
* * *
وفيها كائنة سعيد المغربي وكان مقيما بقبة جامع طولون وللناس فيه اعتقاد زائد، وكان السلطان يزوره ويعظمه ويقبل شفاعته، فكثر تردّد الأكابر عليه. ثم إنه سافر إلى العراق، فلما عاد دخل للسلام على السلطان وذلك في العشرين من جمادى الآخرة، فلما انصرف ذكر بعض البازداريّة أنه رآه عند نعير أمير العرب فغضب السلطان وتخيّل أنه جاسوس، فأرسل إليه من قبض عليه، فكان آخر العهد به.
وفي آخر شوال استقر تانى بك أمير آخور، ونقل بكلمش إلى مرتبة أخرى فاستقرَّ أميرَ سلاح.
وفى سلخ شوال أُمر أصحاب (٢) العاهات والقطعان أن يخرجوا من القاهرة ثم أُذن للقطعان بالعود.
* * *
وفى آخر ذى الحجة عُزل الشهاب التحريرى (٣) عن قضاء المالكية واستقر ناصر الدين بن التنسى نقلا من قضاء الإسكندرية.
* * *
стр. 463
وفي أواخر (١) ذي القعدة قتل جماعة من الأمراء المعتقلين منهم طغيتمر وقرا دمرداش.
* * *
وفى ثامن (٢) عشرى ذى القعدة استقر تقى الدين الكفرى في قضاء الشام عوضا عن نجم الدين بن الكشك.
* * *
وفي خامس عشرى ذي الحجة وصل المبشِّر من الحجاز.
* * *
وفي أواخر ذى الحجة (٣) عُزل القاضي عماد الدين الكركى من قضاء الشافعية وأُمِر بلزوم بيته بسبب أن المكيِّين رافعوا فيه، فشغر قضاءُ الشافعية إلى أن انسلخت السنة.
* * *
وفيها (٤) أرسل السلطان نائب الكرك حسن الكجكني إلى ابن عثمان صاحب الروم بهديا جليلة.
* * *
وفيها ضربت بالإسكندرية فلوس ناقصة الوزن عن العادة طمعا في الربح فآل الأمر فيها إلى أن كانت أعظم الأسباب في فساد الأسعار ونقص الأموال.
* * *
وفى أواخر هذه السنة قبض عليُّ بن عجلان على سبعين نفسًا من الأشراف فقامت حرمته لذلك.
* * *
وفيها وقعت الحرب بين قرا يوسف بن قرا محمد أمير التركمان وبين حسين بك فقتل
стр. 464
قرا يوسف أحدَ أمراء التركمان غدرا واستولى على امرأته وكانت من أجمل النساء فخلى بها في ليلة وقال: "مات عنك شيخ وتزوّجك شاب".
* * *
وفيها نازل قرا يوسف ماردين فخادعه صاحبها والتمس الصلح على مال يحمله إليه، ثم راسله بما أراد وراسل أُمراءه حتى أفسدهم، وأغار عليهم عسكر ماردين بغتةً فتخلَّى عنه عامةُ أصحابه فانهزم، واتفق رأى التركمان على تأمير حسين بك، ومات في تلك الأيام بعد عمه قرا يوسف.
* * *
وفيها (١) رجع تمر إلى بلاد العراق في جمعٍ عظيم فملك أصبهان وكرمان وشيراز وفعل بها الأفاعيل المنكرة، ثم قصد شيراز فتهيأ منصور شاه لحربه، فبلغ تمرلنك اختلاف من بسمرقند فرجع إليها فلم يأْمن منصور من ذلك بل استمر على حذره، ثم تحقّق رجوع تمرلنك فأَمن بغتَةَ تمرلنك، فجمع أمواله وتوجه إلى هرمز ثم انثنى عزمه وعَزَمَ على لقاء تمرلنك فالتقى بعسكره وصبروا صبر الأحرار، لكن الكثرة غلبت الشجاعة، فقُتل شاه منصور في المعركة ثم استدعى ملوك البلاد فأتوه طائعين فجمعهم في دعوة وقتلهم أجمعين.
* * *
ذكر من مات في سنة أربع وتسعين وسبعمائة من الأعيان:
١ - إبراهيم بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن إسماعيل بن عمر بن بختار الصالحي، ناصر الدين بن السّلار، سمع من عبد الله بن أحمد بن تمام (٢) وابن الزَّراد وست الفقهاء (٣) بنت الواسطى [ومحمد (٤) بن عبد الرحمن] والبجدِّى، وهو آخر من روى عن الدمياطي بالإجازة، وكان له نظم ووجاهة (٥)، مات في شعبان وله تسعون سنة سواء، لأن مولده كان
стр. 465
سنة أربع، وكان يكتب الكثير بخطِّه. وله فوائد ومجاميع مشتملة على غرائب مستحسنة، وكان موت والده (١) في المحرم سنة ست عشرة وسبعمائة.
٢ - أحمد بن أيوب بن إبراهيم المصرى القرافي (٢)، شهاب الدين بن المنفر، سمع الوافي والدبوسي والختنى وحدّث. مات في ربيع الأول.
٣ - أحمد بن محمد بن علي الدُّنَيْسَرى (٣)، شهاب الدين بن العطار القاهرى، وُلد سنة (٤) ست وأربعين وقرأ القرآن واشتغل بالفقه على مذهب الشافعي، ثم تولّه بالأدب ونظم فأكثر وأجاد المقاطيع في الوقائع ومدح الأكابر بالقصائد ونظم بديعية، ولم يكن ماهرًا في العربية فيوجد في شعره اللحن، وقد تهاجى هو وعيسى بن حجاج، وله "نزهة الناظر في المثل السائر". وكان حاد البادرة، وله (٥) ديوان قصائد نبوية نظمها بمكة سماها "فتون مكة"، وديوان مدائح ابن جماعة سمَّاه "قطع المناظر بالبرهان الخاطر (٦) "وفى التضمين.
وهو القائل:
أتى بعد الصبّاشيبي وظهرى (٧) … ومن بعد اعتدالٍ باعوجاجِ
كفى أنْ كان لي بصرٌ حديد … وقد صارت عيونى من زجاجِ
مات في ربيع الآخر.
٤ - أحمد بن محمد الدفرى، شهاب الدين المالكي، ناب في الحكم ومات في آخر السنة.
٥ - إينال اليوسفى (٨) مات في هذه السنة وهو أكبر الأمراء مطلقًا ومشى السلطان في جنازته، وكان (٩) شكلا حسنا شجاعا مهيبا مشهورًا بالفروسية كثير المودة لأصحابه، لكنه لا يُطاق عند الغضب بل تظهر له أخلاق شرسة، وكان قد قارب السبعين.
стр. 466
٦ - بُطا الدويدار ثم صار نائب الشام ومات بها في المحرم واستقر بعده سودون الطرنطاي مات في سنته في شعبان.
٧ - أبو بكر بن محمد الدمشقي الملقب بالقرع (١) النحوى، أخذ عن ابن عبد المعطى وغيره وبرع في العربية وكان شافعيَّ المذهب.
٨ - أبو بكر بن يوسف النشائي المصرى خادم الشيخ عبد الله (٢) بن خليل لازمه فأكثر منه، وقد سمع من العرضي وغيره، واعتنى بالحديث وكان معيدًا بالبيبرسية ولم ينجب.
٩ - تلكتمر التركي تنقَّل في الولايات بالقاهرة وغيرها. مات في بيته بطالًا.
١٠ - طلحة بن عبد الله المغربي ثم المصرى، كان مجذوبا (٣)، وكان للناس فيه اعتقاد يجاوز الوصف، وكان ربما بطش بمن (٤) يزوره، أقام مدةً بالجامع الجديد ثم بمسجدٍ بالقرب منه ثم بدار ابن التمار النصرانى. مات في رابع عشري شوال ودفن بالصحراء جنب المكان الذي صار خانقاه الملك الظاهر.
١١ - عبد الله بن أبي بكر بن محمد الدماميني (٥) ثم الإسكندرانى، شهاب الدين، سمع "الموطَّأَ" من الجلال بن عبد السلام وتفرّد به وسمع من محمد بن سليمان المراكشي (٦): الرابع وثلاثةَ أجزاء بعده من "الثقفيات" وتفرّد به أيضا ومات في ربيع الأول (٧)، وكان فاضلًا أديبا.
١٢ - عبد الله بن خليل بن عبد الرحمن جلال الدين البسطامى نزيل بيت المقدس صاحب لأتباع، كان للناس فيه اعتقادٌ كبير. مات بالقدس وزاويته هناك معروفة، وهو والد صاحبنا عبد الهادي (٨)، وكان (٩) نشأَ ببغداد وتفقه بمذهب الشافعي إلى أن أعاد بالنظامية فاتفق
стр. 467
قدوم الشيخ علاء الدين على العشقى البسطامي - وعشق من عمل باسان - فلازمه وانتفع به وصار من مريديه فملكه وهذبه وتوجه معه لزيارة القدس، فطاب للشيخ المقام به فأقام وكثر أتباعه؛ واستمر الشيخ عبد الله يتعانى المجاهدات وأنواع الرياضات والخلوات إلى أن حَضَرت شيخه الوفاة فعهد إليه أن يقوم مقامه فقام أتمّ قيام ورزقه الله القبول وكثر أتباعه، وكان كثير التواضع مهيبا. مات في المحرم (١).
١٤ - عبد الله ويدعى ابن أبي زيَّا، قيّم المدرسة المنصورية، سمع الحديث وحدّث، ومات في شعبان.
١٥ - عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة المخزومي، والد قاضى مكة وأخو قاضيها، ولد سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة وسمع من عيسى الحجِّى وعيسى بن الملوك وغيرهما. وكان دينا خيّرًا وله نظم وعبادة (٢) ومات في شهر ربيع الآخر سنة أربع وتسعين؛ وحدّث عنه ولده.
١٦ - عبد الله بن محمد الفيشي (٣) المالكي، جمال الدين، ناب في الحكم ولم يكن مرضيا. مات في ربيع الأول.
١٧ - عبد الخالق بن علي بن الحسن بن الفرات المالكي موقع الحكم، برع في الفقه وشرح "مختصر الشيخ خليل" وحمل عن الشيخ جمال الدين بن هشام وكتب الخط المنسوب، ودرّس ووقّع على القضاة.
رأيته مرارًا وكان سمع من أبي الفتح الميدومى وحدّث.
وهو والد صاحبنا شهاب الدين أحمد (٤). مات في جمادى الآخرة.
١٨ - عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن مكانس، فخر الدين الكاتب، ولى نظر الدولة مرارًا وتنقَّل في الولايات وولى وزارة دمشق أخيرًا ثم استُدعى إلى القاهرة ليستقر
стр. 468
وزيرًا بها فاغتيل بالسمّ في الطريق فدخل القاهرة ميتا، وكان ماهرًا في الكتابة عارفًا بصناعة الحساب أعجوبةً في الذكاء، له الشعر الفائق والنظم الرائق، ما طرق سمعى أحسن من قوله في الرسالة التي كتبها للبشتكى لما صاد السمكة، وهي رسالة (١) طويلة جاء فيها: "قعد لصيد السمك بالمرصاد، وأطاعته حروف النصر فكلما تلى لسان البحر نون على لسان العزم صاد".
وهو القائل:
علقْتُها معشوقةً خالها … قدْ عمَّها بالحسن بل خصَّصَا
يا وصلَها الغالى ويا جسمها … لله ما أغلى وما أرخصا
مات في خامس عشر ذي الحجة.
سمعتُ من لفظه شيئًا من الشعر وكانت بيننا مودّة.
١٩ - عبد الرحيم بن محمد الطباطبي الشريف الحسنى كان مؤذّن الملك الظاهر.
٢٠ - على بن عبد الله بن يوسف بن حسن البيري، علاء الدين الموقِّع، خدم الناصري بحلب وقدم معه القاهرة فولى توقيع الدست واستمر إلى أن أمر الظاهر بقتله في هذه السنة، فقتل.
وكان [يلبغا] الناصري يعتمد عليه، والكتب تَرد على الملك الظاهر بخطِّه في تلك الفتنة، فحقد عليه فلما عاد إلى الملك لم يُنَحِّهِ بل استمرّ في التوقيع وأمره بمساعدة علاء الدين الكركي لقلة معرفة الكركي بصناعة ديوان (٢) الإنشاء فباشر إلى أن سافر الظاهر إلى حلب وقُتل الناصري وأمر بالقبض على ألبيرى فقُيِّد وحُمل إلى القاهرة، فقُتل خنقًا في رابع عشرى ربيع الأول وأوصى أن يكتب على قبره:
بقارعةِ الطريق جعلتُ قبرى … لأحْظى بالترحّم من صديقِ
فيا مولى الأنام لأنت أولى … برحمةِ من يموت على الطريقِ
وكانت بينه وبين أمين الدين الحمصي مكاتبات ومراسلات، ولم يكن نظمه ونشره بالفائق بل كان مكثرًا مقتدرًا حتى كان يكتب في شيءٍ أنشأ غيره وينشيءُ في غيره.
стр. 469
وهو أخو علم الدين سليمان (١) وقد عاش بعده أكثر من ثلاثين سنة، وكانا سمعا جميعا على الأعميين: ابن جابر وأبي جعفر الغرناطي.
وهو القائل:
بشاهين عينى صادَ قلبي بحسنه … ومَن لامني في لامه فهو واقعُ؟
وكيف خلاصي من جارح الحشا … وطائرُ قلبي نحو شاهين واقع
٢١ - على بن البهاء عبد الرحمن بن العزِّ محمد بن التقيّ سليمان بن حمزة المقدسي، حضر على جدّ أبيه وسمع من ابن سعد والحجار، وكان نبيها في العلم رئيسًا. مات في شعبان عن ثمانين سنة.
قال ابن حجى: "وكانت عنده وجاهةٌ وكرم، وقد بقى صدرَ آل بيته، وكان شيخ دار الحديث المقدسية وناظرها ومعروفًا بالصيانة (٢) ".
٢٢ - على بن عصفور أحد كبار التجار. مات فيها (٣) في شوال.
٢٣ - على بن عيسى بن موسى بن سليمان الكركي، علاء الدين، كاتبُ العشر، خدم الظاهر وهو في سجن الكرك وقام معه بنفسه وماله ورجاله لما خرج فشكر له ذلك فولَّاه كتابةَ السر واستمرّ فيها إلى أن خرج مع السلطان في سفرته إلى الشام فضعف بدمشق؛ فأذن له السلطان في الرجوع إلى مصر، وقرّر ابن فضل الله في كتابة السرّ.
فلما عاد السلطان سلم [الكركي] عليه وهو ضعيف فوعده أن يعيده إلى وظيفته، فازداد بعد ذلك ضعفًا ثم عُوفِىَ ثم انتكس ثم مات في ربيع الأول. وكان شكلا حسنا جميل الخلق.
٢٤ - على بن مجاهد المجدلى، علاء الدين، اشتغل ببلده ثم قدم القدس فلازم التقى القلقشندى، ثم قدم دمشق فاشتغل، وقدم مصر سنة ثمانين، فأخذ عن الضياء القرمى وعاد إلى دمشق وتصدّر بالجامع وشغل الناس واختُص بالقاضى سريّ (٤) الدين وأضاف إليه قضاء
стр. 470
المجدل ثم وقع بينهما فأُخذت وظائفه، ثم غرم مالًا حتى استعادها، وولى المشيخة النجيبيّة بآخره وسكنها، وكان جيدا متوسطا في الفقه مات في شهر رمضان.
٢٥ - قرا دمرداش نائب حلب في أيام الظاهر برقوق. مات في ذى الحجة مقتولًا.
٢٦ - قطلوبغا الصفوى أحد كبار الأمراء. مات في ربيع الآخر.
٢٧ - قطلوبا الخزندار. مات في صفر.
٢٨ - محمد بن أحمد بن عبد الله الحلبي، شمس الدين بن مهاجر، ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وكان حنفيًّا فاضلًا ورأس فيهم حتى كان يُقصد للفتوى، ثم ولى كتابة السرّ بحلب مدةً، ثم صُرِف سنة سبعٍ وثمانين فدخل القاهرة وتحوّل فصار شافعيا، وولى قضاء حماة ثم حلب، ثم عزل بابن أبي الرضى. وكان ذا فضيلة في النظم والنثر. أثنى عليه فتح الدين بن الشهيد، وكان فاضلًا خيّرًا مهيبا حسن الخَط. مات في ربيع الأول.
٢٩ - محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، بدر الدين المنهاجي، وُلد بعد الأربعين، ثم (١) رأيتُ بخطه: "سنة خمس وأربعين وسبعمائة"، وسمع من مغلطاي وتخرج به في الحديث وقرأ على الشيخ جمال الدين الإسنوى وتخرّج به في الفقه ورحل إلى دمشق فتفقَّه بها، وسمع من عماد الدين بن كثير، ورحل (٢) إلى حلب فأخذ عن الأذرعى وغيره، وأقبل على التصنيف فكتب بخطه ما لا يُحصى لنفسه ولغيره.
ومن تصانيفه "تخريج أحاديث الرافعي" في خمس مجلدات، رأيته بخطه: و"خادم الرافعي" في عشرين مجلدة، و"تنقيح (٣) البخارى" في مجلدة، وشرع (٤) في شرحٍ كبير لخصه من شرح ابن الملقِّن وزاد فيه كثيرًا، ورأيتُ منه المجلَّد الأول بخطه، وشرح "جمع الجوامع" في مجلدين، وشرح "المنهاج" في عشرة، و"مختصره" في مجلدين، و"التجريد في أصول الفقه" في ثلاث مجلدات وغير ذلك.
стр. 471
وتخرّج به جماعة. وكان مقبلًا على شأنه منجمعا عن الناس، وكان بيده مشيخة الخانقاه الكريميّة. وكان يقول الشعر الوسط. مات في ثالث رجب.
٣٠ - محمد بن عبد الله بن الخباز، صلاح الدين رئيس القراء بالجوق، وكان مقدّما على أبناء جنسه لقدم سنه، معظّما في الدول. كفَّ في آخر عمره ويقال إنه جاز المائة.
٣١ - محمد بن عبد الله الركراكي المغربي. أبو عبد الله نزيل المقس، كان مشهورا بالخير معتقدًا في العامة. قارب المائة.
٣٢ - محمد بن عبد الحميد بن محمد بن عبد الرحمن بن بركات اللخمي بن الشيرازي، شمس الدين الملقب بالقاضي. ولد في جمادى الأولى سنة سبعمائة وسمع من جدته ست الفخر بنت عبد الرحمن بن أبي نصر "مشيخة كريمة" بسماعها منها وتفرّد بذلك. وكان يذكر سمع "البخارى" من ابن الشحنة بحضور ابن تيمية، وكان من الرؤساء المعتبرين وله مالٌ جزيل وثروة ووقف متسع، وأنفق غالب ذلك على نفسه ومن يلوذ به قبل موته، ومات في جمادى الآخرة في عشر المائة.
٣٣ - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن عمر بن أبي عمر الحنبلي، شمس الدين بن الرشيد، سمع القاضي والمطعم وابن سعد وغيرهم وحدّث. مات في شوال عن أربعٍ وثمانين سنة.
٣٤ - محمد بن عمر بن إسماعيل السبكي شمس الدين، اعتنى قليلا بالحديث وباشر الحسبة بدمشق. مات في ليلة عرفة.
٣٥ - محمد بن قاسم بن محمد بن مخلوف الصقلِّى نزيل الحرمين، كان خيِّرا، [و] سمع من الزفتاوى (١) وابن أميلة وغيرهما، ولازم قراءة الحديث بمكة. مات (٢) في شوال.
٣٦ - محمد (٣) بن محمد بن إسماعيل بن أمين الدولة الحلبي الحنفي، شمس الدين الرعياني، ذكره طاهر بن حبيب وقال: "سكن القاهرة وكان من الفضلاء على مذهب الحنفية". ناب في الحكم وولى مشيخة خانقاه طقزدمر بالقرافة. مات في شوال.
стр. 472
٣٧ - محمد بن محمد بن عبد المجير بدر الدين بن الصائغ الدمياطي، سمع من الميدومى ومن بعده، واعتنى بالحديث وحصّل كتبا كثيرة وتنبّه قليلًا ولم ينجب. مات في ربيع الآخر.
٣٨ - محمد بن محمد بن النجيب نصر الله بن إسماعيل الأنصاري، جمال الدين بن النحاس. ولد سنة تسع عشرة وسبعمائة بعد موت أبيه (١)، وسمع من ابن الشيرازي وابن عساكر والحجار وغيرهم، وأُحضر على والده من مشيخة قريبه العماد بن النحاس. واعتنى به أخوه فأسمعه الكثير، وخرّج له ابن الشرائحى مشيخةً فمات قبل أن يُحدِّث بها.
وكان عنده معرفة وعلى ذهنه فوائد ويذاكر بتاريخ [و] مات في شوال عن خمس وسبعين سنة.
٣٩ - محمد بن نصر الله بن مصاغة الدمشقي، بدر الدين، سمع على أسماء بنت صصرى ومهر في العربية وأحسن الخط. ولازم العنَّابي وابن هشام. مات في رمضان.
٤٠ - محمد بن لاجين الصقرى، ناصر الدين المعروف بابن الحسام، كان دويدار ابن البقرى ثم خدم أستادارًا عند سودون باق، ثم عمل شد الدواوين إلى أن ولى الوزارة وباشرها بهيبة وصولة وغلظة (٢)، واستخدم عنده أستاذه الأول ابن البقرى في (٣) استيفاء الدولة، ورتب معه ثلاثة ممن ولى الوزارة وشرك بينهم في الوظيفة المذكورة، وكان ذكيا عارفا مفرط الكرم.
مات في صفر، وهو والد صاحبنا إبراهيم (٤) الذي ولى الحسبة بعد ثلاثين سنة من هذا الوقت. مات (٥) بعد أن رجع مع السلطان من حلب.
٤١ - محمود بن محمد بن إبراهيم بن سنبكي (٦) بن أيوب بن قراجا الحلبي الحنفى، جمال الدين بن الحافظ قاضي حلب. مات بها.
стр. 473
٤٢ - موسى بن ناصر بن خليفة الباعونى، شرف الدين أخو القاضي شهاب الدين، قدم دمشق وتنزل بالبادرائية (١)، وقرأ بالسبع على ابن اللبان، وسمع من ابن أميلة وغيره وطلب بنفسه وكتب بعض الأجزاء، وكان أسنَّ من أخيه فأسمع أخاه معه قليلا، ولما ولى أخوه استنابه وقرَّر له بعض جهات. مات غريبا في رمضان.
٤٣ - ناصر بن أبي الفتح الحنبلي، تقى الدين أخو القاضي ناصر الدين، ولى نقابة الحكم عند (٢) القاضي موفق الدين وانقطع بآخره إلى أن مات في ربيع الأول.
٤٤ - يحيى بن يوسف بن يعقوب بن يحيى بن زعيب الرحبي [الأصل] (٣)، محيي الدين التاجر، وُلد سنة خمس عشرة وسبعمائة، وسمع الصحيح من الحجار والمزّى وحدّث به، وكان معتنيا بالعلم، وله رياسة وحشمة، وقد أكثر عن الجزري وغيره، وطلب بنفسه ولازم ابن كثير وأخذ عنه فوائد حديثية، وأخذ عن كثيرٍ من أصحاب ابن تيمية.
وكان تاجرا فلما كبر دفع ماله لولده محمد وأقبل على الإسماع، وكان يُقصد لسماع "الصحيح" وله به نسخةٌ قد أتقنها، وكان البرهان ابن جماعة قد صاهر إليه فكان له بذلك جاه كبير، وأُصيب في رجليه بالمفاصل، وحج مرارًا. مات في ربيع الأول.
* * *
стр. 474
سنة خمس وتسعين وسبعمائة
في ثامن (١) المحرّم استقر صدر الدين المناوى في قضاء الشافعية عوضًا (٢) عن القاضي عماد الدين الكركي، وكان عزل في سادس عشرى ذي الحجة.
وفي التاسع منه أُعيد موفق الدين إلى الوزارة وصرف (٣) تاج الدين بن أبي شاكر.
وفيها (٤) استقر قلمطاي دويدارًا عوضا عن أبي يزيد (٥).
وفيها هجم جنتمر [التركماني] أمير الركب الشامى على بعض أهل المدينة (٦) من الجند الأشراف بسبب صقرٍ يصطاد به فدافعوه عنه، فوقع الشر وقُتل منهم اثنان فركب ثابت بن نعير فسكَّنَ الفتنة.
* * *
وفيها عاث تمرلنك بالعراق وخرّب بغداد وتبريز وسنجار (٧) وغيرها كما سيأتي واتصل شرر فتنته إلى الشام، ووصل خبرُ ضرره إلى مصر فارتاع - لما يُحكى عنه - كل قلب؛ وكان مسيره إلى السلطانية فنازل السلطانية فقتل صاحبها ثم قَصد تبريز فدخلها عنوةً ونهبها كعادته، وأرسل إلى جميع البلاد نوابًا من قِبله.
ثم طلب بغداد - وذلك في أواخر شوال - فنازلها في ذى القعدة فلم يلبث صاحبها أحمد [بن أُويس] أن أخذ حريمه وخزائنه وهرب، فبلغ ذلك تمرلنك فأرسل ابنه مرزا (٨) في طلبه فأدركه، فلما كاد أن يقبض عليه رمى بنفسه في الماء فسبح إلى الجهة الأخرى وسلِم هو ومَن
стр. 475
معه (١) وأُحيط، بأهله وخزائنه، وهجم تمر على بغداد فملكها قهرًا ثم (٢) شنَّ الغارات على بغداد وما حولها وماداناها وتمادوا إلى البصرة والكوفة (٣) والحلة وغيرها، وأوسعوا القتل والفتك والسبي والأسر والنهب والتعذيب، وفرّ من نجا مِن أهل بغداد فوصل الشيخ غياث الدين العاقولى إلى حصن كيفا هاربا فأكرمه صاحبها.
ثم سار عسكر تمر إلى أربيل فحاصرها فأطاعه صاحبها، ثم ساروا إلى تكريت فَعَصَتْ عليهم فنازلها فصَبر لهم أهلها، فراسلوا (٤) تمرلنك بذلك فأمدّهم بأمير شاه ولده وأردفه بخواجا (٥) مسعود - صاحب خراسان - وأقام هو ببغداد إلى آخر السنة.
وكان (٦) دخول تمرلنك بغداد في شوال، ثم توجه نحو الشمال فوصل إلى ديار بكر وعصت عليه قلعة تكريت فحاصرها من ذى الحجة إلى أن أخذها بالأمان في صفر سنة ست [وتسعين].
وفيها مات كمشبغا الأشرفي الكبير نائب الشام فاستقر عوضه تانى بك الحسنى.
* * *
وفى أول هذه السنة عصى نعير على السلطان لكونه أجار منطاش لمّا استجار به، فاجتمع عليهما من العرب والتركمان عسكرٌ كبير فقصدوا سلمية فخرج إليهم محمد بن قارا التركماني فقتل منهم جماعة، وجرح منطاش وسقط، وهو لا يُعرف، لأنه كان حلق شواربه فأردفه ابن نعير خلفه وانهزموا. ثم طرق منطاش ونعير حماة فنهبوها فبلغ ذلك نائب حلب - وكان قد استقر [بها] أقبغا الصغير - فكبس على بيوت العرب وسبى نساءهم وساق أموالهم وأكمن لهم في بيوتهم الكمناء.
فلما بلغهم سبىُ نسائهم رجعوا على وجوههم إلى بيوتهم فخرج عليهم الكمناء فقتلوهم وأسروا خلقا كثيرًا وانهزم الباقون.
стр. 476
فلما رآى أولاد نعير ذلك جنحوا إلى طاعة السلطان وملُّوا من الحرب وكرهوا منطاش لما فيه من الهوج، فراسلوا السلطان في طلب الأمان والتزموا له بمسك منطاش فأكرم رسلهم.
فلما بلغ ذلك أباهم أذعن إلى الطاعة وراسل نائب حلب ليسلِّم له منطاش فلما تحقق منطاش ذلك ضرب نفسه ليقتلها فلم يمت، فتسلَّمه قُصّادُ نائب حلب ثم تسلَّمه نائب القلعة، ثم أرسل السلطان يأمر بقتله وحَمْل رأسه، فحُملَتْ بعد أن طيف بها جميع البلاد الشامية التي يقع المرور عليها، فلما وصلت إلى القاهرة طاف بها الوالى ابن الطبلاوى على قناة ثم علَّقها على باب زويلة ثلاثة أيام ثم دُفنت.
وأرسل السلطان يلبغا (١) السالمي إلى نعير بالخلع ولتحليفه على الطاعة.
* * *
وفي شعبان وصل عامر بن ظالم بن حيار بن مهنا بن أخى نعير مغاضبا لعمّه فأكرمه السلطان، ثم قدم أبو بكر وعمر - ولدا نعير - مفارقَين لأبيهما فأُكرما بدمشق.
وفى شوال أمطرت السماء مطرا غزيرا حتى خاض الناس في المياه وذلك في أول من توت والشمس في برج السنبلة.
* * *
وفيها حضر رسل صاحب دهلك ومعهم فيل وزرافة وغير ذلك: هدية (٢).
* * *
وفى شعبان وصل رسل تمرلنك إلى الظاهر يُظهر له الوداد، والكتبُ على لسان طقتمش خان سلطان الدشت.
* * *
وفيها هرب أحمد بن أُويس من بغداد وذلك لأنه كان شديد العسف بالرعية والأمراء، فلما قصده تمرلنك كان إذا أرسل أحدا من الأمراء لكشْفِ خبره يعيد إليه جوابًا غير شاف،
стр. 477
فعميت عليه الأخبار إلى أن دهمه فلم تكن له به طاقة، فخرج من أحد أبواب البلد، وفتح أهل البلد الباب الآخر لتمرلنك فأرسل في طلب أحمد ففات الطلب ودخل الشام.
وكان تمرلنك قد غلب قبل ذلك على تبريز وكاتبَ أحمد أن يذعن له بالطاعة ويخطب باسمه فأجاب لذلك لعلمه أن لا طاقة له بمحاربته، فكاتب أهلُ بغداد تمرلنك في الوصول إليهم فوصل.
وكان أحمد أرسل الشيخ نور الدين الخراساني إليه فأكرمه وقال: "أنا أتركها لأجلك" ورحل، فكتب الشيخ نور الدين الخراساني إلى أحمد يبشِّره بذلك. وسار تمرلنك من ناحية أخرى فلم يشعر أحمد - وهو مطمئن - إلا وتمر قد نزل بغداد في الجانب الغربي، فأمر أحمد بقطع الجسر ورحل وهرب أحمد.
لكن لم يعامل تمرلنك البغداديين بما قصدوه فإنه سطا عليهم واستصفى أموالهم وهتك عسكرُه حريمهم وجَلا عنها كثيرٌ من أهلها، فأرسل [تمرلنك] عسكرا في إثر ابن أُويس فأدركوه بالحلة فنهبوا ما معه وسبوا حريمه وهرب هو ووضع السيف في أهل الحلة ليلا ونهبها وأضرم فيها النار.
ولما وصل أحمد في هربه (١) إلى الرحبة أكرمه نعير وأنزله في بيوته، ثم تحول [أحمد] إلى حلب فنزل الميدان وأكرمه نائبها وطالع السلطان بخبره فأذن له في دخول القاهرة.
* * *
وفي ذي القعدة رجع حسن الكجكني من بلاد الروم من عند أبي يزيد بن عثمان بعد (٢) أن أصلح بينه وبين ابن قرمان بأمر السلطان، وأرسل صحبتهم - بسؤالهم - محمد بن محمد الصُّغَيَّر الطبيب وجهز صحبته كثيرًا من العقاقير وغيرها، ثم جهز (٣) اللنك ولده بعسكر حافل إلى صالح بن حيلان - صاحب البصرة والبحرين - فقاتلوه فهزمهم وأسر ولد تمرلنك،
стр. 478
وخرج في آثاره عز الدين أزدمر وجهز السلطان إليه ثلاثمائة ألف درهم فضة برسم النفقة فبعث إليه عسكرًا آخر فظفر بهم.
* * *
وفيها كانت وقعة عظيمة للفرنج بنستروة، طرقوها في رمضان في أربعة غربان فنهبوها وقتلوا النساء والأطفال وأقاموا بها ثلاثة أيام.
* * *
وفيها كانت وقعة عظيمة بالمدينة (١) بين جماز بن هبة - الذي كان أمير المدينة النبوية - وبين ثابت بن نعير المستقر فيها، وقُتل بينهم خلق كثير.
وفيها (٢) كانت وقعة بين عرب الكرك ونائبها فقتل النائب يونس.
* * *
وفيها (٣) في شوال كانت محنة القاضي ناصر الدين بن الميلق، فقرأتُ بخط قاضي القضاة تقي الدين الزبيري وأجازنيه قال: "لما كان ابن الميلق قاضيا طلب أمين الحكم وقت العصر إلى الحجاز، وكان من بالقاهرة من أهل الحجاز شكوه للقاضي وقالوا إنه يقول إنه ما يصرّ إلا بحكم النصف، فأنكر عليه القاضي وقال: تعمل هذا في أيامي؟ وألزمه بتكملة الصرّ، ولم يكن عنده ما يكمل به الصرَّة لتأخِّر حضور المال الوقف من الشام، وكان منطاش ختم على مودعى الحكم بالقاهرة والحسينية وصار يحطُّ على القاضي لامتناعه من إقراضه مال المودع، فحضر بدر الدين القلقشندى وأمين الحكم وأخوه جمال الدين موقع الحكم، وذكر للقاضي أنه حضر من وقف البرج والمغاربة قدر أربعين ألفًا من جهة علم دار، وهي في جهة شخص هو زوج ابنة تمنتمر (٤) ناظر المرستان وأنهم لم يجتمعوا به، والمبلغ حاضرٌ معه لاغيبة له، وسألهم أن يقرضوا الأربعين من مودع مصر وكان لم يختم ليكمل بذلك الصرة ويعيدوها إذا قبضوا من القاصد، فأذن لهم فكتبوا قصة سألوا فيها أن ينقل أربعين ألف درهم
стр. 479
من مودع مصر إلى مودع القاهرة، فكتب لهم بالنقل على الوجه الشرعي فقبضوه وصرّوه، وطالبوا القاصد فماطلهم وخرج منطاش والعسكر، وراك عليهم تمنتمر (١) إلى أن انفصل ابن الميلق.
* * *
ولما استقر عماد الدين بن الكركى أوقفوا من المبلغ عشرة آلاف، فلما أن ولى المناوى ذكروا له ذلك فأمر أمين الحكم بمصر - وهو شهاب الدين أحمد - في أن يرفع الأمر إلى السلطان، فقدم قصة فقرئت فأمر بإحضار ابن الميلق فأوقفه، ثم عُقد له مجلس وهو واقف فألزموه بغرامتها فخرج فباع من وظائفه وأملاكه واقترض إلى أن وفَّاها وعند الله يجتمع الخصوم". انتهى ما نقلته.
وبلغني أنه في أول حضوره المجلس على تلك الصورة خرَّ مغشيا عليه فما أفاق حتى رشُّوا عليه الماء ومع ذلك لم يرحمه أحد ممن حضر ولم ينصفه أحد من أهل هذه الظلمة، ولعل ذلك يكون كفارة له.
وتوجع لابن الميلق - بسبب ذلك - جماعة كانوا يكرهون المناوى لفساد كان فيه: فبسطوا ألسنتهم فيه ووبخوه بكل وجهٍ فلم ينزعج لهم وصار ينتقم منهم واحدًا بعد واحد، ولله الأمر.
وفى ذى الحجة (٢) شكى بعض التجار لنائب الكرك يوسف القشتمرى أن جماعةً من العشير أخذوا له مالًا من الغنم وغيرها، فركب وتحدث معهم وسألهم أن يعيدوا ما أخذوه، فأخذوا البعض فطلب البقية فذكروا أنهم لم يأخذوا إلَّا ذلك، فجمع مشايخهم ليحلِّفهم فاجتمعوا فقبض عليهم فغضب الباقون فوقعوا فيه فقاتلوه (٣) وكان في ناس قلائل.
* * *
стр. 480
وفي ربيع الآخر حصل سيل عظيم بحلب فساق جملة كثيرة من الوحوش والأفاعي، فوُجد فيها ثعبان فمه يسع ابن آدم إذا بلعه، وكان طوله نحو سبعة أذرع أو أكثر.
* * *
وفيه وقع الفناء بالإسكندرية فيقال مات في مدة يسيرة عشرة آلاف.
* * *
وفيه استقر الشيخ علاء الدين السيرامى في تدريس الفقه والمشيخة بالشيخونية عوضًا عن جمال الدين محمود لاشتغاله بوظيفة نظر الجيش، وأذن له السلطان أن يستنيب عنه من يحضر وقت العصر في الظاهرية ويحضر هو بالشيخونية ويدرس بالمكانين، ولم يتفق ذلك لغيره.
* * *
وفيها استقر أبو يزيد الدويدار في نظر جامع ابن طولون، انتزعه من القاضي المناوي فلما مات (١) [أبو يزيد] استعاده المناوى ولبس لأجله خلعة.
* * *
وفيها (٢) كان الطاعون الشديد بحلب فقرأتُ في تاريخها للقاضي علاء الدين: "بلغَت عدة الموتى كل يوم خمسمائة نفس وأكثر، ثم تناقص في أواخر السنة" وقال: "ومات فيه جمع من الأعيان ولكن كان غالبه في الصغار".
* * *
وفي هذه السنة أُكملت مدرسة إينال اليوسفى خارج باب زويلة ونُقل إليها فدفن بها.
* * *
وفى تاسع عشرى ذى الحجة نودى بأمر السلطان في الناس بمصر والقاهرة أن يتجهزوا إلى قتال تمرلنك وطرده من بلاد الإسلام، فإنه قتل العباد وخرّب البلاد وهتك الحريم وقتل
стр. 481
الأطفال وخرّب الديار، فركب سودون النائب وجماعةٌ معه ومعهم ورقة يقرأ فيها من ذِكْرِ مساوئه وسيرته القبيحة الأمورَ الفظيعة، فاشتد خوف الناس وعظم ضجيجهم وبكاؤهم؛ وكان يوما مهولًا.
* * *
وفى هذه السنة اجتمع بالقدس أربعة أنفس من الرهبان ودعوا الفقهاء إلى مناظرتهم، فلما اجتمعوا جهروا بالسوء من القول وصرَّحوا بذم الإسلام والقائم به وأنه ساحر كذاب، فثار الناس عليهم فقتلوهم وأحرقوهم.
* * *
وأوفى النيل سادس عشر مسرى.
* * *
وفي ذي القعدة قبض (١) على تاج الدين بن أبي شاكر الوزير، وسُلِّم لوالى القاهرة فضربه بالمقارع وأخرجه على حمارٍ وفى عنقه الحديد، فترامى على الناس وطرح نفسه على الأبواب يستعطى ما يستعين به في مصادرته، ثم أُفرج عنه واستقر ناظر الاسطبل.
* * *
ذكر من مات في سنة خمس وتسعين وسبعمائة من الأعيان
١ - إبراهيم بن خليل بن عبد الله بن محمود بن يوسف بن بدر البعلى الشرائحي، كان يقال له ابن سمول (٢)، سمع من القطب اليونيني وغيره، وهو والد صاحبنا الحافظ جمال الدين الشرائحي.
٢ - أحمد بن إبراهيم الكتبي (٣) الصالحي من فضلاء الحنفية وكان يشارك في فنون ويُفْتى ويناظر، وكان لازم (٤) أبا البقاء السبكى مدةً وقرأ عليه في الكشاف وهو المشار إليه في كتابة السجلات. مات في رجب.
стр. 482
٣ - أحمد بن صالح بن أحمد بن خطاب بن رقم البقاعي، شهاب الدين المعروف بالزهرى الدمشقى الفقيه الشافعي، وُلد سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين، وأخذ عن النور الأردبيلي والفخر المصرى وابن قاضي شهبة وأبي البقاء السبكى والبهاء الإخميمي؛ ولازم الاشتغال إلى أن مهر في الفقه وغيره، وسمع الحديث من ابن أبي التَّائب والبرزالي والمزِّى وغيرهم، ودرَّس كثيرًا وأفتى وتخرَّج به النبهاء وناب في الحكم عن البلقيني وغيره، ودرّس بالشامية وبالقليجية والعادلية، وولى إفتاء دار العدل ثم اشتغل بالقضاء في ولاية منطاش وأُوذى بسبب ذلك، وكانت مدة ولايته شهرا ونصفًا وعُدَّ ذلك من زلات العقلاء لأنه كان وافر العقل فلما صُرف انقطع.
قال ابن حجي: "كان مشهورا بحل "المختصر في الأُصول" و"التمييز" في الفقه، وله نظم، وكان له حظ من عبادة مع حفظ لسانه وتَرْك الوقيعة في الناس، وكان مهيبا مقتصِدًا في معاشه، كثير التلاوة، وكانت قد انتهت إليه رياسة الشافعية في زمانه بدمشق".
مات في المحرّم عن إحدى وسبعين سنة.
٤ - أحمد بن صالح البغدادي الحنبلي، شهاب الدين، خطيب جامع القصر ببغداد، كان (١) من الفضلاء، وقتل لما دخل اللنك بغداد.
٥ - أحمد بن عبد الغالب بن محمد بن عبد القاهر بن محمد بن ثابت الماكينى، الخابوري الأصل ثم الدمشقى، ولد سنة عشر (٢) وسبعمائة وسمع من القاسم بن عساكر والحجار والبندنيجي وابن تيمية وغيرهم وحدث.
مات في ربيع الأول وله خمسٌ وثمانون سنة، وكان جيدا مُنَزَّلًا بمدارس الشافعية وعنده معرفةٌ بأحوال الناس.
٦ - أحمد بن عمر بن هلال الإسكندراني ثم الدمشقي، الفقيه المالكي شهاب الدين،
стр. 483
أخذ عن الأصبهاني وغيره، وشرح "ابن الحاجب في الفقه" وكان حسن الخط والعبارة ماهرا في الأصول فاضلًا، إلَّا أنه كان يرتشي على الإذن في الإفتاء ويأذن لمن ليس بأهل، عيب بذلك.
وكان أخذ عن أبي حيان والأصبهاني، ودرس بالقمحية بمصر، وكان حسن الخط. جيد العبارة، وشاع عنه أنه قال وهو في النزع: "قولوا لابن الشريشي يلبس ثيابه ويلاقينا إلى الدرس"، فمات شرف الدين بن الشريشي عقب ذلك، [ومات أحمد بن عمر هذا] في صفر.
٧ - أحمد بن محمد بن إبراهيم بن إسحق المناوى، شهاب الدين بن الضياء الشافعي ابن عم القاضي صدر الدين، ناب عنه في الحكم وولى مشيخة الخانقاه الجاولية. مات في ربيع الآخر (١).
٨ - أحمد (٢) بن محمد بن علي بن محمد بن عشائر، ولى الدين أبو حامد بن الحافظ ناصر الدين أبي المعالى خطيب حلب وابن خطيبها، ولد سنة ............ (٣)، وأسمعه أبوه الكثير بحلب ورحل به إلى القاهرة، واشتغل ومهر ونظم الشعر وخطب بعد أبيه مدة.
مات في ذى الحجة بها بالطاعون شابا.
٩ - أحمد بن محمد بن مخلوف نقيب الحكم للشافعية (٤). مات فيها.
١٠ - الخضر بن يوسف بن سحلول الحلبي، كان فاضلًا وله نظم، قال القاضي علاء الدين الحلبي في تاريخه: "كان عنده ظرف وأدب، وباشر التوقيع بحلب، وكان يُعَد من الأعيان، وهو أخو الرئيس شمس الدين عبد الرحمن (٥) الماضي في سنة ٧٨٨. ومات بالمدينة في ذي الحجة".
١١ - سليمان (٦) بن أحمد بن أحمد بن مبارك بن إبراهيم الصالحي المالقي (٧). سمع من أبي بكر بن الرضى ومات في ذى القعدة عن نحو من خمس وستين سنة.
стр. 484
١٢ - سليمان بن داود بن سلمان الغزى - بالزاي - المعروف "بالعاشق"، حضر على ابن الشيرازي وغيره وحدث، وكان كثير الحج. مات في مستهل صفر.
١٣ - عبد الله بن أحمد بن أحمد السنى الحلبي، ناب عن والده في نقابة الأشراف بحلب ومات في الطامة في شوال.
١٤ - عبد الله بن عبد الكريم بن الغنَّام (١)، كان جميل القامة جميل الوجه، باشر وفرح به أبوه (٢) ثم فُجع به وعاش بعده قريبا من ثلاثين سنة.
١٥ - عبد الله بن المقسى شمس الدين، كان يقال له "شمس" وهو نصرانى، فلما أسلم لقب "شمس الدين، وسمى "عبد الله" ويقال إنه كان حسن الإسلام، ومن أدلة ذلك أن أُمه ماتت فحضر الخلق جنازتها فخرج إليهم وقال: "إن لها أهلًا من غيركم". ومن أعماله تجديده الجامع بباب البحر، وأوصى أن يدفن بجواره، وكان يقرّب العلماء ويحب الصلحاء.
مات في ثالث شعبان وقد أسنَّ. سمعت كلامه.
١٦ - عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي، الحافظ. زين الدين بن رجب. ولد ببغداد سنة ستٍ وثلاثين (٣) وسبعمائة، وسمع بمصر من الميدومى وبالقاهرة من ابن الملوك وبدمشق من ابن الخباز وجمع جمٍّ، ورافق شيخنا زين الدين العراقي في السماع كثيرًا، ومهر في فنون الحديث أسماءً ورجالًا وعِللًا وطرقا واطلاعًا على معانيه.
صنَّف "شرح الترمذى" فأجاد فيه في نحو عشرين (٤) مجلدة، وشرح قطعة كبيرة من "البخارى" وشرح "الأربعين للنووى" في مجلدة، وعمل "وظائف الأيام" وسمَّاه "اللطائف" وعمل "طبقات الحنابلة" ذيلًا على "طبقات أبي يعلى".
وكان صاحب عبادةٍ وتهجد، ونُقِم عليه إفتاؤه بمقالات ابن تيمية ثم أظهر الرجوع عن ذلك فنافره التيميون فلم يكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وكان قد ترك الإفتاء بآخره.
стр. 485
قال ابن حجى: "أَتْقَنَ الفنَّ وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبُّع الطرق، وكان لا يخالط أحدًا ولا يتردد إلى أحد". مات في رمضان ﵀، [و] تخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق.
١٧ - عبد الرحيم بن أحمد بن عثمان بن إبراهيم بن الفصيح، الهمداني الأصل ثم الكوفى ثم الدمشقى الحنفى، قدم أبوه وعمه دمشق فأقام بها، وأسمع أحمدُ أولاده من شيوخ العصر بعد الأربعين، وقدم عبد الرحيم هذا القاهرة في سنة خمس وتسعين وسبعمائة - هذه السنة - فحدث عن أبي عمرو بن المرابط "بالسنن الكبرى للنسائي" بسماعه منه في ثبتٍ كان معه (١) وقد (٢) وقفت على الأصل بخط والده وثبته (٣) بسماعه وسماع ولده بخط، وليس فيهم عبد الرحيم ولعله في نسخة أخرى.
وحدث عن محمد بن إسماعيل بن الخباز (٤) "بمسند الإمام أحمد" كله، والاعتماد على ثبته أيضا، وسمع منه غالب أصحابنا ثم رجع إلى دمشق فمات بها في شوال من هذه السنة، وهو والد صاحبنا شهاب (٥) الدين بن الفصيح.
١٨ - على بن أيدغدى، التركي الأصل الدمشقي الحنبلي (٦) البعلى، كان يلقب "حنبل".
سمع الكثير وطلب بنفسه وجمع معجم شيوخه وترجم لهم.
قال ابن حجى: "علقتُ من معجمه تراجم وفوائد"، قال: "لا يُعتمد على نقله". مات في رجب.
١٩ - علي بن محمد بن عبد المعطى بن سالم، علاء الدين بن السَّبْع - بفتح المهملة وسكون الموحدة - حضر بعض "البخارى" على وزيرة والحجار، وسمع من يحيى (٧) بن فضل الله والدلاصي (٨) ومحمد بن غالي (٩) وغيرهم، وكان مِمَّنْ يُخْشى لسانه وحدّث.
стр. 486
وكان أبوه (١) قاضى المدينة. مات هو في رمضان وقد اختلط عقله.
٢٠ - علي بن محمد بن عبد الرحيم الأقفهسي، الشيخ علاء الدين المصرى (٢)، قدم من بلاده سنة إحدى وثلاثين وهو كبير فاشتغل، وأخذ عن ابن علَّان والكمال النسائي وغيرهما، ومهر في الفقه وشارك في غيره، وكان ديّنًا فكاهةٍ فيه ودرَّس بأماكن بالقاهرة وأعاد، (٣) وولي مشيخة خانقاه بشتك وناب في الحكم. مات في شوال [و] انتفع به جمهورٌ كبير من الطلبة.
٢١ - علي بن محمود بن علي بن محمود بن علي بن محمود - ثلاثة على نسق - علاء الدين بن المعطار الحرَّاني، سبط الشيخ زين الدين الباريني، وُلد بعد الستين وتفقه بالشيخ أبي البركات الأنصاري وغيره، وبرع في النحو والفرائض وتصدى لنفع الناس وتصدر بأماكن، وكانت دروسه فائقة، وكان يتوقَّد ذكاء. ذكر (٤) القاضي علاءُ الدين في تاريخ حلب أنه حفظ ربع "ألفية العراق" في يوم واحد، ولو عَمَّر لفاق الأقران لكن مات عن نيف وثلاثين سنة في شهر رمضان سنة خمس وتسعين وسبعمائة.
٢٢ - عمر بن نجم بن يعقوب البغدادى نزيل الخليل يعرف بالمجرَّد، كان مشهورًا بالخير والعبادة. مات في ذى الحجة وله ثلاث وستون سنة.
قال ابن حجى: "رأيته شيخا طوالًا يلبس قبعا بلاعمامة، وكان محبا في فعل الخير، كلما جاءه فتوح يفرقه وكان يكفى الذين يقرأون عنده، ولا يترك أحدا يقيم عنده بطَّالا، وكان لا يضع جنبه بالأرض".
٢٣ - كمشبغا الخاسكي، ولى نيابة دمشق أربعة أشهر ومات بها، وهو غير كمشبغا الحموي الذي كان نائب حلب ثم صار أكبر الأمراء وتأخَّر موته، ولذلك كان يقال له "الكبير" ليتميز عن هذا.
стр. 487
٢٤ - محمد بن إبراهيم بن الشيخ أحمد شاه اللححانى ثم التبريزي وكان متمولا فعمل عليه أحمد بن أُويس حتى قتله في صفر وذلك لعظم قدره وطواعية أهل ناحيته له، فكأنَّه خاف من ناحيته أو طمع في ماله.
وله خانقاه بالشرف الأعلى بدمشق، وكانت لأبيه خانقاه بالخلخال.
٢٥ - محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموى ثم المقدسي نجم الدين، ناب في تدريس الصلاحية ثم استقلَّ بها بعد موت القاضي برهان الدين ومات في ذى القعدة بالقاهرة، وكان قدمها في شوال.
٢٦ - محمد بن أحمد بن الرضى إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الطبري، محب الدين أبو البركات المكي، ولد سنة بضع وعشرين، وسمع من عيسى الحجى وطائفة، وسمع أيضًا على الوادى آشى والأمين الأقشهرى. وأجاز له الحجار وآخرون، ومات في ذي القعدة.
اجتمعتُ به وصليت خلفه مرارًا، وكان أعرج لأنه سقط. فانكسرت رجله، وباشر العقود وعمَّر بعده أخوه أبو اليمن دهرًا.
٢٧ - محمد بن أحمد بن علي بن عمر، شمس الدين التاجر المعروف بابن حق الدين المصرى نزيل مكة؛ كان له اختصاص بأحمد بن عجلان، وولى الوكالة عن الأمير جركس الخليلي وكان يتولى صدقاته بنفسه.
رأيته مرارًا بمكة سنة خمس وثمانين ومات في المحرم.
٢٨ - محمد بن حسن بن سليمان بن حسن بن حمزة الحسنى، جمال الدين الطرابلسي المعروف بالبلدى، كان وكيل بيت المال بطرابلس، وكان يُنسب إلى حشمة ومعرفةٍ (١) وإحسان للواردين. مات في شعبان بالطاعون.
٢٩ - محمد بن عمر بن منهال الأذرعى أحد أعيان الموقعين بدمشق. مات في ذي الحجة.
٣٠ - محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن أحمد الدمشقي الحنفى، أمين الدين الأدمى، ولد سنة ثمانٍ وثلاثين وسبعمائة وأخذ عن زوج أُمه الفخر بن الفصيح وسمع من ابن الخباز وابن تبع وغيرهما.
стр. 488
عنى بالعربية وأخذ عن الصلاح الصفدى وغيره وكانت له وجاهة بدمشق، وباشر بها أماكن، وهو والد صاحبنا القاضي صدر الدين على (١).
مات في جمادى الأولى فجأة، قال ابن حجى: "لم يكن بالمحمود بالنسبة إلى الوقيعة في الناس، وكان مع ذلك أحد أوصياء تاج الدين السبكي ثم صار من أخصاء البرهان ابن جماعة ودرس بالإقبالية (٢) وحصّل دنيا واسعة وأموالًا جمة، وعرض عليه بعض الحكام نيابته فلم يقبل".
٣١ - محمد بن محمد أقبغا آص؛ تقدم ذِكره في الحوادث.
٣٢ - محمد بن محمد بن سالم بن عبد الرحمن الخليلى (٣)، صلاح الدين بن الأعمى المصرى، المقدسي الأصل، مدرس الظاهرية الجديدة ببين القصرين، وكان بارعًا في مذهبه وأفاد ودرّس وتعين لقضاء الحنابلة.
مات في ربيع الأول.
قال الشيخ تقي الدين المقريزي: "كان أبوه وعمه عبد الجليل مشهورين بالعلم والفقه والدين فاقتدى بهما وأربى عليهما"، قال: "وكان سمحًا كريمًا حسن الملتقى جميل المحيا، وكان يتعصب لابن تيمية".
٣٣ - محمد بن محمد بن عبد الله الصوفي، زين الدين المصرى، نادرة عصره في النوادر الطبية، ولقبه "زوين"، وكان يكثر لكونه (٤) عند ابن الغنَّام فغضب عليه مرة فأمر بحبسه فكان كل من دخل إليه الحبس من أصحابه يسأله عن سبب غضب الصاحب عليه فيشير إلى قنِّينة فارغة علَّقها.
وكان ابن الغنام يلقب "قنينة" في صباه فبلغه ذلك فبادر إلى إطلاقه.
٣٤ - محمد بن يحيى بن سليمان السكسونى، جمال الدين المغربي المالكي، كان عارفًا بالمعقولات إلَّا أنَّه طائش العقل. ولى قضاء حماة وطرابلس فلم يُحْمَد ثم ولى قضاء دمشق شهرين.
стр. 489
تغير (١) عليه الظاهر فبدا منه طيش أُهين بسببه وذلك أنه تصدّى لأذى الكبار وتعزير بعضهم فكوتب فيه السلطان وعرّفوه بثبوت فسقه فقدم مصر ثم نفى إلى الرملة فمات بها في أوائل هذه السنة.
قال ابن حجى: "كان كبير الدعوى ولما عُزل عن القضاء وقف للسلطان بمصر وتشكَّى من غرمائه فقال له: "أنا ما عزلتك إنما هم حكموا بعزلك"، فأخذ يعرّض ببعض الأكابر فعملوا عليه حتى أخرجوه".
٣٥ - محمود بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر الوائلي، شرف الدين بن جمال الدين بن كمال الدين الشريشي، وُلد سنة تسع وعشرين بحمص وأبوه قاضيها إذ ذاك، وأخذ عن والده وابن قاضي شهبة حتى مهر في العلوم وتصدّى التدريس والإفتاء وكثر النفع به، وقد حدث عن الحجار بالإجازة، ونشأ في عبادةٍ وتقشف وسكون وأدب وانجماع، ودرس بالبدرائية وبالرواحيّة (٢) قليلا، وكان يكتب على الفتاوى كتابة حسنة حتى كان يقصد لذلك من الجهات البعيدة، وانتهت إليه وإلى رفيقه الشهاب الزهرى رياسة الإفتاء، وله نظم ونثر.
قال ابن حجى: "لم أر أحسن من طريقته ولا أجمع لخصال الخير منه"، وكان يلقب "بالشطرنج". مات في تاسع صفر عن خمسٍ وسبعين (٣) سنة.
٣٦ - مقبل الرومي الشهابي شيخ الخدام بالمدينة، أصله من خدم الصالح إسماعيل بن الناصر ثم اختص بشيخو ثم بحسن ثم انقطع بالمدينة ثم ولى المشيخة بها حتى مات.
٣٧ - منصور بن مظفر بن محمد بن المظفر اليزدى، ويقال له شاه منصور وهو ابن أخى شاه شجاع صاحب بلاد فارس. قُتل في حروبٍ وقعت بينه وبين تمرلنك وقُتِل معه أخوه شاه يحيى بن المظفر.
٣٨ - منطاش التركي الأشرفي، تقدم ذكره في الحوادث.
стр. 490
٣٩ - موسى بن أحمد بن منصور العبدوسي المالكي، كان عالمًا صالحًا عابدًا على طريقة السلف، نزل دمشق وعُين للقضاء فامتنع ودرّس وأفاد ثم تحوّل إلى القدس وله أسئلة مفيدة واعتراضات واستنباطات حسنة، ومات ببلد الخليل بزاوية الشيخ عمر المجرّد في جمادى.
٤٠ - نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح بن هاشم الكناني الحنبلي ناصر الدين قاضي الحنابلة بنابلس، سمع من عبد بن يوسف الحنبلى جزء ابن ..... (١) بإجازته من سبط السلفى، وبدمشق من أحمد بن علي [بن الحسن] الجزري (٢) و [بمصر (٣)] من الحسن بن السديد الإربلى وإبراهيم القطنى، وتفقه ومهر في مذهبه وناب في الحكم عن صهره نحوا من عشرين سنة، ثم استقلَّ (٤) بعد وفاة حميه موفق الدين سبعا وعشرين سنة إلى أن مات في شعبان عن سبع وسبعين سنة.
وكان دينا عفيفا مصونا صارمًا مهيبا محبا في الطاعة والعبادة، حدث ودرس وأفاد وأجاز لي بعد أن قرأتُ عليه شيئًا.
قرأتُ بخط قاضي القضاة تقى الدين الزبيرى وهو في جملة ما أجازنيه، قال: "توفى القاضي ناصر الدين في نصف شعبان وأقام قاضى الحنابلة بعد وفاة صهره القاضي موفق الدين ما يزيد على خمس وعشرين سنة ولم ينكب فيها يوما ولا عُزل ولا مرض بل يضحك على الناس كلما عُزل أحد أو مات إلى أن جاءه أمر الله فلم يضعف غير هذه الضعفة فمات فيها".
٤١ - يحيى بن عبد الله بن بشارة الوزير تاج الدين، أسلم هو وأبوه وأخوه، وكان اسمه يُحَنَّا - بضم أوله وفتح المهملة وتشديد النون - فسمِّى يحيى وباشر نظر الخاص مدة، ثم ولى الوزارة بسعيٍ منه على والده، ثم صُرف في دولة الظاهر.
стр. 491
ولما قدم الظاهر سنة ثلاث وتسعين اختفى [ابن بشارة] ثم قُبض عليه في هذه السنة وسجن بالقلعة فمات بها في جمادى الأولى، ومات أبوه في سنة ثلاث وتسعين.
٤٢ - شاه يحيى بن المظفر، تقدم قريبا مع أخيه (١) منصور.
٤٣ - أبو بكر بن عثمان بن العجمي زين الدين الحلبي نزيل القاهرة، سمع الحديث ببلده واشتغل بالآداب فمهر فيها وطارح الصفدى بقصيدةٍ شهيرة أجابه عنها وهى (٢) في "ألحان السواجع" للصفدي.
وولى التوقيع بالقاهرة وكان يكتب خطا حسنًا وينظم شعرًا وسطا، ونثره كذلك، مع دين وخير ومحبة في العلم. مات عن سبعين سنة أو أكثر.
٤٤ - أبو الطيب بن علي بن أحمد الفوى، سمع الكثير بعناية أبيه أصحاب الفخر وتفقَّه (٣) قليلا ثم دخل في أمر الدولة فقُطع لسانه ثم بقية أعضائه ثم مات عن أربعين سنة.
٤٥ - أبو تاشفين بن أبي حمو موسى بن يوسف التلمساني من بني عبد الود، خرج على أبيه وحاربه وجرت له معه خطوب وحروب إلى أن قتل أبوه في أول المحرم سنة ٩٣. وأسر أخوه - أبو عمير - فقتله هو وملك تلمسان وصار يخطب لصاحب فاس لكونه نصره على أبيه و [كان] يقوم له كل سنة بمال إلى أن قام أبو زيان بن أبي حمو فجمع جموعًا ونزل على تلمسان وحصرها فكاده أخوه وفرّق جمعه ووفد على صاحب فاس فجهز معه عسكرا في هذه السنة. فمات أبو تاشفين في شهر رمضان (٤) فأقام وزيره أحمد بن العزِّ ولده، فسار إليهم يوسف بن أبي حمو فقتل الصبيَّ والوزير، فخرج صاحب فاس إلى تلمسان فملكها وانقضت دولة بني عبد الود بتلمسان وصارت الصاحب فاس.
стр. 492
٤٦ - أبو يزيد الدويدار، كان خامل الذكر فاتفق أن السلطان استخفى عنده لما نازله الناصري ومنطاش، فلما عاد إلى السلطنة عظمه ثم قرَّبه ثم رتبه في الدويدارية بعد بُطا إلى أن مات في رجب.
٤٧ - أمة الرحيم، ويقال "أمة العزيز" بنت الحافظ صلاح الدين العلائي (١)، أسمعها من الحجار وغيره وحدثت. ماتت في رابع شوال وكذلك أختها أسماءُ (٢) ماتت في العشرين منه.
٤٨ - فاطمة بنت تقى الدين الجعبرى، حضرَت على أسماء بنت صصرى وسمعَتْ من ابن الرضى، وكان المزى جد أمها، وحدثت بدمشق.
стр. 493
سنة ست وتسعين وسبعمائة
فيها وصل أحمد بن أُويس إلى القاهرة في ربيع الأول فتلقَّاه الأمراء وخرج له السلطان إلى الريدانية فقعد بالمصطبة (١) المبنية له هناك فترجَّل له أحمد من قدر رمية سهم فأمر السلطان الأمراء بالترجل له ثم لما قرب منه قام له ونزل (٢) من المصطبة فمشى إليه فالتقاه.
وأراد أحمد تقبيل يده فامتنع، فطيَّب السلطان خاطره وأجلسه معه على مقعده، ثم خلع (٣) عليه وأركبه صحبته إلى القلعة فأنزله في بيت طقزدمر (٤) على بركة الفيل، ونزل جميع الأمراء في خدمته، ثم أرسل له السلطان مالا (٥) كثيرا وقماشًا (٦) ومماليك للخدمة (٧)، يقال قيمة ذلك نحو عشرة آلاف دينار.
ثم حضر الموكب السلطانى فأذن له السلطان (٨) بالجلوس وأركبه معه إلى الجيزة للصيد.
ثم تزوّج السلطان بنت أخيه خوند تندي بنت حسين بن أويس وبنى عليها قريب السفر.
ثم أمر السلطان بالتجهز إلى الغزاة، وطلب من القاضي الشافعي أن يقرضه ما في المودع من أموال الأيتام فامتنع، فسعى بدر الدين بن أبي البقاء في القضاء وبذل مالًا وما طُلب منه، وذلك في ربيع الآخر فعُزل المناوى بعد (٩) أن خرج السلطان إلى الريدانية، وأُعيد ابن أبي
стр. 494
البقاء في (١) يوم الاثنين الرابع عشر من شهر ربيع الآخر وخلع عليه بالريدانية ودخل القاهرة ومعه قلمطاى الدويدار وغيره من الأمراء، وسافر مع السلطان في رابع عشريه بعد أن بذل ما أرادوا منه، فقيل كان ستمائة ألف، وعَوَّض السلطان أصحابها أرضًا يستغلون خراجها إلى الآن.
واقترض السلطان من ثلاثةٍ من التجار ألف ألف درهم فضة، وهم برهان الدين المحلِّي ونور الدين الخروبي وشهاب الدين بن مسلم، وكتب لهم بذلك مسطورًا ضَمِنَه فيه محمود الأستادار، وكان ذلك بتدبيره.
واستصحب السلطانُ معه القضاة والخليفة وشيخ الإسلام البلقيني، واستأذن البلقيني بعد وصوله إلى دمشق لولده جلال الدين في الرجوع لأنه كان قاضي العسكر فأذن فرجع، وتوجه الشيخ صحبة الركاب إلى حلب. وخرج إلى السلطان - وهو معسكِرٌ بظاهر القاهرة - شخص يقال أحمد بن عباس الحريري فذكر له أنه رأى النبي ﷺ في المنام، وأنه قال له: "روح إلى برقوق وقل له إنك منصور بأمارة أنك تقرأ سورة الفاتحة على أصابعك العشرة عشر مرات عند الركوب، ثم تقول إن ينصركم الله فلا غالب لكم" فصدَّق البشارة ويكي، وأمر للرائي بمالٍ فلم يَقبل منه إلَّا نزرًا يسيرًا.
والذي يظهر لي كذب هذا الرائي وكأنه بُلِّغ الأمارة من بعض خواص السلطان المطلعين على سره (٢)، وإلَّا فلو كان صدقا لكان قد انتصر، والواقع أنه لم يقع له قتال مع أحد.
* * *
وعُزل موفق الدين عن الوزارة واستقر ناصر الدين بن رجب، فقُدر في نظر الدولة سعد الدين بن البقرى.
* * *
وفيها كائنة الشريف العُنَّابي - يضم المهملة والنون - وكان السلطان يعتقده فاتفق مع جماعة من مماليك بركة على القيام عليه، فنمَّ عليه موسى بن محمد بن عيسى العائدي - شيخ عرب العائد وكان في الحبس - فأرسل إلى الوالى ورقة بخطِّ. العنابي يقول فيها: "يا موسى
стр. 495
أرسل إلى عربك (١) يجتمعوا ويعسكروا قرب القاهرة، فإذا جاز السلطان قطية أركب أنا ومن معى من المماليك فنملك القاهرة ونخلِّصك من الحبس ونتساعد على ذلك، فإذا غلبنا قررنا سلطانًا نتفق عليه وأَسْتَقِرّ أنا خليفةً وأحمدُ بنُ قايماز أتابكَ العساكر"، فتوجه الوالى بالورقة إلى السلطان.
فأرسل يلبغا السالمي إلى الشريف العُنَّابي ليسأله عن ذلك، فأحسّ الشريف بالشر فهرب، ثم أمسك الوالى عبدًا من عبيده فأقرَّ أن سيده في بيت الصارم الحلبي بسويقة السباعين، فبادر الوالى وقبض عليه وعلى أحمد بن قايماز فأحضرهما إلى السلطان - وهو بالريدانية وقد برز بالعسكر للتوجه -، فاعترف العُنَّابي بأن الورقة بخطه وأن ابن قايماز هو الذي رتَّبه فيما يفعل، فأنكر ذلك ابن قايماز وتبرَّأ منه، فأمر السلطان بالتوكيل بهما.
فسعى عمر بن قايماز - أخو أحمد - عند أخت السلطان حتى شَفعَتْ في أخيه على مالٍ جزيل بَذَله وأطلقه، وأمر السلطان بتوسيط. الشريف العنابي فوسطه الوالى وكذلك وسَّط موسى بن محمد بن عيسى العائدي وعمه مهنا بن عيسى وجماعةً من نفره كانوا في القبضة، وذلك بعد سفر السلطان.
* * *
ووصل السلطان إلى دمشق في العشرين من جمادى الأولى فوصل إليه قاصد طقتمش خان ملك القفجاق يتضمن السؤال أن يكونوا يدًا واحدة على الطاغي تمرلنك، فكُتبَتْ أجوبتهم.
ثم وصلت إليه رسل أبي يزيد بن عثمان صاحب الروم يتضمن استئذان السلطان على الحضور إلى نصره (٢) على قصد تمرلنك لما بلغهم من سوء سيرته، فكتب أجوبته أيضا.
* * *
وفى (٣) أول هذه السنة سار تمرلنك بنفسه وعساكره إلى تكريت فحاصرها بقيةَ المحرّم