← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وبالسَّبع القراءَات العَوَالِي … رَقَى قُدُمًا إلى السَّبع الطِّباق فسَلْ "إحْيَا عُلومِ الدِّينِ" عَنْهُ … أما وَافَاهُ معْ ضيقِ النطاق؟ فصيَّر ذكرَه يسْمو وينْمو … بتخْريج الأَحاديث الرقاق و "شرح الترمذيّ" لقَدْ تَرَقَّى … به قِدْمًا إلى أَعْلَى المَرَاقِي و"نظْم ابن الصَّلاح" له صلاحٌ … وهَذا شرْحُه في الأُفْق راقِي وفى "نظْم الأُصُولِ" له وصولٌ … إلى مِنْهَاجِ حَقٍّ باشْتِياقِ و"نظْمُ السيرة" الغرّا يُجَازَى … عليْها الأَجْرَ من رَاقى التراقي دَعَاهُ بحَافِظِ العَصْرِ الإِمَامُ الْـ … كبيرُ الإسْتَوِيُّ لدَى الطِّبَاقِ وعَلَّى قدرَه السبكيُّ وابنُ الـ … عَلَائِي والأَئِمَّةُ باتِّفاق ومِن ستِّينَ عامًا لم يُجَارَى … ولا طَمعَ المُجارِى في اللّحَاقِ يقضِّي اليوم في تَصْنِيف علمٍ … وطولٍ تهجّدٍ في الليل واقى فبالصُّحْف الكَرِيمَةِ في اصطِباحٍ … وبالتُّحف الكريمة في اغتباق فما فتَنْتهُ كأْس بالْتِشَامٍ … ولا أَلَهْاهُ ظبيٌ باعْتِنَاقِ فتى كرمٍ يزيدُ، وشيخُ علمٍ … لَدَى الطُّلَّابِ معْ حمْل المشاقِّ فيغرى طالبا علمًا ويَقْرِى … قرًى فدَّتْه ذات اتساق ويا أَسَفِي عليه لِحفْظِ وُدٍّ … إذا نُسِبَتْ مَوَدَّاتُ الرِّفاقِ ويا أَسَفي لتَقْيِيدَاتِ علمٍ … تولَّتْ بعْدَه ذاتَ انطلاقِ عليه سلامُ ربّى كلَّ حِينٍ … يُلاقِيه الرضا فيما يُلاقِي وأَسْقَتْ لَحْدَهُ سَحْبُ العَوَادِي … إِذَا انهلّت هَمَتْ ذاتُ الطباق ودَانتْ رُوحَه فِي كُلِّ يومٍ … تَحيَّاتٌ إلى يَوْم التَّلاقي

стр. 842

٢٠ - عبد الصادق بن محمد الحنبلي الدمشقى، كان من أَصحاب ابن منجا، ثم ولى قضاء طرابلس وشُكِرت سيرته، ثم قدم دمشق وتزوّج بنت السّلاوى زوجة مخدومه تقيّ (١) الدين بن المنجا وسعى في قضاء دمشق ومات في المحرّم، سقط عليه سقف بيته تهلك تحت الرّدم. ٢١ - على بن خليل بن علي بن أَحمد بن عبد الله بن محمد المصرى الحنْبلي، نور الدين الحِكْرى، كان فاضلًا نبيها، درّس وأفاد وعمل المواعيد بالجامع الأَزهر، ثم ولى قضاءَ الحنابلة قليلًا عوضا عن موفَّق الدين أَحمد بن نصر الله في يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانى مائة فأَكثر من النواب، وسافر مع العسكر في وقعة تنم ثم رجع فأُعيد الموفّق في ذى الحجة منها ثم استمرّ مفصولًا (٢) إلى أَن مات في تاسع المحرّم؛ وهو والد بدر الدين الحكرى الذي ناب في الحكم (٣) بعد ذلك مدة، وسيأْتى سنة سبع وثلاثين وثمانى مائة. ٢٢ - على بن عمر بن سلمان الخوارزمي أَبو الحسن علاء الدين، وُلد سنة ستٍ وستين بمصر، وكان أَبوه من الأَخيار فنشأَ ولده على أَجمل طريقة وأَحسن سيرة، وأَكبّ على الاشتغال بالعلم، ثم طالع في كتب ابن حزم فهوى كلامَه واشتهر بمحبّته والقول بمقالته وتظاهَرَ بالظاهر، وكان حسنَ العبادة كثير الإقبال على التضرّع والاجتهاد والابتهال والدعاء، ونزل عن إقطاعه في سنة بضعٍ وثمانين، وأَقام بالشام مدة ثم عاد إلى مصر وباشر عند بعض الأُمراء. وقرأْتُ بخط الشيخ تقيّ الدين المقريزي أَن المذكور باشر شدّ الأقصر لبعض الأُمراء (٤)، ولم يكن يُزرع بها إلَّا نحو أَلف فدان وباقيها بُورٌ وخرس.

стр. 843

وكان حسنَ العبادة شديدَ الإقبال على الله. مات في تاسع صفر. ٢٣ - على بن محمد بن عبد الوارث بن جمال الدين محمد بن زين الدين عبد الوارث بن عبد العظيم بن عبد المنعم بن يحيى بن حسن بن يعقوب بن محمد بن عيسى بن شعبان بن عيسى بن داود بن محمد بن نوح بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أَبي بكر الصديق القرشيّ التيميّ البكرى، الشيخ نور الدين، اشتغل بالعلم ومهر في الفقه خاصّةً وكان كثير الاستحضار قائمًا بالمعروف شديدًا على مَنْ يطلع منه على أَمرٍ منكر، فجَرَّه الإكثار من ذلك إلى أَن حسَّن له بعض أَصحابه أَن يتولى الحسبة، فولى حسبةَ مصر مرارًا وامْتُحِنَ بذلك حتَّى أَضرَّ ذلك. به، ومات في ذى القعدة مفصولا [عن الحسبة] وله ثلاث وستون سنة. ٢٤ - عمر بن إبراهيم بن سليمان، الرّهاوى الأَصل ثم الحلبي، زين الدين كاتبُ الإنشاء بحلب، قرأَ على الشيخ شمس الدين الموصلى وأَبى عشائر، وتعانى الأَدب وبرع في النظم وصناعة الإنشاء وحسن الخطِّ، وولى كتابةَ السرّ بحلب عوضًا عن ناصر الدين [محمد] بن أَبي الطيب، ثم ولى خطابة الجامع الأُموى بعد وفاة أَبي البركات الأَنصارى، وكان فاضلًا ذا عصبيّة ومروءة، وهو القائل: يا غائبينَ وفي سِرِّى مَحَلُّهُمُو … دَمُ الفؤادِ بسَهْمِ البيْنِ مسفوكُ أشتاقُكُم (١) ودُموعُ العَيْنِ جاريةٌ … والقَلْبُ في رِبْقَةِ الأَسْواق مَمْلُوكُ ومن شعره: وحَائِكٍ يَحْكِيه (٢) بدْرُ الدُّجى … وجهًا، ويحْكِيه القَنا قدًّا ينَسْج أَكفانًا لعشَّاقِه … مِنْ غزْل جفنَيْه وقد سُدَّا

стр. 844

وفيه يقول زين الدين عبد الرحمن بن الخراط (١): وفى الرهاويّ لِي مديحٌ … مُسَيَّرٌ أَعجَزَ الحلَاوى قد أَطرَبَ السامعين طُرًّا … وكيف لا، وهْو في الرّهاوي مات في ثاني ربيع الآخر من السنة. ٢٥ - عمر بن علي بن طالوت بن عبد الله بن سُوَيْد النابتي (٢) ثم الدمشقي، ركن الدين، ناظر البدرائية (٣) بدمشق وكان بزيّ الجند. مات في ذى الحجة. ٢٦ - عوض بن عبد الله الزاهد، كان منقطعًا بجامع عمرو بن العاص وللناس فيه اعتقاد. مات في رمضان. ٢٧ - فارح بن مهدى المرِينى القائد، كان مدبّر دولة بني مرين في سلطنة أَبي سعيد عثمان بن أَحمد بن إبراهيم بفاس. مات في أَواخر السنة بفاس. ٢٨ - قطلوبغا بن عبد الله، عمل مرةً أُستادارية أيتمش واشتهر به، ثم ولى الأُستدارية للسلطان مرارًا. مات في ربيع الأَول. ٢٩ - محمد (٤) بن إبراهيم بن عمر البيدمرى، نشأَ نشأَة حسنة وقرأَ القرآن العظيم ونظم الشعر وتأَمّر وباشَرَ الخاص، وكانت له معرفة بالأُمور. مات في ربيع الآخر. ٣٠ - محمد بن أَحمد بن علي بن محمد، أَمين الدين المنهاجي سبطُ الشيخ شمس الدين بن اللَّبان، وُلد سنة بضعٍ وثلاثين واشتغل بالعلم وحفظ "التنْبيه"، وأُسْمع على

стр. 845

ابن عبد الهادي في "صحيح مسلم" وعلى جدّه لأُمّه، وكان معه عدة جهات باشَرَ فيها من الأَوقافِ الحكمية، وانقطع إلى القاضي صدر الدين المناوى واشتهر بصحبته وصارت له وجاهة، ثم تعاطى التجارة واتَّخذ له مطبخَ سكر وكَثُر ماله، ومات في شهر رمضان منها. سمعْتُ منه قليلًا. ٣١ - محمد بن أَحمد بن علي بن موسى بن الصاحب فخر الدين سليمان بن الشيرجي، كان يُعرَفُ بالأَنصارى، صحب الشيخ أَبا بكرٍ الموصلى وتُلْمِذَ له. حجَّ فمات بمكة في ذي الحجة. ٣٢ - محمد بن حسن بن علي المصرى الصوفئ المقرئ المعروف بالفَرْسِيسي (١)، سمع من الحافظ أَبي الفتح بن سيد الناس ومِن أَحمد بن كَشْتَغْدى ولم يظهر سماعه إلَّا بآخره فإنه حضر السماع على الشيخ تقيّ الدين بن حاتم في "السيرة"، فقُرئت الطبقة فوُجِد اسمه فيها فأُقيم من السامعين وأُجْلِس مع المسمّع، ووُجد سماعُه بفوت، ثم وُجد في بعض النسخ ما يدل على أَنه أَكمل له، وإلى الآن لم أَتحقَّق ذلك. مات في شهر رجب وله سبع وثمانون سنة. ٣٣ - محمد بن حسين بن الشيخ مسلم السلمى، أَحدُ المشايخ المعتَقَدين بمصر. مات في ربيع الأَول. ٣٤ - محمد بن حيّان بن العلَّامة أبي حيّان بن العلامة أَبي حيان محمد بن يوسف بن على الغرناطي ثم المصرى، أَبو حيّان بن فريد الدين بن أَثير الدين، وُلد سنة أَربعٍ وثلاثين، وسمع من جدّه ومن ابن عبد الهادى وغيرهما؛ وكان شيخا حسن الشَّكل منوّر الشيبة بهيَّ المنظر حسنَ المحاضرة، أَضرّ بآخره. سمعْتُ منه يسيرًا ومات في ثالث رجب.

стр. 846

٣٥ - محمد بن سعد بن محمد بن علي بن عثمان بن إسماعيل (١)، شمس الدين الطائي خطيب الناصرية، وُلد سنة ثلاث وأربعين، وتفقَّه بعد أَن حفظ "التنبيه" على أَبي الحسن على البابي (٢) والكمال عمر بن العجمي (٣) والجمال بن الحكم التّيزيني (٤)، وسمع الحديث من بدر الذين بن حبيب وغيره، وولى خطابة الناصرية واشتهر بها بها إلى أَن مات، وكان كثيرَ التلاوة والعبادة سليمَ الصدر؛ مات في جمادى الأُولى، وهو قاضي حلب أَبقاه الله. ٣٦ - محمد بن سلمان بن عبد الله، شمس الدين بن الحرّاني الفقيه الشافعي الحموى نزيل حلب، أَصله من الشرق وأَقدمه أَبوه طفلًا وسكن حماة وعلَّمه صناعةً الخرط (٥)، ثم ترك وأَقبلَ على الاشتغال فأُخذ عن شرف الدين يعقوب بن خطيب القلعة والجمال يوسف بن خطيب المنصورية وصاهره [على أخته]، ثم رحل إلى دمشق وأَخذ عن زين الدين القرشي، ودأَب وحصّل وشارك في الفنون، ثم قدم حلب سنة ثلاث وتسعين وناب في الحكم عن ناصر الدين [بن خطيب نقرين] بن القطب، ثم عن أبي البركات، ثم ولى قضاءَ الرّها ثم ولى قضاء بُزاعة (٦)، ثم ناب في الحكم بحلب أَيضًا، وولى عدة تداريس؛ وكان فاضلًا مفننا مشكورًا في أَحكامه ومات في سابع شهر ربيع الأَول بالفالج. ٣٧ - محمد بن عبد الملك بن عبد الكريم بن يحيى بن ناصر الدين بن القاضي محي الدين شيخ الشيوخ تقي الدين بن قاضي القضاة محيى الدين بن الزكيّ، وُلد بعد

стр. 847

الخمسين وسمع من العُرضى وابن الجوخى (١) وغيرهما من أَصحاب الفخر، وكان يرجع إلى دينٍ وعقلٍ، وكان هو أَسَنَّ إخوته. خرج مع القاضي علاء الدين بن أَبي البقاء في قسم بعض المغلات فقُطع عليهم الطريق فقُتِل هذا وجُرح علاء الدين فسقط فظنوا أَنه مات فسلم، وذلك في المحرّم من هذه السنة. ٣٨ - محمد بن علي بن عبد الله الحَرْفِي - بفتح المهملة وسكون الراء بعدها فاء - الشيخ قمر الدين (٢) المغربي. مات في شوال. ٣٩ - محمد بن المبارك الآثاري، شمس الدين الآثارى، مات في المحرم عن ثمانين سنة، وكان مغرًى بالمطالب والكيمياء، كثيرَ النَّوادر والحكايات المعجبة، أُعجوبةً في وضعها، واللهُ يغفر له ولى. ٤٠ - محمد بن محمد بن أَبي بكر بن عبد العزيز القدسي، الشيخ شرف الدين أبو الفضل، وُلد بعد الأَربعين، وسَمع من الميدوى على ما كان يزعم، ثم حُبِّبَ إليه الطلب فسمع الكثير من أَصحاب الفخر وابن عساكر والأَبرقوهي (٣)، ثم من أَصحاب أَصحاب وزيرة والقاضى والمطعم وغيرهم، ثم من أَصحاب الوالى والدبوسي والختنى ونحوهم، ثم من أَصحاب [أبى الحسن] بن قريش وابن كشتغدى والتفليسي وغيرهم؛ وعُنِىَ بتحصيلِ الأَجزاء وإفادةِ الطلبة وكتابة الطباق والدّلالةِ على المشايخ وتسميع أَولاده والإحسان إلى من يقدم عليه من الغرباء وخصوصا الشاميّين؛ وكتب بخطّه الحسن ما لا يُحصَى، وكان يحبس عن الناس أَسمعتهم فلم يمتَّع بما سمع ولاعاش له ولد ذكر بعد

стр. 848

أَن كان يبالغ في تسميعهم ويجتهد في التحصيل لهم، وكان يتعانى نظم الشعر فيأتى بما يُضْحِك؛ إلَّا أَنه ربما وقع له ديوانٌ غير شهير فيأْخذ منه ما يمدح به الأَعيان خصوصًا القضاة إذا وُلُّوا ويستعين بمن يُغيّر له بعض الأَسماء، وربما عُثِر على القصيدة في ديوان صاحبها؛ وأَعجب ما وقع له أَنه أَنشد لنفسه عند ما ولى ناصر الدين بن الميلق القضاءَ: إنَّ ابنَ مِيلقَ شَيْخٌ رَب زاويةٍ … بالناس غرّ وبالأَحوال غير درى (١) قد ساقَه قدَرٌ نحوَ القضاء ومَنْ … يسطيع ردّ قضاءٍ جاءَ عنْ قدرِ؟ فوُجد البيتان بعينهما للقاضى بدر الدين بن جماعة، وقد غيّر منهما بعض الشطر الأَول من البيت الأَول فقط وهو "فالعَبْدُ وهو فقيرٌ رَبُّ زاوية" إلى آخرها. ومات في شوال بعد أَن جرت له محنة مع القاضي جلال الدين [البلقينى] لكونه مَدَحَ القاضي الذي عُزِل به فضربه أَتباعه وأَهانوه فرجع متمرّضًا فمات وتفرّقت كتبه وأَجزاؤه شذر مذر. ٤١ - محمد بن عبد الرحمن بن فُرَيج (٢) المصرى، القاضي ناصر الدين بن الصالحي، من الصالحية التي بظاهر القاهرة، وُلد سنة بضعٍ وخمسين وسَمع على ماذَكر من الشيخ جمال الدين بن نباتة وغيره، وتعالى الأَدب، ونظم الشعر الوسط، وكتب الخطِّ الحسن، ووقَّع عن القضاة، ثم ناب في الحكم عن الحنفية ثم عن الشافعية، ثم وثب على منصب القضاء لما غاب المنادى فتمّ له ذلك عشرة أَشهر ثم عُزل، ثم أُعيد بعناية السالمي في شوال فاستمرّ فيه أَربعة أَشهر، ومات بعلة القولنج الصفراوي وأَسف أَكثر الناس عليه لحسن تودّده وكرم نفسه وطيب عشرته ومشاركته في العلم، ولأَنهم أَلفوا

стр. 849

من المناوى ذلك البأْو المفرط فأَلانَ لهم الصالحي جانبه عن تواضعٍ وكرم. مات في ثاني عشر المحرم وتقدَّم في الصلاة عليه القاضي الحنفي. وكان كثير البرّ للفقراء والأَغنياء لا يردّ سائلًا، وكان ذلك يؤدّى إلى حرمان بعض المستحقين [من (١) الأَيتام ونحوهم] لأَن الذي تحت يده المال لا يردّ خَطَّه فيدفع لمن يكتب له من أَموال الأَيتام والأَوقاف، فيضيع ذلك على مستحقِّه من بعده، وقد استكثر في ولايته الأُولى هذه من النواب بالشفاعات من الأَكابر، ومنهم شمس الدين محمد بن يحيى المقرئ الصالحي، وكان استقر إمامًا عند قطلوبغا الكركي، فكلِّم القاضي حتى قرّره في الحكم بإيوان الصالحية في نوبة عز الدين البلقيني وشقّ ذلك على نوّاب الحكم. ٤٢ - محمد بن محمد بن محمد بن حسن المصرى (٢) الصوفى القمني، سمع من شمس الدين بن القماح "صحيح مسلم" بفوت، وسمع من غيره وحدّث، وسمعتُ منه قليلًا. مات وله سبع وسبعون سنة فإنه كتب لي بخطه أَن مولده سنة ٧٢٩. ٤٣ - محمّد بن محمّد البجانسي (٣)، شمس الدين، ولى الحسبة مرارًا وكان جائرًا في أَحكامه، قليل العلم، مبالغًا في السطوة بالناس، إلَّا أنّه أَعف من غيره. مات في رابع جمادى الأُولى. ٤٤ - محمد بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الحميد المقدسي ثم الدمشقي المقرئ المؤدب، روى لنا عن زينب بنت الخباز، ومات بطرابلس. ٤٥ - مسرور الحبشي المعروف بالشِّبلي، شيخ الخدام بالمدينة النبوية. مات معزولًا لعجزه.

стр. 850

٤٦ - يحيى بن عبد الله بن محمد بن محمد بن زكريا الغرناطي، أَبو بكر، كان إمامًا في الفرائض وشارك في الفنون، وصنَّف في الفرائض "كتاب المفتاح"، وولى القضاءَ ببلده، ومات في ربيع الأَول سنة ستٍ وثمانى مائة. ٤٧ - يوسف بن إبراهيم بن أَحمد الصفدى، كان شيخًا حسنًا منظما معتَقَدًا وله كلام على طريقة الصوفية. مات في ذى الحجة بصفد.

стр. 851

سنة سبع وثمانى مائة فيها أَوفى (١) النيل وزاد زيادةً حسنة وباشر الناصرُ كسْرَ الخليج بنفسه، ومُنِع الناس من الدّخول إلى بركة الرطلى في الشخاتير وعمل على رأْسها جسرا بقنطرة، وباشر (٢) ذلك باشباى فنسب إليه واستمر ذلك، وتراجع السِّعر كثيرا، ثم رجع عند التخضير فحصل (٣) الفناءُ في الصعاليك وغيرهم، ووقع الغلاءُ في كلِّ شيء حتى اشترى بعضُ الناس زوجَ إوزٍّ بأَلفٍ ومائتى درهم، وبلغ سعر الشيرخشك كل رطل بثلاثمائة درهم. وخرج من الإسكندرية خمس سفن ملأَى ناسًا هاربين من الغلاء فغرقوا أَجمعين. وفيها ظهر في الجانب الغربي من مصر وفى القليوبية على شاطئ النيل في الليل في المزارع شبيهُ الفيران، يشتعِل مِثْلَ المشاعل. وفى المحرم ولى سُوَيْدان واسمُه محمد بن سعيد (٤) الصالحي - نِسبةً إلى الملك الصالح صالح بن التنكزية - وكان أحد قراء الجوق بالقاهرة - حِسْبَتها عوضًا عن الهُوَى. وفى ثالث صفر (٥) صُرِف بدرُ الدين بن نصر الله عن نظر الخاصّ وأُعيدَ إلى فخرِ الدين بن غراب. * * * وفى أَوائلها أُشيع أَنَّ نائبَ الشام شيخ المحمودى عزم على الخروج عن الطاعة، فأَرسلوا إليه الأَمير طولو الذي كان أَميرَ الركب في العام الماضي ليكشفَ أَخباره، وفي الباطن

стр. 852

هو معه على هواه (١)، فقرَّر أَمرَه ورَجع سريعا، وكان (٢) النائب تلقاه وبالغ في إكرامه ورجع في ربيع الأَول. وفيها غلب جكم على حلب وهَرب دمرداش ثم غلب على حماه وحمص وأَطاعه خلق كثير من التركمان والعرب والترك، وكان شهما مهابا؛ فكاتَبَه الناصر يطلب منه الدخول في الطاعة وأن يُؤَمَّر على البلاد التي غَلب عليها فامتنع، ثم كاتَبَه نائبُ الشام ومَن معه فأَجاب إلى الدّخول معهم، ثم وقعت بين جكم وقرايلك التركماني وقعةٌ انتصر فيها جكم وأسروا قرايلك، وفرّ دمرداش في البحر إلى دمياط، فأُذِن له في دخول القاهرة فاستقر بها أحدَ الأُمراء، واستقرت قدم جكم بحلب وغَلب عليها في جمادى الأولى. وفى أَوّلها أَوقع نائبُ الشام بالعرب (٣) من بنى الغزاوى فهَدم دورَهم واستاق مالهم من أَنعامٍ، وكانوا قد هربوا منه لما قصدَ عجلون ظنا منهم أن ذلك ينجيهم منه، ففعل بهم ذلك فرجَعوا فطلبوا الأَمان. وفيها (٤) في ثالث جمادى الأُولى تزلزلت مدينة حلب وقت الظهر وكانت ساعةً مهولةً وضجّ الناس بالدعاء ثم سكنت، وانتشرت في عدّةٍ من تلك البلاد. ذكر لي ذلك القاضي علاء الدين. وفيها تعصّب أكثر الأمراء على يشبك واتَّفقوا مع النَّاصر أَن يَقْبِض عليه، فلما أَحسَّ (٥) بذلك جمع إخوته ومن أَطاعه (٦)، فوافقه تمراز ويلبغا الناصري وإينال حطب

стр. 853

وقطلوبغا الكركى وسودون الحمزاوى وطولو، وتَوثَّب على مدرسة حسن فصعد إليها لأنها كانت مجاورة بيته، ورَتَّبَ فيها آلات الحرب، ثم أَظهرَ الشقاقَ وأرادَ أَخْذَ المملكة، فقام عليه باقي الأُمراء فدامت الحرب بينهم أَياما من رابع جمادى الأولى إلى سابعه، ثم كانت الكسرة على يشبك وأَتباعه فهرب في الليل هو وأَكثر مَن أطاعه، وهرب معه سعد الدين بن غراب، واستمرَّت هزيمتهم إلى الشام فوصلوها في آخر جمادى الآخرة ودخلوا دمشق في أَول رجب، فتلقَّاهم نائبُ الشَّام وبَالغ في إكرامهم حتى قيل (١) إنَّ جملةٌ ما لزمه عليهم مائتا أَلف دينار، وكان شيخُ النائبُ قد أَخرج نوروز من قلعة الصُّبَيْبَة وأحسن إليه، ووَصل إليهم أَسن باى من صفد وكان مسجونا بها، ووصل إليهم قَنِبَاى العلائي الذي كان هرب من السّجن فأَرسَلوه إلى جكم فاستماله حتى مال معهم وتوجَّه إلى دمشق فتلقَّوه وأُنْزِل في الميدان، وأَرْسَل إليه شيخٌ بهدايا جليلة. ثم أُفْرِج عن قرا يوسف من السجن فركب معه جمع جمُّ من التركمان، وأَنْعمَ شيخٌ على نوروز بالدورة (٢) التي جرت العادة بها في بلاد الشام فحصّل جملةً مستكثرة. ولما فرٌ يشبك كان قد أُغْلِقت أَبوابُ القاهرة في هذه الفتنة أَيامًا ففُتحت وزاد الكلام ونقص، ثم استقرّ الأَمر وقُرِّر إينال بيه بن قجماس قريبُ السلطان أَتابكا، ويشبكُ بنُ أَزدمر رأْسَ نوبةٍ كبيرًا، وسودون المارداني في الدويدارية الكبرى؛ ووَصَل دقماق نائب حلب إلى دمشق بحسب تفويضه السلطان ذلك إلى اختياره والإذن له في المقام بأي بلدٍ شاء (٣). واستقر أَبوكم في نظر الجيش، وابن قَيْمَاز في الأُستادارية عوضًا عن ابن غراب، ثم صُرف أَبوكم واستقرّ بدرُ الدين بن نصر الله في ثاني عشرى جمادى الآخر، فكانت مدة أَبوكم في نظر الجيش عشرة أَيّام، ثم صُرف ابن البقرى عن الوزارة ونَظر الخاص

стр. 854

وأُضيفتا لابن نصر الله، وقُبض على ابن البقرى ثم صُرِفتا عنه ووليها ناصر الدين قريب ابن الطبلاوى في رمضان وكانَ قبل ذلك شادَّ الدواوين. وفى رابع رجب صُرِف [ركن الدين (١) عمر] ابن قماز من الأستدارية واستَقَرَّ جمالُ الدين يوسف ألبيرى أُستاداربيجاس. وفى شعبان أُفرج عن يلبغا السالمي أيضا من الإسكندرية وقدم في رمضان واستَقرَّ مشير الدولة (٢). ثم لما اجتَمعت الأُمراءُ على العصيان على الناصر هَرب منهم دقماق، واحتاج نائب الشام إلى الأَموال فأُخذ من التُّجار عشرة آلاف دينار، ومن الغوطة من كل بستانٍ: دينارَيْن، واستولى على كلّ شعيرٍ بدمشق. ولما استقرّ يشبك بدمشق كاتَبَ جكم فجَمع العساكرَ وجاءَ إلى دمشق، واجتمعت كلمةُ غالبِ النُّواب على ذلك، وخرج معهم قرا يوسف بمَن معه من التركمان، فاجتمع من لا يُحصى وأَنْفق فيهم نائبُ الشام شيخ من الأَموال ما لا يدخل تحت الحصر، وساروا أوّلا إلى صفد فحاصروها وبها بكتمر جلق فصالحوه، ثم تَوَجَّهوا جميعًا - بعد قدوم جكم - من الشام إلى مصر، وبلغ ذلك الأُمراء بمصر فتجهّزوا فخرجوا في ثامن ذي الحجّة، وكان يشبك - لما خرج على السلطان - أَرسل بالإفراج عن السّالمي فأُعيد إلى الإشارة فباشرها بشدةٍ عظيمة وسطوة، وصار الوزيرُ وغيرُه لا يقطعون أَمرًا دونه، وخلص من سجن الإسكندرية سودون من زاده والمشطوب وصُرُق، فاستقر سودون من زَاده حاجبًا كبيرًا، وصُرُق كاشفا، وجمالُ الدين - استادارُبجاس - في الأستادارية في شهر رجم من هذه السنة وأُضيف إليه كشف الوجه البحرى.

стр. 855

وخرج العسكر إلى الريدانية في الثاني من ذى الحجة، ثم ساروا إلى جهة الشام فلما انتهوا إلى منزلة السعيدية (١) في رابع عشر ذي الحجة وجدوا العسكر الشامى قد وصل وكانوا خرجوا من رمضان وهلمّ جرا، والتقى الجمعان ليلًا بغير تعبئة، فأَشار قرا يوسف على الشاميين بالمبيت على العسكر المصرى فدهمهم ما لم يكن في حسابهم، فانهزموا لا يلوى أحدٌ على أحدٍ إلى أَن انتهوا إلى القاهرة. وأما النَّاصر فأَركبه سودون طاز وغيره الهجن وشقَّ به البريَّة إلى أَن انتهى به إلى القلعة بعد معاناةٍ عظيمةٍ ومقاساةِ جهد بعد يأْسٍ شديد، واجتمع إليه من انهزم وتصافّوا وتهيّئوا للقتال، ووقع في القاهرة هرج عظيم، وغُلِقَتْ أَبوابُ البلد والدروب وانقطعت المعايش، وتباطأَ الشاميون بسبب النَّهب فأَخذوا من العسكر المصرى ما لا يدخل تحت الوصف من الأَقمشة والجمال والخيول، ووقع صُرق في قبضةِ نائِب الشام فضرب عنقَه صبرًا. ولما عزموا في الرَّحيل إلى جهة القاهرة استعجل جكم فالتمس منهم أَن يبايعوه بالسلطنة قبل دخول القاهرة، فأَنِفوا من ذلك واختلفت الكلمة، وكانوا قد حاصروا القلعة وكادوا أن يملكوا البلد، فراسلوا الناصرَ، فاقتضى رأْىُ شيخ ومَن وافقه الرجوعَ إلى الشام، واقتضى رأْىُ يشبك ومن وافقه الدخول إلى مصر خفية، واقتضى رأْى كراى ويلبغا الناصري وسودون الحمزاوى الدخولَ تحتَ طاعة الناصر فوصلوا إليه، وتفرَّق بقيةُ الناس فدخل أَكثرهم القاهرة خفية، ورجع جكم - لمّا رآى الخذلان - إلى جهة الشام حمية بمن تبعه، واستمرّت الهزيمةُ على الشاميين فتفرّقوا. ثم اجتمع جكم وشيخ وقرا يوسف ومن بقى معهم ببلبيس وتوجّهوا إلى جهة الشام، وأَرسل الناصرُ خلفهم جريدةً فوصلوا إلى بلبيس ورجعوا ولم يظفروا بطائل، ونُودى في

стр. 856

القاهرة علَى أَعيان الأُمراء الَّذين اختفوا، ثم سكن الحال واحتيط على موجود الأُمراء الهاربين، وقُرّر على مباشرى يشبك مائةُ أَلف دينار، وعلى مباشرى سودون الحمزاوي ثلاثون أَلفَ دينار، وكانت جملةُ مَن فرَّ مِن مماليك السلطان مائتي نفر، وصودر شمس الدين الحلاوى وعُصِرَ لأَنَّه كان مباشرًا عند يشبك، وسُلِّم الشيخ زينُ الدين القمني لشاد الدواوين لأَنه كان أَعان يشبك بقسيٍّ وسهام ومال. وسعى ابن غراب إلى أَن أَمَّنوه، فظهر هو وكثير من الأُمراء في العام الآتى، ثم ظهر يشبك وأُعيدت إليه وظائفه وعفا السلطان عنه، فيقال إن سبب ذلك أَن العسكر المصرى لما كبس رَكْب السلطان أَبصره يشبك وقد أَراد بعض المماليك أَن يقتله (١) فحماه منه إلى أَن نجا فرعى له ذلك. * * * وفي أواخر هذه السّنة سجن الأُمراء الذين استأْمَنوا إلى الناصر، وكان يشبك لما انهزم أرسل طولو إلى شيخ يخبره بأَمرهم ويستأْذن في قدومهم (٢) عليه، فأذِّنِ له وجَهّز له الإقامة، ثم تلقاه وترجّل له فترجّل يشبك أَيضا ودخل دمشق بمن معه في رابع رجب، ثم أرسل شيخُ خلْفَ نوروز فحضر إليهم من الصُّبَيْبَة وكان مُعْتَقَلا بها (٣)، وكذلك حضر دُقماق نائبُ حلب، وأَفرَج شيخ عن قرا يوسف وكان مُعتَقَلا بقلعة دمشق، وأَنفق فيهم ما يزيد على مائتي أَلف دينار، وراسله بكتمر جلق نائب صفد بأَنه موافقهم. * * * واتَّفق خروج المحمل فركب (٤) في موكب جليل، وركب معه جميع الأُمراء القادمين وهم: يشبك وسودون الحمزاوى وجَركس المصارع وتمراز وقطلوبغا الكركي وإينال خطط ويلبغا

стр. 857

الناصرى وابنُ غراب وابنُ سنقر في آخرين. ثم قدم (١) عليهم جكم فوافقهم بعد أَن كان اجتاز بحلب، ففرَّ منه دمرداش، ثم سار بالعساكر من الشام وخلَّف بدمشق تمراز ويلبغا الناصري وجماعة معهما، وانضمَّ إلى شيخ أَحمدُ بنُ بشارة بعشيره، وعيسى الكابولى بعشيره، والتركمانُ مع قرا يوسف، ونزلوا كلُّهم على صفد، فأَرسلوا قاضيَ العسكر تقيَّ الدين يحيى بن الكرماني إلى بكتمر يدعونه إلى الموافقة فلم يقبل، فحاصروه إلى أَن طلب الأَمان، وخَرُبَت في هذه المرة صفد خرابًا شنيعًا؛ ثم إنهم رجعوا إلى دمشق وأَعطى شيخُ للأَمير نوروز الدورة (٢) في بلاد حوران والرملة، فغَدر به وتوجَّه إلى القاهرة ومعه جماعةٌ فدخلوا في طاعة الناصر، وقُطعت الخطبة من دمشق للناصر، ثم أُفرِج عن أحمد بن أُويس من (٣) الاعتقال. وخرجت العساكر من دمشق في يوم الاثنين ثامن عشر ذي القعدة إلى قبة يلبغا، وخلف بدمشق سودون الظريف وتَقَدَّم الجاليش ثم تبعه بقية الأمراء. ففرّ منهم دقماق إلى صفد، ولما وصلوا غزة استنابَ فيها أَلطنبغا العثماني، واستناب بالقدس الشهابَ بن اليغمورى، فوصلوا إلى الصالحيّة يوم التروية، فاستولوا على ما كان للسلطان بها من الإقامة، فلما دَخل من الصالحية أَخبر بأَنَ السلطان جمع العساكر ونزل ببلبيس ثم التقت كشافةُ الفريقين، ثم نزل الناصرُ بعساكره السعيديّة، ونزل شيخ بمَن معه قريبا، فلما جنّ عليهم الليل كبّسهم شيخ ومن معه فانعكس عسكر الناصر وقاموا لا يلوى أحدٌ على أَحدٍ من الدهشة وانهزموا، فنجا الناصر بنفسه مع الهجّانة إلى بلبيس ثم إلى قلعة الجبل، واستولى شيخ على الخليفة والقضاة وجماعةٍ من الماليك والأمراء، ثم ركب بمن من معه إلى أَن وصل إلى الريدانية ووقف عند تربة الظاهر وما بقى إلا الظفر، فاختلفت الآراءُ فيمن يكون سلطانًا، فَتَنَمَّر لهم حكم وصرّح بإرادة السلطنة فأَنفِوا من ذلك، ففرَّ خلْقٌ كثير إلى الناصر وطلبوا الأَمان، منهم إينال حطط وجمق ويلبغا الناصري وسودون الحمزاوي.

стр. 858

ودخل يشبك ومن معه وطائفته ليلًا إلى القاهرة فتوزعوا في البيوت، ورَجعَ شيخ ومَن معه لما رأَوا ذلك إلى دمشق، وخلص الخليفة والقضاة وغيرهم فتوجّهوا إلى منازلهم، وذلك بعد أَن وقع القتال بينهم تحت القلعة من جهةِ دارِ الضيافة، فحاصر إينال حطط وجمق وأَسن بيه ويلبغا الناصري والحمزاوى. وقُتل في هذه الكائنة صُرق، وأُسِرَ معهم من الخليقة والقضاة والجند، ثم أَمرَ السلطانُ بحبس الأُمراء الذين خامروا بالإسكندرية. ولما فرّ الأمراء أُحيط على موجودهم، فقُرر على مباشرى يشبك: مائةُ أَلف دينار، وعلى مباشري سودون الحمزاوى: ثلاثون ألفًا، وكان جملةُ مَن فرَّ من المماليك مائتي نفسٍ من المُنَزَّلين في ديوان السلطان. * * * وفى أَول هذه السنة حاصر دمرداش نائبُ حَلب - أَنطاكيةَ وبها فارسُ بن صاحب الباز التركماني وأَقام مدة ولم يظفر منها بطائل، وكان جكم مع فارس فتوجّه جكم بعده إلى طرابلس فغَلب عليها وطَرد عنها نائبهَا وهو شيخ السليماني، ثم توجّه إلى حلب فنازلها دمرداش - وذلك في شعبان - فالتقيا وجرى بينهما قتالٌ كبير، فانكسر دمرداش وخَرَج من حلب فركب البحْر إلى القاهرة وملكها جكم، ودخل من باب أنطاكية، ثم خرج إلى جهة أَلبيرة فقطع الفرات وأَوقع بالتركمان وغلبهم وأَسر منهم جمعا كثيرا، ورجع في سلخ شعبان ثم توجّه إلى طرابلس ثم إلى دمشق. وفيها في جمادى الأُولى زلزلت مدينة حلب زلزلةٌ عظيمةٌ ففزع الناس لها ولجأُوا إلى الله تعالى فسكنت، ثم عاودت مرارًا ولم تُفْسِد شيئًا ولله الحمد. * * * وفيها توجه شهاب الدين بن كيدغدى رسولًا إلى اللنك من المصريين واتفقت وفاتُه بحلب في ليلة السبت رابع عشر ربيع الآخر من هذه السنة، وكان الغلاءُ قد اشتدّ بها فخرجوا

стр. 859

إلى الاستِسقاء فاستسقوا في شهر رجب، فخطب فيهم في اليوم الثاني أَبو زرعة بنُ القاضي شرف الدين الأَنصاري، ثم عادوا في الثالث فخطب بهم شمسُ الدين بنُ الحداد الطوخي، فلما انصرفوا حصل مطرٌ ولكن غير غزير، لكنهم استبشروا به، ثم جاء المطر بعد ذلك. * * * وفي هذه السنة نودى على الفلوس بأَن يُتعامل فيها بالميزان وذلك في شعبان، وسُعّرت: كل رطلٍ بستة دراهم، وكانت فسدت إلى الغاية بحيث صار وزن الفلس ربع درهم بعد أَن كان مثقالا. وفى يوم عيد النحر -والعسكرُ خارجَ البلد- أَمَر السالمي أن يُنَادى على الفلوس كلُّ رطل بأَربعة دراهم، فحصل للناس من ذلك تشويشٌ عظيم وأَكثروا الدعاء عليه، فبلغ ذلك السلطان فكاتب السالميَّ بالمنع من ذلك وأَمر بإعادة الفلوس إلى ستةٍ: كلُّ رطل. ثم أَرسل السلطان بإمساك السالمي ليلةً كُبِس السلطان بالسعيدية، ثم سُجِن بالإسكندرية في نصف ذى الحجة بعد أَن سلَّمه السلطانُ لجمال الدين فعوقب ضربًا بالعصى بسبب أنه كاتب السلطان أن حصَّل له ثلاثة آلاف دينار فطُلبت منه، وفى سابع عشر ذي الحجة نقل إلى دمياط. وفى تاسع عشر ذي الحجة - بعد استقرار السلطان بمملكته وظهورِ ابنٍ غراب - أُعيد أَخوه فخر الدين إلى الوزارة ونظر الخاص. وفى الرابع والعشرين من ذى الحجة استقر نوروز في نيابة الشام، ووصل شيخ وجكم وقرا يوسف إلى الشام في ثامن عشرى ذى الحجة، واستمر بكتمر الجركسي في نيابة صفد، وسعدُ الدين بنُ غراب مشيرًا ولَبس بزىً الأُمراء حينئذ، واستمر جمالُ الدين في الأستادارية. وفى ذي الحجة هرب أَحمد بن أويس من دمشق إلى جهة بلاده وكان النائبُ قد أَطلقه من السجن فخشي أَن ينكسروا فيُقبَض عليه فهرب.

стр. 860

وفيه أُحْدِثَ بمكة قاضيان: مالكي وحنفى، فالحنفى: شهابُ الدين أحمدُ بنُ الضياء محمد بن محمد بن سعيد الهندى، والمالكيُّ: المحدّثُ تقيّ الدين محمدُ بنُ أَحمد بن علي الفاسي وذلك بعناية السالمي، وكنتُ مِمَّن ساعد الفاسيَّ في ذلك. * * * وفى أَولها وصل اللنك إلى سمرقند واستقبله ملوك تلك البلاد وقدّموا له الهدايا، وأُمر بعد قدومه بتزويج ولده شاه رخ وعمل له عرسًا عظيمًا بلغ فيه المنتهى، وراعى وصيةً ابن عثمان في التتار فاستصحبهم معه في جملة العسكر إلى أَنْ فرّقهم في البلاد ولم يجعل لهم رأْسا فتمزَّقوا، ثم عَزم اللنك على الدّخول إلى بلاد الخطا فأَمر أن يُصنع له خمس مائة عجلة وتُضَبَّب بالحديد، وبرز في شهر رجب ورحل إلى تلك الجهة، فلما وصل إلى أَتْرَار (١) فجأَه الأَمر الحقّ فوعك واستمر في توعكه أَياما ولم ينجع فيه الطب إلى أَن قُبِض في سابع عشر شعبان وحُمل حينئذ إلى سمرقند. * * * وفيها في جمادى الأولى جُهزت بنت تنم - وهى أُخت الناصر لأمه - إلى الشام وتلقاها زوجُها نائبُ الشام شيخُ فدخلت في جمادى الآخر، فدخل بها وأَوْلدَها ومات عنها وتزوجت بعدَه بعضَ الأمراء الصّغار، وماتت في عصمته سنة ستٍ وثلاثين. وفى ثامن عشرى جمادى الآخرة صُرف جلال الدين البلقيني من قضاء الشافعية واستقر شمس الدين الإخنائى وهى الثّالثة للإخنائى، ثم صُرف الإخنائي في ثالث عشري ذي القعدة واستقر جلال الدين وهى الرابعة له، وصُرف جمال الدين البساطي عن قضاء المالكية واستقرَّ وليُّ الدين بن خلدون في حادى عشر رجب ثم صُرف في أَواخر ذي القعدة واستقر جمال الدين بن مقداد الأُقفهسى. وفى أَول يوم من المحرم صُرف أَبو العباس الحمصي عن قضاء دمشق، وكان قبيح السيرة متجاهرا بأَخذ الرشوة، وولى علاء الدين بنُ أَبي البقاء. وفى صفر وصل عبد العزيز البغدادى من القُدس فعُقد له مجلسٌ مع الباعوني، فزعم

стр. 861

عبد العزيز أنه قَطع عليه الطريق وأَخذ قماشه ونَهب ما معه من الورق والمستندات، فادّعى عليه الباعوني أَنه حكم عليه بما حكم به مع ثبوت العداوة بينهما، وكان قد أثبت ذلك على قاضي القدس الشافعي ونفذها له المالكي بدمشق، فأَنكر عبد العزيز العداوة فحكم عليه المالكي بثبوتها عنده، واقتضى الحالُ تعزيره فعُزِر فكَشَف رأْسه، ثم توجه المذكور إلى بغداد فأَقام بها وولى قضاءَها، وكان ما سنذكره. وفيها مات الطاغية تمرلنك الخارجى في سابع عشر شعبان بعلة الإسهال القولنجى وله تسع وسبعون سنة، وكان نصِفُه بطالا، وقد أَباد البلادَ والعباد، وأكثر في الأرض الفساد، ولم يكن له في عراق العجم منازع، ثم ملك عراقَ العرب ودخل البلادَ الشامية فملكها إلا اليسيرَ منها، ثم دخل الرومَ فحارب المسلمين بها، وترك الفرنج، ودخل الهند قبل ذلك فحارب المسلمين بها وترك الكفار، وعَزَم في آخر عمره على الدّخول إلى الصين فمصى في الشتاء فهلك من عساكره أُمم لا يحصون فرجع إلى سمرقند، فأَخذه أَسْرُ البول فتمادى به حتى هلك بالقولنج وأَراح الله منه. وفى أَواخر هذه السنة وعك السلطانُ إلى أَن أشرف على الموت، ثم فرج الله تعالى عنه وتعافى. * * * ذكر من مات في سنة سبع وثمانمائة من الأعيان ١ - أحمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد الأنصاري أبو اليسر، محيى الدين بن تقي الدين بن نور الدين الصائغ الدمشقى نزيل الصالحية، وُلد سنة تسعٍ وثلاثين في جمادى الآخرة، وسمع من الوادى آشى وأَحمد بن علي الجزري وزينب بنت الكمال بعنايةِ أَبيه فأَكثر، وسمع من زين الدين بن الوردي، وعنى بالأدب والتاريخ، وطلب بنفسه وكتب الطباق، وتخرّج بابن سعد وتفرد بأَشياءَ سمعها وكان حسن المذاكرة. سمعْت منه بدمشق وكان عسرا في الرواية. مات في شهر رمضان.

стр. 862

٢ - أحمد بن كَنْدَ غُدِى (١) التركي أَحد الفضلاء المهرة من الحنفيّة، اشتغل في عدة علوم وفاق فيها، وكان قد اتَّصَل بالملك الظاهر [برقوق] في أَواخر دولته ونادمه، ثم توجّه رسولا من ولده الناصر [فرج] إلى تمرلنك في أَواخر سنة ستٍ فقُدِّرَت وفاتُه بحلب في ربيع الأَول هذه السنة في الرابع عشر منه، أَرّخه البرهان المحدث وأَثنى عليه "بالعلم والمروءة ومكارم الأَخلاق"، يرحمه الله تعالى. لقيتُه مرارًا وسمعت من فوائده، وقرأَ عليه صديقنا مجدُ الدين بنُ مكانس "المقامات" فكان يجيد تقريرها على ما أخبرني به المجد، وقال القاضي علاء الدين بن خطيب الناصريّة في تاريخه: "كان عالمًا ديّنًا، تمرضٌ لما دَخل إلى حلب (٢) فعزم على الرجوع فأَدركه الأَجل المحتوم [بها] في شهر ربيع الأَول ودُفن (٣) خارج باب المقام، وقد جاوز الستين". ٣ - أنس بن علي بن محمد بن أَحمد بن سعيد بن سالم الأنصارى، أَبو حمزه الدمشق، سمع بعناية قريبه صدر الدين إمام المشهد بن عبد الله بن القيّم، واستجاز له [أبو الحرم] القلانسي وغيره، وطلب بنفسه فَسمع من جماعةٍ من أَصحاب القاضي سليمان فمَن بعدهم، وقرأَ بنفسه وانتقى على بعض الشيوخ. وكان متيقظًا نبيهًا عارفًا بالوثائق والأَدبيات مع المروءة والديانة، وكان في بدايته بزيّ الأجناد ثم لبس زى الفقهاء. مات في رجب وله ثمان وخمسون سنة، سمعتُ منه قليلًا وكتب عنّى من نظمى، وسمع معى كثيرا وأَفادني.

стр. 863

٤ - أَبو بكر بن داود بن أَحمد الحنفى الدّمشقى أَحدُ الفضلاء في مذهبه، ناب في الحكم ودرّس. مات في جمادى الأولى. ٥ - تاج بن محمود بن [تاج الدين (١) العجمى] الأَصفهيدي، الشيخ تاج الدين العجمي، نزيل حلب، قدم من بلاد العجم حاجًا ثم رجع فسكن في حلب بالمدرسة الرواحية وأَقرأَ بها النحْو، ثم انثالت عليه الطلبة فلم يكن يتفرغ لغير الاشتغال بل يُقرئ مِن بعد صلاة الصبح إلى الظهر بالجامع [الكبير]، ومن الظهر إلى العصر بجامع منكلي بغا، ويجلس من العصر إلى المغرب بالرواحية للإفتاء. وكان عفيفًا ولم يكن له حظ، ولا يطَّلع على أَمر من أُمور الدنيا، وأُسر مع اللنكية فاستنقذه الشيخ إبراهيم صاحب شماخي (٢) وأَحضره إلى بلده مكرما فاستمر عنده إلى أَن مات في ربيع الأول. أَخذ عنه غالب أَهل حلب وانتفعوا به، وقد شرح "المحرّر" في الفقه، وأقرأَ "الحاوى"، قرأتُ بخط القاضي علاء الدين في تاريخه: "سأَلتُه عن مولده في سنة إحدى وثمانى مائة فقال: لي الآن إثنتان وسبعون سنة". ٦ - تيمورلنك بن ططرخان الجقطاى، قدَّمْتُ أوليَّتَه في أول هذا المجموع (٣)، كان من أَتباع طقتمش خان آخر الملوك من ذرية جنكزخان، فلما مات وقُرر في السلطنة ولده محمود استقر تيمور أَتابكه وكان أعرج "وهو اللنك" بِلُغَتِهم فعُرف بتمر (٤) اللنك، ثم خفِّف فقيل نمرلنك، وتزوج أَم محمود وصار هو المتكلم في المملكة، وكانت له همة

стр. 864

عالية وتَطَلُّعٌ إلى الملك، فأَول ما جمع عسكرا ونازل بُخارى وانتزعها من يد أَميرها حسن المغلى، ثم نازل خوارزم فاتفق وفاةُ أَميرها حسن الصوفى المغلى، واستقرّ أَخوه يوسف فانتزعها اللنك أَيضا، ولم يزل إلى أَن انتظم له ملكُ ما وراء النهر، ثم سافر إلى سمرقند وتملَّكها، ثم زحف إلى خراسان فملك هراة، ثم ملك طبرستان وجرجان بعد حروبٍ طويلة سنة أربع وثمانين [وسبعمائة] فنجا صاحبها شاه وتعلَّق بأَحمد بن أويس صاحبٍ العراق، فتوجه اللنك إليهم فنازلهم بتبريز وأَذربيجان فهلك شاء في الحصار وملكها اللنكُ ثم ملك أَصبهان. وفى غضون ذلك خالف عليه أميرٌ من جماعته يقال له "قمر الدين" وأَعانه طقتمش خان صاحب صراى، فرجع إليهم ولم يزل يحاربهم إلى أَن أَبادهم واستقل بمملكة المغل، وعاد إلى أصبهان سنة أربع وتسعين [وسبعمائة] فملكها، ثم تحول إلى فارس وبها أَعيان بنى المظفر فملكها، ثم رجع إلى بغداد سنة خمسٍ وتسعين فنازلها إلى أَن غَلب عليها، وفَرّ أحمد بن أويس صاحبُها إلى الشام. واتصلت مملكة اللنك بعد بغداد بالجزيرة وديار بكر، فبلغت أَخباره الظاهر برقوق فاستعدّ له وخرج بالعساكر إلى حلب، فرجع إلى أَذربيجان فنزل بقرا باغ، فبلغه رجوع طقتمش إلى صراى، فسار خلفه ونازله إلى أَن غلبه على مملكته في سنة سبع وتسعين [وسبعمائة]، ففرّ إلى ذلغادر وانضم عسكر المغل إلى اللنك، فاجتمع معه فرسان التتر والمغل وغيرهم، ثم رجع إلى بغداد، وكان أَحمد فرّ منها وعاد إليها فنازلها إلى أَن ملكها، وهرب أحمد ثانيًا فساروا إلى أَن وصلوا إلى سيواس فملكها، ثم حاصر بَهَسْنا (١) مدةً وبلغ ذلك أَهل حلب ومَن حولها فانجفلوا، ونازل حلب في ربيع الأَول فملكها وفعلوا فيها الأَفاعيلَ الشنيعة،

стр. 865

ثم تحوّل إلى دمشق فسار من حلب في ربيع الآخر فكان من أَمْرِ الناصر ورجوعِ العساكر إلى مصر ما تقدم. وتقدم من دمشق في شعبان، فلما كان في سنة أربع وثمانى مائة قصد بلاد الروم فغَلب عليها وأَسَر صاحبها ومات في الاعتقال. ودخل الهندَ فنازل مملكة المسلمين حتى غلب عليها، وكان مغرىً بغزْوٍ المسلمين وتَرْكِ الكفار، وصَنَع ذلك في بلاد الروم ثم في بلاد الهند. وكان شيخًا طوالا شكلًا مهولًا طويلَ اللحية حسنَ الوجه بطلًا شجاعًا جبارًا غشومًا ظلومًا سفاكًا للدماء مقدامًا على ذلك، وكان أعرج شُلت رجله في أَوائل أَمره، وكان يصلى عن قيام، وكان جهيرَ الصوت، وكان يسلك الجدّ مع القريب والبعيد ولا يحب المزاح، ويحب الشطرنج وله فيها يد طولى، وزاد فيها جملًا وبغلًا، وجعل رقعته عشرة في أَحد عشر، وكان فيه ماهرًا فكان لا يُلاعبه إلا أفراد. وكان يقرّب العلماءَ والصلحاءَ والشجعان والأشرافَ ويُنْزِلهم منازَلهم، ولكن مَن خالف أَمره أَدنى مخالفةٍ استباح دمه، فكانت هيبتُه لا تدانى بهذا السبب، وما أخرب البلاد إلّا بذلك، فإنَّه كان من أَطاعه مِن أَوّل وهلةٍ أَمِن، ومن خالفه أَدنى مخالفةٍ وهى. وكان له فكرٌ صائب ومكائدٌ في الحرب عجيبةٌ، وفراسةٌ قلَّ أن تُخطْئ، وكان عارفًا بالتواريخ لإدمانه على سماعها لا يخلو مجلسه عن قراءة شيء منها سفرًا وحضرا، وكان مُغرًى بمن له معرفة بصناعةٍ ما إذا كان عارفًا بها، وكان أميًا لا يحسن الكتابة، وكان حاذقا باللغة الفارسية والتركية والمغلية خاصةً، وكان يقدم [شريعة] جنكز خان ويجعلها أصلًا ولذلك أفتى جمعٌ بكُفْره مع أَن شعائر الإسلام في بلاده ظاهرة. وكان له جواسيس في جميع البلاد التي ملكها والتي لم يملكْها، وكانوا ينهون إليه الحوادث الكائنةَ على جليّتها ويكاتبونه بجميع ما يروم، فلا يتوجّه إلى جهة إلّا وهو على

стр. 866

بصيرةٍ من أَمرها، وبلغ من دهائه أَنه إذا أَراد قصْدَ جهةِ جمعَ أَكابر الدولة وتشاوروا إلى أن يقع الرأْىُ على التوجّه في الوقت الفلاني إلى الجهة الفلانية، فيكاتب جواسيسَ تلك الجهات فتأْخذ تلك الجهة المذكورة حِذْرَها ويأمن غيرُها، فإذا ضُرب النفير وأَصبحوا سائرين ذات الشمال عرّج بهم ذات اليمين فإلى أَن يصل الخبر الثاني دَهَم هو الجهة التي يريد وأَهلها غافلون. وكانَ أنشأ بظاهر سمرقند عدةً بساتين وقصورًا عجيبةً فكانت من أَعظم النزه، وبنى عدة قصباتٍ سمّاها بأَسماء البلاد الكبار كمصر ودمشق وبغداد وشيراز. ولما مات كان له من الأَولاد أَميرزاه، وشاه رخ، وبنتٌ له اسمها سلطان تخت، وكان له ثلاث زوجات، ومن السراري شيء كثير. وكان يجمع العلماء ويأْمرهم بالمناظرة ويَعْنتهم في المسائل، وأخبارُه مطولة. ٧ - حرمى بن سليمان الببائى ثم القاهرى، وُلد قبل الخمسين وتفقَّه قليلًا، وسمع من الشيخ شهاب الدين بن خليل وغيرِه، وناب في الحكم ودرَّس بالشريفيّة، وولى الإعادة بالمنصورية، نزل له عنها بعض العجم، وفى ذلك يقول الشاعر: قالوا تولَّى الببائي معْ جَهَالته … وكان أَجهلَ منهُ النَّازِلُ الْعَجَمِي فأَنشدَ الجَهْلُ بيتًا لستُ أنكْرهُ: … ما سِرتُ من حَرَم إِلّا إلى حَرَمَى واتفق أن جركس الخليلي غضب على شاهدٍ عنده مرّة فصرفه واستخدم عنده "حرمى" هذا فنقم عليه فأَنشده: "ما سرت من حرم إلا إلى حرمى" وأشبع الراء فعُدّ ذلك من نوادر، الخليلي. مات [حرمى] في رمضان (١) وقد جاوز الستين.

стр. 867

٨ - عبد الله بن عمر بن علي بن مبارك جمال الدين أَبو المعالي الهندي السعودي الأَزهرى المعروف بالحلّاوى، بمهملة ولام خفيفة، أُسْمِع الكثيرَ من يحيى بن يوسف المصرى (١) وأحمد بن علي المتبولى وإبراهيم بن علي الخيمي (٢) وجمعٍ جمٍ من أَصحاب النجيب وابن علاف وابن عبد الدايم فأَكثر، وكان ساكنًا خيّرًا صبورًا على الإسماع قلَّ أَن يعتريه نعاس، قرأتُ عليه "مسند أَحمد" في مدةٍ يسيرةٍ في مجالس طوالٍ، وكان لا يضجر. وكان جدّه الشيخ مباركُ معتقدًا، فبنى له بالأبارين بقرب الجامع الأَزهر زاويةً يسكن فيها أَولاده، وكانت موعدًا لإسماع المشايخ فلذلك كثرت سماعاتُ شيخنا، وأَكثر ما حدَّث به عن أصوله، وفى الجملة لم يكن في شيوخ الرواية من شيخوخنا أحسنَ أداءً ولا أصغى للحديث منه، مات في صفر وقد قارب الثمانين لأَنّ مولدَه في وسط سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة. ٩ - عبد الله بن عمر المدني التَّواتِي (٣)، كان من أَهل الخير والصّلاح وأَقام بالمدينة مجاورا إلى أن مات، وكان يتردّد إلى مصر والشام. مات بالقاهرة. ١٠ - عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إدريس بن نصر النَّحْرِيري، جمال الدين المالكي، وُلد سنة أَربعين واشتغل بالعلم بدمشق وبمصر، وحَصَّل وسمع من الظهير بن العجمي وشمس الدين محمدِ بن حسن الأَنفى وغيرِهما، ثم ناب في الحكم بحلب، ثم ولى قضاء حلب سنة سبع وستين فبعث إلى القيام مع ابن أَبي الرضا على الملك الظاهر، وقدم مرسوم الظاهر إلى حلب بإمساكه، وذلك بعد أَن رجع الظاهر من حلب بعد قتل الناصري، فأَحسّ بذلك فخشى منه فهرب إلى بغداد فأَقام بها على صورةِ فقير، فلم يزل

стр. 868

هناك إلى أَن وقعت الفتنة اللنكية ففرَّ إلى تبريز، ثم تحوّل إلى حصن كيفا فأَكرمه صاحبها فأَقام عنده. وكان قد سمع الكثير من أَصحاب الفخر، وكانت على ذهنه فوائد حديثيّة وفقهية، وكان يحب الفقهاء الشافعية وتُعْجِبُه مذاكراتُهم، ثم رجع من الحِصن إلى حلب فدخلها في صفر فحدّث بها وأَقام بها أَياما، ثم توجّه إلى دمشق سنةَ ستٍ فحجّ ثم رجع قاصدا الحصن، فلما كان بسرمين (١) مات في بكرة يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأَول. قرأت بخط قاضي (٢) البلاد الحلبية القاضي علاء الدين في تاريخها: "كان إمامًا فاضلًا فقيهًا، يستحضر كثيرًا من التاريخ ويستحضر مختصر ابن الحاجب في الفقه، وكان يحب العلم وأَهله، وكان من أعيان الحلبيين". وقرأْتُ بخط البرهان المحدث بحلب أَنه سأل نور الدين بن الجلال عن فَرْعين منسوبين للمالكية فلم يستحضرهما وأَنكر أَن يكونا في مذهب مالك، فذكر [التحريرى] أَنهما يخرجان من كلام ابن الحاجب الفرعي. ١١ - عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن لاجين الرشيدي، سمع الميدومى وابن الملوك وغيرهما، وكان يلازم قراءة "صحيح البخارى"، وسمعنا بقراءاته، وكان حَسَنَ الأَداء، وسمعْتُ منه من "المعجم الكبير"، أَجزاءَ. مات في رجب وقد جاوز السبعين بأشهر (٣). ١٢ - عبد الكريم بن أَحمد بن عبد العزيز النستراوى الأَصل المصرى، وُلد في ربيع الأَول سنة ستٍّ وثلاثين، وتنقلت به الأَحوال في المباشرات إلى أَن ولى نظارة ديوان الجيش، ثم عُزل واستمر خاملا إلى أَن مات، وكان قد أُسمع من جمال الدين بن نباتة

стр. 869

وعمِّه بدر الدين [حسن] بن عبد العزيز وابن البورى بالإسكندرية، وكان مُحبًّا في الصالحين وفى أَهل الخير. اختل حاله في آخر عمره ومات فلم يُخْلف إلا نزرًا يسيرًا، إلا أَنه لم يخلف عليه دَينا فشابَه عمَّه من جهةٍ وفارقه من جهة، فإن عمّه مات وخلَّف دينا كثيرا وتركة زوجته فجاءَ ما تحصّل من تركة زوجته من نصيبه بقدر وفاء دَيْنه، وهذا (١) لما مات لم يخلف إلّا ستمائة درهم فأخرج بها ولم يخلف فرسًا ولا حمارا ولا دارًا إلا قليلًا من الثياب الملبوسة وأَثاثًا يسيرا، وخلَّف خمسَ بنات وزوجةً وابنَىْ أخ فلم تبلغ تركته إلا شيئًا يسيرًا، وهو جَدّ أَولادى لأُمهم، مات في آخر ربيع الأَول. سمعت منه قليلا. ١٣ - عبد المنعم (٢) بن سليمان بن داود، الشيخ شرف الدين البغدادي الحنبلي، وُلد ببغداد واشتغل بها وتفقَّه ومهر وأَفتى ودرّس، وصحب تاج الدين السبكي وغيرَه، وأَخذ الفقه من الموفَّق الحنبلي، وتعين للقضاء غير مزة فلم يتفق ذلك، وكان صاحبَ نوادر وفكاهة، وقد درّس للحنابلة بالمنصورية وإفتاء دار العدل، ثم دخل القاهرة فاستوطنها وولى تدريسَ الحنابلة بالمنصورية، وافتاء أُمِّ الأَشرف بعد حسين النابلسي سنة اثنتين وسبعين، ومات في شوال. ١٤ - عبيد الله بالتصغير [بن عوض بن محمد] بن عبد الله الأَردبيلي (٣) جلال الدين الحنفي، لقى جماعةً من الكبار بالبلاد العراقية وغيرها، وقدم القاهرة فولى قضاءَ العسكر ودرَّس

стр. 870

بمدرسة أم الأَشرف بالتبانة وغير ذلك، وكانت لديه فضيلةٌ في الجملة. مات في أَواخر شهر رمضان (١). ١٥ - على بن عمر بن علي الأَنصارى نور الدين بن شيخنا سراج الدين بن الملقن، وُلد سابع شوال سنة ثمانٍ وستين، وتفقَّه قليلا وسمع من أَبيه وبعضِ المشايخ بالقاهرة، ورحل مع أَبيه إلى دمشق وحماه فأَسمعه هناك، ثم ناب في الحكم ودرَّس بمدارس أَبيه بعده، وكان عنده سكون وحياء، وتمَوَّل في الآخر وكثرت معاملاته. مات في شعبان. ١٦ - على بن محمد بن محمد بن وفاء، أَبو الحسن الشاذلي الصّوفى، وُلد بالقاهرة سنةً تسعٍ وخمسينَ وسبعمائة، وكان يقظًا حادَّ الذهن، اشتغل بالأَدب والوعظ وحصل له أتباع وأَحدثَ ذكرا بألْحان وأَوزان تَجْمَع الناسَ عليه، وكان له نظمٌ كثير واقتدارٌ على جَلْب الخلْق مع خفَّةٍ (٢) ظاهرة، واجتمعت به مرةً في دعوةٍ فأَنكرْتُ على أَصحابه إيماءَهم إلى جهته بالسجود، فتلى هو في وسط السماع وهو يدور "فأَينَمَا (٣) تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ"، فنادى من كان حاضرا من الطلبة: "كفَرْتَ كفرْتَ!! " فترك المجلس وخرج هو وأَصحابه. وكان أَبوه مُعجبا به وأَذن له في الكلام على النَّاس وهو دون العشرين، وكان أَكثر إقامته بالرّوضة قريب المشتهى. ومات بها في ذى الحجة، وله من التصانيف "الباعث على الخلاص في أَحوال الخواص" و "الكوثر المترع من الأَبحر الأَربع" (٤) وشعرِه ينعق

стр. 871

بالاتحاد المفضى إلى الإلحاد، وكذا نَظْمُ والده (١)، وفى أَواخر أَمره نَصَب في داره منبرًا وصار يصلى الجمعة هو ومَن يصاحبه مع أَنه مالكيّ المذهب يرى أَن الجمعة لا تصحّ في البلد - ولو كبر - إلا في الجامع العتيق؛ وله ديوانُ شعر وموشحاتٌ وفصول ومواعظ، ومن شعره: أنا مَكْسُورٌ وأَنْتُمْ أَهْلُ جَبْر … فارْحَمُو بي فَعَسَى يُجْبَرُ كَسْرِي باكرَامَ الحَيِّ يَا أَهْلَ العَطَا … انْظُرُوا لِي واسْمَعُوا قِصَّةَ فَقْرِى ١٧ - على بن أبي بكر بن سليمان بن أَبي بكر بن عمر بن صالح الهيثمي (٢)، الشيخ نور الدين أَبو الحسن، وُلد سنة خمسٍ وثلاثين وصَحِبَ الشيخَ زينَ الدين العراقي وهو صغير فسمع معه من ابتداء طَلَبه على أبي الفتح الميدومى وابن الملوك وابن القطرواني وغيرِهم من المصريين، ومن ابن الخباز وابنِ الحموى وابنِ قيِّم الضيائية وغيرِهم من الشاميين، ثم رحل معه جميعَ رحلاته وحَجّ معه جميع حجاته، ولم يكن يفارقه حضرا ولا سفرا، وتزوج ابنتَه (٣) وتخرّج به في الحديث وقرأَ عليه أَكثر تصانيفه، وكتب عنه جميعَ مجالس إملائه، وخرّج زوائد الكتب الستة: مسند أَحمد والبزاز وأَبي يعلى ومعاجم الطبراني الثلاثة مفردات، ثم جمعها في كتابٍ واحدِ محذوفِ الأَسانيد (٤)، وجمع "ثقات ابن حيان" فرتَّبها على حروف المعجم، وكذلك "ثقات العجلي"، ورتب "الحلية" على الأَبواب، وصار كثير الاستحضار للمتون جدًّا لكثرة الممارسة. وكان هيّنًا ليّنًا ديّنًا خيرًا محبًّا في أهل الخير لا يسأَم ولا يضجر من خدمة الشيخ (٥) وكتابةِ الحديث، وكان سليمَ الفطرة كثيرَ الخير كثيرَ الاحتمال للأَذى خصوصا من جماعةِ الشيخ

стр. 872

قرأتُ عليه الكثير قرينًا للشيخ، ومما قرأْت عليه بانفرادٍ نحو النصف من "مجمع الزوائد" له، ونحو الربع من زوائد "مسند أَحمد" و "مسند جابر" من مسند أَحمد وغير ذلك، وكان يودّنى كثيرًا وشهد لي بالتقدّم في الفن، جزاه الله عنِّى خيْرًا. وكنتُ قد تتَبّعْتُ أَوهامه في كتابه "معجم الزوائد" فبلغني أَن ذلك شقَّ عليه فتركتُه رعايةً له، كانت وفاته في شهر رمضان. ١٨ - عيسى بن حجاج [بن عيسى بن شداد] السعدى العالية الشاعر الشطرنجي، كان يذكر أَنه من ذرية شاور بن مجير وزير مصر، ومهر في الأَدب وقال الشعر فأَجاد، ورحل إلى الشام ولقى الصفدى وغيره، وكان يذكر أنه سمع من الصفيّ الحلى، ثم مدح الأَعيان (١)، وكان يستحضر اللغة. عمل بديعيةً على قافية الرّاء وقرّظها له المجد إسماعيل الحنفى وغيره، فهجاه ابن العطار بقوله: عِيسِىَ ومَنْ قَرَّظُوهُ … مَا شِمْتُ فِيهم رَئِيسَا وَمَا رَأَيْتُ أَنَاسَا … إلَّا حميرا وعيسَا ومن شعره: تَهَنَّ بِشَهْر كَمْ به مِنْ حَلاوةٍ … وجُدْلِي ببِرٍّ لَا يَضِيعُ ثَوَابُهُ فإِنَّ لسَاني صَادمٌ، وفَمى لَهُ … قِرَابٌ، وأَرْجُوا أَنْ يُحَلَّى قرَابُه ومنه: أَيَا ربَّ الجَنَاب الرَّحْبِ جُدْلِى … وكَثِّر في العَطَاء ولا تُقَلِّلْ ومَا تَهْدِيهِ لِي مِن خُشْكُنَان (٢) … نَهَارَ العِيدِ كَبِّر أَوْ فَهَلِّلْ.

стр. 873

١٩ - محمد بن أَحمد بن محمّد بن أَبي الفتح بن أَبي سالم شمس الدين، ابن الأَطعاني الحلبي، ولد بحلب خامس شعبان سنة ثمان وأَربعين، وحفظ "المنهاج" وعَرضه على الزَّيْن الباريني (١) وتفقه عليه، ونسخ "شرح المنهاج" لابن الملقن بخطه. "وكان والدُه من الفقهاء بحلب وينوب في بعض البلاد، وعُرِضَ عليه ذلك بعدَه فامتنع وتزهّد ولبس خرقةَ التصوّف وسافر إلى القدس فلبس الخرقة من الشيخ عبد الله البسطامى، ثم رجع إلى بلده حلب وانقطع بزاويته خارج باب الجفان وصار مُعْتَقَدًا مقْبلًا على شأْنه، ديّنا بهى المنظر، وتتلمذ له جماعة، وحجَّ مرارا وجاور في بعضها، واشتهر عند أَهل حلب وبُنِيت له زاويةٌ، ولبس منه جماعةٌ الخِرقة، وكان الأَكابر يترددون إليه ويتبرّكون به ولا يزداد إلَّا تواضعًا وتعبدا، وكان منوّر الشيبة، حسنَ الخَلق والخُلق كثيرَ الحياء بهيَّ المنظر، وسكن بعد الكائنة العظمى في دار القرآن المجاورة للجامع الكبير إلى أَن مات بعد الزوال في تاسع ذي القعدة، وحضر جنازتَه جمعٌ لا يحصون كثرةً". نقلْتُه من تاريخ حلب لابن خطيب الناصرية. ٢٠ - محمد (٢) بن صالح بن عمر بن أَحمد الحلبي المعروف بابن السّفاح ناصر الدين، ولى كتابةَ الإنشاء ثم ترقي إلى أَن ولى كتابة السرّ بالقاهرة فلم يُقدَّر ذلك، ومات في تاسع عشر المحرم، وكانت قد انتهت إليه الرئاسة عند يشبك، وكان عليه اعتمادُه في مهمّاته. وكان عاليَ الهمة عارفًا بالسياسة كثير المروءة شديدَ العصبية، كثير المحبّة للعلماء والصالحين، وحصلت له محنةٌ في سلطنة الظاهر وصُودر، ثم توجَّه إلى القاهرة بعد وقعة

стр. 874

تنم فاتصل بالأَمير يشبك، واستقر في التوقيع بين يديه إلى أَن مات، قلتُ: رأَيْتُه عنده، وكان لطيف الشكل، رحمه الله تعالى. ٢١ - محمد بن عباس بن محمد بن حسين بن محمود بن عباس الصلتي ثم المعرّى شمس الدين، وُلد في سنة خمس وأربعين [وسبعمائة] أَو قبْلها، وهو سبط البرهان بن وهيبة، ونشأَ في حجر خاله بدر الدين بن وهيبة، وولى قضاءَ غزة في أَوائل هذا القرن مضافًا إلى القُدس، ومن قبل ذلك [ولى] قضاءَ بعلبك وحمص وحماة مرارا، ثم قدم القاهرة فسعى في قضاء المالكية بدمشق فوليه ولم يتم أَمره (١)، ثم ولى قضاءَ دمشق على مذهب الشافعي بعد الوقعة أشهرًا، ثم عُزل ومات معْزولًا، وكان مفرطا في سوء السيرة قليلَ العلم، وكان قد اشتغل قليلا وأَذِن له شمس الدين بن خطيب يبرود في الإفتاء (٢)، وذكره ابن حجى في تاريخه في حوادث سنة ثمانٍ وثمانين قال: "وفيها ولى ابن عباس قضاءَ بعلبك، وهو رجل جاهلٌ وكان الذي عُزل به رجلٌ من أَهل الرواحية يدرّس بدار الحديث بها فجاءَ هذا لا دِرَايةَ ولارواية، وإنما كان يتولى بالرشوة لبعض من لاخير فيه"؛ مات في أَوائل جمادى الأُولى. وكان إذا ولى القضاء إنما يُكْتَب له مُجرَّدا عن الأَنظار والوظائف، فإنه كان أَرضى بهما أَهل البلد (٣) ورضى بالقضاء مجردا. ومُدّةُ ولايته لقضاء دمشق في المرتين سنةٌ وشهر. ٢٢ - محمد بن عبد الرحمن الصُّبَيْبِي (٤) المدني، اشتغل بالفقه ودرّس في الحرم النبوى؛ مات بصفد وقد بلغ الخمسين.

стр. 875

٢٣ - محمد بن عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن محمد بن عبد العزيز بن محمد الحنفى ناصر الدين المعروف بابن الفرات المصرى، سمع من أبي بكر بن الصنَّاج رَاوِى "دلائل النبوة" وتفرد بالسماع منه، وسمع "الشفاءَ" للقاضي عياض من الدّلاصى والبواب لآدمٍ بن عبد الهادى وأجاز له أبو الحسن البندنيجي وتفرد بإجازته في آخرين، وكان لهجًا بالتاريخ فكتب تاريخا كبيرا جدا بيض بعضه فأَكمل منه المائةَ الثامنة ثم السابعة ثم السادسة، ثم هكذا صنع في نحو من عشرين مجلدا، ثم شرع في الخامسة وشرع في تبيض المائة الرابعة فأَدركْته الوفاة، وكتب شيئا يسيرًا من أَول القرن التاسع، وتاريخه في هذا كثيرُ الفوائد إلا أَنه بعبارة عامية جدا. وكان يتولى عقود الأَنكحة ويشهد في الحوانيت ظاهر القاهرة، مع الخير والدين والسلامة. مات ليلة عيد الفطر وله اثنتان وسبعون سنة. ٢٤ - محمد بن علي الكفر سوسى، شمس الدين الخطيب، حفظ القرآن وتعانى النَّسْخَ وكان مأْمونَا خيارًا، أضرَّ بأخرة ومات في شهر رمضان. ٢٥ - محمد بن عمر بن علي [بن عمر بن محمد] السُّحُولى (١) - بضم المهملتين - اليَمنى ثم المكى المؤذّن أبو الطيب، ولد في سنة إحدى وثلاثين في رمضان، وسمع "الشفاء" على الزبير بن علي الأَسوانى (٢) وهو آخر من حَدّث عنه، وسمعَ على الجمال المطرى وغيره، وأَجاز له عيسى الحجى وآخرون، سمعتُ منه قليلًا، مات يوم التروية عن ستٍّ وسبعين سنة، وكان حسن الخطّ جيد الشعر، وأَضرَّ بآخره. ٢٦ - محمد بن قرمون الزرعى شمس الدين، تفقه قليلا وفضل ومَهَر ونظم الشعر الحسن، وولى قضاءَ القدس وغيره، ثم توجّه إلى قضاء الكرك فضعف فرجع إلى دمشق فمات بها في رجب وقد بلغ السبعين.

стр. 876

٢٧ - محمد بن محمد بن سالم بن علي بن إبراهيم الحضرمي المالكي، سمع من الزبير بن علي الأَسوانى "الشفا" ومن الجمال المطرى، وحدّث، ومات بالقاهرة في شعبان [وقد] بلغ الثمانين أو جاوزها، وكان مذموم السيرة. ٢٨ - محمد (١) بن محمد بن عبد اللطيف بن أَحمد بن محمود بن أَبي الفتح الربعي المعروف بابن الكويك، سراج الدين أَبو الطيب، سمع من الميدومى وغيره، وهو أخو شيخنا شرف الدين، وأَبو الطيب الأَصغر، مات في وسط السنة. ٢٩ - محمد بن محمد الطوخي، بدر الدين الوزير، ولى وزارة الشام ثم القاهرة مرارا، مات معزولًا وكان يكثر الحجَّ في أيام عطلته، جاوز السبعين: ٣٠ - محمد بن أَبي محمد المعروف بشمس، أَحدُ من كان يُعْتقد بمصر، أَقام بدار الزعفران جوار جامع عمرو، ومات في رجب. ٣١ - محمد بن يوسف الصالحي المؤذّن، وُلد قبيل الخمسين وسمع قليلا، وكان جهوري الصوت بالأَذان على كبر سِنِّه. مات بطرابلس في صفر. ٣٢ - موسى بن محمد بن قتامة (٢) الشيخ شرف الدين ابن أخت الخليلي الموقِّت، كان أَفضل من بقى بالشام في علم الهيئة، وكان رئيسَ المؤذّنين بجامع (٣) تنكز وغيره، وكان خيِّرًا عنده انجماعٌ عن الناس ولا يدخل فيا لا يعنيه ولا ينسب نفسه إلى العلم لا هذا ولا غيره، وله (٤) تآليف مفيدة. مات في المحرم.

стр. 877

٣٣ - أَبو القاسم السماقى المغربي الدمشقى المالكي أَحد شهود الحكم بدمشق، كان من أَعيان فقهائهم. مات في شعبان. ٣٤ - المَاخُوذِى والد الخواجا شمس الدين، كان قبْلَ الكائنة في حانوتٍ بالخواصين وبعدها في مكانٍ آخر، وكان منزله عند قبر عاتكة. جاوز الستين. ومات في ربيع الأَول. * * *

стр. 878

سنة ثمان وثمانمائة استهلَّت والسلطان ضعيف يرمى الدم والحمى، وأُشيع موته ثم تعافى وزُيّن البلد في الثالث عشر منه. وفى ثامن عشر المحرم توجّه نوروز على نيابة الشام وسار معه جمعٌ كبير. وفى الثالث والعشرين وصل رسولُ نائب الشام شيخ إلى الناصر واسمه يلبغا المنجكى في طلب الصلح والاعتذار عمّا جرى، وكان صحبةَ (١) الرسول الشيخُ شهابُ الدين بنُ حجي والشيخ شمس الدين بن قديدار، فسمع الناصرُ الرسالَة ولم يُعِدْ الجواب، وكان نوروز حاضرًا كذلك، وخرج بعد قليل مسافرًا إلى نيابة الشَّام، ونزل الشيخان عند القاضي جلال الدين البلقيني والرّسولُ عند أَمير آخور. وفي الثالث من المحرم وصل أَمير الحاج وذكر أَنه لم يفارقهم إلَّا من الينبع خوفًا من العرب الدين في الطريق بين مكَّة وينبع. وفى السابع من المحرم قَبَض شيخ نائبُ الشام على سودون الظريف نائبِ الغيبة بدمشق وسجنه بالصُّبَيْبَة، وقَبض على كمشبغا الرمّاح وغيره، وأَلزم القضاةَ وكاتِب السر بمالٍ وصادرهم به وسَلَّمهم لابن ماتاشى وولاه القضاة فأَخذهم بين يديه مشاةً من القلعة إلى العادلية فرسم عليهم بالنورية، فهربوا في أَثناء الليل، ثم سعوا عند النائب وبذلوا ما وقع عليه الاتفاق وأَذن لهم في الحكم، واستناب علاءُ الدين بنُ أَبي البقاء القاضي الشافعي بن ناشي المذكور في قضاء صيدا وبيروت، واستمرّ نوروز متوجهًا إلى الشام، واتّفق أَن نائبها كان توجه إلى الصبيبة فدخل نوروز إلى دمشق في ثاني عشري صفر بغير قتال. وفي السابع من صفر تغير السلطان على بعض الأُمراء وتخيّل منهم إرادةَ الركوب عليه، منهم يشبك بن أَزدمر وإينال باي بن قجماس، فأَمر بإمساك يشبك بن أزدمر

стр. 879

وكان رأْسَ نوبة كبيرًا وأَمسك معه أَميرين (١) آخرين وسفَّرهم إلى الإسكندرية للاعتقال بها، فتغيّب إينال باى بن قجماس وهو أَمير آخور لمَّا بلغه ذلك، ويقال إنه طاف ليلًا على جماعة من الأُمراء ليركبوا معه فأَبوا فهرب وهرب معه سودون الجلب، فأَمر السلطانُ بالحوطة على دار إينال باى فأُحيط على موجوده، فغضب كثير من المماليك الظاهرية لذلك وظنوا أَن يشبك ظهر، وأَنه عند السلطان وأَنه هو الذي رتَّبه في ذلك، فركبوا تحت القلعة (٢) بعصيّ، ثم عادوا للركوب في سادس ربيع الأَول وسطوا على أَرغون فأرادوا قتله فهرب، ولما اشتد الأَمر زاد تَخَوّفُ السلطان منهم فأَراد الهرب، فأُشير عليه بإحضار المحبوسين من الأُمراء وتأمين الهاربين ففعل ذلك. وكان ما سنذكره. وفى تاسع (٣) صفر استقر فخر الدين [ماجد] بنُ المزوق في نظر الجيش وصُرف بدر الدين بن نصر الله، واستقرّ محمد بن شعبان في الحسبة وصُرف صدر الدين [أَحمد] بن العجمي، ثم أُعيد صدر الدين في السابع والعشرين من صفر. وفي الحادي عشر منه استقرّ شمسُ الدين الإحنائى في قضاء الشافعية بالقاهرة وصُرف القاضي جلال الدين البلقيني. وفى العاشر من صفر حضر إينال باى بن قجماس وحضر إلى السلطان مقيَّدًا على أَمانٍ كتبه خليل بن تمراز عنه، فعاتبه الناصرُ فيقال إنه أَغلظ له في الجواب، فأَمر بنفيه إلى دمياط بطالا، واستقرّ في وظيفته شرباش [الشيخى]، ثم صُرِف واستقرّ فيها سودون المحمّدى، واستقرَّ باش باى رأْس نوبة عن يشبك بن أَزدمر، وفى قضاء المالكية جمالُ الدين عبدُ الله بن القاضي ناصر الدين التَّنسى في مستهل ربيع الأَول وهو شاب صغير، كان عند وفاة أَبيه مِن أَجمل أَهل زمانه، فاتفق أَنه خَرم بعض الأَموال لما كان في حبس

стр. 880

الإسكندرية فتعصّب له فولى القضاء، فقام القاضي جلال الدين البلقيني وجماعةٌ على أَهل الدولة فعُزل بعد يومين وأُعيد جمال الدين البساطي في ثالث ربيع الأَول، وفى الخامس منه أُعيد القاضي جلال الدين وصُرف الإخنائي، وهي الخامسة للبلقيني. وفى السادسة منه ثارت الفتنة بين الناصر وأُمرائه (١) فتخيَّل منهم وتخيّلوا منه، واجتمع جمعٌ كبيرٌ عند الأَتابك بيبرس لرَغْم النَّاصر وتواعدوا على الركوب فهرب (٢) تغْري بردي ودمرداش. وفى الثامن منه ظهر يشبك وأَتباعه مثل تمر وجركس المصارع وقانباي العلائي. وفى الخامس عشر منه أُحضِر الأُمراءُ المحبوسين بالإسكندرية إلى القاهرة [وهم] قطلوبغا الكركي ويلبغا الناصرى وإينال حطط وسودون الحمزاوى، ثم أُحضر إينال باى من دمياط ثم أُحضِر يشبك بن أَزدمر من الإسكندرية في تاسع عشر ربيع الأَول. وفى العشرين منه قُبض على كاتب السر فتح الله وتسلَّمه مشد الدواوين ثم صودر على خمسمائة (٣) أَلفٍ وهى قريبة من أَربعة آلاف دينار إذ ذاك، وأُطلق ولَزم بيته، واستقرّ سعد الدين بنُ غراب في كتابة السرّ فباشرها من هذا الوقت إلى أَن عاد الناصر إلى المملكة فتركها لابن المزوّق، وأُعيد ابن نصر الله إلى نظر الجيش، ولبس ابن غراب بزى الأُمراء وأُعطِىَ تقدمة. وفى الثاني والعشرين منه أَمَر الناصرُ يشبك بنَ أزدمر أَن يستقرّ في نيابة ملطية فامتنع،
следующие страницы →