← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

٢٧ - محمد بن محمد بن سالم بن علي بن إبراهيم الحضرمي المالكي، سمع من الزبير بن علي الأَسوانى "الشفا" ومن الجمال المطرى، وحدّث، ومات بالقاهرة في شعبان [وقد] بلغ الثمانين أو جاوزها، وكان مذموم السيرة. ٢٨ - محمد (١) بن محمد بن عبد اللطيف بن أَحمد بن محمود بن أَبي الفتح الربعي المعروف بابن الكويك، سراج الدين أَبو الطيب، سمع من الميدومى وغيره، وهو أخو شيخنا شرف الدين، وأَبو الطيب الأَصغر، مات في وسط السنة. ٢٩ - محمد بن محمد الطوخي، بدر الدين الوزير، ولى وزارة الشام ثم القاهرة مرارا، مات معزولًا وكان يكثر الحجَّ في أيام عطلته، جاوز السبعين: ٣٠ - محمد بن أَبي محمد المعروف بشمس، أَحدُ من كان يُعْتقد بمصر، أَقام بدار الزعفران جوار جامع عمرو، ومات في رجب. ٣١ - محمد بن يوسف الصالحي المؤذّن، وُلد قبيل الخمسين وسمع قليلا، وكان جهوري الصوت بالأَذان على كبر سِنِّه. مات بطرابلس في صفر. ٣٢ - موسى بن محمد بن قتامة (٢) الشيخ شرف الدين ابن أخت الخليلي الموقِّت، كان أَفضل من بقى بالشام في علم الهيئة، وكان رئيسَ المؤذّنين بجامع (٣) تنكز وغيره، وكان خيِّرًا عنده انجماعٌ عن الناس ولا يدخل فيا لا يعنيه ولا ينسب نفسه إلى العلم لا هذا ولا غيره، وله (٤) تآليف مفيدة. مات في المحرم.

стр. 877

٣٣ - أَبو القاسم السماقى المغربي الدمشقى المالكي أَحد شهود الحكم بدمشق، كان من أَعيان فقهائهم. مات في شعبان. ٣٤ - المَاخُوذِى والد الخواجا شمس الدين، كان قبْلَ الكائنة في حانوتٍ بالخواصين وبعدها في مكانٍ آخر، وكان منزله عند قبر عاتكة. جاوز الستين. ومات في ربيع الأَول. * * *

стр. 878

سنة ثمان وثمانمائة استهلَّت والسلطان ضعيف يرمى الدم والحمى، وأُشيع موته ثم تعافى وزُيّن البلد في الثالث عشر منه. وفى ثامن عشر المحرم توجّه نوروز على نيابة الشام وسار معه جمعٌ كبير. وفى الثالث والعشرين وصل رسولُ نائب الشام شيخ إلى الناصر واسمه يلبغا المنجكى في طلب الصلح والاعتذار عمّا جرى، وكان صحبةَ (١) الرسول الشيخُ شهابُ الدين بنُ حجي والشيخ شمس الدين بن قديدار، فسمع الناصرُ الرسالَة ولم يُعِدْ الجواب، وكان نوروز حاضرًا كذلك، وخرج بعد قليل مسافرًا إلى نيابة الشَّام، ونزل الشيخان عند القاضي جلال الدين البلقيني والرّسولُ عند أَمير آخور. وفي الثالث من المحرم وصل أَمير الحاج وذكر أَنه لم يفارقهم إلَّا من الينبع خوفًا من العرب الدين في الطريق بين مكَّة وينبع. وفى السابع من المحرم قَبَض شيخ نائبُ الشام على سودون الظريف نائبِ الغيبة بدمشق وسجنه بالصُّبَيْبَة، وقَبض على كمشبغا الرمّاح وغيره، وأَلزم القضاةَ وكاتِب السر بمالٍ وصادرهم به وسَلَّمهم لابن ماتاشى وولاه القضاة فأَخذهم بين يديه مشاةً من القلعة إلى العادلية فرسم عليهم بالنورية، فهربوا في أَثناء الليل، ثم سعوا عند النائب وبذلوا ما وقع عليه الاتفاق وأَذن لهم في الحكم، واستناب علاءُ الدين بنُ أَبي البقاء القاضي الشافعي بن ناشي المذكور في قضاء صيدا وبيروت، واستمرّ نوروز متوجهًا إلى الشام، واتّفق أَن نائبها كان توجه إلى الصبيبة فدخل نوروز إلى دمشق في ثاني عشري صفر بغير قتال. وفي السابع من صفر تغير السلطان على بعض الأُمراء وتخيّل منهم إرادةَ الركوب عليه، منهم يشبك بن أَزدمر وإينال باي بن قجماس، فأَمر بإمساك يشبك بن أزدمر

стр. 879

وكان رأْسَ نوبة كبيرًا وأَمسك معه أَميرين (١) آخرين وسفَّرهم إلى الإسكندرية للاعتقال بها، فتغيّب إينال باى بن قجماس وهو أَمير آخور لمَّا بلغه ذلك، ويقال إنه طاف ليلًا على جماعة من الأُمراء ليركبوا معه فأَبوا فهرب وهرب معه سودون الجلب، فأَمر السلطانُ بالحوطة على دار إينال باى فأُحيط على موجوده، فغضب كثير من المماليك الظاهرية لذلك وظنوا أَن يشبك ظهر، وأَنه عند السلطان وأَنه هو الذي رتَّبه في ذلك، فركبوا تحت القلعة (٢) بعصيّ، ثم عادوا للركوب في سادس ربيع الأَول وسطوا على أَرغون فأرادوا قتله فهرب، ولما اشتد الأَمر زاد تَخَوّفُ السلطان منهم فأَراد الهرب، فأُشير عليه بإحضار المحبوسين من الأُمراء وتأمين الهاربين ففعل ذلك. وكان ما سنذكره. وفى تاسع (٣) صفر استقر فخر الدين [ماجد] بنُ المزوق في نظر الجيش وصُرف بدر الدين بن نصر الله، واستقرّ محمد بن شعبان في الحسبة وصُرف صدر الدين [أَحمد] بن العجمي، ثم أُعيد صدر الدين في السابع والعشرين من صفر. وفي الحادي عشر منه استقرّ شمسُ الدين الإحنائى في قضاء الشافعية بالقاهرة وصُرف القاضي جلال الدين البلقيني. وفى العاشر من صفر حضر إينال باى بن قجماس وحضر إلى السلطان مقيَّدًا على أَمانٍ كتبه خليل بن تمراز عنه، فعاتبه الناصرُ فيقال إنه أَغلظ له في الجواب، فأَمر بنفيه إلى دمياط بطالا، واستقرّ في وظيفته شرباش [الشيخى]، ثم صُرِف واستقرّ فيها سودون المحمّدى، واستقرَّ باش باى رأْس نوبة عن يشبك بن أَزدمر، وفى قضاء المالكية جمالُ الدين عبدُ الله بن القاضي ناصر الدين التَّنسى في مستهل ربيع الأَول وهو شاب صغير، كان عند وفاة أَبيه مِن أَجمل أَهل زمانه، فاتفق أَنه خَرم بعض الأَموال لما كان في حبس

стр. 880

الإسكندرية فتعصّب له فولى القضاء، فقام القاضي جلال الدين البلقيني وجماعةٌ على أَهل الدولة فعُزل بعد يومين وأُعيد جمال الدين البساطي في ثالث ربيع الأَول، وفى الخامس منه أُعيد القاضي جلال الدين وصُرف الإخنائي، وهي الخامسة للبلقيني. وفى السادسة منه ثارت الفتنة بين الناصر وأُمرائه (١) فتخيَّل منهم وتخيّلوا منه، واجتمع جمعٌ كبيرٌ عند الأَتابك بيبرس لرَغْم النَّاصر وتواعدوا على الركوب فهرب (٢) تغْري بردي ودمرداش. وفى الثامن منه ظهر يشبك وأَتباعه مثل تمر وجركس المصارع وقانباي العلائي. وفى الخامس عشر منه أُحضِر الأُمراءُ المحبوسين بالإسكندرية إلى القاهرة [وهم] قطلوبغا الكركي ويلبغا الناصرى وإينال حطط وسودون الحمزاوى، ثم أُحضر إينال باى من دمياط ثم أُحضِر يشبك بن أَزدمر من الإسكندرية في تاسع عشر ربيع الأَول. وفى العشرين منه قُبض على كاتب السر فتح الله وتسلَّمه مشد الدواوين ثم صودر على خمسمائة (٣) أَلفٍ وهى قريبة من أَربعة آلاف دينار إذ ذاك، وأُطلق ولَزم بيته، واستقرّ سعد الدين بنُ غراب في كتابة السرّ فباشرها من هذا الوقت إلى أَن عاد الناصر إلى المملكة فتركها لابن المزوّق، وأُعيد ابن نصر الله إلى نظر الجيش، ولبس ابن غراب بزى الأُمراء وأُعطِىَ تقدمة. وفى الثاني والعشرين منه أَمَر الناصرُ يشبك بنَ أزدمر أَن يستقرّ في نيابة ملطية فامتنع،

стр. 881

فأُلبس غَصْبا ورُسم عليه وأُمر الحاجب (١) أَن يخرجه من القاهرة، وأُمِّرَ أزبك الإبراهيمي (٢) في نيابة طرطوس فامتنع أَيضا ولم يحضر الخدمة، وتشَوَّش أَكثر المماليك من ذلك والأُمراءُ الجراكسة وتخيّلوا من الناصر أَنه يريد إبعادهم وتقديمَ أَخواله الروم، وكان ذلك يظهر منه كثيرا، فكثر الهرج والمرج وإشاعة ركوبِ الأُمراء على النَّاصر، فغلب عليه الخيال (٣) إلى أَن حمله ذلك على الحرب، فغُيب يوم الأَحد خامس عشرى ربيع الأَول وقت القيلولة وفُقد فلم يعلموا له خبرًا، فقيل إنه خرج من باب القرافة مختفيا وركب فلم يُعلم خبره لأَنه نهى مَن اتبعه عن اتباعه فرجع عنه وليس معه إلا مملوك واحد وهو بيغوت، فعدَّى إلى الجيزة ثم رجع إلى بيت سعد الدين بن غراب فاختفى عنده ولم يتحققوا أَين هرب بل أُشيع أَنه قُتل سرا، وصار ابن غراب يطالعه الأَخبار يوما بيوم ويدبّر معه أَمر يشبك وغيره ويعلمه بما يشتد به الحقد منه على أَقاربه كبيبرس وإينال باى وغيرهما ممن يخالف هواه هوى يشبك إلى أَن كان ما سنذكره. فلمّا بلغ الأُمراءِ غيبةُ الناصر اجتمعوا في آخر النهار ببيت الأَمير الكبير بيبرس ثم بالإسطبل بعد أَن جمعوا القضاة والخليفة، وتشاوروا إلى أَن استقر رأْيهم على سلطنة أَخيه عبد العزيز فأَحضروه ولقَّبوه "المنصور" وعقدوا له البيعة في تلك الليلة، واستقرّ بيبرس الصغير لالا السلطان، واستقرّ في الثامن والعشرين منه بيبرُس الكبير قريبُ السلطان

стр. 882

أَتابكًا وأَقباى أَميرَ سلاح وسودون الطيارُ أَميرَ مجلس وسودون المحمّدى أَميرَ آخور وباش باى رأْسَ نوبة كبيرًا ورسطاى حاجبَ الحجاب، وخُلع على المباشرين المستقرين: على سعد الدين بن غراب وهو كاتب السر، وعلى ابن المزوَّق وهو ناظر الجيش، وعلى فخر الدين بن غراب وهو الوزير، وعلى القضاة الأَربعة وهم: البلقيني وابن العديم والبساطى وسالم؛ وكان ما سنذكره. وفى صفر عُزل الصدر بن العجمي من الحسبة وقُرر ابن شعبان ثم صُرف بعد خمسةَ عشر يومًا وأُعيد الصدر، وصُرف القاضي جلال الدين عن القضاء في صفر وأُعيد الإخنائي ثم أُعيد القاضي جلال الدين في خامس ربيع الأَول. وفى تاسع عشرى ربيع الأَول رُجِم الأستادار وشُجَّ وجهه فدخل إلى السلطان واستعفى ورجع إلى بيته فطَرَدَ الأَعوان. * * * وفي ربيع الآخر توجه نوروز نائب الشام لقتال شيخ بالصبيبة، واجتمع شيخ وجكم ومن معهما فوقع القتال بينهم، ودخل شيخ دمشق فأَمر بضرب عنق جقمق الحاجب لأَمرٍ اتَّهمه به فقُتل صبرا، وذلك في حادى عشر ربيع الآخر، وأُحضر شيخ السليماني وكان نائب صفد ثم طرابلس، ثم قبض عليه جكم لما حَكم على طرابلس وسَجنه وأَخذ ماله فهرب إلى صهيون، ثم قدم دمشق فاستقر بها أَميرًا عند نوروز وحضر معه الوقعَة فقبض عليه وأَمر جكم بقتله فقتل، وغلب شيخ على دمشق وفوض القضاءَ لشهاب الدين الحسبانى، وخَطب بالجامع فلم يقبل أَحدٌ من النواب القدماء عنه النيابة فاستناب جماعةً من جهته منهم ابنه وصهره، فيقال إنهم استأذنوا القاضي الحنفيَّ لتصحَّ أَحكامهم. وأَراد الأَمير جكم أَن يتوجّه إلى طرابلس فوصل كتابُ النائب بها يلتمس المصالحة فتأَخَّر تَوَجُّه جكم، ووصل نوروز إلى بحيرة حمص في ناس قليل، فتوجَّه شيخ وجكم

стр. 883

ومن تبعهما لقتاله فهرب إلى حماة، فدخل شيخ وجكم طرابلس، فنزل جكم بدار النيابة، ووقع يَوم دخولهم مطرٌ كثير جدا، فلما بلغ ذلك نائب حلب توجه أَيضا إلى حماه فاجتمعوا كلهم عند نوروز ووافقهم جمعٌ كثيرٌ من التركمان منهم: ابن صاحب الباز، فوقعت الواقعة بين جكم وشيخ وبين دقماق نائب حماه ومن انضم معه ظاهرَ حماه في أَواخر رجب، فانكسر دقماق وملكا حماه، وقُتل دُقماق بين يَدَىْ جكم ونَهب حماه. وكان نوروز قد توجّه إلى حلب هو ومَن معه لأَن دمرداش كان تقدّمهم وأَوهمهم أَنه جمع لهم التركمان، فلما وصلها غَلب على حلب فتوجَّه نوروزُ ونائبُ حلب في إثْرِه وبقى دقماق بحماة وحيدًا فانكسر. ثم توجّه جكم وشيخ إلى حلب فدخلوها بغير قتال، وهرب نوروز إلى جهة الشَّمال واستقر بها الأَمير جكم، ورجع شيخ إلى دمشق وكان قد أَرسل إلى الناصر يخطب منه نيابةَ دمشق ويخطب لجكم نيابةَ حلب، فوصل شاهين الحسنى ومعه رسولُ سودون الطَّيار ومعه ولاية شيخٍ على الشام، وجكم على حلب، ودمرداش على حماة. ودخل (١) شيخ إلى دمشق في أَواخر رجب ولبس خلعةَ النَّاصر ولم تخرج دمشق في هذه المرة عن حكمه في الصورة الحسية، وكان بعد ذلك ما سنذكره. و كان دمرداش مشتَّتا عند التركمان. * * * وفيها كائنة عبد الوهاب بن الجباس المصرى، وكان يحترف في حانوتِ عطارٍ فسعى أَن يكون سمسارا فأُهين ومُنع، فخَدم عند بدر الدين الكلستاني كاتب السر فسعى له

стр. 884

حتَّى صار شاهدًا، ثم سعى إلى أَن ولى الحسبة بمصر ثم بالقاهرة، ثم لما ولى جمال الدين التنسى قضاء المالكية - وهو شاب - طمع هذا في قضاء الشافعية عند ابن غراب، وكان ابن غراب قد غضب من الشافعي في شيء فنوّه بذكر ابن الجبّاس وكان في غاية الجهل، أَلثغَ زرِيَّ الهيئة، فقام في ذلك الشيخ زينُ الدين الفارسكوري وادّعى عند ابن العديم بقَضايا، وآخر أَمره كُتِبَ عليه قسامة أَن لا يلبس طيلسانا ولا يركب بزى القضاة، وأُهين وعُزِّر وحبس، ثم شُفع فيه فأُطلِق وذلك في ربيع الأَول من هذه السنة. * * * وفى أَوائل رجب استقر ابن خطيب بعرين في ولاية قضاء الشام وكان قد سافر مع جكم وتقرّب له برواية أَحاديث الملاحم المكذوبة وبشَّره بأَنه يلى السلطنة وبأَنه ينتصر على أَعدائه، فلما غلب على حماه سأَل نائبَ الشام أن يقرره في قضاء دمشق فكتب له توقيعًا بذلك، قال ابن حجى: "وكان ابن خطيب يعرين آيةً في الكذب والزور مشهورًا بذلك، مع الشهرة التّامة بعدم الدين (١)، حتى إنَّ حكم أَرسله رسولًا إلى نائب الشام في أَواخر هذه السنة، فخلع عليه خلعة حرير بطراز ذهب فلبسها، وخرج وهو فرحان وقد تَطَيْلَس فوقها، ثم أنِس منه فوجد فيه أُمورا منكرة فختم عليها، ثم بعد وصول نائب الشام - شيخ - إلى دمشق كاتب يشفع في ابن الحسبانى فوصل توقيعه بذلك في شعبان فباشر القضاءَ وصُرف ابن الخطيب. * * * وفى السادس من جمادى الآخرة ظهر الناصر وصعد إلى القلعة ضحْوةَ النهار، فكانت مدة غيبته سبعين يوما إلَّا يوما (٢)، وكان يشبك وجماعة اتفقوا مع الناصر وهو في بيت

стр. 885

ابن غراب فأَركبوه إلى بيت سودون الحمزاوى بالباطليّة، فلما أَصبحوا ركبوا ولا عِلْمَ عند بيبرس وأَتباعه بظهور الناصر بل ظن أَن الأُمراء البطَّالين مثل يشبك ومن معه قد ركبوا عليه، فركب هو أَيضا بالرّميلة، فخرج الناصر ومَن معه مِن المماليك فحملوا على بيبرس ومَن معه وطلبوا باب القلعة ففَتح لهم واليها الباب، فطَلع الناصرُ القصرَ وانخذلت طائفةُ بيبرس، فهرب سودون المردانى واختفى، وخرج بيبرس إلى خارج المدينة، فأَرسل إليه سودون الطيار فأَحضره وأَرسله مقيدًا إلى الإسكندرية، واستقرّ يشبك في الأَتابكية عوضه في ثامن جمادى الآخرة، واستقر سودون الحمزاوي دويدارًا عوضًا عن سودون الماردانى، واستقر جركس المصارع أَمير آخور عوضا عن سودون المحمّدى في دولة أَخيه المنصور وسجنهم، واستقرّ سودون من زاده في نيابة غزة عوضا عن سلامش. وفى نصف جمادى الآخرة استقر يعقوب التبّانى في نظر الكسوة ووكالةِ بيتِ المال عوضًا عن ولى الدين الدمياطى (١) مع بيبرس ثم صُرف عن ذلك بعد أَيام واستقر ابن البرجي في ثامن عشري جمادى الآخرة، ثم أُعيد ابن التباني في رابع رجب، وكان ذلك بعناية قطلوبغا الكركى. وفى أَواخر جمادى الآخرة استقر تمراز الناصري نائبَ السلطنة بعد شغورها مدّةً طويلة. وفى نصف رمضان استقر القاضي ولى الدين بن خلدون في قضاء المالكية عوضًا عن البساطى، ثم لم ينشب ابن خلدون أَن مات في خامس عشريه واستقرّ جمال الدين بن التنسى بعناية قطلوبغا الكركى، ثم صُرِف في سادس عشر شوال وأُعيد البساطى.

стр. 886

وفى شوال استقر كاتبه (١) في درْس الحديث بالشيخونية عوضًا عن شمس الدين المدني، والقاضى الحنفى كمالُ الدين بنُ العديم في مشيختها عوضًا عن الشيخ زاده الخرزباني. وفيها رجع منكلى بغا من بلاد الشرق وكان توجه رسولا إلى تمرلنك في العام الماضي. وفي رمضان أَفرج نائب حلب عن جماعةٍ مِمَّن كانوا مسجونين بقلعة الصّبيبة ومنهم سودون الظريف، واستقر أَميرًا كبيرا بدمشق ثم قُبض عليه لأَمر صَدر منه واستقرّ عوضه بكتمر الساقى وسجن سودون المذكور. وفيه رجع نوروز وعلان إلى حلب بموافقةِ جكم على ذلك، وأَرْسل جكم إلى نائب الشام بذلك فوافق عليه، واستمر دمرداش عند التركمان يستحثّهم ويجمعهم على قصد جكم ومن معه بحلب، ووصل إليه تقليد حماه فقوى بذلك. وفي رمضان اشتد الغلاءُ (٢) وبلغت الغرارة من ستمائة إلى سبعمائة، فنادى النائب في الفقراء فاجتمعوا بالميدان ففرقهم على الأَغنياء ما بين الأُمراء والقضاة والتجار، فقَلَّ سؤالهم وخف صياحهم وسكنوا. * * * وفيه استولى التركمان على كثيرٍ من البلاد الشامية وكان رئيسهم إلياس ويقال اسمه فارس بن صاحب الباز، ثم وصلوا إلى حماة فغلب عليها، وكان دمرداش قد وصل إليها لما جاءَه تقليدُ النيابة بها، فهجم عليه ابن صاحب الباز فهزمه إلى أَن وصل إلى دمشق مكسورًا، فوصل إلى حمص، فاستأْذن له نائبُها نائبَ الشام في دخول دمشق فأُذن له فدخلها، وعظم الأُمراء من التركمان، فجمع النائبُ القضاةَ وتشاوروا في مالٍ يجعمونه بسبب طرد التركمان، فطال النزاع إلى أَن اتفقوا على أَخذ أُجرة شهر (٣) من كل بستان

стр. 887

ودار وحانوت وغير ذلك فشرعوا في جبايتها، ثم بطل ذلك ونودى بالرد على من أُخِذ منه شي، ولما بلغ جكم أَن دمرداش عند نائب الشام شيخ تَغيَّظ عليه لأَنه كان عدوّه، وكان يكتب قبل ذلك إلى شيخ يستنجده على التركمان فتقاعد عنه فغضب أَيضا. وفى شوّال وصل إلى حكم قاضى السلطان يطلب منه إرسال نوروز وغيره من الأُمراء المتسحبين، فحماهم حكم وشتم القاصد وردَّه بغير جواب. * * * وفيها في شوال كانت الوقعة بين جكم والتركمان ورئيسهم فارس - ويدعى إلياس ابن صاحب الباز صاحب أَنطاكية وغيرها - وكان قد غلب على أَكثر البلاد الشمالية ودخل حماة فملكها، وكان عسكره يزيد على ثلاثة آلاف فارس غير الرجالة، فوافقه جكم بمن معه فكسره كسرةً فاحشة وعظم قَدْر جكم بذلك وطار صيته ووقع رعبه في قلوب التركمان وغيرهم. ثم إنه بعد ذلك واقع نعيرًا ومَن معه مِن العرب فكسره، ثم توجه جكم إلى أَنطاكية وأَوقع بالتركمان فسأَلوه الأَمان، وأن يُمَكِّنهم الخروج إلى الجبال وإلى مواطنهم، ويُسَلموا إليه جميعَ القلاع التي بأَيديهم، فتقرر الحال على ذلك، وأَرسل إلى كل رقعةٍ واحدا من جهتهم، ودخل إلى حلب مؤيدًا منصورًا، فسلم فارس بن صاحب الباز لغازي بن أَوزون التركماني وكانت بينهم عداوة فقتله وقتل ولده وجملةً من جماعته. وكان أَميرًا كبيرًا شجاعًا بطلًا استجدَّ بأَنطاكية مدرسةً بجوار تربة حبيب النَّجار، وكان قد استولى على معظم معاملات حلب ومعاملة طرابلس وصَار في حكمه أَنطاكية والقصر والشغر وبغراس وحارم وصهيون واللاذقية وجبلة وغير ذلك، فلما أُحيط به تسلم جكم البلاد ورجعت معاملة كل بلد إليها على ما كانت أَولا، وكاتب جكم نائبَ الشام يطلب منه إرسالَ دمرداش ويعاتبه على تأَخره عن نصْره مرةً بعد مرة، فاستشعر دمرداش أَن نائب الشام يقبض عليه ويرسله إلى جكم فهرب، وأَعادَ نائبُ الشام إلى جكم الجوابَ بذلك فلم يعجبه وعزم على قصْد دمشق ومحاربة النائب، فبرز في شوال والتقى مع ابن صاحب الباز

стр. 888

وجَمْعِهِم من التركمان وكسَرهم كسرة ثانية وضرب أَعناق كثير منهم صبرًا، وقتل نعيرًا وأَرسل برأْسه إلى القاهرة. ولما وصل دمرداش من هروبه إلى الرملة جاءَ توقيع من الناصر بولايته طرابلس فرجع لذلك، واستمر قصد حكم إلى جهة دمشق فوصل إلى سلمية، وأَرسل شرباش إلى حمص، فاستعدّ نائب الشام لقتاله، ووصل إليهم العجل بن نعير طالبًا بثأْر أَبيه وكذلك ابن صاحب الباز طالبًا ثأْر أبيه وأخيه، وكان معهم من العرب والتركمان خلقٌ كثير، وتوجّهوا بعد عيد الأَضحى إلى جهة حلب. ووصل توقيع العجل بن نعير بإمرة أَبيه، ووصل نائب الشام ومَن معه إلى حمص في نصف الشهر، وتكاتبوا مع جكم في الصلح؛ فلمّا كان في الثالث والعشرين من ذي الحجّة وقعت الوقعة بينهم فانكسر عسكر أَهل الشام، ووصل شيخ و دمرداش إلى دمشق منهزمين، وكانت الوقعة بالرّسْتَن (١)، وأن نائب الشام ومَن معه كانوا في الميمنة فحطَّمها، ثم حَمل على الميسرة فثبتوا ساعةً ثم انهزموا. ورحل نائبُ الشام ومَن معه مِن دمشق بعد أَن أَخذ منها خيولًا وبغالًا وتوجّه إلى مصر، ورحل جماعةٌ من جهة نرروز بعده إلى دمشق، وهرب الحسبانى وعلاءُ الدين نقيبُ الأَشراف وتأَخر البقيةُ من القضاة والمباشرين فلاقوا نوروز وسلَّموا عليه، فدَخل دمشقَ في أَواخر ذى الحجة، وقُتِل علاءُ الدين بيْن يَدَىْ جكم صبرًا وكذلك طولو، ثم دخل حكم بعد بيوم، وبالغ حكم في الزَّجر عن الظلم وعاقبَ على شُرْب الخمر فأَفحش حتى لم يتظاهر بها أَحد، وكانت قد فشَتْ بين الناس، ونادي في دمشق أَن لا يظلم أَحد على أَحد، ومَن أَساءَ على الحكم والحسبة فُعِل به وفُعِل، وانسلخت السنة وهُم على ذلك.

стр. 889

ولما ظهر الناصر واستقرّ في السلطنة ثانيا جُهِّز إلى شيخ التقليدُ بنيابة الشام، وإلى نوروز التقليدُ بنيابةِ حلب، وتوجّه ليساعده على مَن يخالفه، وكان دقماق نائبُ حماة وعلانُ نائبُ حلب وبكتمر جلق نائبُ طرابلس قد اتَّفقوا على مَنْع نوروز من ذلك، فالتقى الفريقان فكسرهم شيخ وهجم على حماة من نهر العاصي وغلب عليها، وقُتل دقماق في هذه الموقعة، وفرّ بقية الأُمراء إلى جهة حلب، فتَبِعهم شيخ فنازلهم فتركوها وتوجّهوا نحو المشرق، وتسلَّم حلب وسلَّمها لجكم، ورجع للشام وقد بسط العينتابي وأَظهر التعصّب فيها لجكم لأَنه كان ينتمى إليه، فقال في حوادث ذى الحجة سنة ثمانٍ: "وفيها كانت وقعةُ عظيمة بين جكم وشيخ بالرّستن - بين حماة وحمص - فانكسَر نائبُ الشام شيخُ كسرةً شنيعةً وانهزم إلى أَن وصَل إلى الرّملة، وقد كان جكم وشيخ صديقين، لكن شيخ لما رأى ما اتفق لحكم من النَّصر على ابن صاحب البال - كبير التركمان - وعلى نعير كبير العرب - وقتلهما على يده بعد أَن عَجز عنهما الظاهر وغيرُه حسده وخشي أَن تستمر هذه السعادة إلى أَن يتسلطن، فكاتب فيه الناصرَ أَنَّه عاصٍ، وكلُّ ذلك بدسائس يشبك لأَن شيخًا كان من جهته، وكان يشبك بروم السلطنة فكان يُعادِي كلَّ من يستشعر منه أَنَّه يروم مثل ما يروم، فكان يُحرّضُ أَتباعه على جكم"، قال: "قُتِل في هذه الوقعة من أَتباع شيخ جماعة منهم طولو وعلان وتفرّق شملُ شيخ إلى الغاية حتى لم يبْقَ معه ممَّن كان اجتمع له مِن العسكر - وهم نحو عشرة آلاف - غير مائة لفس". قال: "وكان جكم في هذه الوقعة في دون الأَلفَيْن، لكن، النصر يؤتيه الله لمن يشاء". * * * وفيها قَدم ركبُ العراق بعد أَن كان له تسع سنين قد انقطع. وفيها حاصر العرب المعروفون بالحجافلة مدينة عدن حتَّى عزَّ المساء بها جدًّا، وبلغت الراوية - وهى قَدْر قربة الكتف المصرية - خمسين درهمًا، فخرج إليهم العفيفُ بنُ عبدِ الله بن الوجيه عبد الرحمن العلوي وأَخوه في العسكر فقُتل في المعركة، وكان شابًا حسنًا كثير الفضل للغرباء، أَحسن الله جزاءَه، قُتل في رابع صفر وله ثلاثون سنة.

стр. 890

وفى شعبان استقرّ جمال الدين بنُ القطب في قضاء الحنفية بدمشق، والقاضي عزُّ الدين بن المنجا في قضاء الحنابلة عوضًا عن ابن عبادة. وفيه استقرّ صدر الدين بن الأَدمى في كتابة السرّ عوضًا عن الشريف علاء الدين. وفى رمضان وصل أَبو العباس الحمصي قاضيًا على الشام عوضًا عن علاء الدين بن أَبي البقاء، ثم استقرّ بعد ثلاثة أَيام - من سفر أَبى العبّاس الحمصي - شهابُ الدين الحسبانى، وكان نائبُ الشام قد استقرّ به فيها بغير توقيع، فباشر إلى أَن وصل توقيعه كما قدّمنا ذكره، فلما سَمع أَبو العباس الحمصي بذلك دخل الشامَ مختفيًا ثم رجع إلى مصر هاربًا، ثم كتب النائبُ يشفع في علاء الدين بن أَبي البقاء أَن يعود، ثم وَصل أَبو العبّاس متوليًا في ذي القعدة فسلَّم على النائب فلكمه في عمامته، ثم وصل توقيع ابن الحسبانى بعد ثلاثة أَيام فاستمرّ. * * * وفي رمضان ظهر سودون الماردانى من الاختفاء وأُودِع سجن الإسكندرية. وفى العشرين منه مات ابن غراب - سعد الدين إبراهيم بنُ عبد الرزّاق بن غراب - وكان جدُّه غراب أَول من أَسْلم من آبائه وباشر بها إلى أَنْ اتُّهِم أَنَّه كان مِمَّن دلّ الفرنج - لما هجموا الاسكندريّة - على عورات المسلمين، فقُتِل ابن غراب سنة سبعٍ وستين وسبعمائة، ونشأَ ابن عبد الرزاق إلى أَن وَلِيَ نظر الإسكندرية ومات في نحو الثمانين، وخلف ولدين صغيرين أَكبرهما يسمى "ما جدا" وأَصغرهما "إبراهيم"؛ فلما تمكَّن محمود من الظاهر دخل الإسكندرية فآوى إليه إبراهيم وهو يومئذ يكتب في العرضة تحت كنف أَخيه ماجد الذي تلقَّب بعد ذلك "فخر الدين"، وتسميّ "محمّدا"، فقرّبه محمود (١) ودرّبه وخرّجه إلى أَن مهر بسرعة وجادَتْ كتابتُه، وحمَد محمود ذهنه وسيرته فاختصّ به وتمكن منه بحيث صار يدرى بجميع أُموره، وتعلَّم لسان الترك حتى حدق فيه، فاتفق أَنه عثر عليه بخيانةٍ، فخاف ابن غراب من سطوته، بل استدرك نفسه وانضوى إلى ابن الطَّبلاوى - وهو يومئذ قد قرُب من قلب

стр. 891

الظاهر في ولاية القاهرة - فلم يزالَا به حتى بطش بمحمود وآلَ أَمره إلى استنفاد أَمواله وموْته بحبْس أُولى الجرائم؛ وتقلَّب ابن غراب في ماله فيما يستحى من ذكره لكثرته، ولازم خدمَةَ ابنِ الطَّبلاوى إلى أَن قُبض عليه بأَمْر الظاهر، ثم كان من أَوصياء الظاهر، ثم اختُصَّ بيشبك وتنم وغيرهما من أَكابر الظاهرية، ثم تشتَّت شمل أَكثر الباقين. وتمكّن ابن غراب حتى استحضر أخاه فخر الدين فقرّره وزيرًا، ثم لمّا استقرّ في كتابة السرّ ونظرِ الجيش أَضاف إليه نظرَ الخاص؛ ثم لبس الأستاداريّة وتَزيّابزيّ الجند، وضُرِبَتْ على بابه الطبول، وعظُم جدًّا، حتى إنَّه لمّا مِرض كان الأمراءُ يعودونه قيامًا على أَرجلهم؛ وكان هو السبب في فرار النَّاصرَ وترْكِه المملكة وإقامته عنده تلك المدّة مختفيا حتى تمكنّ مما أَرادَ من إبعاد مَن يودّ الناصرَ وتقريب من يبغضه، فلمّا تكامل له جميع ما أَراد لحظَتْه عينُ الكمال بالنَّقص فمرض مدة طويلة بالقولنج إلى أَن مات. فلمّا عاد الناصر إلى المملكة بتدبير ابن غراب أُلْقى إليه بالمقاليد، فصار يُكْثِرُ الامتنان على جميع الأمراء بأنَّه أَبْقَى لهم منهجهم (١) وأَعاد إليهم ما سُلِبُوه من ملكهم، وأَمّدهم بمالِه عند قلَّتهم؛ وكان يصرّح بالتمكين أَنه أَزال دولةً وأقام أخرى، ثم أَعاد الأُولى من غير حاجةٍ إلى ذلك، وأَنه لو شاءَ لأَخذ المُلْكَ لنفسه من غير مانع، وأَهان كاتبَ السرّ فتحَ الله وصادره ولبس مكانه، ثم ترفَّع عن كتابة السرّ فولَّاها كاتبًا عنده يقال له الفخر بن المزوّق، وكانت جنازته (٢) مشهودة. مات ضحوة يوم الخميس ليلة التاسع عشر من رمضان، وبات في قبره ليلة سبع وعشرين من رمضان؛ ولكن كان ابن غراب محبوبًا إلى العامة لما قام به في الغلاء والفناء (٣) من إطعامه الفقراءَ وتكفينه الأَموات من ماله. * * *

стр. 892

وكان يحبّ الانفراد بالرياسة، مليحَ الشَّكل، جميل الصورة، شديد الزهو، يظهر التعفف، شديد العجب، مفضالًا وهابًا، وافرَ الحرْمة، كثير البذْل، واللهُ يسامحه. وكان قد بلغ من المملكة ما لم يبلغه أَحد؛ مات بعلة القولنج الصفراوى بعْد أَن صار أَميرًا بتقدمة أَلف، وتنَقَّل في الولايات من نظر الخاص والجيش والأستادارية وكتابة السرّ وغير ذلك على ما سلف من الحوادث؛ وكان يدْرى اللغةَ التّركيّة، مع الدعاء والمكر والمعرفة التَّامة بأَخلاق أَهل الدولة. ولقد تلاعب بالدولة ظهرًا لبطن، وخدم عند الأَضداد، وعظم قدره حتى شاع أَنه لابد أَن يلى السلطنة، ولم يوجد له كثيرٌ مِن المال بل مات وعليه من الديون ما لا يدْخل تحت الحصْر. * * * وفى أَواخر ذى الحجة استقرّ فتح الله في كتابة السرّ عوضًا عن فخر الدين بن المزوّق الذي كان مِن جهة ابن غراب. وفي ليلة النصف من ذى الحجة خُسف القمر في أَواخر الليل فاستمر إلى بعد أَذان الفجر. * * * ذكر من مات في سنة ثمان وثمانمائة من الأعيان ١ - إبراهيم الحنبلي الصّوّاف، برهان الدين، أَحدُ نوّاب الحكم، كان من طلبة القاضي موفَّق الدين، مات في العشرين من رمضان. ٢ - إبراهيم بن عبد الرزاق بن غراب. مضى ذكره في الحوادث.

стр. 893

٣ - أَحمد بن إبراهيم بن سليمان العكّاري ثم الطرابلسي المعروف بابن العلم، نسبةً إلى جدّه علم الدين سليمان، تفقَّه ببلده ثم دخل دمشق واشتغل على الحسباني، ورحل مع الياسوفى إلى حلب فسمع بها في سنة سبعين على الكمال بن النحاس والكمال بن حبيب وأَحمد بن قطلوبغا وغيرهم، وولى قضاءَ عكار (١)؛ وكانت لدية فضيلةٌ ويَتكسّب من الشهادة، ثم دخل مصر وقرأَ على البلقيني، قال القاضي علاء الدين: "اجتمعْتُ به بطرابلس وكان فاضلا". مات في صفر هذه السنة بطرابلس. ٤ - أَحمد بن طوفان بن عبد الله الشيخونى المعروف بدويدار النائب، مات أَبوه وهو صغير فربّاه سودون النَّائب فباشر الدويداريّة عنده وأَثْرى، وكان يحبّ أهْل الخير والصلاح، ثم ترامى على أَهلِ الحديث واختُصّ بهم، ولازم مطالَعةَ أَهل الظاهر واشتُهِر بذلك حتى صار مأْوًى لمن يُنْسَب إلى ذلك، وكان يتعافى العمل بما يقتضيه قول أَهل الطب فيما يتعلَّق بالغداء والعشاء، فيكثر الحمية في زمن الصحة ولا يأْكل إلَّا بالميزان، فلا يأْكل مُعتَلًّا. مات في جمادى الأولى بالإسكندرية، والله يرحمه. ٥ - أَحمد بن عبد الله المعروف بالشيخ حُطَيْبَة - بمهملتين مصغَّرا - الدمياطي، أَحدُ المجذوبين الذين يَعتقد فيهم العامّةُ الولاية، قبل إنه كان متزوّجًا فأَحبّ المرأَة فبلغه أَنها اتّصلت بغيره فحصل له من ذلك طرف خبالٍ، ثم تزايَدَ إلى أَن اختلّ عقله ونزع ثبابه وصار عريانًا، وله في حالته هذه أَشعار، منها مواليا: سِرِّى فَضَحْني … وانتِ سِرّكْ قَدْ صُنْتْ قَصْدِي رِضاكي … وانتي تُطْلِبي لي العنت ذَلّيتْ من بعد عِزّى … في الهوى وهُنْتْ يا ليت في الخلقِ … لا كُنْتي ولا أَنَا كُنْتْ مات في أَول المحرم. نقلت ترجمته من خط الشيخ تقيّ الدين المقريزي.

стр. 894

٦ - أَحمد بن عماد بن يوسف الأَقْفَهْسى الشافعي المعروف بابن العماد، أَحدُ أَئمّة الفقهاء الشافعيّة في هذا العصر، اشتغل قديمًا وصنَّف التصانيف المفيدة نظما وشرحًا، وله "أَحكام المساجد" و "أَحكام (١) النكاح" و "حوادث الهجرة" وغير ذلك؛ وسمعْتُ من نظمه ومن لفظه، وكَتب عنه الشيخ برهان الدين محدّث حلب من فوائده. ٧ - أَحمد (٢) بن محمد بن إسماعيل بن عبد الرحيم بن يوسف بن سمير بن حازم المصرى، أَبو هاشم بن البرهان الظاهري التَّيْمي، وُلد في ربيع الأَول سنة أَربع وخمسين، واشتغل في الفقه على مذهب الشافعي، ثم صحب شخصًا ظاهريَّ المذهب فجذبه إلى النظر في كلام أَبي محمد بن حزم فأَحبّه، ثم نظر في كلام ابن تيميّة فغلب عليه حتى صار لا يَعْتَقِد أَنّ أَحدًا أَعلمَ منه، وكانت له نفسٌ أَبِيّةٌ ومروءة وعصبيّة، ونظر كثيرًا في أَخبار الناس، وكانت نفسه تطمح إلى المشاركة في المُلك وليس له قَدم فيه لا من عشيرةٍ ولا من وظيفةٍ ولا من مال، فلما غَلب الملكُ الظاهر على المملكة وحَبَس الخليفةَ غضب ابنُ البرهان من ذلك، وخرج في سنة خمس وثمانين إلى الشام وإلى العراق يدعو إلى طاعةِ رجلٍ من قريش فاستنفر جميع الممالك فلم يبلغ قصدًا، ثم رجع إلى الشام فاستغوى كثيرًا من أَهلها، وكان أكثر من يوافقه مِمَّنْ يتديّن لما يرى من فساد الأحوال وكثرة المعاصى وفشوّ الرّشوة في الأَحكام وغير ذلك، فلم يزل على ذلك إلى أَن نمى أَمره إلى بيدمر نائبِ الشام فسمع كلامه وأَصغى إليه، إلَّا أَنه لم يُشَوِّشْ عليه لِعلمه أَنَّه لا يجيء من يده شرّ، ثم نمى أَمره إلى نائب القلعة ابن الحِمْصي وكان بينه وبين بيدمر عداوةٌ شديدة، فوجدَ الفرصةَ في التأَلُّب على بيدمر، فاستحضر ابنَ البرهان واستخبره وأَظهر له أَنه مالَ إلى مقالته، فثبت عنده جميع ما كان يدعو إليه فتركه، وكاتَبَ السلطانَ وأَعلمه بقصّتهم، فوصل كتابُ السلطان

стр. 895

إلى بيدمر يأمره بتحصيل ابن البرهان ومَن وافقه على رأيه وأمره أن يسمرهم؛ فتورع بيدمر عن ذلك وأجاب الشفاعة فيهم والعفو عنهم وأنَّ أمْرهم تلاشى، وإنَّما هم قوم خفَّتْ أدمعتهم من الدرس ولا عصَبِية لهم، ووَجد ابن الحمصي الفرصةَ لعداوته لبيدمر فكاتَبَ السلطان أن بيدمر قد عزم على المخامرة، فوصَل إليه الجواب بمسْك ابن البرهان ومَن كان على مثل رأيه وإن آل الأمرُ في ذلك إلى قَتْل بيدمر. ولما حضر ابن البرهان إلى السلطان استدْناه واستفهمه عن سبب قيامه عليه، فأعْلَمه أن غرضه أن يقوم رجل من قريش يحكم بالعدْل، وأعلمه أن هذا هو الدين ولا يجوز غيره وزاد في ذلك، فسأله عمَّنْ معه على مِثْل رأيه من الأمراء فبر أهم فأمر بضربه، فضُرب هو وأصحابه وحُبِسوا بالخزانة المعدة لأهل الجرائم، وذلك في ذي الحجة ثمانٍ وثمانين [وسبعمائة]، ثم أفرج عنهم في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين، فاستمر ابن البرهان مقيمًا بالقاهرة على صورة؛ ومات في أربعٍ بقين من جمادى الأولى من هذه السنة وحيدًا فريدًا غريبًا، وحضَرْتُ جنازته والصلاة عليه في نحو سبعة أنفس لا غير. وكان [ابن البرهان] حسنَ المذاكرة والمحاضرة، عارفًا بأكثر المسائل التي يخالف فيها أهلُ الظاهر الجمهور، ويكثر "الاختصار" ويستحضر أدلَّتها وما يردّ على معارضيها؛ وأملى هو في الحبس "مسألة رفع اليدين في السجود"، ومسألة "وضع اليمني على اليسرى"، و "رسالة في الإمامة". سمعْتُ من فوائده كثيرًا، وكان كثير الإنذار بما حدث بعده من الفتن ولا سيما ما حدث من الغلاء والفساد بسبب رخص الفلوس، حتى رأى عندى قديما مرَّة منها جانبا كبيرًا من الفلوس فقال لى: "إحذَرْ أن تقتنيها فإنها ليست رأس مال" فكان كذلك لأنها في ذلك الوقت كان القنطار منها يساوى عشرين مثقالًا فأكثر، وآل الأمر

стр. 896

في هذا العصر إلى أنها تساوى أربعة مثاقيل ثم صارت تساوى ثلاثة ثم اثنين ورُبعا ونحو ذلك، ثم انعكس الأمر بعد ذلك فصار مَن عنده منها شي اغتبط به لما رُفِعَت قيمتها من كل رطل منها بستة دراهم إلى إثنى عشر ثم إلى أربعة وعشرين، ثم تراجع الحال لما فُقِدت، ثم ضُرِبَتْ فلوس أخرى خفيفةٌ جدًّا، وجُعل سعر كل رطلٍ أكثر من ثلاثين، وظهر في الجملة أنها ليست مالًا يُقْتنى لوجود التحلّل في قيمتها وعدم ثباتها على قيمة واحدة. قرأتُ بخط البرهان المحدث بحلب: "أنشدني أبو العباس أحمد بن البرهان عن الشيخ برهان الدين الآمدي قال: دخلْتُ على العلَّامة أبي حيان فسألتهُ في القصيدة التي مدح بها ابن تيمية، فأقر بها وقال كشطناها من ديواننا، ثم دعى بديوانه فكشف وأرانى مكانها في الديون مكشوطًا"، قال المحدث: "فلقيت الشيخ برهان الدين الآمدي فقال لى: لم أنشده إياها ولا أحفظها، إنَّما أحفظ منها قطعًا"؛ قال: "فكان الآمدي قد ذكر لي قبل ذلك الحكاية بزيادات فيها ولم يذكر القصيدة، قال: "ثم لقيتُ ابن البرهان بحلب في أوائل سنة سبع وثمانين فذاكرتُه بما قال لى الآمدى فقال لى: "قرأتُها على الآمدي فظهر أنَّه لم يحرّر النقل في الأول". والقصيدة مشهورة لأبي حيان وأنه رجع فيها. ٨ - أبو بكر بن عبد الرحمن بن فيروز، تقى الدين الحواري، وكان يقرئ أولاد القاضي تاج الدين السبكي، وسمع من بعض أصحاب الفخر، ثم ولى قضاء أذْرِعَات (١). مات في المحرم وله بضع وستون سنة. ٩ - جقمق الصفوى الحاجب بدمشق، قُبض عليه في المحرم سنة خمس ثم أُرْسِل إلى غزة، فلما ولى نوروز في هذه السنة (٢) استصحبه إلى دمشق وقرّره في الحجوبية، فلما انكسر نوروز مات.

стр. 897

١٠ - دقماق [المحمدى] الظاهرى، كان من الخاصكية وكان معه (١) بالكرك، قال القاضي علاءُ الدين في تاريخه: "كان شكلًا حسنًا شجاعًا كريمًا، عنده حشمةٌ زائدة، وأدب كبير"، وكان مِمَّن فرّ في وقعة شقحب مع كمشبغا الكبير إلى حلب فأقام بها، ثم أمَّره الظاهر تقدمةً بحلب ثم نيابة ملطية فاستمرّ بها مدّة، ثم ولَّاه الناصر نيابة حماة بعد تنم، ثم كان مِمَّن أُسِر مع اللنكية، ومن بعد تنم ولى نيابة صفد ثم نيابة حلب في سنة أربع وثمانى مائة، وواقع دمرداش النائب قبله فانتصر عليه، فلما كان في سنة ست وثمانى مائة تخيل من الناصر فهرب ووليها غيره، ثم بعد أشهر دخلها بغتةً فملكها، ثم واقعه الذي كان نائبهَا مع جَمْع (٢) جمعَهَم من التركمان فانهزم وذلك في ثانى رجب منها، ثم رَضِيَ عليه الناصر وولَّاه نيابة حماة بعد وقعة السعيدية، فلما كان في هذه السنة حاصره شيخ وجكم إلى أن كان من أمْره ما كان؛ ثم قُتِل وذلك في شعبان. ١١ - الشيخ زاده العجمى [الخرزباني] الحنفى، قدم من بلاده إلى حلب سنة أربع وتسعين وهو شيخٌ ساكنٌ يتكلم في العلم بسكون ويتعانى حَلَّ المشكلات، فنزل في جوار القاضي محبّ الدين بن الشحنة فشَغَل الناس، وكان عالمًا بالعربية والمنطق والكشَّاف، وكان له اقتدارٌ على حل المشكلات من هذه العلوم، وقد طارحه سراج الدين عبد اللطيف الفُوِّى بأسئلة من العربية وغيرها. نظم ونثر في قول "الكشاف": "إن الاستثناء في قوله تعالى "قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ. إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ" (٣) متصل أو منقطع؟ " فأجابه جوابًا حسنًا: إن كان الاستثناءُ منقطعا في الصورتين" فأجاب بأنه لا إشكال، قال: "وغاية ما يمكن أن يقال إن الضمير المستكن في "المجرمين" وإن كان عائدًا إلى القوم بالإجرام إلَّا أن إسناد الإجرام يقضى تجرده من اعتبار اتِّصافه بالإجرام فيكون إثباتًا للثابت" إلى آخر كلامه.

стр. 898

ومن نظمه في الحوادث، وهى قصيدة طويلة يقول فيها: فَلَا الشِّعْرُ مِنْ ذَاتِي وَلَا هو شِيمَتِي … ولا أنا من خبْل الفُكَاهَةِ في الخُبرِ ثم دخل القاهرة، وولى بعد ذلك تدريس الشيخونية ومَشيختها فأقام مدةً طويلةً إلى أن كان في أواخر هذه السنة (١) فإنَّه طال ضعفه، فشنَّع عليه القاضي كمال الدين بنُ العديم أنه خِرف، ووثب (٢) على الوظيفة فاستقر فيها بالجاه، فتألَّم لذلك هو وولده، ومقت أهلُ الخير ابنَ العديم بسبب هذا الصنيع، ومات الشيخ زادة عن قرب. وكان له ولدٌ يسمى "محمودا" كثير الفضل عارفًا بالعلوم الآلية، وأقبل على الحديث يُسْمِعُه ويُشغل فيه، وناب عن أبيه في الشيخونية فحُرم من وظيفة أبيه، فقرره جمال الدين في مدرسته لتدريس الحنفية، فانجبر بذلك. ١٢ - سالم بن سعيد بن علوى الحسباني، أمين الدين، قدم القدس وهو ابن عشرين سنة فتفقَّه بها، ثم قدم دمشق في حياة السبكي واشتغل وداوم على ذلك، وتفقَّه بعلاء الدين بن حِجِّى وغيره، وأخذ النحو عن السكسكي وغيره، ثم قدم القاهرة فقرأ في النحو على ابن عقيل، وفي الفقه على البلقيني وقدم معه دمشق، ولما ولى (٣) قضاءها ولَّاه قضاء بُصْرى، ثم لم يزل يتنقَّل في النيابة بالبلاد إلى أن مات. وكان مُكبًّا على الاشتغال، وفى ذهنه وقفة، وكان مُقلًا. مات في جمادى الأولى وقد جاوز السبعين. ١٣ - شاهين بن عبد الله السعدى الطواشي، خدم الأشرف فمَن بعدَه، وتقدم في دولة الناصر، ووَلِيَ نظر الخانقاه البيرسية وغيرها.

стр. 899

١٤ - شيخ السليماني [الظاهرى (١) برقوق] ولى صفد ثم طرابلس، ثم قبض عليه جكم ثم سجنه في صِهْيون (٢) ثم خلص منها وعاد إلى طرابلس، ثم ولى تقدمة في نيابة نورز بدمشق، ثم قتله جكم في بعض المغازي في هذه السنة. ١٥ - طاهر بن الحسين بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب بن شويخ الحلبي، زين الدين بن بدر الدين، وُلِد بعد الأربعين واشتغل بالعلم وتعالى الأدب، ولازمَ الشيخين أبا جعفر الغرناطي وابن جابر، وأُسْمع من إبراهيم بن الشهاب محمود، وأجاز له من الشام أحمد بن عبد الرحمن المرداوى (٣) ومحمد بن عمر السلاوى وغيرهما، ومن القاهرة شمس الدين بن القماح وغيره، وتعانى الإنشاء ببلده وقُرِّرِ موقِّعًا، ثم سكن القاهرة واستقر بها موقعا، وولى عدة وظائف، ومهر في النثر، وعمل شرحا على البردة وخمَّسها أيضًا، وذيَّل على تاريخ أبيه بطريقته، ونظم "تلخيص المفتاح"، وطارح الأُدباء القدماء منهم: فتح الدين بن الشهيد بأنْ كتب له بيتين فأجابه بثلاثين بيتا، وطارح سراج الدين عبد اللطيف الفيومى نزيل حلب؛ ونظم كثيرًا، وأحسَنُ ما نظم "محاسن الاصطلاح" للبلقيني، وليس نظمه بالمفلق ولانثره، وله قصيدة تسعة أبيات قافيتها "عودى"، وله فيه ما يستحيل بالانعكاس بيتَا (٤) واحدًا مع التزام الحروف المهملة.

стр. 900

وله: أيا فاضِلًا في العُلا سُؤْلُه … له العِلْمُ والحلْمُ صارا معًا أعدْ حَال ملك وحل عدو … ودعْ لحْوَ كل مُلاحٍ دعا ودع سالما لاعَداك السرور … ولارام سعدَك ساعٍ سَعَى وله: قلتُ له إذ ماس في أخْضر … وطرفه ألبابَنَا يسحر لحظك ذا؟، أو أبيض مرهف؟ … فقال لي: ذا موتك الأحمر وكانت وفاته في سابع (١) عشر ذي الحجة سنة ثمانٍ وثمانى مائة. اجتمعتُ به وسمعْتُ كلامه وأطرانى، وسمعْتُ عليه شيئًا من الحديث؛ ومن نظمه ولم أظفر به إلى الآن (٢). ١٦ - عبد الله بن عبد الرحمن العلوى. تقدم ذكره في الحوادث. ١٧ - عبد الرحمن بن علي بن خلف الفارسكورى (٣)، الشيخ العلامة زين الدين الشافعي، وُلد سنة خمسٍ وخمسين وقدم القاهرة ولازم الاشتغال، وتفقه على الشيخ جمال الدين [الإسنائى] والشيخ سراج الدين [البلقيني] وغيرهما، وسمع الحديث فأكثر، وكتب بخطه المليح كثيرا، ثم تقدّم وصنف، وعمل شرحًا على "شرح العمدة"

стр. 901

لابن دقيق العيد جمع فيه أشياء حسنة؛ وكان له حظ من العبادة والمروءة والسعى في قضاء حوائج الغرباء ولا سيما أهل الحجاز. وقد ولى قضاء المدينة ولم يَتِم له مباشرة ذلك، واستقر في سنة ثلاثٍ وثمانمائة في تدريس المنصورية ونظر الظاهرية ودرْسِها فعمر بها أحسن عمارة وحُمد في مباشرته، وقد جاور بمكة وصنَّف بها تصنيفا يتعلَّق بالمقام. وكان يودنى وأوده، وسمعْتُ بقراءته وسمع بقراءتي، وأسفْتُ عليه جدا، وقد سئل في مرض موته أن ينزل عن بعض وظائفه لبعض من يحبّه من رفقته فقال: "لا أتقيد بها حيًّا وميتا". مات في رجب وله ثلاث وخمسون سنة. ١٨ - عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الرحيم الحضرمى المغربي المالكي المعروف بابن خلدون، وُلد سنة ٧٣٣ (١)، وسمع من الوادياشي وغيره، وقرأ القرآن على أبي عبد الله [محمد] ابن سعد بن بزال [الأنصارى] إفرادًا وجمعًا، وأخذ العربية عن أبيه وأبي عبد الله الحصائري وأبي عبد الله بن بحر، وأخذ الفقه عن محمد بن عبد الله الحياني وقاضي الجماعة [محمد] بن عبد السلام، وأخذ عن عبد المهيمن الحضرمى ومحمد بن إبراهيم الأُبلى شيخ المعقول بالمغرب، وبرع في العلوم، وتقدّم في الفنون، وبهر في الأدب والكتابة، وولى كتابة السر بمدينة فاس لأبي عثمان ولأخيه أبي سالم، ودخل إلى غرناطة في الرسلية سنة أربع وستين. وكان ولى بتونس كتابة العلامة، ثم ولى الكتابة بفاس، ثم اعتُقِل سنة ثمانٍ وخمسين [وسبعمائة] نحو عامين، ودخل بجاية بمراسلة صاحبها فدَبِّر أُموره، ثم رحل - بعد أن مات -

стр. 902

إلى تلسمان باستدعاء صاحبها فلم يُقِم بها، ثم استدعاه عبد العزيز بفاس فمات قبل قدومه فقُبض عليه ثم خَلُص فسار إلى مراكش، وتنقَّلت به الأحوال إلى أن رجع إلى تونس سنة ثمانين فأكرمه سلطانها فسعوا به عند السلطان إلى أن وجد غفلةً ففرّ إلى المشرق وذلك في شعبان سنة أربع وثمانين، ثم ولى قضاء المالكية بالقاهرة، ثم عُزل وولى مشيخة البيبرسية ثم عُزل عنها، ثم ولى القضاء مرارًا كان آخرُها في رمضان من هذه السنة فباشره ثمانية أيام فأدركه الأجل. وكان ممن رافق العسكر إلى تمرلنك وهو مفصول عن القضاء، واجتمع بتمرلنك فأعجبه كلامه وبلاغته وحُسْن توسله إلى أن خلصه الله من يده. وصنَّف "التاريخ الكبير" في سبع مجلدات ضخمة ظهرت فيه فضائله وأبان فيه عن براعته، ولم يكن مطلعا على الأخبار على جليتها لاسيما أخبار الشرق وهو بين لمن نظر في كلامه، وكان لايتزيا بزى القضاة بل هو مستمر على طريقته في بلاده. مات في خامس عشري رمضان. قال لسان الدين بن الخطيب في تاريخ غرناطة: "رجل فاضل جمّ الفضائل، رفيع القدر، أصيل المجد، وقور المجلس، عالى الهمة، قوى الجأش، متقدم في فنون عقلية ونقلية، متعدد المزايا، شديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التصوّر، بارع الخط، حسن العشرة، مفخرة من مفاخر المغرب" قال هذا كله في ترجمته، والمذكور في حد الكهولة. قال العينتابي في ترجمة ابن خلدون: "مات فجأة بعد أن أعيد إلى القضاء بثلاثة أيام، وكان دينًا فاضلًا صاحبَ أخبار ونوادر ومحاضرة حسنة، وله تاريخ مليح، وكان يُتَّهمَ بأُمور قبيحة" كذا قال.

стр. 903

١٩ - عبد العزيز [بن (١) أحمد] بن سليمان المحلى، بدر الدين الشافعي، كان عارفًا بالوثائق وولى قضاء المحلة. مات بمكة مجاورًا عن ستين سنة. ٢٠ - على بن أحمد بن علوان النحريري، نور الدين، شاهد الطواحين السلطانية، مات في أواخر جمادى الأولى، وكان كثير التودّد، وقد سمع من الشيخ محمد القرمى وحدث عنه. ٢١ - على بن [محمد (٢) بن عبد النصير، السخاوى الأصل] الشيخ علاء الدين الكاتب المجود كاتب المنسوب الملقَّب "بعصفور" موقع الدست، ووقَّع عن جماعة من أكابر الأمراء، وهو الذي كتب عهد الناصر فرج في دولته الثانية، ومات عقب ذلك فقال فيه بعض أدباء العصر: قد نسخ الكتاب مِن بَعْدِه … عصفورُ لَمَّا طار للخُلْدِ مذْ كَتب العهدَ قضى نَحْبَه … وكان منه آخر العهدِ وقد كتب عليه جماعةٌ من الأعيان وانتفعوا به، وكان يكتب على طريقة ياقوت؛ وكان شيخنا الزفتاوى صديقه ويكتب على طريقة ابن العفيف؛ ودخل علاء الدين عصفور صحبة سودون قريب السلطان دمشق ووصل معه إلى حلب فنُهب مع مَنْ نُهب بأيدى اللنكية ولكنه نجا من الأسر. وكان بارعًا في كتابة المنسوب على طريقة الشاميين، وولى توقيع الدست فكان بعضهم يقول: "ضاع عصفور في الدست". مات في رجب. ٢٢ - فارس بن صاحب الباز التركماني، كان أبوه من أمراء التركمان فلما وقعت

стр. 904

الفتنة اللنكية جمع ولده هذا فاستولى على أنطاكية، ثم قوى أمره فاستولى على القصر، ثم وقع بينه وبين دمرداش في سنة ستٍ وثمانى مائة فانكسر دمرداش، ثم جمع دمرداش لقتاله بأنطاكية فحاصره، وكان جكم مع فارس ثم رجع عنه بغير طائل، فاستولى فارس على البلاد الغربية كلها وعظُم شأْنُه، وبنى بأنطاكية مدرسة (١) حسنة، واستولى على صِهْيون وغيرها من عمل طرابلس، وصار نوّاب حلب كالمحصورين معه لما استولى على أعمالهم؛ فلما ولى جكم نيابة حلب تجرّد له وواقعه فهزمه ونهب ما معه، واستمر حكم وراءه إلى أن حصره بأنطاكية سنة ثمانٍ وثمانمائة، ولم تزل الحرب بينهما إلى أن طلب فارس الأمان فأمنه ونزل إليه وسلَّمه لغازى بن أوذون وكان عدوَّه فقتله، وقَتل معه ابنه وجماعة منهم في شوال، واستنقذ حكم البلاد كلها من ابنه - ابن صاحب الباز - وهى أنطاكية والقصر والشُّغْر (٢) وحارم وغير ذلك، وانكسرَتْ بقتل فارس شوكة التركمان. ٢٣ - قوام بن عبد الله الرومى الحنفى قوام (٣) الدين، قدم الشام وهو فاضلٌ في عدة فنون فصاهر بدر الدين بن مكتوم، وولى تصديرًا بالجامع وشغل وأفاد وصحب النواب، وكان سليم الباطن كثير المروءة والمساعدة للناس. مات في ربيع الآخر (٤) بدمشق. ٢٤ - ماجد بن عبد الرزاق المعروف بابن غراب القبطي الملقب فخر الدين،، سمى نفسه "حمد بن عبد الرزاق" لمّا ولى المناصب بالقاهرة، وكان جدّه نصرانيا بالإسكندرية (٥)

стр. 905

وتعانى (١) صناعة الكتابة، وكان مِمَّن اتُّهم بإعانة الفرنج على نهب الإسكندرية، فلما توجهوا منها خاف وأسلم. ولما مات نشأ ولده عبد الرزاق واشتهر بمعرفة الكتابة والأمانة إلى أن ولى نظر الإسكندرية. ومات بعد الثمانين وخلَّف ماجدًا وإبراهيم وهو الأصغر، فاتصل إبراهيم بالأمير محمود الأستادار في سلطنة الظاهر برقوق وتلقب "سعد الدين"، وتنقلت به الأحوال على ما تقدّم في الحوادث. وعظُم قدر أخيه فخر الدين في الرئاسة فولى الوزارة ونظر الخاص وغير ذلك بعناية أخيه، ولم يكن فيه من آلات الرياسة شي بل كان يلثغ لثغة قبيحة ويسير سيرة جائرة، ولما مات أخوه خَمل وخمد وآل أمره إلى أن مات في حبس الأمير جمال الدين الأستادار، وقد تقدمت ترجمته في آخر الحوادث (٢) من هذه السنة. ٢٥ - محمد بن أبي بكر بن إبراهيم (٣) شمس الدين الجعبرى الحنبلي العابر، كان يتعانى صناعة القبّان، وتنزَّل في دروس الحنابلة، ونزل في سعيد السعداء، وفاق في عبارة الرؤيا، ومات في جمادى الآخرة (٤). ٢٦ - محمد بن أبي بكر بن سليمان بن أحمد العباسي أمير المؤمنين المتوكل على الله ابن أبي عبد الله بن المعتضد بن المستكفى بن الحاكم، ولد في سنة نيف وأربعين أو نحوها، وتولَّى الخلافة في سنة ثلاث وستين بعهد من أبيه إليه، واستمر في ذلك إلى أن مات في شعبان من هذه السنة سوى ما تخلَّل من السنين التي غضب فيها عليه الملك الظاهر برقوق من ولاية قريبه، واستقر في الخلافة بعده ولدُه أبو الفضل العباسي ولقب المستعين

стр. 906

بالله، وكان قد عهد قبله بالخلافة لولده الآخر المعتمد على الله أحمد، ثم خلعه وولى هذا، واستمر ذلك مسجونًا إلى أن مات. ولما هرب الأشرف شعبان من عقبة أيلة سأل طشتمر المتوكل أن يبايع له بالسلطنة فامتنع وقال: "بل اختاروا من شئْتُم وأنا أوليه"، فقدم معهم وأقيم المنصور بن علي بن الأشرف، وقام بتدبير المُلك "أينبك"، فخلع المتوكل من الخلافة وأقام قريبه زكريا ابن إبراهيم في ثالث عشرى صفر سنة تسع وسبعين، ثم أُعيد بعد شهر إلى أن تسلطن برقوق، فحسّن له جماعة من أهل الدولة وغيرهم طلب المُلك، فكاتب الأمراء والعربان مِصْرًا وشامًا وعراقًا، وبثَّ الدعاة في الآفاق، فنمّ عليهم صلاح الدين بن تنكز في رجب سنة خمس وثمانين [وسبعمائة] وأخبره عن خاله طنبغا أن الخليفة اتفق مع قرط الكاشف أن الظاهر إذا ركب إلى الميدان أن يقبض عليه، ووافقهم إبراهيم بن قطلقتمر أمير جندار، فاستدعى الخليفة في الحال وقيده وسجنه في برج القلعة، وقبض على إبراهيم وقرط، ووُسِّط قرط وحُبس إبراهيم. وأقام عمر في الخلافة ولُقِّب "الواثق"، ثم مات عمر وأُقيم أخوه زكريا ولُقِّب "المستعصم"، واستمر المتوكل في الحبس إلى أن خرج بلبغا الناصري فأفْرَج برقوق عن الخليفة في صفر سنة إحدى وتسعين لأنَّه بلغه أن النَّاصري يشَنِّع عليه كونه سجَنَ الخليفة، فأمر بالتضييق عليه ومنع الناس من الدخول إليه؛ فلما قوى أمر الناصري أفرج عنه في ربيع الأول وأحضَره عنده وتحادث معه ساعةً وأعطاه مالًا وثيابًا، ثم أحضره في أول يوم من جمادى الأُولى وخلع عليه وأركبه حجزة شهباء، وأركبه من باب النحاس وأمره بالانصراف إلى داره، وركب معه الأُمراءُ والقضاة ونُشرت على رأسه الأعلام السود، وفرح الناس به فرحًا عظيما ولم يبْقَ أحدٌ حتى خرج لرؤيته فكان يومًا مشهودًا، فلما قدم الناصري وغلب على المملكة وزالت دولة برقوق قال يلبغا الناصرى للخليفة في محضر من الأُمراء: "يا مولاي أمير المؤمنين، ما ضرَبْتُ بسيفى هذا إلَّا في نصرتك" وبالغ في تعظيمه وتبجيله، فأشار عليه بإعادة حاجي بن شعبان إلى المملكة، ثم أخرج منطاشُ الخليفة والقضاة معه لمّا

стр. 907

خرج برقوق من الكرك، فلما انتصر برقوق جدّد له الخليفة الولاية بالسلطنة وأحسن إليه واستمر على حاله إلى أن مات برقوق، فقلَّد السلطنة لولده الناصر فرج. ومات في أيامه. ٢٧ - محمد بن أبي بكر بن محمد بن الشهاب محمود بن سلمان بن فهد، الحلبي الأصل الدمشقى، شمس الدين بن شرف الدين، وُلد في شعبان سنة ٧٣٤، وحضر في الخامسة "المنتقى من معجم ابن جميع" على البرزالي وأبي بكر بن قوام وشمس الدين بن السراج والعلم سليمان [بن عسكر بن عساكر] المنشد بطريق الحجاز في سنة تسع وثلاثين، وسمع في سنة ثلاث وأربعين عن عبد الرحيم بن أبي اليسر، والشرف عمر بن محمد بن خواجه إمام، ويعقوب بن يعقوب الحريري، والعزّ محمد بن عبد الله الفاروثى وغيرهم: "الأوَلين من مشيخة الفخر"، وحدّث. وكان شكلا حسنًا كامل الهيئة مفرط السمن، ثم ضعف بعد الكائنة العظمى وتضعضع حاله بعد ما كان مثريًا، وكان كثير الانجماع عن الناس مكبًا على الاشتغال بالعلم، ودرس بالبادرائية نيابة، وكان كثير من الناس يعتمد عليه لأمانته وعقله. مات في خامس عشرى جمادى الأولى وقد ولى قبل ذلك كتابة السر. ٢٨ - محمد (١) بن الحسن الأسيوطى شمس الدين، كان (٢) عالما بالعربية حسن التعليم لها، انتفع به جماعة وكان يعلم بالأجرة وله في ذلك وقائع عجيبة تنبئ عن دناءةٍ شديدة وشُحٍّ مفرط، وكان منقطعًا إلى القاضي شمس الدين بن الصاحب الموقع، ونبغ له ولده شمس الدين محمد (٣) لكن مات شابًّا قبله. رحمهما الله تعالى.

стр. 908

٢٩ - محمد بن عبد الله الحُضرى - بضم المعجمة بعدها معجمة مفتوحة - نزيل مكة الطبيب، كان يتعاني الطب والكيماء والنارنجيات والنجوم، وأقام بمكة مجاورًا بها مدة، لقيتُه بها سنة ستٍّ، ودخل اليمن فأقبل عليه سلطانها الناصر فيقال إنَّ طبيب الناصر دس عليه مَن سمّه فهلك، وكان هو اتُّهم بأنَّه دسّ على الرئيس شهاب الدين المحلِّى التاجر سُمًّا فقتله في أواخر سنة ستٍّ وثمانمائة. ٣٠ - محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن إبراهيم بن جملة بن مسلم، المصرى الأصل، الدمشقى، كمالُ الدين، كان رئيسًا محتشمًا متموّلًا باشر ديوان البيع ثم تركه ومات في المحرم. ٣١ - محمد بن عبد الرحمن بن عبد الخالق بن سنان البَرْشَنْسى - بفتح الموحدة بعدها راء [ساكنة] (١) وفتح المعجمة بعدها نون ثم سين مهملة - اشتغل قديما وسمع الحديث من القلانسي ونحوه، وحدث وأفاد ودرس مع الدين والخير، [ورأيت] (١) له منظومةً في علم الحديث وشرحها، وشرح أسماء رجال الشافعي وكتابًا في "فضل الذكر" وغير ذلك؛ سمعْتُ عليه قليلًا. ومات وله سبعون سنة. ٣٢ - محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو حاتم بن أبي حامد ابن الشيخ تقي الدين، اشتغل قليلًا وناب في الحكم من سنة تسعين [وسبعمائة] عن ابن الميلق إلى أن مات في أحد الجمادين وله أربع وخمسون سنة. ٣٣ - محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الفارسي الأصل المقدسي ثم الدمشقى المعروف بابن المهندس، أخو شيخنا شهاب الدين وهو الأصغر - أعنى أحمد - نشأ صينًا جيدًا، وصحب الشيخ فخر الدين السيوفى بمكة والشيخ عبد الله اليافعي؛ وكانت له في نشأته أحوالٌ صالحة، ثم باشر بعض الدواوين وحصّل أموالًا ولم تُحْمَد

стр. 909

سيرتُه، وكان قد سمع من الميدومى وغيره، ومات في شوال ودُفِن في تربته التي أنشأها شرقى الشامية البرانية بدمشق. ٣٤ - محمد بن محمد بن [محمد بن] (١) أسعد بن عبد الكريم بن سليمان بن يوسف بن علي بن طحا الثقفى القاياتي، فخر الدين أبو اليمن، اشتغل قليلًا وسمع الحديث من نور الدين الهمداني وغيره ونسخ بخطه الكثير وجاور بمكة مرارًا، وتلا بالسبع على بعض المتأخرين، وكان قد اشتغل في قضاء مصر والجيزة نيابةً فباشرها مدة طويلة منفردًا ثم اشترك معه غيره مع استمراره على أنه الكبيرُ فيهم، وعُيِّن للقضاء فامتنع ولازم النيابة إلى أنْ مات، وخَلَّف مالًا طائلًا، وأوْصى بثياب بدنه لطلبة العلم ففُرِّقَت فيهم. مات (٢) في رجب وقد جاوز الثمانين. ٣٥ - محمد بن محمد بن حسن الأسيوطى، شمسُ الدين بنُ شمس الدين، اشتغل بالفقه والحديث والعربية، وتقدّم ومهر في عدة فنون ورافقنا في السماع كثيرًا. مات بعد أبيه (٣) في هذه السنة. أحسن الله عزاءنا فيه. ٣٦ - محمد بن محمد بن شهرى بن الخضر بن شهري (٤) الزبيري العيزري الغزى، وُلد في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين، وتفقَّه بالقاهرة على ابن عدلان وأحمد بن محمد العطار المتصدّر بالجامع الحاكى ومحيى الدين ولد مجد الدين الزنكلوني، وقرأ على البرهان الحكرى ورجع إلى غزة سنة ٧٤٤ فاستقر بها، ودخل دمشق فأخذ عن البهاء المصرى والتقى والتاج السبكيين وغيرهم، وأذن له البدر محمود بن علي بن هلال (٥)

стр. 910

في الإفتاء، وأخذ عن القطب التحتانى، وصنف تصانيف في عدة فنون، وكتب إليَّ أسئلةً من عدة علوم وله "مناقشة (١) على جمع الجوامع"، وذكر أنه شرحه، واختصر "القوت" للأذرعى، وله "تعليق (٢) على الشرح الكبير" للرافعى، ونظم في العربية أرجوزةً سمّاها "قصم الضرب في نظم كلام العرب"؛ ومات في نصف ذي الحجة هذه السنة. وقال القاضي تقى الدين الشهبي: "وقفتُ له على اعتراضاتٍ على فتوى للشيخ سراج الدين البلقيني فوَصَلَتْ إلى ولده القاضي جلال الدين فرَدَّ عليه وانتَصر لأبيه، فبلغه ذلك فانتصر لنفسه وردّ ما قاله القاضي جلال الدين". ٣٧ - محمد بن موسى بن عيسى الدميرى (٣) ثم المصرى كمال الدين الشافعي، وُلد في حدود الخمسين (٤) وتكسَّب بالخياطة، ثم طلب العلم وسمع "المسند" تامًّا من العرضي وغير ذلك، ولازم خِدمةَ الشيخ بهاء الدين [أحمد] السبكي وتخرج به وبغيره. وكان اسمه "كمالًا" وبذلك كان يكتب بخطه في كتبه، ثم تسمى "محمدا"، ومهر في الفقه والأدب والحديث، وشارك في الفنون، ودرّس الحديث بقبة بيبرس وفي عدة أماكن، ووعظ فأفاد، وخطب فأجاد، وكان ذا حظٍّ من العبادة: تلاوةً وصيامًا ومجاورةً بالحرمين، وتذكر عنه كرامات وكان يخفيها وربما أظهرها وأحالها على غيره. وصنَّف "شرح (٥) المنهاج" في أربع مجلدات لخَّصه من كلام السبكي وطرزه بفوائد كثيرة من قبله؛ ونظم في الفقه أرجوزة طويلة، وصنَّف "حياة الحيوان" فأجاده وأكثر فوائده مع كثرة استطراد فيه من شي إلى شيء، وشرع في "شرح ابن ماجة" فكتب مسودته وبيّض بعضه. ومات في ثالث جمادى الأولى.

стр. 911

٣٨ - محمد بدر الدين بن منهال نائب الحسبة وغيرها، وكان يُرْخِي العَذَبة ويباشر عند الأُمراء. ٣٩ - محمد الحنبلي المعروف بابن المصرى، شمس الدين، كان من نبهاء الحنابلة يحفظ "المقنع"، وهو آخر طلبة القاضي موفَّق الدين موتًا، وكان قد ترك وصار يتكسب في حانوتٍ بالصاغة. ٤٠ - محمود (١) بن أحمد بن إسماعيل بن العز الحنفي، القاضي محيي الدين بن نجم الدين بن عماد الدين بن الكشك، اشتغل قليلًا وناب عن أبيه واشتغل بالقضاء. ولما كانت فتنة تمر دَخل معهم في المنكرات وولى القضاء من قبلهم ولقِّب "قاضي المملكة"، واستخلف بقية القضاة من تحت يده، وخَطب بالجامع، ودَخل في المظالم وبالَغ في ذلك فكرهه الناس ومقتوه، ثم اطَّلع تمر على أنه خانه فصادره وعاقبه وأسره إلى أن وصل تبريز فهرب ودخل القاهرة، فكُتب توقيعه بقضاء الشام فلم يمضه نائب الشام شَيْخٌ واستمرَّ خاملًا إلى أن مات وتفرّق أخوه وأولاده وظائفه ثم صالحوه على بعضها. ومات محيى الدين في ذى الحجة، وهو والد رئيس الشام شهاب الدين (٣). ٤١ - نُعَيْر (٤) أمير العرب - بنون ومهملة مصغَّر - هو محمد بن حيار - بالمهملة المكسورة ثم التحتانية الخفيفة - بن مهنا بن عيسى بن مهنَّا بن مانع بن حديثة الطائي أمير آلَ فضل بالشام، يلقب "شمس الدين" ويعرف بـ "نُعَيْر"، ولى الإمْرة بعد أبيه ودخل القاهرة مع يلبغا الناصرى، ولما عاد الظاهر من الكرك وافق نعير منطاش

стр. 912

في الفتنة المشهورة، وكان مع منطاش لما حاصر حلب، ثم راسَل نعير نائبَ حلب إذ ذاك كَمَشْبُغا في الصلح وسلَّمه مِنْطَاش، ثم غضب [برقوق] (١) على نعيرٍ وطرده من البلاد، فأغار نعير على بني عمّه الذين قُرِّروا بعده وطردهم، فلما مات برقوق أعيد نُعير إلى إمرته، ثم كان ممَّنْ استنجد به دمرداش لما قدم اللنكية فحضر بطائفةٍ من العرب، فلما علم أنه لا طاقة لهم به نزح إلى الشرق، فلما نزح التتار رجع نعير إلى سَلَمْيَة (٢)، ثم كان ممن حاصر دمرداش بحلب، ثم جرت بينه وبين الأمير جكم وقعة فكُسر نعير ونُهب وجِئ به إلى حلب فقُتل في شوال منها وقد نيف على السبعين. وكان شجاعًا جوادا مهيبًا إلا أنَّه كثير الغدْر والفساد، وبموته انكسرت شوكة آل مهنا؛ وكان الظاهر خدعه ووعده حتى تسلَّم منطاش وغدر به ولم يف له الظاهر بما وعده بل جعل بعد ذلك عليه ذنبا، وولى بعده ولده (٣) العجل (٤). * * *

стр. 913

سنة تسع وثمانمائة في الثالث من المحرم استقر شمس الدين محمد بن عبد اللطيف المناوي الملقب بالبدنة (١). وفيها مات ناصر الدين الطناحي (٢) في المحرم أو صفر وكان إمام السلطان، واستقر تاج الدين عبد الوهاب بن نصر الله في نظر الأحْباس عوضًا عنه، وكان الطناحي بتعاني الكيمياء ويُفْسد ماله فيها. واستهلت [هذه السنة] وقد غلب نوروز على دمشق وخرج عنها نائبُها فتوجه إلى الرَّملة، ورجع جكم من دمشق في أوائل المحرّم طالبًا البلاد الحلبية، وتوجه نوروز إلى جهة شيخ ليقبض عليه، فاستمر شيخ متوجهًا إلى الديار المصرية فوصل إليها في الثالث من صفر فنزل الميدان فأكرمه السلطان وعظمه وهاداه أكثر الأمراء، وصُحْبَتُه حينئذ ولدا (٣) ابن التبانى بواسطة الأمير قطلوبغا الكركي، ووصل أيضا دمرداش نائب حلب - كان - وألطنبغا العثمانى حاجب دمشق، ويونس الحافظي نائب حماة، وسودون الظريف وآخرون، وخُلع على شيخ في الثالث من صفر. ورجع نوروز من الرملة بعد أن فاته شيخ ومن معه فأوْقَع بالعرب في صرخد، وجاء بجمالٍ كثيرة ودخل دمشق في أواخر صفر (٤). وفي مستهل ربيع الأول برز شيخ ودمرداش ومَن معهما من العساكر إلى جهة الشام لقتال نوروز وجكم، وخرج معهما سودون الطيار أمير سلاح وسودون الحمزاوي الدوادار، ثم خرج الناصر في ثامن الشهر وعسكر بالريدانية.

стр. 914

واستخلف بالقاهرة تمراز نائبا في الغيبة ورحل من الريدانية ثانى عشره (١)، ثم دخل غزة في ثاني عشرى ربيع الأول، ثم دخل دمشق في سابع ربيع الآخر، وحَمَل الجتر (٢) بين يديه شيخ نائبُ الشام. ورحل السلطان مَن الريدانية صبيح يوم الجمعة فخرج الناس من القاهرة، ولما بلغهم ذلك - كالوزير وناظر الخاص والقاضي الشافعي قبل صلاة الجمعة - تأخَّر كثير منهم إلى أن صلوا الجمعة وركبوا ووصلوا إلى غزة في ثاني عشرى ربيع الآخر، ثم وصل إلى دمشق في سابع ربيع الآخر (٣). وجهَّز السلطان قبل سفره أخويه المنصور عبد العزيز وإبراهيم إلى الإسكندرية، وأرسل معهما قطلوبغا الكركي وإينال حطط يحتفظان بهما، فلم يلبثا (٤) أن ماتا في يوم واحد في العُشر الأول من ربيع الآخر، وأُحْضِرا إلى القاهرة ميتَيْن فدُفِنا في تربة أبيهما، وحضَر مع الأمير الذي كان موكَّلًا بهما محضر مثبوت بأنهما ماتا بقضاء الله وقدره. وكان نوروز لما بلغَتْه حركة السلطان إلى الشام جهَّز سودون المحمدى في عسكرٍ إلى الرّملة وأمره بشَنْق فواز أمير عرب حارثة فشُنق، ووصل إليه إينال بن قجماس ويشبك بن أزدمر هاربَيْن من القاهرة، ووصل معهما سودون المحمدى هاربًا من الرملة؛ ودَخل الرملة جبريل والعثمانى وجاهين دويدار نائب الشام. وفى سابع عشر ربيع الآخر خرج نوروز ومعه العسكر إلى قَصْد قتال ابن بشارة (٥)، وأرسل بكتمر جلق لجمْع العشير، ثم رجع نوروز إلى البقاع ولحق به بكتمر وتوجَّها

стр. 915

إلى بعلبك، ثم توجّهوا إلى ناحية حمص في أواخر الشهر؛ ودخل جاهين دوادارُ النائب في سابع عشرى ربيع الأول إلى دمشق، ثم وصل أُستاذه ودمرداش إلى الشام آخر يوم في ربيع الأول؛ واستقر ألطنبغا العثماني في نيابة صفد، وعمر بن الهدبانى حاجبَ الحجّاب بدمشق، واستقر سودون بقجة في نيابة طرابلس. وفي ربيع الآخر سعَتْ جماعةٌ من المماليك لطلب النفقة فأمر الناصر بمسْك جماعةٍ منهم وشَنْق جماعة. وفى نصف ربيع الآخر برز السلطان إلى جهة حلب واستقرّ صبيحةَ ذلك اليوم نجمُ الدين عمرُ بنُ حجى - أخو الشيخ شهاب الدين - في قضاء الشام، واستقر علاءُ الدين ابن نقيب الأشراف الدمشقى في كتابة السرّ. ووصل في هذا الشهر شمسُ الدين الإخنائى إلى دمشق وكان قد ملَّ من السعي في قضاء الشافعية بمصر وتناوَبَ ذلك القاضي جلال الدين البلقيني أربع مرات، وفي الآخر استعان البلقيني عليه بجمال الدين الأستادار فألزمه بالسفر صحبة العسكر إلى الشام فسافر وفارقَهم إلى القدس. * * * وفى ربيع الأول غضب الناصر على قضاة حماة ورسم عليهم وصادرهم وأهانهم، ووضع في رقابهم الزناجير لكوْنهم أثبتوا محضرا صورته: أنهم سمعوا طائرًا بحماة يقول: "اللهم انصر جكم"؛ وكان قبل ذلك قد رسم على قضاة الشام وطلب من كل واحدٍ منهم مالًا كثيرًا فُوزن أكثره في الترسيم، فطلب من علاء الدين أبي البقاء مالًا فاختفى ثم مات قريبًا. ودخل (١) الناصر حلب في أواخر ربيع الآخر وصُحْبَتُه القضاة: البلقيني والكمال بن العديم والبساطى وسالم، فهرب جكم ونوروز وتمريغا المشطوب من حلب وعدوا الفرات،
следующие страницы →