وفي سابع رجب سُجِن بكتمر جلق (١) بقلعة دمشق، ودخل الأَميران دمشق في ثامن رجب بعد أن رضِيَ شيخ بطرابلس وأَخذ في التجهيز إليها، ثم خرج في ثامن عشر رجب وودّعه نوروز، واستقرّ معه في قضاء طرابلس تاج الدين محمد بن القاضي شهاب الدين الحسباني، ثم فرّ بكتمر جلق في عاشر رمضان من سجن قلعة دمشق فتوجّه إلى صفد ثم إلى غزة، ثم بسط نوروز يده في المصادرات فبالغ في ذلك حتَّى إن بعض التجار كانوا يترحّمون على تمرلنك، وفرض على جميع الجهات: جليلِها وحقيرها حتى الخانات والحمامات وأرباب المعائش حتى الذين يبيعون الخزف تحت القلعة حتى باعة السراطين حتى الباعة في الطَّبالي حتى انقطعت الأَسباب وتعطَّلت المعايش؛ نقلْتُ ذلك من تاريخ ابن حجّى.
وفي رجب ضُرِب عبد الله المجادلي بين يدَىْ نوروز ضربًا مبرحًا لكثرة شكوى الرؤساءِ منه أَنه يؤذيهم بلسانه وسعْيِه، ثم شُفع فيه فأُرسِل (٢).
وفي شعبان قَبض نوروز على يشبك الموساوى وكان السلطانُ أَرسله إلى نيابة الكرك.
وكان نوروز قد أَرسل إليها سودون الحاجب، فمنع يشبك المذكور فرجع إلى غزَّة وبها سلامش فحاربه، فأُسرَ يشبك ووقعَتْ فرسه في طينٍ فوقع فأَرسله إلى نوروز فسجنه بدمشق في أَول رمضان.
وفيه كان السيْل العظيم بطرابلس، قيل إنهم مارأَوا مثله فهدَم أَبنيةً كثيرةً وهلك بسببه خلق كثير.
وفي رمضان هرب بكتمر جلَّق من القلعة فتوجّه إلى نابلس، فبلغ ذلك نوروز فخرج إليه ففرَّ إلى غزة، ثم وصل يشبك بن أَزدمر من حماة فبلغه وهو في حمص أَن تمريغا المشطوب نائبَ حلب قصد النزول على التركمان فبيّتوه وكسروه ورجع منهزمًا، فردّ
стр. 947
يشبك جماعته إلى حماة لحفظ البلد وأَقام هو بدمشق في ناس قليل، وأَرسل إلى نوروز يُعْلمُه بذلك، فقدم نوروز دمشق ورجع يشبك إلى حماة، ودار نوروز في الرملة وقايون والغور أَكثر من شهر ثم رجع، وكان قد نَهب للعرب إبلًا كثيرة، فلمّا تحقَّقوا أَنه دخل دمشق كبسوا عليها فاستنقذوها، وبلغه ذلك فخرج إليهم فلم يظفر بهم؛ ثم قَبض علَى نقيب الأَشراف علاء الدين كاتب السر ونسَبَه إلى مكاتبة المصريين ثم بَذل الشريف مالًا وأُطلق، ثم عُزل ابن القطب من قضاءِ الحنفية بدمشق وولى ابن القضامي قاضي حماة وكان هرب من نائبها فسعى فوُلِّيَ، والواقع في نفس الأَمر أَن القضاءَ باسم صدر الدين بن الأَدمي من الناصر.
وفي رمضان صُرِف الباعوني من خطابة جامع دمشق ونُقِل إلى خطابة القدس، واستقرّ شهاب الدين بن حجّي في الخطابة بجامع دمشق.
* * *
وفي شعبان كاتب شيخ الناصرَ يسأَله أن يولّيه نيابة الشام بشرط أَن يكفيه جميع أَعدائه ويقبض عليهم فأَجابه إلى ذلك، وكان بمصر يومئذ صدر الدين الأَدمي وقد هرب منذ هرب شيخ ويشبك خوفًا من نوروز فأَقام بالقاهرة، فولَّاه الناصر قضاء الحنفية بدمشق، وولى نجم الدين بن حجّى قضاءَ الشافعية بها، وأَرسلهما إلى شيخ وهو بطرابلس ليعلِماه برضى السلطان عنه وتفويض نيابة دمشق إليه، وحضرا حلْفَ السلطان والأُمراء له، وخرجا من القاهرة في أول شوّال ومعهما أَلطَنْبُغَا شَلَاق الحاجب وألْطَنْبُغا شَقَل ومعهما تقليد بَكْتَمِر جَلَّق بنيابة طرابلس وَيَشْبَك بن أَزْدَمُر بنيابة حماة، فوصلوا إلى شيخ في البحر في شهر ذى الحجة وهو على المرقب، وكانوا توجهوا في النيل إلى دمياط ثم إلى عكا ثم إلى صفد ثم إلى طرابلس في البحر الملح، وتلقاهم شيخ وقبل الرسالة ولم يلبس خلعة النيابة، وأرسل قاصده إلى نوروز يخبره بذلك.
وكان نوروز قد بلغه الخبر فأَرسل قاصدًا يستكشف ذلك، فأَرسل إليه شيخ
стр. 948
الخلعة والتقليد وابن الأَدمى القاضي الحنفي وجماعةً من الأُمراء فوصلوا إلى نوروز وأَعلموه بعدم قبول شيخ النيابة، وأَحضروا إليه التقليد والخلعة فرضِىَ بذلك وأَمَر بتزيين البلد، وكان قد نادى فى العسكر بالتجهيز ففترت همته بذلك، وكان نجم الدين ابن حجّي قد تغيّب فلم يصل صحبةَ المذكورين.
وفى ذي القعدة قدم نائب حلب تمر بغا المشطوب إلى دمشق لتأْكيد الاتفاق بينه وبين نوروز، وكان بلغ نوروز عنه أَنَّه مَالَأَ عليه نقدم ليظهر لنوروز كذب ما نُقل عنه فأَقام أُسبوعًا ورجع.
وفى أَوائل ذى الحجة حاصر جاهين -دويدار شيخ- صهيون فغلب عليها، وأرسل إلى دمشق بذلك فضُربت البشائر.
وفى هذه السنة استقر أرغون شاه النوروزى في الأُستادارية بدمشق ولم تزل تتنقل به الأَحوال حتى ولى الوزارة بالقاهرة في الدولة المؤيدية، ثم ولى الأستادارية بالقاهرة في الدولة الصالحية (١).
* * *
وفي سادس جمادي الأُولى توجّه السلطان بثياب جلوسه إلى بيت قَرَاقَجا وكان مريضًا فعاده، ثم توجّه إلى تربة والدته بين القصرين في مدرسة والده فزارها، وأَنعم على أَهل المدرسة ببلد أُنبوبة ليُزَاد خراجها فى معاليمهم وفرحوا بذلك واستمر (٢) بقية عمره، ثم توجّه إلى بيت رأْس نوبة الكبير وهو بالقرب من الجامع الأَزهر فدخل إليه، ثم توجه إلى بيت الحاجب الكبير كزل العجمي وهو بالقرب من باب البرقيّة فدخل إليه ثم صعد القلعة، وكان عَهْدُ الناس بَعُد بُعْدًا شديدًا من سلطان يفعل مثل هذا التبذّل، ولم يُعرف أن ذلك وقع لملك من ملوك مصر قبله؛ وقد تبِعَه على ذلك من جاءَ بعده.
* * *
وفيها قتل (٣) ذريب بن أَحمد بن عيسى الحرامى أَمير حلى والمدينة -التي بين مكة واليمن
стр. 949
على ساحل البحر- في حربٍ بينه وبين كنانة وهم العرب النازلون بها، واستقل أَخوه موسى بالإمرة، وكان شريكَ أَخيه دريب فيها لكن لا كلام له معه، فلما قُتل انفرد موسى بالإِمرة، فلما أَن غَلبت كنانة ثار حسن بن عجلان عليه فانتزع منه البلد،، فلجأَ موسى إلى النَّاصر صاحب اليمن، فسأَل ابن عجلان أَن يكفّ عنه فترك له بلده فاستمر به (١) إلى أَن مات، كما سيأْتي في سنة ثماني عشرة.
* * *
وفي آخر ربيع الآخر أُحضر زين الدين عبد المعطي الكوم ريشي إلى منزل جمال الدين الأستادار فضربه بحضرة القضاة الأَربعة سبعمائة عصًا وسجنه، وحصل له من الناس - حالةَ مجيئه وتوجّهه إلى الحبس- صفع عظيم، وكان السبب في ذلك أَنه كان يتردَّد إلى آقباي الحاجب فأَقامه في عمارةٍ له برأْس البندقانيّين، وآقباي يومئذٍ نائب الغيبة، وكان المذكور ينوب عن الحنفيّ في الحكم وعنده رسلٌ فيأْمرهم بصفع من يريدُ مَنْ يتحاكم إليه فتحاماه الناس، فصار يرسل لمن يريد إهانته مِن بياض الناس فيصفع بحضرته، وشاع عنه أَنه رُفع له شاب نحو العشرين سنة وادُّعِىَ عليه أَنه أَكره صغيرًا مراهقا حتى فسق به فأَمر فى الحال مَن بحضرته من الفعلة الذين في العمارة أَن يفسقوا به قصاصًا بزعْمه، فعَظُمت لشناعة عليه بذلك، فأَرسل الأَمير أَحمد بن أُخت الأستادار -وهو يومئذٍ ينوب عن خاله- إليه فهرب واحتمى بآقباي، فعلم آقباي بصورة الحال فأَرسله إلى نائب الأستادار فضربه واجتمع عليه مَن تقدّم له منه أَذًى من العوامّ فكادوا يقتلونه وبالغوا فى إهانته وصفعه، ثم خلص وعاد إلى ما كان عليه.
فلمّا قدم العسكر شكى ولد القاضي الحنفي له ما جرى، وكان هو يبالغ في الإساءة لولد الحنفي ويزْدرى بجميع النواب، فتمالئوا عليه وأَنهوا إلى الأستادار قصّته فضربه كما تقدّم وسجنه، ثم بلغ خبره السلطان فأَمر بإحضاره فضربه بالمقارع وأَقام في الحبس مدةً طويلةً ثم خلص بعد ذلك بمدّة وتناسى الناس الخبر، وأَظهر هو الرجوع عن تلك
стр. 950
الطريقة فعاد إلى نيابة الحكم عن قضاة الحنفية، وبلغ من أَمره في سلطنة الأَشرف أن القاضي زين الدين التفهنى امتنع من استنابته، فأُرسل إليه ناظر الجيش وكاتب السر برهان الدين الشريف برسالةٍ من السلطان يأْمر القاضي باستنابته، وصار يحضر المولد النبويّ واستمر على طريقته ومجونه إلى أَن مات فى أَواخر سنة ثلاث وثلاثين مقهورًا، أَنه كانت له صرّة ذهب خشى عليه من السُّرّاق فأَودعها عند بعض القضاة، ثم احتاج إلى شيءٍ منها فادّعى أَنها سُرقت من منزله وحلف له على ذلك فما استطاع أَن ينازعه في ذلك لشدّة سطوة القاضي المذكور وبادِرَتِه، فكمد فمات.
* * *
وفيها أَرسل ملك الهند ببنجالة -واسمه أَحمد خان بن ميرخان بن ظفر خان- وكان أبوه كافرًا فأَسلم هو وقتل جدّه وأَحرق عمّ أَبيه واسمه "لان"، فأَرسل إلى مكة خيمةً حمراءَ كبيرةً جدا ليُظِلّ بها الطَّائفين حول البيت، فنصب بعضها وأُخِّر أَكثرها متوقِّفًا على إذْنِ صاحب مصر، ثم تنوسِيَت وتملَّكها صاحب مكة لنفسه.
وفيها بُنِيَتْ المدرسة البنجالية بالجانب اليماني ممّا يلى صنعاءَ وصَرف عليها أَلوف الدنانير، ورتَّب لها مدرّسين وطلبةً وغير ذلك، وأَهدى ملك بنجالة لأَهل مكة شاشات كثيرة جدا حتى قيل إنَّ الذي خصّ صاحب مكة وحده أَلف شاش.
وفيها بدأَ جمال الدين الأستادار في إنشاء مدرسته برحبة العيد وذلك في خامس جمادي الأُولى.
* * *
وفيها بعد قتل جكم جمع خليل بن قراجا بن علي بن ذلغادر التركماني -الذي يقال له علي بَك- جمْعًا من التركمان وقصد حلب لإخراج مَن فيها مِن أَتباع جكم، وكان جكم حبس ولده بالقلعة، فلما وصل إلى مرج (١) دابق أَرسلوا إليه ولده فتوجّه إلى أَن نزل بالميدان الأَخضر شمالي البلد، وخرج أَهل البلد لقتاله فكسرهم، وذلك في سادس عشر
стр. 951
المحرّم واستمر يحاصرهم، ونُهِبَت القرى وأَفسد فسادًا عظيما، ثم انتقل عن الجهة الشمالية إلى الجهة القبلية وجدّ فى الحصار، واتفق أَن نوروز هرب لما وصل الناصر كما سيأْتي ذكره، فوصل إلى حماة فوجد العجل بن نعير يحاصرها وأَهلها في شدّة، فلما وافى نوروز أَوقع بالعجل فانهزم، ثم استمرّ نوروز طالبًا حلب فهرب منه على بن ذلغادر وحصل الفرج لأَهل حماة من حصار العرب ولأَهل حلب من حصار التركمان؛ وذكر القاضي علاءُ الدين بن خطيب الناصرية فى تاريخه: "أَن بعض أَهل حلب ذكر أَنه رآى شيخنا سراج الدين البلقيني في المنام فقال له: قُلْ لبرهان الدين المحدّث يقرأُ "عمدة الأَحكام"، ليفرج الله عن أَهل حلب، فقصّها على البرهان فاجتمع عنده فقرأَها البرهان ودعوا، فاتفق أَنهم فى آخر النهار كسروا فرقةً حاصرتْهُم في حلب، وبعد يومَيْن رحلوا بأَسرهم عن حلب وحصل الفرج، ولله الحمد" وذلك في ثاني عشر صفر.
* * *
ذكر من مات في سنة عشر وثمانمائة من الأعيان
١ - أَحمد بن محمد بن أَبي العباس الحفصي ابن أَخي السلطان أَبي فارس صاحب بجاية، مات فى هذه السنة فقَرّر السلطان بدله أَخاه الريان (١) محمد.
٢ - إسماعيل بن عمر المغربي المالكي نزيل مكة، جاود بها مدة وكان خيّرًا فاضلًا عارفًا بالفقه تُذكر له كرامات. مات في شهر رمضان.
٣ - أَبو بكر بن أَحمد بن عبد الرحمن المدني، فخر الدين المعروف بالشامي، كان خيّرًا ديِّنًا اشتغل كثيرًا وتيقَّظ وسمع من بعض أَصحاب الفخر وناب في الحُكْم، وكان كثير التوجه إلى الشام ومصر، ومات (٢) في المحرم عن ستين سنة، وقد أَسرع إليه الشيب جدًّا.
стр. 952
٤ - أَبو بكر (١) بن محمد الصرخدي، تقيّ الدين تطماج (٢) الدمشقي، وُلد بعد الستين بقليل، وسمع من بعض أَصحاب الفخر، وجَوّد الخطَّ على الزيلعي وعلَّم الناس الخطَّ المنسوب، واشتغل في الفقه وعمل نقابة الحكم، وأَصبح مقتولًا في أَواخر جمادي الأُولى بدمشق ممنزل سكنه ولم يُعرف قاتله.
٥ - بهادر بن عبد الله الأَرمني مولى ابن سَنَد (٣)، سمع معه مِن جماعة أبو العبّاس المرداوى وحدّث ومات في شوال [مقتولًا] سمعْتُ منه بدمشق كتاب "الصفات" للدارقطني بسماعه من ابن القيّم.
٦ - جركس المصارع، كان من خواصّ الظاهر وتقدّم بعده وقد ذُكر في الحوادث، وكان شهمًا شجاعًا فاتكًا من زمرة يشبك، وقد ولى نيابة حلب للناصر في سنة تسعٍ وثماني مائة، ولم يُقِم بها إِلَّا مدةَ إقامة الناصر بها، ورجع معه خوفًا من جكم، وهو أَخو الأَمير جقمق الذى ولى أَتابكية العساكر بعد ذلك ثم تسلطن.
٧ - سيف (٤) بن عيسى السرائي (٥)، سيف الدين نزيل القاهرة، كان منشؤه بتبريز ثم قدم حلب لمّا طرقها تمرلنك، ثم استدعاه الظاهر من حلب فقرّره في المشْيخة بمدرسته عوضًا عن علاء الدين السيرامى سنة تسعين [وسبعمائة]، ثم ولّاه الظاهر مشيخة الشيخونية بعد وفاة عزّ الدين الرازي مضافةً إلى الظاهرية وأَذن له أَن يستنيب عنه في الظاهرية ولده الكبير واسمه "محمود"، فباشر مدةً ثم ترك الشيخونية واقتصر على الظاهرية، وكان ديّنًا خيّرًا كثير العبادة، وكان شيخنا عز الدين بن جماعة يُثْنى على
стр. 953
فضائله. مات في ربيع الأَول، وولى المشيخة بعده ولده يحي أَبقاه (١) الله تعالى، وسماه الشيخ تقيّ الدين المقريزي "يوسف" وترجم له في "الياء" آخر الحروف؛ وقال علاء الدين في تاريخ خلب: "قيل اسمه يوسف".
٨ - عبد الله بن أَحمد بن على بن محمد بن قاسم، أَبو المعالى بن المحدّث شهاب الدين العُرْياني الشافعي، وُلد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وأَحضره أَبوهُ علَى الميدومي وأَسمعه علي القلانسي والعرضي وغيرهما، ثم طلب بنفسه فسمع الكثير وحصَّل الأَجزاء، ثم ناب في الحكم وفتر عن الاشتغال، وكان يقرأُ الحديث بالقلعة ولم يكن يتصاون. مات في عاشر رمضان.
٩ - عبد الله بن أَبي بكر بن يحيى الدويري اليماني الشافعي أَحدُ الفضلاء من أهل تعزّ، أَفتي ودرّس بالمظفَّرية وكان مشكور السيرة.
١٠ - عبد الله بن محمد الهمداني الحنفى مدرّس الجوهرية (٢) بدمشق، كان يدرى القراءات ويقرئ، وكان خيرًا عارفًا بمذهبه. مات في جمادى الأُولى وقد بلغ السبعين.
١١ - عبد الرزاق بن عبد الله المجاور بالجامع الأُموي، كان أحد المعتَقَدين وله أتباعٌ وللناس فيه اعتقاد، توجّه في سنة عشر إلى القاهرة فمات بها في ذي القعدة (٣).
١٢ - محمد (٤) بن أحمد بن سليمان بن يعقوب بن علي بن سلامة بن عساكر بن حسين
стр. 954
ابن قاسم بن محمد بن جعفر الأَنصاري، البيساني الأَصل ثم الدمشقي، أَبو المعالي جلال الدين بن خطيب داريا، وُلد سنة خمس وأربعين، وعَنِيَ بالأَدب، ومهر في اللغة وفنون الأَدب وشهد في القيمة، وقال الشعر في صباه، ومدح الأَشرف شعبان لما فتح مدرسته بقصيدةٍ قرأها عليه الشيخ بمدرسته، ومدح أَبا البقاء وولدهُ البرهان بن جماعة فمنَ بَعْدَهَمُ، ثم هجا البرهان ومدح القاضي جلال الدين البلقيني بقصيدةٍ لاميَّةٍ طويلةٍ جدا سمعْتُها من لفظه وفيها: "جلال الدين يمدحه الجلال"، وتقدّم في الإِجادة إلى أَن صار شاعِرَ عصره غير مدافَع.
وقد طلب الحديث بنفسه كثيرًا، وسمع من القلانسي ومَن بعده، ولازم الشيخ مجدَ الدين الشيرازي صاحب اللغة وصاهره. سمعْتُ من شعره ومِن حديثه، وطارحْتُه ومَدحني.
وكان بعد الفتنة أقام بالقاهرة مدةً في كنف ابن غراب ثم رجع إلى بيسان فسكنها، ومات في ربيع الأَوّل ببيسان من الغَوْر الشامي، وكان له بها وقفٌ فسومِح بخراج ذلك وأَقام هناك.
١٣ - محمد بن زكريّا المريني صاحب بلد العناب (١). لما مات أَحمد بن محمد بن أَبي العبّاس واستقر أَخوه زكريا بعده (٢) قصدهم محمد وكان مقيما بفاس، وأَعانه صاحبها أَبو سعيد عثمان بن أبي العبّاس بن أَبي سالم وملكها، فلم يزل أَبو فارس يعمل عليه حتَّى انفض عنه جمعه وقَبض عليه فقتله في ذى الحجة من هذه السنة
١٤ - محمد بن عبد الحكم، ويقال له حلي بن أبي علي عمر بن أبي سعيد عثمان بن عبد الحق المريني، كان أَبوه صاحب سجلماسة ومات بترُّوجة بعد أن حجَّ في سنة سبع وستِّين، فنشأَ ولده هذا تحت كنف صاحب تلمسان، ثم إن عرب المعقل نَصبوه في سنة تسعٍ وثمانين أَميرًا على سجلماسة، وقام عاملها علي بن إبراهيم بن عبوس بأَمره، ثم تنافرا
стр. 955
فلحق محمد بتونس، فلما استقر أَبو فارس في المملكة توجّه محمد إلى الحجِّ فدخل القاهرة وحجَّ ورجع فصار يتردّد إلى أبي زيد بن خلدون وساءَت حاله وافتقر حتى مات (١).
١٥ - محمد بن محمد بن يعقوب الجعبري (٢)، بدر الدين بن بدر الدين الدمشقي، اشتغل بالعلم وولي بعض المدارس بدمشق وسمع مِن جماعة ومال إلى مذهب الظَّاهر، وولي نظر الأَسْرى وغيرها بدمشق، وولي قضاءَ صفد، كان مشكور السيرة [و] مات في شوال.
١٦ - محمد بن. . . . . . (٣) الشاذلي المحتسب، كان عريا من العلم غايةً في الجهل وكان خردفوشيا (٤) ثم صار بَلَّانًا ثم صحب ابن الدماميني ثم ترقَّى إلى أَن ولى حسبة مصر ثم القاهرة مرارًا بالرشوة، ومات في صفر.
١٧ - موسى (٥) بن عطية المالكي اللَّقَّاني الفقيه، سمع من ابراهيم الزفتاوي (٦) "سنن ابن ماجة"، وقرأَ عليه الكلوتاتي بعضا، وهو والد صاحبنا شمس الدين محمد (٧) أبقاه الله تعالى ومات والده في هذه السنة.
وفيها مات:
١٨ - محمد بن الأَمير محمود، الأَستادار في بيت جمال الدين الأَستادار، وذلك في ذي القعدة.
стр. 956
١٩ - وفيها مات سودون الطيار في أَواخر شوال وكان عفيفًا شجاعًا بطلًا وكان كثير التوقير للعلماء.
٢٠ - وفيها مات شاهين قِزْقا (١) وكان من الخاصكيّة فنقله الناصر شيئًا بعد شيء إلى أَن صار مُقدم أَلفٍ فمات عن قريب في ذي القعدة.
٢١ - وفيها مات مقبل الزمام في مستهل ذي الحجة، وهو باني المدرسة بالبندقانيّين ووقف عليها أَملاكه وخلَّف موجودًا كبيرًا.
* * *
стр. 957
سنة إحدى عشرة وثمانمائة
استهلت (١) هذه السنة ومصر في رخاءٍ كبيرٍ جدا، فالقمح بنحو مائة درهم، والشعير بنحو سبعين، والذهب يومئذ بمائة وأَربعين المثقال.
وفى الثالث من المحرّم برز نوروز إلى صفد ثم انثى إلى شعشع، ثم انثنى إلى بكتمر جلَّق ومعه محمد وحسن وحسين بني بشارة فاقتتلوا، فقُتل بينهم جماعة وحُرقت الزروع وخربت القرى وكَسَرَهم وأقام بالرملة، وكان قد جهَّز الناصر عسكرًا إلى سودون المحمّدي بغزَّة ليستنقذها منه صحبة نائبها ألطنبغا العثماني وطوغان وسودون بقجة، وكان بكتمر جلق وجانم قد خرجا قبل ذلك من صفد إلى غزة فملكاها، ففرّ منها سودون المحمدّي فلحق بنوروز، فرجع نوروز فقاتلهم كما تقدّم وأَقام بالرملة، فبلغ ذلك العسكرَ المجهز من مصر بالعريش -وكان فيهم طوغان وباش باى وسودون بقجة- فدخلوا إلى مصر في صفر، ولمّا تحقَّق نوروز رجوعهم قَصَد صفد ليحاصرها فقدم عليه الخبر بحركة شيخ إلى دمشق، وكان قد جمع من التركمان والعرب والترك جمْعًا، وسار من حلب في ثاني عشر ربيع الأَول، فرجع نوروز فسبقه إلى دمشق ثم برز إلى برزة، فقدم عليه سودون المحمّدي هاربًا من بكتمر جلق وكان قد خالف نوروز إلى غزَّة فغلب عليها وفرّ سودون منه، فتراسل سودون ونوروز في الكفّ عن القتال ولم ينتظم لهما أمر، وصمّم شيخ على أَخْذِ دمشق وباتا على أَن يباكرا القتال، فأَمر شيخ بوقيد النيران في معسكره واستكثر من ذلك، ورحل جريدةً إلى شعشع فنزلها، وأَصبح نوروز فعرف برحيله فتوجّه إلى دمشق فدخلها في الخامس من صفر.
стр. 958
وفيها قدم عليه تمربغا المشطوب من حلب، وشرع نوروز في بيع الغلال التي كان أَعدّها بقلعة دمشق.
وفى الرابع عشر منه نزل قبةَ يلبغا وسار إلى شعشع فلقى بها شيخًا -وهو يومئذ في نفرٍ قليل وقد تفرّق أَصحابه- فالتقيا فتقاتلا فانكسر نوروز، ويقال كان معه أَربعة آلاف نفسٍ ولم يُمْسِ مع شيخ سوى ثلاثمائة نفس، وركب شيخ أَقفيتهم، فدخل نوروز دمشق في الثاني عشر من صفر مجتازًا، وأَعقبه شيخ فدخل دمشق بغير قتال ودخل دار السعادة ونادى بالأَمان، ولبس خلعة النيابة التى وافتْه من السلطان بعد أَن سار إلى قبة يلبغا، فركب من ثم وركب معه القضاة والأَعيان ومن جملتهم نجم الدين بن حجّي بقضاء الشافعية، وقبض على جماعةٍ من النوروزية وأَفرج عن جماعةٍ من المسجونين.
وجهز بكتمر جلق ودمرداش لحرب نوروز فنزلا في عسكره في أَواخر صفر قاصدين حلب، وكان نوروز لمَّا انهزم استصحب معه يشبك الموساوي أَسيرًا فسجنه بقلعة حلب؛ ثم اختلف نوروز وتمريغا المشطوب، فصعد تمربغا القلعة وأَطلق الموساوي، وكان المشطوب تلقَّى نوروز وأَكرمه وقام له بما يليق به، وأَشار عليه بالطاعة للسلطان وأَن يرسل له يطلب الأَمان، فامتنع من ذلك ورحل عن حلب إلى جهة ملطية، فقدم الموساوي دمشق في أَواخر صفر يريد القاهرة، ثم أَطْلق شيخ جماعة من المسجونين الأُمراء وغيرهم، وظهر جماعةٌ ممن كان اختفى منهم.
* * *
وفى ربيع الآخر قُبض على ناظر الجيش تاج الدين بن رزق الله وعلى أَخيه وصودرا على ستة آلاف دينار، وصودر المحتسب على أَلف دينار؛ واستقر في نظر الجيش علم الدين ابن الكويز، وفى ديوانِ شيخ صلاحُ الدين بن الكويز، وشهاب الدين الصفدي في كتابة السرّ بدمشق، وشهابُ الدين الباعوني في الخطابة بالجامع الأمويّ، وفى الأَستادارية بدر الدين بن محب الدين فبسط يده في المصادرة، فأَخذ من ابن المزلَّق خمسة آلاف
стр. 959
دينار حصّلها من التجار، وصالح القضاةَ على أَلفٍ وخمسمائة دينار ففرضوها على المدارس، وفَرض على جميع القرى ما يحتاج إليه من الشعير. وجمع شيخ العساكر وخرج إلى نوروز وكان تمربغا بحلب ومعه يشبك بن أَزدمر.
وفي ربيع الآخر قدم صدر الدين بن الأَدمي إلى دمشق وبيده ولاية القضاءِ وكتابةُ السرّ، وكان قد قدم بذلك من العام الماضي فما مكنه من المباشرة وأَهانه وتعوّق بسبب ذلك في البلاد الشمالية، فلما وصل أَمضى له شيخ وظيفة القضاء خاصة.
ثم توجّه شيخ إلى جهة حلب وأَرسل عسكرًا يحاصرونها فسلَّمها لهم تمربغا المشطوب، واجتمع عنده أَحمد بن رمضان وغيره من التركمان، وفرّ إليه جماعة من النوروزية منهم سودون المحمّدي وسودون اليوسفي، فرحل في طلب نوروز فأَدرك أَعقابه وقَبض على جماعة من أَصحابه، وكان قرّر في حلب قرقماس بن أَخي دمرداش، وأَرسل عسكرًا في طلب نوروز ورجع إلى دمشق فدخلها في أُبهة عظيمة ولحق العسكر بالتركمان بأَنطاكية وأوقعوا بهم واستنقذوها منهم، وقُتل حسين بن صدر الباز في المعركة، وغلَب أَحمدُ ابنُ رمضان على نوروز فمنع عنه العسكر، وقتل قطلوبغا الجاموس نائب قلعة حلب.
ثم فرّ نوروز من أَسْر التركمان واستولى على قلعة الروم، وكان يشبك بن أَزدمر قد فرّ إلى نوروز واجتمعا بأَنطاكية، ولما رجع شيخٌ إلى دمشق أَطلق ناظرَ الجيش من الترسيم وكذلك الوزيرَ المنفصل، وَقرر ابن الموصلي في الحسبة، وشرط عليه أَن لا يأْخذ من الباعة ضيافة القدوم، وكان المشاعلي ينادي بين يديه بذلك وهو لابسٌ الخلعة.
وفي جمادى الأُولى قبض الناصرُ على جماعةٍ من الأُمراءِ وذبحهم، وسجن منهم بيغوت وسودون بقجة بالإسكندرية.
وفي أَواخره استفرّ أرغون الرومي أَمير آخور وصُرف كمشبغا المزوّق. وفي أَوّل رجب دخل شيخٌ دمشقَ راجعًا من حلب، وبعث بجماعة من الأُمراء فسجنهم بقلعة الصُّبَيْبَة.
وفي جمادى الأولى مُنع الأَمير جمال الدين من الحُكْم بين الناس، وأُمِر بالاقتصار على ما يتعلَّق بالأُمور السلطانية، وكان ذلك ابتداء انحطاط أَمره وهو لا يشعر.
стр. 960
وفي جمادى الآخرة مات الأَمير باش باي رأْس نوبة الكبير وكان معه نظر الشّيخونية.
وفي أَواخر رجب فرّ المماليك الذين كانوا في سجن دمشق لما بلغهم خلاص نوروز من أَسْر التركمان وتوجهوا إليه -ومنهم قرابغا المشطوب-، فركب شيخ لهم في طلبهم فلم يلحقهم.
وفيها فرّ شمس الدين بن التبّاني إلى الشام فقرّره شيخ نائبُها في نظر الجامع الأُموي وغير ذلك من الوظائف وقرّبه وأَدناه وذلك في رجب، ثمّ نُقِل إلى الناصر عنه شيءٌ أَغضبه فهمَّ بالقبض على أَخيه شرف الدين، ففرّ أَيضا إلى شيخ بالشام فولَّاه خطابةَ الجامع الأَموي بعد أَن كان صُرف عنه الباعوني، وقرّر فيه ناصر الدين البارزي وكان قد فرّ من حماة من يشبك بن أَزدمر واتصل بشيخ فاختص به ونادمه وولَّاه الخطابة، وقرّر ابن التَّبّاني في قضاء الشام للحنفية.
وفيه أَلزم النائبُ أَهل دمشق بعمارة مساكنهم والأَوقاف التي داخل البلد، وضَرب فلوسًا جددًا نودِيَ عليها: كلّ ثمانيةٍ وأَربعين بدرهم.
وفي شعبان وصل يشبك الموساوي رسولًا من الناصر إلى شيخٍ يطلب منه بعضَ الأُمراء الذين كانوا خامروا عليه، فاعتذر وأَعاد عنه الجواب مما سنذكره بعد.
وفي رمضان بلغ النائبَ أن يشبك الموساوي نَقل عنه للناصر أَنه ساعٍ في العصيان عليه، فأَرسل نجمَ الدين بن حجّى قاضي الشام بكتبٍ ومحاضر تشهد له بأَنَّه مستمرٌ على الطاعة، وأَن يشبك كذب عليه فيما نقل عنه، فوصل ابن حجّى بالكتب عنه فقبل عذره وكتب أَجوبته واقترح عليه بأَن يرسل مَن عنده من الأُمراء المسجونين، وأَنَّه إنْ تباطَأَ في إرسالهم حتّى يمر شهر ثَبَتَ عليه ما نُقِل [عنه] من العصيان، فامتنع من إرسالهم، فشرع الناصر في التجهيز إلى الشام بهذا السبب.
وفي هذه السنة أُعيد التجليد بالقدس والرملة للأَربع قضاة.
* * *
стр. 961
وفيها قَتَل الناصرُ إينال الأَجرود وبَرَسبُغا وكانا أَميرين من إخوة بيغوت، وقتل بالإسكندرية عدة أُمراء منهم سودون من زادة صاحب المدرسة المتقدّم ذكرها وكذلك بيغوت.
وفي ذي القعدة قُتِلَ عمرُ بن علي بن فضل أَمير آل حرم بحيلةٍ من نائب الكرك محمدٍ التركماني، وكان عمر قد عصى وخالف فغدر به محمد المذكور وأَرسل برأْسه إلى مصر فطيف بها (١).
* * *
وفيها في ثالث رجب أكمل جمال الدين يوسف أَلبيري البجاسي أستادارُ السلطان مدرسته بالقاهرة برحبة العيد، ورتّبَ فيها مدرسين على المذاهب الأَربعة ودَرْسَ تفسيرٍ ودرْسَ حديث، فالشافعي: همام الدين الخوارزمي وهو شيخ الصوفيّة، والمالكي (٢). . . . . . والحنفي بدر الدين محمود بن الشيخ زاده، والحنبلي فتح الدين أَبو الفتح بن الباهي، ومدرس الحديث كاتبه (٣).
ومدّ في أَول يوم سماطًا هائلًا وملأَ الفسقية بالسكر المكرّر، واستمر حضور الدرس في كل يوم يحضر واحدٌ ويخلع عليه عند فراغه، فلمّا كان بعد أُسبوع جدّد فيها دَرْسَ تفسيرٍ وقَرَّر المدرسَ قاضي القضاة جلال الدين البلقيني وعمل له إجلاسًا في قوله تعالى (٤) ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ واستمرّ بعد ذلك يدرّس من هذا الموضع.
стр. 962
وبعد قليلٍ نَمَّ بعضُ الناس على جمال الدين بأَنَّه عمل مدرسةٌ وبالغوا في وصْفِها وما بها مِن الرّخام والزخرفة، وأَنَّه ما اكتف بذلك حتّى شرع في أُخرى بباب زويلة، فاستفسره الناصر عن ذلك ففهم من أَين أتى، فقال: "إنما شرعْتُ في عمل صهريجٍ ومسجدٍ، وفيه (١) مدرّس على اسم مولانا السلطان ليختصّ بثواب ذلك"، فأَرضاه (٢) وقد لزم غلطه فصيّره له حقيقةً ولم يكمل جمال الدين من ذلك الوقت سنةً حتى قُبض عليه وأُهلك كما سيأْتي.
وفيها كملت مدرسة الخواجا علاء الدين الطرابلسي بسويقة (٣) ساروجا بدمشق.
* * *
وفيها نودِيَ في شعبان بالقاهرة ألا يركب أَحد الخيل أَو البغال إلا الأَجناد الذين في خدمة السلطان أَو الأُمراء خاصة، ثم سُعِيَ للقضاة فأُذِن لبعضهم، ثم صار يؤذن بمراسيم سلطانية للواحد بعد الواحد من ديوان الإنشاء، واشتدّ الأَمر في ذلك فصار المماليك يُنْزِلون من رأَوه راكبًا فرسًا إلَّا أَنْ أَخرَج لهم المرسوم، ثم بطل ذلك في آخر السنة.
وفي سادس عشر رجب صُرف ناصر الدين بن العديم من قضاء الحنفية واستقرّ أَمين الدين ابن الطرابلسي بعناية جمال الدين الأُستاذار.
وفي عاشر شعبان جاءَت زلزلة عظيمة في نواحي بلاد حلب وطرابلس، فخرب من اللاذقية وجبلة وبلاطيس أماكن عديدة، وسقطت قلعة بلاطيس فمات تحت الردم خمسة عشر نفسًا، ومات بجبلة خمسة عشر نفسًا، وخربت شعر بكاس كلها وقلعتها ومات جميع
стр. 963
أَهلها إلَّا نحو خمسين نفسًا، وانشقَّت الأَرض وانقلبت قَدْرَ بريدٍ من بلد القصير إلى سَلْتُوهم -وهي بلدٌ فوق جبلٍ- فانتقلت عنه قدْرَ ميلٍ بأَشجارها وأَعينها وأَهلها ليْلًا ولم يَشْعُروا بذلك؛ وكانت الزلزلة بقبرص فخربت فيها أَماكن كثيرة وكانت بالجبال والمناهل، وشوهد ثلجٌ على رأس الجبل الأَقرع (١) وقد نزل البحر وطلع وبينه وبين البحر عشرة فراسخ، وذكر أَهل البحر أَن المركب في البحر المالح وصلت على الأَرض لما انحسر البحر ثم عاد الماء كما كان فلم يتضرّر أحد.
وفيها أُلزم القضاة أن يخفِّفوا من نوابهم، فاستقرّ للشافعي أَربعة، وللحنفيّ ثلاثة، وللمالكي كذلك، وللحنبليِ إثنان، فدام ذلك قليلًا ثم بطل.
* * *
وفيها تجهَّز الناصر من دمشق فأَمر قبل خروجه بقتْل مَن بالإسكندرية وغيرها من المسجونين، فقُتل بيبرس ابن أُخت الظاهر وبيغوت وسودون المارداني في آخرين.
وفي أواخر السنة قُتل فخرُ الدين بن غراب غيلةً وكان في سجن جمال الدين الأُستادار، وكان يُسَّمى "ماجدًا" فتَسمَّى في أَيام وزارته وعظمة أَخيه "محمدا"، وكان سيئ السيرة جدا، وكان يلثغ لثغةً قبيحةً يجعل الجيم زايًا والشينَ المعجمةَ مهملة.
وأُخرج (٢) من السجن الشهاب ابن الطبلاوي ميتا، وقُتِل في السجن أَيضا ناصرُ الدين محمد بن كلفت الذي ولى إمرة الإسكندرية وشدّ الدواوين وولاية القاهرة مرات.
* * *
وفي رمضان نودِيَ بالقاهرة أَن لا يتعامل أَحدٌ بالذهب أَلبتَّة ومُنع من بيع الذهب المصوغ والمطرّز، وكَتب جمال الدين على أَهل الأَسواق قساماتٍ بذلك، ولقي الناس من ذلك تعبا، ثم سعى جمال الدين في ذلك إلى أَن بطل ونودِيَ أن يكون المثقال بمائة، فأَخفاه أَكثر الناس ولم يظهر بيد أَحدٍ من الناس فوقف الحال، ثم نودي أَن يكون بمائة وعشرين بعد أَن كان بلغ مائة وسبعين.
стр. 964
وفي ذي القعدة -بعد امتناع شيخٍ من إرسال الأُمراء المطلوبين إلى السلطان- راسل نوروز في الصلح وراسل سودون الجلب يستميله، وكان دمرداش اهتمّ بحرب نوروز وجمّع عليه الطوائف، فانكسر نوروز عن عينتاب واستولى دمرداش عليها ورجع إلى حلب.
وفيها نازل شيخ نائب طرابلس تمربغا المشطوب بحلب فانحصَر تمربغا بالقلعة وتوجّه لجهة أَنطاكية، ثم بلغه أَن نوروز توجّه إلى حلب فرجع عن أَنطاكية إلى جهة دمشق فكانت الوقعة بالقرب من (١). . . . .
وفي يوم الجمعة ثاني (٢) عشري ربيع الآخر اتفق أَهل التنجيم على أَن الشمس تُكسف قرب الزوال ويتغطَّى منها نحو نصف الجرْم، فاتفق أَن السماءَ كانت ذلك اليوم بدمشق مغيمة والمطر نازلًا فلم يظهر صحة ما قالوه بمصر، فاتَّفَق أن خطيب الجامع الأُموي شهابَ الدين الباعوني بعد صلاة الجمعة جَمع الناس وصلَّى بهم صلاة الكسوف فأَنكر الناس عليه ذلك لأنه اعتمد قول المنجّمين وعلى تقدير صحة قولهم، فكانت الشمس أَن انجَلَتْ، ثم إنَّه كَبَّر في أَول ركعةٍ ثلاث تكبيرات سهوًا، وأَعجب من ذلك أَن السماءَ كانت بالقاهرة في ذلك اليوم صاحيةً ولم يظهر أَثرُ كسوفٍ ألبتَّة.
وفيها في رجب مات باش باي رأسُ نوية، فقُرر مكانه في وظيفته إينال الساقي.
* * *
وفي هذه السنة قدم الحاج في ثاني عشر المحرّم وأَميرُهم بيسق وكان قد قبض بمكة على قرقماس أَمير الركب الشَّامي، فتخوّف أَن يبلغ خبره أَهل الشام فيُبْعَث إليه من يستنقذه منه بين أَيلة ومصر، فبادر وترك زيارة المدينة وأَعنف الناسَ في السير حتى هلك جمع كثير من الناس.
стр. 965
وفيها فوّض الناصر إلى حسن بن عجلان سلطنة الحجاز، فاتفق موته نائب ابن نُعَيْر وقَرّر حسن مكانه أَخاه عجلان بن نعير فثار عليهم جماز بن هبة الذي كان أَمير المدينة وأَرسل إلى الخدّام بالمدينة يستدعيهم فامتنعوا، فدخل المسجد النبويّ وأَخذ ستارَتَيْ باب الحجرة وطلب من الخدام تسعة آلاف درهم على أن لا يَتَعَرَّض للحاصل، فامتنعوا، فضرب كبيرهم وكسر القُفْل وأَخذ عشر حوائج خاناه وصندوقين كبيرين وصندوقًا صغيرا بما في ذلك من المال وخمسة آلاف شقة بطائن، وصادر بعض الخدّام، ونزح عنها فدخل عجلان ابن نُعير ومعه آل منصور فنودِيَ بالأمان، ثم قدم عقبه أَحمد بن حسن بن عجلان ومعهم عسكر وصحبتهم أَبو حامد بن المطري متولّيًا قضاءَ المدينة عوضًا عن الشيخ أَبي بكر بن حسين، وباشر ذلك في أثناء السنة فلم تطل مدته ومات في آخرها.
وفيها جُهِزَ الدينار الناصري على زنة الإفلوري وتعامل به الناس.
وفي شعبان صرف ابن حجيّ عن القضاءِ وأُعيد ابن الإخنائي ونقم عليه مكاتبة نوروز فبُرطل بثلاثمائة ثوبٍ بعلبكي فانطلق، ثم قدم توقيع ابن حجّي فعاد إلى القضاء وصُرف الإخنائي، وصُرف الباعوني عن خطابة دمشق وقُرر فيها القاضي ناصر الدين بن البارزي.
وفي التاسع منه قدم يشبك الموساوي دمشق فتلقَّاه شيخٌ وأَكرمه وتوجّه مِن عنده إلى حلب، ثم رجع في أَواخر رمضان فأَكرمه شيخ وأَعاده إلى القاهرة.
وفي نصف شعبان قرئ كتابُ الناصر بدمشق بإلزام الناس بعمارة ما خرب من المدارس بدمشق.
وفيه استقرّ ناظر الجيش بدمشق ناظرًا على القدس والخليل وناظرَ أَوقافها.
وفيه قَرر شيخ أَلطَنْبُغَا القرمشي حاجبَ الحجاب بدمشق عوضا عن برسباي بحُكْم تَسحُّبه.
стр. 966
وفيه -في العشر الأَخير من رمضان- خرج شيخ إلى جامع دمشق فدخله حافيًا متواضعًا وتصدَّق بصدقات كثيرة، وذلك في ليلة الحادي والعشرين منه، وأَصبح يطلب أَربابَ السجون فادّعى عنهم وأَطلقهم.
وفيها غلب قرا يوسف على تبريز فملكها انتزاعًا من أَيدي التمرية وكانت بيده قبل ذلك.
وفيها حجّ بالناس من القاهرة أَحمد بن الأَمير جمال الدين الأُستادار وغرم جمال الدين على حجة ولده هذه أَربعين أَلف دينار وزيادة.
وفي ذي القعدة هبّت رياحٌ شديدةٌ عاصفةٌ بالقاهرة.
وانسلخت هذه السنة والناصر مصمّم على العزم على العود إلى دمشق لمحاربة شيخ وأّعدائه فيها.
* * *
وفيها نازل قرايلك عثمان بن قطلوبك التركماني صاحب ماردين (١) وبها الصالح أحمد بن إسكندر بن الصالح الأرتقي آخر ملوك بني أرتق، فاستنجد بقرا يوسف فأَنجده ثم طلب منه أَن يقايضه بالموصل عوضا عن ماردين فتراضيا على ذلك وأَعطاه عشرة آلاف دينار وأَلف فرس وعشرة آلاف شاة وزوّجه بابنته، فتحوّل إلى الموصل واستولى نواب قرا يوسف على ماردين وزالت منها دولة الأَرتقية بعد أَكثر من ثلاثمائة سنة، وانتهت بذلك دولة بني أرتق، ثم لم يلبث الصالح بالموصل سوى ثلاثة أَيام ومات فجأَةً هو وزوجته، فيُقال إنه دُسَّ عليهما سمّ. وتحوّل أولاده: محمد وأَحمد وعلي ومحمود إلى سنجار فأَقاموا بها إلى أَن ماتوا سنة ١٤ بالطاعون.
* * *
стр. 967
ذكر من مات سنة إحدى عشرة وثمانمائة من الأعيان
مات فيها من الأُمراء:
١ - أَرِسطَاي (١) نائبُ الإسكندرية وكان من كبار الأُمراء الموجودين، باشر في دولة الملك الظاهر رأْسَ نوبة كبيرًا، وكان له حرمة عند المماليك، وولي الحجوبية في دولة النَّاصر ومات بالاسكندرية في العُشْر الأَوسط من ربيع الآخر.
٢ - بَاشْ بَاي -بفتح الموحّدة وسكون المعجمة بعدها موحّدة أُخرى خفيفة- تنقَّل في سلطنة الناصر حتى استقرّ رأْس نوبةٍ كبيرًا، فمات في جمادى الآخرة بالقاهرة.
٣ - إينال الأَجرود: ذُبح مَع مَنْ أَمَرَ الناصر بذبحهم من الأُمراء.
وكذلك:
٤ - أَرنْبُغَا.
٥ - وبيبرس إبن أُخت الظاهر.
٦ - وسودون المارديني.
٧ - وبيغوت.
٨ - وثابت بن نعير بن منصور بن جماز بن شيحة الحسيني أَمير المدينة، وليها سنة سبعٍ وثمانين، وعُزِل عنها بجماز ثم وليها بعد عزل جماز.
ومات في هذه السنة:
стр. 968
٩ - إبراهيم بن علي الباريني الشَّاهد إمام مسجد الجوزة (١)، سمع من ابن أَميلة (٢) الجزء الأَول من "مشيخة الفخر"، وكان أَحد العدول بدمشق، مات في ذي الحجة وقد جاوز الخمسين.
١٠ - أَحمد بن عبد الله الحسن بن طوغان بن عبد بن الله بن الحسن بن طوغان ابن عبد الله الأَوْحدي (٣) شهاب الدين المقرئ الأَديب، وُلد في المحرم سنة إحدى وستين، وقرأَ بالسبع على التقي البغدادي، ولازم الشيخ فخر الدين البلبيسي، وسمع على ناصر الدين الطبردار وجُوَيْرِية وابن الشيخة وغيرهم، وسمع معي مِن بعض مشايخي؛ وكان جدّه -الحسن ابن طوغان- قدم من بلاد الشرق سنة عشر وسبعمائة فاتصل بخدمة بيبرس الأوحدي نائب القلعة وناب عنه بها فشُهر بذلك، وكان شهاب الدين هذا لهجا بالتاريخ، وكتب مسودّةً كبيرة لخطط (٤) مصر والقاهرة وبيّضَ بعضه وأَفاد فيه فأَجاد، وله نظم كثير أَنشدنا منه، فمنه:
إنِيّ إذا مَا نابَنِي … أَمْرٌ نَفَى تلذَّذِي
واشتدَّ مِنيّ جزّعِي … وجَّهْتُ وجْهِي للَّذِي
ومات في تاسع عشري جمادى الأولى:
١١ - أَحمد بن علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى البلبيسي الأصل المقرئ المالكي
стр. 969
المعروف بابن الظُّرَيّف (١)، تاج الدين، سمع من ناصر الدين التونسي وغيره، وطلب العلم فأَتقن الشروط ومهر في الفرائض وانتهى إليه التمهّر في فنِّه، مع حظٍ كبير من الأَدب ومعرفةِ حلّ المترجم وفكِّ الأَلغاز مع الذكاءِ البالغ، وقد وقَّع للحكام وناب في الحكم، وكان يودُّني كثيرًا وكتب عني من نظمي، وقد نُقِم عليه بعض شهاداته وحُكْمِه، ثم نزل عن وظائفه بأخرة وتوجّه إلى مكة فمات بها في شهر رجب، وقد نسخ بخطه "تاريخ الصّفدي الكبير"، و "تذكرته"، بطولها، ورأَيْتُ بخطه في سنة مجاورتي "شرح عروض ابن الحاجب" وغير ذلك.
١٢ - أَحمد بن محمد بن ناصر بن علي الكنانيّ المكي، وُلِد قبل الخمسين (٢) ورحل إلى الشام فسمع من ابن قوالِح وابن أَميلة بدمشق ومن بعض أَصحاب ابن مزيز بحماة، وتفقَّه حنبليًّا، وكان خيّرًا فاضلًا، جاور بمكة فحصل له مرضٌ أَقعده فعجز عن المشي حتى مات سنة ٨١١ (٣).
١٣ - أَحمد بن محمّد التَّلعْفَرِي (٤) ثم الدمشقي، شهاب الدين كاتب المنسوب، مات بدمشق كهلا ويقال كان أُستاذًا في ضرب القانون، حسنَ المحاضرة.
١٤ - أَحمد بن محمد اليغموري شهاب الدين، ولي الحجوبية وشدّ الدواوين بدمشق، وكان مشهورًا بالمعرفة في المباشرة، ورأيته عند جمال الدين الأُستادار، وكان يُظْهِر محبة العلماء وتعجبه مباحثهم ويفهم جيّدًا. مات في جمادى الأُولى.
١٥ - بركة (٥) بن موسي بن محمد بن محمود، بدر الدين بن شرف الدين بن شمس الدين بن الشهاب، الحلبي الأَصل ثم الدمشقي، وُلد سنة سبعين تقريبًا، وولي وكالة بيت المال ثم كتابة السر بدمشق يسيرًا ثم نظر الجيش، وكان كثير التخليط والهجوم على المعضلات مع كرم النفس ورقة الدين. مات في صفر خنقًا بأَمْر جمال الدين الأُستادار.
стр. 970
١٦ - أَبو بكر بن محمد بن أَحمد بن عبد العزيز الدمشق، البعلوني الأَصْل، تقي الدين ابن شيخ الربوة، اشتغل في الفقه ومهر في مذهب أبي حنيفة ودرّس بالمقدّمية (١) وأَفتى، وكان قد اشتغل على الشيخ صدر الدين بن منصور وغيره. مات في ربيع الأَول عن ستين سنة، ويقال إنَّه تغيّر حاله في الفتوى والحكم بعد فتنة اللنك.
١٧ - أَبو بكر بن محمد بن صالح الجِبْلي -بكسر الجيم بعدها موحّدة ساكنة- ابن الخيّاط الشافعي اليمني، تفقَّه بجماعةٍ من أَئمة بلده (٢)، ومَهر في الفقه ودرَّس بالأَشرفية وغيرها من مدارس تعزّ، وتخرّج به جماعة، وكان يقرّر من الرافعي وغيره بلفظ الأَصل، وكان مشاركًا في غير الفقه وله أَجوبة كثيرة عن مسائل شتّى، وولى القضاء مكرهًا مدّةً يسيرةً ثم استعفى. مات في شهر رمضان. رأيتْهُ بتعز.
١٨ - أَبو بكر بن محمد السَّحري (٣) أحد النبهاء من الشافعية. مات في جمادى الآخرة.
١٩ - الجُنَيْد (٤) بن أَحمد بن [محمد (٥) الكازروني] البَلْياني (٦) الأَصل نزيل شيراز، سمع من أَبيه بمكة من ابن عبد المعطي والشهاب ابن ظهيرة وأَبي الفضل النويري وجماعة، وبالمدينة وبلاده، وأَجاز له القاضي عزُّ الدين بن جماعة، ومن دمشق عمر بن أَميلة وحسن ابن هبل والصّلاح بن أَبي عمر في آخرين، خرّج له عنهم الشيخ شمس الدين الجزري مشيخةً وحدّث بها. ومات في هذه السنة بعد أَن صار عالم شيراز ومحدّثها وفاضلها. أَفادنا
стр. 971
عنه ولده الشيخ نور الدين محمد (١) لما قدم رسولًا عن ملك الشرق بكسوة الكعبة في سنة ثمانٍ وأربعين.
٢٠ - سليمان بن عبد الناصر بن إبراهيم الإبشيطي الشافعي، الشيخ صدر الدين، وُلد قبل الثلاثين، واشتغل قديمًا وبرع في الفقه وغيره، وكتب الخطَّ الحسن وجمع ودرّس وأَفاد وأَفتى، وسمع من الميدومي وغيره، وناب في الحكم بالقاهرة وغيرها، وكانت فيه سلامة، وكان صدر الدين المناوي يعظِّمه، وعجز بآخره وانهرم وتغيّر قليلا مع استحضاره العلم جيدًا. جاوز الثمانين.
٢١ - شعيب بن عبد الله أَحد من كان يُعتَقد في القاهرة من المجذوبين، وكان يسكن في حارة الروم. مات في رجب.
٢٢ - ضياء الدين ضياء بن عماد الدين التبريزي، كان ديّنا فاضلا محبًّا في الحديث، كثير النفور من الاشتغال في العقليات، ملازمًا لقراءَة الحديث وسماعه وإسماعِه مع لزوم إسناده، ملازمًا للخير؛ مات في هذه السنة، أَخبرني بذلك الشيخ عبد الرحمن التبريزي صاحبنا وهو [الذي] ترجمه لي (٢).
٢٣ - علي بن أَحمد بن عماد الدمياطي العلَّاف المعروف بابن العطَّار، كان يجيد نظم المواليا ويحفظ منها شيئًا كثيرًا، كتب عنه الشيخ تقي الدين المقريزي وقال: "لقيتُه شيخًا مُسِنًّا".
قُلْت لو كلّ المنى … عقد الجفا حُلى
وسُكَّرِ الوصل في … دست الوفا حَلّى
قالت جمالي بأَنـ … ـواع البها حلّى
والغير قد حاز حسني … وأَنت في حلِّي
стр. 972
٢٤ - علي بن موسى بن أَبي بكر بن محمد الشيبي -من بني شيبة حجبة الكعبة- وكان محمد والد جدّه دخل اليمن فوصل إلى حَرَض (١) فخرج إلى الحُرَث (٢) ساحل موْر (٣) وهو وادٍ عظيم به عدّة قرى منها الحسّانيّة: قرية أبي حسّان بن محمد الأَشعري وكان مِّمن يُعْتَقد، فاتفّق أَن طائفتين من قومه وقعت بينهم فتنة فقُتل بينهم قتيل فاستوهب دمه فقالوا له بشرط "أَن تسكن معنا" فأَسّس لهم مكان قرية فسكنوه وهو معهم فنُسِبت إليه؛ وكانت له أخت فزوّجها بمحمّد والد أبي بكر لأَنه تفرّس فيه الخير فأَقام عندهم، فلما حملت توجّه لمكة وعهد لامرأَته إنْ ولدت ذكرًا أن تسميه "أبا بكر" ففعلت، ومات الشيخ أَبو حسّان فخلفه في زاويته ولد أُخته أَبو بكر المذكور.
وكان لأَبي حسّان إتساعٌ من الدنيا، وكانت النذور تصل إليه من عدة بلاد فظهرت لأَبي بكر كرامات، وخلَفه في زاويته ولده عليّ وكان كثيرَ العبادة والتجريد، ويقال إنَّه قعد مدةً لا يأْكل في الأَسبوع غير مرّة ولم يتعلَّق بشي من أمور الدنيا، وخلفه في مكانه ولده إسحق بن علي وكان على طريقته إلى أَن مات، فخلفه أخوه موسى وكان عابدًا صاحب مكاشفات وكرامات، وكان ذكيًّا مذاكرًا، فلما مات قام ولده موسى بن علي بن أَبي بكر فاشتهر بالصلاح والدعاء والسخاءِ وحُسن الخلق وكثرة الخير وطول الصمت، وكان يُدمِنُ على سماع الحديث والتفسير على الفقيه أَحمد العلقي، وكان نزل فيهم وتزوّج الفقيه علي بن موسى أُخته. وكان الشيخ علي يذاكر بكثير من الحديث والتاريخ والسيرة، مع المحافظة على الوضوء وصلاة الجماعة، وكان موسّعًا عليه في الدنيا ويلبس أَحسن الثياب، وله ولدٌ اسمه عبد الله (٤) نصب بعده بالزاوية وكان كثير التلاوة ومات في سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة. وسيأْتي ذكر قريبه محمد بن أَحمد بن حسين بن أَبي بكر الشيبي فيمن مات
стр. 973
سنة تسعٍ وثلاثين وثمانمائة، نقلتُ ذلك من "تاريخ اليمنِ" للجنيدي تذييل الشيخ حسين بن الأهدل.
٢٥ - عمر بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أَحمد بن هبة الله ابن محمد بن هبة الله بن أَحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله ابن أَبي جرادة محمد بن عامر العقيلي، القاضي كمال الدين أَبو القاسم الحلبي ثم المصري المعروف بابن العديم، وُلد سنةَ أَربعٍ وخمسين (١) واشتغل ببلده وناب في الحكم، ثم استقلّ به في سنة أَربعٍ وتسعين عوضًا عن ابن الجاولي فباشره بحرْمةٍ وافرة، وحصّل أَملاكًا وثروةً كبيرة، وكان وجيها عند الكبار وله حرمة وافرة، وأُصيب في اللنكية ثم دخل القاهرة في آخر السنة، وقدم القاهرة غير مرة، وفي الآخر استوطنها لما طَرَقَ الططر البلاد الشامية فأُسِر مع مَن أُسِر، ثم خلص بعد رجوع اللنك فقدم القاهرة في شوّال وحضر مجلس القاضي أَمين الدين الطرابلسي قاضي الحنفية، ثم سعى وولي القضاءَ بها في سادس عشري رجب سنة خمسٍ وثماني مائة، ثمّ درّس بالشيخونية انتزعها من الشيخ زادة بحكم اختلال عقله لمرضٍ أَصابه، وكان له ولدٌ نجيبٌ غايةً في الذكاء حسنَ الخلّة قد ناب عن والده مدّةً فما قدر على مقاومته، وعاشر الأُمراءَ وداخَل الدولة وكبر جاهه وعظم مالُه، وكان لا يتحاشى مِن جمْع المال من أَيِّ وجْه كان؛ وقد سمع من ابن حبيب وابنه، وكان من رجال الدنيا دهاءً ومكرًا، ماهرًا في الحكم، ذكيًّا خبيرًا بالسَّعْيِ في أُموره، يقظًا غير متوانٍ في حاجته، كثيرَ العصبّية لمن يقصده. مات قبل رجب بنحوٍ من عشرين يومًا بعد أن نزل لولده محمد -وهو شابٍ- عن تدريس الشيخونية وقبْلَها المنصوريّة وباشرهما في حياته وأَوصاه أَن لا يفتر عن السّعي في القضاء فامتثل أَمره واستقرّ بعده.
وكان الكمال كثير المروءَةِ متواضعًا بشوشًا كبير الجرأَة والإقدام والمبادرة في القيام في حظِّ نفسه، محبًّا في جمْع المال بكل طريق، عفا الله عنه.
стр. 974
قال القاضي علاءُ الدين في تاريخه: "استقلّ بالقضاءِ سنة أَربعٍ وتسعين وسبعمائة عوضًا عن جمال الدين بن الحافظ فباشره بحرمةٍ وافرة، وكان رئيسًا له مروءَة وعصبّية، عارفًا بأُمور الدنيا ومعاشرةِ الأَكابر ومخالطة أَهل الدولة".
٢٦ - عيسى بن موسى بن صبح الرّمثاوي الشافعي أَحد العدول بدمشق، مات في أَول عشر السبعين.
٢٧ - قاسم بن علي بن محمد بن عليٍّ الفاسي، أَبو القاسم المالكي، سمع من أَبي جعفر الطنجالي الخطيب والقاضي أَبي القاسم بن سلمون وأَبي الحسين محمد بن أَحمد التلمساني في آخرين يجمعُهم برنامجه، وتلا بالسبع على جماعة، وقرأَ الأَدب وتعانى النظم. جاور بمكَّة فخرّج له صاحبنا غرس الدين [خليل] الأقفهسي (١) مشيخةً وحَدّث بها، وكان يَذكرُ أَنها سُرقت منه بعد رجوعه من الحج ويُكثِر الأَسف عليها. لقيتُه بالقاهرة وأَنشدني لنفسه إجازة:
معَانِي عِيَاضٍ أَطْلَعَتْ فَجْرَ فَخْرِهِ … لِمَا قد شَفًى مِنْ مُؤلِم الجَهْلِ بالشِفَا
مَغَانِي رياضٍ مِنْ إفادَةِ ذكرِهِ … شَذًا زهرها (٢) يُحْيِي مَنَ اشْفَى عَلى شَفَا
مات بالمارستان المنصوري، وكان قد مدح جمال الدين الأستادار وأَثابه.
٢٨ - محمد بن إبراهيم بن بركة العبدلي، شمس الدين المزيّن الشاعر المشهور الدمشقي، وُلد سنة إحدى (٣) وثلاثين وسبعمائة، ومَهَر في نظم الشعر خصوصا المقاطيع مع عدم معرفته بالعربية، رأَيْتُه بدمشق وأنشدني كثيرًا من مقاطيعه المجيدة، وكان يذكر أَنه أَخذ عن ابن الوردي والصفدي، وبينه وبين الشيخ أبي بكر المنجِّم أَهاجٍ؛ وكان وصوله إلى
стр. 975
حلب في صفر ثم دخل دمشق، واتفق أَن التمرية أَسروه فاستصحبوه من سنةِ ثلاثٍ وثمانمائة إلى سمرقند فأَقام بها مدةً ثم خلص منهم، وسار في هذه السنة فقدم إلى دمشق فاستعاد وظائفه ولكنه لم يعش إلَّا يسيرًا -بعد أَن قدم- دون شهر.
وكان يذكر أَنه رأَى النبي ﷺ في المنام فبشَّره أَنه يتخلَّص من الأَسر ويعود إلى دمشق، فكان كذلك.
وعمل مائة مليح عارض بها الصفدي وابن الوردي وسمّاها "شين العرض بالملاح، بعد الزين والصّلاح" ومن شعره:
للشافِعيِّ عذَارٌ … يَقُولُ قولًا ذَكِيًّا
لا خيْر في شافعي … إنْ لم يكُنْ أَشْعَرِيًّا
مات في جمادى الآخرة (١).
٢٩ - محمد بن إبراهيم بن عبد الله الكردي، الشيخ شمس الدين القدسي نزيل القاهرة، وُلد (٢) سنة سبعٍ وأَربعين وسبعمائة وصَحِبَ الصالحين، ثم لازم الشيخ محمد القرمي ببيت المقدس وتلمذ له، ثم قدم القاهرة فقطنها، وكان لا يضع جبينه بالأَرض بل يصلِّي في الليل ويتلو، فإن نعس أَغفى إغفاءَةً وهو مُحْتَبٍ ثم يعود؛ ومن شعره:
لمْ يَزَلِ الطَّامِعُ فِي ذِلَّةٍ … قَدْ شُبِّهَتْ عنْدِي بذلّ الكلابْ
وَلَيْس يَمْتَازُ عَلَيْهِم سوى … بوجْهه الكَالِح (٣) ثم الثيابْ
وكان يواصل الأَسبوع كاملًا (٤)، وذكر أَن السبب فيه أَنَّه تعشَّى مع أَبويه قديمًا فأَصبح لا يشتهى أَكْلا، فتمادى على ذلك ثلاثة أَيام، فلمّا رأَى أَنّ له قدرةً على الطي تمادى
стр. 976
فيه فبلغ أَربعًا ثم انتهى إلى سبعٍ. وكان يَعرف الفقه على مذهب الشافعي، وكان يُكثر من قوله في الليل:
قُومُوا إِلى الدَّارِ مِنْ ليلى نحيِيّها … نَعَمْ ونَسْأَلُها عن بَعضِ أَهْلِيها
ويقول أَيضا: "سُبْحَان رَبّنَا إِنْ كانَ وَعْدُ ربِّنَا لمَفْعُولا" (١)، وكان يذكر أَنه يقيم أَربعة أَيام لا يحتاج إلى تجديد وضوء. مات بمكة في ذي القعدة.
٣٠ - محمد (٢) بن أَحمد بن عبد الله القزويني ثم المصري، الشيخ شمس الدين، سمع من مظفر الدين بن العطَّار وغيره، وكان على طريقة الشيخ يوسف الكوراني المعروف بالعجمي ولكنه حسن المعتقد كثير الإِنكار على مبتدعة الصوفية. اجتمع بي مرارًا وسمْعت منه "تلخيص أَحاديث"؛ وكان كثير الحج والمجاورة بالحرمين. مات في شعبان بمكة.
٣١ - محمد بن حسين بن الأَمين محمد بن القطب محمد بن أَحمد بن علس القسطلاني، أَبو الحسن زين الدين المكي؛ سمع من عثمان بن الصفي وغيره، مات في ربيع الآخر عن نحو سبعين سنة فإن مولده سنة ٤٢.
٣٢ - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أَحمد بن خلف الخزرجي المدني، أَبو حامد رضيّ الدين بن تقيّ الدين بن المطري، وُلد سنة ستٍ وأَربعين وسبعمائة، وسمع من العزّ ابن جماعة، وأَجاز له يوسف الدّلاصي والميدومي وغيرهما من مصر، وابنُ الخبّاز وجماعة من دمشق، وكان نبيهًا في الفقه، وله حظٌّ من حُسْنِ خَطٍّ ونظم ودين، وكان مؤذِّن الحرم النبويّ وبيده نظر مكة، ثم نازع صهره شيخنا زين الدين بن الحسين في قضاء المدينة فوليه في أَول سنة إحدى عشرة، فوصلت إليه الولاية وهو بالطائف فرجع إلى مكة وسار إلى المدينة فباشر بقية السنة وحجّ فتمرّض فمات عقب الحجّ في سادس عشر ذي الحجة عن إحدى وستين سنة.
стр. 977
٣٣ - محمد بن علي بن محمد بن محمود بن علي بن عبد الله بن منصور السلمي، شمس الدين الدمشقي المعروف بابن خطيب زُرَع (١)، كان جدّ والده خطيب زرع فاستمرت بأَيديهم، ووُلد هذا في ذي الحجة سنة أَربعٍ وسبعين، وكان حنفيًا فتحوّل شافعيا وناب في قضاء بلده، ثم تعلَّق على فنّ الأَدب ونظم الشعر، وباشر التوقيع عند الأُمراء، ثم اتَّصل بابن غراب (٢) ومدحه وقدم معه إلى القاهرة، وكان عريضَ الدعوى جدًّا
واستخدمه ابنُ غراب في ديوان الإنشاء، وصحب بعض الأُمراء وحصّل وظائف، ثمّ رقَّت حاله بعد موت ابنِ غراب إلى أَن مات في ذي القعدة؛ وهو القائل:
وأَشْقَرٍ في وَجْهِهِ غُرَّةً … كأنها في نُورِها فجْرُ
بَلْ زَهْرَةُ الأُفق لأَنِّي أَرَى … مِنْ وقها قد طَلَع البدْرُ
وله فيما اقتُرِح عليه فيما يُقْرأَ مدحًا فإذا صُحِّفَ كان هجوًا:
التَّاجُ بالحقُ فوْقَ الرأْسِ يرفَعُه … إذ كَانَ فَرْدًا حَوَى وصْفا مجالسُه
فضْلًا وبذْلًا وصُنْعا فاخِرًا وسَخًا … فأَسْأَلُ اللهَ يُبْقِيه ويحرُسُهُ (٣)
مات في ذي القعدة.
٣٤ - محمد بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي ثم الدمشقي المعروف بابن الفخر، كان خيّرا في عدول دمشق. مات في شعبان.
стр. 978
٣٥ - محمد بن محمد بن علي بن منصور الحنفي، بدرُ الدين بنُ قاضي القضاة صدر الدين، وُلد سنةَ ستٍ وخمسين تقريبًا، وولي قضاء العسكر في حياة أَبيه وتدريس الركنيّة (١)، وخطب بجامع منكلي بغا، وكان قليل البضاعة وكانت له دنيا ذهبَتْ في الفتنة. مات في رمضان.
٣٦ - محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن فهد الهاشمي نجم الدين، سمع من العزّ بن جماعة وابن عبد المعطي وغيرهما وحدّث، وأقام بأَصفون (٢) الجبلين من صعيد مصر مدة ثم رجع ومات بمكة في ربيع الأَول وقد جاوز الخمسين، وهو والد صاحبنا تقي الدين؛ وقد مات أَبوه (٣) كمال الدين في سنة سبعين.
٣٧ - محمد بن محمد بن محمد بن عبد البّر بن يحيى بن عليّ بن تمام السبكي، جلال الدين بن بدر الدين بن أَبي البقاء الشافعي المصري، وُلد قبل سنة سبعين، واشتغل في صباه قليلًا، وكان جميل الصورة لكنه صار قبيح السّيرة كثير المجاهرة بما أَزْرى بأَبيه في حياته وبعدْ موته بل لولا وجوده لما ذُمّ أَبوه.
وقد ولي تدريس الشافعِيّ بعد أَبيه بجاه ابن غراب بعد أَن بذل في ذلك دارًا تساوي أَلف دينار؛ وولى تدريسَ الشيخونية بعد صدْر الدين المناوي بعد أَن بذل لنوروز مالًا جزيلًا وكان ناظرها. مات في جمادى الأُولى (٤).
стр. 979
٣٨ - يلبغا بن عبد الله السالمي الظاهرى، كان من مماليك الظاهر ثم تمهّر وصيّره خاصكيًّا، وكان مِمَّن قام له بعد القبض عليه في آخر صفر فحمد له ذلك، ثم ولاَّه النظر على خانقاه سعيد السعداء سنة سبع وتسعين ووعده بالإمرة ولم يعجْلها له، فلما كان في صفر سنة ثماني مائة أَعطاه إِمرة عشرة وقرّره في نظر الشيخونيّة في شعبان، وكان يترقَّب أَن يعمل نيابة السلطنة فلم يتم ذلك، ثم جعله الظاهر أَحد الأَوصياء فقام بتحليف مماليك السلطان لولده النَّاصر، وتنقلَّت به الأَحوال بعد ذلك فعمل الأُستادارية الكبرى والإشارة وغير ذلك على ما تقدّم ذكره مفصّلا في الحوادث، ثم في الآخر ثار الشرُ بينه وبين جمال الدين فعمل عليه حتى سجنه في الإسكندرية.
وكان طول عمره يلازم الاشتغال بالعلم ولم يُفتح عليه بشيء منه سوى أَنه كان يصوم يومًا بعد يوم ويكثر التلاوة وقيام الليل والذكر والصّدقة، وكان لجوجًا مصَمِّما على الأَمر الذي يريده ولوْ كان فيه هلاكه، ويستبدّ برأْيه غالبًا، وكان سريع الانفعال مع ذلك.
وكان يحب العلماءَ والفضلاءَ، وقد لازم سماع الحديث معنا مدّةً، وكتب بخطِّه الطباق، وأَقْدَمَ علاءَ الدين بن أَبي المجد من دمشق حتى سمع الناس عليه "صحيح البخاري" مرارًا، وكان يبالغ في حبّ ابن العربي وغيره من أَهل الطريقة ولا يؤذي من ينكر عليه.
مات مخنوقًا وهو صائمٌ في شهر رمضان بعد صلاةِ عصرِ يومِ الجمعة، وما عاش جمال الدين بعده إلَّا دون عشرة أَشهر.
ومن محاسنه في مباشراته أَنه قَرّر ما يؤْخذ في ديوان المرتجع على كل مُقَدَّم: خمسين أَلفا، وعلى الطبلخاناه: عشرين أَلفًا، وعلى أُمراء العشرة: خمسة آلاف، فاستمرّت إلى آخر وقت، وكان المباشرون في دواوين الأُمراء -قبل هذا- إذا قُبض على الأَمير أَو مات يلقون شدّةً من جَوْر المتحدث على المرتجع، فلما تقرّر هذا كتب به أَلواحًا ونقشها على باب القصر، وهي موجودة إلى الآن.
стр. 980
وهو الذي ردّ سعر الفلوس إلى الوزن وكانت قد فحشت جدا بالعدم حتى صار وزنُ الفلس خرُّوبتين.
وكان يذكر أَنه من أَهل سمرقند وأَنّ أَبويْه سمّياه "يوسف"، وأنه سُبِي فجُلِب إلى مصر مع تاجرٍ اسمه "سالم"، فنُسب إليه فاشتراه برقوق وصيّره من الخاصكية، وأَوّلُ مانبَّه ذكرَه ولايةُ خانقاه سعيد السعداءِ وذلك في جمادي الآخرة سنة ٩٧؛ وكان يُكْثِر الاجتماع بالعلماء، ثم ولى إمرة عشرة في تاسع شعبان سنة إحدى وثماني مائة ونظرَ خانقاه شيخون فباشره بعنف، ثم صار أَحد الأَوضياءِ لبرقوق، وهو الذي قام بتحليف الأُمراءِ للنَّاصر، فأَوّل ما نُسب إِليه من الجور أَنه أَنفق في المماليك نفقة البيعة: على أَن الدينار بأَربعة وعشرين، ثم نودي عند فراغ النفقة بأَن الدينار بثلاثين، فحصل الضرر التام بذلك.
ثم استقرّ في الأُستادارية في ثالث عشر ذي القعدة سنة سبعٍ فسار سيرةً حسنةً عفيفةً، وأَبطل مظالمَ كثيرة منها تعريف منية ابن بني خصيب وضمان العرصة وأَخصاص الغسّالين وأَبطل وَفْر الشُّونَ، وكسرما بمنية السيرج وناحية شبرا من جرار الخمر [وكان] شيئًا كثيرًا، وتشدّد في النظر في الأَحكام الشرعية، وخاشن الأُمراءَ وعارضهم فأَبغضوه، وقام في سنة ثلاثٍ وثمانمائة فجمع الأَموال لمحاربة تمرلنك فشنعت عليه القالة كما تقدّم.
وقُبِض عليه في رجب منها وتسلَّمه ابنُ غراب وعمل أُستادارًا وأَهانه، وعوقب وعُصِر ونُفِى إلى دمياط، ثم أُحْضر في سنة خمسٍ وثمانمائة وقُرّر في الوزارة والإشارة، فباشر على على طريقته في العسف، فقُبض عليه وعوقب أيضًا وسُجن، ثم أُفْرِج عنه في رمضان سنة سبع وعمل مشيرًا فجرى على عادته، ثم قُبض عليه وسُلِّم لجمال الدين الأُستادار فعاقبه ونفاهُ إلى الإسكندرية فرجمَتْه العامّة وهو يسير في النيل، فلم يزل بالسجّن إلى أَن بذل فيه جمالُ الدين للنَّاصر مالًا جزيلًا فأَذن في قتله فقتل. وكان له مروءَة وهمة عالية.
* * *
стр. 981
والحمد (١) لله ربّ العالمين. وصلَّى الله وسلَّم على خير خلقه أَجمعين.
انتهى المجّلد الأَول بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه سنة اثنتي عشرة وثماني مائة. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
* * *
стр. 982
بسم (١) الله الرحمن الرحيم
رب يسّر وتمِّم بخير
اللَّهُمَّ صلّ وسلم على أَشرف خلقك سيدنا محمد وآله وصحبه وسلْم تسليما.
سنة اثنتي عشرة وثمانمائة
استهلَّت والناصر مصمّم على قصد دمشق للقبض على نائبها شيخ لكوْنه امتنع من إرسال الأُمراء الذين طلبهم منه، وقبض على رسوله لذلك وهو كمشبغا الجمالي، وكان جمال الدين الأُستادار قد جهّز ولده أَميرًا على الحاج فتكاسل بالتجهيز ليجهّز (٢) ولده قبل رحيلهم والناصر يستحثُّه وهو يُسوِّف إلى أَن تحقَّق مكره فصمّم عليه، فخرج في السابع من المحرم تَغْرى بَرْدى مقدَّم العسكر ومعه من المقَدَّمين آقِبَاي وطُوغَان وعَلَّان وإيْنَال المنقار وكَمَشْبُغَا المُزَوّق ويَشْبَك الموُسَاوِى وغيرهم من الطبلخاناة والمماليك ونزلوا بالريدانيّة.
وسعى ابن العديم في قضاء الحنفية فأُعيد إليها، وصُرف ابن الطرابلسي وكان قد قَبض نفقة السَّفر فلم يستعدها منه جمال الدين بل أَضاف إليه مشيخة الشيخونية: انتزعها من ابن العديم.
وركب الناصر من القلعة في الحادي عشر منه فرحل تغرى بردى ومن معه في ذلك اليوم، وقرّر الناصرُ أَرغون الروميَّ نائبَ الغيبة بالإصطبل ويَلْبُغا الناصري لفصل الحكومات بالقاهرة، وقررّ أَحْمَدَ بنَ أُختِ جمال الدين نائبَ غيبةٍ عن خاله في الأُستادارية، وكَزَلْ الحاجب الكبير على عادته.
стр. 983
وفي أَوائل المحرّم برز شيخ إلى المرج فأَقام بها، ثم أَرسل إلى القضاة في حادي عشره وأَرادهم على أَن يقطع الأَوقاف فتنازعوا في ذلك إلى أَن صالحوه بثُلث متحصَّل تلك السنة، وأَرسل إلى قلعة صرخد فحصّن بها أَهله وما يعزُّ عليه وملأَها بالأَقواتِ والسلاح، واستفتى العلماءَ في جواز مقاتلة الناصر، فيقال إِن ابن الحسباني أَفتاه بالجواز فنقم عليه الناصر بعد ذلك لما دخل دمشق وسجنه (١).
وكان ممَّنْ قام في ذلك أَيضا شمس الدين محمد التّبّاني وكان قد رحل من مصر إلى شيخٍ بدمشق فأَكرمه، وبلغ ذلك الناصر فأَهانه فيا بعد، ثم أطلق شيخ المسجُونين من الأُمراء بدمشق وأَرسل المحمدي إلى غزة، وشاهين وداود إلى الرملة، وقبض على يحيى بن لاق وكان يباشر مستأْجرات الناصر، [وقبض] علَى ابن عُبادة (٢) الحنبلي وصادره على مالٍ كثير، واستناب بدمشق تنكز بغا ونزل بالمرج.
ووصل الناصر إلى غزة في ثالث عشري المحرّم ففرّ المحمدي، ونزل تغرى بردى الرملةَ في حادي عشريه ففرّ منه شاهين ووصل هو والمحمّدي إلى شيخ، فتحوّل إلى داريّا فقدم عليه قرقماس بن أَخي دمرداش فارًّا من صفد، وكان الناصر استناب فيها ألطْنبُغا العثماني فقدمها (٣) ففرّ منه قرقماس؛ ثم قدم نائب حماة جانم في أَواخر المحرّم، فرحلوا جميعًا نحو صرخد، واستصحب [شيخ] جماعةً من التجار الشاميّين وأَلزمهم بعشرة آلاف دينار، فوصل ثاني يوم رحيله كتاب الناصر إلى مَن بدمشق بإِنكار أَفعال شيخ ويحث عليهم في محاربته لمخالفته أَمر السلطان.
* * *
وفي أَول صفر نَمَّ آقبغا دويدار يشبك على جماعةٍ من الأُمراء مثل علَّان وإينال المنقار وسودون بقجة وغيرهم من الظاهرية أَنهم يريدون الركوب على الناصر لتقديمه مماليكه عليهم، وكان جمال الدين الأُستادار وافقهم على ذلك ولم يعلم آقبغا بذلك، فماج العسكر ليلة الأَحد ثانيه واضطرب العسكر، وكثر قلقُ الناصر وخوْفُه إلى أَن طلع الفجر، وكان نادى في العسكر بالتوجّه إلى جهة صرخد لقتال شيخ فأَصبح سائرًا إلى جهة دمشق، وكان استشار
стр. 984
كاتِبَ السرّ والأُستادارَ فيما يفعل، فاتفقوا على أَن يقبض على علَّان وإِينال وسودون بقجة المغرب، ويركبَ الأُستادار إلى ظاهر العسكر ليقبض على مَن يفرّ من المماليك إلى جهة شيخ، فلَّما تفرَّقوا راسل الأُستادارُ المذكورين بما همَّ به السلطان فهربوا، ومنهم: تمراز وقرا يشبك وسودون وآخرون، فأَخْرج الناصر الكسوة في سادس صفر. ودخل دمشق في سابعه، وطَلب ابنَ الحسباني فاعتُقل وابن التبّاني فهرب، وأَطلق الناصر المسجونين بالصُّبَيْبَة، وقرّر بردبك في نيابة حماة عوضًا عن جانم، ونوروزَ في نيابة حلب ثم عُزل، وقرّر دمرداشي على حاله، وبكتمر جلَّق في نيابة الشام.
وفي نصف صفر وبعده قدم بكتمر جلق نائبُ طرابلس ودمرداش نائبُ حلب إلى النَّاصر.
وفي السادس عشر منه وجّه الناصر إلى قُرى المرجع والغُوطة وبلاد حوران وغيرها يطلب لشعير للعليق، وقرّر على كل ناحية قدرًا معيّنًا، فعظم الخطبُ على الناس في جبايته.
* * *
وفي العشرين من صفر ظفر جمال الدين بناصر الدين بن البارزي وكان قد اتَّصل بخدمة شيخ فولَّاه خطابة الجامع الأُمويّ وصرف الباعوني، فشكاه الباعوني لجمال الدين فأَحضره بيْن يديه وضربه ضربًا شديدًا واستعادَ منه معلوم الخطابة وأَمرَ باعتقاله، وكان السبب في ذلك أَن جمال الدين انتزع خطابة القدس من الباعوني لأَخيه شمس الدين البيري، فترامى عليه الباعوني فعوّضه بخطابة دمشق، فتعصّب جمالُ الدين يومئذٍ للباعوني بهذا السبب.
وفي ثاني عشري صفر أَمر جمالُ الدين بنقل شرف الدين محمد بن موسى بن محمد ابن الشهاب محمود وكان قد عمل كتابة السرّ بحلب، فحقَد عليه جمالُ الدين أَشياءَ أَضمرها في نفسه منه لما كان خاملا بحلب.
стр. 985
وفيه استعفى نجم الدين بن حجيّ من قضاء دمشق فولاَّه الناصر للباعوني، وقرّر ابن حجّي في قضاء طرابلس، وصُرف ابنُ القطب عن قضاء الحنفيّة وقُرّر شهاب الدين ابن الكشك.
* * *
وفي آخر صفر ركب الخليفةُ والقضاةُ بأَمْر النَّاصر ونادى في الناس بدمشق يحضّهم على مقاتلة شيخ في كلامٍ طويل يُقرأُ من ورقة.
وفي الثانى من ربيع الأَول برز النَّاصر إلى جهة صرخد ففرّ إليه من الشيخيّة: برسباي وسودون اليوسفي، ووصل إلى قرية عيون تجاه صرخد في السابع من ربيع الأَول ووقعت الحرب، فقُتِل من الفريقَيْن ناس قليل، وفرّ جماعةٌ من السلطانية إلى شيخ فاشتدّ حَذْرُ الناصر مِن جميع مَن معه وتخيّل أَنَّهُم يخذلونه إذا التقى الجمعان فبادر إلى القتال، فانهزم تمراز -وكان في مقدّمة شيخ- وثبت شيخ، ولم يزل يتقهقر (١) إلى أَن دخل خذلانَ مدينة صرخد وانتهبَ السلطانية وطاقهُ وجميع ما كان لأَصحابه من خيلٍ وأَثاث، وفرّ شيخ فدخل القلعة ومعه ناس قليل، فأَصعَد الناصرُ طائفةً من مماليكه إلى أَعلى منارة الجامع ورموا عليهم بالنفطِ والحجارة والأَسهم الخطَّائية وانتهب مدينة صرخد، وانهزم تمراز وسودون بقجة وسودون الجَلَب وسودون المحمّدي وتمربغا المشطوب في عددٍ كثير إلى جهة دمشق، فأَرادوا أَن يهجموها فمنعتْهم العامة، فرجعوا إلى جهة الكرك وتسلَّل كثير منهم فدخلوا دمشق، ووَصل كِتَاب الناصر عقبهم بأَنّ من ظفر بأَحدٍ من المنهزمين وأَحضره فله أَلف دينار، فاشتدّ الطلب عليهم.
وفي نصف ربيع الآخر قُبض على الكليباني والي دمشق وضُرِب ضربًا شديدًا، وعلَى علم الدين وصلاح الدين ولدَيْ ابنِ الكويز لكونهما مِن جهة شيخ، وكذلك الصفدي، فتسلمّهم نوروز، وطَلب الناصرُ المنجنيق من دمشق إلى صَرْخد فنصبه على القلعة وكان شيئًا مهولًا وصل إليه على مائتي جمل، واستكثر مِن طلب المدافع والمكاحل من الصُّبَيْبَة وصفد ودمشق ونصبها حوْل القلعة، فاشتدّ الخطب على شيخ ومَنْ معه فتراموا على الأَمير تغري بردي