← История

История · id 26317

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 903 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

والحمد (١) لله ربّ العالمين. وصلَّى الله وسلَّم على خير خلقه أَجمعين. انتهى المجّلد الأَول بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه سنة اثنتي عشرة وثماني مائة. وحسبنا الله ونعم الوكيل. * * *

стр. 982

بسم (١) الله الرحمن الرحيم رب يسّر وتمِّم بخير اللَّهُمَّ صلّ وسلم على أَشرف خلقك سيدنا محمد وآله وصحبه وسلْم تسليما. سنة اثنتي عشرة وثمانمائة استهلَّت والناصر مصمّم على قصد دمشق للقبض على نائبها شيخ لكوْنه امتنع من إرسال الأُمراء الذين طلبهم منه، وقبض على رسوله لذلك وهو كمشبغا الجمالي، وكان جمال الدين الأُستادار قد جهّز ولده أَميرًا على الحاج فتكاسل بالتجهيز ليجهّز (٢) ولده قبل رحيلهم والناصر يستحثُّه وهو يُسوِّف إلى أَن تحقَّق مكره فصمّم عليه، فخرج في السابع من المحرم تَغْرى بَرْدى مقدَّم العسكر ومعه من المقَدَّمين آقِبَاي وطُوغَان وعَلَّان وإيْنَال المنقار وكَمَشْبُغَا المُزَوّق ويَشْبَك الموُسَاوِى وغيرهم من الطبلخاناة والمماليك ونزلوا بالريدانيّة. وسعى ابن العديم في قضاء الحنفية فأُعيد إليها، وصُرف ابن الطرابلسي وكان قد قَبض نفقة السَّفر فلم يستعدها منه جمال الدين بل أَضاف إليه مشيخة الشيخونية: انتزعها من ابن العديم. وركب الناصر من القلعة في الحادي عشر منه فرحل تغرى بردى ومن معه في ذلك اليوم، وقرّر الناصرُ أَرغون الروميَّ نائبَ الغيبة بالإصطبل ويَلْبُغا الناصري لفصل الحكومات بالقاهرة، وقررّ أَحْمَدَ بنَ أُختِ جمال الدين نائبَ غيبةٍ عن خاله في الأُستادارية، وكَزَلْ الحاجب الكبير على عادته.

стр. 983

وفي أَوائل المحرّم برز شيخ إلى المرج فأَقام بها، ثم أَرسل إلى القضاة في حادي عشره وأَرادهم على أَن يقطع الأَوقاف فتنازعوا في ذلك إلى أَن صالحوه بثُلث متحصَّل تلك السنة، وأَرسل إلى قلعة صرخد فحصّن بها أَهله وما يعزُّ عليه وملأَها بالأَقواتِ والسلاح، واستفتى العلماءَ في جواز مقاتلة الناصر، فيقال إِن ابن الحسباني أَفتاه بالجواز فنقم عليه الناصر بعد ذلك لما دخل دمشق وسجنه (١). وكان ممَّنْ قام في ذلك أَيضا شمس الدين محمد التّبّاني وكان قد رحل من مصر إلى شيخٍ بدمشق فأَكرمه، وبلغ ذلك الناصر فأَهانه فيا بعد، ثم أطلق شيخ المسجُونين من الأُمراء بدمشق وأَرسل المحمدي إلى غزة، وشاهين وداود إلى الرملة، وقبض على يحيى بن لاق وكان يباشر مستأْجرات الناصر، [وقبض] علَى ابن عُبادة (٢) الحنبلي وصادره على مالٍ كثير، واستناب بدمشق تنكز بغا ونزل بالمرج. ووصل الناصر إلى غزة في ثالث عشري المحرّم ففرّ المحمدي، ونزل تغرى بردى الرملةَ في حادي عشريه ففرّ منه شاهين ووصل هو والمحمّدي إلى شيخ، فتحوّل إلى داريّا فقدم عليه قرقماس بن أَخي دمرداش فارًّا من صفد، وكان الناصر استناب فيها ألطْنبُغا العثماني فقدمها (٣) ففرّ منه قرقماس؛ ثم قدم نائب حماة جانم في أَواخر المحرّم، فرحلوا جميعًا نحو صرخد، واستصحب [شيخ] جماعةً من التجار الشاميّين وأَلزمهم بعشرة آلاف دينار، فوصل ثاني يوم رحيله كتاب الناصر إلى مَن بدمشق بإِنكار أَفعال شيخ ويحث عليهم في محاربته لمخالفته أَمر السلطان. * * * وفي أَول صفر نَمَّ آقبغا دويدار يشبك على جماعةٍ من الأُمراء مثل علَّان وإينال المنقار وسودون بقجة وغيرهم من الظاهرية أَنهم يريدون الركوب على الناصر لتقديمه مماليكه عليهم، وكان جمال الدين الأُستادار وافقهم على ذلك ولم يعلم آقبغا بذلك، فماج العسكر ليلة الأَحد ثانيه واضطرب العسكر، وكثر قلقُ الناصر وخوْفُه إلى أَن طلع الفجر، وكان نادى في العسكر بالتوجّه إلى جهة صرخد لقتال شيخ فأَصبح سائرًا إلى جهة دمشق، وكان استشار

стр. 984

كاتِبَ السرّ والأُستادارَ فيما يفعل، فاتفقوا على أَن يقبض على علَّان وإِينال وسودون بقجة المغرب، ويركبَ الأُستادار إلى ظاهر العسكر ليقبض على مَن يفرّ من المماليك إلى جهة شيخ، فلَّما تفرَّقوا راسل الأُستادارُ المذكورين بما همَّ به السلطان فهربوا، ومنهم: تمراز وقرا يشبك وسودون وآخرون، فأَخْرج الناصر الكسوة في سادس صفر. ودخل دمشق في سابعه، وطَلب ابنَ الحسباني فاعتُقل وابن التبّاني فهرب، وأَطلق الناصر المسجونين بالصُّبَيْبَة، وقرّر بردبك في نيابة حماة عوضًا عن جانم، ونوروزَ في نيابة حلب ثم عُزل، وقرّر دمرداشي على حاله، وبكتمر جلَّق في نيابة الشام. وفي نصف صفر وبعده قدم بكتمر جلق نائبُ طرابلس ودمرداش نائبُ حلب إلى النَّاصر. وفي السادس عشر منه وجّه الناصر إلى قُرى المرجع والغُوطة وبلاد حوران وغيرها يطلب لشعير للعليق، وقرّر على كل ناحية قدرًا معيّنًا، فعظم الخطبُ على الناس في جبايته. * * * وفي العشرين من صفر ظفر جمال الدين بناصر الدين بن البارزي وكان قد اتَّصل بخدمة شيخ فولَّاه خطابة الجامع الأُمويّ وصرف الباعوني، فشكاه الباعوني لجمال الدين فأَحضره بيْن يديه وضربه ضربًا شديدًا واستعادَ منه معلوم الخطابة وأَمرَ باعتقاله، وكان السبب في ذلك أَن جمال الدين انتزع خطابة القدس من الباعوني لأَخيه شمس الدين البيري، فترامى عليه الباعوني فعوّضه بخطابة دمشق، فتعصّب جمالُ الدين يومئذٍ للباعوني بهذا السبب. وفي ثاني عشري صفر أَمر جمالُ الدين بنقل شرف الدين محمد بن موسى بن محمد ابن الشهاب محمود وكان قد عمل كتابة السرّ بحلب، فحقَد عليه جمالُ الدين أَشياءَ أَضمرها في نفسه منه لما كان خاملا بحلب.

стр. 985

وفيه استعفى نجم الدين بن حجيّ من قضاء دمشق فولاَّه الناصر للباعوني، وقرّر ابن حجّي في قضاء طرابلس، وصُرف ابنُ القطب عن قضاء الحنفيّة وقُرّر شهاب الدين ابن الكشك. * * * وفي آخر صفر ركب الخليفةُ والقضاةُ بأَمْر النَّاصر ونادى في الناس بدمشق يحضّهم على مقاتلة شيخ في كلامٍ طويل يُقرأُ من ورقة. وفي الثانى من ربيع الأَول برز النَّاصر إلى جهة صرخد ففرّ إليه من الشيخيّة: برسباي وسودون اليوسفي، ووصل إلى قرية عيون تجاه صرخد في السابع من ربيع الأَول ووقعت الحرب، فقُتِل من الفريقَيْن ناس قليل، وفرّ جماعةٌ من السلطانية إلى شيخ فاشتدّ حَذْرُ الناصر مِن جميع مَن معه وتخيّل أَنَّهُم يخذلونه إذا التقى الجمعان فبادر إلى القتال، فانهزم تمراز -وكان في مقدّمة شيخ- وثبت شيخ، ولم يزل يتقهقر (١) إلى أَن دخل خذلانَ مدينة صرخد وانتهبَ السلطانية وطاقهُ وجميع ما كان لأَصحابه من خيلٍ وأَثاث، وفرّ شيخ فدخل القلعة ومعه ناس قليل، فأَصعَد الناصرُ طائفةً من مماليكه إلى أَعلى منارة الجامع ورموا عليهم بالنفطِ والحجارة والأَسهم الخطَّائية وانتهب مدينة صرخد، وانهزم تمراز وسودون بقجة وسودون الجَلَب وسودون المحمّدي وتمربغا المشطوب في عددٍ كثير إلى جهة دمشق، فأَرادوا أَن يهجموها فمنعتْهم العامة، فرجعوا إلى جهة الكرك وتسلَّل كثير منهم فدخلوا دمشق، ووَصل كِتَاب الناصر عقبهم بأَنّ من ظفر بأَحدٍ من المنهزمين وأَحضره فله أَلف دينار، فاشتدّ الطلب عليهم. وفي نصف ربيع الآخر قُبض على الكليباني والي دمشق وضُرِب ضربًا شديدًا، وعلَى علم الدين وصلاح الدين ولدَيْ ابنِ الكويز لكونهما مِن جهة شيخ، وكذلك الصفدي، فتسلمّهم نوروز، وطَلب الناصرُ المنجنيق من دمشق إلى صَرْخد فنصبه على القلعة وكان شيئًا مهولًا وصل إليه على مائتي جمل، واستكثر مِن طلب المدافع والمكاحل من الصُّبَيْبَة وصفد ودمشق ونصبها حوْل القلعة، فاشتدّ الخطب على شيخ ومَنْ معه فتراموا على الأَمير تغري بردي

стр. 986

الأَتابك وأَلقوا إليه ورقةً في سهمٍ من القلعة يستشفعون به، فجاءَ إلى السلطان وشفع عنده وأَلحَّ عليه إلى أَنْ أَذِن له أَن يصْعد إليهم ويقرّر الصلح، فتوجّه وصحبته الخليفة وكاتب السر وجماعة من ثقات السلطان -وذلك في أَواخر الشهر- فجلسوا كلهم على شفير الخندق، وجلس شيخ داخل باب القلعة ووقف أَصحابه على رأْسه، فطال الكلام بينهما إلى أَن استقر الأَمر أَنه لا يستطيع أَن يقابل السلطان حياءً منه، فأُعيد الجواب عليه فأَبىَ إلَّا أَن ينزل إِليه ويجتمع به، فلم يزل تغري بردي به إلى أَن أَجاب إلى الصّلح، فرجع هو وكاتب السر فسلَّم لهما كمشبغا الجمالي وأَسنبغا كلاهما بحبل، ثم أَرْخى ولده وعمْرهُ سبع سنين ليرسله إلى الناصر فرج، فصاح وبكي من شدّة الخوف فرحمه الحاضرون فرُدّ إلى أَبيه واستبشر الفريقان بالصّلح. وكان العسكر الناصري قد ماج وكَلَّ من الإِقامة بصرْخد لكثرة الوباءِ بها وقِلَّة الماءِ والزاد، هذا مع كوْن الأَهواءِ مختلفة، وأَكثرُ الناصريّة لا يحبون أَن يظفر بشيخِ لئلَّا يتفرّغ لهم، فطلعوا في آخر يوم من الشهر وحلَّفوا الأُمراءَ، وأَفرَج شيخٌ عن ابن لاقي وعن تجّار دمشق، وأَرسَل للنَّاصر تقدمةً عظيمةً ولبس تشريفهُ واستقرّ في نيابة طرابلس، وما فرغ من ترتيب ذلك إلا وأَكثر المماليك السلطانية من مصر قدْ ساروا إلى جهة دمشق، فاضطُرَّ الناصر إلى الرحيل إلى دمشق فتجهّز وجهز شيخٌ ولده الصغير في إثْر السلطان، فوصل مع تغري بردي فأَكرمه وأَعاده إلى أَبيه، ورحل الناصر عن دمشق في ربيع الآخر فوصل إلى غزة بعد أَن زار القدس في سابع عشر منه. * * * وأَما شيخٌ فخرج من صرْخد وانضمّ إليه كثيرٌ من أَصحابه وتوجّه إلى ناحية دمشق، وأَرسل إلى بكتمر جلق نائبِ الشام يستأْذنه في دخول دمشق ليقضِيَ أَشغاله ويتوجّه إلى طرابلس، فمنعه حتى يستأْذن السلطان، وكتب إليه يخيّله من دخول دمشق فأَجابه بمنْعه مِن دخولها وإنْ قَصَد دخولها بغير إذنٍ يقاتلوه، فاتفق وصول شيخ إلى شَقْحب في غاية جمادي الأولى فأَوقع بكتمر جلق ببعض أَصحابه، فبلغه ذلك فركب فيمَن معه، فلم يلبث بكتمر أَن انهزم ونزلَ شيخٌ قبَّةَ يلبغا، ثم دخل دمشق في حادي عشره -وهو اليوم الذي وصل فيه النَّاصر إلى القلعة بمصر- فتلقَّاه الناس، فأَظهر أَنه لم يقصد القتال ولا الخروج

стр. 987

عن الطَّاعة، وأنَّه لم يقصد إلاَّ النزول في الميدان خارج البلد لتقاضي مهماته ويرحل إلى طرابلس، وأَنّ بكتمر هو الذي بغى عليه، ثم استكتبهم في مَحضرٍ بصحة ما قال وجهّزه إلى السلطان صحبة إمام الصخرة المقدّسة، فوصل في أَواخر جمادي الآخرة، فغضب السلطان وضرب الإِمام بالمقارع ووَسَّطَ الجندي الذي كان برفْقتِه. * * * واستمرّ بكتمر في هزيمته إلى جهة صفد، فأَقام شيخٌ بدمشق وأَعطى شمس الدين ابن التبّاني نظر الجامع الأموي، وشهابَ الدين ابنَ الشهيد نظرَ الجيش بدمشق ثم صرفه في جمادي الآخرة وقرّر [مكانه] صدر الدين بن الأَدمي، وقرّر في خطابة الجامع شهاب الدين الحسباني ثم أَعاده، ثم قَسم الوظائف بينهما؛ واستقر الحسباني في قضاء الشافعي. ثم توجه شيخ بعساكره إلى جهة صفد، فطرقها شاهين الدويدار في جماعة على حين غفلةٍ فاستعدّوا لهم ورجعوا واستمر شيخ في طلب بكتمر إلى غزَّة، وكان بكتمر قد سار متوجها إلى القاهرة وصحبته بردبك نائب حلب ونكباي (١) حاجب دمشق وألطنبغا العثماني نائب صفد ويشبك الموساوي نائب غزة فتلقَّاهم السلطان، فلما يئس منهم شيخ رجع إلى دمشق بعد أَن قرّر في غزة سودون المحمّدي وبالرملة جانبك؛ ثم أَرسل الناصر يشبك الموساوي في جيشٍ إلى غزة فحارب سودون المحمدي فانكسر ونهب الذي له ولحق بجهة الكرك، ثم جمع عسكرًا ورجع إلى غزة فانكسر الموساوي إلى القاهرة وقُتل علان نائب صفد، فأَرْسل شيخ إلى سودون المحمّدي بنيابة صفد. وفي أَواخر جمادي الأولى قدم نوروز -وقد خلص من التركمان- إلى حلب فتلقَّاه دمرداش وأَكرمه، وكاتب النَّاصر يُعلمه ويسأَله أَن يعيد: نوروز إلى نيابة الشام، ويشبك ابن أَزدمر إلى طرابلس، وتغري بردي ابن أَخي دمرداش إلى حماة، فأَعجب الناصرَ ذلك وأَجاب سؤاله وجهز إليه مقبل الرّومي ومعه التقاليد بذلك، وصحبته خمسة عشر أَلف دينار مددًا لنوروز، وتوجّه في البحر خوفًا من شيخ إن سلك البرّ، وكان يشبك بن أَزدمر وتغري

стр. 988

بردي قد توجّها إلى حماة ففرّ منهما جانم الذي من جهة شيخ فغَلبا عليها، ووصل مقبل الروميّ إلى نوروز بحماة -ومعه تقليدٌ بنيابة الشام- فلبس الخلعة. وفي سابع عشر جمادي الآخرة قَبض سنان نائب قلعة صفد على ألطنبغا العثماني فوصل علَّان من جهة شيخ فغلب على صفد، فشار عليه أَهْل صفد -لمّا بلغهم خبر غزة- ففرّ إلى دمشق فدخلها، وتوجه أَبو شوشة صديق التركمان من صفد بطائفة فكبسوا مَن كان نائبا بها من جهة شيخ فهربوا إلى دمشق. وفي رابع عشريه برز شيخ إلى برزة (١) بعساكره قاصدًا حماة، وقدم دمرداش إلى حماة نجدةً لنوروز ومعه عساكر حلب وطوائف من التركمان والعرب وشيخٌ يحاصر حماة، فلما بلغه قدومهم تَرك وطاقه وأَثقاله وتوجّه إلى ناحية العربان، فرجع شيخ بأَصحابه عليهم فاشتدّت الحرب بينهم وقُتل جماعة وأُسِرَ آخرون، وكُسِرت أَعلام دمرداش وأُخذت طبلخاناته ونزل شيخ على نقرين واستمر في حصار حماة. * * * وأَما دمشق فإن سودون المحمّدي بعد أَن استماله نوروز بعث به إلى دمشق بعد أَن عاث في بلاد صفد وصادر من أَهل قراها، وكان جقمق -دويدار شيخ بدمشق- قد وزَّع على القرى والبساتين مالًا لينفقه على عسكر أُستاذه، فزحف المحمدي إلى داريا في سابع رمضان فقاتله الشيخية، منهم: ألطنبغا القرمشي ومَن معه؛ وفي أَثناء ذلك تقدّم سودون بقجة وإينال المنقار مددًا للشحنة فَتَقَنْطر المحمدي عن فرسه فأَركبوه وتفرّق جمعه ولحقوا بنوروز، وقُبض على نحو الخمسين من أَصحابه، وقدم شاهين دويدار شيخ يستحث على استخراج المال، وتأَهَّبَ سودون بقجة للتوجّه إلى صفد نيابةً عن شيخ، وكتب شيخ إلى الناصر كتابًا يخدعه فيه ويعلمه أَن نوروز يريد الملك لنفسه ولا يطيع أَحدًا أبدًا، ويقول (٢) عن نفسه

стр. 989

إنه لا يريد إِلَّا طاعة السلطان والانتماءَ إليه ويعتذر عمّا جرى منه، ويصف نفسه بالعدْل والرفق بالرّعية ويصف نوروز بضدّ ذلك ونحو ذلك من الخداع، فلم يُجِبْه الناصر عن كتابه. وفي الثالث عشر من شوّال وصلت عساكر شيخ إلى صفد فنازلوها وفيها شاهين الزردكاش، فجرت لهم حروب وخطوب إلى أَن جُرح شاهين في وجهه ويده وهرب،، وأُسر أَسند مر كاشف الرملة، فوصل إلى صفد يشبك الموساوي من القاهرة وسودون اليوسفي وبردبك من جهة نوروز، فقوى بهم أَهل صفد، ورجع من الشيخية قرقماس إلى دمشق، وأَمدّه شيخ بنجدة كبيرة، وأَخذ من دمشق آلات القتال ورجع إلى صفد، فاشتدّ الخطب واشتدّ القتال بين الفريقين، وكانت الدائرة على الشيخية وانهزم قرقماس وجُرح وقُتل عدة من أَصحابه وأَسر أَهل صفد لكنهم بين قتيل وجريح، وقُتل ابن كَبَرْ الأَكبر وغُوِّرت عين ابنه الآخر وأُصيبت رجُلُ ابنه الثالث، وأَبْلى هؤلاءِ بلاءً عظيما وكذلك محمد بن منازع، وهؤلاء من عربان تلك البلاد، فخرجوا بعد الوقعة فعاثوا في البلاد وأُفسدوا، ورجع يشبك الموساوي إلى غزَّة فكاتب الناصر بما اتَّفق، واشتدّ الخطب على أَهل دمشق بسبب ذلك وحفيت منهم الخيول والأَموال، وكل ذلك وشيخ بحمص يحاصر نوروز ومَن معه بحماة، فلما بلغه ذلك جهّز عسكرًا إلى أَصحابه ينجدهم به فمضوا إلى جهة بيسان (١) وكبسوا محمد بن هيازع أَمير عرب آل مهدي (٢) وأَخذوا ما كان معه،، وتوجّهوا إلى صفد فحاصروا شاهين الزردكاش أيضا. * * *

стр. 990

وفيها طرق قرا يوسف بغداد، فطرق عراق العجم وديار بكر، ووصل إلى الموصل فملكها وسلطن محمد شاه ابنه، وكتب بذلك إلى شيخ وأَعلمه أَن يفرغ من تلك الجهات، وأَنه عَزَم على الحضور إلى الشام نجدةً للأَمير شيخ لما بينهما من المودّة والعهود، فاستشار شيخ أَصحابه فأَشاروا عليه بأَن يجيبه إلى ما طلبه من الحضور إِليهم ليستظهر بهم على أَعدائه، فخوّفه تمراز الناصري عاقبةَ ذلك، وأَشار عليه بأَن يكاتب الناصر بحقيقة ذلك وأَنَّه يخشى من استطراق قرا يوسف في بلاد الشام أَن يتطرّف منها إلى مصر، فأخَّر جوابه. * * * وفي السادس من ذي الحجة توجّه الدويدار إلى البقاع (١) للاستعداد لبردبك لما طرق الشام، فوصلت كشافة بردبك في التاسع عشر إلى نواحي دارم، ثم نزل هو شقحب فتأَّهبّ مَن بالقلعة بدمشق، وخرج العسكر مع سودون بقجة والقرمشي فوقع القتال، فانكسر جاليش سودون بقجة وحمل هو على عسكر بردبك فكسرهم، ثم انهزم بردبك على خان إبن ذي النون (٢) فرجع إلى صفد ونُهب من كان معه، واجتمع جميع الشيخونية وتوجّهوا قاصدين غزَّة. * * * وفي هذا الشهر اشتدّ الحصار على نوروز و دمرداش بحماة وتقلَّل عنهما أَكثر من كان معهما، وانضم أَكثر التركمان إلى شيخ ووصل إليه العجل بن نعير نجدةً له بمن معه من العرب في ثاني عشر ذي الحجة فعسكر بظاهر حماة، فوقع القتال بين الطائفتين، واشتدّ الخطب على النوروزية فمالوا إلى الخداع والحيلة ولم يكن لهم عادة بالقتال يوم الجمعة، فبينما الشيخية مطمئنين إذا بالنوروزية هجموا عليهم وقت صلاة الجمعة فاقتتلوا إلى قرب العصر، فكانت الكسرة على النوروزية ورجعوا إلى حماة، فأُسِر من النوروزية جماعة، منهم: سودون الجلب وشاهين الأّياسي وجانبك القرمي وغيرهم فأُرسلوا إلى السجن بدمشق ثم إلى المرقب، وغرق أَمير التركمان بنهر العاصي وكذلك أَخوه يونس وآخرون وتسحَّب منهم جماعة،

стр. 991

وغنم الشيخية منهم نحو أَلف فرس، وتفرّق أكثر العساكر عن نوروز، ولحق كثير منهم بشيخ، فتحوّل إلى الميدان بحماة ونزل هو والعجل به، وكّتب إلى دمشق بالنصر فدُقت بشائره وزيَّنُوا البلد. فلما كانت ليلة الإثنين سادس عشر ذي الحجة ركب تمربغا المشطوب وسودون المحمدي وتمراز نائب حماة في عسكرٍ ضخم فكبسوا العجل بن نعير ليلًا فاقتتلوا إلى قُرْب الفجر، وركب شيخ نجدةً للعجل واشتدّ القتال، فخالفهم نوروز إلى وطاق شيخ فنهبه ورجع إلى حماة، وكتب دمرداش إلى النَّاصر يستنجده ويحثُّه على المجيء إلى الشام وإلاَّ خرجَتْ عنه كلها فإنَّه لم يَبْقَ بيده منها إلاَّ غزة وصفد وحماة، وكلّ مَن بها من جهته في أَسوإ حال. * * * وفي ذي الحجة مال أَكثر التركمان إلى شيخ وأَطاعوه، وجاءَ الخبر بأَنَ أَنطاكية صارت في حكمه، وجهز شاهين دويداره وأَيدغمش إلى حلب فصارَتْ بأَيديهم، واشتدَ الأَمْر على دمرداش ونوروز، فاستدعيا أَعيان أَهل حماة وأَلزماهم بأَن يَكتبوا إلى العجل كتابًا يتضمّن أَن نوروز هرب من حماة ولم يتأَخر بها إلاَّ دمرداش على أَن يأَخذ له الأَمان من شيخ، فظنّ العجل أَن ذلك حقّ، فركب إلى شيخ وأَعلمه بذلك فظن بنفسه القوّة. وبعث فرقةً من مماليكه ومن عرب العجل فتسوّروا على سلالم ونزلوا من السور ظانيّن قِلَّةً مَن بالبلد من النوروزية، فوثبوا عليهم وقتلوهم جميعا وعلَّقوا رؤوسهم على السّور، وأَتوا رجلين من جهة العجل فأَلْزَموهما بأَن كتبا إلى العجل: "بأَن نوروز قد أَسرْناه وقد اطلَّعنا على أَنه تصالح مع شيخ على أَن يسلمك شيخ إليه ويصطلحا على البلاد"، فظن العجل ذلك صحيحا فركب لوقته متوجّها إلى بلاده فبلغ ذلك الشيخية، فركب شيخ في طائفةٍ ليسترضيه ويردّه، فأَعقبه نوروز ودمرداش في إثره فنهبوا وطاقه وخيوله، واستمر العجل ذاهبًا فرجع من حمص إلى القرمتين (١) وكاتب نوروز في طلب الصلح فلم يتم ذلك. وانسلخت السنة وهم على ذلك. * * *

стр. 992

ذكر حوادث أخرى غير ما يتعلق بالمتغلبين فيها في ثالث ربيع الآخر قُرر جماز بن هبة في إمرة المدينة عوضا عن عجلان بن نعير. وفيها استقرّ جمال الدين الكازرونى في قضاء المدينة خاصّة دون الخطابة فاستمرّت بيد ابن صالح. وفي صفر فشا الطاعون بمصر وحماة وطرابلس، ومات به خلقٌ كثير. وفيه واقع التركمان الأَمير نوروز بملطية فكسروه كسرةً شنيعة. وفيه رتبّ جمال الدين الأُستادار القاضي جلال الدين البلقيني على تصدّرٍ بالجامع الأموي خمسمائة درهم في الشهر، قبضها القاضي من مباشري الجامع أَلف درهم، قرأْتُ ذلك بخط شهاب الدين بن حجيّ ﵀. وادّعى شهاب الدين بن نقيب الأَشراف على صدْر الدين بن الأَدمي بأَنه سبّ الناصر فعقدوا له مجلسًا فأَنكر عليه، فشهد عليه الشهاب المذكور فاستخصمه صدْر الدين وقال إنَّه عدوّه، فبلغ ذلك نائب الغيبة فصَدَّق صدر الدين وأَطلقه. ثم اتفق ابن الكشك وصدْر الدين على قسمة الوظائف بينهما، وأَشْهد ابن الأدمي على نفسه أنَّه أَعاده إلى السَّعي في القضاء أَنْ يكون لابن الكشك عنده أَلف دينار، وحكم نائب الحنفي بصحة التعليق والمالكي بصحة الالتزام، ثم بطل ذلك عن قريب؛ وحكم ابن العديم ببطلان ذلك الحكم لأَن صدْر الدين أَثبت عنده أَنه كان يومئذ مكرَها، ثم أُعيد ابن الأدمي إلى القضاء بعد خروج الناصر من دمشق. وفي رابع عشر ربيع الآخر عُقد عقد بنت الملك الناصر على بكتمر جلق وهو أَسنّ من أَبيها، وتولَّى الناصرُ العقدَ بنفسه، لقَّنه إياه القاضي جلال الدين وقبله للزوج تغْري بردي الأَتابك. وفي ثامن عشره أُعيد ابن الأَدمي إلى قضاء الحنفية وصُرف ابن الكشك.

стр. 993

وفي جمادى الأولى قدم من حلب جمال الدين يوسف قاضي الشافعية بها ومحبّ الدين ابن الشحنة قاضي الحنفية بها، وكانوا طُلبوا (١) من جهة السلطان لكونْهم بايعوا جكم على السّلطنة وأَفتوه بقتال السلطان، ثم هرب ابن الشحنة وأُدخِل الآخران القاهرة. * * * وفي التاسع من جمادى الأُولى نزل السلطان بلبيس فقبض على جمال الدين الأُستادار وعلى ابنه وابن أُخته وعامّةِ من يلوذ بهم، وهرب أَخوه شمس الدين البيري وطائفة، وكان النَّاصر قد تخيّل منه في هذه السَّفرة أنه يماليّ عليه وأنه يريد أَن يمسكه، ووجد أَعداؤه (٢) سبيلًا إلى الحطِّ عليه عنده إلى أَن طابق ظنه وأَمسكه. ودخل الناصر القلعة في حادي عشره وتقدّم إلى كاتب السرّ فتح الله في حِفْظ موجود جمال الدين، فاستعان فتح الله على ذلك بالقضاة فلم يزل جمال الدين وولده يُخْرِجان ذخيرةً بعد ذخيرة إلى أَن قارب جملة ما تحصّل من موجوده أَلف أَلف دينار، وأَحضره النَّاصر مرة وتلطَّف به ليُخرج بقيّة ما عنده فأَكَّد اليمين واعترف بخطئه واستغفر فرقّ له وأَمر بمداراته. فقامَتْ قيامة أَعدائه وأَلَّبوا عليه إلى أَنْ أَذِن لهم في عقوبته وسلمه لهم، فلم يزالوا به حتى مات خنقًا بيد حسام الدين الوالي، وقُطعت رأْسُه فأُحضرت بين يدي النَّاصر فردّها وأَمر بدفنه. وذلك في حادي عشر جمادى الآخرة. واستقرّ تاج الدين عبد الرزاق بن الهيصم في الأُستادارية موضع جمال الدين ولبس بزىّ الأُمراء وترك زيّ الكتاب، واستقرّ أَخوه مجد الدين عبد الغني في نظر الخاصّ وسعدُ

стр. 994

الدين البشيري في الوزارة؛ وأُضيف إلى تقي الدين بن أَبي شاكر نظر الديوان المفرد وأُستادارية الأَملاك والذخائر السلطانية عوضا عن أَحمد ابن أُخت جمال الدين. ومن غريب ما اتفق في ذلك أنه كان ظفر من تركة بعض الأَكابر بحاصلٍ فيه ذهب وعلبةٍ مليئة بفصوص وجواهر نفيسة، فبَلغ السلطان ذلك فطلبه من الأَمير جمال الدين فأَنكره وأَودع ذلك عند جنديّ يقال له جلبان، فلما قُبض على جمال الدين وأُمِر بحمْل ما عنده من الأَموال ذكر أَن له عند جلبان وديعةً نحو عشر قفف ذهبًا، فطلع المذكور وتغلَّب عليه الخوف فأَحْضر الذهب والعلبة التي فيها الجواهر فانبسط الناصر، وبلغ جمال الدين ذلك فشق عليه مشقة عظيمة. وفي أَواخر جمادى الأُولى استقر شهاب الدين أَحمد بن أَوحد الخادم بالخانقاه الناصريّة بسرياقوس في مشيختها عوضًا عن شرف الدين القليوبي بحكم وفاته. وفي سابع جمادى الآخرة أُمسِك بلاط -أُحدُ المقدّمين- وكزل حاجب الحجاب وبُعثا إلى الإسكندرية للاعتقال، وقُرّر يلبغا الناصري في الحجوبية. وفي تاسعه صُرف ابن شعبان عن الحسبة وأُعيد الطويل. وفيه صُرف البرقي عن قضاءِ العسكر واستقرّ حاجيّ فقيه. وفي حادي عشر جمادى الآخرة استقرّ علاءُ الدين الحلبي قاضي غزة في مشيخة بيبرس عوضًا عن شمس الدين البيرى أخي جمال الدّين بحُكْم سجنه بعناية فتح الله، واستقر نور الدين علي في تدريس الشافعي عوضا عنه بعناية قزدمر (١). وفيه أَحضر الناصرُ الشيخَ شهاب الدين الزعيفريني وكان نُقل له عنه أَنه كتب ملحمة يزعم فيها أَن المُلْك يصل لجمال الدين ثم إلى ابنه أَحمد ونظم في ذلك قصيدة، فأَمر الناصر بقطع لسانه وبعْضِ عُقد أَصابعه اليمنى واعتُقل ثم أَفرج عنه، وأَقام بقية مدة

стр. 995

النَّاصر يظهر الخرس إلى أَن أَقبلت الدولة المؤيّدية فتكلم بعد ذلك من قوة تمكنه من عقله وعظم جلده وصبره، ولم يمتنع أَيضا من الكتابة بل كتب مع فساد بعض أصابعه لكن دون خطه المعتاد. وفي سابع رجب أعيد ابن شعبان إلى الحسبة وعُزل الطويل، ثم عُزل ابن شعبان واستقرّ محمد بن يعقوب الدمشقي في ثامن عشرى رجب، ثم صُرف في ثاني شعبان واستقرّ كريم الدين الهوّى. * * * وبلغ النيل (١) في هذه السنة في الزيادة إلى اثنتين وعشرين ذراعًا، وكُسِر الخليج في أَول يوم من مسرى وثبت إلى نصف هاتور. وبلغ سعر القمح من ذلك في شعبان إلى ثلاثمائة الإردب، والشعير والفول إلى مائتين، والحمل التبن إلى مائة وعشرين. وفي شعبان قَبض الشيخية بدمشق على الإخنائي قاضي المالكية، وكانوا قد نقموا عليه مكاتبة نوروز فسُجن بالقلعة ثم هرب منها إلى صفد، فأَكرمه النائب بها من جهة النَّاصر وهو شاهين الزردكاش، وأرسل الناصريّ إلى النَّاصر يغريه بالأَمير شيخ ويحثّه على سرعة الحركة إلى الشام. * * * وفي أَواخر شعبان فَوّض شيخ خطابة جامع دمشق لشرف الدين بن التبّاني وكان قد فر من القاهرة إليه في أَواخر العام الماضي، فأَنكر الشاميون ذلك لعهدهم أَن الخطابة للشافعية، فكاتبوه بذلك فاستناب الباعوني، وباشر شرف الدين التَّباني مشيخة السميساطيّة خاصة، وأُضيف إليه درس الخاتونية وتصدّر الجامع الأُمويّ. وفي مستهل رجب قُبض على نصرانيٍّ فادُّعي عليه أَنه كان أَسلم وأُقيمت البينة بذلك فاعترف، فعُرض عليه الإسلام فامتنع فضُربت رقبته بين القصرين.

стр. 996

وفي ثالث عشر شعبان قُتل شخص شريف لأَنَّه أُدّعِي عليه أَنه عوتب في شيء فعله فقُرر بسببه فقال: "قد ابتُلِيَ الأَنبياء! " فزُجر عن ذلك فقال: "قد جرى على رسول الله في زمن اليهود أَكثر من هذا" فاستُفْتِي في حقّه فأَفتوا بكُفره، فضُربت عنقه بين القصرين بحكم القاضي المالكي شمس الدين المدني. وفي ثالث عشر شوال أُعيد ابن شعبان إلى الحسبة وصُرف الهوِّي. * * * وفي الثالث والعشرين منه كان الناصر توجه إلى وسيم عند مرابط خيله فرجع منه فلما وصل الميدان بالقرب من قناطر السباع أَمر بالقبض على قزدمر الخازندار، وكان قد شاع عنه - وهو في السفر - أَنه اتفق مع جمال الدين على الفتْك بالسلطان، وأَمر بالقبض على إينال الساقي وهو حينئذٍ رأْسُ نوبة كبير، فقُبض على قزدمر وشَهَر إينال سيفه فلم يلحقه غير الأَمير قجق فضربه على يده ضربةً جرحه بها، واستمرّ إينال هاربًا ثم ظُفِر به في ذي الحجة فسُجن بالإسكندرية، ثم آل أَمره إلى أَن صار تاجرًا في المماليك يجلبهم من البلاد ويربح فيها الربح الكثير، وقد قدم في الدولة المؤيدية مرتين بذلك وحصّل مالًا طائلا وسُجن قزدمر بالإِسكندرية. وفي شوال استقر ابن خطيب بيبرس في قضاءِ دمشق وصُرف الحسباني. وفيه استقر شمس الدين محمد بن علي بن معبد المدني في قضاء المالكية وصُرف البساطي. وفي أَواخر ذي القعدة استقر حسام الدين في ولاية القاهرة. وفيه صُرف. . . . . . (١) وكان ظالمًا فاجرًا، ولي شدّ الدواوين فأَباد أَصحاب الأَموال وبالغ في أَذاهم، وكانت عاقبة أَمره أَن ضُربت عنقه صبرًا بالقاهرة.

стр. 997

وفي ذي الحجة قدم على شيخ بحمص الشيخ أَبو بكر بن تبّع وذكر أَن شخصًا حضر إليه وذكر أَنَّه رأى النبيّ ﷺ في المنام وهو يقول له: "ارجع عما أَنت فيه وإلَّا هلكْت" قال: "يا رسول الله ما يُصدقني"، قال: "اذهب إلى ابن تبع وقل له يذهب إليه، فإن لم يقبل من ابن تبع هلك". وكتب إلى دمشق بأَنه رجع عن المظالم وكتب إلى أَتباعه بالكفِّ عن المصادرات وبرد الأَوقاف إلى أَصحابها، ونودي بذلك في البلد. وكُتب إلى قضاة دمشق بالكشف عن شمس الدين بن التباني وكان قد فُوّض إليه نظر الجامع والأَوقاف فظهر عليه جملة مستكثرة، ثم جاملوه وكتبوا له محضرًا بأَنَّه حسن المباشرة؛ وأَرسل مرجان الهنديَّ خزنداره بكشف حسابات الأَوقاف وإلزام المباشرين عليها بعمارتها. وفيها قُتل محمد بن شاه قام عليه أَخوه إسكندر شاه فغلبه، وكان محمد كثير العدْل والإِحسان فيما يقال، فتمالأَ عليه بعض خواصّه فقتله تقرّبًا إلى ططر أَخي إسكندر، واستولى إسكندر على ممالك أَخيه فاتَّسعت مملكته. وفيها أَفرط النيل في الزيادة إلى تكملة العشرين، وثبت ثباتا زائدًا عن العادة إلى نصف هاتور، ثم يسَّر الله بنزوله على العادة. وفي أَول يوم من جمادى الآخرة ضُرب إمام الصخرة بالمقارع بأَمر السلطان وحبس بسجن ذوى الجرائم، والسبب فيه أَنه قدم رسولًا من شيخ يعتذر عن قتال بكتمر جلق وأَنه الذي بدأَه بالقتال فلم يُلتفت له وأَمر بضرب هذا وتوسيط رفيقه وهو من المماليك. * * * وفيها مات داود بن سيف أَرعد الحَطى - بفتح المهملة وكسر المهملة الخفيفة بعدها خفيفة - الأَمحري - بحاءٍ مهملة - صاحب مملكة الحبشة، وقدمت رسله على الظاهر

стр. 998

بهدية، وجهَّز له الظاهر هديةً ورسولًا وهو برهان الدين الدمياطي، فذكر أنه رآه حاسر الرأْس عريانًا وعلى جبينه عصابةٌ حمراءُ، وكذا كان سلفهم، فلما مات داود أُقيم ابنه [تَدْرُس] فهلك سريعا، فأُقيم أَخوه إسحق فسلك سبيل الملوك وتزيّا بزيّ أَهل الحضر، والسبب في ذلك أَن كاتبا نصرانيا يقال له: "فخر الدولة"، حصلت له كائنة بمصر ففرَّ إلى الحبشة فقرَّبه إسحق، فرتب له المملكة وأَشار عليه أَن يتزيَّا بغير زيّ قومه، وجبى له الأَموال وضبط له الأَمر، ودخل له مملوكٌ يقال له "أَلطنبغا"، فعلَّم مَن عنده صناعة الحرب والرمي بالسهام واللعب بالرمح، ورتّب له زردخاناه، ولمّا حضر عنده صار يركب وبيده صليب جوهر كبير إذا قبض عليه برز طرفاه من كبره؛ وكان [إسحق] شديد البأْس على مَن يجاوره من المسلمين من الجيران وغيرهم، وكان سعد الدين منه في ضيق. وقتل من المسلمين في تلك الوقائع مالا يُحصى فلم يزل كذلك إلى أَن مات إسحق في ذي القعدة سنة ثلاثٍ وثلاثين، وقام بعده ابنه فهلك لأَربعة أَشهر من موت أَبيه، فقام بعده عمه حرماي فهلك في رمضان سنة أَربع وثلاثين فأُقيم بعده سلمون بن إسحق. وفي غضون ذلك تحارب جمال الدين بن سعد الدين ملك المسلمين ودهم الحبشة وأَوقع بهم وصاروا منه في حصرٍ شديد على ما اتَّصل بنا. * * * وفيها مات أَحمد بن ثقبة بن رميثة بن أَبي نميّ الحسيني المكي أَحد أُمراء مكة. وكان قد أُشْرِك مع عنان في الولاية الأُولى مع كوْنه سبق أَنْ كحّل - لما مات ابن عمه - أَحمد بن عجلان بن رميثة وأم ولده محمد. وفيها (١) قُتل جماز بن هبة بن جماز بن منصور الحسيني أَمير المدينة، وكان أَخذ حاصل المدينة ونزح عنها فلم يُمْهَل وقُتِل في حربٍ جرت بيْنه وبين أَعدائه، وكان يظهر إعزاز أَهل السنَّة ويحبهم بخلاف ثابت بن نعير.

стр. 999

وفي ذي القعدة استقرّ تاج الدين محمد الحسباني في وكالة بيْت المال والحسبة وإفتاء دار العدْل وقضاءِ العسكر، وبذل على ذلك أَلف دينار، وكانت الحسبة مع الجائي وما عدا ذلك مع تقيّ الدين يحيى الكرماني فصُرفا عنها. وفيها مات أَقباى الكبير - وكان رأْسَ نوبة الأُمراءِ - في جمادى الآخرة، وترك من الذهب العين أَلف دينار هرجة وإثنى عشر ألف مثقالٍ فرنجية، ومن الغلال والخيول والدواب ما قيمته فوق ذلك، حَصّل ذلك من الظلم، وكان حاجبًا مدة طويلة غشومًا ظلومًا فاستأْصل الناصر تركته. وفيها مات طوخ الخازندار في جمادى الآخرة وبلاط بالإِسكندرية وقجاجق الدويدار. * * * ذكر من مات في سنة اثنتي عشر وثمانمائة من الأعيان ١ - أَحمد بن سعيد (١) بن أَحمد السماقي الحسباني الشاهد بسوق ساروجا، أَخو القاضي شرف الدين قاسم. مات في جمادى الآخرة عن سبعين سنة بدمشق. ٢ - أَحمد بن عبد اللطيف بن أَبي بكر بن عمر الشَّرْجي (٢) ثم الزبيدي، اشتغل كثيرًا ومهر في العربية، وكذا كان أَبوه سراج الدين، ودرّس شهاب الدين بالصلاحية بزبيد، اجتمعْتُ به وسمع عليَّ شيئًا من الحديث وسمعْتُ من فوائده. مات بحرَض (٣) عن أَربعين سنة. ٣ - أَحمد بن محمد بن أَبي الوفاء محمد بن محمد بن محمد الشاذلي، شهاب الدين

стр. 1000

المشهور بابن وفا، أَخو الشيخ علي (١) الماضي سنة سبع وثمانمائة، وأَحمد هو الأَسنّ وعليٌّ هو الأَشهر، وكان عند أَحمد سكونٌ وقلة كلام وليس له نظم، وكانت تُذكر له أَحوال حسنة، ولم يكن يعمل المواعيد إلَّا مع خواصّ أصحابه، ونبغ له أَبو الفضل محمد (٢) ففاق الأَقْران في النظم والذكاء. ومات غريقًا بعد أَبيه بسنة، وكانت (٣) وفاة شهاب الدين في شوال وله ست وخمسون سنة. ٤ - أَبو بكر بن عبد الله بن ظهيرة المخزومي أَخو الشيخ جمال الدين، اشتغل قليلًا وسمع من عز الدين بن جماعة وغيره، ومات (٤) في جمادى الآخرة. ٥ - أَبو بكر بن عبد الله بن خليل (٥) المنجّم الشاعر، تعانى التنجيم والآداب، وكان بارعا في النظم والمجون وله مطارحات مع أُدباء عصره أَولهم شمس الدين المزين ثم خطيب زرع ثم علي البهائي، واشتهر بخفة الروح والنوادر المطربة. ومات في صفر، وهو القائل: حَنَفِيٌّ مدرّسٌ حَاز خدًّا … كَرِياض الشَّقِيق في التَّنْمِيق لو رآهُ النُّعْمان في مجلس الدرْ … س لقال النُّعْمَانُ: هذا شَقيقي

стр. 1001

وله في شمس الدين المزين الشاعر زحل أَوله: سيرك يا مزين أَمْسى … ناقص البراعهْ لكن في الحرام حيث تحمده … كامل البضاعه سيرك يا ربّيط سير … محلول من قبح فعالَكْ وانْتا حرامي مجروح … وعرضك بحالك وتهجي "المنجم" أَما … تبصر يا "عر" حالك لا تلعب بِدِيل معي … وتمل رقاعه أَفضحك واسقيك شربه … ولَاسِمّ ساعهْ ولما مدح الشيخ عليُّ البهائي بدرَ الدين بن الشهاب محمود بقصيدته التي أَولها: أَلا يا نسمَة الرِّيح … قِفي أُبْدِيكِ تبْريحِي قفي أُخبرْكِ عنْ جسْمي … وإن شئت أَقُلْ روحي ناقضه المنجم بقوله: طِرادُ البَغْل في الرّيحِ … على فرسٍ من الشيح وشُرْبي الخَلَّ ممزوجًا … بأَمْراق القواليح ونقلي يابس الزعرور … مع بعْر التماسيح وقوْم في حبان الثلج … قد فازوا بتشليحي ويعني من دمشق الشا … م ليلًا غير مصبوح وتعويضي بأَكلْ اللِّفْ … تِ عن تلك التفافيح وسمعي في حقول الفِجل … أَصوات الذراريح على شبه الضفاديع الَّ … تي في بحر إطْفيح أَحبّ إليّ من شعر … شبيه الشيح في الريح وتلميح كتلميح ال … دِّمَاغَات المساميح إذا عاناه معصومٌ … شكا ذا للمساكيح

стр. 1002

وعاد ببرده يشكو … من لقولنج والريح ترانى حين أَسمعه … بصدْرٍ غير مشروح أَقول لنفْسيَ اعتزِّى … وعن أَبياته روحي قريض من معاليه … حلى الحي لذي الروح وناظمه أخو جهلٍ … مِنَ القوم المشاكيح ووزن الشعر يشغله … بنقصان وترجيح بنظم مظلم يطفي … أَشِعّات المصابيح ولولا بدر دين الل … هِ مخدومي وممدوحي لأَظلم بيت أَفكاري … ولم أَظفر بتوضيح ولا عارضْتُ في شعري: … "أَلا يا نسمة الريح" أَنشدنيها بنصها ناصر الدين البارزي بالقاهرة، ثم أَنشدنيها بنصها ولده القاضي كمال الدين بأَلبيرة على شاطئ الفرات في سنة آمد (١)، وأَنا لإنشاد الثاني أضبط. ٦ - أَبو بكر بن علي الحمصي سيف الدين المعمار، اشتهر بذلك وتقدّم في فنّه وعاش أَزيد من تسعين سنة بدمشق (٢). ٧ - خليل بن محمد بن خليفة بن عبد العال الحسباني، ابن عم الشيخ شهاب الدين وصهره على ابنته، كان خيّرًا ديّنًا ورث من أَبيه مالًا جزيلا غرم أَكثره في تزويج ابنة عمه المذكورة ثم كان آخر أَمره أن طُلِّقت منه، وقد ولي قضاءَ حسبان. ٨ - عبد الله بن أَحمد اللخمي التونسي الفُرِّياني (٣) - بضم الفاءِ وتشديد الراءِ بعدها تحتانية خفيفة وبعد الأَلف نون - كان فاضلًا مشاركًا في الفقه والعربية والفرائض مع الدين والخير. مات راجعًا من مكة إلى مصر ودفن بعد عقبة أَيلة (٤) في المحرم.

стр. 1003

٩ - عبد الرحيم بن محمود بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب بن علي (١) بن عقيل السُّلَمي البعلبكي، زين الدين خطيب بعلبك وابن خطيبها، وُلد سنة تسع وعشرين أو قبلها، ومات أبوه (٢) سنة خمسٍ وثلاثين [وسبعمائة] وهو (٣) الكاتب المجوّد المشهور بهاء الدين محمود فربّاه جده (٤) وولي خطابة بلده وكانت بيد سلفه منذ أَربعمائة سنة فيما يقال، وقد حدّث عبد الرحيم عن الحجّار وغيره بالإِجارة، وكان من أَعيان شهود بلده موصوفًا بالخير. مات في ربيع الأَول. ١٠ - علي بن الحسن بن أَبي بكر بن الحسن بن علي بن علي بن وهَّاس الخزرجي موفق الدين الزبيدي، اشتغل بالأَدب ولهج بالتاريخ فمهر فيه وجمع لبلده تاريخًا كبيرًا وآخر على الحروف (٥) وآخر في الملوك، وكان ناظما نائرًا. اجتمعْتُ به بزبيد وكتب لي مدحًا. مات في أَواخر هذه السنة وقد جاوز السبعين. ١١ - علي بن محمد بن إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن الناشري موفق الدين الشاعر المشهور الزبيدي، اشتغل بالأَدب ففاق أقرانه، ومدح الأَفضل ثم الأَشرف ثم النَّاصر، وكانوا يقترحون عليه الأَشعار في المهمّات فيأتي بها على أَحسن وجه، وكانت طريقة شعره الانسجام والسهولة دون تعاني المعاني التي لهج بها المتأَخرون

стр. 1004

حجَّ في سنة إحدى عشرة ورجع فمات بنواحي حرَض في المحرّم (١) أَو في الذي بعده وقد جاوز الستين (٢). رأَيْتُه بزبيد وسمعْتُ من نظمه قليلًا. ١٢ - قجاجق (٣) بن عبد الله الدويدار الناصري، كان حسن الخلق ليّن الجانب مسرفًا على نفسه، ولي الدويدارية الكبرى فباشرها بلطف ورفق. مات في أَواخر السنة وقيل في سادس المحرم من التي تليها. ١٣ - محمد بن أَحمد بن أَبي القاسم الوزير كمال الدين بن المقرئ الزبيدي، ناب في الوزارة باليمن، وناب عن القاضي مجد الدين الشيرازي في القضاءِ، وكان فاضلًا. ١٤ - محمد بن عبد الله بن أَبي بكر، الشيخ شمس الدين القليوبي الشافعي، اشتغل بالعلم وتلمذ للشيخ وليّ الدين الملوي، ورأَيْت سماعه على العرضي ومظفر الدين بن العطَّار في "جامع الترمذي" وما أَظنّه حدّث عنهما. واشتهر بالخير والدين، وكان متقلّلا جدا إلى أن قُرّر في مشيخة الخانقاه الناصرية بسرياقوس فباشرها إلى أَن مات في جمادى الأُولى، وكان متواضعا ليّنا. ١٥ - محمد بن عبد الله الخردفوشي (٤) أحد من كان يُعْتَقد. مات في ربيع الآخر. ١٦ - محمد بن [عبد الرحمن (٥)] بن يوسف الحلبي المعروف بابن سحلول، ناصر الدين: كان عمه عبد الله وزيرًا بحلب، وُلد سنة. . . . . . . . . (٦)، وسمع "المسلسل"

стр. 1005

بالأَولية عن أَحمد بن عبد الكريم وسمع عليه "الأَربعين المخرجة في صحيح مسلم" بسماعه على زينب الكنديّة عن المؤيد، وسمع من ابن الحبال "جزءَ المناديلي"، أَنا عبد الخالق بن علي بن واصل البصري، ثنا أَبو جعفر السعيدي، ثنا أَبو القاسم إبراهيم بن محمد المناديلي؛ وولي مشيخة خانقاه والده فكان أَهل حلب يتردّدون عليه لرئاسته وحشمته وسؤدده ومكارم أَخلاقه، وكان مواظبا على إطعام مَن يرد عليه ثم عظم جاهه لما استقل جمال الدين الأُستادار بالتكلُّم في المملكة فإنه كان قريبه من قِبَل الأُم لأَنَّ أُم جمال الدين بنت عبد الله عمّ شمس الدين [أَبي] المذكور، وكان استقرّ في مشيخة الشيوخ بعد موت الشيخ عزّ الدين الهاشمي، ثم سافر من حلب إلى القاهرة فبالغ جمال الدين في إكرامه وجهزه إلى الحجاز في أُبّهة زائدة، و [كان] أَحمد ولد جمال الدين يومئذٍ أَمير الركب فحجَّ وعاد فمات بعقبة أَيلة في شهر الله الحرام، وسَلِم ممّا آل إليه أَمر قريبه جمال الدين [وآله (١)]. ١٧ - محمد بن عمر بن إبراهيم بن القاضي العلَّامة شرف الدين هبة الله البارزي، ناصر الدين الحموي قاضي حماة هو وأَسلافه، كان موصوفًا بالخير والمعرفة فاضلًا عفيفا مشكورا في الحكم، باشر القضاءَ مدّةً، ومات بحماة في هذه السنة، وجدّه هبة الله هو القاضي شرف الدين البارزى العالم المشهور. ١٨ - محمد بن محمد بن موسى بن سَليم - بفتح المهملة - الحجاوي (٢)، كان من أَهل العلم الهيئة، وولي وظيفة التوقيت بالجامع الأُموي ثم انتقل إلى حجا بلده فمات هناك في شعبان. ١٩ - محمد بن موسى بن محمد بن سلمان الحلبي الأَصل الدمشقي بدر الدين بن الشهاب محمود، وُلد في حدود الخمسين (٣)، ونشأَ بدمشق واشتغل وتعانى الأَدب ونظم الشعر وولي

стр. 1006

كتابة السر بدمشق وطرابلس، وكان ولي توقيع الدست بحلب رئيسًا كريما ذكيًا له مروءَة وعصبية إلَّا أنه كان يُنسب إلى أَشياءَ غير مرضية، كتب عنه القاضي علاءُ الدين في ذيل تاريخ حلب من نظمه، ومات في السجن بدمشق سنة ٨١٢ على يد جمال الدين الأُستادار. ٢٠ - نصر الله بن أَحمد بن محمد بن عمر، التستري الأَصل ثم البغدادي نزيل القاهرة، جلال الدين أَبو الفتح، وُلد في حدود (١) الثلاثين، ومات أَبوه وهو صغير فربّاه الشيخ الصالح أَحمد السقا وأَقرأَه القرآن، واشتغل بالفقه على مذهب الحنابلة، وسمع الحديث من جمال الدين الخضري (٢) وكمال الدين الأَنباري وأَبي بكر بن قاسم السنجاري في آخرين، وأَسانيدهم نازلة، وقرأَ الأُصول على الشيخ بدر الدين الإِربلي، وأَخذ عن الكرماني شارح البخاري "شرح العضد على ابن الحاجب"، وولي تدريس الحديث بمسجد يانس (٣) ببغداد ومدارس الحنابلة كالمستنصرية والمجاهدية، وصنف في الفقه وأُصوله ونظم كتابا في الفقه (٤): ستة آلاف بيت وأُرجوزة في الفرائض: مائة بيت جيّدة في بابها وله: "مختصر ابن الحاجب" و "مدائح نبوية". وكان يذاكر الناس ببغداد وانتفع الناس بذلك وخرج من بغداد فبالغوا في إكرامه، وكان مقتدرًا على النظم والنثر، ثم قدم القاهرة في سنة تسعين، وتقرّر في تدريس الحنابلة بمدرسة الظاهر برقوق وكان قد امتدحه وعمل له رسائل في مدح مدرسته، وحدث بالقاهرة بـ "جامع المسانيد" لابن الجوزي بسماعه له بإسنادٍ نازل إلى مؤلفه. مات في عشرين صفر بعد أَن مرض طويلًا.

стр. 1007

٢١ - نصر الله بن محمد الصرخدي ناصر الدين، أَحد الفضلاء، مات في أحد الربيعين. ٢٢ - يوسف بن أَحمد بن محمد بن أَحمد بن جعفر بن قاسم البيري ثم الحلبي نزيل القاهرة، الأَمير جمال الدين، ولد سنة ٧٥٢ (١)، وكان أَبوه خطيب إلبيرة فصاهر الوزير عبد الله بن سحلول فنشأَ جمال الدين في كنف خاله، وكان أَولًا بزيّ الفقهاء، وحفظ القرآن وكتبا في الفقه والعربية، وسمع من شمس الدين بن جابر الأَندلسي قصيدته "البديعية"، وعرض عليه "أَلفية ابن معطى" وأَخذ عنه في شرحها له بحلب، ثم قدم مصر بعد سنة سبعين وهو بزيّ الجند فخدم أُستادار الأَمير بجاس وعُرف به وطالت مدّته عنده، ثم ترقَّى إلى أَن تزوّج بنت أُستاذه وعظم قدره ومحله، فباشَر الأُستادارية عند جماعةٍ من الأُمراء كبيبرس وسودون الحمزاوي وغيرهما، وعمر الدور الكبار، وعمر في داخل القصر بجوار المدرسة السابقية (٢) منزلًا حسنًا فيقال إنه وجد فيه خبية للفاطمييّن. واشتهر ذكره بالمروءَة والعصبية وقضاء الحوائج للناس، فقام بأَعباء كثير من الأُمور وصار مقصد الملهوفين يقضي حوائجهم ويركب معهم إلى ذوي الجاه، ولم ينزل معظما نافذ الكلمة إلى أَن قُرر في الأُستادارية رابع رجب سنة سبع وثمانمائة بعد هرب ابن غراب مع يشبك فحُمِدَتْ سيرته. ثم وقع بينه وبين السالمي لتهوّر السالمي فقبض عليه في ذي الحجة واستبدّ بالأَمر إلى أَن قرّر في الأُستادارية الكبرى عوضًا عن ابن قيماز في رابع رجب سنة ثمان بعد أَن

стр. 1008

رسم عليه في بيت شادّ الدواوين يومًا وليلة، واستمر مع ذلك يتحدّث في أُستادارية الأَمير الكبير بيبرس، ثم لمّا تغيرت الأُمور التي بسطناها في سنة ثمان وثمانمائة وتمكَّن ابن غراب من المملكة أَراد الفتك بجمال الدين ثم اشتغل عنه بمرضه ولم يلبث أَن هلك، واستولى جمال الدين على الأُمور واستضاف الوزارة ونظر الخاص والكشف بالوجه البحري واستقرّ مشير الدولة. ثم لما قُتل يشبك صفى له الوقت وصار عزيز مصر على الحقيقة، لا يُعقَد أَمر إلَّا برأْيه ولا تنفصل مشورة إلَّا عن رأْيه، ولا يخرج إقطاع إلَّا بإِذنه، ولا يَستخدم أَحدٌ من الأُمراء ولو عَظُم - كاتبًا عنده إلَّا من جهته، ولا تباع دار حتى تُعرض عليه، ولا يثبت مكتوب على قاضٍ حتى يستأْذنه، ولا يباع شيء من الجوهر والصيني ولا من آنية الذهب والفضة ولا من القز (١) والصوف والحرير ولا من كتب العلم النفيسة حتى تُعرَض عليه، ولا يلي أَحدٌ وظيفةً ولو قَلَّت - حتى نواب القضاة - إلَّا بأَمْره، ثم تجاوز ذلك حتى صار لا يَخْرُج إقطاع ولوْ قلَّ إلَّا بمشورته، ولا يحكم أَمير في فلاحه حتى يؤامره، ولا تُكتب وصية حتى تُعرَض عليه أَو يَأْذن فيها. وخضع له الآمر والمأمور، وكثر تردّد الناس إلى بابه حتى كان رؤساءُ الدولة من الدويدارية وكاتب السِّرِّ ومَن دونهما ينزلون في ركابه إلى منزله، ولا يَصْدُر أَحد منهم إلَّا عن رأْيه، ثم شرع في انتهاك حرمة الأَوقاف فحلَّها أَوّلًا فأَوّلا حتى استبدل بالقصور الزاهرة المنيفة بالقاهرة كقصر بشتك (٢) والحجازية وغيرهما بشيءٍ من الطين من

стр. 1009

الجيزة وغيرها، وكان قبل ذلك يتوقَّى في الظاهر، فربّما رام استبدال بعض الموقوفات فيعسّر عليه القاضي إلى أَن تجتمع شروط ذلك عند من ذهب إلى جوازه، فيبادر هو قيدسّ بعض الفعلة إلى ذلك المكان في الليل فيفسد في أَساسه إلى أَن يكاد يسقط، فيرسل مَن يحذّر سكانه، فإذا اشتهر ذلك بادر المستحقّ إلى الاستبدال، ومَن غفل منهم أَو تمنَّع سقط فينقص من قيمته ما كان يدفعه له لو كان قائمًا، ثم بطلت هذه الحيلة لمّا زاد تمكُّنه بإعانة القاضييْن: الحنفي تارة والحنبلي أُخرى. سمعْتُ القاضي كريم الدين بن عبد العزيز يقول: "كنتُ في جنازةٍ فتوجَّهْتُ للمقبرة فرأَيت ابن العديم فقبَّحْتُ له انتهاك حرمة الأَوقاف بكثرة الاستبدالات فقال: إن عشْتُ أَنا والقاضي مجد الدين - وأَشار إلى سالم الحنبلي - لا يبقى في بلدكم وقف"، والعجب أَن رؤساءً كانوا ينكرون أَفعال جمال الدين في الباطن: رعايةً له أَو فرقًا منه، فما هو إلَّا أَن قُتل فتوارد الجميع على اتِّبَاعهِ فيما سَنَّ من ذلك حتى لم يسلم من ذلك أَحدٌ منهم، ولم يزل الأَمر يتزايد بعد ذلك. ثم لم يزل جمال الدين يترقَّى ويحصّل الأَموال ويداري بالكثير منها ويمتنُّ على الناصر بكثيرٍ من الأَموال التي ينفقها عليه إلى أَن كاد يغلب على الأَمر. وفي الآخر صار يشتري بني آدم الأَحرار من السلطان، فكلّ من تغيّر عليه استأْذن السلطانَ في إهلاكه واشتراه منه بمالٍ معيّن يعجل بحمله إلى الناصر ويتسلَّم ذلك الرجل فيهلكه، فهلك على يده خَلق كثير جدا، وأَكثرهم - في التحقيق - من أَهل الفساد. وفي الجملة كان [قد] نفذ حكمه في الإِقليمين: مصر والشام، ولم يَفُتْه من المملكة سوى اسم السلطنة، مع أَنه ربما كان مُدِح باسم "الملِك" ولا يغير ذلك ولا ينكره. تقدّم أَنه قُتل في جمادى الآخرة. ولقد رأَيت بعد قتله منامًا حاصله أَنني ذكرت وأَنا في النوم ما كان فيه وما صار إليه وما ارتكب من الموبقات فقال لي قائل: "إن السيف محاءُ الخطايا" فلما استيقظتُ اتفق

стр. 1010

أني نظرتُ هذا اللفظ بعينه في "صحيح ابن حبان" (١) في أَثناء حديث، فرجوْتُ له بذلك الخير. ولعمْري لقد ارتكبوا في حقِّه منذ قُبض عليه إلى أَن قُتل ما لم يرتكبه في حقِّ مَن دونه فيما كان فيه من الإهانة والإفراط في ظلم البرآء مِن أَهله حتى وُضِعت امرأَتُه سارة (٢) بنت الأَمير بجاس - وهي حاملٌ - على دستِ نارٍ فأَسقطت، ورأَت من الذل ما لا يوصف وماتت بعد ذلك قهرًا، فلله الأمر. ٢٣ - يوسف بن قاضي الصنمين (٣)، نقيب الشافعي، لم يكن محمود السيرة فيما يقال. * * *

стр. 1011

سنة ثلاث عشرة وثمانمائة استهلَّت والأَمير شيخ يحاصر نوروز بحماة، وبيد شيخ غالب المملكة الشامية، وفي تلك المدّة اتصل القاضي ناصر الدين البارزي بالملك المؤيّد فلم يزل في خدمته إلى أَن مات. وفي خامس عشر المحرَم استولى شاهين دويدار شيخ على حلب وحاصر القلعة، ووصل إلى شيخ أَلطنبغا القرمشي راجعًا من المرقب وقد حَبس فيه المأْسورين بعمل نائب الغيبة، وأَذن له سودون بقجة أَن يخرج إلى المدورة فيحصّل منها ما يمكن تحصيله ويأْخذه لنفسه. وفي الثالث والعشرين من صفر أخرج (١) جاليش الناصر إلى قصْد الشام وفيه بكتمر جلق وطوغان ويلبغا الناصري وشاهين الأَفرم وغيرهم. وفي سابع عشريه توجّهوا من الريدانية، وخرج السلطان في رابع ربيع الأَول بالعساكر بعد أَن عمل المولد النبويّ في أَول ليلة من ربيع الأَول، وجلس عن يمينه ابن زُقَّاعَة ودونه الشيخ نصر الله ودونه بقية المشايخ، وعن يساره القضاة. وأَنعم في هذه السنة على قاضي الحنابلة بمائة دينار ليتجهَّز بها دون بقية القضاة. وقَرّر في مشيخة التربة التي أكمل عمارتها - وكان أَبوه (٢) أسسها - صدر الدين أَحمد بن العجمي ورتَّب عنده الصّوفية.

стр. 1012

وفي السادس منه أَمر بأَخْذ ما في الطواحين والمعاصر من الخيل والبغال فسُيِّرتْ إلى العسكر، وبلغ الأَميرين (١) تحرّكُ الناصر إليهما من القاهرة فأَذعنا إلى المصالحة: على أن تكون دمشق وما معها لشيخ، وحلبُ وما معها لنوروز، وأَن يستقلّ كل منهما بمملكته، وتَركا ذِكر اسم الناصر من مكاتباتهما، وصارا يكتبان بدل "الملكي الناصري": "الملك لله". فلما تقرّر ذلك عزما على مسْك دمرداش وابن أَخيه قرقماس، فهرب دمرداش ولحق بالعجل بن نعير ثم سار إلى الناصر، وهرب أَيضا مقبل الرومي فلحق بالناصر لمّا قدم غزة، ورجع شيخ إلى دمشق - ومعه يشبك بن أَزدمر - وأَفرج عن سودون الجلب وغيره من المأْسورين بقلعة المرقب، وأَشاع أَنه يريد التوجّه إلى عسكره، فتوجّه إلى العربان فأَوقع بهم وأَخذ لهم جمالًا وأَغنامًا كثيرة، وخرج من دمشق ومعه جانم نائب حماة فتوجها (٢) إلى جهة حلب. ووصل القاضي شمس الدين الإِخنائي مع النَّاصر فأُعيد إلى قضاء دمشق وصُرِف الباعوني إلى خطابة القدس وخطب الإخنائي. * * * وأَما نوروز فمضى إلى حلب فتسلَّمها، واستمر السلطان في السير إلى الشام، وقرّر في نيابة الغيبة أَرغون نائب السلطنة بباب السلسلة وكمشبغا الجمالي بالقلعة وإينال الصلصلاني الحاجب لفصل الحكومات؛ وأَنفق في هذه السَّفرة من الأَموال ما لا يدخل تحت الحصْر (٣) والضبط، فأَعطى لتغري بردي وبكتمر جلق ستة آلاف دينار، ولكل مقدمٍ ألفَيْ دينار، ولكل طبلخاناه خمسمائة دينار، ولكل أَمير عشرين ثلاثمائة، ولكل أَمير عشرة مائتين ولكل مملوك مائة، فكانت النفقة وحدها نحو خمسمائة أَلف دينار خارجًا عن الخيول والجمال وما يحتاج إليه من البَرْك (٤) والخلع وغير ذلك.

стр. 1013

فلما وصلوا إلى غزة بلغهم خبر شيخ فتشاور بكتمر جلق فوصل إلى دمشق في سابع عشري ربيع الأَول صبيحة خروج شيخٍ منها فأَدرك جماعةً من أَصحاب شيخ فقبض عليهم. وقدم الناصر صحبة جريدة لكبس شيخ ففاته، ثم قدمت أَثقال الناصر ونودِي بالأَمان، وقَرر الناصرُ في نيابة دمشق نوروز ونودي بذلك ليطمئن ويحضر إليه، وقَرّر في نيابة طرابلس يشبك الموساوي بعد أَن بذل فيها مائة ألف دينار. وبرز الناصر إلى برزة في العشر الأَول من ربيع الأَول، واستناب بدمشق شاهين الزردكاش، وقَبض على شرف الدين موسى الملكاوي واتَّهمه بإِخفاءِ صدْر الدين بن الأَدمي وكان إذ ذاك قاضي الحنفية وكاتب السرّ عند شيخٍ فدلّ عليه، فلما أَتاه الطلب هرب ثم قُبض عليه فسُجن بقلعة دمشق في سابع جمادى الأُولى. * * * واستمر سيْرُ الناصر إلى حلب ثم خرج منها في نصف الشهر، فلمَّا أَحسَّ الأُمراءُ بمسيره مضوا إلى مرعش فتلقَّاهم على باك وناصر الدين ولدا خليل بن ذلغادر فأَقاموا عندهما، ثم بلغهم خروج الناصر من حلب في طلبهم فرحلوا إلى كِلْوَة (١) ثم إلى قيسارية فنزل الناصر بالأَبلستين، وكتب إلى شيخ ونوروز يُخيّرهما بين الخروج من مملكته وبين (٢) الوقوف لمحاربته أو الوصول لخدمته ليفعل فيهما ما شاءَ، وأَنّه عزم على الإِقامة بمكانه السنتين أَو الثلاث حتى ينال غرضه منهم، فأَجابه شيخ يعتذر بما خامر قلبه من الخوف وأَنه المانع له من الحضور وأَنه لا يقابل السلطان أَبدا، وأَنه إن لم يسمح له السلطان بنيابة دمشق فلينعم عليه بنيابة أبلستين ولنوروز بنيابة ملطية وليشبك بن أَزدمر بعينتاب، وتُفَرَّق القلاع على بقية الأُمراءِ ليحفظوها فإنهم أَحَقُّ من التركمان والأَكراد المفسدين، فلم يذعن (٣) السلطان لذلك وأَرسل إلى دمشق يستدعى الأَموال، وأَمرهم

стр. 1014

أن يوزعوا على البساتين وغيرها من الطواحين والحمامات وغيرها نصف ما كان يأْخذه نوروز، وأَهلُ القرى حينئذٍ يُجْبى منهم الشعير. وأَحْدَثوا عليهم شعيرًا آخر ليزرع الفصيل الذي ترعاه الخيول. ووصل إلى الناصر من التركمان والعربان ونوّاب القلاع خلق كثير، ووصلت إليه رُسل قرا يوسف ورُسل صاحب ماردين ورُسل قرايلك بتقادمهم وهداياهم، فكثرت العساكر وقلَّتِ الأَقوات، وظهر المللُ في العسكر وبدت نفْرتُهم من طول الإِقامة. فأُلزم ولدا ذُلغادر: محمد وعلي بالقبض على نوروز وشيخ ومن معهما وطردهما من البلاد، ورجع إلى حلب. فلما رجع توجّه سودون الجلب من عسكر نوروز وشيخ فغلب على الكرك، وخرج نائب دمشق في طلبه لمّا بلغه أَنَّه مرّ عليه فلم يدْركه، وفاتهم أَيضا جانم وقرقماس فتوجّها إلى ملطية ثم افترقا، وقدم قرقماس على الناصر بحلب فأَكرمه وولَّاه نيابة صفد، ثم قدم جانم فولاه نيابة طرابلس، ثم قدم تغري بردي - ابن أَخي دمرداش - فقُرّر في نيابة صفد وعُوّض عنها أَخوه قرقماس بحلب، وكان استناب في دمشق بكتمر جلق، وكان استناب حيدر - نائب قلعة المرقب - على طرابلس فتوجّه إليها وبها حسن بن محبّ الدين أُستادار شيخ وعلم الدين وصلاح الدين ولدا ابن الكويز من جهته فحاصرهم، ثم صُرف عن النيابة وسار إليها جانم المذكور قبل، وأَرسل الناصر إلى أَلطنبغا العثماني وقنباي المحمدي يطلبهما من دمشق فتوجّها إليه في خامس رجب. ووصل بكتمر جلق في السادس منه فاستقرّ بها، ووصل فيروز الخزندار لإخراج من بقي مِن المماليك بدمشق. ووقعت بينه وبين نائب أَلبيرة وبين سودون المحمّدي حرب، فأَرسل الناصرُ مَن أَخذ قلعة الروم وأَرسل بلبان يحاصر كزل - من الشيخية - بصهيون، وأَرسل

стр. 1015

تنكز إلى حصن الأَكراد ومعه ابن إينال، وأَرسل إلى دمشق بالقبض على جماعةٍ من المخامرين. * * * فلما كان في السادس من رجب ركب بكتمر جلق ورفع علم السلطان ونادى: "من أَطاع السلطان فلْيقف تحت العلم! "، فتسارعوا إليه إلَّا قليلًا ومضوا إلى الميدان ودقُّوا طبلًا وقبضوا على قَنبَاي ونَكْبَاي وتوجّهوا، فتبعهم بقية العسكر فلم يلحقوهم، واستمر أُولئك إلى أَن دخلوا الكرك وكبيرهم برْدبك الخزندار، فلما بلغ الناصرَ خبرُ الكرك أَرسل تقليدَ نيابتها لسودون الجلب يستميله بذلك، ثم رحل الناصر فوصل إلى دمشق في أَواخر رجب. ولما تحقق شيخ ونوروز رحيله من حلب توجها إلى عينتاب وسلكا البريّة طالبين الشام، فركب الناصرُ من حلب على حين غفلة فقدم دمشق في أَربعة أَيام، واستأْذنه القاضي جلال الدين في التوجه إلى القاهرة بسبب تجهيز الحرمين فأذن له فسار منها في ثامن شعبان. وسار أيضا مجدُ الدين بن الهيصم ناظرُ الخاص فقدم القاهرة في ثامن عشر شعبان وبالغ في المصادرات وطلب الأَموال من غير حقها، حتَّى إنه أَحضر صحبته مراسم بإبطال المواريث الأَهلية حتى مَن له ولدٌ أَو والد، فلم يُمْهَل ومات في ليلة العشرين منه وسُرَّ الناس بموته. وظفر الناصر بستةٍ من أَصحاب شيخ بدمشق فأَمر بهم فوُسِّطوا، وقدم الخير بوصول شيخ ونوروز إلى أَرض البلقاء في مائتين وخمسين فارسًا، وكان السبب في ذلك أَنهم تفرّقوا بعد رجوعهم من قيسارية عند تل باشر (١) ولحق بدمشق وصلب منهم عدة وافرة واختفى آخرون.

стр. 1016

وفرّ شيخ ونوروز في خواصّهما إلى تدمر فامتاروا منها، ثم مضوا إلى صرخد ولم يستقروا بها، ثم مضوا إلى البلقاء فدخلوا إلى القدس، ثم رجعوا إلى غزة فدخلوها في سادس عشري شعبان، ومات منهم بالبلقاء تَمرْبُغَا المشطوب وإينال المنقار بالطاعون في حسبان، ولحق بهم سودون الجلب من الكرك فأَخذوا منه عدةً كبيرة من الخيول، ثم رحلوا منها في صبيحة الثالث من رمضان، ورجع الجلب إلى الكرك، فجهَّز الناصرُ في إثرهم بكتمر جلق على عسكر كبير، فساروا إلى زرع، ثم أَلحقه بطوغان فساروا في أَواخر شعبان فاجتمعوا بقاقون (١) في الثاني من رمضان، فساروا جميعا إلى غزة فقدموها في ثالثه وقد رحل منها شيخ وأَصحابه بكرة النهار، فوجدوا نائب غزة خاير بك قد تبعهم إلى الزعقة فاستراحوا بغزَّة، وبعث بكتمر شاهين الزردكاش وغيره على البرية إلى القاهرة يحذّرهم بمجئ شيخ ومن معه. وخرج من غزة في الخامس من رمضان فاستمرّ شيخ ومَن معه متوجّهين إلى القاهرة، فمات شاهين دويداره بالصالحية فدفنه هناك وحزن عليه كثيرا، وكان (٢) من الفرسان المعدودين ميمون النقيبة، لم يرسله أُستاذه في جهة إلَّا وكان على وجهه النصر. * * * واستمر شيخ ومَن معه إلى القاهرة، فاستعدّ أَرغون نائب الغيبة ومَن معه للحصار فوصلوا في الثامن من رمضان، وهم: شيخ ونوروز ويشبك بن أَزدمر وبردبك وقنباي وسودون بقجة وسودون المحمّدي ويشبكُ العثماني وقَمَشْ وأَتباعهم، والتفّ عليهم جمْعٌ كثير من عرب الشرقية، فتوجّه شيخ من ناحية المطريّة إلى بولاق إلى الميدان الكبير إلى الصليبة إلى الرميلة، فبرز لهم إينال الصصلاني الحاجب فصدّهم عن القلعة، فتوجّهوا إلى بيت نوروز بالرميلة واجتمع عليهم خلق كثير من الغوغاء، وأَرسل شيخ رجلًا إلى القاهرة فنادى بالأَمان ورفْع الظلم وترخيص سعر الذهب والقمح، فمال الناس إليه وساعدوه؛

стр. 1017

فتوجّه بمن معه إلى مدرسة الأَشرف فملكها ثم مدرسة حسن، ورموا على الإصطبل ففرّ أَرغون فدخل القلعة بمفرده، وأَمر شيخ بإخراج من في جميع الحبوس من المسجونين فاطلقوا، وكان بعض ذلك بمباشرة يشبك بن أَزدمر بحيث أَنه هدم ما فوق خوخة أَيتمش وسهَّل الدخول للراكبين منها فدخلوا وفتحوا باب زويلة، فهرب حسين وإلى القاهرة وتوجّه إلى حبس الديلم فكسر بابه وأَخرج مَن فيه. وأَمر شيخ بتَتَبّع الخيول من الإصطبلات وغيرها فأَخذ منها ما يحتاج إليه، ثم هجم على باب السلسلة فأَخذ الإصطبل، وجلس في الحرّاقة، وتوجّهوا إلى باب القلعة فطلبوا فتْحه فكلَّمهم الزمام من وراءِ الباب فقال: "إن حريم السلطان في القلعة"، فقالوا: "مالنا غرض في النهب بل نريد أَن نأْخذ ابن السلطان ونسلطنه" فقال: "ليحضر منكم إلى باب السرّ إثنان أَو ثلاثة فيحلفوا وأَنا أُسَلِّمه لكم"، وقصد إبْطاءَه ليحضر العسكر السلطاني، فباتوا. فلمّا أَصبحوا لاحت بوارق العسكر وارتفع العجاج وأُشيع أَن الناصر وصل، فارتفعت الأَصوات في القلعة بذلك وهلَّلوا وكبّروا، فركب شيخ وأَصحابه مِن ساعتهم نحو باب القرافة، فكبا بالأَمير شيخ جواده فبادر أَصحابه فأَركبوه غيره ولم يجسر أَحدٌ على اتِّبَاعِهم، وكان العسكر الواصل فيه بكتمر جلق وطوغان ومن معهما، فقبضوا من المذكورين على جماعة منهم بَردْبِك وبَرْسَبَاي وقَرَابُشْتُك (١). وكان السبب في قدوم هؤلاء بهذه السرعة أَنَّ النَّاصر لمّا وصل دمشق وقيل له إن نوروز ومن معه توجهوا إلى صرْخد جهَّز بكتمر جلق وطوغان الدويدار ويشبك الموساوي وقنباي وأَسنبغا الزردكاش وأَلطنبغا العثماني ومَن معهم - وكانوا قَدْر أَلفِ نفس - ليحاصِروا نوروز ومَن معه ويقبضوا عليهم. فلما وصلوا إلى صرخد قيل لهم قد توجهوا إلى غزَّة فاستمرّوا خلفهم إلى غزة، فقيل لهم توجّهوا إلى نحو مصر فاختلفوا، فقال بكتمر ومن معه: "ما معنا مرسوم بالروح لمصر"، وخالفهم الأَكثر فاحتاج أَن يوافقهم وتوجّهوا إلى مصر مسرعين، فاتفق وصولهم

стр. 1018

حين أَراد نائب الغيبة بالقلعة أَن يسلم القلعة فبطل ذلك فجأَة، وظنّ شيخ ومَن معه أَن السلطان في العسكر المذكور فانهزموا، ولو تحقَّق أَنَّ رأْسهم بكتمر لما انهزم ولعلمهم أَن بكتمر لا يقوم قدّامه. واعتذر مَن قدم من عدم اتباعهم للمنهزمين أَن خيولهم كانت أَعْيَتْ - وكذلك الرجال - من توالي الركض حتى أَدركوا ما أَدركوا. * * * وسار شيخ بمن معه إلى إطفيح ثم إلى السويس فأَخلوا منها عليقا وجمالًا، وسار بهم شعبان بن عيسى في درب الحاج إلى نخل وافترقوا حينئذ فرقتين: فرقة رأَسها نوروز ومعه يشبك بن أَزدمر وسودون بقجة، وفرقة فيها شيخ ومعه سودون قرا صقل وسودون المحمّدي، فوصلوا إلى الشوبك ثم إلى الكرك فتلقّاهم سودون وأَدخلهم المدينة. فلما كان في وسط ذي القعدة توجّه شيخ إلى الحمّام بالكرك ومعه قانْباي المحمّدي وسودون وطائفة يسيرة، فبادر أَحمد بن أبي العباس الحاجب بالكرك وأَراد الفتك بهم ومعه جمعٌ كثير فاقتحموا الحمام فسبقهم بعض مماليك شيخ فأَعلمه فنهض وفي وسطه مئزر وفي يده طاسة الحمَام، فقاتلهم وأَخرجهم من الحمام. ثم تكاثروا عليه فأَدْركه (١) نوروز في جماعة فكسروهم، وقد أَصاب شيخًا سهمٌ فخرج منه بسببه دم كثير فسقط مغشيًّا عليه فحُمل على بساطه وأَقام أَيامًا لا يعقِل. وقُتل في هذه الكائنة سودون بقجة وكان شابًّا، وهو زوج بنت تمراز، وكان مع ذلك محبًّا في العلماء. فلما وقع ذلك خشي سودون الجلب من الأُمراء أَن ينسبوه إلى الفتنة المذكورة، فهرب منهم إلى ماردين وعزم على المضيّ إلى قرا يوسف، فبلغه أَنه مشغولٌ بمحاربة ملوك الترك - مثل أَيدكي وإبراهيم الدربندي وشاه رخ بن تمرلنك - فتأَخَّر عن المضيّ إليه، ونودي بالقاهرة

стр. 1019

بتهديد من آوى أَحدًا من الشيخيّة والنوروزيّة، وبَسَط حسام الدين يده في أَذى من ينتسب إليهم حتَّى منعه بعد ذلك نائبُ الغيبة. وأَخذ بكتمر جلق من الأُستادار السلطاني أَلف دينار، وأَلزم المحتسب ببيْع قمحٍ له بأَلفي دينار وإِحضار ثمنها فعجز عن ذلك وهرب وعزل نفسه، وهو شمس الدين بن الدميري ومات بعد قليل في رمضان. وأَخذ بكتمر من تجار الشام مالًا جزيلًا قرْضًا، وتوجّه في السادس عشر يريد دمشق فوصل إلى غزة في الثاني والعشرين منه. * * * وفي رمضان قُبض على شرف الدين وشمس الدين ولدَيْ التّبّاني، وعلى محب الدين بن الشحنة وشهاب الدين شُقْرِي من حلب، فقُيّدوا وأُحضروا إلى دمشق فسجنوا بالقلعة. وأَرسل الناصر إلى جانم نائب طرابلس وتغرى بردي نائب صفد فقدما عليه في دمشق فأَرسلهما في عسكر إلى جهة شيخ، فخرجوا في سابع عشر رمضان فوصل الخبر بما اتفق في القاهرة فاستعادهم. وأَرسل آقبغا دويدار يشبك إلى القاهرة بخِلَعٍ إلى الأُمراء المذكورين مع الثناء عليهم بما فعلوه. وكان الخبر قد اتَّصل إلى الناصر بتقاعد طوغان وبكتمر عن القبض على شيخ ومَن معه مع قدرتهم على ذلك، فأَسرَّ ذلك في نفسه، ثم جاءَه الخبر بأَخْذ أَصحابه قلعة (١) صرخد. وفي العشرين من شوال أُخرج بالذين قَبض عليهم النَّاصر من دمشق مقيدين للتوجّه بهم إلى مصر، وتوجّه دمرداش إلى بلد الخليل ومعه عسكرٌ لكشف أَخبار الأُمراء الهاربين من القاهرة.

стр. 1020

وفي العاشر من ذي القعدة نودي بالعسكر أَن يخرجوا إلى باب النصر، وتُتُبِّعَت الحمير من الدواليب والبساتين لتُحمَل عليها الأَمتعة السلطانية، فتضرر الناس من ذلك كثيرًا وكثر الدعاءُ عليه. وفي الخامس عشر منه خرج السلطان إلى الغوطة فنهب عقرباءَ (١)، وكان قد سعى عنده أَن الأُمراءَ الهاربين بها فلم يجدْ منهم أَحدًا وعظم الضَّرر بالناحية المذكورة. وفي سابع عشره خرج الناصر من دمشق ونزل بقبة يلبغا ورجع بكتمر جلق بخلعة على نيابة الشام. فلما كان في صفر في سلخ ذي القعدة أُلزم قضاة الشام بعشرة قراقل والتجار بعشرة أُخرى. * * * وفي ذي القعدة خامر آقبغا شيطان - وكان على المرقب من جهة شيخ - فسار إلى جهة حلب مظهِرا طاعة السلطان، وتوجّه السلطان إلى جهة الكرك لما تحقَّق حلول الأُمراء بها وأرسل حريمه إلى القاهرة، فوصلوا ووصل صحبتهم أَكثر الأَثقال والقضاة في ذي الحجة، ووصل الناصر إلى الكرك فحاصرها، فمشى تغري بردي وتمراز الناصري في الصلح بين الناصر وبين الأُمراء إلى أَن استقرّ على أَن يكون شيخ في نيابة حلب وتستمر قلعة المرقب بيده، وأَن يكون نوروز في نيابة طرابلس، وشرط الناصر عليهما أَن لا يُخرِجا إمرةً ولا إِقطاعًا ولا وظيفةً إلَّا بأَمره، وأَن يُسلما قلعة الكرك ومدينتها له، وكذلك يسلِّم شيخ قلعة صرخد وقلعة صهيون. وحلف الجميع على الوفاء بذلك وخلع عليهم وعلى من معهم خلعًا كثيرة. وقرر يشبك بن أَزدمر أتابكَ العساكر بدمشق، وسودون من عبد الرحمن أَميرًا بمصر، وقانباي المحمّدي أَميرا بحلب، ونزل الجميع إلى الناصر وأَكلوا على سماطه وعملوا الخدمة عنده. ورحل الناصر عن الكرك إلى القدس، وسار تغري بردي إلى جهة دمشق وقد استقرّ نائبًا عوضًا عن بكتمر جلق، فأَقام الناصر بالقدس خمسة أَيام ورجع متوجّها إلى القاهرة. * * *
следующие страницы →