← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[موقع الإسلام سؤال وجواب]ـ الكتاب: القسم العربي من موقع (الإسلام، سؤال وجواب) المؤلف: الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله - تم نسخه من الإنترنت: في ٢٦ ذي القعدة ١٤٣٠، هـ = ١٥ نوفمبر، ٢٠٠٩ م

стр. 2

[عن الموقع] موقع الإسلام سؤال وجواب موقع الإسلام سؤال وجواب موقع دعوي، علمي، تربوي، يهدف إلى تقديم الفتاوى والإجابات العلمية المؤصلة بشكل واف وميسر - قدر الاستطاعة - عن الأسئلة المتعلقة بالإسلام سواء كان السائل مسلماً أو غير مسلم، ويقوم بالإشراف على هذه الإجابات الشيخ محمد صالح المنجد محاضر وكاتب إسلامي. يرحب الموقع بالأسئلة في الجوانب المختلفة سواء ما يتعلق بالعقيدة أو العبادة أو المعاملات أو الأمور النفسية والاجتماعية. أهداف الموقع: ١- نشر الإسلام والدعوة إليه. ٢- نشر العلم الشرعي ورفع الجهل عن المسلمين. ٣- تلبية حاجة الناس بتقديم الفتاوى الشرعية المؤصلة. ٤- توجيه الناس في القضايا الحياتية بتقديم الاستشارات العلمية والتربوية والاجتماعية وغيرها. منهج الموقع: يقوم الموقع على نشر العقيدة الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة، واتباع السلف الصالح ويتحرى أن تكون الإجابات مبنية على الدليل من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة ومأخوذة من كلام العلماء من أصحاب المذاهب الأربعة الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم من أهل العلم المتقدمين والمتأخرين، أمثال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين وغيرهم ﵏، وكذلك الاستعانة بفتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء وقرارات هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وقرارات المجامع الفقهية، وكذلك الاستعانة بالعلماء وطلبة العلم من الباحثين في التخصصات الشرعية. ويتجنب الموقع الدخول في كل قضية لا تفيد المسلم ولا تعنيه من المهاترات والسباب والشتائم والجدل العقيم، ونسأل الله السداد والتوفيق. كيفية الاستفادة من الموقع: تم إعداد قاعدة للمعلومات وقسمت حسب المواضيع بحيث يمكن البحث عن موضوع أو مسألة بعينها، كما يمكن البحث باستعمال كلمات تشكل المفتاح الموصل إلى المعلومات المطلوبة. نرجو منك أخي الكريم أن تبحث في قاعدة المعلومات قبل أن تتقدم بسؤالك، حتى تتأكد أن ما تريد أن تطرحه من سؤال لم يسبق أن طرح من قبل وأجيب عليه، وذلك حرصا على وقت الجميع، ورغبة في الإجابة عن الأسئلة بأقصى ما يمكن من سرعة.

стр. 3

هل علي بن أبي طالب معصوم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[علي بن أبي طالب ﵁ هل هو معصوم؟ لأن الشيعة يقولون لم يفعل علي أي خطأ في حياته؟ إذن هو معصوم. أرجو الشرح المفصل.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا شك أن الصحابة رضوان الله هم خير هذه الأمة، لأن الله اصطفاهم للتلقي عن النبي ﷺ , وأكرمهم بصحبته والجهاد معه , لكن مع ما لهم من فضل فإنه لا يحكم لآحدادهم بالعصمة , فاعتقاد العصمة لأحدهم مثل علي ﵁ اعتقاد باطل , لكن عدم عصمته لا تزري بمكانته كأحد السابقين إلى الإسلام , وأحد المهاجرين في سبيل الله , وأحد العشرة المبشرين بالجنة , وأحد الخلفاء الراشدين. والشيعة لا يقولون بعصمة علي ﵁ فقط، بل يقولون بعصمة جميع أئمتهم الاثني عشر. وعصمة الأئمة عند الشيعة لها أهمية كبرى، وهي أصل من أصول مذهبهم. انظر: "تاريخ الإمامة" لعبد الله فياض (ص١٥٧) . والشيعة يبالغون في إثبات العصمة لأئمتهم، حتى قالوا بعصمتهم من النسيان، ومن الخطأ في الاجتهاد والتأويل. قال المجلسي (ت ١١١١ هـ) في "بحار الأنوار" (٢٥/٢١١) : "اعلم أنّ الإماميّة اتّفقوا على عصمة الأئمّة ﵈ من الذّنوب صغيرها وكبيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلاً، لا عمداً ولا نسياناً، ولا لخطأ في التّأويل، ولا للإسهاء من الله سبحانه" انتهى. فالمجلسي يثبت للأئمة العصمة من جميع الأوجه المتصورة، من المعصية كلها الصغيرة والكبيرة، ومن الخطأ، ومن السهو والنسيان. وهذا الباطل يقول به إمامهم الخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية" (ص٩١) ، حيث يقول عن أئمتهم: إنهم "لا يتصور فيهم السهو والغفلة". مع أن العصمة بهذا المعنى لم تثبت للأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، فقد كان النبي ﷺ غير معصوم من السهو والنسيان، بل ثبت في أحاديث كثيرة نسيانه ﷺ في الصلاة. ولما صَلَّى النبي ﷺ ذات يوم صلاة وسها فيها، أقبل على الناس بعد الصلاة وقال لهم: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) رواه البخاري (٤٠١) ومسلم (٥٧٢) . وإثبات العصمة لشخصٍ ما معناها إثبات النبوة له، لأن المعصوم يجب اتباعه في كل ما يقول، ولا تجوز مخالفته في شيء، وهذه خاصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولذلك قال الإمام مالك ﵀: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي ﷺ . وقال شيخ الإسلام في "منهاج السنة" (٣/١٧٤) : "فمن جعل بعد الرسول معصوما يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة وإن لم يعطه لفظها" انتهى. والحقيقة: أن الشيعة باعتقادهم عصمة أئمتهم عن الخطأ والنسيان فَضَّلوهم بذلك على الأنبياء والمرسلين، بل سووهم برب العالمين، فإنه سبحانه المنزه عن النسيان (لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى) طه/٥٢، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) مريم/٦٤. وهذا ما صرح به الخميني، في كتابه "الحكومة الإسلامية" (ص١١٣) ، حيث يقول: "إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن"!! فانظر كيف جعل كلام الأئمة كالقرآن، ولم يكتف بجعله ككلام النبي ﷺ !! ثانياً: أما قول الشيعة: إن علياً لم يفعل أي خطأ في حياته، فهذا غير صحيح، فله مواقف تراجع عنها، وندم عليها، وله فتاوى واجتهادات خالف فيها السنة الصحيحة الثابتة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وعلي بن أبي طالب ﵁ ندم على أمور فعلها، من القتال وغيره، وكان يقول ليالي صفين: لله در مقام قامه عبد الله بن عمر وسعد ابن مالك [وذلك لأنهما اعتزلا القتال] إن كان بِرًّا إن أجره لعظيم، وإن كان إثما إن خطره ليسير، وكان يقول: يا حسن، يا حسن، ما ظن أبوك أن الأمر يبلغ إلى هذا، ود أبوك لو مات قبل هذا بعشرين سنة. ولما رجع من صفين تغير كلامه، وكان يقول: لا تكرهوا إمارة معاوية، فلو قد فقدتموه لرأيتم الرؤوس تتطاير عن كواهلها، وقد روي هذا عن علي ﵁ من وجهين أو ثلاثة، وتواترت الآثار بكراهته الأحوال في آخر الأمر، ورؤيته اختلاف الناس، وتفرقهم وكثرة الشر الذي أوجب أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما فعل ما فعل" انتهى. "منهاج السنة النبوية" (٦/٢٠٩) . والخليفة الذي لا يعرف له فتوى خالف فيها السنة الثابتة هو أبو بكر الصديق ﵁، وهو جدير بذلك، فقد كان أعلم الصحابة، وأفضلهم، وأكثرهم ملازمة للرسول ﷺ . أما الخلفاء الثلاثة بعده [عمر وعثمان وعلي ﵃] فلهم اجتهادات خالفوا فيها السنة، وعلي ﵁ كان أكثر منهما في ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولم يعرف لأبي بكر فتيا ولا حكم خالف نصا، وقد عرف لعمر وعثمان وعلي من ذلك أشياء، والذي عرف لعلي أكثر مما عرف لهما. مثل قوله في الحامل المتوفى عنها زوجها: إنها تعتد أبعد الأجلين، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال لسبيعة الأسلمية لما وضعت بعد وفاة زوجها بثلاث ليال: (حللت فانكحي من شئت) ولما قالت له: إن أبا السنابل قال: ما أنت بناكحة حتى يمضي عليك آخر الأجلين. قال: (كذب أبو السنابل) . وقد جمع الشافعي في كتاب خلاف علي وعبد الله من أقوال علي التي تركها الناس لمخالفتها النص أو معنى النص جزءا كبيرا. وجمع بعده محمد بن نصر المروزي أكثر من ذلك، فإنه كان إذا ناظره الكوفيون يحتج بالنصوص فيقولون: نحن أخذنا بقول علي وابن مسعود، فجمع لهم أشياء كثيرة من قول علي وابن مسعود تركوه أو تركه الناس، يقول: إذا جاز لكم خلافهما في تلك المسائل لقيام الحجة على خلافهما، فكذلك في سائر المسائل، ولم يعرف لأبي بكر مثل هذا" انتهى. "منهاج السنة النبوية" (٨/٢٩٩) . فظهر بهذا أن إثبات العصمة لعلي ﵀ أو لأولاده خطأ وضلال. ودعوى أنه لم يخطئ في حياته كذب، يخالف الواقع. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 4

حكم الإقامة في بلاد الكفار، والتشبه بهم، والتبرع لجمعياتهم بالمال [السُّؤَالُ] ـ[هناك مدرسة إسلامية بكندا، تجعل الأطفال يقومون بالمشي لمدة ساعتين؛ تضامناً مع مرضى السرطان؛ تقليداً لأحد الكفار الذي ابتدع هذا الأمر، ثم تبيع المدرسة " البيتزا " لزيادة المال، للتبرع لصالح مؤسسة خيرية كافرة تتعامل مع السرطان، فهل المشي من أجل السرطان، أو لأسباب أخرى يعتبر تشبهاً بالكفار؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: جاءت نصوص القرآن والسنة تنهي المسلم عن الإقامة في بلاد الكفار، إلا لضرورة أو مصلحة شرعية. قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: والسفر إلى بلاد الكفار: محرَّم، إلا عند الضرورة - كالعلاج، والتجارة، والتعلم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم - فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة: وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر: أن يكون مُظهِراً لدينه، معتزاً بإسلامه، مبتعداً عن مواطن الشر، حذراً من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر، أو يجب، إلى بلادهم، إذا كان لأجل نشر الدعوة إلى الله، ونشر الإسلام. " الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد " (ص ٣١٧) . وقال حفظه الله أيضاً – في بيان مظاهر موالاة الكفار -: الإقامة في بلادهم، وعدم الانتقال منها إلى بلد المسلمين؛ لأجل الفرار بالدين؛ لأن الهجرة بهذا المعنى ولهذا الغرض: واجبة على المسلم؛ لأن إقامته في بلاد الكفر تدل على موالاة الكافرين. ومن هنا حرَّم الله إقامة المسلم بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة، وكذلك من كان في إقامته مصلحة دينية، كالدعوة إلى الله، ونشر الإسلام في بلادهم. " الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد " (ص ٣١٦) . وانظر – لمزيد فائدة -: أجوبة الأسئلة: (١١٧٩٣) و (١٤٢٣٥) و (٢٧٢١١) . ثانياً: أما التشبه بالكفار، فالضابط في هذا التشبه المحرم، هو: "مماثلة الكافرين بشتى أصنافهم، في عقائدهم، أو عباداتهم، أو عاداتهم، أو في أنماط السلوك التي هي من خصائصهم". " من تشبه بقوم فهو منهم " للشيخ ناصر العقل (ص ٧) . فيحرم التشبه بغير المسلمين في عقائدهم، وعباداتهم، وما هو من شعائر دينهم، مثل لبس الصليب، أو الاحتفال بالأعياد الدينية. ويحرم التشبه بغير المسلمين فيما هو من خصائص عاداتهم , كلباس الرهبان، والأحبار، وغير ذلك مما يشبهه. قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم، ومن عاداتهم، وعباداتهم، وسمتهم وأخلاقهم، كحلق اللحى، وإطالة الشوارب، والرطانة بلغتهم إلا عند الحاجة، وفي هيئة اللباس، والأكل، والشرب، وغير ذلك. " الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد " (ص ٣١٦) . وعليه؛ فالمشي الي يفعله بعض المسلمين تضامناً مع حدثٍ ما، أو مع أشخاص معينين، يُخشى أن يكون من التشبه بالكفار، لأنه ليس له أصل من ديننا، ولا يفعله المسلمون في بلادهم ومجتمعاتهم، ثم إن هذا المشي ليس فيه فائدة تذكر، فهو تضييع للوقت والجهد، مع ما يحصل فيه من الاختلاط والتعرض للفتن ... إلخ. ثالثاً: أما التبرع لجمعيات الكفار: ففيها تفصيل بحسب نشاط الجمعية: أ. فإن كانت جمعية دينية، تدعو إلى دينها، وتفسد عقائد المسلمين، وكان من ضمن أعمالها: إعانة المرضى، والقيام على المشردين، وإيواء العجزة: فلا يجوز التبرع لهم، ولا مساعدتهم بشيء؛ لأن قيامهم بتلك الأعمال داخل في دعوتهم لدينهم، وإفساد عقائد المسلمين، ومثل هذا لا ينبغي الاختلاف فيه؛ لظهور حكمه في الشرع. ب. وإن كانت جمعية دنيوية، ومن أعمالها ما يساهم في إفساد أخلاق الناس، كالدعوة إلى التعارف بين الرجال والنساء، أو كان من أعمالها القيام بما هو محرَّم في شرعنا، كدعم الإجهاض، وغير ذلك مما يشبهه: فلا يجوز التبرع لهم، ولو كان هناك قسم من أقسامها لعلاج المرضى، وتقديم الأدوية، أو رعاية الأيتام؛ لأن دعم المسلم لها سيكون دعماً لنشاطها، ثم إن المتبرع لا يدري هل ينفقون أمواله في أشياء محرمة، أو في إعانة المرضى. ج. أن تكون الجمعية خاصة بعلاج المرضى، وليس لها أعمال محرمة، ولا مقاصد تنشر دينها من خلالها: فيجوز التبرع لهم، وإعانتهم على علاج المرضى، وتقديم الأدوية لهم. والنصيحة للمسلمين الذين اضطروا أو ابتلوا بالإقامة في البلاد الغربية أن تكون لهم جمعياتهم الخاصة بهم، وأن يقدموا من خلالها خدمات للمجتمعات التي يعيشون بينهم، مما هو مباح لهم فعله، وأن يقدموا صورة ناصعة عن الإسلام من خلال تلك الجمعيات، وأن يحرصوا على تحقيق الهدف الأسمى وهو إنقاذ الناس من الكفر، وعلاج قلوبهم من الشك، والشبهة، وهو أولى من علاج أبدانهم، ولو جمعوا بينهما لقدموا خيراً لأنفسهم، ولغيرهم. وإذا لم يكن هناك جمعية خاصة بالمسلمين في تلك البلاد، وكانت الجمعيات القائمة على ذلك ممن يُخشى إعانتها على الكفر، والفسوق، وشعر المسلمون بحرج من عدم المشاركة في علاج المرضى: فننصح بأن تكون مشاركتهم بتقديم الأدوية، لا المال؛ خشية من استعمال المال في أشياء محرمة، وتحقيقاً لمقصود التبرع. ويدل على جواز التبرع للكافر: قوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/ ٨، وقد استدل بها الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بجواز التبرع للكافر بالدم، كما في جواب السؤال رقم (١٢٧٢٩) . وانظر – للمزيد – جواب السؤال رقم (٢٧٥٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 5

كتاب " الفجر المنير في الصلاة على البشير النذير " للفاكهاني [السُّؤَالُ] ـ[كتاب " الفجر المنير " للفاكهاني (ت: ٧٣٤ هـ) هل هو كتاب موثوق فيه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: مؤلف هذا الكتاب هو: عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري، تاج الدين الفاكهاني، ولد سنة (٦٥٤هـ) ، وتوفي سنة (٧٣٤هـ) ، وقيل سنة (٧٣١هـ) ، تفقَّه على مذهب الإمام مالك، وله عدة مصنفات منها الكتاب الذي سأل عنه السائل. وهذا الكتاب عليه مؤاخذات كبيرة خطيرة، تظهر باستعراض أبواب الكتاب. فمن هذه المؤاخذات: ١- الغلو في الرسول ﷺ ، فقد زعم أن النبي ﷺ خلق من نور الله، وذلك بقوله: من نور رب العرش كون نوره ... والناس في خلق التراب سواء ٢- دعواه أن الأنبياء قد توسلوا بالنبي ﷺ ، ولهذا حقق الله لهم مرادهم، وذلك بقوله: وبه توسل آدم من ذنبه ... وتشفعت بمقامه حواء وبه توسل نوح في طوفانه ... وأجيب حين طغى عليه الماء وبه دعا إدريس فارتفعت له ... عند الإجابة رتبة علياء وبه استجيب دعا أيوب وقد ... أودى به عند المصاب بلاء وبه نجا من بطن حوت يونس ... لما دعا وتجلت الظلماء وبه تمكن يوسف في مصر ... من بعد ما أودت به الضراء ... وبه استجارت مريم في حملها ... فأجاء عن لبس وزال عناء وبسره عيسى توسل فانثنى ... من شأنه بين الورى الإحياء ونحن نشهد أن هذا غلو في الرسول ﷺ ، وكذب، فهذه أدعية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في القرآن الكريم، ليس فيها حرف واحد يدل على توسلهم بالنبي ﷺ ، بل كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وبيان حالهم وافتقارهم إلى الله، فآدم وحواء لما أذنبا قالا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ) الأعراف/٢٣. ويونس ﵇ قال: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ) الأنبياء/٨٧. وأيوب ﵇ نادى ربه قائلاً: (أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) الأنبياء/٨٣. وموسى ﵇ قال: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) القصص/٢٤. وزكريا ﵇ نادى ربه قائلاً: (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) الأنبياء/٨٩، فأين توسل هؤلاء الأنبياء بالنبي ﷺ ؟! وقد نهانا الرسول ﷺ عن المبالغة في مدحه فقال: (لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) رواه البخاري (٣٤٤٥) . ٣- تجويزه الاستغاثة بالنبي ﷺ ، فقد عقد الباب الحادي عشر، بعنوان: "فيمن استغاث به ﵊ فأغيث في القديم والحديث". وهذا صرفُ عبادةٍ إلى النبي ﷺ ، وإعطاؤه خصائص الربوبية والألوهية، فالاستغاثة بالأموات - وكذلك الاستغاثة بالأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله- شركٌ أكبر، وعبادةٌ لغير الله. فلا يجيب المضطرين ويكشف السوء إلا الله تعالى وحده، قال الله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) النمل/٦٢. وهذه هي أخطر المخالفات الشنيعة التي يقررها المؤلف في هذا الكتاب: جواز الاستغاثة بالنبي ﷺ في قبره بعد موته لقضاء الحاجات وكشف الكربات، وهذا شرك أكبر يخرج صاحبه من الإسلام، وقد عقد فصلا بعنوان: "استغاثة من لاذ بقبره واشتكى إليه بفقره وضرره". وأورد فيه من حكايات وقصص الجهلة الذين وقعوا في الشرك (الأصغر والأكبر) من حيث يشعرون أو لا يشعرون، كما سرد مجموعة من القصص تحت فصل خاص بعنوان: "في استغاثة الأسرى ممن كان في أيدي الظلمة والكفار بالنبي المختار". وهكذا فقد تجاوز المؤلف سبيل القصد والاعتدال إلى الغلو ثم إلى ترويج الشرك الأكبر. ٤- تضمن الكتاب مجموعة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والتي لا أصل لها، منها أحاديث كثيرة في فضائل الصلاة على النبي ﷺ ، مثل: (لا صلاة لمن لم يصل علي) ، ومنها أحاديث في استحباب زيارة قبره ﷺ التي أفرد لها بابا خاصا، مثل حديث: (من حج ولم يزرني فقد جفاني) . والخلاصة: أن الكتاب يشتمل على قدر كثير من البدع التي هي من وسائل الشرك، بل وصل بعضها إلى الشرك الأكبر، وعلى كثير من الأحاديث الموضوعة المكذوبة، والحكايات الباطلة التي لا يجوز الاستشهاد بمثلها. ولهذا نرى أنه لا يجوز لمن ليس عنده علم شرعي يستطيع به التمييز بين الحق والباطل، والهدى والضلال، نرى أنه لا يجوز له القراءة في هذا الكتاب، لأنه سيروج عنده ما فيه من الباطل. ومن أراد كتاباً جامعاً في الصلاة على الرسول ﷺ وأحكامها، فعليه بكتاب "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام" ﷺ ، لابن القيم ﵀. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 6

هل يؤخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[سمعت من يقول: إن أحاديث الآحاد لا تثبت بها العقيدة، لأنها تفيد الظن، ولا تفيد اليقين. فما هو جوابكم على هذا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "جوابنا على من يرى أن أحاديث الآحاد لا تثبت بها العقيدة لأنها تفيد الظن والظن لا تبنى عليه العقيدة. أن نقول: هذا رأي غير صواب؛ لأنه مبني على غير صواب، وذلك من عدة وجوه: ١-القول بِأَن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ليس على إطلاقه، بل في أخبار الآحاد ما يفيد اليقين إذا دلت القرائن على صِدْقه، كما إذا تلقته الأمة بالقبول، مثل حديث عمر بين الخطاب ﵁: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) فإنه خبر آحاد، ومع ذلك فإننا نعلم أن النبي ﷺ قاله، وهذا ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وغيرهما. ٢-أن النبي ﷺ كان يرسل الآحاد بأصول العقيدة ـ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ـ وإرساله حُجَّة مُلْزِمة، كما بعث مُعَاذاً إلى اليمن، واعتبر بَعْثَه حُجَّةً مُلْزِمَةً لأهل اليمن بقبوله. ٣-إذا قلنا بأن العقيدة لا تثبت بأخبار الآحاد، أمكن أن يُقال: والأحكام العملية لا تثبت بأخبار الآحاد، لأن الأحكام العملية يصحبها عقيدة أن الله تعالى أمر بهذا أو نهى عن هذا، وإذا قُبل هذا القول تعطَل كثير من أحكام الشريعة، وإذا رُدّ هذا القول فليردّ القول بأن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد إذ لا فرق كما بيّنا. والحاصل: أن خبر الآحاد إذا دلت القرائن على صِدْقه أفاد العلمَ، وثبت به الأحكام العَملية والعِلمية، ولا دليل على التفريق بينهما، ومَنْ نَسَبَ إلى أحدٍ من الأئمِة التفريقَ بينهما فعليه إثباتُ ذلك بالسند الصحيح عنه. ثم بيان دليله المستَند إليه. ٤- أن الله تعالى أمر بالرجوع إلى قول أهل العلم لمن كان جاهلاً فيما هو من أعظم مسائل العقيدة وهي الرسالة: فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) النحل/٤٣، ٤٤. وهذا يشمل سؤال الواحد والمتعدّد" انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ "فتاوى العقيدة" (صـ ١٨) . [الْمَصْدَرُ] فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ "فتاوى العقيدة" (صـ ١٨) .

стр. 7

بعض المآخذ في عقيدة ابن رشد الحفيد [السُّؤَالُ] ـ[ما هي عقيدة الإمام ابن رشد، وما حقيقة خلافه مع الإمام أبي حامد الغزالي؟ جزاكم الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: ابن رشد اسم مشترك بين ابن رشد الحفيد، وابن رشد الجد، وكلاهما يُكنَى بأبي الوليد، وكلاهما يحمل اسم: محمد بن أحمد، كما أن كلا منهما تولى قضاء قرطبة. والمقصود في السؤال هو ابن رشد الحفيد، المتوفى سنة (٥٩٥هـ) ، المشهور باشتغاله وتأليفه في الفلسفة، أما ابن رشد الجد فلم يشتغل بها، وتوفي سنة (٥٢٠هـ) . قال الأبار: لم ينشأ بالأندلس مثله كمالا وعلما وفضلا، وكان متواضعا، منخفض الجناح، يقال عنه: إنه ما ترك الاشتغال مذ عقل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه، وإنه سود في ما ألف وقيد نحوا من عشرة آلاف ورقة، ومال إلى علوم الحكماء، فكانت له فيها الإمامة. وكان يُفزع إلى فتياه في الطب كما يفزع إلى فتياه في الفقه، مع وفور العربية، وقيل: كان يحفظ ديوان أبي تمام والمتنبي. ومن أشهر مصنفاته: (بداية المجتهد) في الفقه، و (الكليات) في الطب، و (مختصر المستصفى) في الأصول، ومؤلفات أخرى كثيرة في الفلسفة، اهتم فيها بتلخيص فكر فلاسفة اليونان، فألف: كتاب (جوامع كتب أرسطوطاليس) ، وكتاب (تلخيص الإلهيات) لنيقولاوس، كتاب (تلخيص ما بعد الطبيعة) لأرسطو، ولخص له كتبا أخرى كثيرة يطول سردها، حتى عرف بأنه ناشر فكر أرسطو وحامل رايته، وذلك ما أدى به في نهاية المطاف إلى العزلة، فقد هجره أهل عصره لما صدر منه من مقالات غريبة، وعلوم دخيلة. قال شيخ الشيوخ ابن حمويه: لما دخلت البلاد، سألت عن ابن رشد، فقيل: إنه مهجور في بيته من جهة الخليفة يعقوب، لا يدخل إليه أحد، لأنه رفعت عنه أقوال ردية، ونسبت إليه العلوم المهجورة، ومات محبوسا بداره بمراكش. يمكن مراجعة سيرته في " سير أعلام النبلاء " (٢١/٣٠٧-٣١٠) ثانيا: قد طال الجدل حول حقيقة عقائد ابن رشد، وكثرت المؤلفات ما بين مؤيد ومعارض، واضطربت الأفهام في تحديد عقائده ومذاهبه. ولضيق المقام ههنا عن الدراسة المفصلة لعقائد ابن رشد، سنكتفي بذكر بعض المآخذ المجملة التي كانت مثار جدل في مؤلفاته: ١- تأويل الشريعة لتوافق الفلسفة الآرسطية: لعل الاطلاع على ترجمة ابن رشد الموجزة السابقة كاف للدلالة على هذه التوجهات الفكرية لدى ابن رشد، فقد أُخِذَ بفكر أرسطو، حتى قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " هو من أتبع الناس لأقوال آرسطو " انتهى. " بيان تلبيس الجهمية " (١/١٢٠) ، وحاول جاهدا شرحه وبيانه وتقريره للناس بأسلوب عربي جديد، وهو - خلال ذلك - حين يرى مناقضة فكر أرسطو مع ثوابت الشريعة الإسلامية، يحاول سلوك مسالك التأويل البعيدة التي تعود على الشريعة بالهدم والنقض، وكأن فلسفة أرسطو قرين مقابل لشريعة رب العالمين المتمثلة في نصوص الكتاب والسنة، ولذلك كتب كتابه المشهور: " فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ". ٢- اعتقاده بالظاهر والباطن في الشريعة: يقول ابن رشد: " الشريعة قسمان: ظاهر ومؤول، والظاهر منها هو فرض الجمهور، والمؤول هو فرض العلماء، وأما الجمهور ففرضهم فيه حمله على ظاهره وترك تأويله، وأنه لا يحل للعلماء أن يفصحوا بتأويله للجمهور، كما قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله " انتهى. " الكشف عن مناهج الأدلة " (ص/٩٩) طبعة مركز دراسات الوحدة العربية. وقد استغرق ابن رشد في تقرير هذه الفكرة الباطنية في كتبه، حتى إنه جعل من أبرز سمات الفرقة الناجية من أمة محمد ﷺ أنها هي " التي سلكت ظاهر الشرع، ولم تؤوله تأويلا صرحت به للناس " انتهى. " الكشف عن مناهج الأدلة " (ص/١٥٠) . ولذلك توسع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرد على خصوص كلام ابن رشد في هذا الكتاب، وبيان بطلان التفسير الباطني لنصوص الشريعة، وذلك في كتابيه العظيمين: " بيان تلبيس الجهمية "، ودرء تعارض العقل والنقل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وابن سينا وأمثاله لما عرفوا أن كلام الرسول لا يحتمل هذه التأويلات الفلسفية؛ بل قد عرفوا أنه أراد مفهوم الخطاب: سلك مسلك التخييل، وقال: إنه خاطب الجمهور بما يخيل إليهم؛ مع علمه أن الحق في نفس الأمر ليس كذلك. فهؤلاء يقولون: إن الرسل كذبوا للمصلحة. وهذا طريق ابن رشد الحفيد وأمثاله من الباطنية " انتهى. " مجموع الفتاوى " (١٩/١٥٧) . ٣- مال في باب " البعث والجزاء "، إلى قول الفلاسفة أنه بعث روحاني فقط، بل وقع هنا في ضلالة أعظم من مجرد اعتقاده مذهب الفلاسفة في البعث الروحاني؛ حيث جعل هذه المسألة من مسائل الاجتهاد، وأن فرض كل ناظر فيها هو ما توصل إليه. قال: " والحق في هذه المسألة أن فرض كل إنسان فيها هو ما أدى إليه نظره فيها " انتهى. " الكشف عن مناهج الأدلة " (ص/٢٠٤) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأولئك المتفلسفة أبعد عن معرفة الملة من أهل الكلام: فمنهم من ظن أن ذلك من الملة. ومنهم من كان أخبر بالسمعيات من غيره، فجعلوا يردون من كلام المتكلمين ما لم يكن معهم فيه سمع، وما كان معهم فيه سمع كانوا فيه على أحد قولين: إما أن يقروه باطنا وظاهرا إن وافق معقولهم، وإلا ألحقوه بأمثاله، وقالوا إن الرسل تكلمت به على سبيل التمثيل والتخييل للحاجة، وابن رشد ونحوه يسلكون هذه الطريقة، ولهذا كان هؤلاء أقرب إلى الإسلام من ابن سينا وأمثاله، وكانوا في العمليات أكثر محافظة لحدود الشرع من أولئك الذين يتركون واجبات الإسلام، ويستحلون محرماته، وإن كان في كل من هؤلاء من الإلحاد والتحريف بحسب ما خالف به الكتاب والسنة، ولهم من الصواب والحكمة بحسب ما وافقوا فيه ذلك. ولهذا كان ابن رشد في مسألة حدوث العالم ومعاد الأبدان مظهرا للوقف، ومسوغا للقولين، وإن كان باطنه إلى قول سلفه أميل، وقد رد على أبي حامد في تهافت التهافت ردا أخطأ في كثير منه، والصواب مع أبي حامد، وبعضه جعله من كلام ابن سينا لا من كلام سلفه، وجعل الخطأ فيه من ابن سينا، وبعضه استطال فيه على أبي حامد، ونسبه فيه إلى قلة الإنصاف لكونه بناه على أصول كلامية فاسدة، مثل كون الرب لا يفعل شيئا بسبب ولا لحكمة، وكون القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، وبعضه حار فيه جميعا لاشتباه المقام " انتهى. " منهاج السنة " (١/٢٥٥) ٤- ولعل من أبرز سمات منهج ابن رشد في كتبه، وفي الوقت نفسه من أبرز أسباب أخطائه هو عدم العناية بالسنة النبوية مصدرا من مصادر التشريع. يقول الدكتور خالد كبير علال حفظه الله: " ابن رشد لم يُعط للسنة النبوية مكانتها اللائقة بها كمصدر أساسي للشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم، ولم يتوسع في استخدامها في كتبه الكلامية والفلسفية، ففاتته أحاديث كثيرة ذات علاقة مباشرة بكثير من المواضيع الفكرية التي تطرق إليها، كما أن الأحاديث التي استخدمها في تلك المصنفات كثير منها لم يفهمه فهما صحيحا، وأخضعه للتأويل التحريفي خدمة لفكره وأرسطيته " انتهى. " نقد فكر الفيلسوف ابن رشد " (ص/٩٧) هذه بعض الخطوط العريضة التي يمكن أن توضح بعض مآخذ العلماء على عقيدة ابن رشد الحفيد، وهي في محصلها ترجع إلى إلغاء كثير من موازين الشريعة التي ضبط بها الشارع حدودها، والدعوة إلى سلوك التأويل والاجتهاد في بعض مسلماتها، انطلاقا من أفكار دخيلة جاءت من حضارات قديمة بائدة. ولأجل ذلك احتفى به كثير من المحسوبين على التوجهات العلمانية والليبرالية المتحررة اليوم، حتى نسبوا ريادة الفكر التنويري للفيلسوف ابن رشد، وهم يعلمون أن كثيرا من العلوم الواردة في كتبه تعد من العلوم البائدة التي يجزم العلم الحديث بخطئها، ولكن غرضهم تمجيد كل فكر متحرر من ثوابت الشريعة، متحرر من حقائق نصوصها لى المجازات والتأويلات، وفي الوقت نفسه يلبس لبوس الدين والعلم والفقه، فرأوا في ابن رشد ضالتهم، وفي كتبه رائدا لهم، وإن كنا نحسب أن في كتبه من إظهار التمسك بالشريعة والرجوع إليها ما لا نجده في كتب هؤلاء القوم، وكان عنده من لزوم الجانب العملي في الشريعة، وتعظيمها في الفقه والقضاء والفتيا ما لا يعجب القوم، ولا يبلغون معشاره: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ!! والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 8

الطريقة " الهبرية الشاذلية " وما فيها من ضلال وانحراف عن اعتقاد أهل السنَّة [السُّؤَالُ] ـ[ظهرت في بلدنا " الجزائر " وبالأخص جنوبه، وغربه: طريقة صوفية، أخذت بلب العام والخاص , الكبير والصغير، وبالأخص: رجال المال، وكبراء القوم، تُدعى "الطريقة الهبرية"، فلو تفضلت وأفدتنا بمعلومات عن هذه الطريقة حتى نستطيع مجابهتها، والتصدي لها , وجزاك الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: سبق في الموقع غير مرة الكلام على الطرق الصوفية على سبيل العموم، وبيان شيء من أخطائها وضلالاتها. وانظر أجوبة الأسئلة: (٢٠٣٧٥) و (١١٨٦٩٣) و (١٣٢٦٠٣) . ثانياً: " الطريقة الهبرية " هي من الطرق الصوفية التي تفرعت عن " الطريقة الشاذلية " , وهذه الطريقة الهبرية الشاذلية: تفرعت عن " الطريقة الدرقاوية الشاذلية "، وتنسب إلى " محمد الهبري العزاوي الزروالي " نسبة إلى " بني زروال " , وتأتي زاويته في الأهمية بعد " الزاوية العلوية " الجزائرية، و " الزاوية البوتشيشية " المغربية. أما أهم معتقدات الطائفة الشاذلية: فهي كما يلي: ١. الاعتقاد بوحدة الوجود على النحو الذي يعتقد بها عموم الصوفية، إذ نقل الشاذلية عن شيخهم قوله: "مَن أطاع الله في كل شيء بهجرانه لكل شيء: أطاعه الله في كل شيء، بأن يتجلى له في كل شيء". ٢. تأويل آيات القرآن تأويلاً باطنيّاً، فتُصرف الآيات عن ظاهرها والمراد بها، على طريقة الفرق الباطنية التي ادّعت أن للإسلام والقرآن ظاهراً وباطناً. يقول ابن عطاء الله السكندري: "لكل آية ظاهر وباطن". ٣. الغلو في الشاذلي، وشيوخهم الآخرين، حتى أوصلوا بعضهم إلى مرتبة الربوبية. انظر: "الطريقة الشاذلية" , "مجلة الراصد" , العدد الثاني والأربعين. http://alrased.net/site/topics/view/٥١٢ وانظر للمزيد حول هذه الطريقة، ومؤسسها: كتاب " أبو الحسن الشاذلي " للصوفي عبد الحليم محمود، وانظر في الردِّ عليه كتاب: " صوفيات شيخ الأزهر " للأستاذ عبد الله السبت. أما عقائد هذه الفرقة الهبرية المتفرعة عن الشاذلية فكما يلي: أ. يزعم مقدَّم هذه الطريقة: "أن المجاهدة – بعزيمتها المعهودة - توقّفت عنده"، وقد كان مريدوه لا يأخذ الواحد منهم الاسم الأعظم حتى يمرّ بالخلوات التي تنقطع لها العزائم والظهور، فيخلو الواحد منهم سنوات في غار، أو كوخ، بعيداً عن الخلْق، حتى يصير الاسم الأعظم ممتزجا بكلّ ذرة من ذراته! . ب. ويزعم أتباعه أنه خليفة رسول الله ﷺ ، الذي يوصل إلى الله، وعنه يؤخذ الاسم الأعظم. ت. وكان الهبري يقول: "لا يدخل طريقتنا إلاّ من كان مكتوباً من السعداء في اللوح المحفوظ، أو شريفاً". ث. ويزعم أصحاب الطريقة أن أتباع صاحب الاسم الأعظ مكتوبون عند الله في عداد الصحابة رضوان الله عليهم. ج. وكان وارثه الشيخ الأكبر! محي الطريق "محمد بلقايد" يلقّن الاسم الأعظم في أيام معدودات، بعد ما كان التقلين في سنين معهودات , وقد صرّح أنّه لا يلقن الاسم الأعظم في الأرض إلا هو وابنه محمد عبد اللطيف التلقين الأتمّ، الذي يوصل إلى الله مباشرة، ويجعل حامل الاسم من أصحاب الذات، والاسم الأعظم. بالإضافة إلى الضلالات والخرافات الأخرى التي تشترك فيها عامة الطرق الصوفية. وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم الشريعة الإسلامية في الطريقتين اللتين توجدان في بلدنا الجزائر ولهما اسم " الهبريين " نسبة إلى شيخهم الكبير وهو الشيخ الهبري، وكما نعرف أن شيخهم المحبوب الحضرة، ويعتقدون أنهم في الطريق الصحيح، وكل المسلمين الآخرين في ضلال، فهل هذه الطريقة صحيحة؟ . فأجابوا: "الطريقة السليمة الصحيحة: هي التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه، فمن اقتفى أثره في ذلك: فهو على الصراط المستقيم، وأما الطرق التي حدَثت بعد ذلك: فيُعرض كل عمل منها على الشريعة الإسلامية، فما وافقها: أُخذ به، وما خالفها: رُدَّ؛ لقول الله جل وعلا: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) . وننصحك بكثرة تلاوة القرآن، وقراءة تفسيره، وخاصة "تفسير ابن جرير"، و "ابن كثير" رحمهما الله، وكذلك قراءة السنَّة وشرحها، وخاصة الصحيحين "صحيح البخاري"، و "صحيح مسلم"، والسنن الأربعة ... إلى غير ذلك من كتب الحديث الشريف، مثل: "منتقى الأخبار"، و "بلوغ المرام"، و "رياض الصالحين"، و "زاد المعاد في هدي خير العباد" للعلامة ابن القيم ﵀. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢/٣٦٤، ٣٦٥) . ثالثاً: وننبه هنا إلى أن الغرب الكافر صار يتبنى نشر العقائد الصوفية في العالَم العربي، والإسلامي؛ لما يعلمه عنها من تأثيرها المخدِّر على عقول أتباعها، وتعلقهم بالأوثان، والقبور، والأوهام، والخيالات، فينصرفون عن معرفة توحيد خالقهم، وعن تحقيق الولاء والبراء في حياتهم. قال الأستاذ عبد الوهاب المسيري ﵀: "ومما له دلالته: أن العالم الغربي الذي يحارب الإسلام يشجع الحركات الصوفية، ومن أكثر الكتب انتشاراً الآن في الغرب: مؤلفات "محيي الدين بن عربي"، وأشعار "جلال الدين الرومي". وقد أوصت لجنة " الكونغرس " الخاصة بالحريات الدينية: بأن تقوم الدول العربية بتشجيع الحركات الصوفية؛ فالزهد في الدنيا، والانصراف عنها، وعن عالم السياسة: يضعف - ولا شك - صلابة مقاومة الاستعمار الغربي، ومِن ثَمَّ فعداء الغرب للإسلام ليس عداء في المطلق، وإنما هو عداء للإسلام المقاوم، ولأي شكل من أشكال المقاومة، تتصدى لمحاولة الغرب تحويل العالم إلى مادة استعمالية" انتهى. من مقاله " الإسلام والغرب ". فالغرب الذي يحارب الإسلام، يحارب بالأخص أهل السنة والجماعة، لعلمه أن هؤلاء هم الذين يقفون في وجه أطماعه الاستعمارية، وفي الوقت ذاته: يشجع الطرق والحركات الصوفية، لعلمه أنها لا تتعارض مع مصالحه، بل تخدم مصالحه. وللرد على التصوف، وعقائده المنحرفة: فننصح بقراءة الكتب التالية: ١. "هذه هي الصوفيَّة" للشيخ عبد الرحمن الوكيل. ٢. "الفكر الصوفي في ضوء الكتاب السنة" للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق. ٣. "الكشف عن حقيقة الصوفية" للشيخ عبد الرؤوف القاسم. ٤. "تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي" للشيخ محمد أحمد لوح. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 9

هل تجب طاعة الحاكم الذي لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل تجب طاعة الحاكم الذي لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الحاكم الذي لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله تجب طاعته في غير معصية الله ورسوله، ولا تجب محاربته من أجل ذلك، بل ولا تجوز إلا أن يصل إلى حد الكفر فحينئذ تجب منابذته، وليس له طاعة على المسلمين. والحكم بغير ما في كتاب الله وسنة رسوله يصل إلى الكفر بشرطين: الأول: أن يكون عالماً بحكم الله ورسوله، فإن كان جاهلاً به لم يكفر بمخالفته. الثاني: أن يكون الحامل له على الحكم بغير ما أنزل الله اعتقاد أنه حكم غير صالح للوقت وأن غيره أصلح منه، وأنفع للعباد، وبهذين الشرطين يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً مخرجاً عن الملة لقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ) ، وتبطل ولاية الحاكم، ولا يكون له طاعة على الناس، وتجب محاربته، وإبعاده عن الحكم. أما إذا كان يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن الحكم به أي بما أنزل الله هو الواجب، وأنه أصلح للعباد، لكن خالفه لهوى في نفسه أو إرادة ظلم المحكوم عليه، فهذا ليس بكافر، بل هو إما فاسق أو ظالم، وولايته باقية، وطاعته في غير معصية الله ورسوله واجبة، ولا تجوز محاربته أو إبعاده عن الحكم بالقوة، والخروج عليه، لأن النبي ﷺ نهى عن الخروج على الأئمة إلا أن نرى كفراً صريحاً عندنا فيه برهان من الله تعالى" انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٢/١١٨) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 10

ضوابط أشكال الصليب الممنوعة [السُّؤَالُ] ـ[السؤال: أريد السؤال عن الصليب ما هي أشكاله؟ وهل يعد علامة الزائد والضرب من أشكال الصليب؟ لأن ذلك أشكل عليّ وعلى كثير من الإخوان، ولم أجد له جوابا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله صناعة الصليب أو شراؤه أو نقشه على الملابس أو الجدران ونحو ذلك من المحرمات التي لا يجوز للمسلم ارتكابها، فلا يصنعها بنفسه ولا يعين عليها، بل يتقي الله تعالى ويتحرز عن شعار الكفر الذي افتراه النصارى في دينهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الصليب لا يجوز عمله بأجرة ولا غير أجرة، ولا بيعه صليبا، كما لا يجوز بيع الأصنام ولا عملها، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٢٢/١٤١) ، وانظر "الموسوعة الفقهية" (١٢/٨٤-٨٨) . ثانيا: للصليب أشكال وأنواع كثيرة، تنوعت عبر الزمان والمكان واختلاف الطوائف النصرانية، فاتخذ صورا متنوعة يمكن الاطلاع عليها في الرابط الآتي: http://en.wikipedia.org/wiki/Cross والذي يظهر لنا في حكم رسم وتعليق هذه الأنواع والأشكال من الصلبان ما يلي: ١- إذا كان قد رسم على أنه صليب، فهذا لا يجوز للمسلم حمله ولا لبسه ولا شراؤه ولا بيعه ولا رسمه؛ لأن علة تحريم رسم الصليب ولبسه هي البعد عن مشابهة النصارى وتعظيم رموزهم الدينية الباطلة، وهذه العلة واقعة في كل شكل من أشكال الصليب التي تعرفها طوائف النصارى إذا كانت وضعت على أنها صليب لتعظم وترمز لما يريدون. ٢- أما إذا رسمت زخرفة معينة، أو صنعت بعض الأشياء المنزلية والأدوات العادية، فوافق أن نتج عنها شكل من أشكال الصليب السابقة، فهذا ينظر فيه: أ - فإن كان يظهر للناظر لأول وهلة أنه رسم الصليب المشهور اليوم في معظم الكنائس ولدى أكثر النصارى، وهو عبارة عن خطين أحدهما طولي والآخر عرضي، بحيث يقطع الخط العرضي الخط الطولي، وتكون الجهة العلوية أقصر من السفلية، وهو الشكل الأشهر للصليب منذ أن أحدثه النصارى، مأخوذ من الخشبة التي يصلب عليها من يُراد قتله، فإن كان يظهر للناظر من الوهلة الأولى هذا الأمر، وجب نقضه وإزالته، أو تعديله بما يخرجه عن كونه صليبا، وقد كان النبي ﷺ (لا يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه) . ب - أما إذا لم تكن صورة الصليب ظاهرة، وإنما نتج عن زخرفة غير مقصودة، أو كان البناء بالهندسة المتقاطعة أنفع وأكثر مرونة، أو استعمل لرموز رياضية معينة، كرمز الجمع أو الضرب في علم الحساب، ففي هذه الحال لا يجب نقضه ولا إزالته، ولا حرج في صنعه ولا في بيع ما احتوى عليه، لانتفاء العلة، وهي التشبه بالكفار وتعظيم رموزهم، فإن رمز الصليب في هذه الحالة دقيق غير ملاحظ، ولا معتبر. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " أولاً: لا بد أن نعلم أن هذا صليب؛ لأن بعض الأشياء يظنها بعض الناس صلباناً وليست كذلك. ثانياً: أن نعلم أنه وُضِع لأنه صليب، لا لكونه نقشاً في الثوب مثلاً؛ لأن النصارى يعظمون الصليب، فلا يمكن أن يجعلوه وَشْياً [زخرفة] في ثوب، إنما يضعونه موضع الاحترام. فلابد من هذين الأمرين، فإذا تحققنا أنه صليب فإن الواجب تمزيقه، أو على الأقل: السُّنَّةُ تمزيقه، ولنقاطع هذه الثياب – التي عليها صلبان -؛ فإذا قاطعناها ولم يستفد التجار منها قاطعوها أيضاً. وكذلك يقال في النجمة السداسية التي يقال إنها شعار اليهود، فحكمها حكم الصليب، وإن كان اليهود لا يتخذونها على سبيل العبادة؛ لكنها مختصة بهم. نحن سألنا عنها النصارى الذين أسلموا [يعني: عن الصلبان] فقالوا: إن الصليب عندنا هو الصليب المعروف؛ أن يكون خطان، أحدهما يقع عرضاً والثاني طولاً، ويكون الطوليُّ مِن جانبٍ أطولَ من الثاني. حتى إننا سألناهم عن ساعة الصليب هذه التي يسمونها ساعة الصليب فقالوا: هذه لا يراد بها الصليب، هذه علامة الشركة فقط؛ لأن الصليب عند النصارى يقولون عنه: إنه خط مرتفع طويل، ثم خط عرْضي، وأحد الجانبين في الخط الطولي أطول من الآخر؛ لأن هذا هو الواقع، فالإنسان المصلوب توضع له خشبةٌ عرضاً من أجل أن تربط بها يداه، فهل يمكن أن تكون الخشبةُ الموضوعةُ لليدين موضوعةً في النصف؟! لا. بل تكون في الأعلى، لهذا نحن في شك من هذه التي نُشِرَت قبل سنتين بأشكال مختلفة، وقالوا: هذه صلبان! ثم إن علامة (+) هل هي صليب؟ ليست صليباً. كذلك يوجد فيما سبق الدلاء التي يُرفع بها الماء من البئر، في أعلاها شيء يُسمى: (العَرْقات) ، عبارة عن خشبتين، إحداهما عَرْضِية والأخرى طولية، فمِن هذه الأشياء ليست صليباً. فالشيء الصليب هو الذي وُضع على أنه صليب " انتهى. "لقاء الباب المفتوح" (لقاء رقم ٢١/سؤال رقم ٧) وقال أيضا ﵀: " أما ما ظهر منه أنه لا يراد به الصليب، لا تعظيما، ولا بكونه شعارا، مثل بعض العلامات الحسابية، أو بعض ما يظهر بالساعات الإلكترونية من علامة زائد، فإن هذا لا بأس به، ولا يعد من الصلبان بشيء " انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (ج ١٨ / ١١٤، ١١٥، جواب السؤال رقم ٧٤) وسئل ﵀ في "لقاءات الباب المفتوح" (لقاء رقم/١٩٩، سؤال رقم/٩) : مررت بأحد المباني في إحدى مدننا، وكان هذا المبنى النوافذ فيه على شكل صلبان - كل النوافذ - وهو مكون من عشرة طوابق، وهي مشابهة تماما لما يصممه الغربيون في منازلهم؟ فأجاب: "والله يا أخي! هذه تحتاج إلى مشاهدة العمارة، وليس كل ما جاء على شكل الصليب يكون صليبا، وإلا لقلنا: علامة زائد حرام، وقلنا: الغرب الذي كان الناس يستقون به حروثهم حرام؛ لأنه معروف، خشبتان معترضتان، الصليب له شكل معين، وله قرائن تدل على أنه صليب، فيحتاج إلى مشاهدة العمران " انتهى بتصرف يسير. وانظر جواب السؤال رقم: (١٠١٣٩٩) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 11

الاعتراض على قطع يد السارق، وجعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل [السُّؤَالُ] ـ[ما ترى فيمن يقول: إن قطع يد السارق وجعل شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل فيه قسوة وهضم لحقوق المرأة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "من يقول: إن قطع يد السارق وجعل شهادة المرأة النصف إن في هذا قسوة وهضماً لحق المرأة! أقول: من قال هذا فإنه مرتد عن الإسلام، كافر بالله ، فعليه أن يتوب إلى الله من هذه الردة، وإلا فليمت كافراً؛ لأن هذا حكم الله ، وقد قال الله : (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٥٠، وقد بَيَّن الله الحكمة من قطع يد السارق في قوله: (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) المائدة/٣٨، وبَيَّن الحكمة من جعل شهادة المرأة أو شهادة المرأتين عن رجل واحد في قوله: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) البقرة/٢٨٢، فعلى هذا القائل أن يتوب إلى الله من ردته، وإلا فسيموت كافراً" انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. "فتاوى علماء البلد الحرام" (ص ٤٨٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 12

حكم الاعتراض على الأحكام الشرعية التي شرعها الله [السُّؤَالُ] ـ[رجل يقول: إن بعض الأحكام الشرعية تحتاج إلى إعادة نظر وأنها بحاجة إلى تعديل، لكونها لا تناسب هذا العصر، مثال ذلك الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين. فما حكم الشرع في مثل من يقول هذا الكلام؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يجب أن يعلم أن من أصول الإيمان التحاكم إلى الله تعالى، ورسوله ﷺ ، والتسليم لحكمهما، والرضا به، قال الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء/٥٩. وقال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء/٦٥. وقال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/٥٠. فكل حكم خالف حكم الله فهو حكم جاهلية، وقال الله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) التين/٨. وقال تعالى: (إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يوسف/٤٠. وبهذا يظهر أن رفض التحاكم إلى الله جل شأنه وإلى الرسول ﷺ ، أو رفض حكمهما، أو اعتقاد أن حكم غيرهما أحسن من حكمهما، كفر وخروج من الإسلام. قال الشيخ ابن باز ﵀: "الأحكام التي شرعها الله لعباده وبينها في كتابه الكريم، أو على لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، كأحكام المواريث والصلوات الخمس والزكاة والصيام ونحو ذلك مما أوضحه الله لعباده وأجمعت عليه الأمة، ليس لأحد الاعتراض عليها ولا تغييرها، لأنه تشريع محكم للأمة في زمان النبي ﷺ ، وبعده إلى قيام الساعة، ومن ذلك: تفضيل الذكر على الأنثى من الأولاد، وأولاد البنين، والإخوة للأبوين وللأب، لأن الله سبحانه قد أوضحه في كتابه وأجمع عليه علماء المسلمين، فالواجب العمل بذلك عن اعتقاد وإيمان، ومن زعم أن الأصلح خلافه فهو كافر، وهكذا من أجاز مخالفته يعتبر كافراً؛ لأنه معترض على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ وعلى إجماع الأمة؛ وعلى ولي الأمر أن يستتيبه إن كان مسلماً، فإن تاب وإلا وجب قتله كافراً مرتداً عن الإسلام، لقول النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) ، نسأل الله لنا ولجميع المسلين العافية من مضلات الفتن ومن مخالفة الشرع المطهر" انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٤/٤١٥) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 13

ما رأيكم فيما يُطلق عليه " الخروج من الجسد "؟ وهل هو واقع أم خيال ؟ [السُّؤَالُ] ـ[قرأتُ موضوعاً في منتدى، ولا أعرف الحكم، وأخاف أن ينتشر ذلك في المنتديات بسرعة، وهذا هو الموضوع: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: الخروج من الجسد ظاهرة عجيبة غريبة، تستحق التجربة، وهي من الظواهر التي أثَّرت على مجرى حياتي، وعلى مدى فهمي للأمور واستيعابها. فالأشياء ليست كما نراها دائماً، ولكل نومٍ قصة، ولذا كان هذا التقرير: ما هو الخروج من الجسد؟ . الخروج من الجسد (الإسقاط النجمي) : الخروج من الجسد ظاهرة طبيعية، تحصل لكل البشر عند النوم، ونحن كمسلمين نعلم علم اليقين بانفصال النفس عن الجسد عند النوم، ثم تعود النفس للجسد المادي حين نستيقظ، قال ﷺ : (الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف) ، ويظهر هذا واضحاً في قوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) الزمر/ ٤٢، ولذا سمي النوم بالموتة الصغرى. الفرق الوحيد بين النوم وبين الخروج من الجسد هو أننا عندما ننام لا ندرك الوعي، أما في الخروج من الجسد: فتخرج النفس باصطحاب الوعي، ويرافق عقلنا هذا الجسد غير المرئي لعالم الأثير (عالم الأحلام) . قد تكون الفكرة لمن لم يسمع من قبل بالخروج من الجسد غريبة بعض الشيء، وقد يظنها البعض ضرباً من ضروب الخيال، والحقيقة هي أن تجربة الخروج من الجسد من أرقى ما يمكن أن يمر به الإنسان من تجارب، ويعجز عن وصفها حتى الكلام، عندما تتحرر من جسدك المادي، وتنزع عنك مادية هذا العالم بما في ذلك جسدك أنت، وتبقى عبارة عن وعي وجسد شفاف. والخروج من الجسد أمر ليس فيه لبس، أي: لا ينفع أن يقول شخص أظن أني قد خرجت من جسمي؛ لأنه ما إن يحصل له خروج من الجسد سيعرف تمام المعرفة أنه حصل، ولا يمكن أن يظن (أي: الشخص) أن الخروج من الجسد نوع من التأمل، أو من الخيال، أو من التنويم الإيحائي، إنه باختصار واضح ستعرفه ما إن تجربه، فما يخرج هو وعيك أنت: يحمله الجسم اللامرئي الذي ندعوه النفس، ويدعوه الغرب بـ " الجسم النجمي "، والبعض بـ " الجسم الأثيري "، في النهاية هو جسم شفاف غير مرئي، جزء منا نحن ينفصل عنَّا عندما ننام، ثم يعود عندما نستيقظ. إلى أين تذهب بعد الخروج؟ : إلى العالم الأثيري، وهو العالم الذي تتحقق فيه الأحلام، فلو تخيلت بعد الخروج من جسدك بأن هناك شجرة في منتصف غرفتك ستجدها أمامك في لمح البصر!! . هو عالم يتجرد عن قوانين الفيزياء بشتى أنواعها، حيث يمكنك فيه التنقل بين المكان والزمان في لحظات، وحيث الثواني قد تعني الأيام في هذا العالم. وفيه قد تلتقي بأناس آخرين قد دخلوا لهذا العالم الأثيري. أنواع الخروج: النوع الأول: وهو النوع الذي نتكلم عنه، وهو الخروج من الجسد في حال الوعي التام خارج الجسد. النوع الثاني: وهو الوعي بعد الدخول في النوم، وهو الوعي داخل الأحلام، ويمكنك حينها التحكم في الأحلام كفيما تشاء. كيف نستطيع الخروج من الجسد؟ : هناك الكثير من التمارين والدورات بهذا الخصوص، حيث تكون عبارة عن ورشات عمل، حيث يبدؤون فيها بالاسترخاء، وإتقان هذه المهارة مهم جدّاً لعملية الخروج من الجسد، وتختلف الطرق باختلاف المدربين، واختلاف مدارس الطاقة وعلومها، ولذا ينصح بأخذ دورة متخصصة لإتقان هذه المهارة، وحتى يتسنى لكم التحكم فيها، والبقاء لمدة أطول في العالم الأثيري. تجربتي الشخصية: لقد كانت بدايتي مع هذه الظاهرة منذ ٤ سنوات، حيث جذبتني جدّاً لاهتمامي بهذه الأمور الغير اعتيادية، فحاولت جاهداً البحث في كل مكان عن الطرق والتدريبات، وحاولت تدريب نفسي بداية من الاسترخاء والتنويم الإيحائي الذاتي، ووصولاً إلى الإسقاط النجمي، والتحكم في مراكز الطاقة. ونجحت في الوصول للنوع الثاني عدة مرات، وكانت تجارب مثيرة بالفعل استحقت عناء التجربة، ولأنني لم أتعلم على يد مدرب، وإنما كانت عن طريق بحث وتدريب ذاتي، لم أصل للنوع الأول، وهو الوعي الكامل خارج الجسد إلا في مناسبات قليلة لم تتجاوز الثلاث مرات خلال المدة الماضية، مع كونها قصيرة جدّاً إلا أنها كانت من التجارب التي لا تُنسى. بالنسبة لتجربتي كانت في محيط المنزل، ولم أستطع الذهاب إلى أي مكان؛ لكثرة توارد الأفكار؛ ولدهشتي؛ واستغرابي. في إحدى المرات كنت خارج جسدي في غرفتي، فذهبت إلى الصالة، فرأيت والدي ممسكاً الصحيفة ويكلم أخي الأصغر، ثم رأيت والدتي متجهة إلى غرفتي، فأردت الرجوع بسرعة قبل أن تأتي، فشعرت بشيء يشدني إلى الخلف بسرعة حتى استيقظت، فرأيت والدتي وهي تفتح باب الغرفة، قمت بعدها مسرعاً لأتأكد فإذا بوالدي على نفس الهيئة والوضعية التي رأيت وهو يكلم أخي، فكان شعوراً لا يوصف. انتهى الموضوع، أرجوا الإفادة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ليس كل ما يُسمع ويُقرأ يستحق الاحترام والتقدير، ونأسف أن وصل المسلمون – ومنهم بعض الخاصة – إلى تلقي قمامات الغرب وجعلها كنوزاً! وتلقي أوهامهم وخيالاتهم وجعلها حقائق لا تبل المناقشة، ومثل ما في السؤال أنموذج لتلك القمامات والترهات التي ينبغي أن يربأ المسلم بنفسه عنها، فليس عليها سيما العلم، ولا تحمل من الحقيقة ولو قطميراً! بل هي أوهام وخيالات وترهات استطاع مخترعوها وكاذبوها أن يجدوا سوقاً بين المسلمين لترويج تلك البضاعات الكاسدة، ونعجب من بعض من يصدق هذه الترهات من المسلمين ممن يرد أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم بدعوى أنها آحاد! ثم يصدق بوجود " جسد أثيري " يتصل بالجسد الحقيقي بـ " خيط فضي "! ، ثم يصدق أن ثمة من يرجع إلى الزمن الماضي، أو يصل إلى الزمن المستقبل! ويصدق أنه يمكن أن يلتقي بعالم الملائكة وعالم الجن! كل ذلك يسوقه المرضى، ويصدقه الحمقى. ثانياً: العجيب ممن يصدق هذا الكلام وهو يرى أن الإنسان وهو على قيد الحياة، بروحه، وبدنه، وعقله، يستطيع أن يقوم بأشياء خارقة، وعظيمة، بسبب ما سخَّره الله له من علم، وهو أمر يشاهد، وليس ثمة من يكذبه، فكيف يكون عند الإنسان وهو نائم من القوة ما ليس عنده وهو مستيقظ؟! وما هذا إلا كما يفعله ويعتقده الوثنيون في أمواتهم الذين يقدسونهم ويعظمونهم، فأولياؤهم وهم على قيد الحياة يجوعون ويعطشون ويتبلون ويتبرزون ويمرضون، بل ويقتلون، ثم إذا ماتوا أثبتوا لهم من الخوارق والأفعال ما يعجزون عن جزء يسير منه وهم على قيد الحياة! فمتى تُرجع كلا الطائفتين عقلها لبدنها، وتقف على حقيقة التوحيد، وتلتزم الأخذ بالحقائق المشاهدة المحسوسة وتترك الخرافات والأوهام؟ . ثالثاً: من تأمل ما يشاع في هذا الزمن من العامة وبعض الخاصة من نحو ما في السؤال يجد قوة تأثير العقائد البوذية وعقائد الإلحاد على ما يعتقدونه نافعاً صواباً، ابتداء بالبرمجة اللغوية العصبية، إلى تغيير العقل، إلى العلاج بالطاقة، في قائمة تطول، كلها تقوم على الخرافة والوهم، وهي تصلح لبعض المرضى النفسيين لا أكثر، وما نحن فيه الآن – وهو الخروج من الجسد – من يتأمله يجد أهله الذين يعتقدونه لا يدينون بالإسلام، ولا يعترفون بالله تعالى ربّاً، وكلها أمور غيبية نأسف أن يتلقفها المسلمون من مثل أولئك الملحدين، ومن ينظر في المنتديات التي تنشر ترهات الخروج من الجسد يجد الأمر أشبه ما يكون بالرسوم المتحركة الفضائية، والخيالية. وها نحن نرى ما جاءت الشريعة الإسلامية المطهرة بمحاربته، والحكم عليه بالشرك والوثنية: أصبح الآن " علماً "! تُعقد له الدورات، وتُعطى فيه الألقاب والشهادات، وتُدفع له أعلى الأثمان لحضوره، وتعلمه! وتجد هذا المسلم يحكم على من ينظر في " فنجان القهوة " ليخبرك بمستقبلك وحقيقة شخصيتك بأنه كاهن، دجال – وهو كذلك -، لكنه في الوقت نفسه يعطيك من المعلومات الغيبية عنك أضعافاً مضاعفة من ذلك الكاهن الدجال بالنظر في " توقيعك "!! حتى صار هذا الأمر " علماً " وله اختصاصيون من المسلمين!! فبمجرد النظر في " توقيعك " يخبره بصفاتك، فيخبرك بأنك – مثلاً - انطوائي، كريم، متسامح، متعاون، يحب السلام، له نظرة مستقبلية، كتوم بعض الشيء! – انظر للدقة " بعض الشيء "! – ويخبرك بما تحب من الألوان! وغير ذلك من الترهات والكهانة العصرية، وما ذكرناه ليس نسجاً من الخيال، بل نقلنا بعضه من مقابلة مع شخصية إسلامية مشهورة، وعلى الجانب الآخر كان " الكاهن "! يخبره بما نقلنا جزء منه، بمجرد رؤية توقيعه، والله المستعان. وحقّاً إن هؤلاء " حمقى " يقودهم " مرضى "، وإليكم خرافة أخرى من خرافاتهم " العلمية " وتُعطى فيما يسمَّى " دورات الريكي "! فتجد الأحمق منهم يقول مخاطباً معدته: " معدتي! كيف حالك؟ أرجو أنك بخير، أرجو أن لا تسببي لي المتاعب!! " ويخاطب سنَّه وقلبه وكليته وباقي أعضاء وأجزاء جسمه بالطريقة الساذجة نفسها، يحيي العضوء أو الجزء، ويسأل عن حاله وأخباره! ويرجوه أن لا يسبب له ألماً وأن لا يُمرضه!!! ، فهل هذا فعل العقلاء فضلاً أن يكون فعل المسلمين؟!!! أليس لو رأى ذلك أحد العقلاء فإنه سيحكم على فاعله بأنه مجنون ويستحق الحجر عليه؟! . رابعاً: خرافة " الخروج من الجسد "، أو " السفر بالجسد "، ويطلق عليه " الإسقاط النجمي ": هو من هذا الباب، فأصحابه يوهمونك أنك باستطاعتك السفر بجسدك " الأثيري " إلى عوالم مختلفة، كعالم الملائكة، وعالم الجن، وعالم البرزخ! فترى الأموات وأرواحهم، بل وتتنقل في أزمنة مختلفة، فلك أن ترجع للماضي، ولك أن تذهب للمستقبل! لترى من سيولد! ويزعمون أنك تنتقل بوعيك وأنت نائم، يعني: أن الجسد فقط يكون نائماً، بينما يكون عقلك في حالة يقظة تامة! ويعتقدون أنك تنتقل إلى تلك العوالم والأزمنة بجسد " أثيري " - وهو جسم من الطاقة – وهو ينفصل عن الجسم المادي النائم، ويبقى بقربه أثناء النوم، ويكون هذان الجسمان متصلان بـ " حبل فضي " يربط بينهما! . سذاجة، وخرافة، وأوهام، وترهات، وزندقة، وإلحاد، كل ذلك صار " علماً "، وله مدربوه، وله زبائنه التي تتعلق بالأوهام والخيالات، وصرنا بحاجة لأن نرجع مع هؤلاء الناس إلى أبجديات التوحيد، ونعلمهم بأن الجن لا يُرى، وأن الملائكة كذلك، وأن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأنه لا يمكن الرجوع للوراء لمعرفة ماضيك ورؤيتك وأنت طفل ترضع وتكبر، ولا لقاء الأموات قبل موتك، وهكذا في سلسلة من المسائل والأحكام من المفترض أن تكون عقائد راسخة عند المسلمين، ولعلَّ في هذا عبرة وعظة لمن يتزعم من الدعاة محاربة تدريس التوحيد، وغرس العقيدة الحقة في نفوس المسلمين، زاعمين أن الأمة ليست بحاجة لهذا، وها هي الأمور تنكشف، ويتبين أن الناس يُقدمون على الشرك، والكهانة بإرادتهم، ويدفعون المبالغ الطائلة لأجل هذا، بل يكون له منصب فيها ورتبة، ويحمل في " علومها " شهادة مصدَّقة. خامساً: ليس ثمة ما يسمى " الجسد الأثيري "، ويستطيع أن يزعم صاحب أية خرافة مثل هذه الأشياء، ويبني عليها صروحاً من الكذب، وهذا الذي حصل هنا، فأثبتوا فعلا وأطلقوا عليه اسماً، واخترعوا جسداً وأطلقوا عليه اسماً، ثم أوهموا الناس أنهم دقيقون فذكروا لون " الخيط " الذي يربط بين الجسدين، وأنه " فضي "! وهكذا في سلسلة أكاذيب ليس لها واقع في الوجود، وبالطبع لا بد أن يضعوا شروطاً للشخص حتى يصح له " خروجه وسفره " من جسده، وأول ذلك الاسترخاء التام، ومن عجز عنه: فله أن يستعين بطاغوت " البرمجة العصبية " فيردد " أريد أن أسترخي، أريد أن أسترخي " ويكررها بحماقة حتى يوهم نفسه أنه استرخى! ، والواقع أنه ليس ثمة ما يسمى بالجسد الأثيري إلا في أذهان أولئك الذين يصلحون لإنتاج الرسوم المتحركة الفضائية والخيالية. ١. سئلت الدكتورة فوز كردي – حفظها الله – وهي من أوائل من تنبه لطاغوت البرمجة العصبية وأخواتها، ولها ردود منتشرة عليهم، بل حازت على رسالتي الماجستير والدكتوراة في العقيدة وضمنتهما الرد على تلك البرامج والادعات والعلاجات -: هل " الجسم الأثيري " له أصل في الشرع، أم أنه مجرد توقعات، أو سحر، وخزعبلات؟ . فأجابت: بالنسبة للجسم الأثيري: فهو أولاً: قول مبني على نظرية قديمة، تفترض وجود مادة " الأثير "، وهي مادة مطلقة قوية غير مرئية! تملأ الفراغ في الكون، سمَّاها " أرسطو ": العنصر الخامس، وعدّها عنصراً ساميًا، شريفًا، ثابتًا، غير قابل للتغيير، والفساد، وقد أثبت العلم الحديث عدم وجود الأثير، ولكن الفلسفات القديمة المتعلقة بالأثير بقيت كما في الفلسفات المتعلقة بالعناصر الخمسة، أو الأربعة. ثانياً: قول تروج له حديثاً التطبيقات الاستشفائية، والتدريبية، المستمدة من الفلسفة الشرقية، ومع أن التراث المعرفي المستمد من الوحي المعصوم بيّنٌ أوضح البيان، وغنيٌّ كل الغنى بأصول ما يعرّف الإنسان بنفسه وقواه الظاهرة والخفيَّة: إلا أن عقدة المفتونين بالعقل، والمهووسين بالغرب والشرق من المسلمين: جعلتهم يلتمسون ذلك فيما شاع هناك باسم " الأبحاث الروحية "، فنظروا إليها على أنها حقائق علمية، أو خلاصة حضارة شرقية عريقة، وأعطوا لأباطيلها وتخرصات أهلها ما لم يعطوا لمحكمات الكتاب وقواطع السنَّة، ومن ذلك القول بتعدُّد أجساد الإنسان، وقد يسمونها " الأبعاد "، أو " الطاقات "؛ للقطع بأنها اكتشافات علميّة، وهذا القول حقيقته: بعث لفلسفة الأجساد السبعة المعروفة في الأديان الشرقيَّة، ومفادها أنّ النفس الإنسانيّة تتكوَّن من عدَّة أجساد - اختلفوا في عدِّها ما بين الخمسة إلى التسعة بحسب وجهات نظر فلسفيّة تتعلّق بمعتقدهم في ألوهية الكواكب أو المؤثرات الخارجية - والمتَّفق عليه من هذه الأجساد: الجسم البدنيّ أو الأرضيّ، والجسم العاطفيّ، والجسم العقليّ، والجسم الحيويّ، والجسم الأثيريّ، فالجسم البدنيّ: هو الظاهر الذي نتعامل معه، وتنعكس عليه حالات الأجساد الأخرى، والجسم الأثيري: هو أهم هذه الأجساد، وأساس حياتها، وهو منبع صحة الإنسان، وروحانيته، وسعادته! . وقد سرى هذا المعتقد في أوساط المسلمين بعد أن عُرض على أنه كشف علمي عبر التطبيقات الشرقية المروجة على شكل دورات تدريبية، أو تمارين استشفائية مفتوحة لعامة الناس، بعد أن كان هذا المعتقد غامضًا محصورًا في حُجَر تحضير الأرواح! عند خبراء حركة الروحية الحديثة. فالاعتقاد بالجسم الأثيريّ كالاعتقاد بالعقل الباطن وقوى النفس، إنما شاع ذكره عند من غفل عن حقائق الغيب، ورام الوصول إليها من غير طريق الرُّسُل، فأصل هذه المعتقدات مأخوذ من التراث المنقول في الديانات الوثنيّة الشرقيّة، والمعتقدات السرِّية الباطنيّة، وكلّ تطبيقاتها الرياضيّة والعلاجيّة الحديثة تدعو إلى تطوير قوى هذا الجسد لتنمية الجنس البشريّ حيث يصبح بإمكان الإنسان في المستقبل فعل ما كان يُعدّ خارقة في العصور الماضية، كأن يصبح صاحب لمسة علاجيّة، أو قدرة على التنبُّؤ، أو التأثير عن بُعد، وغير ذلك، دون أن يكون متنبِّئًا، أو كاهنًا، ومن ثم لا يحتاج لأيِّ مصدر خارج عن نفسه! ويستغني عن فكرة الدين، أو معتقد الألوهية - عياذاً بالله -. انتهى http://www.alfowz.com/index.php?option=com_content&task=view&id=١٣٥&Itemid=٢ ٢. وسئل الدكتور وهبة الزحيلي – وفقه الله -: هل علوم " الميتافيزقيا " حرام؟ هل علوم ما وراء الطبيعة والخوارق حلال أو حرام؟ وهي " التلبثة " - التواصل عن بُعد -، " قراءة الأفكار " telepahtic، " الخروج الأثيري عن الجسد " out of body experience، " تحريك الأشياء بالنظر النظر المغناطيسي "، " اليوجا، و " التنويم الإيحائي "، " التاي شي "، " الريكي "، " التشي كونغ "، " المايكروبيوتك "، " الشكرات "، " الطاقة الكونية "، " مسارات الطاقة "، " الين واليانغ "؛ لأني وجدت موقعا يحرِّمها - موقع الأستاذة فوز كردي - السعودية -؟ . فأجاب: هذه وسائل وهمية، وإن ترتب عليها أحياناً بعض النتائج الصحيحة، ويحرم الاعتماد عليها وممارستها، سواء بالخيال، أو الفعل، فإن مصدر العلم الغيبي: هو الله وحده، ومن اعتمد على هذه الشعوذات: كفر بالله، وبالوحي، كما ثبت في صحاح الأحاديث النبوية الواردة في العَّراف، والكاهن، ونحوهما. http://www.zuhayli.net/fatawa_p٥٦.htm وللوقوف على حقيقة النوم، وعلاقته بالموت، وشعور النائم بنفسه وهو يعلم: يُنظر جواب السؤال رقم: (١٤٢٧٦) ففيه تفصيل ذلك بالكتاب والسنَّة وأقوال العلماء الثقات. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14

الحكمة من تقبيل الحجر الأسود [السُّؤَالُ] ـ[هل الحكمة في تقبيل الحجر الأسود التبرك به؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "الحكمة من الطواف بيَّنها النبي ﷺ حين قال: (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) فالطائف الذي يدور على بيت الله تعالى يقوم بقلبه من تعظيم الله تعالى ما يجعله ذاكراً لله تعالى، وتكون حركاته بالمشي والتقبيل واستلام الحجر والركن اليماني والإشارة إلى الحجر ذكراً لله تعالى لأنها من عبادته؛ وكل العبادات ذكر لله تعالى بالمعنى العام، وأما ما ينطق به بلسانه من التكبير والذكر والدعاء فظاهر أنه من ذكر الله تعالى، وأما تقبيل الحجر فإنه عبادة حيث يقبل الإنسان حجراً لا علاقة له به سوى التعبد لله تعالى بتعظيمه، واتباع رسول الله ﷺ في ذلك، كما ثبت أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال حين قَبَّل الحجر: (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك) . أما ما يظنه بعض الجهال من أن المقصود بذلك التبرك به فإنه لا أصل له، فيكون باطلاً. وأما ما أورده بعض الزنادقة من أن الطواف بالبيت كالطواف على قبور أوليائهم وأنه وثنية، فذاك من زندقتهم وإلحادهم، فإن المؤمنين ما طافوا به إلا بأمر الله؛ وما كان بأمر الله فالقيام به عبادة لله تعالى. ألا ترى أن السجود لغير الله شرك أكبر، ولما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم كان السجود لآدم عبادة لله تعالى وكان ترك السجود له كفراً. وحينئذ يكون الطواف بالبيت عبادة من أجل العبادات، وهو ركن في الحج، والحج أحد أركان الإسلام. ولهذا يجد الطائف بالبيت إذا كان المطاف هادئاً من لذة الطواف وشعور قلبه بالقرب من ربه ما يتبين به علو شأنه وفضله والله المستعان" انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀. "فتاوى العقيدة" (ص ٢٨، ٢٩) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 15

أقسام العبودية [السُّؤَالُ] ـ[أقرأ في بعض الآيات ما يدل على أن عباد الرحمن هم المؤمنون فقط مثل قوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا) الفرقان/٦٣، وفي بعضها الآخر ما يدل على أن جميع الناس عباد الله كقوله تعالى: (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً) مريم/٩٣ فكيف نجمع بين الآيتين؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اعلم أرشدك الله لطاعته أن العبودية نوعان:عبودية خاصة، وعبودية عامة. فالعبودية الخاصة هي: عبودية المحبة والانقياد والطاعة التي يشرف بها العبد ويعظم،وهي التي وردت في مثل قول الله تعالى: (الله لطيف بعباده) الشورى/١٩، وقوله: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً) الفرقان/٦٣، وهذه العبودية خاصة بالمؤمنين الذين يطيعون الله تعالى، لا يشاركهم فيها الكفار الذين خرجوا عن شرع الله تعالى وأمره ونهيه، والناس يتفاوتون في هذه العبودية تفاوتاً عظيما؛ فكلما كان العبد محباً لله متبعاً لأوامره منقاداً لشرعه كان أكثر عبودية. وأعظم الناس تحقيقاً لهذا المقام هم الأنبياء والرسل، وأعظمهم على الإطلاق نبينا محمد ﷺ ولهذا لم يرد ذكر أحد بوصف بالعبودية المجردة في القرآن إلا هو ﵊ فذكره الله بوصف العبودية في أشرف المقامات كمقام الوحي فقال سبحانه: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً) الكهف/١، وفي مقام الإسراء فقال جل شأنه: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) الإسراء/١، وفي مقام الدعوة فقال تعالى: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً) الجن/١٩ إلى غير ذلك من الآيات. فالشرف كل الشرف في استكمال هذه العبودية وتحقيقها ولا يكون ذلك إلا بتمام الافتقار إلى الله تعالى، وتمام الاستغناء عن الخلق، وذلك لا يتأتى إلا بأن يجمع الإنسان بين محبة الله تعالى والخوف منه ورجاءِ فضله وثوابه. وأما العبودية العامة: فهذه لا يخرج عنها مخلوق وتسمى عبودية القهر فالخلق كلهم بهذا المعنى عبيد لله يجري فيهم حكمه، وينفذ فيهم قضاؤه، لا يملك أحد لنفسه ضراً ولا نفعاً إلا بإذن ربه ومالكه المتصرف فيه. وهذه العبودية هي التي جاءت في مثل قوله تعالى: (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً) مريم/٩٣، وهذه العبودية لا تقتضي فضلاً ولا تشريفاًُ، فمن أعرض عن العبودية الخاصة فهو مأسور مقهور بالعبودية العامة فلا يخرج عنها بحال من الأحوال. فالخلق كلهم عبيد لله فمن لم يعبد الله باختياره فهو عبد له بالقهر والتذليل والغلبة. نسأل الله أن يجعلنا من عباده المخلَصين وأوليائه المقربين، إنه سميع قريب مجيب. والله أعلم وأحكم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يراجع (مفاهيم ينبغي أن تصحح للشيخ محمد قطب ٢٠- ٢٣، ١٧٤- ١٨٢) و (العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 16

شروط العمل الصالح [السُّؤَالُ] ـ[متى يقبل الله عمل العبد؟ وما هي الشروط في العمل كي يكون صالحاً مقبولاً عند الله؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وبعد: فإن العمل لا يكون عبادة إلا إذا كمل فيه شيئان وهما: كمال الحب مع كمال الذل قال الله تعالى: (والذين آمنوا أشد حبا لله) البقرة/١٦٥، وقال سبحانه: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) المؤمنون/٥٧، وقد جمع الله بين ذلك في قوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) الأنبياء/ من الآية٩٠. فإذا علم هذا فليعلم أن العبادة لا تقبل إلا من المسلم الموحد كما قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) الفرقان/٢٣. وفي صحيح مسلم (٢١٤) عن عائشة ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ" يعني أنه لم يكن يؤمن بالبعث، ويعمل وهو يرجو لقاء الله. ثم إن المسلم لا تقبل منه العبادة إلا إذا تحقق فيها شرطان أساسيان: الأول: إخلاص النية لله تعالى: وهو أن يكون مراد العبد بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة ابتغاء وجه الله تعالى دون غيره. الثاني: موافقة الشرع الذي أمر الله تعالى أن لا يعبد إلا به، وذلك يكون بمتابعة النبي ﷺ فيما جاء به، وترك مخالفته، وعدم إحداث عبادة جديدة أو هيئة جديدة في العبادة لم تثبت عنه ﵊. والدليل على هذين الشرطين قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا ً) الكهف/من الآية١١٠ قال ابن كثير ﵀: " (فمن كان يرجوا لقاء ربه) أي ثوابه وجزاءه الصالح (فليعمل عملا صالحا) أي ما كان موافقا لشرع الله (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له وهذان ركنا العمل المتقبل لابد أن يكون خالصا لله صوابا على شريعة رسول الله ﷺ .ا. هـ. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 17

حكم مجالسة من لا يصلي وينكر الحجاب ويسخر منه ويسخر من عائشة [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم مجالسة مَن لا يصلي، ولا يصوم، وينكر الحجاب، ويقول: إنها خاصة فقط بنساء النبي ﷺ ، ويسخر منه، وفي مرة سمعته يسخر من السيدة عائشة ﵂ وأرضاها، وخاصة إذا كان من صلة الأرحام؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن هذه الأفعال التي تسأل عن مجالسة صاحبها هي: كفرٌ، وردة، ونعجب من انتسابه للإسلام وهو على هذه الحال، فترك الصلاة كفر أكبر، ثبت ذلك بالكتاب، والسنَّة، وإجماع الصحابة ﵃. والحجاب للنساء: إن كان يقصد به غطاء الوجه " النقاب " ونحوه، فثمة خلاف بين العلماء فيه، والأصح أنه على واجب على النساء جميعاً، وليس هو خاصّاً بأزواج النبي ﷺ . قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -: وأما بالنسبة للنقاب: فتغطية الوجه واجبة، على الصحيح من قولي العلماء، وهو الذي تؤيده الأدلة الصحيحة؛ لقوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) النور/ ٣١؛ ولقوله تعالى في نساء النبي ﷺ : (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) الأحزاب/ ٥٣. وكون الخطاب ورد في نساء النبي ﷺ لا يمنع أن يتناول الحكم غيرهن مِن نساء المسلمين؛ وذلك لأنه علل ذلك بعلة عامة، وهي قوله: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) الأحزاب/ ٥٣. فالعلة عامة، لنساء النبي ﷺ ﵅، ولغيرهن مِن النساء، والطهارة مطلوبة للجميع؛ لقوله تعالى في الآية الأخرى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ) الأحزاب/ ٥٩. " المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٤ / ٢٤٢، ٢٤٣، السؤال رقم ٢٥٠) . ولمزيد تفصيل: ينظر جواب السؤال رقم: (١١٧٧٤) . وأما إن كان يقصد بالحجاب غطاء الرأس: فليس في وجوبه خلاف بين أهل العلم، وإنكاره للنوعين، وسخريته بهما: ردة عن الدِّين؛ لأن الخمار وإن لم يكن واجباً عند بعض أهل العلم: فهو متفق على مشروعيته، وأنه من دين الله، فإنكاره والسخرية به كفر مخرج عن الملة. وليس ثمة مجال لهذا الزنديق أن يسخر من أم المؤمنين عائشة ﵂، إلا أن يطفح ما في قلبه من النفاق والزندقة، ويظهر على فلتات لسانه، فعائشة أم المؤمنين، وزوج النبي ﷺ ، والمبرأة من الله في آيات تتلى إلى يوم القيامة، فمن سخر منها فإنما يسخر من زوجها، وهو النبي ﷺ ، ومن نفى أن تكون أمّاً للمؤمنين فهو يخرج نفسه من دائرتهم، وليس يضرها شيئا. ثانياً: إذا كان هذا هو حال هذا القريب: فليعلم أنه فاعل لما يوجب ردته، وأن عليه التوبة، والرجوع إلى دينه، وأنه إن لقي الله بهذا: لقيه على غير الإسلام. وأما الواجب عليكم – بعد نصحه -: فهو أن تهجروا مجالسه، وتحذروا منه، إلا أن يكون من يريد الجلوس معه على قدر من العلم ليرد عليه كفره، وليحذر مجالسيه من شرِّه، وتكون صلته غير واجبة، بل لا يجوز ابتداؤه بالسلام. قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) القصص/ ٥٥. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ) من جاهل خاطبهم به، (قَالُوا) مقالة عباد الرحمن أولي الألباب: (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) أي: كُلٌّ سَيُجازَى بعمله الذي عمله وحده، ليس عليه من وزر غيره شيء، ولزم من ذلك: أنهم يتبرءون مما عليه الجاهلون، من اللغو، والباطل، والكلام الذي لا فائدة فيه. (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أي: لا تسمعون منَّا إلا الخير، ولا نخاطبكم بمقتضى جهلكم، فإنكم وإن رضيتم لأنفسكم هذا المرتع اللئيم: فإننا ننزه أنفسنا عنه، ونصونها عن الخوض فيه، (لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) من كل وجه. " تفسير السعدي " (ص ٦٢٠) . سئل علماء اللجنة الدائمة: هل يجوز أن أجالس تارك الصلاة؟ . فأجابوا: مَن ترك الصلاة متعمِّداً جاحداً لوجوبها: فهو كافر باتفاق العلماء، وإن تركها تهاوناً وكسلاً: فهو كافر، على الصحيح من أقوال أهل العلم، وبناءً على ذلك: لا تجوز مجالسة هؤلاء، بل يجب هجرهم، ومقاطعتهم، وذلك بعد البيان لهم أن تركها كفر، إذا كان مثلهم يجهل ذلك، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) ، وصحَّ عنه ﷺ أيضاً أنه قال: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) أخرجه مسلم في صحيحه، وهذا يعم الجاحد لوجوبها، والتارك لها كسلاً. الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد الرزاق عفيفي , الشيخ عبد الله بن غديان. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٣٧٤ , ٣٧٥) . وسئل علماء اللجنة الدائمة: هل يجوز إلقاء السلام على تارك الصلاة؟ . فأجابوا: أما تارك الصلاة جحداً: فكافر بالإجماع، وتاركها كسلاً، غيرَ جحد لوجوبها: فكافر، على القول الصحيح من أقوال العلماء، فلا يجوز إلقاء السلام عليه، ولا رد السلام عليه إذا سلَّم؛ لأنه يعتبر مرتداً عن الإسلام. الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد الرزاق عفيفي , الشيخ عبد الله بن غديان , الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٤ / ١٤١ , ١٤٢) . وقال علماء اللجنة الدائمة: ومَن استهزأ بدين الإسلام، أو بالسنَّة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، كإعفاء اللحية، وتقصير الثوب إلى الكعبين، أو إلى نصف الساقين، وهو يعلم ثبوت ذلك: فهو كافر، ومن سخِر من المسلم، واستهزأ به، من أجل تمسكه بالإسلام: فهو كافر؛ لقول الله : (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة ٦٥ , ٦٦. الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ عبد الرزاق عفيفي , الشيخ عبد الله بن غديان , الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ٤٣ , ٤٤) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: والواجب: هجر تارك الصلاة، ومقاطعته، وعدم إجابة دعوته، حتى يتوب إلى الله من ذلك، مع وجوب مناصحته، ودعوته إلى الحق، وتحذيره من العقوبات المترتبة على ترك الصلاة في الدنيا والآخرة؛ لعله يتوب، فيتوب الله عليه. " فتاوى الشيخ ابن باز " (١٠ / ٢٦٦) . وسئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -: هل يجوز لي أن أجالس وأشارك في المأكل والمشرب تارك الصلاة المصر على تركها؟ . فأجاب: لا يجوز لك أن تجالسه وتشاركه في المأكل والمشرب، إلا إذا كنت تقوم بنصيحته، والإنكار عليه، وترجو أن يهديه الله على يديك، فإذا كنت تقوم بهذا معه: وجب عليك أن تقوم به معه؛ لأن هذا من إنكار المنكر، والدعوة إلى الله تعالى، لعل الله أن يهديه على يديك. أما إذا كنت تشاركه، وتجالسه، وتأكل وتشرب معه من غير إنكار، وهو مقيم على ترك الصلاة، أو مقيم على شيء من الكبائر: فإنه لا يجوز لك أن تخالطه، وقد لعن اللهُ بني إسرائيل على مثل هذا، قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ، كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ) المائدة/ ٧٨، ٧٩. وجاء في تفسير الآية أن أحدهم كان يرى الآخر على المعصية فينهاه عن ذلك، ثم يلقاه في اليوم الآخر وهو مقيم على معصية: فلا ينهاه، ويخالطه، ويكون أكيله، وشريبه، وقعيده، فلما رأى الله منهم ذلك: ضرب قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان أنبيائهم. وحذرنا نبي الله ﷺ من أن نفعل مثل هذا الفعل؛ لئلا يصيبنا ما أصابهم من العقوبة. " المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٢ / ٢٤٦، السؤال رقم ٢١٥) . وانظر جوابي السؤالين:: (٤٤٢٠) و (٤٧٤٢٥) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 18

الإلحاد أعظم كفرا من الشرك [السُّؤَالُ] ـ[أيهما أكبر ذنباً، الإلحاد أم الشرك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الإلحاد في المفهوم المعاصر يعني تعطيل الخالق بالإطلاق، وإنكار وجوده، وعدم الاعتراف به ، وإنما العالم وما فيه قد جاء ـ على حسب زعمهم ـ بمحض الصدفة، وهو مذهب غريب مناف للفطرة والعقل والمنطق السليم، ومناقض لبدهيات العقل ومسلَّمات الفكر. أما الشرك فهو يتضمن الإيمان بالله والإقرار به، ولكن يشمل أيضا الإيمان بشريك لله في خلقه، يخلق، أو يرزق، أو ينفع، أو يضر، وهذا شرك الربوبية، أو بشريكٍ يُصرَف له شيء من العبادة محبة وتعظيما، كما تصرف لله ، وهذا شرك العبادة. وبالتأمل في هذين الانحرافين نجد أنَّ في كلٍّ منهما مِن الإثم والسوء ما يدلنا على سوء حالهم، وكيف أن الله ﷻ وصفهم بأنهم كالبهائم: يقول الله تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) الفرقان/٤٣-٤٤. وقال سبحانه: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف/١٧٩. ورغم ذلك كله فالملحد الجاحد المكذِّبُ بوجود الله ورسله واليوم الآخر أعظمُ كفرًا، وأشنعُ مقالةً من الذي آمن بالله، وأقر بالمعاد، ولكنه أشرك معه شيئا من خلقه، فالأولُ معاند مكابر إلى الحد الذي لا يتصوره الفكر، ولا تقبله الفطرة، ومثله يستبيح كلَّ محرَّم، ويقع في كل معصية، وينتكس عقله إلى حد لا يخطر على البال، ومع ذلك فقد شكك كثير من المتكلمين في ظاهرة الإلحاد بصدق وجود هذه الظاهرة في قرارة أنفس الملحدين، وقرروا أن الملحد إنما يظاهر بإلحاده، وهو في باطنه مُوقِنٌ بإله واحد. ولشيخ الإسلام ابن تيمية الكثير من العبارات التي تدل على أن طائفة الملحدين المعطِّلين الجاحدين أعظم كفرا من المشركين، ننقل هنا بعض ما وقفنا عليه من ذلك: يقول ﵀: " الكفر عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب، أو لم يكن معه تكذيب، بل شك وريب أو إعراض عن هذا كله، حسدا أو كبرا أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة، وإن كان الكافر المكذب أعظم كفرا، وكذلك الجاحد المكذب حسدا مع استيقان صدق الرسل " انتهى. " مجموع الفتاوى " (١٢/٣٣٥) . ويقول أيضا: " مَن أنكر المعاد مع قوله بحدوث هذا العالم فقد كفَّرَه الله، فمن أنكره مع قوله بقدم العالم فهو أعظم كفرا عند الله تعالى " انتهى. " مجموع الفتاوى " (١٧/٢٩١) . بل قال ﵀ في معرض إلزام منكري الصفات: " وإما أن يلتزم التعطيل المحض فيقول: ما ثم وجود واجب؛ فإن قال بالأول وقال: لا أثبت واحدًا من النقيضين لا الوجود ولا العدم. قيل: هب أنك تتكلم بذلك بلسانك، ولا تعتقد بقلبك واحدًا من الأمرين، بل تلتزم الإعراض عن معرفة الله وعبادته وذكره، فلا تذكره قط، ولا تعبده، ولا تدعوه، ولا ترجوه، ولا تخافه، فيكون جحدك له أعظم من جحد إبليس الذي اعترف به " انتهى. " مجموع الفتاوى " (٥/٣٥٦) . ويقول ﵀: " المستكبر الذي لا يقر بالله في الظاهر كفرعون أعظم كفرا منهم – يعني مِن مشركي العرب - وإبليس الذي يأمر بهذا كله ويحبه ويستكبر عن عبادة ربه وطاعته أعظم كفرا من هؤلاء، وإن كان عالما بوجود الله وعظمته، كما أن فرعون كان أيضا عالما بوجود الله " انتهى. " مجموع الفتاوى " (٧/٦٣٣) . ويقول أيضا: " قول الفلاسفة - القائلين بقدم العالم وأنه صادر عن موجب بالذات متولد عن العقول والنفوس الذين يعبدون الكواكب العلوية ويصنعون لها التماثيل السفلية -: كأرسطو وأتباعه - أعظم كفرا وضلالا من مشركي العرب الذين كانوا يقرون بأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام بمشيئته وقدرته، ولكن خرقوا له بنين وبنات بغير علم وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانا، وكذلك المباحية الذين يسقطون الأمر والنهي مطلقا، ويتجون بالقضاء والقدر، أسوأ حالا من اليهود والنصارى ومشركي العرب؛ فإن هؤلاء مع كفرهم يقرون بنوع من الأمر والنهي والوعد والوعيد ولكن كان لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، بخلاف المباحية المسقطة للشرائع مطلقا، فإنما يرضون بما تهواه أنفسهم، ويغضبون لما تهواه أنفسهم، لا يرضون لله، ولا يغضبون لله، ولا يحبون لله، ولا يغضبون لله، ولا يأمرون بما أمر الله به، ولا ينهون عما نهى عنه؛ إلا إذا كان لهم في ذلك هوى فيفعلونه لأجل هواهم، لا عبادةً لمولاهم؛ ولهذا لا ينكرون ما وقع في الوجود من الكفر والفسوق والعصيان إلا إذا خالف أغراضهم فينكرونه إنكارا طبيعيا شيطانيا، لا إنكارا شرعيا رحمانيا؛ ولهذا تقترن بهم الشياطين إخوانهم فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، وقد تتمثل لهم الشياطين وتخاطبهم وتعينهم على بعض أهوائهم كما كانت الشياطين تفعل بالمشركين عباد الأصنام " انتهى. " مجموع الفتاوى " (٨/٤٥٧-٤٥٨) . ويقول الشيخ ابن باز ﵀: " ومن الشرك أن يعبد غير الله عبادة كاملة , فإنه يسمى شركا ويسمى كفرا , فمن أعرض عن الله بالكلية، وجعل عبادته لغير الله كالأشجار أو الأحجار أو الأصنام أو الجن أو بعض الأموات، من الذين يسمونهم بالأولياء، يعبدهم أو يصلي لهم أو يصوم لهم، وينسى الله بالكلية: فهذا أعظم كفرا وأشد شركا , نسأل الله العافية. وهكذا من ينكر وجود الله , ويقول: ليس هناك إله والحياة مادة كالشيوعيين والملاحدة المنكرين لوجود الله هؤلاء أكفر الناس وأضلهم وأعظمهم شركا وضلالا نسأل الله العافية " انتهى. " مجموع فتاوى ابن باز " (٤/٣٢-٣٣) . ويقول أيضا ﵀: " والاشتراكيون ذبائحهم محرمة من جنس ذبح المجوس وعبدة الأوثان، بل ذبائحهم أشد حرمة، لكونهم أعظم كفرا بسبب إلحادهم وإنكارهم الباري ورسوله، إلى غير ذلك من أنواع كفرهم " انتهى. " مجموع فتاوى ابن باز " (٢٣/٣٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 19

هل تراجع الشيخ محمد بن إبراهيم عن تكفيره مَنْ ألزم الناس بالتحاكم إلى القانون الوضعي ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ذكر الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ في رسالته (تحكيم القوانين) أن الحالات التي يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله تعالى كفراً أكبر قوله: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه، ومشاقة الله ورسوله، مضاهاة بالمحاكم الشرعية إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً، وتفريغاً وتشكيلاً، وتنويعاً وحكماً وإلزاماً، ومراجع ومستندات. فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستندات، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلهذه المحاكم مراجع هي: القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك. فهذه المحاكم الآن، في كثير من أمصار الإسلام، مهيأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس كلها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون وتلزمهم بها، وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر؟ . وقال ﵀ في جواب آخر: وأما الذي قيل فيه كفر دون كفر، إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر، وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل. السؤال: أليس كلام الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم صحيحاً متسقاً ومنضبطاً مع قواعد أهل السنة؟ وهل للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى كلام آخر يخالف ما سبق إيراده؟ فقد ذكر أحد المؤلفين في كتابه (الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير) أن للشيخ محمد بن إبراهيم كلاماً آخر وقال ما نصه: وقد حدثني فضيلة الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن آل جبرين حفظه الله أن له – أي الشيخ محمد بن إبراهيم – كلاماً آخر ... إلخ ص ١٣١.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أجاب على هذا السؤال فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل جبرين حفظه الله فقال: "شيخنا ووالدنا سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ كان شديداً قوياً في إنكار المحدثات والبدع، وكلامه المذكور من أسهل ما كان يقول في القوانين الوضعية. وقد سمعناه في التقرير يشنع ويشدد على أهل البدع وما يتبعون فيه مِنْ مخالفةٍ للشرع، ومِنْ وضعهم أحكاماً وسنناً يضاهئون بها حكم الله تعالى، ويبرأ من أفعالهم ويحكم بردتهم وخروجهم من الإسلام؛ حيث طعنوا في الشرع، وعطلوا حدوده، واعتقدوها وحشية كالقصاص في القتلى، والقطع في السرقة، ورجم الزاني، وفي إباحتهم للزنى إذا كان برضا الطرفين ونحو ذلك، وكثيراً ما يتعرض لذلك في دروس الفقه والعقيدة والتوحيد. ولا أذكر أنه تراجع عن ذلك، ولا أن له كلاماً يبرر فيه الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، أو يسهل فيه التحاكم إلى الطواغيت الذين يحكمون بغير ما أنزل الله. وقد عدهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من رؤوس الطواغيت، فمن نقل عني أنه رجع ﵀ عن كلامه المذكور فقد أخطأ في النقل. والمرجع في مثل هذا إلى النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وكلام أجلة العلماء عليها، كما في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) النساء/٦٠، وشروحه لأئمة الدعوة رحمهم الله تعالى وغيره من المؤلفات الصريحة. والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. "فتاوى علماء البلد الحرام" (ص ٤٩- ٥١) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 20

تعظيم السلام أو عَلَم الدولة [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم القيام عند عزف السلام الوطني، أو القيام عند تحية العلم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاًَ: العزف على الآلات الموسيقية واستماع ذلك محرم، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم (٥٠٠٠) و (٢٠٤٠٦) ولا فرق في ذلك بين العزف في الأغاني أو السلام الوطني أو غير ذلك. ثانياً: القيام على سبيل الذل والتعظيم لا ينبغي إلا لله تعالى، قال الله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) البقرة/٢٣٨. وأخبر الله تعالى أنه من عظمته وجلاله: تقوم له أعظم المخلوقات يوم القيامة (الملائكة) ولا يتكلم أحد إلا بعد أن يأذن الله تعالى له، فقال : (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) النبأ/٣٨. فمن زعم أن هناك مخلوقاً ينبغي القيام له تعظيماً له، فقد أعطى ذلك المخلوق بعض حقوق الله تعالى. ولهذا قال النبي ﷺ : (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) رواه الترمذي (٢٧٥٥) وصححه الألباني في "صحيح الترمذي"، لأن ذلك من الكبرياء المختص بالله تعالى. انظر: "تفسير التحرير والتنوير" للطاهر بن عاشور (١٥/٥١) . ودخل الخليفة المهدي مسجد رسول الله ﷺ فقام له الناس جميعا إلا ابن أبي ذئب الإمام، فقيل له: قم، هذا أمير المؤمنين، فقال: إنما يقوم الناس لرب العالمين. فقال المهدي: دعه، فلقد قامت كل شعرة في رأسي. "سير أعلام النبلاء" (٧/١٤٤) . وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل يجوز الوقوف تعظيماً لأي سلام وطني أو علم وطني؟ فأجابوا: "لا يجوز للمسلم القيام إعظاماً لأي علم وطني، أو سلام وطني، بل هو من البدع المنكرة التي لم تكن في عهد رسول الله ﷺ ، ولا في عهد خلفائه الراشدين ﵃، وهي منافية لكمال التوحيد الواجب، وإخلاص التعظيم لله وحده، وذريعة إلى الشرك، وفيها مشابهة للكفار، وتقليد لهم في عادتهم القبيحة، ومجاراة لهم في غلوهم في رؤسائهم ومراسيمهم، وقد نهى النبي ﷺ عن مشابهتهم أو التشبه بهم. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. الشيخ عبد العزيز بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله غديان. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٢٣٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 21

حول كتاب "السر" و"قانون الجذب " [السُّؤَالُ] ـ[فقد سمعت عن كتاب واسع الانتشار يسمى (السر) the Secret، وقرأته فوجدته يدور حول مفهومٍ يسمى (قانون الجذب) والذي ينص على أن الشبيه يجذب إليه الشبيه، وأن ما يقع بالإنسان من خير وشر فهو نتاج أفكاره، فما رأيكم في كتاب السر، وما الموقف الشرعي الصحيح من قانون الجذب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كتاب السر من تأليف منتجة الأفلام الأسترالية (روندا بايرن) ، والتي تنتمي لحركة الفكر الجديد، والتي يؤمن أصحابها بمجموعة من المبادئ (الميتافيزيقية) والمختصة بطرائق العلاج، وتطوير الذات، وتأثير الفكرة في الماديات، وكتاب (السر) يدور حول هذه المفاهيم، ويروج لها وفق منظومة هذه الحركة، والكتاب كما ذكرتَ كُتب له الانتشار الواسع على المستوى العالمي، وترجم مؤخراً إلى اللغة العربية، وبالنظر في الكتاب، وتأمل ما فيه تبين وجود جملة من الانحرافات العقدية والعلمية الخطيرة، أهمها: ١. دعوة الكتاب إلى ترك العمل، والإعراض عن تحصيل الأسباب لنيل المطلوب، والاتكال على الأماني والأحلام، وذلك وفق قانون -مزعوم- يسمونه (قانون الجذب) ، والذي ينص على (أن الشبيه يجذب إليه شبيهه) ، وأن (كلَّ شيءٍ يحدث في حياتك فأنت من قمت بجذبه إلى حياتك، وقد انجذب إليك عن طريق الصور التي احتفظت بها في عقلك، أي ما تفكر فيه، فأياً كان الشيءُ الذي يدور بعقلك فإنك تجذبه إليك) . وأصحاب هذا المبدأ يعتقدون أن الفكرة الواقعة في العقل تؤثر بذاتها في محيط الإنسان وما حوله، وأن الإنسان يستطيع بفكرته المجردة أن يجتذب إليه ما يريد من الخيرات من غير عمل، ويزعمون أن الفكرة لها تردد، وأنها تنطلق من عقل الإنسان على شكل موجة كهرومغناطيسية، وأنها تجتذب من خير الكون وشره مما هو على نفس الموجة، فإذا كنت تفكر تفكيراً إيجابياً فأنت تطلق موجة ذات تردد إيجابي تجذب إليك الإيجابيات، وإذا كنت تفكر بفكرة سلبية فأنت تطلق موجة سلبية تجذب إليك السلبيات. ولا شك أن هذا الكلام مصادم للعلوم التجريبية وبديهة العقل، وأن اعتقاده أو العمل بأفكاره مصادم للشرع. أما مصادمته للشرع، فلأن الله تعالى أمر بالعمل والسعي في الأرض، ورتب الرزق على بذل الأسباب، وليس على الأماني والخيالات، قال تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) الملك/١٥ وأما مصادمته للعقل فلأن الاعتماد على الأماني والأحلام يعني خراب العالم، وتعطل مصالح أهله، وإهدار ما أنجزته البشرية خلال قرون من معارف وعلوم وحضارات، إذ مقتضى هذه النظرية، أن المريض لا يطلب الدواء ولا يحتاج إليه، والناس لا يحتاجون إلى مهندسين وبنائين وعمال، فما على المحتاج إلا أن يفكر تفكير إيجابياً فيما يريد، ثم يطلب من الكون - عياذا بالله - تحقيق مراده، دون عمل أو بذل. وأصحاب هذه الدعوة يتناقضون حين يقولون للمريض المشرف على الموت لا تتوقف عن الدواء، وإلا فمقتضى فكرتهم ترك التداوي وإغلاق المستشفيات، وتحويل كليات الطب إلى مقاعد للتفكير والاسترخاء لطلب الأماني والأحلام أو ما يسمونه الأفكار الايجابية، وقس على هذا غيره من الأعمال؛ فظهر بهذا أنها دعوة مصادمة للعقل، مخالفة للحس، لا تستقيم عليها حياة الناس، وصدق القائل: إذا تمنيتُ بتُّ الليل مغتبطاً ... إن المُنى رأس أموال المفاليسِ ٢. غلو الكتاب في تعظيم ذات الإنسان، وإعطائه هالة من القداسة والعظمة، واعتقاد أنه ذو قدرات مطلقة، وطاقات هائلة، تبلغ به حد القدرة على الإيجاد والخلق، فكل ما يقع بالإنسان من خير وشر فهو من خلقِه وإيجاده، يقول الكتاب مثلاً: (أي شيءٍ نركز عليه فإننا نخلقه) [السر ١٤١] ، ولا شك أن هذا انحراف كبير، وشرك بالله تعالى في ربوبيته، وصدق الله تعالى: (فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) ٣. الدعوة إلى عقيدة وحدة الوجود الباطلة بالقول أن الخالق والمخلوق شيء واحد، وأن الإنسان هو الله في جسد مادي، تعالى الله، وقد ترددت هذه الدعوى في أكثر من مكان، وبأساليب مختلفة. ٤. إحياء جملة من العقائد الشرقية والفلسفات الوثنية، كديانات البوذيين والهنادكة وغيرهم، وقد رأينا احتفاء أصحاب هذه الملل والأديان بكتاب (السر) هذا لما قام به من نشر لمبادئ هذه الأديان وترويج لها. ٥. الدعوة إلى التعلق بالكون رغبة وسؤالاً وطلباً، فإذا أردت شيئاً فما عليك إلا أن تتوجه بطلبك للكون، والكون سيلبي طلبك ولا بد، والإسلام إنما يدعو لتعليق القلب بالله جل وعلا فإليه الرغبة والتوجه، والسؤال والطلب، والتوجه إلى غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه من الشرك، أعاذنا الله منه. ٦. معارضة الكتاب لعقيدة القضاء والقدر، حيث ينكر الكتاب أن الله قد كتب مقادير الخلائق، وأنه سبحانه قد قدّر المقادير، فهو يرى كما يرى غلاة القدرية ممن ينكر القضاء والقدر أن ما يقع في الكون لم يدخل في علم الله من قبل، ولم يسبق به كتاب ولا شك أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان لا يصح إيمان العبد إلا به. ٧. دعوة الكتاب إلى الأنانية، والتمحور حول الذات، والانسلاخ من مختلف القيم الشرعية الضوابط الخلقية، واللهث خلف شهوات النفس وملذاتها، فمعيار الفعل أو الترك هو في مقدار ما يجلبه ذلك الشيء من البهجة واللذة، وبمقدار محبته، فما كان محبوباً فليفعل وما كان مبغوضاً فليجتنب، دون مراعاة للخلق والدين، ولا شك أن هذا معارض للقيم الشرعية والخلقية، فالمسلم مضبوط بإطار ديني وخلقي لا يصح له أن يخرج عنه ولا أن يتجاوزه، فما أمر الله به فهو الواجب، وما نهى عنه فهو المحرم، وما أباحه فهو المباح، والواجب الالتزام بأحكام الشريعة والدين. هذا بعض ما اشتمل عليه الكتاب من انحرافات، وعليه فالواجب اطراحه، والإعراض عما فيه، ومن شاء أن يتعرف على حقيقة هذا الكتاب، ومدى ما فيه من انحرافٍ مفصلاً فبإمكانه الرجوع إلى بحث خرافة السر: قراءة تحليلية لكتاب "السر" و"قانون الجذب" على الرابط التالي: http://www.islamselect.com/secret [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 22

مصير أصحاب الكبائر إذا ماتوا وهم مصرون عليها [السُّؤَالُ] ـ[قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) ، وقال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) . فهؤلاء الذين يرتكبون مثل هذه الكبائر ولا يوجد من يطبق عليهم الأحكام وماتوا وهم غير تائبين، فما حكم الله فيهم يوم القيامة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "عقيدة أهل السنة والجماعة: أن من مات من المسلمين مصرا على كبيرة من كبائر الذنوب كالزنى والقذف والسرقة يكون تحت مشيئة الله سبحانه إن شاء الله غفر له، وإن شاء الله عذبه على الكبيرة التي مات مصرا عليها، ومآله إلى الجنة؛ لقوله : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) النساء/٤٨، وللأحاديث الصحيحة المتواترة الدالة على إخراج عصاة الموحدين من النار، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁: (كنا عند النبي ﷺ فقال: أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا.... فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب في ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئا من ذلك فستره الله فهو إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) . وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٧٢٨) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 23

قول الشيخ العثيمين في مسألة " العذر بالجهل " [السُّؤَالُ] ـ[ما قول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في " العذر بالجهل " في الشرك الأكبر؟ فقد سمعت وقرأت له قولين مختلفين، فقد ردَّ على سائل في " نور على الدرب " عندما سأله عن مسلمين يعبدون القبور قائلاً: هذا جهل من السائل تسميته لهم بمسلمين، وقولٌ آخر يقول فيه يبقى لهم حكم الإسلام لجهلهم، وعدم وجود من ينبههم. فهل للشيخ قولان أحدهما قديم والآخر جديد تبين له الحق فيه؟ وأي القولين هو الصحيح الذي تدعمه الأدلة الشرعية؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لم نستطع الوقوف على كلام الشيخ العثيمين ﵀ الذي أشار السائل إلى وجوده في فتاوى " نور على الدرب "، ووقفنا على كلامه في أكثر كتبه المطبوعة، وفتاواه الصوتية، ولم نجد تعارضاً ولا تناقضاً في كلامه، وليس هناك تراجع عن شيء قاله. ويمكننا تلخيص كلام الشيخ ﵀ في مسألة العذر بالجهل في النقاط التالية: ١. الأصل عند الشيخ ﵀ هو العذر بالجهل، بل يرى أنه لا يستطيع أحد أن يأتي بدليل على أن الجاهل ليس بمعذور، ويرى أنه " لولا العذر بالجهل: لم يكن للرسل فائدة، ولكان الناس يُلزمون بمقتضى الفطرة، ولا حاجة لإرسال الرسل! ". ٢. لا فرق في العذر بالجهل بين مسائل الاعتقاد ومسائل العمل. ٣. لا فرق في العذر بالجهل بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية؛ لأن الظهور والخفاء أمرٌ نسبي يختلف من بيئة لأخرى، ومن شخص لآخر. ٤. الكفر المخرج من الملة قد يكون بالاعتقاد أو القول أو الفعل أو الترك، والشيخ لا يخالف في كون ذلك مخرجاً من الملة، ولكن الخلاف في تنزيل وصف الكفر على الشخص المعيَّن، فقد يكون معذوراً فلا يكون كافراً. ٥. لا يكون الشخص الفاعل للكفر كافراً إذا كان جاهلاً، ولا يعلم حكم الشرع في فعله، أو سأل أحد العلماء فأفتاه بجواز فعله. ويكون كافراً إذا أقيمت عليه الحجة، وأزيل عنه الوهم والإشكال. ٦. ليس كل من يدَّعي الجهل يُقبل منه، فقد يكون عنده تفريط في التعلم، وتهاون في السؤال، وقد يكون فيه عناد لا يقبل الحق ولا يسعى لطلبه: فكل هؤلاء غير معذورين عند الشيخ ﵀، ويسستثنى من حال المقصِّرين: إذا كان لم يطرأ على باله أن هذا الفعل محرم، وليس عنده من ينبهه من العلماء، ففي هذه الحال يكون معذوراً. ٧. الجاهل من الكفار الأصليين: تطبَّق عليه أحكام الكفر في الدنيا وأمره إلى الله في الآخرة، والصحيح أنه يُمتحن. والجاهل من المنتسبين للإسلام ممن وقعوا في الكفر المخرج من الملة: تطبَّق عليهم أحكام الإسلام في الظاهر، وأمرهم إلى الله في الآخرة. ٨. ذكر الشيخ ﵀ نصوصاً من القرآن والسنَّة وكلام أهل العلم على ما رجَّح في هذه المسألة، وبيَّن أن هذا هو مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، خلافاً لمن فهم عنه غير ذلك. وإلى ذكر تفصيل ما لخصناه من كلام الشيخ ﵀، وقد نختصر فيما ننقله، ومن أراد الفائدة مكتملة فليرجع إلى ما نحيله عليه. ١. سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ عن العذر بالجهل فيما يتعلق بالعقيدة؟ فأجاب: الاختلاف في مسألة العذر بالجهل كغيره من الاختلافات الفقهية الاجتهادية، وربما يكون اختلافاً لفظيّاً في بعض الأحيان من أجل تطبيق الحكم على الشخص المعين، أي: إن الجميع يتفقون على أن هذا القول كفر، أو هذا الفعل كفر، أو هذا الترك كفر، ولكن هل يصدق الحكم على هذا الشخص المعين لقيام المقتضي في حقه وانتفاء المانع أو لا ينطبق لفوات بعض المقتضيات، أو وجود بعض الموانع. وذلك أن الجهل بالمكفر على نوعين: الأول: أن يكون من شخص يدين بغير الإسلام، أو لا يدين بشيء، ولم يكن يخطر بباله أن ديناً يخالف ما هو عليه: فهذا تجري عليه أحكام الظاهر في الدنيا، وأما في الآخرة: فأمره إلى الله تعالى، والقول الراجح: أنه يمتحن في الآخرة بما يشاء الله ، والله أعلم بما كانوا عاملين، لكننا نعلم أنه لن يدخل النار إلا بذنب لقوله تعالى: (ولا يظلم ربك أحداً) . وإنما قلنا: تُجرى عليه أحكام الظاهر في الدنيا - وهي أحكام الكفر -: لأنه لا يدين بالإسلام، فلا يمكن أن يُعطى حكمه، وإنما قلنا بأن الراجح أنه يمتحن في الآخرة: لأنه جاء في ذلك آثار كثيرة ذكرها ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه: " طريق الهجرتين " عند كلامه على المذهب الثامن في أطفال المشركين تحت الكلام على الطبقة الرابعة عشرة. النوع الثاني: أن يكون من شخص يدين بالإسلام، ولكنه عاش على هذا المكفِّر، ولم يكن يخطر بباله أنه مخالف للإسلام، ولا نبَّهه أحدٌ على ذلك: فهذا تُجرى عليه أحكام الإسلام ظاهراً، أما في الآخرة: فأمره إلى الله ، وقد دلَّ على ذلك الكتاب، والسنَّة، وأقوال أهل العلم. فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) وقوله: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) . وقوله: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) وقوله: (وما أرسلنا رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) وقوله: (وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) وقوله: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون. أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين. أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة) . إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان. وأما السنة: ففي صحيح مسلم١/١٣٤ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة - يعني: أمة الدعوة - يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) . وأما كلام أهل العلم: فقال في " المغني " (٨ / ١٣١) : " فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام، والناشئ بغير دار الإسلام، أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم: لم يحكم بكفره "، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الفتاوى " (٣ / ٢٢٩) مجموع ابن قاسم: " إني دائماً - ومن جالسني يعلم ذلك مني - من أعظم الناس نهياً عن أن يُنسب معيَّن إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله تعالى قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية " إلى أن قال: " وكنت أبيِّن أن ما نُقل عن السلف والأئمَّة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا: فهو أيضاً حقٌّ، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين ". إلى أن قال: " والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول ﷺ لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً ". وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (١ / ٥٦) من " الدرر السنية ": " وأما التكفير: فأنا أكفِّر مَن عرف دين الرسول، ثم بعدما عرفه سبَّه، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره ". وفي (ص ٦٦) : " وأما الكذب والبهتان فقولهم: إنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله، وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل؟ ! ". وإذا كان هذا مقتضى نصوص الكتاب، والسنة، وكلام أهل العلم فهو مقتضى حكمة الله تعالى، ولطفه، ورأفته، فلن يعذب أحداً حتى يعذر إليه، والعقول لا تستقل بمعرفة ما يجب لله تعالى من الحقوق، ولو كانت تستقل بذلك لم تتوقف الحجة على إرسال الرسل. فالأصل فيمن ينتسب للإسلام: بقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي.... . فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين: الأمر الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب. الأمر الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه، وتنتفي الموانع. ومن أهم الشروط أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت كفره لقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) ، فاشترط للعقوبة بالنار أن تكون المشاقة للرسول من بعد أن يتبين الهدى له، ولكن هل يشترط أن يكون عالماً بما يترتب على مخالفته من كفر أو غيره أو يكفي أن يكون عالماً بالمخالفة وإن كان جاهلاً بما يترتب عليها؟ . الجواب: الظاهر الثاني؛ أي إن مجرد علمه بالمخالفة كاف في الحكم بما تقتضيه لأن النبي ﷺ أوجب الكفارة على المجامع في نهار رمضان لعلمه بالمخالفة مع جهله بالكفارة؛ ولأن الزاني المحصن العالم بتحريم الزنى يرجم وإن كان جاهلاً بما يترتب على زناه، وربما لو كان عالماً ما زنى. .. . والحاصل أن الجاهل معذور بما يقوله أو يفعله مما يكون كفراً، كما يكون معذوراً بما يقوله أو يفعله مما يكون فسقاً، وذلك بالأدلة من الكتاب والسنة، والاعتبار، وأقوال أهل العلم. " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٢ / جواب السؤال ٢٢٤) . ٢. وسئل الشيخ ﵀: قرأنا لك جواباً عن " العذر بالجهل " فيما يكفر، ولكن نجد في كتاب " كشف الشبهات " للشيخ محمد بن عبد الوهاب عدم العذر بالجهل، وكذلك في كتاب " التوحيد " له، مع أنك ذكرت في جوابك أقوال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكذلك ابن تيمية في " الفتاوى "، وابن قدامة في " المغني "، نرجو التوضيح. فأجاب: شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد ذكر في رسائله أنه لا يكفِّر أحداً مع الجهل، وإذا كان قد ذكر في " كشف الشبهات " أنه لا عذر بالجهل: فيحمَل على أن المراد بذلك الجهل الذي كان من صاحبه تفريط في عدم التعلم، مثل أن يعرف أن هناك شيئاً يخالِف ما هو عليه، ولكن يفرِّط، ويتهاون: فحينئذٍ لا يُعذر بالجهل. " روس وفتاوى الحرم المكي " (عام ١٤١١هـ، شريط ٩، وجه أ) . ٣. وسئل الشيخ ﵀ هل يعذر الإنسان بالجهل فيما يتعلق بالتوحيد؟ فأجاب: العذر بالجهل ثابت في كل ما يدين به العبد ربه؛ لأن الله قال: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) حتى قال : (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) ؛ ولقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) ؛ ولقوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) ؛ ولقول النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار) ، والنصوص في هذا كثيرة، فمن كان جاهلاً: فإنه لا يؤاخذ بجهله في أي شيء كان من أمور الدين، ولكن يجب أن نعلم أن من الجهلة من يكون عنده نوع من العناد، أي: إنه يُذكر له الحق، ولكنه لا يبحث عنه، ولا يتبعه، بل يكون على ما كان عليه أشياخه، ومن يعظمهم، ويتبعهم، وهذا في الحقيقة ليس بمعذور؛ لأنه قد بلغه من الحجة ما أدنى أحواله أن يكون شبهة يحتاج أن يبحث ليتبين له الحق، وهذا الذي يعظم من يعظم من متبوعيه شأنه شأن من قال الله عنهم: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) ، وفي الآية الثانية: (وإنا على آثارهم مقتدون) ، فالمهم: أن الجهل الذي يُعذر به الإنسان بحيث لا يعلم عن الحق، ولا يذكر له: هو رافع للإثم، والحكم على صاحبه بما يقتضيه عمله، ثم إن كان ينتسب إلى المسلمين، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّداً رسول الله: فإنه يعتبر منهم، وإن كان لا ينتسب إلى المسلمين: فإن حكمه حكم أهل الدين الذي ينتسب إليه في الدنيا، وأما في الآخرة: فإن شأنه شأن أهل الفترة، يكون أمره إلى الله يوم القيامة، وأصح الأقوال فيهم: أنهم يمتحنون بما شاء الله، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى منهم دخل النار، ولكن ليعلم أننا اليوم في عصر لا يكاد مكان في الأرض إلا وقد بلغته دعوة النبي ﷺ ، بواسطة وسائل الإعلام المتنوعة، واختلاط الناس بعضهم ببعض، وغالباً ما يكون الكفر عن عناد. " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٢ / جواب السؤال رقم ٢٢٢) . ٤. وسئل الشيخ ﵀: ما حكم من يصف الذين يعذرون بالجهل بأنهم دخلوا مع المرجئة في مذهبهم؟ . فأجاب: وأما العذر بالجهل: فهذا مقتضى عموم النصوص، ولا يستطيع أحد أن يأتي بدليل يدل على أن الإنسان لا يعذر بالجهل، قال الله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الإسراء/ ١٥، وقال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) النساء/ ١٦٥، ولولا العذر بالجهل: لم يكن للرسل فائدة، ولكان الناس يلزمون بمقتضى الفطرة ولا حاجة لإرسال الرسل، فالعذر بالجهل هو مقتضى أدلة الكتاب والسنة، وقد نص على ذلك أئمة أهل العلم: كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، لكن قد يكون الإنسان مفرطاً في طلب العلم فيأثم من هذه الناحية أي: أنه قد يتيسر له أن يتعلم؛ لكن لا يهتم، أو يقال له: هذا حرام؛ ولكن لا يهتم، فهنا يكون مقصراً من هذه الناحية، ويأثم بذلك، أما رجل عاش بين أناس يفعلون المعصية ولا يرون إلا أنها مباحة ثم نقول: هذا يأثم، وهو لم تبلغه الرسالة: هذا بعيد، ونحن في الحقيقة - يا إخواني- لسنا نحكم بمقتضى عواطفنا، إنما نحكم بما تقتضيه الشريعة، والرب يقول: (إن رحمتي سبقت غضبي) فكيف نؤاخذ إنساناً بجهله وهو لم يطرأ على باله أن هذا حرام؟ بل إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ قال: " نحن لا نكفر الذين وضعوا صنماً على قبر عبد القادر الجيلاني وعلى قبر البدوي لجهلهم وعدم تنبيههم ". " لقاءات الباب المفتوح " (٣٣ / السؤال رقم ١٢) . ٥. وقال الشيخ ﵀: ولكن يبقى النظر إذا فرَّط الإنسان في طلب الحق، بأن كان متهاوناً، ورأى ما عليه الناس ففعله دون أن يبحث: فهذا قد يكون آثماً، بل هو آثم بالتقصير في طلب الحق، وقد يكون غير معذور في هذه الحال، وقد يكون معذوراً إذا كان لم يطرأ على باله أن هذا الفعل مخالفة، وليس عنده من ينبهه من العلماء، ففي هذه الحال يكون معذوراً، ولهذا كان القول الراجح: أنه لو عاش أحدٌ في البادية بعيداً عن المدن، وكان لا يصوم رمضان ظنّاً منه أنه ليس بواجب، أو كان يجامع زوجته في رمضان ظنّاً منه أن الجماع حلال: فإنه ليس عليه قضاء؛ لأنه جاهل، ومن شرط التكليف بالشريعة أن تبلغ المكلف فيعلمها. فالخلاصة إذاً: أن الإنسان يعذر بالجهل، لكن لا يعذر في تقصيره في طلب الحق. " لقاءات الباب المفتوح " (٣٩ / السؤال رقم ٣) . ٦. وسئل الشيخ ﵀: ما رأي فضيلتكم بمن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم يذبح لغير الله، فهل يكون مسلماً؟ مع العلم أنه نشأ في بلاد الإسلام؟ . الشيخ: الذي يتقرب إلى غير الله بالذبح له: مشرك شركاً أكبر، ولا ينفعه قول " لا إله إلا الله "، ولا صلاة، ولا غيرها، اللهم إلا إذا كان ناشئاً في بلاد بعيدة، لا يدرون عن هذا الحكم، فهذا معذور بالجهل، لكن يعلَّم، كمن يعيش في بلاد بعيدة يذبحون لغير الله، ويذبحون للقبور، ويذبحون للأولياء، وليس عندهم في هذا بأس، ولا علموا أن هذا شرك أو حرام: فهذا يُعذر بجهله، أما إنسان يقال له: هذا كفر، فيقول: لا، ولا أترك الذبح للولي: فهذا قامت عليه الحجة، فيكون كافراً. السائل: فإذا نُصح وقيل له: إن هذا شرك، فهل أُطلق عليه إنه " مشرك " و " كافر "؟ . الشيخ: نعم، مشرك، كافر، مرتد، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. السائل: وهل هناك فرق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية؟ . الشيخ: الخفية تُبيَّن، مثل هذه المسألة، لو فرضنا أنه يقول: أنا أعيش في قوم يذبحون للأولياء، ولا أعلم أن هذا حرام: فهذه تكون خفية؛ لأن الخفاء والظهور أمر نسبي، قد يكون ظاهراً عندي ما هو خفيٌ عليك، وظاهرٌ عندك ما هو خفيٌّ عليَّ. السائل: وكيف أقيم الحجة عليه؟ وما هي الحجة التي أقيمها عليه؟ . الشيخ: الحجة عليه ما جاء في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) الأنعام/ ١٦٢، ١٦٣، وقال تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) الكوثر/ ١، ٢، فهذا دليل على أن النحر للتقرب والتعظيم عبادة، ومن صرف عبادة لغير الله: فهو مشرك.... فإذا بلغت الحجة وقيل له: هذا الفعل الذي تفعله شرك، فَفَعَلَه: لم يُعذر. السائل: إذن يعرَّف؟ . الشيخ: نعم، لا بدَّ أن يُعرَّف. السائل: هناك شبهة وهي أنه يقال: إن فعله شرك وهو ليس بمشرك! فكيف نرد؟ . الشيخ: هذا صحيح، ليس بمشرك إذا لم تقم عليه الحجة، أليس الذي قال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) قال كفراً؟ ومع ذلك لم يكفر؛ لأنه أخطأ من شدة الفرح، وأليس المُكره يُكره على الكفر فيكفر ظاهراً لا في قلبه، وقلبه مطمئن بالإيمان؟ والعلماء الذين يقولون: " كلمة كفر دون صاحبها "، هذا إذا لم تقم عليه الحجة، ولم نعلم عن حاله، أما إذا علمنا عن حاله: فما الذي يبقى؟ نقول: لا يكفر؟ معناه: لا أحد يكون كافراً؟ أي: لا يبقى أحد يكفر، حتى المصلي الذي لا يصلي نقول: لا يكفر؟ حتى ابن تيمية يقول: إذا بلغته الحجة: قامت عليه الحجة ... ولا يكفي مجرد بلوغ الحجة حتى يفهمها؛ لأنه لو فرضنا أن إنساناً أعجميّاً وقرأنا عليه القرآن صباحا ومساء لكن لا يدري ما معناها: فهل قامت عليه الحجة؟ قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) إبراهيم/٤. " لقاءات الباب المفتوح " (٤٨ / السؤال رقم ١٥) : ونرجو أن يكون الأمر قد وضح، وأن تكون قد تبيَّنتَ حقيقة كلام الشيخ العثيمين ﵀، وأنه يرى أن الأصل هو العذر بالجهل، ويتأكد هذا في حال من يسلم حديثاً، أو من يعيش بعيداً عن أماكن العلم، أو من يعيش بين قوم لم يخطر ببالهم أنهم يخالفون الشرع، وهم في الواقع واقعون بأفعالهم في الشرك الأكبر. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 24

قول الإمام أبي حنيفة ﵀ في الإيمان [السُّؤَالُ] ـ[أين الرواية الثانية عن أبي حنيفة في تعريف الإيمان؟ لأبي حنيفة روايتان في تعريف الإيمان الأولى أمكن إيجادها في كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة التي تنص على (الإيمان هو الإقرار والتصديق) أما الرواية الثانية فهي تنص على أن الإيمان التصديق لكن أين سندها وأين توجد في أي كتاب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: المشهور من تعريف الإيمان عند الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه الإقرار والتصديق. قال ﵀: " والإيمان هو التصديق والإقرار " الفقه الأكبر (٨٥) ، وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٧/١١٩، ٣٣٠) ، اعتقاد الأئمة الأربعة، د. محمد بن عبد الرحمن الخميس (١٦) . وأما الرواية الثانية المسؤول عنها، فهي رواية مشهورة ـ أيضا ـ وتناقلتها مصادر عديدة، ونسبها إليه كثير من أصحابه المتكلمين والفقهاء والأصوليين. فمن كتب علم الكلام التي نسبت إليه ذلك: الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي (ت: ٨٧٨هـ) الحنفي. ذكر ذلك في حاشيته على المسامرة شرح المسايرة، عند قول المؤلف: " قول صاحب العمدة منهم: الإيمان هو التصديق؛ فمن صدق الرسول فيما جاء به، فهو مؤمن، فيما بينه وبين الله تعالى، والإقرار شرط إجراء الأحكام.. "، قال ابن قطلوبغا: " هذا القول مروي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، نص عليه في كتاب العالم والمتعلم، وهو اختيار الشيخ أبي منصور [يعني: الماتريدي] ، والحسين بن الفضل البلخي، والمحققين من أصحابنا " انتهى. حاشية قاسم على المسامرة (١٧٨-١٧٩) . ملا علي القاري الحنفي (ت: ١٠١٤هـ) انتصر لهذا القول في شرحه على الفقه الأكبر، ونسبه إلى جمهور المحققين. انظر ص (٨٥-٨٧) . وقد سبق أن حكى الخلاف ـ ص (١٢) ـ في الإقرار باللسان: " هل هو شطر للإيمان، إلا أنه يسقط في بعض الأحيان، أو شرط لإجراء أحكام الإيمان، كما هو مقرر عند الأعيان، وهو المروي عن الإمام، وإليه ذهب الماتريدي، وهو الأصح عند الأشعري..". وممن نسبه إليه أيضا ابن أبي العز الحنفي، في شرحه على الطحاوية. قال ـ (٣٣٢ـط المكتب الإسلامي) ـ: " وذهب كثير من أصحابنا [يعني: الأحناف] إلى ما ذكره الطحاوي ﵀: أنه إقرار باللسان، وعمل بالأركان. ومنهم من يقول: إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي. وإلى هذا ذهب الشيخ أبو منصور الماتريدي ﵀، ويروى عن أبي حنيفة، ﵁. ". ومن فقهاء الأحناف الذين نسبوا إليه هذه الرواية: ابن الهمام، صاحب فتح القدير. قال: " قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِسْلَامِ حَيْثُ يَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا، لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ وَاحْتَمَلَ رَجَّحْنَا الْإِسْلَامَ فِي الْحَالَيْنِ لِأَنَّهُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَكَأَنَّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ شَرْطُ إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَ أَهْلِ أُصُولِ الْفِقْهِ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْإِقْرَارَ رُكْنًا انْتَهَى ". فتح القدير (٩/٢٥١) . وقد تعقب ابن الهمام النقل في التخريج، ولم يتعقبه في نسبة القول للإمام. ونجد نفس الكلام في " العناية شرح الهداية" (٩/٢٥٢) . ومن الأصوليين الأحناف الذين نسبوا هذه الرواية إلى الإمام: ابن أمير الحاج في التقرير والتحبير (٢/١١١) ، وابن أمير بادشاه، في تيسير التحرير (٢/٢٦١) . والحاصل: أن هذه الرواية مشهورة متداولة في كتب الأحناف، من متكلمين وفقهاء وأصوليين. لكن وجود هذه الرواية في هذه المصادر وتداولها شيء، وثبوتها عن الإمام أبي حنيفة شيء آخر؛ فمثل ذلك يحتاج إلى الوقوف على إسنادها، والنظر فيه، أو النص على ثبوتها عن الإمام من أحد العلماء المطلعين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ مجموع الفتاوى (١/٢٤٦) ـ: " والمنقول عن العلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله ". وأيا ما كان من أمر ثبوت هذه الرواية عن الإمام، أو عدمه، فالروايتين عنه جميعا مخالفتان لما عليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان قول وعمل، وهذا مشهور عنه ﵀، والله يعفو عنا وعنه بمنه وكرمه. قال ابن عبد البر ﵀: " أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والطاعات كلها عندهم إيمان إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانا، قالوا إنما الإيمان التصديق والإقرار، ومنهم من زاد والمعرفة.. " ثم قال ـ بعد كلام ـ: " وأما سائر الفقهاء، من أهل الرأي والآثار، بالحجاز والعراق والشام ومصر، منهم مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي وأبو جعفر الطبري ومن سلك سبيلهم، فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار اعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، مع الإخلاص بالنية الصادقة. قالوا: وكل ما يطاع الله به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، والإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم، وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر.. " انتهى. التمهيد (٩/٢٣٨، ٢٤٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 25

جواب مجمل عن بعض المستهزئين بأحاديث البخاري [السُّؤَالُ] ـ[أعيش في إحدى الدول الغربية، حيث يوجد مجموعات من المسلمين لا بأس بها من مختلف التيارات والأجناس والألوان , ولكن بشكل عام يوجد جهل بالإسلام وأحكامه من مختلف الجوانب , وقد لفت انتباهي بعض الإخوة هنا - هدانا الله وإياهم - ممن يشككون في الأحاديث النبوية، وخاصةً التي وردت في صحيح البخاري، وفيها: (يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا) ، وأحاديث تجلي الله لعباده يوم القيامة، ورؤيتهم له، وحديث ما جاء في النجوى: (.. يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) ، وحديث نكاح المتعة، وحديث المرأة التي عرضت نفسها على رسول الله ﷺ ؟! أرجو منكم التكرم بإرسال الرد المناسب حتى يتسنى لنا الرد على هؤلاء الجهلة ممن يشككون، وربما يضلون البعض من المسلمين.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليس بعد الكفر ذنب، والذي يبلغ به تفكيره أن يجعل مثل هذه الأحاديث الشريفة الصحيحة مثارا للتشكيك والاستهزاء فقد أضحك الناس على عقله، والملحد يستهزئ بكل شيء، بالله ورسوله وملائكته وكتبه واليوم الآخر، فليس من الصواب مناقشته في تفاصيل العقيدة، وهو لم يؤمن بعد بأصولها الكبيرة. ولو رحنا نتتبع كل من يسخر من الآيات أو الأحاديث لضاق بنا وبكم العمر الطويل، ولما انتهينا من أصوات الحاقدين الناعقين بكل سوء وجهالة. أما أولئك المنتسبون إلى الإسلام، الذين يتنكرون لتراث الأمة وتاريخها وثقافتها وقيمها، ويتسترون وراء ألقاب " العقلانية "، و " التنويرية " فوالله لا نراهم إلا منادين على أنفسهم بالجهل والعمى، ومسلمين عقولَهم التي يتفاخرون بها لبعض المستشرقين الحاقدين، فيكررون على ألسنتهم كل سوء وبذاءة فاهت بها ألسنتهم، وهم واقعون تحت تخدير وهم "العقلانية"، حتى أصبح كل جاهل يريد أن يروج لبضاعته ينتسب إلى هذا الاسم، وهو أبعد ما يكون عن العقل الصحيح. وحاصل ما جاء في هذا السؤال من طعون تجتمع في مسائل ثلاثة: الأولى: الطعن في الأحاديث الكثيرة التي جاءت بذكر تفاصيل ما يحصل للناس في المحشر، وعند الصراط، وفي عرصات – أي: ساحات - يوم القيامة. ونحن نشير إلى الجواب المجمل أيضا عنها بالنقاط الآتية: ١- هذه الأحاديث كلها تتحدث عن عالم غيبي، لا ندرك كنهه ولا حقيقته إلا رموزا يسيرة بينتها لنا الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الصحيحة، ومن استهزأ بها فلم يبعد أن يستهزئ أيضا بما جاء في القرآن الكريم من ذكر تفاصيل يوم القيامة، كيف تُطوى السماوات، وتسير الجبال سيرا، وتكون كالعهن المنفوش، وبما جاء في القرآن الكريم من ذكر مجيئ الرب تعالى للحساب والفصل بين الناس، وسؤاله لهم عن كل صغير وكبير، إلى غير ذلك الكثير الكثير مما لو استهزأ بشيء منه لظهر كفره للقاصي والداني، وبان إلحاده، ولكان لنا وله شأن آخر في المناظرة والمناقشة. أما أن يعمد إلى أحاديث صحيحة، رواها العشرات من الثقات والحفاظ، وتناقلها العلماء والأئمة بالإقرار، ثم يستهزئ بما جاء فيها، بدعوى أنه اكتشف بعقله الفذ!! نقدا لم يكتشفه أحد قبله، فهذا تدليس على الناس وأعظم تدليس، وإلا فليخبرنا عن الرب ، كيف هو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وكيف هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، فإن أجاب بالتسليم لعجز العقل القاصر عن الخوض في الغيبيات، قلنا له: وليسلم عقلك القاصر عن التفاصيل التي جاءت في السنة النبوية الصحيحة عن أحوال الآخرة، وإلا كنت متناقضا. ٢- ثم ما هو الشيء الذي يحيله العقل وتذكره هذه الأحاديث، فما الذي يمنع من رؤية المؤمنين لله ، وما الذي يحيل أن يكشف لهم عن شيء من صفاته التي تليق بجلاله، كما أنه سبحانه بذاته وجلاله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأين مثار السخرية في مرور الناس بالصراط، وتجاوزهم على قدر أعمالهم، أو في خروج العصاة من النار بشفاعة النبي ﷺ ، فليخبرنا من يدعي أن ذلك كله مستحيل ما وجه استحالة ذلك في منطق العقل السليم، وليبين لنا ذلك بحجته الباهرة!! وليس بالكلام البذيء ولا بالاستهزاء بعقول القراء الكرام. الشبهة الثانية: الاستهزاء بأحاديث جواز نكاح المتعة في بداية الإسلام. ونحن نحب أن نبين لهذا المستهزئ الجاهل أن نكاح المتعة في بداية الإسلام كان نكاحا قائما على شروط وأركان، ولم يكن عبثا ولا فسادا مستترا، فقد كان بموافقة الولي، وحضور الشهود، والإعلان، ووجود المهر، والرضا من كلا الطرفين، وتبنى عليه أحكام الزواج الحقيقي جميعها: من نسب، وميراث، ومحرمية، وطلاق، وعدة، ونحوها، تماما كأي نكاح شرعي يتم اليوم في عرف الناس وشرعهم. يقول الإمام القرطبي ﵀: " من قال: المتعة أن يقول لها: أتزوجك يوماً - أو ما شابه ذلك - على أنه لا عدة عليك، ولا ميراث بيننا، ولا طلاق، ولا شاهد يشهد على ذلك؟! هذا هو الزنا بعينه، ولم يُبَح قط في الإسلام " انتهى. "الجامع لأحكام القرآن" (٥/٨٧) غير أن الفارق الوحيد بينهما هو التأقيت والتحديد الزمني، ليكون كل من الزوجين بعد هذه المدة بالخيار، إن أحبا أن ينفصلا أو يستمر زواجهما إلى ما شاء الله، وقد كان لجوازه في بداية الإسلام ظرف خاص، تعددت الروايات في شرحه وبيانه، وأقوى ما جاء فيه ما قاله الحافظ ابن حجر ﵀: " فهذه أخبار يقوي بعضها ببعض، وحاصلها أن المتعة إنما رخص فيها بسبب العزبة في حال السفر " انتهى. "فتح الباري" (٩/١٧٢) وعلى كل حال فقد نسخ هذا النوع من النكاح، ومنعته الشريعة بعد تجاوز الظرف الخاص الذي جاز فيه، وصحت الكثير من الأحاديث في تحريمه، واتفق على المنع منه الأئمة الأربعة والعلماء جميعهم. بل في نفس الحديث الذي ذكره المعتر ض، نص الإمام البخاري في روايته (٥١١٩) على نسخ هذا النكاح: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَا: كُنَّا فِي جَيْشٍ فَأَتَانَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا فَاسْتَمْتِعُوا) ... قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ [هو الإمام البخاري] : وَبَيَّنَهُ عَلِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ. وانظر: فتح الباري، للحافظ ابن حجر، ﵀. ٣- حديث المرأة التي عرضت نفسها على النبي ﷺ أن يتزوجها. ونحن نتساءل عن الضير في ذلك، هل من العيب أو الخزي أو من مثارات السخرية أن تسأل إحدى النساء الصالحات المؤمنات العفيفات النبيَّ ﷺ أن يتزوجها، فتنال مرتبةً عظيمةً في الدين في صحبة سيد المرسلين، وتكون مع خير الخلق زوجةً في الدنيا والآخرة، هل تُلام المرأة إن أبدت رغبتها في الزواج الشرعي من خير الخلق وسيد الأولين والآخرين، أليس من حقها أن تبحث عما يسعد حالها ويرفع شأنها في الدنيا والآخرة، أين هو المحرم أو الممنوع الذي وقعت فيه تلك المرأة الصالحة، أم هو الطعن والاستهزاء لأجل التشويش والفتنة. أما إيماننا بما في صحيحي البخاري ومسلم فليس من قبيل التقليد الأعمى، أو التسليم الاعتباطي، بل هو إيمان مبني على دراسات استقرائية محكمة لجميع رواة وأسانيد ومتون هذين الصحيحين، استغرقت آلاف الصفحات ومئات السنين وعشرات العلماء، منها القديم والمعاصر، كلها تثبت - بما لا يدع مجالا للشك – صحة الإجماع الواقع تلقي الكتابين بالقبول، وترجيحهما على ما سواهما، ومن أوائل هذه الدراسات مقدمة ابن حجر لكتابه فتح الباري، المسماة " هدي الساري "، فقد تكلم فيها بتطويل عن الأسس والأركان التي قام عليها صحيح البخاري، والتي اقتضت التسليم له بالصحة والثبوت. هذا جواب مجمل مختصر، وأما الجواب المطول المفصل فيقتضي أن نعرف هوية المسيء بهذه الكلمات، كي يكون جوابنا مناسبا لحاله واعتقاده، وإن كنا لا ننصح إخواننا المسلمين بالاشتغال بالرد على هؤلاء المتنطعين من المتكلمين، حفظا لأوقاتهم وأعمارهم، ولكن إذا اقتضى الأمر ضرورة المناقشة والمجادلة، فبالدليل والبرهان، وليس بالتهويش والتهويل. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 26

مختصر لمسائل العقيدة الصحيحة للمسلم وما يضادها من العقائد الباطلة [السُّؤَالُ] ـ[ما هو المعتقد الحق؟ وأريد معرفة بعض المعتقدات الباطلة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ١. معلوم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنَّة أن الأعمال والأقوال إنما تصح وتُقبل إذا صدرت عن عقيدة صحيحة، فإن كانت العقيدة غير صحيحة: بطل ما يتفرع عنها من أعمال وأقوال، كما قال تعالى: (وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) المائدة/ ٥، وقال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) الزمر/ ٦٥، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ٢. وقد دل كتاب الله المبين وسنَّة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم على أن العقيدة الصحيحة تتلخص في: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، فهذه الأمور الستة هي أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتاب الله العزيز، وبعث الله بها رسوله محمداً ﷺ . وأدلة هذه الأصول الستة في الكتاب والسنة كثيرة جدّاً، فمن ذلك قول الله سبحانه: (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) البقرة/ ١٧٧، وقوله سبحانه: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) الآية البقرة/ ٢٨٥، وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً) النساء/ ١٣٦. أما الأحاديث الصحيحة الدالة على هذه الأصول فكثيرة جدّاً، منها: الحديث الصحيح المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن جبريل ﵇ سأل النبي صلى الله وعليه وسلم عن الإيمان، فقال له: الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. الحديث، وأخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة. وهذه الأصول الستة يتفرع عنها جميع ما يجب على المسلم اعتقاده في حق الله سبحانه، وفي أمر المعاد، وغير ذلك من أمور الغيب. ٣. الإيمان بالله سبحانه: ويشمل الإيمان بأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون كل ما سواه لكونه خالق العباد، والمحسن إليهم، والقائم بأرزاقهم والعالم بسرِّهم وعلانيتهم، والقادر على إثابة مطيعهم، وعقاب عاصيهم، ولهذه العبادة خلق الله الثقلين وأمرهم. وحقيقة هذه العبادة: هي إفراد الله سبحانه بجميع ما تعبّد العباد به، من دعاء، وخوف، ورجاء، وصلاة، وصوم، وذبح، ونذر، وغير ذلك من أنواع العبادة، على وجه الخضوع له، والرغبة، والرهبة، مع كمال الحب له سبحانه، والذل لعظمته. ومن الإيمان بالله أيضاً: الإيمان بجميع ما أوجبه على عباده، وفرضه عليهم، من أركان الإسلام الخمسة الظاهرة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمَّداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، وغير ذلك من الفرائض التي جاء بها الشرع المطهر. وأهم هذه الأركان وأعظمها: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّداً رسول الله، فشهادة أن لا إله إلا الله تقتضي إخلاص العبادة لله وحده، ونفيها عما سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها: لا معبود بحق إلا الله، فكل ما عبد من دون الله من بشر أو ملك أو جني أو غير ذلك: فكله معبود بالباطل، والمعبود بالحق هو الله وحده كما قال سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) الحج/ ٦٢. ومن الإيمان بالله أيضاً: الإيمان بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا الواردة في كتابه العزيز، والثابتة عن رسوله الأمين، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، بل يجب أن تُمرَّ كما جاءت به، بلا كيف، مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف الله ، يجب وصفه بها على الوجه اللائق به، من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته، كما قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الشورى/ ١١. ٤. الإيمان بالملائكة: ويتضمن الإيمان بهم إجمالاً، وتفصيلاً، فيؤمن المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته، ووصفهم بأنهم عبَاد مُكرَمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) الأنبياء/ ٢٨. وهم أصناف كثيرة، منهم الموكلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنَّة والنَّار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد. ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله منهم: كجبريل، وميكائيل، ومالك خازن النار، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وقد جاء ذكره في أحاديث صحيحة، وقد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من مارج من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم) أخرجه مسلم في صحيحه. ٥. الإيمان بالكتب: يجب الإيمان إجمالاً بأن الله سبحانه قد أنزل كتباً على أنبيائه ورسله لبيان حقه والدعوة إليه، كما قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) الآية الحديد/ ٢٥. ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها، كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن. والقرآن الكريم هو أفضلها، وخاتمها، وهو المهيمن عليها، والمصدق لها، وهو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه، وتحكيمه، مع ما صحت به السنَّة عن رسول الله ﷺ ؛ لأن الله سبحانه بعث رسوله محمد ﷺ رسولاً إلى جميع الثقلين، وأنزل عليه هذا القرآن ليحكم به بينهم وجعله شفاءً لما في الصدور، وتبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، كما قال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الأنعام/ ١٥٥. ٦. الإيمان بالرسل: يجب الإيمان بالرسل إجمالاً، وتفصيلاً، فنؤمن أن الله سبحانه أَرسل إلى عباده رسلاً منهم مبشرين ومنذرين ودعاة إلى الحق، فمن أجابهم: فاز بالسعادة، ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد بن عبد الله ﷺ ، كما قال الله سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) النحل/ ٣٦. ومَن سمَّى الله منهم أو ثبت عن رسول الله تسميته آمنَّا به على سبيل التفصيل والتعيين، كنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وغيرهم، عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة، وأزكى التسليم. ٧. الإيمان باليوم الآخر، وأما الإيمان باليوم الآخر فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ ما يكون بعد الموت، كفتنة القبر، وعذابه، ونعيمه، وما يكون يوم القيامة من الأهوال، والشدائد، والصراط، والميزان، والحساب، والجزاء، ونشر الصحف بين الناس، فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذٌ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، ويدخل في ذلك أيضاً: الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد ﷺ ، والإيمان بالجنَّة والنَّار، ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه، وتكليمه إياهم، وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسنَّة الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، فيجب الإيمان بذلك كله، وتصديقه على الوجه الذي بيَّنه الله ورسوله ﷺ . ٨. الإيمان بالقدر، وأما الإيمان بالقدَر فيتضمن الإيمان بأمور أربعة: العلم، والكتابة، والخلق، والمشيئة، وينظر تفصيلها في أجوبة الأسئلة: (٣٤٧٣٢) و (٤٩٠٠٤) و (٢٠٨٠٦) . ٩. ويدخل في الإيمان بالله: اعتقاد أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وأنه لا يجوز تكفير أحد من المسلمين بشيء من المعاصي التي دون الشرك والكفر، كالزنا، والسرقة، وأكل الربا، وشرب المسكرات، وعقوق الوالدين، وغير ذلك من الكبائر، ما لم يستحل ذلك؛ لقول الله: (إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) النساء/ ٤٨، وما ثبت في الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ أن الله يُخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. ١٠. ومن الإيمان بالله: الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله، فيحب المؤمنُ المؤمنينَ ويواليهم، ويبغض الكفار ويعاديهم. وعلى رأس المؤمنين من هذه الأمة: أصحاب رسول الله ﷺ ، فأهل السنة والجماعة يحبونهم، ويوالونهم، ويعتقدون أنهم خير الناس بعد الأنبياء لقول النبي ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) متفق على صحته. ويعتقدون أن أفضلهم: أبو بكر الصدِّيق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ﵃ أجمعين، وبعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنَّة، ثم بقية الصحابة ﵃ أجمعين، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويعتقدون أنهم في ذلك مجتهدون، من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ المؤمنين به، ويتولونهم، ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويترضون عنهم جميعاً. ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون أصحاب رسول الله ﷺ ، ويسبونهم، ويغلون في أهل البيت، ويرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله إياها، كما يتبرؤون من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل. ١١. وجميع ما ذكرناه هو العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها رسوله محمَّداً ﷺ ، وهي عقيدة الفرق الناجية، أهل السنة والجماعة، التي قال فيها النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله سبحانه) ، وقال ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فقال الصحابة: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) ، وهي العقيدة التي يجب التمسك بها، والاستقامة عليها، والحذر مما خالفها. ١٢. وأما المنحرفون عن هذه العقيدة، والسائرون على ضدها فهم أصناف كثيرة؛ فمنهم عبَّاد الأصنام والأوثان والملائكة والأولياء والجن والأشجار والأحجار وغيرها، فهؤلاء لم يستجيبوا لدعوة الرسل، بل خالفوهم، وعاندوهم، كما فعلت قريش وأصناف العرب مع نبينا محمد ﷺ ، وكانوا يسألون معبوداتهم قضاء الحاجات، وشفاء المرضى، والنصر على الأعداء، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، فلما أنكر عليهم رسول الله ﷺ ذلك، وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده: استغربوا ذلك وأنكروه، وقالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) ص/ ٥. ثم تغيرت الأحوال، وغلب الجهل على أكثر الخلق حتى عاد الأكثرون إلى دين الجاهلية، بالغلو في الأنبياء، والأولياء، ودعائهم، والاستغاثة بهم، وغير ذلك من أنوع الشرك، ولم يعرفوا معنى لا إله إلا الله كما عرف معناها كفار العرب، ولم يزل هذا الشرك يتفشى في الناس إلى عصرنا هذا بسبب غلبة الجهل، وبُعد العهد بعصر النبوة. ١٣. ومن العقائد الكفرية المضادة للعقيدة الصحيحة، والمخالفة لما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام: ما يعتقده الملاحدة في هذا العصر من أتباع " ماركس "، و " لينين "، وغيرهما من دعاة الإلحاد والكفر، سواء سموا ذلك " اشتراكية "، أو " شيوعية "، أو " بعثية "، أو غير ذلك من الأسماء، فإن من أصول هؤلاء الملاحدة: أنه لا إله، والحياة مادة، ومن أصولهم: إنكار المعاد، وإنكار الجنَّة والنَّار، والكفر بالأديان كلها، ومن نظر في كتبهم ودرس ما هم عليه: علَم ذلك يقيناً، ولا ريب أن هذه العقيدة مضادة لجميع الأديان السماوية، ومفضية بأهلها إلى أسوأ العواقب في الدنيا والآخرة. ١٤. ومن العقائد المضادة للحق: ما يعتقده بعض الباطنية، وبعض المتصوفة من أن بعض من يسمونهم بالأولياء يشاركون الله في التدبير، ويتصرفون في شؤون العالم، ويسمونهم بالأقطاب، والأوتاد، والأغواث، وغير ذلك من الأسماء التي اخترعوها لآلهتهم، وهذا من أقبح الشرك في الربوبية، وهو شرٌّ من شرك جاهلية العرب؛ لأن كفار العرب لم يشركوا في الربوبية، وإنما أشركوا في العبادة، وكان شركهم في حال الرخاء، أما في حال الشدة: فيخلصون لله العبادة، كما قال سبحانه: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) العنكبوت/ ٦٥، أما الربوبية: فكانوا معترفين بها لله وحده، كما قال سبحانه: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) الزخرف/ ٨٧، وقال تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) يونس/ ٣١، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ١٥. ومن العقائد المضادة للعقيدة الصحيحة في باب الأسماء والصفات: عقائد أهل البدع، من الجهمية، والمعتزلة، ومن سلك سبيلهم في نفي صفات الله ، وتعطيله سبحانه من صفات الكمال، ووصفه بصفة المعدومات، والجمادات، والمستحيلات، تعالى الله عن قولهم علوّاً كبيراً. ويدخل في ذلك: مَن نفى بعض الصفات وأثبت بعضها، كالأشاعرة، فإنه يلزمهم فيما أثبتوه من الصفات نظير ما فروا منه في الصفات التي نفوها وتأولوا أدلتها، فخالفوا بذلك الأدلة السمعية، والعقلية، وتناقضوا في ذلك تناقضاً بيِّناً. باختصار من رسالة " العقيدة الصحيحة وما يضادها " للشيخ عبد العزيز بن باز ﵀. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 27

هل يمكن أن يتوحد المسلمون مع اختلاف ما بينهم في العقيدة والمنهج ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن أن يتوحد المسلمون مع اختلاف ما بينهم في العقيدة والمنهج؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن اختلاف الناس فيما بينهم في العقيدة والمنهج سنَّة كونية، وقد أخبر الله تعالى عن وقوعها في خلقه، وأخبر عن قدرته بتوحيدهم جميعاً على دين واحدٍ، لكنَّ الله تعالى له حكمة بالغة في عدم فعل ذلك؛ ليثيب الطائعين الموحدين، ويعاقب العاصين والمشركين، ولو جعل الله تعالى الناس أمة واحدة لم يظهر فضل التوحيد والموحدين، ولم يظهر قبح المعصية والعاصين، ولله تعالى أسماء وصفات اقتضت حكمته في الاختلاف أن تظهر في خلقه. قال الله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هود /١١٨، ١١٩. قال ابن جرير الطبري – ﵀: يقول تعالى ذِكره: ولو شاء ربك، يا محمد، لجعل الناس كلها جماعة واحدة، على ملة واحدة، ودين واحد. " تفسير الطبري " (١٥ / ٥٣١) . وقال الحافظ ابن كثير – ﵀: يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كُلِّهم أمَّةً واحدة، من إيمان أو كفران، كما قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) يونس / ٩٩، وقوله: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) أي: ولا يزال الخُلْفُ بين الناس في أديانهم، واعتقادات مللهم، ونِحلهم، ومذاهبهم، وآرائهم. " تفسير ابن كثير " (٤ / ٣٦١) . وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الدين الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء، ولكنه اقتضت حكمته أن لا يزالوا مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم، متبعين للسبل الموصلة إلى النار، كل يرى الحق فيما قاله، والضلال في قول غيره. (إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به، والاتفاق عليه، فهؤلاء سبقت لهم سابقة السعادة، وتداركتهم العناية الربانية والتوفيق الإلهي. وأما من عداهم: فهم مخذولون، موكولون إلى أنفسهم. وقوله: (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) أي: اقتضت حكمته أنه خلقهم، ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون والمختلفون، والفريق الذين هدى الله، والفريق الذين حقت عليهم الضلالة، ليتبين للعباد عدلُه، وحكمتُه، وليظهر ما كمن في الطباع البشرية من الخير والشر، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء. " تفسير السعدي " (ص ٣٩٢) . ثانياً: وكيف سيتوحد المسلمون على شيء يجمعهم جميعاً غير التوحيد والعقيدة؟! إن الناظر في أحوال المسلمين يجدهم مدارس وجماعات وأحزابا وأفكارا شتى، رضي كل واحد لنفسه طريقاً في فهم نصوص الوحي، والعمل للإسلام، فحصل الاختلاف، والتفرق، والتشتت، ولو أنهم رضوا لأنفسهم منهجاً واحداً، واعتقاداً واحداً لاجتمعوا، وصاروا أمة واحدة، ولكنهم لم ينظر أكثرهم – وخاصة رؤوس الجماعات والأحزاب – للعقيدة الحقة أنها سبيل توحيد، بل رأوا أنهم تفرِّق المسلمين! كما زعم بعض أقطابهم، وهذه كلمة منكرة، ولا يمكن أن يكون توحيد للمسلمين وفيهم أمثال هذا القائل! . جاء النبي ﷺ على الناس وهم أحزاب وجماعات وأمم وأفكار وأديان مختلفة، وفيهم الأبيض والأسود، والرجل والمرأة، والعامي والمتعلم، والغني والفقير، والسادة والضعفاء، فلم يجمعهم على لغة، ولا على أرض، ولا على فكر بشر، بل جمعهم على شيء معصوم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، جمعهم على القرآن، والتوحيد، وهذا هو السبيل الوحيد لأن يجتمع الناس كلهم على اختلاف مشاربهم وأهوائهم ولغاتهم وأماكنهم، ولن يجدوا خيراً من هذا السبب في توحدهم، واجتماعهم وتآلفهم، وأما عندما يراد تجميع الناس وتوحيدهم على فكر بشر قابل للنقض والرد والتعديل والحذف: فهذا ما لا يمكن أن يكون سبيلاً لتوحد المسلمين، وعندما يراد تجميع الناس وتوحيدهم على قضية سياسية: فهذا لا يمكن أن يجتمع عليه الناس؛ لاختلاف أفهامهم وآرائهم فيها، كما لا يمكن لأرض أن تجمع المسلمين؛ لتعلق كل نفس بوطنها وأرضها، فلم يبق أمام المسلمين من سبيل لتوحدهم وتجمعهم إلا العقيدة الصحيحة، والتي منبعها نصوص الوحي المعصومة، ولن يَصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلَح به أولُّها. ثالثاً: بما أن أسباب تفرق المسلمين قائمة: فإن تفرقهم هو الثمرة، وهو النتيجة، وقد تنوع ذِكر الأسباب في كلام أهل العلم، وقد جمعها الإمام الشاطبي في ثلاثة أسباب: الجهل، والهوى، واتباع الآباء والأشياخ على عمى. قال الشاطبي – ﵀: كل خلاف على الوصف المذكور وقع بعد ذلك: فله أسباب ثلاثة، قد تجتمع، وقد تفترق: أحدها: أن يعتقد الإنسان في نفسه، أو يُعتقد فيه أنه من أهل العلم، والاجتهاد في الدين، ولم يبلغ تلك الدرجة، فيعمل على ذلك، ويعد رأيَه رأياً، وخلافَه خلافاً، ولكن تارة يكون ذلك في جزئيٍّ، وفرعٍ من الفروع، وتارة يكون في كلِّي وأصلٍ من أصول الدين، كان من الأصول الاعتقادية، أو من الأصول العملية، فتارة آخذاً ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها حتى يصير منها ما ظهر له بادىء رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصدها، وهذا هو المبتدع، وعليه نبه الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (لا يقبض الله العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَبقَ عالمٌ اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) . والثاني من أسباب الخلاف: اتباع الهوى، ولذلك سمِّي أهلُ البدع أهل الأهواء؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهوءاهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظوراً فيها من وراء ذلك، وأكثر هؤلاء هم أهل التحسين والتقبيح، ومن مال إلى الفلاسفة، وغيرهم، ويدخل في غمارهم من كان منهم يخشى السلاطين لنيل ما عندهم، أو طلباً للرياسة، فلا بد أن يميل مع الناس بهواهم، ويتأول عليهم فيما أرادوا حسبما ذكره العلماء ونقله من مصاحبي السلاطين، فالأولون ردُّوا كثيراً من الأحاديث الصحيحة بعقولهم، وأساؤوا الظن بما صح عن النبي ﷺ ، وحسَّنوا ظنَّهم بآرائهم الفاسدة، حتى ردوا كثيراً من أمور الآخرة وأحوالها، من الصراط، والميزان، وحشر الأجساد، والنعيم، والعذاب الجسمي، وأنكروا رؤية الباري، وأشباه ذلك، بل صيَّروا العقل شارعاً جاء الشرع أو لا، بل إن جاء فهو كاشف لمقتضى ما حكم به العقل إلى غير ذلك من الشناعات. والثالث من أسباب الخلاف: التصميم على اتباع العوائد وإن فسدت، أو كانت مخالفة للحق، وهو اتباع ما كان عليه الآباء، والأشياخ، وأشباه ذلك، وهو التقليد المذموم؛ فإن الله ذم ذلك في كتابه بقوله: (إنا وجدنا آباءنا على أمة) الآية، ثم قال: (قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) ، وقوله: هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون) فنبههم على وجه الدليل الواضح فاستمسكوا بمجرد تقليد الآباء، فقالوا: (بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) وهو مقتضى الحديث المتقدم أيضا في قوله: (اتخذ الناس رؤساء جهالاً) إلى آخره، فإنه يشير إلى الاستنان بالرجال كيف كان. " الاعتصام " (١ / ٤٢١ – ٤٢٣) باختصار. وعليه: فإنه من المستحيل اتفاق المسلمين واجتماعهم على غير التوحيد والعقيدة، وفي الإسلام مظاهر اجتماع واتفاق لا توجد في غيره، كالقبلة الواحدة، والقرآن، ومناسك الحج، وغيرها، فنرجو أن يتوحد المسلمون ويجتمعوا على اعتقاد واحد، ومنهج واحد في فهم القرآن والسنَّة، وما يحصل من خلافٍ محتمل بعد هذا فإن أمره يسير. سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله- ما هي المسائل التي يجوز الاختلاف فيها؟ وتلك التي ينبغي التّوقُّفُ عن الخلاف فيها؟ وما واجب المسلمين تُجاه دينهم؟ . فأجاب: الاختلاف على قسمين: القسم الأول: الاختلاف في مسائل العقيدة، وهذا لا يجوز؛ لأنّ الواجب على المسلمين اعتقاد ما دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة، وعدم التّدخُّل في ذلك بعقولهم واجتهاداتهم؛ لأنّ العقيدة توقيفيّة، ولا مجال للاجتهاد والاختلاف فيها. القسم الثاني: اختلاف في المسائل الفقهيَّة المستنبطة من النُّصوص، وهذا لابدّ منه؛ لأنّ مدارك الناس تختلف، ولكن يجب الأخذ بما ترجّح بالدّليل من أقوالهم، وهذا هو سبيل الخروج من هذا الخلاف. ويجب على المسلم أن يهتمَّ بأمور دينه، ويحافظ على أداء ما أوجب الله عليه، ويترك ما حرَّمَ الله عليه، وأن يتحلَّى بالأخلاق الفاضلة مع إخوانه، وأن يصدُقَ في معاملته، ويحفظ أمانته، ويكون قدوةً صالحةً لغيره. ويجب أن يتربَّوا على التّمسّك بالدّين والأخلاق الفاضلة، وأن يبتعدوا عن الأخلاق الرّذيلة وقرناء السُّوء، وأن يهتمُّوا بما ينفعهم في دينهم ودُنياه، وأن يكونوا قوَّة للإسلام والمسلمين. " المنتقى من فتاوى الفوزان " (١ / ٤٠٧، ٤٠٨، السؤال رقم ٢٤١) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 28

من هم الأولياء، وما هي درجاتهم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أرجو مساعدتي في فهم ما يلي: ١) من هم الأولياء؟ ٢) ما هي درجات الولاية؟ ٣) هل يجوز تسمية الأولياء " أصحاب الله "؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: أولياء الله – بكل وضوح واختصار – هم أهل الإيمان والتقوى، الذين يراقبون الله تعالى في جميع شؤونهم، فيلتزمون أوامره، ويجتنبون نواهيه. قال الله تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) يونس/٦٢-٦٤. قال الحافظ ابن كثير ﵀ في "تفسير القرآن العظيم" (٤/٢٧٨) : " يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، كما فسرهم ربهم، فكل من كان تقيا كان لله وليا: أنه (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فيما يستقبلون من أهوال القيامة، (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) على ما وراءهم في الدنيا. وقال عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وغير واحد من السلف: أولياء الله الذين إذا رُؤوا ذُكِر الله. وقد ورد هذا في حديث مرفوع. عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء. قيل: من هم يا رسول الله؟ لعلنا نحبهم. قال: هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس. ثم قرأ: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) رواه أبو داود بإسناد جيد – وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٧/١٣٦٩) - " انتهى باختصار وتصرف يسير. ثانيا: الولاية متفاوتة بحسب إيمان العبد وتقواه، فكل مؤمن له نصيب من ولاية الله ومحبته وقربه، ولكن هذا النصيب يتفاوت بحسب الأعمال الصالحة البدنية والقلبية التي يتقرب بها إلى الله، وعليه يمكن تقسيم درجات الولاية إلى ثلاث درجات: ١- درجة الظالم لنفسه: وهو المؤمن العاصي، فهذا له من الولاية بقدر إيمانه وأعماله الصالحة. ٢- المقتصد: وهو المؤمن الذي يحافظ على أوامر الله، ويجتنب معاصيه، ولكنه لا يجتهد في أداء النوافل: وهذا أعلى درجة في الولاية من سابقه. ٣- السابق بالخيرات: وهو الذي يأتي بالنوافل مع الفرائض، ويبلغ بالعبادات القلبية لله مبالغ عالية، فهذا في درجات الولاية العالية. ثم لا شك أن النبوة هي أعلى وأرقى درجات الولاية لله . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في "مجموع الفتاوى" (١٠/٦) –: " الناس على ثلاث درجات: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات. فالظالم لنفسه: العاصي بترك مأمور أو فعل محظور. والمقتصد: المؤدي الواجبات والتارك المحرمات. والسابق بالخيرات: المتقرب بما يقدر عليه من فعل واجب ومستحب، والتارك للمحرم والمكروه. وإن كان كل من المقتصد والسابق قد يكون له ذنوب تمحى عنه: إما بتوبة - والله يحب التوابين ويحب المتطهرين - وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وإما بغير ذلك. وكل من الصنفين المقتصدين والسابقين من أولياء الله الذين ذكرهم في كتابه بقوله: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون) ، فحد أولياء الله هم: المؤمنون المتقون. ولكن ذلك ينقسم: إلى " عام ": وهم المقتصدون. و" خاص " وهم السابقون، وإن كان السابقون هم أعلى درجات كالأنبياء والصديقين. وقد ذكر النبي ﵌ القسمين في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌ أنه قال: (يقول الله: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي؛ ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه) . وأما الظالم لنفسه من أهل الإيمان: فمعه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره، إذ الشخص الواحد قد يجتمع فيه الحسنات المقتضية للثواب، والسيئات المقتضية للعقاب، حتى يمكن أن يثاب ويعاقب، وهذا قول جميع أصحاب رسول الله ﵌ وأئمة الإسلام وأهل السنة والجماعة الذين يقولون: إنه لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان " انتهى. وقال الشيخ ابن عثيمين – كما في "فتاوى مهمة" (ص/٨٣) -: " من كان مؤمناً تقيّاً كان لله وليّاً، ومَن لم يكن كذلك فليس بولي لله، وإن كان معه بعض الإيمان والتقوى كان فيه شيءٌ من الولاية " انتهى. ثالثا: الولاية ليست حكرا على أحد، وليست علامة مميزة لطبقة معينة من الناس، ولا تنال بالوراث ولا بالأوسمة، بل هي رتبة ربانية تبدأ بالقلب محبة وتعظيما لله ، وتترجم إلى واقع عملي، فيكسب صاحبها حب الله تعالى وولايته. رابعا: الولاية لا تبيح لصاحبها فعل المحرمات ولا ترك الواجبات، بل إن فعل ذلك فهو دليل على نقص ولايته لله، وكذلك لا تبيح لأحد أن يتوجه إلى من يسمون بالأولياء ـ وقد لا يكونون يستحقون ذلك ـ فيرفعونهم إلى مقام النبوة فلا يردون لهم أمرا، ولا يناقشون لهم فكرا ولا رأيا، وهذا كله من الغلو الذي نهى الله تعالى عنه، ومن أعظم أسباب وقوع الشرك في الناس. وقد يتعدى بعض الناس هذا الحد فيقع في الشرك الأكبر بسبب الفهم الخاطئ للولاية ومنزلة الأولياء فتراه يدعوهم من دون الله ويذبح لهم ويقدم لهم القرابين ويطوف حول أضرحتهم. خامساً: أما إطلاق "أصحاب الله" على الأولياء، فلا نعلم ما يدل على صحة هذه التسمية. وأفضل أولياء الله تعالى هم الرسل والأنبياء ثم أصحاب الرسول محمد ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ولا نعلم أنه ورد إطلاق اسم "أصحاب الله" على أحد منهم. وإنما ثبت عن الرسول ﷺ تسمية "أهل القرآن" بـ "أهل الله". فقد روى الإمام أحمد (١١٨٧٠) وابن ماجة (٢١٥) أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة. (أهلين) جمع أهل. (أهل القرآن) حفظته القارئون له العاملون بما فيه. (أهل الله) أي: أولياؤه المختصون به اختصاص أهل الإنسان به. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 29

هل كل كافر الآن حلال الدم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كثيراً ما نقرأ من العلماء مثل ابن تيمية وابن القيم والشيخ محمد عبد الوهاب وغيرهم , أن من سب الله أو الرسول أو الساحر أو من استهزأ بالدين أنه كافر حلال الدم (هذا مثال) . السؤال: هل كل كافر الآن حلال الدم؟ لو نفرض أن الدعوة بلغته أو لم تبلغه حتى؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قول العلماء: "من فعل كذا وكذا فهو كافر حلال الدم" مرادهم به المرتد الذي خرج عن الإسلام بارتكابه ناقضاً من نواقضه. والردة تكون بالاعتقاد أو بالقول أو بالفعل أو بالترك. قال ابن مفلح في تعريف المرتد: "هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر، إما نطقاً أو اعتقاداً أو شكاً، وقد يحصل بالفعل" انتهى. "المبدع" لابن مفلح (٩/١٧٥) . والدليل على أن ذلك هو حكم المرتد: قوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري (٦٩٢٢) . قال ابن عبد البر عند ذكره لهذا الحديث: "وقال مالك ﵀: إنما عنى بهذا الحديث من خرج من الإسلام إلى الكفر، وأما من خرج من اليهودية أو النصرانية أو من كفر إلى كفر فلم يُعن بهذا الحديث. وعلى قول مالك هذا جماعة الفقهاء ... " انتهى. "التمهيد" (٥/٣١١-٣١٢) . وقال النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه البخاري (٦٨٧٨) ومسلم (١٦٧٦) . قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وأما التارك لدينه المفارق للجماعة فالمراد به من ترك الإسلام وارتد عنه، وفارق جماعة المسلمين، كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان" انتهى. "جامع العلوم والحكم" (١/٣١٨) . ثم قال (١/٣٢٧) : "وأما ترك الدين ومفارقة الجماعة فمعناه الارتداد عن دين الإسلام ولو أتى بالشهادتين، فلو سبَّ الله ورسوله ﷺ وهو مقر بالشهادتين أبيح دمه، لأنه قد ترك بذلك دينه" انتهى. وعقوبة المرتد أشد من عقوبة الكافر الأصلي، ولهذا ... يمكن أن يُقَرَّ الكافر الأصلي على دينه ولا يقتل بشروط معروفة عند العلماء، أما المرتد فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة، منها: أن المرتد يقتل بكل حال، ولا يضرب عليه جزية، ولا تعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي. ومنها: أن المرتد يقتل وإن كان عاجزا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد. ومنها: أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي ... إلى غير ذلك من الأحكام" انتهى. "مجموع الفتاوى" (٢٨/٥٣٤) . وانظر: "الدرر السنية" (١٠/١٠٤) . وانظر جواب السؤال رقم (١٤٢٣١) . ثانياً: أما سؤالك: (هل كل كافر الآن حلال الدم، سواء كانت الدعوة بلغته أم لا) ؟ فالجواب: لا، ليس كل كافر حلال الدم والمال، بل الكفار قسمان، القسم الأول: معصوم الدم والمال، يحرم الاعتداء عليه، وهم المعاهَدون، الذين بيننا وبينهم عهد على ترك القتال مدة معينة، كما عاهد النبي ﷺ كفار مكة على ترك القتال عشر سنوات، في صلح الحديبية. ٢- الذمي، وهو الكافر الذي يعيش في بلاد المسلمين، وقد عقد معه عقد الذمة. ٣- المستأمِن، وهو الكافر الذي دخل بلاد المسلمين بأمان، كالتاجر الذي دخل من أجل تجارته أو لغير ذلك من الأسباب، وإعطاء التأشيرة للشخص لدخول البلد، يعتبر تأميناً له، وتعهداً بالدفاع عنه وعدم ظلمه. القسم الثاني من الكفار: وهم الذين يحاربون المسلمين، فليس بيننا وبينهم عهد ولا ذمة ولا أمان، فهذا هو الذي يقال عنه: إنه مباح الدم والمال. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) الأنعام/١٥١: "وهذه الآية نهي عن قتل النفس المحرمة مؤمنة كانت أو معاهَدةً إلا بالحق الذي يوجب قتلها" انتهى. "الجامع لأحكام القرآن" (٧/١٣٤) . وانظر: "تفسير ابن كثير" (٢/١٩٠) . وقال الشيخ السعدي: "وهي النفس المسلمة من ذكر وأنثى، صغير وكبير، بَر وفاجر، والكافرة التي قد عصمت بالعهد والميثاق" انتهى. "تيسير الكريم الرحمن" (ص٢٥٧) . وقال النبي ﷺ : (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) رواه البخاري (٣١٦٦) . قال الحافظ ابن حجر: "والمراد به: من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم" انتهى. "فتح الباري" (١٢/٢٥٩) . ثالثاً: الذي يقيم العقوبة الشرعية على المرتد أو المعاهد الذي نقض عهده إنما هو الحاكم أو نائبه، وليس ذلك لعامة الناس لما يفضي إليه ذلك من الفوضى وفتح باب الشرور والفتن. قال ابن مفلح عن المرتد: "لا يقتله إلا الإمام أو نائبه حرا كان أو عبدا في قول عامة العلماء" انتهى. "المبدع" لابن مفلح (٩/١٧٥) . وانظر: "الدرر السنية" (١٠/٣٩٤-٣٩٥) . وقال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (١٤/٤٥٥) : "ولا يحل لأحد قتله – يعني المرتد – مع أنه مباح الدم، لأن في قتله افتياتاً على ولي الأمر [يعني: تعديا على حقه] ، ولأن في قتله سبباً للفوضى بين الناس.... ولهذا لا يتولى قتله إلا الإمام أو نائبه" انتهى. رابعاً: هناك فرق بين التكفير على وجه الإطلاق والتكفير على وجه التعيين، فإن تكفير الشخص المعيَّن لابد فيه من وجود شروط وانتفاء موانع. قال ابن تيمية ﵀: "فإن نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجَبها في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع" انتهى. "مجموع الفتاوى" (١٠/٣٧٢) . فيقال مثلاً: من قال كذا أو فعل كذا فهو كافر، لكن الشخص المعيَّن الذي يقول ذلك أو يفعله يجب التثبت في الحكم عليه بالكفر، فقد يكون جاهلاً أو متأولاً أو مكرهاً، مما يمنع الحكم عليه بالكفر، وإن كان قد قال أو فعل ما هو كفر. وانظر جواب السؤال رقم (٨٥١٠٢) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 30

أشكل عليه كلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب في أحد الصحابة [السُّؤَالُ] ـ[أشكل علي كلام منسوب إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله تعالى، وذلك أن واحدا مِن أهل البدع قال لي: إن الشيخ ﵀ أتى بكلام مفهومه أنه يقول إن عمار بن ياسر كافر، لذا أريد منكم بارك الله فيكم أن تبينوا لي هذ الكلام، وإليكم الكلام المنسوب: قال محمد بن عبد الوهاب النجدي - في كتاب "مؤلفات محمد بن عبد الوهاب" في الجزء السادس/ ٢٧٢-٢٧٣ وهي الرسالة الثامنة والثلاثون التي توجد في "الدرر السنية" ج ٨ ص ٤٩ -٥١:: " واعلموا أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح إذا أشرك بالله أو صار مع المشركين على الموحدين ولو لم يشرك أكثر من أن تحصر من كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل العلم كلهم، وأنا أذكر لكم آية من كتاب أجمع أهل العلم على تفسيرها، وأنها في المسلمين، وأن مَن فعل ذلك فهو كافر في أي زمان كان، قال تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) إلى آخر الآية وفيها: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) فإذا كان العلماء ذكروا أنها نزلت في الصحابة لمّا فتنهم أهل مكة، وذكروا أن الصحابي إذا تكلم بكلام الشرك بلسانه مع بغضه لذلك وعداوة أهله لكن خوفا منهم أنه كافر بعد إيمانه، فكيف بالموحد في زماننا إذا تكلم في البصرة أو الإحساء أو مكة أو غير ذلك خوفا منهم لكن قبل الإكراه، وإذا كان هذا يكفر فكيف بمن صار معهم، وسكن معهم، وصار مِن جملتهم، فكيف مَن أعانهم على شركهم وزينه لهم، فكيف بمن أمر بقتل الموحدين وحثهم على لزوم دينهم، فأنتم وفقكم الله تأملوا هذه الآية، وتأملوا مَن نزلت فيه، وتأملوا إجماع العلماء على تفسيرها، وتأملوا ما جرى بيننا وبين أعداء الله نطلبهم دائما الرجوع إلى كتبهم التي بأيديهم في مسألة التكفير والقتال فلا يجيبوننا إلا بالشكوى عند الشيوخ وأمثالهم، والله أسأل أن يوفقكم لدينه ويرزقكم الثبات عليه ".]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يعتقد في أصحاب رسول الله ﷺ عظيم المنزلة ورفيع القدر والشرف والمكانة، يلتزم في ذلك ما جاء في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة من الثناء عليهم وتعظيم قدرهم. وكان يرفض طريقة الرافضة الطاعنين فيهم، وينص على عذر من أخطأ من الصحابة، وأن خطأه خطأ اجتهاد يؤجر عليه، ويرد على كل من اتهم صحابيا أو تكلم فيه بالذم والنقص. يقول ﵀ "مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب" (القسم الثالث/ مختصر سيرة الرسول ﷺ /ص ٣٢٢) : " وأجمع أهل السنة على السكوت عما شجر بين الصحابة ﵃، ولا يقال فيهم إلا الحسنى، فمن تكلم في معاوية أو غيره من الصحابة فقد خرج عن الإجماع " قال أيضا "مؤلفات الشيخ" (رسالة في الرد على الرافضة/ ج١٢،ص١٤) : " وقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وغير ذلك من الآيات والأحاديث الناصة على أفضلية الصحابة واستقامتهم على الدين؛ ومن اعتقد ما يخالف كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فقد كفر. ما أشنع مذهب قوم يعتقدون ارتداد من اختاره الله لصحبة رسوله ونصرة دينه! " انتهى. ثانيا: النص المنقول عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يريد به التفريق بين: الخوف المجرد - الذي لا يستند إلى سبب مباشر، فلا يعتبر هذا عذرا يرخص الوقوع في الكفر؛ لأن الباعث عليه هو الطمع في المال والجاه والعافية – وبين التهديد الفعلي الحقيقي بالضرب والإيذاء والسجن والتعذيب، ولما كان الكفر أعظم المحرمات، لم يجز للمسلم الوقوع فيه إلا بسبب مباشر وتهديد حقيقي، أما الحرص على الدنيا والخوف من نقص شيء منها دون أن يسبق ذلك تهديد أو فعل حقيقي، فليس هذا بعذر يرخص الكفر بالله العظيم. وقد ساق الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ للاستدلال على هذه المسألة قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) النحل/١٠٦ فالاستثناء في الآية هو للمكره، وليس للخائف المتوهم، أو الخائف الطامع، وسبب نزول الآية يوضح ذلك، فقد وقع على آل ياسر من العذاب الشيء العظيم، حتى قتلت سمية وياسر، وأوذي عمار بأشد أنواع الضرب والتعذيب، ثم رخص له النبي ﷺ في التلفظ بالكفر، ولم يكن عمار متوهما ولا طامعا في الاحتفاظ بجاهه ومنصبه وماله، بل كان يرد عن نفسه أشد أنواع العذاب الذي تعرض له. يوضح ذلك تكملة الآيات السابقة، فقد قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) النحل/١٠٧ فانظر كيف نفى الله العذر عن كل من أخلد إلى الدنيا، وآثر شهواتها، وركن إلى حظوظها. ومثله قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) المائدة/٥١-٥٢ ففي هذه الآية نفي العذر عن أولئك الذين يوالون الكفار على المسلمين، ويعتذرون بالخوف من الدوائر والمصائب ونكاية الكفار بهم إذا ظهروا عليهم. لذلك يقول الشيخ ﵀ – كما في "مؤلفات الشيخ" (القسم الأول، العقيدة، نواقض الإسلام، ص ٣٨٧، والقسم الخامس، الشخصية، رقم ٣٢، ص ٢١٢) والدرر السنية (٢/٣٦٢) : " ولا فرق في جميع هذه النواقض – نواقض الإسلام العشرة - بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرا، ومن أكثر ما يكون وقوعا، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه " ويقول في "كشف الشبهات": " لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل ; فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلما. فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند، كفرعون وإبليس وأمثالهما. وهذا يغلط فيه كثير من الناس، يقولون: هذا حق. ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكنا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، أو غير ذلك من الأعذار. ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار، كما قال تعالى: (اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً) وغير ذلك من الآيات، وهذه المسألة مسألة كبيرة طويلة، تتبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس، ترى مَن يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دنيا أو جاه أو مداراة لأحد. وترى من يعمل به ظاهرا لا باطنا، فإذا سألته عما يعتقد بقلبه فإذا هو لا يعرفه. ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله: أولاهما: قوله تعالى: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع الرسول ﷺ كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفا من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحد أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها. والآية الثانية: قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنا بالإيمان. وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفا أو مداراة أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره. فالآية تدل على هذا من جهتين: الأولى: قوله: (إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ) فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره عليها أحد. والثانية: قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ) فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين " انتهى بتصرف يسير. وانظر أيضا: الرسالة رقم/٣٣ من رسائله الشخصية (ص/٢١-٢١٨) "مؤلفات الشيخ". والذي يقرره الشيخ محمد بن عبد الوهاب هنا هو مما اتفق عليه أهل العلم، فلم يعد أحد من أهل العلم الخوف المتوهم النابع من طمع وحرص ورغبة في إيثار الدنيا رخصة في الوقوع بالكفر، بل إن الإمام أحمد نفى أن يكون التهديد المباشر رخصة حتى يقع المهدد به، كما أن الأحناف والمالكية نفوا أن يكون الضرب اليسير أو السجن اليسير عذرا في الوقوع في الكفر، على خلاف وتفصيل عند الفقهاء، يمكن مراجعته في "الموسوعة الفقهية" (٦/١٠٥) . ثالثا: بعد ذلك يمكن أن نفهم النص المنقول في السؤال، في ضوء فهم أصل المسألة في موانع التكفير، فالشيخ ﵀ يثبت أن عمار بن ياسر كان مكرها، وأنه معذور بسبب العذاب الحقيقي الذي وقع عليه، ولكنه ينكر أن يكون الخوف المجرد المتوهم عذرا كعذر عمار بن ياسر، وتأمل معي مرة أخرى النص تجده على هذا الفهم، وليس على الفهم السقيم الذي ذكره لك ذلك الرجل. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب – كما في "الدرر السنية" (١٠/٩) -: " قال تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ) سورة النحل/١٠٦ إلى آخر الآية وفيها: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) سورة الأنفال آية/٢٣ فإذا كان العلماء ذكروا أنها نزلت في الصحابة لمَّا فتنهم أهل مكة ; وذكروا: أن الصحابي إذا تكلم بكلام الشرك بلسانه، مع بغضه لذلك وعداوة أهله، لكن خوفا منهم، أنه كافر بعد إيمانه. – تأمل كيف ذكر قيد الخوف وليس الإكراه - فكيف بالموحد في زماننا، إذا تكلم في البصرة أو الإحساء أو مكة أو غير ذلك خوفا منهم، لكن قبل الإراه! – وهذا واضح أن مراده التفريق بين الخوف والإكراه وليس تكفير عمار بن ياسر ﵁ وإذا كان هذا يكفر فكيف بمن صار معهم وسكن معهم وصار من جملتهم؟! فكيف بمن أعانهم على شركهم، وزينه لهم؟ فكيف بمن أمر بقتل الموحدين، وحثهم على لزوم دينهم؟ " انتهى. بل إذا افترضنا جدلا أن تفريق الشيخ بين الإكراه الحقيقي، المعتبر في الشرع، وبين الخوف المتوهم، إذا افترضنا أنه لم يوافقه عليه غيره من أهل العلم، وأن الخوف المتوهم، هو مثل الإكراه، فإن الذي يعنينا هنا أن الشيخ ﵀ يجعل عمار بن ياسر من أهل الإكراه الحقيقي، وهم أهل العذر الذي نزلت فيهم الآية؛ ولذلك يقول ﵀ لمخالفه: " وأنت - والعياذ بالله - تنْزل درجة درجة، أول مرة في الشك، وبلد الشرك وموالاتهم، والصلاة خلفهم، وبراءتك من المسلمين مداهنة لهم ... من غير إكراه، لكن خوفا ومداراة؛ وغاب عنك قوله تعالى، في عمار بن ياسر وأشباهه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ ٣، فلم يستثن الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، بشرط طمأنينة قلبه. والإكراه لا يكون على العقيدة، بل على القول والفعل.. " الرسائل الشخصية، رقم (٣٣) ص (٢١٥) ، الدرر السنية (١٣/٦١) . وهذا واضح جدا، ويكفينا هنا في تبرئة الشيخ ﵀ من هذا الفهم السقيم لكلامه، لا سيما إذا ضممنا إليه ما سبق من موقفه العام من صحابة النبي ﷺ . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 31

الصلاة خلف من يكتب التمائم [السُّؤَالُ] ـ[هل تجوز الصلاة خلف إمام يكتب التمائم التي يعتقد بعض الناس أنها تنجي من السحر والعين؟ إذا كانت لا تجوز فما العمل؟ مع العلم أننا نسكن في قرية لا تحتوي إلا على مسجد واحد، الذي يؤمه هذا الإمام؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لا يجوز تعليق التمائم ولو كانت من القرآن الكريم؛ لعموم قوله ﷺ : (مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ) رواه أحمد (١٧٤٤٠) وحسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند. وقوله ﷺ : (مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ) رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم ٦٣٩٤ والتمائم إذا كانت من القرآن، فهي مما اختلف فيه العلماء، والراجح المنع؛ لعموم الأدلة، وسدا للذريعة، ولما في ذلك من الامتهان غالبا، إذا هذه التميمة ينام بها صاحبها، ويدخل بها الخلاء، ونحو ذلك. جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٢١٢) : " اتفق العلماء على تحريم لبس التمائم إذا كانت من غير القرآن، واختلفوا إذا كانت من القرآن، فمنهم من أجاز لبسها ومنهم من منعها، والقول بالنهي أرجح لعموم الأحاديث ولسدِّ الذريعة " انتهى. وينظر: سؤال رقم (١٠٥٤٣) ورقم (٢٠٣٤٩) . ثانيا: إذا كانت التمائم التي يكتبها هذا الإمام مشتملة على أمور شركية، كسؤال غير الله تعالى من الجن أو الملائكة أو الصالحين، أو كان هذا الإمام ممن يمارس هذا النوع من الشرك، أو يدعي علم الغيب، فلا تجوز الصلاة خلفه، وأما إن خلت من الشرك، وكان هو من أهل التوحيد، فالصلاة خلفه صحيحة، ويجب نصحه بكل حال؛ لأن التمائم محرمة بجميع أنواعها كما سبق. سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن الصلاة خلف من يكتب التمائم للناس فأجابت: " تجوز الصلاة خلف الذي يكتب التمائم من القرآن والأدعية المشروعة، ولا ينبغي له أن يكتبها لأنه لا يجوز تعليقها، وأما إذا كانت التمائم تشتمل على أمور شركية، فلا يصلى خلف الذي يكتبها، ويجب أن يبين له أن هذا شرك، والذي يجب عليه البيان هو الذي يعلمها " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/٦٥) . وسئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله عن الصلاة خلف من يكتب التمائم، فأجاب: " وأما ما ذكرتم من كتابته التمائم فالتمائم فيها تفصيل: فإن كانت هذه التمائم فيها ألفاظ شركية ودعاء لغير الله وأسماء مجهولة فهذه لا تجوز كتابتها ولا استعمالها بإجماع أهل العلم، لأنها شرك، وهذا لا يصلى خلفه، أما إذا كانت هذه التمائم مكتوبة من القرآن الكريم ومن الأدعية المباحة والأدعية الواردة، فهذه محل خلاف بين أهل العلم، منهم من أجازها ومنهم من منعها والمنع أحوط؛ لأنه في فتح الباب لكتابتها وتعليقها وسيلة إلى التمائم المحرمة، ولأنه في كتابة القرآن الكريم على صفة تمائم وحروز في ذلك تعريض لإهانته ودخول المواضع التي لا يجوز دخوله بها، لكن لا بأس بالصلاة خلف من يكتبها. فالحاصل أن كتابة التمائم إن كانت بألفاظ شركية أو بأسماء مجهولة أو بدعاء لغير الله أو استنجاد بالشياطين والمخلوقين والجن، فهذه ألفاظ شركية وكاتبها والذي يستعملها ويعلم ما فيها يكون مشركًا، أما إذا كانت من القرآن الكريم فالأحوط تجنبها وتركها وعدم استعمالها " انتهى من "المنتقى من فتاوى الفوزان". وسئل الشيخ ابن باز ﵀: " هل تجوز الصلاة خلف إمام مشعوذ ودجال، علما بأن منهم من يجيد قراءة القرآن؟ وجهونا جزاكم الله خيرا. فأجاب: إذا كان الإمام مشعوذا يدعي علم الغيب أو يقوم بخرافات ومنكرات، فلا يجوز أن يتخذ إماما ولا يصلى خلفه؛ لأن من ادعى علم الغيب فهو كافر نسأل الله العافية , يقول جل وعلا: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النمل/٦٥] وهكذا من يتعاطى السحر حكمه حكم الكفار لقول الله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ) الآية من سورة البقرة/١٠٢. أما إذا كان عنده شيء من المعاصي وليس عنده شيء من أعمال الكفر كالسحر ودعوى علم الغيب ولكن عنده شيء من المعاصي فالصلاة خلفه صحيحة، والأفضل التماس غيره من أهل العدالة والاستقامة احتياطا للدين وخروجا من خلاف العلماء القائلين بعدم جواز الصلاة خلفه. أما العصاة فلا ينبغي أن يتخذوا أئمة، لكن متى وُجدوا أئمة صحت الصلاة خلفهم لأنهم قد يبتلى بهم الناس وقد تدعو الحاجة للصلاة خلفهم. أما من يدعو غير الله أو يستنجد بالموتى ويستغيث بهم ويطلبهم المدد فهذا لا يصلى خلفه؛ لأنه يكون بهذا الأمر من جملة الكفار لأن هذا هو عمل المشركين الذين قاتلهم النبي ﷺ في مكة وغيرها. ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين وأن يمنحهم الفقه في الدين وأن يولي عليهم خيارهم إنه سميع قريب " انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (٩/٢٧٨) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 32

هل فتحت نافذة فوق قبر الرسول ﷺ للاستسقاء ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أريد جوابا تفصيليا عن مدى صحة الحديث الذي يقول به الصوفيون، من حديث عائشة التي تخبر فيه بفتح نافذة في قبر الرسول ﷺ من أجل نزول المطر؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الحديث المقصود يرويه أبو الجوزاء أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: (قُحِطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَحْطاً شَدِيداً، فَشَكَوْا إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِىِّ ﷺ فَاجْعَلُوا مِنْهُ كِوًى إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سَقْفٌ. قَالَ: فَفَعَلُوا، فَمُطِرْنَا مَطَراً حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ وَسَمِنَتِ الإِبِلُ، حَتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ، فَسُمِّىَ عَامَ الْفَتْقِ) . (كوى) جمع "كوة" وهي الفتحة. رواه الدارمي (١/٥٦) رقم (٩٢) تحت باب: ما أكرم الله تعالى نبيه بعد موته. قال الدارمي: حدثنا أبو النعمان، ثنا سعيد بن زيد، ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال:. . . ثم ذكر الحديث. وهذا الأثر ضعيف، لا يصح، وقد بَيَّن العلامة الألباني ضعفه، فقال في كتابه: "التوسل" (ص١٢٨) : "وهذا سند ضعيف لا تقوم به حجة لأمور ثلاثة: أولها: أن سعيد بن زيد وهو أخو حماد بن يزيد فيه ضعف. قال فيه الحافظ في "التقريب": صدوق له أوهام. وقال الذهبي في "الميزان": "قال يحيى بن سعيد: ضعيف. وقال السعدي: ليس بحجة، يضعفون حديثه. وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي. وقال أحمد: ليس به بأس، كان يحيى بن سعيد لا يستمرئه". وثانيها: أنه موقوف على عائشة وليس بمرفوع إلى النبي ﷺ ، ولو صح لم تكن فيه حجة، لأنه يحتمل أن يكون من قبيل الآراء الاجتهادية لبعض الصحابة مما يخطئون فيه ويصيبون، ولسنا ملزمين بالعمل بها. وثالثها: أن أبا النعمان هذا هو محمد بن الفضل يعرف بعارم وهو وإن كان ثقة فقد اختلط في آخر عمره. وقد أورده الحافظ برهان الدين الحلبي في "الاغتباط بمن رمي بالاختلاط" تبعا لابن الصلاح حيث أورده في (المختلطين) من كتابه "المقدمة" وقال: "والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل من أخذ عنهم بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده". قلت (الألباني) : وهذا الأثر لا يُدرى هل سمعه الدارمي منه قبل الاختلاط أو بعده، فهو إذن غير مقبول، فلا يحتج به. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرد على البكري": "وما روي عن عائشة ﵂ من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل المطر فليس بصحيح، ولا يثبت إسناده، ومما يبين كذب هذا: أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة بل كان باقيا كما كان على عهد النبي ﷺ ، بعضه مسقوف، وبعضهم مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء. بعد ولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في إمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول ﷺ . . ومن حينئذ دخلت الحجرة النبوية في المسجد ثم إنه بنى حول حجرة عائشة التي فيها القبر جداراً عالياً وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف. وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بَيِّن" انتهى. ثانيا: ليس في هذا الحديث دليل لما يعتقده غلاة الصوفية من جواز الاستغاثة بالنبي محمد ﷺ ، فأنت لا تجد في الحديث شيئا يدل على ذلك من قريب أو من بعيد، وغاية ما فيه إثبات كرامة للنبي ﷺ بعد موته، كما وصفها الدارمي في "مسنده" في تبويب الحديث، وهي بركة جسده الطاهر، وقدره الشريف عند الله تعالى، ولا يعني ذلك جواز أن يذهب المسلمون إليه ليستغيثوا به وهو في قبره، والصحابة رضوان الله عليهم لم يفعلوا ذلك، إنما كشفوا كوة من سقف حجرته ليواجه السماء، ولم يطلب أحد منهم السقيا من النبي ﷺ ، ولا خاطبوه بحاجتهم إلى ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص/٣٣٨) : " قصد القبور للدعاء عندها، ورجاء الإجابة بالدعاء هناك رجاء أكثر من رجائها بالدعاء في غير ذلك الموطن: أمرٌ لم يشرعه الله ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء والصالحين المتقدمين، بل أكثر ما ينقل من ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة الثانية. وأصحابُ رسول الله ﷺ قد أجدبوا مرات، ودهمتهم نوائب غير ذلك، فهلا جاءوا فاستسقوا واستغاثوا عند قبر النبي ﷺ ؟! بل خرج عمر بالعباس فاستسقى به (أي بدعائه) ، ولم يستسق عند قبر النبي ﷺ . بل قد روي عن عائشة ﵂ أنها كشفت عن قبر النبي ﷺ لينزل المطر، فإنه رحمة تنزل على قبره، ولم تستسق عنده، ولا استغاثت هناك" انتهى. وبهذا يظهر أنه لا حجة في هذا الأثر للصوفية على جواز الاستغاثة بالرسول ﷺ ، أو التوسل بذاته أو جاهه إلى الله تعالى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 33

الاستخفاف بالله سبحانه على جهة الهزل [السُّؤَالُ] ـ[ي بخصوص صديق لي كان يمزح بجهل، فأثناء ما كان يمزح مع صديق آخر استفزه الأخير، فالتقط الأول سماعة الهاتف وقال بكل جهل: "لابد أن أخبر الله". ثم استمر قائلا في الهاتف: "مرحبا الله" كأنه يتكلم إلى الله، وأنا أعلم أن هذا لا يجوز لكن هل هذا شرك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وبعد، فالإيمان بالله تعالى مبني على تعظيمه سبحانه وإجلاله والانقياد له، ولذا عاب الله الكافرين وأخبر أنهم إنما أشركوا به سبحانه غيره لما لم يقدروا الله حق قدره فقال: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الزمر /٦٧. فالله جل شأنه هو العظيم الذي تكاد السماوات تتفطر من عظمته كما قال سبحانه: (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الشورى/٥. ومن تفكر في مخلوقات الله رأى طرفا من آثار عظمته سبحانه، يقول النبي صلى الله وسلم في وصف الكرسي والعرش: (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة) صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/٢٢٣) . ولا يجتمع في القلب الواحد تعظيم الله مع الاستخفاف به ولذا كان الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته ورسله كفر كيفما وقع جدا أو هزلا قال الله تعالى في سورة التوبة: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) التوبة ٦٤-٦٦. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله جادا أو هازلا فقد كفر" الصارم المسلول (٢/٧٠) وقال القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن عند هذه الآية: " لا يخلو أن يكون ما قالوه ـ أي المنافقين ـ من ذلك جدا أو هزلا، وهو ـ كيفما كان ـ كفر؛ فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة " اهـ. وقال العلامة السعدي: " إن الاستهزاء بالله ورسوله كفر يخرج عن الدين لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله وتعظيم دينه ورسله والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة ". وما قاله هذا الرجل فيه استخفاف بالله سبحانه ـ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ـ، وتنزيل لله ـ جل شانه وعز سلطانه ـ منزلة البشر، في الخطاب والكلام، وهذا كفر لا يشك فيه من له أدنى معرفة بدين الله، ولا يقدم عليه إلا جاهل طافح الجهل، أو رجل لا يعرف قلبه لله وقارا!! ثم زاد كفر الاستهزاء واللعب كفرا وضلالا، قول هذا البائس: (لا بد أن أخبر الله) ؛ فهل يحتاج الله تعالى إلى خبر الجاهل الظلوم؟!! (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) آل عمران/٥. فعلى هذا المسكين أن يجدد إيمانه، ويدخل في الإسلام من جديد، ويتوب إلى الله تعالى من هذا الكفر الصراح، وليستكثر ـ فيما بقي من عمره ـ من الصالحات والخيرات، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لعل الله تعالى أن يتجاوز عنه، ويغفر له جهله وعدوانه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 34

حكم عرض شعار الصحة المشتمل على صليب [السُّؤَالُ] ـ[لدي صيدلية ببرمنجهام انجلترا (المملكة المتحدة) وعلامة شعار الخدمة الوطنية للعناية بالصحة ببلدنا هو صليب يشبه هذا الشكل + ورأيي الحالي هو أنه يحرم عرض هذا الشكل لأن هناك عددا كبيرا من الأحاديث تخبرنا بأن حبيبنا رسول الله سيشوه أى شيئ يشبه الصليب، ولذلك فأنا لا أقوم حاليا بعرض ذلك الشعار لكنى آمل أن تتمكنوا من تأكيد ما إذا كنت قد أصبت بعدم عرضى له أم أن الإسلام يجيز لى عرضه. وجزاكم الله خيرا وأحسن الجزاء]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا كان هذا الشعار يحتوي على شكل الصليب الذي يعظمه النصارى، ووضع في الشعار لأنه صليب، فلا يجوز تعليقه أو عرضه، وقد أصبت في عملك؛ لما روى البخاري (٥٩٥٢) عن عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ. وروى أحمد (٢٤٥٦٧) عن أُمّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَطُوفُ بِالْبَيْتِ مَعَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَرَأَتْ عَلَى امْرَأَةٍ بُرْدًا فِيهِ تَصْلِيبٌ، فَقَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: اطْرَحِيهِ اطْرَحِيهِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى نَحْوَ هَذَا قَضَبَهُ. وأما شكل الصليب: فمن أهل العلم من قيده بأن يكون الخط الطولي، أعلاه أقل من أسفله، ومنهم من لم يشترط ذلك. ولهذا نقول: إذا كان على شكل الصليب المعظم هناك، فهو صليب. كما يشترط أن يوضع لأنه صليب، بخلاف ما لو كان علامة للحساب مثلا. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " والصليب كل ما كان على شكل خطين متقاطعين هكذا عرفه صاحب المنجد ومعناه أن يكون على شكل خط مستقيم رأسه إلى فوق يعترضه خط رأسه إلى الجانب سواء كان هذا الخط المعترض في وسط الخط المستقيم أو فوق وسطه " انتهى من مجموع الفتاوى المجلد السادس، خطبة في تحقيق التوحيد. وفي فتاوى اللجنة الدائمة (٢/١٢١) : " شكل الصليب المدعى، الذي هو اليوم شعار النصارى، هو وضع خط ونحوه على خط أطول منه قليلا، بحيث يقع الأعلى القصير على قرابة ثلث الأسفل الطويل من فوق على أن يشكل التقاطع زوايا قائمة. عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز ". وفيها أيضا (٦/١٨٢) : " ولا فرق بين ما إذا كان الخط العمودي في الصليب أطول من الأفقي وما إذا كان مثله، ولا بين ما إذا كان الجزء الأعلى من تقاطع الخطين أقصر أو مساو للأسفل منه. عبد الله بن قعود ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز" انتهى. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 35

التبرك بماء قيل إنه فيه شعرة للنبي ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[لقد حضرت محاضرة في الأردن وقد كان الموضوع عن المسجد الأقصى ونصرة الدين وقد كانت المحاضِرة قد أحضرت لنا ماء مغموس بشعرة الحبيب محمد ﷺ , وهذه الشعرة موجودة في مسجد الجزار في عكا في فلسطين. وقد وضع الماء داخل قارورة ثم خلطوها بخزان الماء حتى يستفيد منه أكبر عدد من النسوة وقد أخذت الماء مثلهن..والسؤال هل يجوز التبرك بهذا الماء بهدف الشفاء وأخذ البركة أفتونا جزاك الله كل خير مع العلم أن الماء ما زال عندي ولم أستخدمه بعد.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اتفق العلماء على جواز التبرك بآثار الرسول ﷺ ، من شعر وعرق وغيره؛ لقيام الأدلة على ذلك، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ فَقَالَ احْلِقْ فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَالَ اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ) رواه مسلم (١٣٠٥) . وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ كَانَتْ تَبْسُطُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نِطَعًا فَيَقِيلُ عِنْدَهَا عَلَى ذَلِكَ النِّطَعِ، فَإِذَا نَامَ النَّبِيُّ ﷺ أَخَذَتْ مِنْ عَرَقِهِ وَشَعَرِهِ فَجَمَعَتْهُ فِي قَارُورَةٍ ثُمَّ جَمَعَتْهُ فِي سُكٍّ. قَالَ [القائل هو ثمامة بن عبد الله بن أنس] : فَلَمَّا حَضَرَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْوَفَاةُ أَوْصَى إِلَيَّ أَنْ يُجْعَلَ فِي حَنُوطِهِ مِنْ ذَلِكَ السُّكِّ قَالَ فَجُعِلَ فِي حَنُوطِهِ. رواه البخاري (٦٢٨١) والنطع: بساط من جلد. والسُّك: نوع من الطيب يركب من المسك وغيره. فهذا وغيره يدل على أن ذات الرسول ﷺ وما انفصل عنها من شعر وعرق ونحوه قد جعل الله فيه من البركة ما يتبرك بها ويرجى بسببها الفائدة في الدنيا والآخرة، والواهب لهذا الخير هو الله ﵎. لكن الزعم الآن بأن هذا من شعر النبي ﷺ أو آثاره، زعم لا يسنده دليل. وعامة ما يقال في هذا الباب هو نوع من الدجل والخرافة، كقولهم: إن هذه شعرة للنبي ﷺ لأنها إذا وضعت تحت الشمس لم يكن لها ظل!! ومثل هذا الكلام لا ينبغي أن يلتفت إليه. قال الشيخ الألباني ﵀: " ونحن نعلم أن آثاره ﷺ من ثياب أو شعر أو فضلات، قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين " التوسل ص ١٤٧ وعليه فلا يجوز التبرك بالماء المسئول عنه، حتى يعلم جزما أن ما وضع فيه هو من شعر النبي ﷺ ، ولا سبيل لإثبات ذلك. وينبغي الحذر من أهل الدجل والخرافة، ومروجي البدع، كما ينبغي تلقي العلم والدعوة على يد المعروفين بالسنة الذابين عنها والناشرين لها، وليتأمل العاقل كيف يتحول الحديث عن نصرة الدين إلى تعليق الناس بالأمور غير الثابتة! وكان الأجدى بالمحاضِرة أن تدعو الناس إلى تعلم السنة والتمسك بها؛ لأن ذلك من أسباب النصر. رزقنا الله وإياكم حسن الاتباع. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 36

حكم دراسة علم النفس والقانون [السُّؤَالُ] ـ[أدرس حاليا علم النفس والقانون، وأفكر في أن أحصل على شهادتي العلمية في مجال علم النفس. فهل تجوز دراسة علم النفس والقانون والحصول على شهادة علمية فيهما، وفى حال جواز ذلك أرجو أن تمدوني بدليل وأن تقرنوه بإجابتكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: هذان العلمان (علم النفس والقانون) تدرس فيهما المسائل على خلاف الشريعة الإسلامية؛ وهذا أمر مفهوم ومنطقي باعتبار أن القانون عند غير المسلمين يقابل الشريعة الإسلامية، وأن علم النفس عندهم يقابل الأخلاق والزهد والرقاق والتزكية والسلوك والتربية، وبما أن القوم لا يدينون بدين الإسلام، أيا كانت ملتهم مذهبهم؛ فمنطقي ـ كذلك ـ أن يصدروا في قانونهم وأخلاقهم عن غير شرع الله تعالى الذي ارتضاه لعباده، وإنما يصدرون في ذلك عن تجاربهم أو عقولهم أو أذواقهم أو أعرافهم؛ أو غير ذلك مما يجعلونه لهم، ونظاما يتبعونه. وإذا كان الأمر كذلك، فإن دراسة هذين العلمين وأشباههما - كالفلسفة والاقتصاد غير الإسلامي – لا تجوز للمسلم على سبيل الإفادة ـ المطلقة ـ منها واعتقاد ما فيها من ضلال والعمل به، واتخاذه دينا وشرعا متبعا؛ فإن الخير كل الخير في اتباع ما جاء به النبي من الهدى والنور، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (النساء:١٧٤) ، وقال تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) (المائدة: من الآية١٥) ، وقال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (يونس:١٠٨) . وقد نهى النبي ﷺ المسلمين عن النظر في كتب أهل الكتاب وغيرهم، وغضب ﷺ عندما رأى في يد عمر ﵁ كتابا من كتب اليهود كما جاء في مسند أحمد (١٤٦٢٣) (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ فَقَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَغَضِبَ فَقَالَ أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى ﷺ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) [حسنه الألباني في الإرواء: ٦/٣٤] . ويتأكد النهي عن تعلم ودراسة هذه العلوم إذا كان المسلم غير مؤهل لمعرفة ما فيها من شر، والتمييز بينه وبين ما فيها من خير؛ فإنه لابد إذا كان حاله كذلك أن يصيبه شيء من شرها؛ كما هو مشاهد من كثير ممن درس هذه العلوم من المسلمين في القرنين الماضيين، ممن سموا برواد التنوير في العالم العربي، ففتنوا وكانوا طليعة لتنحية الشريعة عن الحكم في بلاد المسلمين، وأحلوا مكانها القانون الروماني والفرنسي، وحاولوا وجدوا في صبغ المجتمعات الإسلامية بالصبغة الغربية في جميع مجالات الحياة، ووسموا القابضين على دينهم من المسلمين بالرجعية والتخلف والجمود والأصولية والظلامية، وأمثال هذه الألفاظ النابتة في البيئة الأوروبية. أما إذا كان المسلم من الكفاية العقدية والعقلية؛ بحيث لا يُخاف على مثله من الشبه والزيغ الموجود في هذه العلوم؛ فيجوز له دراستها، بل قد يجب على أفراد بأعيانهم متابعةُ الجديد عند غير المسلمين من نظريات وأفكار وفلسفات، للرد عليها وتبيين ما فيها من زيغ إذا تسربت إلى بلاد المسلمين، مستترة في أزياء الأدب والفن والثقافة ومناهج التعليم والاقتصاد والاجتماع ونظم الحكم والإدارة. ويتأكد الأمر إذا كان بتكليف من ولي الأمر المسلم الناصح لأمته، كما أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت بتعلم لغة اليهود. وقد بوب بذلك البخاري ﵀ في صحيحه - (٦/٢٦٣١) فقال: بَاب تَرْجَمَةِ الْحُكَّامِ وَهَلْ يَجُوزُ تَرْجُمَانٌ وَاحِدٌ وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كُتُبَهُ وَأَقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ. (رواه الترمذي وصححه برقم ٢٦٣٩) ، وصححه الألباني: المشكاة (٤٦٥٩) . وقد ورد إلى اللجنة الدائمة للإفتاء سؤال في هذا المعنى فأجابت بالآتي: " لا يجوز تعلم القوانين الوضعية لتطبيقها، ما دامت مخالفة لشرع الله، وتجوز دراستها وتعلمها لبيان ما فيها من دخل وانحراف عن الحق، ولبيان ما في الإسلام من العدل والاستقامة، والصلاح، وما فيه من غنى وكفاية لمصالح العباد. ولا يجوز لمسلم أن يدرس الفلسفة والقوانين الوضعية ونحوهما، إذا كان لا يقوى على تمييز حقها من باطلها خشية الفتنة والانحراف عن الصراط المستقيم، ويجوز لمن يهضمها ويقوى على فهمها بعد دراسة الكتاب والسنة؛ ليميز خبيثها من طيبها، وليحق الحق ويبطل الباطل، ما لم يشغله ذلك عما هو أوجب منه شرعا، وبهذا يُعلم أنه لا يجوز تعميم تعليم ذلك في دور العلم ومعاهده، بل يكون لمن تأهل له من الخواص؛ ليقوموا بواجبهم الإسلامي من نصرة الحق ودحض الباطل. فتاوى اللجنة الدائمة (١٤ / ٢٣٢- ٢٣٣) . فالنصيحة للأخ الكريم أن ينظر في حاله: هل تتوفر فيه الشروط المشار إليها؛ من العلم بالعقيدة الصحيحة والثبات عليها والتمتع بالعقل الراجح المميز بين الحق والباطل، والقدرة على دحض الشبه والزيغ بالأدلة الصحيحة والنصح للإسلام، فإن آنس من نفسه ذلك فليقدم على دراسة هذين العلمين، بعد استخارة الله تعالى، وإلا فالأولى في حقه ترك هذه الدراسة إلى شيء من العلوم المادية البحتة. وليعلم أن من ترك شيئا لله أبدله الله خيرا منه. نسأل الله لك التوفيق والهداية لما ينفعك في دينك ودنياك. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 37

أركان الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[نرجو أن تشرح لنا أركان الإسلام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الإسلام يقوم على خمس أركان بينها الرسول ﷺ بقوله: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان) متفق عليه أخرجه البخاري برقم ٨. والإسلام عقيدة وشريعة بيّن الله ورسوله فيه الحلال والحرام والأخلاق والآداب والعبادات والمعاملات والحقوق والواجبات ومشاهد القيامة، فلما أكمل الله هذا الدين على يد رسوله ارتضاه ليكون منهج حياة للبشرية كلها إلى أن تقوم الساعة: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة/٣. وهذه أركان الإسلام وقواعده التي يقوم عليها (الركن الأول الشهادتان) : أن يعتقد الإنسان أن الله وحده هو الرب المالك المتصرف الخالق الرزاق، ويثبت له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى التي أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله ويعتقد أن الله وحده هو المستحق للعبادة دون سواه كما قال سبحانه: (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم، ذلكم الله ربكم لا إله إلا الله هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل) الأنعام/١٠١-١٠٢. كما يعتقد الإنسان أن الله أرسل رسوله محمداً ﷺ وأنزل عليه القرآن وأمره بإبلاغ هذا الدين إلى الناس كافة ويعتقد أن محبة الله ورسوله وطاعتهما واجبة على كل أحد ولا تتحقق محبة الله إلا بمتابعة رسوله ﷺ : (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) آل عمران /٣١. (الركن الثاني الصلاة) : أن يعتقد الإنسان أن الله أوجب على كل مسلم بالغ عاقل خمس صلوات في اليوم والليلة يؤديها على طهارة فيقف بين يدي ربه كل يوم طاهراً خاشعاً متذللاً يشكر الله على نعمه ويسأله من فضله ويستغفره من ذنوبه ويسأله الجنة ويستعيذ به من النار والصلوات المفروضة في اليوم والليلة خمس صلوات هي الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء وهناك صلوات مسنونة كقيام الليل، وصلاة التراويح. وركعتي الضحى وغيرها من السنن. والصلاة فرضاً كانت أو نفلاً تمثل صدق التوجه إلى الله وحده في جميع الأمور وقد أمر الله المؤمنين كافة بالمحافظة عليها جماعة بقوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) البقرة/٢٣٨ والصلوات الخمس واجبة على كل مسلم ومسلمة في اليوم والليلة: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) النساء/ ١٠٣. ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة فمن تركها عامداً فقد كفر كما قال سبحانه: (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين) الروم /٣١. والإسلام يقوم على التعاون والأخوة والمحبة وقد شرع الله الاجتماع لهذه الصلوات وغيرها لتتحقق هذه الفضائل قال ﵊: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) . رواه مسلم برقم ٦٥٠. والصلاة عون للعبد على الشدائد والكربات قال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) البقرة/٤٥. والصلوات الخمس تمحو الخطايا كما قال ﵊: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا لا يبقى من درنه شيء. قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) رواه مسلم برقم ٦٧٧. والصلاة في المسجد سبب لدخول الجنة قال ﵊ من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح) . رواه مسلم برقم ٦٦٩. والصلاة تجمع بين العبد وخالقه وكانت قرة عين الرسول ﷺ فكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة يناجي ربه ويدعوه ويستغفره، ويسأله من فضله. والصلاة بخشوع وتذلل. تقرب المسلم من ربه وتنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال سبحانه: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) العنكبوت /٤٥. (الركن الثالث الزكاة) : خلق الله الناس مختلفين في الألوان والأخلاق والعلوم والأعمال والأرزاق فجعل منهم الغني والفقير ليمتحن الغني بالشكر ويمتحن الفقير بالصبر ولما كان المؤمنون أخوة والأخوة تقوم على العطف والإحسان والرأفة والمحبة والرحمة لذا أوجب الله على المسلمين زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم) التوبة/١٠٣. فالزكاة تطهر المال وتنميه وتزكي النفوس من الشح والبخل وتقوي المحبة بين الأغنياء والفقراء فيزول الحقد ويسود الأمن وتسعد الأمة. وقد أوجب الله إخراج الزكاة على كل من ملك نصاباً حال عليه الحول من الذهب والفضة أو المعادن وعروض التجارة ربع العشر أما الزروع والثمار ففيها العشر إذا سقيت بلا مؤونة ونصف العشر فيما سقى بمؤونة عند الحصاد وفي بهيمة الأنعام مقادير مفصلة في كتب الفقه , فمن أخرجها كفر الله عنه سيئاته وبارك في ماله وادخر له الأجر العظيم قال تعالى: (وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه إن الله بما تعملون بصير) البقرة /١١٠. ومنع الزكاة يجلب المصائب والشرور للأمة وقد توعد الله من منعها بالعذاب الأليم يوم القيامة فقال : (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم - يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) التوبة /٣٤-٣٥. وإخفاء الزكاة أفضل من إظهارها أمام الناس كما قال تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير) البقرة / ٢٧١ وإذا أخرج المسلم الزكاة فلا يجوز صرفها إلا فيما ذكر الله بقوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) التوبة /٦٠. (الركن الرابع صيام رمضان) : الصيام هو الإمساك عن المفطرات من الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية الصوم. والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. وقد فرض الله الصوم على هذه الأمة شهراً في السنة لتتقي الله وتجتنب ما حرم الله ولتتعود على الصبر , وكبح جماح النفس وتتنافس في الجود والكرم والتعاون والتعاطف , والتراحم قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة /١٨٣ شهر رمضان شهر عظيم أنزل الله فيه القرآن وتضاعف فيه الحسنات والصدقات والعبادات وفيه ليلة القدر , خير من ألف شهر تفتح فيه أبواب السماء وتغلق أبواب جهنم. وتصفد الشياطين وقد أوجب الله صيام شهر رمضان على كل مسلم بالغ عاقل من ذكر وأنثى كما قال سبحانه: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه , ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) البقرة/١٨٥ والصوم ثوابه عظيم عند الله قال ﵊: (كل عمل ابن آدم يضاعف , الحسنة بعشر أمثالها , إلى سبعمائة ضعف قال الله إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به , يدع شهوته , وطعامه من أجلي) رواه مسلم , الصيام. (الركن الخامس الحج) : جعل الله للمسلمين قبلة يتجهون إليها عند صلاتهم ودعائهم حيث ما كانوا وهي البيت العتيق في مكة المكرمة: (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) البقرة /١٤٤. ولما كانت ديار المسلمين متباعدة والإسلام يدعوا إلى الاجتماع والتعارف , كما يدعو إلى التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والدعوة إلى الله وتعظيم شعائر الله لذا أوجب الله على كل مسلم بالغ عاقل قادر أن يزور بيته العتيق , ويطوف به , ويؤدي مناسك الحج كما بينها الله ورسوله. فقال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) آل عمران /٩٧. والحج موسم تتجلى فيه وحدة المسلمين , وقوتهم , وعزتهم فالرب واحد والكتاب واحد والرسول واحد والأمة واحدة والعبادة واحدة والملابس واحدة. وللحج آداب وشروط يجب أن يعمل بها المسلم كحفظ اللسان والسمع والبصر عما حرم الله وإخلاص النية وطيب النفقة , والتحلي بمكارم الأخلاق والابتعاد عن كل ما يفسد الحج من الرفث والفسوق والجدل كما قال سبحانه: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب) البقرة /١٩٧. والحج إذا قام به المسلم على الوجه الشرعي الصحيح , وكان خالصاً لله كان كفارة لذنوبه قال ﵊: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) رواه البخاري برقم ١٥٢١٠. [الْمَصْدَرُ] من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.

стр. 38

مراتب الدين الإسلامي [السُّؤَالُ] ـ[هل للدين الإسلامي مراتب، وما هي مراتبه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وبعد: فإن للدين الإسلامي ثلاث مراتب وهي: الإسلام، والإيمان، والإحسان. وكل مرتبة لها معنى، ولها أركان. فالمرتبة الأولى: الإسلام وهو لغة: الانقياد والإذعان. وأما في الشرع: فيختلف معناه بحسب إطلاقه وله حالتان: الحالة الأولى: أن يطلق مفرداً غير مقترن بذكر الإيمان فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله، كقوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) آل عمران/١٩، وقوله تعالى: (ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة/٣، وقوله: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) آل عمران/٨٥. ولذا عرفه بعض أهل العلم بقوله: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله. الحالة الثانية: أن يطلق مقترنا بالإيمان فهو حينئذ يراد به الأعمال والأقوال الظاهرة كقوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) الحجرات/١٤ وفي صحيح البخاري (٢٧) ومسلم (١٥٠) عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَوْ مُسْلِمًا" قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمًا" قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَوْ مُسْلِمًا إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ " فقوله ﷺ : "أو مسلما "؛ لما قال له سعد ﵁ مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا: يعني أنك لم تطلع على إيمانه وإنما اطلعت على إسلامه من الأعمال الظاهرة. والمرتبة الثانية: الإيمان وهو في اللغة: التصديق المستلزم للقبول والإذعان. وفي الشرع: يختلف معناه بحسب إطلاقه وله حالتان أيضا: الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام فحينئذ يراد به الدين كله كقوله : (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) البقرة /٢٥٧، وقوله تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) المائدة/٢٣ وقوله ﷺ : " إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون " أخرجه مسلم (١١٤) . ولهذا أجمع السلف على أنه: " تصديق بالقلب ـ ويدخل فيه أعمال القلب ـ، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية " ولهذا حصر الله الإيمان فيمن التزم الدين كله باطنا وظاهرا في قوله : (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) الأنفال/٢-٤ وقد فسر الله تعالى الإيمان بذلك كله في قوله تعالى: (ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) البقرة/١٧٧، وفسره النبي ﷺ بذلك كله في حديث وفد عبد القيس في صحيح البخاري (٥٣) ومسلم (١٧) فقال: " آمركم بالإيمان بالله وحده قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تؤدوا من المغنم الخمس ". وقد جعل ﷺ صيام رمضان إيمانا واحتسابا من الإيمان وكذا قيام ليلة القدر وكذا أداء الأمانة وكذا الجهاد والحج واتباع الجنائز وغير ذلك وفي صحيح البخاري (٩) ومسلم (٣٥) : " الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " والآيات والأحاديث في هذا الباب يطول ذكرها. والحالة الثانية: أن يطلق الإيمان مقرونا بالإسلام وحينئذ يفسر بالاعتقادات الباطنة كما في حديث جبريل وما في معناه وكما في قول النبي ﷺ في دعاء الجنازة: "الهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان " أخرجه الترمذي (١٠٢٤) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (١ / ٢٩٩) وذلك أن الأعمال بالجوارح وإنما يتمكن منها في الحياة فأما عند الموت فلا يبقى غير قول القلب وعمله. والحاصل أنه إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ بل كل منهما على انفراده يشمل الدين كله وإن فرق بين الاسمين كان الفرق بينهما بما ذكر (وهو أي الإسلام يختص بالأمور الظاهرة على الجوارح والإيمان بالأمور القلبية الباطنة) وهو الذي دل عليه حديث جبريل الذي رواه مسلم في صحيحه (٨) عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الإِسْلامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَان،َ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الإِيمَانِ. قَالَ: " أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ " قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الإِحْسَانِ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ" قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا؟ قَالَ: " أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ " قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي:" يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ "؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ" والمرتبة الثالثة: الإحسان وهو في اللغة: إجادة العمل وإتقانه وإخلاصه. وفي الشرع يختلف معناه بحسب إطلاقه وله حالتان: الحالة الأولى: أن يطلق على سبيل الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام والإيمان، فيراد به الدين كله كما سبق في الإسلام والإيمان. الحالة الثانية: أن يقترن بهما أو أحدهما فيكون معناه: تحسين الظاهر والباطن وقد فسره النبي ﷺ تفسيراً لا يستطيعه أحد من المخلوقين غيره ﷺ لما أعطاه الله من جوامع الكلم فقال ﷺ : " الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وهي أعلى مراتب الدين وأعظمها خطرا وأهلها هم السابقون بالخيرات المقربون في أعلى الدرجات. وقد أخبر ﷺ أن مرتبة الإحسان على درجتين وأن للمحسنين في الإحسان مقامين متفاوتين: المقام الأول وهو أعلاهما: أن تعبد الله كأنك تراه وهذا يسميه بعض العلماء (مقام المشاهدة) وهو أن يعمل العبد كأنه يشاهد الله بقلبه فيتنور القلب بالإيمان حتى يصير الغيب كالعيان فمن عبد الله على استحضار قربه منه وإقباله عليه وأنه بين يديه كأنه يراه أوجب له ذلك الخشية والخوف والهيبة والتعظيم. المقام الثاني: مقام الإخلاص [والمراقبة] وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله، وإرادته بالعمل. وهذا المقام إذا حققه العبد سهل عليه الوصول إلى المقام الأول. ولهذا أتى به النبي ﷺ تعليلا للأول فقال: " فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وفي بعض ألفاظ الحديث: " فإنك إلا تكن تراه فإنه يراك" فإذا تحقق في عبادته بأن الله تعالى يراه ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره ولا يخفى عليه شيء من أمره فحينئذ يسهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني وهو دوام استشعار قرب الله تعالى من عبده ومعيته حتى كأنه يراه. نسأل الله من فضله العظيم. يراجع معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي (٢ / ٢٠ – ٣٣، ٣٢٦ – ٣٢٨) (المجموع الثمين ١ / ٤٩، ٥٣) (جامع العلوم والحكم ١/ ١٠٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 39

يسأل عن العقيدة الطحاوية [السُّؤَالُ] ـ[ما هي العقيدة الطحاوية؟ وما هو مقصدها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله العقيدة الطحاوية هي كتاب يحوي العقيدة التي كتبها الإمام الطحاوي فنسبت إليه، والتعريف بهذه العقيدة يقتضي النظر فيها من عدة جوانب: أولا: المؤلف: هو الإمام المحدث الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي – نسبة إلى قرية بصعيد مصر -، تخرَّج على كثير من الشيوخ وأخذ عنهم وأفاد منهم، وقد أربى عددهم على ثلاثمائة شيخ. أثنى عليه غير واحد من أهل العلم: قال ابن يونس: كان الطحاوي ثقة ثبتا فقيها عاقلا لم يخلف مثله. وقال الذهبي: الفقيه المحدث الحافظ أحد الأعلام وكان ثقة ثبتا فقيها عاقلا. وقال ابن كثير: هو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة. وله من التصانيف ما هو في غاية التحقيق والجمع وكثرة الفوائد منها كتابه العظيم "معاني الآثار" فيه من الأبحاث الفقيهة المقرونة بدليلها مع مناقشة الخلاف والترجيح. ومنها كتاب "مشكل الآثار" وغيرها. توفي ﵀ سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة (٣٢١هـ) ودفن في مصر بالقرافة. انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (١٥/٢٧-٣٣) ، "البداية والنهاية" (١١/١٧٤) ثانيا: هذه العقيدة التي كتبها الطحاوي ذكر فيها جُمَلا من عقائد السلف الصالحين ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، والتي يقررها أئمة الأحناف – فقد كان الطحاوي على مذهب أبي حنيفة - وقد بين في مقدمته مقصوده من ذلك فقال: " هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء المِلَّة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين " انتهى. ثم شرع في ذكر أصول هذه العقائد، فبلغ ما ذكره (١٠٥) جملة من الأمور التي يؤمن بها أهل السنة والجماعة عامة. ابتدأها ببيان وحدانية الله تعالى وذكر شيء من صفات ربوبيته سبحانه كالحياة والقيومية والخلق والرزق، وإثبات صفات الكمال إثباتا بلا تكييف ولا تشبيه لقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الشورى/١١، ثم أعقبه بذكر وجوب الإيمان بنبوة محمد ﷺ وعموم بعثته، ثم التعريف بالقرآن الكريم وأنه كلام الله غير مخلوق، وإثبات رؤية الله في الآخرة، ثم ذكر بعض ما يؤمن به أهل السنة من الغيبيات كالحوض والشفاعة والعرش والكرسي، وبعدها ذكر من أركان الإيمان القضاء والقدر، وما يعتقد أهل السنة والجماعة في هذا الباب، ثم انتقل إلى تعريف الإيمان وبيان أركانه وأنه يزيد وينقص ووضح مذهب أهل السنة بين مذاهب الخوارج والمرجئة، كما قرر ما يؤمن به أهل السنة في الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وأن حبهم من الدين والإيمان والإحسان، وبغضهم من الكفر والنفاق والعصيان، ثم عرج على شيء من أشراط الساعة وما يكون يوم القيامة، ثم ختم رسالته ببيان وسطية هذا الدين، وأنه وسط بين الغلو والتقصير. ثالثا: وهي عقيدة سهلة العبارة، واضحة المعنى، تتسم بالجمع والاختصار، وقد اجتمع على مجملها أهل السنة والجماعة، فكانت – في معظمها – محل إجماع واتفاق بين أهل العلم. وقد اهتم كثير من العلماء بشرح هذه العقيدة وتفسير كلماتها ومعانيها، ومن أشهرهم ابن أبي العز الحنفي، حيث كتب شرحا مطولا عليها، ثم من المتأخرين الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمهما الله، وكذا فضيلة الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي حفظه الله، فيمكن لمن أراد التوسع في فهم معاني الطحاوية الرجوع إلى هذه الشروح. رابعا: عقيدة الطحاوي اقتصرت على جمل المسائل، وإنما الذي كتب لها الذيوع والشهرة في أوساط السلفيين خاصة، هو شرحها الذي كتبه العلامة ابن أبي العز الحنفي ﵀، وهو أهم شروحها وأوسعها مادة، وقد استقى مادة هذا الشرح من كتب أهل السنة، لاسيما كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه ابن القيم ﵀. خامسا: رغم ما أشرنا إليه من محاسن هذه العقيدة، وشرحها للعلامة ابن أبي العز؛ ففيها ـ أيضا ـ عدة مسائل قد انتقدت، لمخالفتها لما عليه السلف؛ مثل قوله في تعريف الإيمان: " والإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان "؛ فإن الاقتصار على ذلك هو مذهب مرجئة الفقهاء الذين يخرجون أعمال الجوارح من حقيقة الإيمان. وهكذا قوله بعدها: " والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء ". وفيها أيضا بعض العبارات المجملة التي تحتمل معاني باطلة، بل كثر استعمالها من أهل البدع في مقاصد تخالف ما عليه السلف الصالح؛ مثل قوله: " وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات كسائر المبتدعات "؛ فمثل هذه العبارات يستعملها المعطلة في نفي ما ثبت لله تعالى في كتابه وسنة رسوله، من الصفات الحسنى اللائقة بكماله سبحانه، مثل الوجه واليدين والعينين..، فيسمونها الجوارح والأعضاء، وينزهون الله عنها. ومثل علوه سبحانه فوق خلقه، واستوائه على عرشه في سمائه، فيسمون هذه " جهة، ومكانا " وينزهون الله تعالى عنها. ولأجل ذلك كان من المهم لطالب العلم أن يعتني بأخذ هذه العقيدة عمن شرحها من أهل السنة، كابن أبي العز قديما، ومن علمائنا المعاصرين من علق عليها تعليقات مختصرة، كما أشرنا إليه. ويوجد لها شروح صوتية كثيرة، وبعضها مفرغ، مثل شرح الشيخ صالح آل الشيخ، وشرح الشيخ يوسف الغفيص، وغيرهما من أهل العلم. وللشيخ سفر الحوالي حفظه الله وعافاه، شرح وتعليق مطول على شرح ابن أبي العز، يمكن الرجوع إليه في موقعه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 40

نصوص من الوحي تفيد أن الإسلام دين رباني [السُّؤَالُ] ـ[المرجو حصولي على نصوص قرآنية تفيد أن الإسلام ربّاني المصدر.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا فرق في الاستدلال والحجية بين القرآن الكريم وبين السنَّة النبويَّة، فكلاهما وحيٌ من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ ، والسنة النبوية تفسر القرآن وتبينه، وقد أمر الله تعالى بالأخذ بما جاء به نبيه ﷺ ، والانتهاء عما نهى عنه فقال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) الحشر / ٧، والسنَّة هي " الحكمة " الواردة في كتاب الله تعالى في آيات كثيرة، منها قوله تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) البقرة/١٥١، وقوله تعالى: (وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة/٢٣١. والذي دعانا لهذا التنبيه ما جاء في السؤال من طلب نصوص قرآنية تفيد ربانية الإسلام، ولو كان السؤال عن نصوص الوحي أو أدلة من القرآن والسنة لكان أولى وأفضل. ثانياً: الإسلام دين ربَّاني، فهو وحيٌ من الله تعالى، والقرآن الكريم والسنَّة المطهرة كلاهما من الله تعالى، وقد جعل الله تعالى هذا الدين خاتماً للأديان، وجعل نبيه محمداً ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين. وكل محاولة للقضاء على الإسلام، أو لتحريفه أو تبديله من الكفار والملحدين فستبوء بالفشل والخسران؛ لأن الله تعالى تكفَّل بحفظ دينه كتاباً وسنَّة. ويكفي هذا دليلاً على ربانية الإسلام، ومن اطلع على محاولات القضاء على الإسلام والنيل من القرآن وتحريف السنَّة، واطلع على حفظ الله تعالى لدينه: علم أن هذا الدين لو كان مصدره البشر وعقولهم وأفكارهم لكان الآن في المجهول، لكن أبى الله تعالى إلا أن يتكفل بحفظ دينه، بل بشرنا بظهوره على الأديان كلها، وانتشاره في الآفاق. وإليكِ بعض النصوص القرآنية التي تفيد أن الإسلام رباني المصدر: ١. قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) المائدة/٣. ٢. قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحِجر/٩. ٣. قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) آل عمران/٨١. ٤. قال تعالى: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) آل عمران/٨٣. ٥. قال تعالى: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) الأنعام/٥٠. ٦. قال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) يونس/١٥، ١٦. ٧. قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل/٤٤، وهذا دليل على أن السنة من مصادر التشريع الرباني. ٨. قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد/٢٥. ٩. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) النساء/١٧٤. ١٠. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) يونس/٥٧. ١١. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ) الشورى/٥٢، ٥٣. ١٢- قال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) النجم / ١-٤ ١٣- وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة/٦٧ والآيات في بيان هذا الأصل كثيرة جدا، ننصحك بأن تتدبري كتاب الله تعالى بنفسك، أثناء قراءتك له، وسوف تجدين في هذا ما تطلبين وأكثر إن شاء الله تعالى، مع استعانتك ببعض التفاسير الموثوقة، كتفسير ابن كثير، أو ابن سعدي، ونحوهما. وقد جاء في سنَّة النبي ﷺ ما يدل على ربانية الإسلام، وأن مصدره من الله ، وأن النبي صلى الله عليه ليس إلا مبلغ عن ربه تعالى ما يوحيه له، ومنها: ١. عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) رواه أبو داود (٤٦٠٤) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". ٢. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا أُعْطِيكُمْ وَلا أَمْنَعُكُمْ إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ) .رواه البخاري (٢٩٤٩) . ٣. عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ قَالَ: فَقَالَ: لا أَدْرِي، فَلَمَّا أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ قَالَ: لا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي ، فَانْطَلَقَ جِبْرِيلُ ﵇ ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ سَأَلْتَنِي أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ فَقُلْتُ لا أَدْرِي، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ فَقَالَ: أَسْوَاقُهَا. رواه أحمد (١٦٣٠٢) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٣٢٥) . ٤. عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ (إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ)) . رواه البخاري (٢٧٨٦) ومسلم (٢١) . ٥- وفي حديث أبي سفيان الطويل مع هرقل، وهو حديث جليل، عظيم الفوائد، وفيه أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟! فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا؟ فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ!!) وكان من جملة هذه الأسئلة الحكيمة التي طرحها هرقل على أبي سفيان أن قال: (فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟!) فقال أبو سفيان: (قُلْتُ: لا!!) وفي نهاية أسئلته، بين هرقل لأبي سفيان مراده بكل سؤال سأله، فقال في هذا السؤال: (وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ: لا؛ فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ..) رواه البخاري (٧) ومسلم (١٧٧٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →