← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

حكم دراسة علم النفس والقانون [السُّؤَالُ] ـ[أدرس حاليا علم النفس والقانون، وأفكر في أن أحصل على شهادتي العلمية في مجال علم النفس. فهل تجوز دراسة علم النفس والقانون والحصول على شهادة علمية فيهما، وفى حال جواز ذلك أرجو أن تمدوني بدليل وأن تقرنوه بإجابتكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله: هذان العلمان (علم النفس والقانون) تدرس فيهما المسائل على خلاف الشريعة الإسلامية؛ وهذا أمر مفهوم ومنطقي باعتبار أن القانون عند غير المسلمين يقابل الشريعة الإسلامية، وأن علم النفس عندهم يقابل الأخلاق والزهد والرقاق والتزكية والسلوك والتربية، وبما أن القوم لا يدينون بدين الإسلام، أيا كانت ملتهم مذهبهم؛ فمنطقي ـ كذلك ـ أن يصدروا في قانونهم وأخلاقهم عن غير شرع الله تعالى الذي ارتضاه لعباده، وإنما يصدرون في ذلك عن تجاربهم أو عقولهم أو أذواقهم أو أعرافهم؛ أو غير ذلك مما يجعلونه لهم، ونظاما يتبعونه. وإذا كان الأمر كذلك، فإن دراسة هذين العلمين وأشباههما - كالفلسفة والاقتصاد غير الإسلامي – لا تجوز للمسلم على سبيل الإفادة ـ المطلقة ـ منها واعتقاد ما فيها من ضلال والعمل به، واتخاذه دينا وشرعا متبعا؛ فإن الخير كل الخير في اتباع ما جاء به النبي من الهدى والنور، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (النساء:١٧٤) ، وقال تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) (المائدة: من الآية١٥) ، وقال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (يونس:١٠٨) . وقد نهى النبي ﷺ المسلمين عن النظر في كتب أهل الكتاب وغيرهم، وغضب ﷺ عندما رأى في يد عمر ﵁ كتابا من كتب اليهود كما جاء في مسند أحمد (١٤٦٢٣) (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ فَقَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَغَضِبَ فَقَالَ أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى ﷺ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) [حسنه الألباني في الإرواء: ٦/٣٤] . ويتأكد النهي عن تعلم ودراسة هذه العلوم إذا كان المسلم غير مؤهل لمعرفة ما فيها من شر، والتمييز بينه وبين ما فيها من خير؛ فإنه لابد إذا كان حاله كذلك أن يصيبه شيء من شرها؛ كما هو مشاهد من كثير ممن درس هذه العلوم من المسلمين في القرنين الماضيين، ممن سموا برواد التنوير في العالم العربي، ففتنوا وكانوا طليعة لتنحية الشريعة عن الحكم في بلاد المسلمين، وأحلوا مكانها القانون الروماني والفرنسي، وحاولوا وجدوا في صبغ المجتمعات الإسلامية بالصبغة الغربية في جميع مجالات الحياة، ووسموا القابضين على دينهم من المسلمين بالرجعية والتخلف والجمود والأصولية والظلامية، وأمثال هذه الألفاظ النابتة في البيئة الأوروبية. أما إذا كان المسلم من الكفاية العقدية والعقلية؛ بحيث لا يُخاف على مثله من الشبه والزيغ الموجود في هذه العلوم؛ فيجوز له دراستها، بل قد يجب على أفراد بأعيانهم متابعةُ الجديد عند غير المسلمين من نظريات وأفكار وفلسفات، للرد عليها وتبيين ما فيها من زيغ إذا تسربت إلى بلاد المسلمين، مستترة في أزياء الأدب والفن والثقافة ومناهج التعليم والاقتصاد والاجتماع ونظم الحكم والإدارة. ويتأكد الأمر إذا كان بتكليف من ولي الأمر المسلم الناصح لأمته، كما أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت بتعلم لغة اليهود. وقد بوب بذلك البخاري ﵀ في صحيحه - (٦/٢٦٣١) فقال: بَاب تَرْجَمَةِ الْحُكَّامِ وَهَلْ يَجُوزُ تَرْجُمَانٌ وَاحِدٌ وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كُتُبَهُ وَأَقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ. (رواه الترمذي وصححه برقم ٢٦٣٩) ، وصححه الألباني: المشكاة (٤٦٥٩) . وقد ورد إلى اللجنة الدائمة للإفتاء سؤال في هذا المعنى فأجابت بالآتي: " لا يجوز تعلم القوانين الوضعية لتطبيقها، ما دامت مخالفة لشرع الله، وتجوز دراستها وتعلمها لبيان ما فيها من دخل وانحراف عن الحق، ولبيان ما في الإسلام من العدل والاستقامة، والصلاح، وما فيه من غنى وكفاية لمصالح العباد. ولا يجوز لمسلم أن يدرس الفلسفة والقوانين الوضعية ونحوهما، إذا كان لا يقوى على تمييز حقها من باطلها خشية الفتنة والانحراف عن الصراط المستقيم، ويجوز لمن يهضمها ويقوى على فهمها بعد دراسة الكتاب والسنة؛ ليميز خبيثها من طيبها، وليحق الحق ويبطل الباطل، ما لم يشغله ذلك عما هو أوجب منه شرعا، وبهذا يُعلم أنه لا يجوز تعميم تعليم ذلك في دور العلم ومعاهده، بل يكون لمن تأهل له من الخواص؛ ليقوموا بواجبهم الإسلامي من نصرة الحق ودحض الباطل. فتاوى اللجنة الدائمة (١٤ / ٢٣٢- ٢٣٣) . فالنصيحة للأخ الكريم أن ينظر في حاله: هل تتوفر فيه الشروط المشار إليها؛ من العلم بالعقيدة الصحيحة والثبات عليها والتمتع بالعقل الراجح المميز بين الحق والباطل، والقدرة على دحض الشبه والزيغ بالأدلة الصحيحة والنصح للإسلام، فإن آنس من نفسه ذلك فليقدم على دراسة هذين العلمين، بعد استخارة الله تعالى، وإلا فالأولى في حقه ترك هذه الدراسة إلى شيء من العلوم المادية البحتة. وليعلم أن من ترك شيئا لله أبدله الله خيرا منه. نسأل الله لك التوفيق والهداية لما ينفعك في دينك ودنياك. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 37

أركان الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[نرجو أن تشرح لنا أركان الإسلام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الإسلام يقوم على خمس أركان بينها الرسول ﷺ بقوله: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان) متفق عليه أخرجه البخاري برقم ٨. والإسلام عقيدة وشريعة بيّن الله ورسوله فيه الحلال والحرام والأخلاق والآداب والعبادات والمعاملات والحقوق والواجبات ومشاهد القيامة، فلما أكمل الله هذا الدين على يد رسوله ارتضاه ليكون منهج حياة للبشرية كلها إلى أن تقوم الساعة: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة/٣. وهذه أركان الإسلام وقواعده التي يقوم عليها (الركن الأول الشهادتان) : أن يعتقد الإنسان أن الله وحده هو الرب المالك المتصرف الخالق الرزاق، ويثبت له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى التي أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله ويعتقد أن الله وحده هو المستحق للعبادة دون سواه كما قال سبحانه: (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم، ذلكم الله ربكم لا إله إلا الله هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل) الأنعام/١٠١-١٠٢. كما يعتقد الإنسان أن الله أرسل رسوله محمداً ﷺ وأنزل عليه القرآن وأمره بإبلاغ هذا الدين إلى الناس كافة ويعتقد أن محبة الله ورسوله وطاعتهما واجبة على كل أحد ولا تتحقق محبة الله إلا بمتابعة رسوله ﷺ : (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) آل عمران /٣١. (الركن الثاني الصلاة) : أن يعتقد الإنسان أن الله أوجب على كل مسلم بالغ عاقل خمس صلوات في اليوم والليلة يؤديها على طهارة فيقف بين يدي ربه كل يوم طاهراً خاشعاً متذللاً يشكر الله على نعمه ويسأله من فضله ويستغفره من ذنوبه ويسأله الجنة ويستعيذ به من النار والصلوات المفروضة في اليوم والليلة خمس صلوات هي الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء وهناك صلوات مسنونة كقيام الليل، وصلاة التراويح. وركعتي الضحى وغيرها من السنن. والصلاة فرضاً كانت أو نفلاً تمثل صدق التوجه إلى الله وحده في جميع الأمور وقد أمر الله المؤمنين كافة بالمحافظة عليها جماعة بقوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) البقرة/٢٣٨ والصلوات الخمس واجبة على كل مسلم ومسلمة في اليوم والليلة: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) النساء/ ١٠٣. ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة فمن تركها عامداً فقد كفر كما قال سبحانه: (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين) الروم /٣١. والإسلام يقوم على التعاون والأخوة والمحبة وقد شرع الله الاجتماع لهذه الصلوات وغيرها لتتحقق هذه الفضائل قال ﵊: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) . رواه مسلم برقم ٦٥٠. والصلاة عون للعبد على الشدائد والكربات قال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) البقرة/٤٥. والصلوات الخمس تمحو الخطايا كما قال ﵊: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا لا يبقى من درنه شيء. قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) رواه مسلم برقم ٦٧٧. والصلاة في المسجد سبب لدخول الجنة قال ﵊ من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح) . رواه مسلم برقم ٦٦٩. والصلاة تجمع بين العبد وخالقه وكانت قرة عين الرسول ﷺ فكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة يناجي ربه ويدعوه ويستغفره، ويسأله من فضله. والصلاة بخشوع وتذلل. تقرب المسلم من ربه وتنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال سبحانه: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) العنكبوت /٤٥. (الركن الثالث الزكاة) : خلق الله الناس مختلفين في الألوان والأخلاق والعلوم والأعمال والأرزاق فجعل منهم الغني والفقير ليمتحن الغني بالشكر ويمتحن الفقير بالصبر ولما كان المؤمنون أخوة والأخوة تقوم على العطف والإحسان والرأفة والمحبة والرحمة لذا أوجب الله على المسلمين زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم) التوبة/١٠٣. فالزكاة تطهر المال وتنميه وتزكي النفوس من الشح والبخل وتقوي المحبة بين الأغنياء والفقراء فيزول الحقد ويسود الأمن وتسعد الأمة. وقد أوجب الله إخراج الزكاة على كل من ملك نصاباً حال عليه الحول من الذهب والفضة أو المعادن وعروض التجارة ربع العشر أما الزروع والثمار ففيها العشر إذا سقيت بلا مؤونة ونصف العشر فيما سقى بمؤونة عند الحصاد وفي بهيمة الأنعام مقادير مفصلة في كتب الفقه , فمن أخرجها كفر الله عنه سيئاته وبارك في ماله وادخر له الأجر العظيم قال تعالى: (وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه إن الله بما تعملون بصير) البقرة /١١٠. ومنع الزكاة يجلب المصائب والشرور للأمة وقد توعد الله من منعها بالعذاب الأليم يوم القيامة فقال : (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم - يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) التوبة /٣٤-٣٥. وإخفاء الزكاة أفضل من إظهارها أمام الناس كما قال تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير) البقرة / ٢٧١ وإذا أخرج المسلم الزكاة فلا يجوز صرفها إلا فيما ذكر الله بقوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) التوبة /٦٠. (الركن الرابع صيام رمضان) : الصيام هو الإمساك عن المفطرات من الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية الصوم. والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. وقد فرض الله الصوم على هذه الأمة شهراً في السنة لتتقي الله وتجتنب ما حرم الله ولتتعود على الصبر , وكبح جماح النفس وتتنافس في الجود والكرم والتعاون والتعاطف , والتراحم قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة /١٨٣ شهر رمضان شهر عظيم أنزل الله فيه القرآن وتضاعف فيه الحسنات والصدقات والعبادات وفيه ليلة القدر , خير من ألف شهر تفتح فيه أبواب السماء وتغلق أبواب جهنم. وتصفد الشياطين وقد أوجب الله صيام شهر رمضان على كل مسلم بالغ عاقل من ذكر وأنثى كما قال سبحانه: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه , ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) البقرة/١٨٥ والصوم ثوابه عظيم عند الله قال ﵊: (كل عمل ابن آدم يضاعف , الحسنة بعشر أمثالها , إلى سبعمائة ضعف قال الله إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به , يدع شهوته , وطعامه من أجلي) رواه مسلم , الصيام. (الركن الخامس الحج) : جعل الله للمسلمين قبلة يتجهون إليها عند صلاتهم ودعائهم حيث ما كانوا وهي البيت العتيق في مكة المكرمة: (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) البقرة /١٤٤. ولما كانت ديار المسلمين متباعدة والإسلام يدعوا إلى الاجتماع والتعارف , كما يدعو إلى التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والدعوة إلى الله وتعظيم شعائر الله لذا أوجب الله على كل مسلم بالغ عاقل قادر أن يزور بيته العتيق , ويطوف به , ويؤدي مناسك الحج كما بينها الله ورسوله. فقال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) آل عمران /٩٧. والحج موسم تتجلى فيه وحدة المسلمين , وقوتهم , وعزتهم فالرب واحد والكتاب واحد والرسول واحد والأمة واحدة والعبادة واحدة والملابس واحدة. وللحج آداب وشروط يجب أن يعمل بها المسلم كحفظ اللسان والسمع والبصر عما حرم الله وإخلاص النية وطيب النفقة , والتحلي بمكارم الأخلاق والابتعاد عن كل ما يفسد الحج من الرفث والفسوق والجدل كما قال سبحانه: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب) البقرة /١٩٧. والحج إذا قام به المسلم على الوجه الشرعي الصحيح , وكان خالصاً لله كان كفارة لذنوبه قال ﵊: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) رواه البخاري برقم ١٥٢١٠. [الْمَصْدَرُ] من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.

стр. 38

مراتب الدين الإسلامي [السُّؤَالُ] ـ[هل للدين الإسلامي مراتب، وما هي مراتبه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وبعد: فإن للدين الإسلامي ثلاث مراتب وهي: الإسلام، والإيمان، والإحسان. وكل مرتبة لها معنى، ولها أركان. فالمرتبة الأولى: الإسلام وهو لغة: الانقياد والإذعان. وأما في الشرع: فيختلف معناه بحسب إطلاقه وله حالتان: الحالة الأولى: أن يطلق مفرداً غير مقترن بذكر الإيمان فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله، كقوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) آل عمران/١٩، وقوله تعالى: (ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة/٣، وقوله: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) آل عمران/٨٥. ولذا عرفه بعض أهل العلم بقوله: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله. الحالة الثانية: أن يطلق مقترنا بالإيمان فهو حينئذ يراد به الأعمال والأقوال الظاهرة كقوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) الحجرات/١٤ وفي صحيح البخاري (٢٧) ومسلم (١٥٠) عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَوْ مُسْلِمًا" قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْ مُسْلِمًا" قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَوْ مُسْلِمًا إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ " فقوله ﷺ : "أو مسلما "؛ لما قال له سعد ﵁ مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا: يعني أنك لم تطلع على إيمانه وإنما اطلعت على إسلامه من الأعمال الظاهرة. والمرتبة الثانية: الإيمان وهو في اللغة: التصديق المستلزم للقبول والإذعان. وفي الشرع: يختلف معناه بحسب إطلاقه وله حالتان أيضا: الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام فحينئذ يراد به الدين كله كقوله : (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) البقرة /٢٥٧، وقوله تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) المائدة/٢٣ وقوله ﷺ : " إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون " أخرجه مسلم (١١٤) . ولهذا أجمع السلف على أنه: " تصديق بالقلب ـ ويدخل فيه أعمال القلب ـ، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية " ولهذا حصر الله الإيمان فيمن التزم الدين كله باطنا وظاهرا في قوله : (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) الأنفال/٢-٤ وقد فسر الله تعالى الإيمان بذلك كله في قوله تعالى: (ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) البقرة/١٧٧، وفسره النبي ﷺ بذلك كله في حديث وفد عبد القيس في صحيح البخاري (٥٣) ومسلم (١٧) فقال: " آمركم بالإيمان بالله وحده قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تؤدوا من المغنم الخمس ". وقد جعل ﷺ صيام رمضان إيمانا واحتسابا من الإيمان وكذا قيام ليلة القدر وكذا أداء الأمانة وكذا الجهاد والحج واتباع الجنائز وغير ذلك وفي صحيح البخاري (٩) ومسلم (٣٥) : " الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " والآيات والأحاديث في هذا الباب يطول ذكرها. والحالة الثانية: أن يطلق الإيمان مقرونا بالإسلام وحينئذ يفسر بالاعتقادات الباطنة كما في حديث جبريل وما في معناه وكما في قول النبي ﷺ في دعاء الجنازة: "الهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان " أخرجه الترمذي (١٠٢٤) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (١ / ٢٩٩) وذلك أن الأعمال بالجوارح وإنما يتمكن منها في الحياة فأما عند الموت فلا يبقى غير قول القلب وعمله. والحاصل أنه إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ بل كل منهما على انفراده يشمل الدين كله وإن فرق بين الاسمين كان الفرق بينهما بما ذكر (وهو أي الإسلام يختص بالأمور الظاهرة على الجوارح والإيمان بالأمور القلبية الباطنة) وهو الذي دل عليه حديث جبريل الذي رواه مسلم في صحيحه (٨) عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الإِسْلامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الإِسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَان،َ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الإِيمَانِ. قَالَ: " أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ " قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الإِحْسَانِ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ" قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا؟ قَالَ: " أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ " قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي:" يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ "؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ" والمرتبة الثالثة: الإحسان وهو في اللغة: إجادة العمل وإتقانه وإخلاصه. وفي الشرع يختلف معناه بحسب إطلاقه وله حالتان: الحالة الأولى: أن يطلق على سبيل الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام والإيمان، فيراد به الدين كله كما سبق في الإسلام والإيمان. الحالة الثانية: أن يقترن بهما أو أحدهما فيكون معناه: تحسين الظاهر والباطن وقد فسره النبي ﷺ تفسيراً لا يستطيعه أحد من المخلوقين غيره ﷺ لما أعطاه الله من جوامع الكلم فقال ﷺ : " الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وهي أعلى مراتب الدين وأعظمها خطرا وأهلها هم السابقون بالخيرات المقربون في أعلى الدرجات. وقد أخبر ﷺ أن مرتبة الإحسان على درجتين وأن للمحسنين في الإحسان مقامين متفاوتين: المقام الأول وهو أعلاهما: أن تعبد الله كأنك تراه وهذا يسميه بعض العلماء (مقام المشاهدة) وهو أن يعمل العبد كأنه يشاهد الله بقلبه فيتنور القلب بالإيمان حتى يصير الغيب كالعيان فمن عبد الله على استحضار قربه منه وإقباله عليه وأنه بين يديه كأنه يراه أوجب له ذلك الخشية والخوف والهيبة والتعظيم. المقام الثاني: مقام الإخلاص [والمراقبة] وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله، وإرادته بالعمل. وهذا المقام إذا حققه العبد سهل عليه الوصول إلى المقام الأول. ولهذا أتى به النبي ﷺ تعليلا للأول فقال: " فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وفي بعض ألفاظ الحديث: " فإنك إلا تكن تراه فإنه يراك" فإذا تحقق في عبادته بأن الله تعالى يراه ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره ولا يخفى عليه شيء من أمره فحينئذ يسهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني وهو دوام استشعار قرب الله تعالى من عبده ومعيته حتى كأنه يراه. نسأل الله من فضله العظيم. يراجع معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي (٢ / ٢٠ – ٣٣، ٣٢٦ – ٣٢٨) (المجموع الثمين ١ / ٤٩، ٥٣) (جامع العلوم والحكم ١/ ١٠٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 39

يسأل عن العقيدة الطحاوية [السُّؤَالُ] ـ[ما هي العقيدة الطحاوية؟ وما هو مقصدها؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله العقيدة الطحاوية هي كتاب يحوي العقيدة التي كتبها الإمام الطحاوي فنسبت إليه، والتعريف بهذه العقيدة يقتضي النظر فيها من عدة جوانب: أولا: المؤلف: هو الإمام المحدث الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي – نسبة إلى قرية بصعيد مصر -، تخرَّج على كثير من الشيوخ وأخذ عنهم وأفاد منهم، وقد أربى عددهم على ثلاثمائة شيخ. أثنى عليه غير واحد من أهل العلم: قال ابن يونس: كان الطحاوي ثقة ثبتا فقيها عاقلا لم يخلف مثله. وقال الذهبي: الفقيه المحدث الحافظ أحد الأعلام وكان ثقة ثبتا فقيها عاقلا. وقال ابن كثير: هو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة. وله من التصانيف ما هو في غاية التحقيق والجمع وكثرة الفوائد منها كتابه العظيم "معاني الآثار" فيه من الأبحاث الفقيهة المقرونة بدليلها مع مناقشة الخلاف والترجيح. ومنها كتاب "مشكل الآثار" وغيرها. توفي ﵀ سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة (٣٢١هـ) ودفن في مصر بالقرافة. انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (١٥/٢٧-٣٣) ، "البداية والنهاية" (١١/١٧٤) ثانيا: هذه العقيدة التي كتبها الطحاوي ذكر فيها جُمَلا من عقائد السلف الصالحين ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، والتي يقررها أئمة الأحناف – فقد كان الطحاوي على مذهب أبي حنيفة - وقد بين في مقدمته مقصوده من ذلك فقال: " هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء المِلَّة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين " انتهى. ثم شرع في ذكر أصول هذه العقائد، فبلغ ما ذكره (١٠٥) جملة من الأمور التي يؤمن بها أهل السنة والجماعة عامة. ابتدأها ببيان وحدانية الله تعالى وذكر شيء من صفات ربوبيته سبحانه كالحياة والقيومية والخلق والرزق، وإثبات صفات الكمال إثباتا بلا تكييف ولا تشبيه لقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الشورى/١١، ثم أعقبه بذكر وجوب الإيمان بنبوة محمد ﷺ وعموم بعثته، ثم التعريف بالقرآن الكريم وأنه كلام الله غير مخلوق، وإثبات رؤية الله في الآخرة، ثم ذكر بعض ما يؤمن به أهل السنة من الغيبيات كالحوض والشفاعة والعرش والكرسي، وبعدها ذكر من أركان الإيمان القضاء والقدر، وما يعتقد أهل السنة والجماعة في هذا الباب، ثم انتقل إلى تعريف الإيمان وبيان أركانه وأنه يزيد وينقص ووضح مذهب أهل السنة بين مذاهب الخوارج والمرجئة، كما قرر ما يؤمن به أهل السنة في الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وأن حبهم من الدين والإيمان والإحسان، وبغضهم من الكفر والنفاق والعصيان، ثم عرج على شيء من أشراط الساعة وما يكون يوم القيامة، ثم ختم رسالته ببيان وسطية هذا الدين، وأنه وسط بين الغلو والتقصير. ثالثا: وهي عقيدة سهلة العبارة، واضحة المعنى، تتسم بالجمع والاختصار، وقد اجتمع على مجملها أهل السنة والجماعة، فكانت – في معظمها – محل إجماع واتفاق بين أهل العلم. وقد اهتم كثير من العلماء بشرح هذه العقيدة وتفسير كلماتها ومعانيها، ومن أشهرهم ابن أبي العز الحنفي، حيث كتب شرحا مطولا عليها، ثم من المتأخرين الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمهما الله، وكذا فضيلة الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي حفظه الله، فيمكن لمن أراد التوسع في فهم معاني الطحاوية الرجوع إلى هذه الشروح. رابعا: عقيدة الطحاوي اقتصرت على جمل المسائل، وإنما الذي كتب لها الذيوع والشهرة في أوساط السلفيين خاصة، هو شرحها الذي كتبه العلامة ابن أبي العز الحنفي ﵀، وهو أهم شروحها وأوسعها مادة، وقد استقى مادة هذا الشرح من كتب أهل السنة، لاسيما كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه ابن القيم ﵀. خامسا: رغم ما أشرنا إليه من محاسن هذه العقيدة، وشرحها للعلامة ابن أبي العز؛ ففيها ـ أيضا ـ عدة مسائل قد انتقدت، لمخالفتها لما عليه السلف؛ مثل قوله في تعريف الإيمان: " والإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان "؛ فإن الاقتصار على ذلك هو مذهب مرجئة الفقهاء الذين يخرجون أعمال الجوارح من حقيقة الإيمان. وهكذا قوله بعدها: " والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء ". وفيها أيضا بعض العبارات المجملة التي تحتمل معاني باطلة، بل كثر استعمالها من أهل البدع في مقاصد تخالف ما عليه السلف الصالح؛ مثل قوله: " وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات كسائر المبتدعات "؛ فمثل هذه العبارات يستعملها المعطلة في نفي ما ثبت لله تعالى في كتابه وسنة رسوله، من الصفات الحسنى اللائقة بكماله سبحانه، مثل الوجه واليدين والعينين..، فيسمونها الجوارح والأعضاء، وينزهون الله عنها. ومثل علوه سبحانه فوق خلقه، واستوائه على عرشه في سمائه، فيسمون هذه " جهة، ومكانا " وينزهون الله تعالى عنها. ولأجل ذلك كان من المهم لطالب العلم أن يعتني بأخذ هذه العقيدة عمن شرحها من أهل السنة، كابن أبي العز قديما، ومن علمائنا المعاصرين من علق عليها تعليقات مختصرة، كما أشرنا إليه. ويوجد لها شروح صوتية كثيرة، وبعضها مفرغ، مثل شرح الشيخ صالح آل الشيخ، وشرح الشيخ يوسف الغفيص، وغيرهما من أهل العلم. وللشيخ سفر الحوالي حفظه الله وعافاه، شرح وتعليق مطول على شرح ابن أبي العز، يمكن الرجوع إليه في موقعه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 40

نصوص من الوحي تفيد أن الإسلام دين رباني [السُّؤَالُ] ـ[المرجو حصولي على نصوص قرآنية تفيد أن الإسلام ربّاني المصدر.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا فرق في الاستدلال والحجية بين القرآن الكريم وبين السنَّة النبويَّة، فكلاهما وحيٌ من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ ، والسنة النبوية تفسر القرآن وتبينه، وقد أمر الله تعالى بالأخذ بما جاء به نبيه ﷺ ، والانتهاء عما نهى عنه فقال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) الحشر / ٧، والسنَّة هي " الحكمة " الواردة في كتاب الله تعالى في آيات كثيرة، منها قوله تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) البقرة/١٥١، وقوله تعالى: (وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة/٢٣١. والذي دعانا لهذا التنبيه ما جاء في السؤال من طلب نصوص قرآنية تفيد ربانية الإسلام، ولو كان السؤال عن نصوص الوحي أو أدلة من القرآن والسنة لكان أولى وأفضل. ثانياً: الإسلام دين ربَّاني، فهو وحيٌ من الله تعالى، والقرآن الكريم والسنَّة المطهرة كلاهما من الله تعالى، وقد جعل الله تعالى هذا الدين خاتماً للأديان، وجعل نبيه محمداً ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين. وكل محاولة للقضاء على الإسلام، أو لتحريفه أو تبديله من الكفار والملحدين فستبوء بالفشل والخسران؛ لأن الله تعالى تكفَّل بحفظ دينه كتاباً وسنَّة. ويكفي هذا دليلاً على ربانية الإسلام، ومن اطلع على محاولات القضاء على الإسلام والنيل من القرآن وتحريف السنَّة، واطلع على حفظ الله تعالى لدينه: علم أن هذا الدين لو كان مصدره البشر وعقولهم وأفكارهم لكان الآن في المجهول، لكن أبى الله تعالى إلا أن يتكفل بحفظ دينه، بل بشرنا بظهوره على الأديان كلها، وانتشاره في الآفاق. وإليكِ بعض النصوص القرآنية التي تفيد أن الإسلام رباني المصدر: ١. قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) المائدة/٣. ٢. قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحِجر/٩. ٣. قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) آل عمران/٨١. ٤. قال تعالى: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) آل عمران/٨٣. ٥. قال تعالى: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) الأنعام/٥٠. ٦. قال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) يونس/١٥، ١٦. ٧. قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل/٤٤، وهذا دليل على أن السنة من مصادر التشريع الرباني. ٨. قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد/٢٥. ٩. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) النساء/١٧٤. ١٠. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) يونس/٥٧. ١١. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ) الشورى/٥٢، ٥٣. ١٢- قال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) النجم / ١-٤ ١٣- وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة/٦٧ والآيات في بيان هذا الأصل كثيرة جدا، ننصحك بأن تتدبري كتاب الله تعالى بنفسك، أثناء قراءتك له، وسوف تجدين في هذا ما تطلبين وأكثر إن شاء الله تعالى، مع استعانتك ببعض التفاسير الموثوقة، كتفسير ابن كثير، أو ابن سعدي، ونحوهما. وقد جاء في سنَّة النبي ﷺ ما يدل على ربانية الإسلام، وأن مصدره من الله ، وأن النبي صلى الله عليه ليس إلا مبلغ عن ربه تعالى ما يوحيه له، ومنها: ١. عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) رواه أبو داود (٤٦٠٤) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". ٢. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا أُعْطِيكُمْ وَلا أَمْنَعُكُمْ إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ) .رواه البخاري (٢٩٤٩) . ٣. عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ قَالَ: فَقَالَ: لا أَدْرِي، فَلَمَّا أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ قَالَ: لا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي ، فَانْطَلَقَ جِبْرِيلُ ﵇ ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ سَأَلْتَنِي أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ فَقُلْتُ لا أَدْرِي، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ فَقَالَ: أَسْوَاقُهَا. رواه أحمد (١٦٣٠٢) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " (٣٢٥) . ٤. عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ (إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ)) . رواه البخاري (٢٧٨٦) ومسلم (٢١) . ٥- وفي حديث أبي سفيان الطويل مع هرقل، وهو حديث جليل، عظيم الفوائد، وفيه أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟! فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا؟ فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ!!) وكان من جملة هذه الأسئلة الحكيمة التي طرحها هرقل على أبي سفيان أن قال: (فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟!) فقال أبو سفيان: (قُلْتُ: لا!!) وفي نهاية أسئلته، بين هرقل لأبي سفيان مراده بكل سؤال سأله، فقال في هذا السؤال: (وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ: لا؛ فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ..) رواه البخاري (٧) ومسلم (١٧٧٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 41

حكم من تكررت منه الردة [السُّؤَالُ] ـ[تنص سورة النساء على أن الله لن يقبل إسلام من يكفر أكثر من ٣ مرات، ولن يهديه، فهل يشمل ذلك ترك الصلاة على سبيل المثال ٣ مرات؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه القاعدة العظيمة التي يقررها الله في وحيه، ويذكر أنها قاعدة الحساب ومبدأ الثواب والعقاب، أن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، وأن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن باب التوبة مفتوح لكل عبد، ولو وقع في الذنب والكفر مرّاتٍ ومرّاتٍ، فإنَّ كرمه ورحمته بعباده اقتضت أن تقبل توبة التائب ويغفر له ذنبه. يقول الله : (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ) الأنفال/٣٨ ويقول النبي ﷺ : (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) رواه مسلم (١٢١) كما جاءت الآيات تدل على قبول توبة المرتد إذا عاد إلى الإسلام وصدقت توبته: يقول : (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) وبعد ذلك كله قال سبحانه: (إِلَاّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ) آل عمران/٨٦-٨٩ أما من ارتد ثم ازداد كفرا وطغيانا، ولم يتب، ولم يرجع إلى الإسلام، فهذا هو الذي جاءت الآية في سورة النساء – التي قصدها السائل الكريم – وجاءت آية آل عمران أيضا بعدم قبول توبته. يقول : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) آل عمران/٩٠-٩١ وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) النساء/١٣٧ يقول ابن كثير ﵀ في "تفسير القرآن العظيم" (١/٧٥٣) : " يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه، ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: (لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) قال ابن أبي حاتم.. عن ابن عباس في قوله تعالى: (ثم ازدادوا كفرا) قال: تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وكذا قال مجاهد " انتهى. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٦/٢٨-٢٩) : " وهؤلاء الذين لا تقبل توبتهم قد ذكروا فيهم أقوالا: قيل لنفاقهم، وقيل: لأنهم تابوا مما دون الشرك ولم يتوبوا منه، وقيل لن تقبل توبتهم بعد الموت، وقال الأكثرون كالحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدى: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت، فيكون هذا كقوله (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) النساء/١٨ وكذلك قوله (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) النساء/١٣٧ قال مجاهد وغيره من المفسرين: (ازدادوا كفرا) ثبتوا عليه حتى ماتوا. قلت (هو ابن تيمية) : وذلك لأن التائب راجع عن الكفر، ومن لم يتب فإنه مستمر، يزداد كفرا بعد كفر، فقوله: (ثم ازدادوا) بمنزلة قول القائل: ثم أصروا على الكفر، واستمروا على الكفر، وداموا على الكفر، فهم كفروا بعد إسلامهم، ثم زاد كفرهم وما نقص، فهؤلاء لا تقبل توبتهم، وهي التوبة عند حضور الموت؛ لأن من تاب قبل حضور الموت فقد تاب من قريب، ورجع عن كفره، فلم يزدد، بل نقص، بخلاف المصر إلى حين المعاينة " انتهى. ولم يختلف أهل العلم في أن المرتد إذا صدقت توبته ورجع إلى الإسلام، فإن الله يقبله عنده ويغفر له ما قد مضى وسلف، وإن تكررت ردته. هذا بالنسبة لما عند الله تعالى في الآخرة. وأما بالنسبة لأحكام الظاهر في الدنيا فقد قال بعض أهل العلم بأن من تكررت ردته فإننا نقتله ولا نقبل توبته، فالخلاف بين أهل العلم هو في قبول التوبة من حيث أحكام الظاهر، وليس النسبة لما عند الله . يقول ابن قدامة في "المغني" (١٢/٢٧١ط هجر) : " وفي الجملة، فالخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا وترك قتلهم وثبوت أحكام الإسلام في حقهم. وأما قبول الله تعالى لها في الباطن، وغفرانه لمن تاب وأقلع باطنا وظاهرا، فلا خلاف فيه " انتهى. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "مجموع الفتاوى" (١٦/٣٠) : " والفقهاء إذا تنازعوا فى قبول توبة من تكررت ردته أو قبول توبة الزنديق، فذاك إنما هو فى الحكم الظاهر؛ لأنه لا يوثق بتوبته، أما إذا قدر أنه أخلص التوبة لله فى الباطن، فإنه يدخل فى قوله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر/٥٣ " انتهى. على أن الصحيح من قولي أهل العلم أن توبة من تكررت ردته مقبولة في أحكام الظاهر أيضا، وتجري عليه أحكام الإسلام، وهو قول جماهير أهل العلم: الحنفية والشافعية والمشهور عند المالكية، وآخر قولي أحمد بن حنبل. انظر حاشية تبيين الحقائق (٣/٢٨٤) ، فتح القدير (٦/٦٨) ، الإنصاف (١٠/٣٣٢-٣٣٥) تحفة المحتاج (٩/٩٦) ، كشاف القناع (٦/١٧٧-١٧٨) ، "الموسوعة الفقهية" (١٤/١٢٧-١٢٨) وعزا في المبسوط (١٠/٩٩-١٠٠) لعلي وابن عمر عدم قبول توبة من تكررت ردته. وعليه فإن توبة تارك الصلاة مقبولة إذا صدق، ولو تكرر منه الترك مرات كثيرة، ولكن على العبد أن يحذر، فقد تأتيه المنية قبل أن يوفق للتوبة، وقد يعجل الله تعالى عقوبته في الدنيا قبل الآخرة. نسأل الله تعالى أن يرحمنا وإياكم برحمته الواسعة. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 42

فضل الصحابة رضوان الله عليهم [السُّؤَالُ] ـ[أرجو توضيحاً في فضل الصحابة، وما هي مميزاتهم عن غيرهم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اعتقاد عدالةِ الصحابة وفضلهم هو مذهبُ أهلِ السنة والجماعة، وذلك لما أثنى اللهُ تعالى عليهم في كتابه، ونطقت به السنَّةُ النبويةُ في مدحهم، وتواتر هذه النصوص في كثير من السياقات مما يدل دلالة واضحة على أن الله تعالى حباهم من الفضائل، وخصهم من كريم الخصال، ما نالوا به ذلك الشرف العالي، وتلك المنزلة الرفيعة عنده؛ وكما أن الله تعالى يختار لرسالته المحل اللائق بها من قلوب عباده، فإنه سبحانه يختار لوراثة النبوة من يقوم بشكر هذه النعمة، ويليق لهذه الكرامة؛ كما قال تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) الأنعام/ ١٢٤. قال ابن القيم ﵀: " فالله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا؛ فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة، وتعظيم المرسل والقيام بحقه، والصبر على أوامره والشكر لنعمه، والتقرب إليه، ومن لا يصلح لذلك، وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأمم لوراثة رسله والقيام بخلافتهم، وحمل ما بلغوه عن ربهم " طريق الهجرتين، ص (١٧١) . وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) الأنعام/٥٣. قال الشيخ السعدي ﵀: " الذين يعرفون النعمة، ويقرون بها، ويقومون بما تقتضيه من العمل الصالح، فيضع فضله ومنته عليهم، دون من ليس بشاكر. فإن الله تعالى حكيم، لا يضع فضله، عند من ليس له أهل. " وكما جاءت الآيات والأحاديث بفضلهم وعلو منزلتهم، جاءت أيضا بذكر الأسباب التي استحقوا بها هذه المنازل الرفيعة، ومن ذلك قوله تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) الفتح/٢٩ ومن أعظم موجبات رفعة مكانة الصحابة، ما شهد الله تعالى لهم من طهارة القلوب، وصدق الإيمان، وتلك – والله - شهادة عظيمة من رب العباد، لا يمكن أن ينالها بَشَر بعد انقطاع الوحي. اسمع قوله : (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) الفتح/١٨ قال ابن كثير ﵀ في "تفسير القرآن العظيم" (٤/٢٤٣) : " فعلم ما في قلوبهم: أي: من الصدق والوفاء والسمع والطاعة " انتهى. وما أحسن ما قال عبد الله بن مسعود ﵁: " من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة؛ أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أفضل هذه الأمة؛ أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم " رواه ابن عبد البر في الجامع، رقم (١٨١٠) . وقد وعد الله المهاجرين والأنصار بالجنات والنعيم المقيم، وأحَلَّ عليهم رضوانه في آيات تتلى إلى يوم القيامة، فهل يعقل أن يكون ذلك لمن لا يستحق الفضل!؟ يقول : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة/١٠٠ وقد شهد لهم بالفضل سيد البشر وإمام الرسل والأنبياء، فقد كان شاهدا عليهم في حياته، يرى تضحياتهم، ويقف على صدق عزائمهم، فأرسل ﷺ كلمات باقيات في شرف أصحابه وحبه لهم. عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا تَسُبُّوا أَصحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أَنَّ أَحَدَكُم أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدرَكَ مُدَّ أَحَدِهِم وَلا نَصِيفَهُ) رواه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤٠) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خَيرُ النَّاسِ قَرنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم) رواه البخاري (٢٦٥٢) ومسلم (٢٥٣٣) يقول الخطيب البغدادي ﵀ في "الكفاية" (٤٩) : " على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطعَ على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيؤون من بعدهم أبد الآبدين، هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء " انتهى. ولو ذهبنا نسرد مواقفهم التي نصروا فيها الدين، وأعمالهم التي استحقوا بها الرفعة والمنزلة العالية، لما كفتنا المجلدات الطوال، فقد كانت حياتهم كلها في سبيل الله تعالى، وأي قرطاس يسع حياة المئات من الصحابة الذين ملؤوا الدنيا بالخير والصلاح. يقول ابن مسعود ﵁: " إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ " انتهى رواه أحمد في "المسند" (١/٣٧٩) وقال المحققون: إسناده حسن. وسبق التوسع أيضا في تقرير ذلك في جواب السؤال رقم (١٣٧١٣) (٤٥٥٦٣) ثانيا: لا بدَّ أن نعلم أن الصحابة ﵃ ليسوا بمعصومين، وهذا هو مذهبُ أهل السنة والجماعة، وإنما هم بشرٌ يجوزُ عليهم ما يجوز على غيرهم. وما صدر من بعضهم من المعاصي أو الأخطاء، فهو إلى جانبِ شرفِ الصحبة وفضلِها مُغْتَفَرٌ ومَعْفُوٌّ عن صاحبه، والحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئات، ومقامُ أَحَدِ الصحابة مع النبي ﷺ لحظة من اللحظات في سبيل هذا الدين لا يعدلها شيء. يقول شيخ الإسلام ﵀: " وأهل السنة تحسن القول فيهم وتترحم عليهم وتستغفر لهم، لكن لا يعتقدون العصمة من الإقرار على الذنوب وعلى الخطأ في الاجتهاد إلا لرسول الله، ومن سواه فيجوز عليه الإقرار على الذنب والخطأ، لكن هم كما قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ) الاحقاف/١٦ الآية، وفضائل الأعمال إنما هي بنتائجها وعواقبها لا بصورها " [مجموع الفتاوي ٤/٤٣٤] . وقد قرر ذلك الكتاب والسنة في أكثر من موقف: فقد تجاوزَ الله عمن تولى يوم أُحُدٍ من الصحابة، فقال : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) آل عمران/١٥٥ ولما أذنب بعض الصحابة حين أخبر قريشا بمقدم النبي ﷺ بالجيش عام الفتح، وهَمَّ عمر بن الخطاب ﵁ بقتله، قال ﷺ : (إِنَّهُ قَد شَهِدَ بَدرًا، وَمَا يُدرِيكَ؟ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهلِ بَدرٍ فَقَالَ: اعمَلُوا مَا شِئتُم، فَقَد غَفَرتُ لَكُم) رواه البخاري ومسلم (٢٤٩٤) وغير ذلك من المواقف التي وقع فيها بعض الصحابة بالمعصية والذنب، ثم عفا الله تعالى عنهم، وغفرها لهم، مما يدل على أنهم يستحقون الفضل والشرف، وأنه لا يقدح في ذلك شيء مما وقعوا فيه في زمن النبي ﷺ أو بعد وفاته، فإن الآيات السابقة في فضلهم وتبشيرهم بالجنة، أخبار لا ينسخها شيء. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 43

كما تَدِينُ تُدَان [السُّؤَالُ] ـ[ (كَمَا تَدِينُ تُدَانُ) ماذا يدل على صحة هذه المقولة من الدين؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله (كما تدين تدان) ، أو (الجزاء من جنس العمل) ، حكمة بليغة تناقلها الناس قديما، وجاءت الشواهد من الكتاب والسنة دالة على صدقها، فهي سنة كونية جعلها الله عظة وعبرة للناس. يقول ابن القيم ﵀ في "مفتاح دار السعادة" (١/٧١) : " تظاهر الشرع والقدر على أن الجزاء من جنس العمل " انتهى. وروى عبد الرزاق في "المصنف" (١١/١٧٨) عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: قال رسول الله ﷺ : (البِرُّ لا يَبْلَى، وَالِإثْمُ لَا يُنْسَى، وَالدَّيَّانُ لَا يَمُوتُ، فَكُن كَمَا شِئتَ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ) قال الحافظ ابن حجر "فتح الباري" (١٣/٤٦٦) : " مرسل، ورجاله ثقات " انتهى. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع. وعن مالك بن دينار قال: مكتوب في التوراة (كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَكَمَا تَزرَعُ تَحصُدُ) رواه الخطيب البغدادي في "اقتضاء العلم العمل" (٩٨) قال ابن قتيبة ﵀: ويقولون "كما تَدِينُ تُدان" أي: كما تَفعل يُفعل بك، وكما تُجازِي تُجازَى، وهو من قولهم: "دِنْتُه بما صَنَعَ" أي: جازيته. قال في لسان العرب (١٣/١٦٤) : " أي: كما تُجازِي تُجازَى، أي: تُجَازَى بفعلك وبحسب ما عملت " انتهى. وهي قاعدة عظيمة مطردة في جميع الأحوال، وبالتأمل في الكتاب والسنة نجد شواهد ذلك: فقد عاقب الله تعالى المنافقين بجنس ما أذنبوا وارتكبوا، فقال في سورة البقرة: (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) فعاقبهم على استهزائهم بدين الله عقابا من جنس عملهم، فقال سبحانه: (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) البقرة/١٤-١٥ وقال تعالى في سورة التوبة: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ، سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) التوبة/٧٩ قال ابن كثير ﵀ "تفسير القرآن العظيم" (٤/١٢٨) : " قوله (سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ) من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل " انتهى. وكذلك الحدود التي شرعها الله تعالى، كان الجزاء فيها من جنس العمل. يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) المائدة/٣٨ " أي مجازاة على صنيعهما السيء في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك، والجزاء من جنس العمل " انتهى. ومما وعد الله به عباده المؤمنين قوله تعالى (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) الرحمن/٦٠ قال ابن القيم في "بدائع الفوائد" (٣/٥٢٨) : " لأن الجزاء من جنس العمل، فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن الله إليهم برحمته " انتهى. كما رتب الله تعالى من الأجور والثواب على بعض الأعمال ما هو مشاكل ومناسب للعمل نفسه، ومن ذلك: قوله تعالى: (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) البقرة/٤٠ وقوله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) البقرة/١٥٢ وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) محمد/٧ وقوله سبحانه: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) النور/٢٢ يقول ابن كثير ﵀ "تفسير القرآن العظيم" (٣/٣٦٨) : " فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر عن المذنب إليك نغفر لك، وكما تصفح نصفح عنك " انتهى. ومن السنة أحاديث كثيرة، منها: قوله ﷺ : (ارحَمُوا مَن فِيْ الأَرضِ يَرحَمْكُمْ مَن فِي السَّمَاءِ) رواه أبو داود (٤٩٤١) وصححه الألباني في صحيح أبي دواد. وقوله ﷺ : (احفَظِ اللَّهَ يَحفَظْكَ) رواه الترمذي (٢٥١٦) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع. وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لا يَظلِمُهُ وَلا يُسْلِمُه، مَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ بِهَا كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ) رواه البخاري (٢٤٤٢) ومسلم (٢٥٨٠) قال ابن رجب "جامع العلوم والحكم" (١/٣٣٨) : " هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد تكاثرت النصوص بهذا المعنى " انتهى. ومن ذلك أيضا ما جاء عن أبي هريرة ﵁، في قول الله تعالى للرحم حين تعلقت به سبحانه: (أَمَا تَرضَينَ أَن أَصِلَ مَن وَصَلَكِ وَأَقطَعَ مَن قَطَعَكِ؟ قَالَت: بَلَى، قَالَ: فَذَاكِ لَكِ) رواه البخاري (٤٨٣٠) ومسلم (٢٥٥٤) . وقد جاء في السنة من الوعيد على بعض الذنوب ما هو مناسب ومشاكل لها، فمن ذلك: قوله ﷺ : (مَن لَعَنَ شَيئًا لَيسَ لَهُ بِأَهلٍ رَجَعَتِ الَّلعنَةُ عَلَيهِ) رواه الترمذي (١٩٧٨) وقال: حسن غريب. وقوله ﷺ : (مَن ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَن شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيهِ) رواه الترمذي (١٩٤٠) وقال: حسن غريب. ومنه ما جاء عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مَن سُئِلَ عَن عِلمٍ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلجِمَ يَومَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِن نَارٍ) رواه الترمذي (٢٦٤٩) وقال: حديث حسن. قال المناوي في "فيض القدير" (٦/١٤٦) : " الحديث خرج على مشاكلة العقوبة للذنب " انتهى وهكذا كلما تأملت في نصوص الوحي، وفي حوادث التاريخ، وفي سنن الله في أرضه، تجد أنها لا تتخلف عن هذه السنة (الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان) ، وذلك من مقتضى عدله وحكمته ، فمن عاقب بجنس الذنب لم يظلم، ومن دانك بما دنته به لم يتجاوز: فَلا تَجزَعنَ مِن سُنَّةٍ أَنتَ سِرتَها وَأَوَّلُ راضي سُنَّةٍ مِن يَسيرُها والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 44

معنى كلمة الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى كلمة الإسلام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا رجعت إلى معاجم اللغة وعلمت أن معنى كلمة الإسلام هو: الانقياد والخضوع والإذعان والاستسلام والامتثال لأمر الآمر ونهيه بلا اعتراض , وإخلاص العبادة له سبحانه وتصديق خبره والإيمان به , وأصبح اسم الإسلام عَلَماً على الدين الذي جاء به محمد ﷺ لماذا سمي الدين بالإسلام؟ إن جميع ما في الأرض من مختلف الديانات , قد سميت بأسمائها , إما نسبة إلى اسم رجل خاص وأو أمة معينة وفالنصرانية أخذت اسمها من (النصارى) , وتسمت البوذية على اسم بانيها: (بوذا) , واشتهرت الزرادشتية بهذا الاسم لأن مؤسسها وحامل لوائها كان (زرادشت) , وكذلك اليهودية ظهرت بين ظهراني قبيلة تعرف (بيهوذا) , فسميت باليهودية , وهلم جرا. إلا الإسلام , فإنه لا ينتسب إلى رجل خاص , ولا إلى أمة بعينها , وإنما يدل اسمه على صفة خاصة يتضمنها معنى كلمة الإسلام , ومما يظهر من هذا الاسم أنه ما عني بإيجاد هذا الدين وتأسيسه رجل من البشر , وليس خاصاً بأمةً معينة دون سائر الأمم , وإنما غايته أن يحلي أهل الأرض جميعاً بصفة الإسلام , فكل من اتصف بهذه الصفة , من غابر الناس وحاضرهم فهو مسلم , ويكون مسلماً كل من سيتحلى بها في المستقبل. [الْمَصْدَرُ] من كتاب الإسلام أصوله ومبادؤه تأليف د. محمد بن عبد الله بن صالح السحيم.

стр. 45

هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة المعراج [السُّؤَالُ] ـ[هل رأى النبي محمد ﷺ الله تعالى مباشرة في اليوم الذي رأى فيه الجنة والنار.. الخ؟ وإذا كان الجواب بنعم، فأنا أرجو أن ترسل إلي بدليل ذلك من الكتاب السنة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ذهب أغلب الصحابة إلى أن النبي ﷺ لم ير الله بعينه ليلة المعراج فقد ثبت عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ وَهُوَ يَقُولُ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ... ) رواه البخاري (التوحيد/٦٨٣٢) وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ نُورٌ أَنَّى أراه رواه مسلم (الإيمان/٢٦١) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى قَالَ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ رواه مسلم (الإيمان/٢٥٨) ، قال ابن القيم: وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرؤية له إجماع الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عباس فيمن قال ذلك، وشيخنا يقول ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال إنه رآه ولم يقل بعيني رأسه ولفظ أحمد لفظ ابن عباس ﵄ ويدل على صحة ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر ﵁ قوله في الحديث الآخر حجابه النور فهذا النور هو والله أعلم النور المذكور في حديث أبي ذر ﵁ رأيت نورا. اجتماع الجيوش الإسلامية ج: ١ ص: ١٢ وقال شيخ الإسلام ﵀: فصل وأما الرؤية فالذى ثبت فى الصحيح عن ابن عباس انه قال راى محمد ربه بفؤاده مرتين، وعائشة أنكرت الرؤية. فمن الناس من جمع بينهما فقال عائشة أنكرت رؤية العين وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد، والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هى مطلقة أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول راى محمد ربه، وتارة يقول رآه محمد، ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الامام أحمد تارة يطلق الرؤية وتارة يقول رآه بفؤاده ولم يقل أحد أنه سمع أحمد يقول رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين وليس فى الادلة ما يقتضى أنه رآه بعينه ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة ولا فى الكتاب والسنة ما يدل على ذلك بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل كما فى صحيح مسلم عن أبى ذر قال سألت رسول الله هل رأيت ربك فقال نور أنى أراه. وقد قال تعالى: (سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا) ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى، وكذلك قوله: أفتمارونه على ما يرى لقد رأى من آيات ربه الكبرى. ولو كان رآه بعينه لكان ذِكْرُ ذلك أولى. قال: وقد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاق سلف الامة انه لا يرى الله أحد فى الدنيا بعينه الا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبينا محمد خاصة واتفقوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عيانا كما يرون الشمس والقمر. أهـ والله أعلم [الْمَصْدَرُ] مجموع الفتاوى ج: ٦ ص: ٥٠٩-٥١٠.

стр. 46

الحقوق الإسلامية [السُّؤَالُ] ـ[ما هي أهم الحقوق التي يحترمها الإسلام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحقوق الإسلامية كثيرة ومن أهم هذه الحقوق: حق الله نِعم الله على العباد لا تعد ولا تحصى وكل نعمة تستوجب شكراً وحقوق الله على العباد كثيرة ومن أهمها: ١. التوحيد ومعناه أن يوحدوا الله في ذاته , وأسمائه, وصفاته وأفعاله فيعتقدوا أن الله وحده هو الرب المالك المتصرف الخالق الرازق الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير) الملك/١. ٢. العبادة وهي أن يعبدوا الله وحده لأنه ربهم , وخالقهم ورازقهم وذلك بصرف جميع أنواع العبادة لله وحده كالدعاء , والذكر والاستعانة , والاستغاثة والتذلل , والخضوع والرجاء , والخوف والنذر والذبح ونحو ذلك قال تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) النساء/٣٦. ٣. الشكر فالله هو المنعم المتفضل على جميع الخلق فعليهم شكر هذه النعم بألسنتهم , وقلوبهم , وجوارحهم وذلك بحمد الله والثناء عليه واستعمال هذه النعم في طاعة الله وفيما أحل الله: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) البقرة/١٥٢. حق الرسول بعثة الرسول ﷺ نعمة كبرى للبشرية كافة فقد أرسله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويبين لهم ما يسعدهم في الدنيا والآخرة. ومن حق الرسول علينا أن نحبه , ونطيعه , ونصلي عليه , ومحبته ﵇ تكون بطاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر , وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. حق الوالدين يهتم الإسلام بالأسرة ويؤكد على المحبة والاحترام داخلها والوالدان قاعدتها وأساسها لذا كان بر الوالدين من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى. بر الوالدين يكون بطاعتهما واحترامهما والتواضع لهما والإحسان إليهما والإنفاق عليهما والدعاء لهما وصلة أرحامهما وإكرام صديقهما: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) الإسراء/٢٣. والأم في هذه الحقوق حقها أعظم , لأنها هي التي حملته , وولدته وأرضعته: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال: أمك , قال: ثم من؟ قال: أمك , قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك) متفق عليه واللفظ للبخاري/الأدب/٧٨. حق المسلم على المسلم المؤمنون أخوة وهم أمة متماسكة , كالبنيان يشد بعضه بعضاً يتراحمون فيما بينهم ويتعاطفون ويتحابون ولحفظ هذا البنيان , وتلك الأخوة شرع الله حقوقاً للمسلم على أخيه المسلم ومنها محبته ونصيحته وتفريج كربته وستر زلته ونصرته في الحق واحترام جواره وإكرام ضيفه. ومنها رد السلام وعيادة المريض وإجابة الدعوة وتشميته إذا عطس واتباع جنازته قال ﵊: (حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وتشميت العاطس وإجابة الدعوة , وعيادة المريض , واتباع الجنائز) رواه مسلم/٢٦٢٥. حق الجار الإسلام يهتم بشأن الجار مسلماً كان أو غيره , لما في ذلك من المصالح التي تجعل الأمة كالجسد الواحد قال ﵊: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) متفق عليه. ومن الحقوق التي قررها الإسلام للجار على جاره أن يبدأه السلام ويعوده إذا مرض ويعزيه في المصيبة ويهنئه في الفرح ويصفح عن زلاته ويستر عوراته ويصبر على أذاه ويهدي له ويقرضه إذا احتاج ويغض بصره عن محارمه ويرشده إلى ما ينفعه في دينه ودنياه قال ﵊: (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه , وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره) رواه البخاري في الأدب المفرد/١١٥. وفي حق الجار يقول تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب) النساء/٣٦. وقد حذر الإسلام من إيذاء الجار , والإساءة إليه , وبين الرسول ﷺ أن ذلك سبب للحرمان من الجنة بقوله: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) متفق عليه. وأوجب الإسلام تحقيقاً للمصلحة حقوقاً للوالي على الرعية وحقوقاً للرعية على الوالي وحقوقاً للزوج على زوجته وحقوقاً للزوجة على زوجها , وغير ذلك من الحقوق العادلة التي أوجبها الإسلام. [الْمَصْدَرُ] من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.

стр. 47

الإنسان محاسب [السُّؤَالُ] ـ[هل يحاسب الإنسان على كل ما عمل في الدنيا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كل إنسان بما كسب رهين فمن آمن وعمل صالحاً دخل الجنة ومن كفر بالله ورسوله دخل النار قال تعالى: (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً، والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلاً ظليلاً) النساء/٥٦-٥٧. والأعمال الصالحة , إنما تنفع صاحبها , والله غني عنا والأعمال السيئة إنما تضر صاحبها , ولا تضر الله شيئاً , كما قال سبحانه: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد) فصلت/٤٦. وقال سبحانه: (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين) العنكبوت/٦. والله سبحانه كريم يضاعف الحسنات، كما قال تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلاّ مثلها وهم لا يظلمون) الأنعام/١٦٠. والأعمال الصالحة كالصلاة والزكاة والصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي من المنكر والجهاد , وتلاوة القرآن وغيرها من شعائر الإسلام كلها جزاؤها الجنة كما قال تعالى: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً) النساء/١٢٤. والأعمال السيئة والمعاصي كالظلم والشرك والقتل والفساد والكبر وغيرها من المعاصي كلها جزاؤها النار إلاّ من تاب قال تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) النساء/١٤. والأقوال والأعمال , خيراً كانت أو شراً , كلها مقيدة عند رب العالمين , قال تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنّا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) الجاثية /٢٩. ولا يقبل الله من الأعمال إلاّ ما كان خالصاً لله موافقاً لهدي رسول الله ﷺ كما قال سبحانه: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) الكهف/١١٠. ويوم القيامة يرى كل إنسان ما عمل من طاعة أو معصية من خير أو شر كما قال سبحانه: (يومئذٍ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) الزلزلة/٦ - ٨. وفي يوم القيامة كل إنسان سيعطى كتابه ويقال له: (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً) الإسراء/١٤. فمن آمن وعمل صالحاً أخذ كتابه بيمينه مسروراً ودخل الجنة ومن عصى الله ورسوله أخذ كتابه بشماله , أو من وراء ظهره , ودخل النار كما قال سبحانه: (فأما من أوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً، وأما من أوتي كتابه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبوراً، ويصلي سعيراً) الانشقاق/٧ - ١٢. وشتان بين الإيمان والكفر وبين الطاعات والمعاصي وبين أهل الجنة وأهل النار: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون، أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون، وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) السجدة/١٨ - ٢٠. وقد بين الله أن أهل الإيمان هم الفائزون وأهل الكفر هم الخاسرون كما قال سبحانه: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) سورة العصر. اللهم ارزقنا الجنة وأجرنا من النار وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.. [الْمَصْدَرُ] من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.

стр. 48

الدراسة في جامعة كاثوليكية [السُّؤَالُ] ـ[عندي سؤال عن الالتحاق بالمدراس الكاثوليكية. أنا ادرس في جامعة كاثوليكية والعديد من أصدقائي من المسلمين اخبروني انه لا يصح لي أن ادرس بها. علما باني لا أرغم علي اخذ أي من المواد المتعلقة بالكاثوليكية. وأيضا أصلي بالجامعة. فهل هناك مأخذ علي لصلاتي هناك؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لاشك أن تلك المدارس فيها خطر كبير على المسلم الذي يكون جاهلا بالإسلام وتعاليمه، ذلك لأنه يتلقى تلك الدروس والمعلومات التي فيها إطراء ومدحٌ للكفار ولأديانهم وعقائدهم، وفيها غالباً تعرض للإسلام وقدح في المسلمين، أما إذا كان الطالب في هذه المدارس متمكناً من معرفة عقيدة المسلمين وعارفاً بأركان الإسلام وبالحلال والحرام في الدين الإسلامي، واحتاج إلى تلك المدارس لتعلم صناعة أو حرفة أو معلومات خاصة وواثقاً من نفسه بأنه لا يتأثر بدروسهم ولا بمدرّسيهم وانه لا يُرغم على أخذ أي من المواد المتعلقة بالكاثوليكية ففي هذه الحال نرى أنه لا بأس بالدراسة فيها، وإنما يُخاف على الجاهل الذي لا يعرف حيل الكفار ومكرهم وخدعهم على المسلمين، فمن كان واثقاً من نفسه ومتمسكاً بالإسلام عقيدة وعملاً فالغالب أنه لا يتأثر بعلومهم وأعمالهم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ: عبد الله بن جبرين.

стр. 49

العقيدة الإسلامية منهج عملي جاد، والكتب المهمة في العقيدة [السُّؤَالُ] ـ[هل العقيدة الإسلامية منهج نظري أم منهج عملي جاد؟ ما هي الكتب التي يرجع إليها لتعلم العقيدة؟ كيف يمكن تطبيق العقيدة في ظل هذا الواقع؟ ما هي طرق تعلم العقيدة؟ هل عمل شيء من الإسلام وعدم عمل شيء آخر (يصلي ولا يزكي أو لا يغض البصر وما ينتج عنه) يعتبر هذا خللا في العقيدة؟ هل المسلمون اليوم بحاجة إلى من يعلمهم العقيدة؟ الرجاء بث بعض التعليمات لمن أراد أن يتعلم العقيدة الصحيحة على منهج الصحابة رضوان الله عليهم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: العقيدة الإسلامية ليست منهجا نظريا فلسفيا، بل هي منهج عملي جاد، فالعمل ركن ركين في هذه العقيدة، ولهذا اتفق أهل السنة على أن الإيمان قول وعمل، أو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان. فمن آمن بالله تعالى ربا وإلها، عبده وأطاعه بالصلاة والزكاة ونحوها. ومن آمن باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء، دعاه ذلك إلى فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه. ومن آمن بأن محمدا رسول الله ﷺ ، قاده ذلك إلى طاعته وتطبيق سنته، ونشر ملته. وهكذا تترجم المبادئ التي يعتقدها الإنسان إلى أعمال وأقوال، وسعي، واجتهاد. وكلما زاد الإيمان في القلب زادت آثاره على الجوارح. ولهذا قال النبي ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) . وقال الحسن البصري ﵀: " ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإذا كان القلب صالحا بما فيه من الإيمان علما وعملا قلبيا لزم ضرورةً صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد، ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلى العابث: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) . اهـ مجموع الفتاوى (٧/١٨٧) ثانياً: وأما الكتب التي يرجع إليها في العقيدة فكثيرة، وأعظمها كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، ففيهما العصمة والنجاة لمن تمسك بهما. وقد اهتم العلماء ببيان العقيدة الصحيحة ونشرها، وألفوا لذلك ما لا يحصى من الكتب، ومن أشهر هذه المؤلفات: السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، والتوحيد لابن خزيمة، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي، وعقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني، والعقيدة الواسطية لابن تيمية، والعقيدة الطحاوية وشرحها لابن أبي العز الحنفي، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني، ومعارج القبول لحافظ حكمي، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للشيخ صالح الفوزان، وهذا الأخير كتاب سهل مبسط نافع. ثالثاً: وأما تطبيق العقيدة في هذا الواقع، فيكون بتعلمها، ونشرها، والدعوة إليها، والرد على مخالفيها بالحكمة والموعظة الحسنة، فبهذا تنتشر العقيدة، وتظهر آثارها، وينعم الناس في ظلالها. رابعاً: وأما طرق تعلم العقيدة، فبالتلقي المباشر عن أهلها العالمين بها، العاملين بمقتضاها، وهذا هو الطريق الأسلم والأنفع، لمن تيسر له ذلك. وأما من كان بعيدا عن أهل العلم فعليه الرجوع إلى شروحهم ومؤلفاتهم وأشرطتهم، مع السؤال عما أشكل وغمض فهمه عليه. خامساً: إذا عمل الإنسان بعض شرائع الإسلام وترك البعض الآخر، بأن ترك بعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات، كان ذلك نقصا في إيمانه، وضعفا في يقينه ومحبته لربه ودينه، وهذا خلل في العقيدة ولا شك. ولذلك كان من أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد يكون هذا النقص والخلل مزيلاً للإيمان بالكلية، فيصير صاحبه مرتداً عن الإسلام، كما لو ترك الصلاة، انظر السؤال رقم (٥٢٠٨) (٢١٨٢) وأما المعاصي التي لا تصل إلى حد الكفر، كمنع الزكاة الواجبة، أو إطلاق البصر المحرم ونحو ذلك فهذه ينقص بها الإيمان. سادساً: المسلمون بحاجة إلى من يوضح لهم العقيدة الصحيحة الصافية، المبنية على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وذلك لوجود الجهل، وانتشار البدع والخرافات، والمذاهب الفكرية المنحرفة. فالواجب على كل مسلم أن ينصح لنفسه أولا بتعلم العقيدة الصحيحة، وتلقيها من مصادرها المأمونة، ثم نشرها وتعليمها للناس، عن طريق الدروس والمحاضرات، والكتب والنشرات والمجلات، قياما بواجب البلاغ والبيان، كما قال سبحانه: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) آل عمران/١٨٧، وقال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران/١٠٤ وقال: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يوسف/١٠٨ والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 50

لماذا سمي الدين الإسلامي بالإسلام [السُّؤَالُ] ـ[لماذا سمي الدين الإسلامي بالإسلام؟.]ـ [الْجَوَابُ] لأن من دخل فيه أسلم وجهه لله واستسلم وانقاد لكل ما جاء عن الله وعن رسول الله ﷺ من الأحكام، قال تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين، إذا قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) البقرة/١٣٠-١٣١، وقال: (من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه) . من فتاوىاللجنة الدائمة. [الْمَصْدَرُ] مجلة الدعوة العدد/١٧٨٩ ص/٤٢.

стр. 51

مذهب أهل السنة في الصحابة وإمامة أبي بكر الصديق [السُّؤَالُ] ـ[ما هو الدليل الذي يجعلك تقول بأن الإمام علي ﵇ لم يكن ليصبح القائد بعد النبي محمد ﵇ ؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: من أصول أهل السنة والجماعة، سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ، سلامة القلب من البغض والغل والحقد والكراهة، وسلامة ألسنتهم من كل قولٍ لا يليق بهم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيم﴾ سورة الحشر/١٠. وطاعةً للنبي ﷺ في قوله: " لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده؛ لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مدُّ أحدهم ولا نصيفه " رواه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤١) . ومن أصول أهل السنة قبول ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون من أنفق من قبل الفتح ـ وهو صلح الحديبية ـ وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل، لقول الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ سورة الحديد/١٠. ويقدمون المهاجرين على الأنصار؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ سورة التوبة/١٠٠. فقدم المهاجرين على الأنصار. ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر ـ وكانوا ثلاث مئة وبضعة عشر ـ: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؛ لقول النبي ﷺ : " لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ " رواه البخاري (٣٠٠٧) ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي بن أبي طالب. ويؤمنون بأنه لا يدخل النار أحدٌ بايع تحت الشجرة؛ كما أخبر به النبي ﷺ ، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربع مئة؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ الفتح/١٨. ولقول النبي ﷺ : " لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها " رواه مسلم (٢٤٩٦) فكان من جملة المبايعين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين. ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة ﵃، فقد قال النبي ﷺ : " أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ " رواه أبو داود (٤٦٤٩) والترمذي (٣٧٤٧) وصححه الألباني. ويُقرون بما تواتر به النقل عن علي ابن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر. فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ قُلْتُ لأَبِي (علي ابن أبي طالب) أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ عُمَرُ وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ قُلْتُ ثُمَّ أَنْتَ قَالَ مَا أَنَا إِلا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ " رواه البخاري (٣٦٧١) ، ويُثلثون بعثمان، ويربعون بعلي، ﵃. أنظر الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية مع شرحها. ثانياً: ومن مذهب اهل السنة أن أحق الناس بالخلافة بعد رسول الله ﷺ هو أبو بكر الصديق ﵁. وإليك الأدلة على إمامة أبي بكر ﵁: ١ـ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ قَالَتْ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تَقُولُ الْمَوْتَ قَالَ ﷺ إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ " رواه البخاري (٣٦٥٩) . ٢ـ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ " رواه الترمذي (٣٨٠٥) وصححه الألباني. ٣ـ عنَ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَا أَنَا عَلَى بِئْرٍ أَنْزِعُ مِنْهَا إِذْ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الدَّلْوَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنْ النَّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ " رواه البخاري (٣٦٧٦) قال ابن حجر في شرح هذا الحديث: " قَوْله: (بَيْنَا أَنَا عَلَى بِئْر) أَيْ فِي الْمَنَام. قَوْله: (أَنْزِع مِنْهَا) أَيْ أَمْلأ الْمَاء بِالدَّلْوِ. قَوْله: (فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ) الذنوب: الدَّلْو الْكَبِيرَة إِذَا كَانَ فِيهَا الْمَاء , وَالَّذِي يَظْهَر لِي أَنَّ ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى مَا فُتِحَ فِي زَمَانه مِنْ الْفُتُوح الْكِبَار وَهِيَ ثَلاثَة , وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّض فِي ذِكْر عُمَر إِلَى عَدَد مَا نَزَعَهُ مِنْ الدِّلاء وَإِنَّمَا وَصَفَ نَزْعه بِالْعَظَمَةِ إِشَارَة إِلَى كَثْرَة مَا وَقَعَ فِي خِلافَته مِنْ الْفُتُوحَات وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيّ تَفْسِير هَذَا الْحَدِيث فِي " الأُمّ " فَقَالَ بَعْد أَنْ سَاقَهُ: وَمَعْنَى قَوْله: " وَفِي نَزْعه ضَعْف " قِصَر مُدَّته وَعَجَلَة مَوْته وَشُغْله بِالْحَرْبِ لأَهْلِ الرِّدَّةِ عَنْ الافْتِتَاح وَالازْدِيَاد الَّذِي بَلَغَهُ عُمَر فِي طُول مُدَّته , اِنْتَهَى. قَوْله: (وَاَللَّه يَغْفِر لَهُ) قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا دُعَاء مِنْ الْمُتَكَلِّم , أَيْ أَنَّهُ لا مَفْهُوم لَهُ. وَقَالَ غَيْره: فِيهِ إِشَارَة إِلَى قُرْب وَفَاة أَبِي بَكْر , وَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﵇ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) فَإِنَّهَا إِشَارَة إِلَى قُرْب وَفَاة النَّبِيّ ﷺ . قُلْت: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ قِلَّة الْفُتُوح فِي زَمَانه لا صُنْع لَهُ فِيهِ , لأَنَّ سَبَبه قِصَر مُدَّته , فَمَعْنَى الْمَغْفِرَة لَهُ رَفْع الْمَلامَة عَنْهُ. قَوْله: (فَاسْتَحَالَتْ فِي يَده غَرْبًا) أَيْ دَلْوًا عَظِيمَة. قَوْله: (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا) وَالْمُرَاد بِهِ كُلّ شَيْء بَلَغَ النِّهَايَة , قَوْله (فَرِيَّهُ) وَمَعْنَاهُ يَعْمَل عَمَله الْبَالِغ. " ٤ـ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ أَنَا أَوْلَى وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلا أَبَا بَكْرٍ " رواه مسلم (٢٣٨٧) . ٥- أنه ﷺ في مرض موته عين أبا بكر الصديق إماماً للمسلمين في الصلاة ولم يرض بغيره بدلاً منه فكان استخلافه في الإمامة الصغرى تنبيهاً على استخلافه في الإمامة الكبرى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 52

استحباب العزلة عند الفتن وخوف المسلم على دينه [السُّؤَالُ] ـ[قرأت الحديث التالي والذي أخرجه البخاري ولم أفهم معناه، وهذا الحديث فيما معناه: (سيأتي زمان يكون خير مال المسلم غنيمات يأوي بها إلى الجبال فاراً بدينه من الفتن) .أرجو أن توضحوا لي معنى هذا الحديث.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله شرح الحديث: هذا الحديث رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه منها (٧٠٨٨) كتاب الفتن، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَن) . وروى مسلم في صحيحه نحوه (١٨٨٨) عن أبي سعيد الخدري أيضاً ﵁ الله عنه أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللَّهَ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ) . قوله: (شَعَفَ الْجِبَالِ) أي: رؤوس الجبال. وَأَمَّا (الشِّعْب) : فَهُوَ مَا انْفَرج بَيْن جَبَلَيْنِ. قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم (١٣/٣٤) : وَلَيْسَ الْمُرَاد نَفْس الشِّعْب خُصُوصًا ; بَلْ الْمُرَاد الانْفِرَاد وَالاعْتِزَال , وَذَكَرَ الشِّعْب مِثَالا لأَنَّهُ خَالٍ عَنْ النَّاس غَالِبًا اهـ. والحديث يدل على أفضلية العزلة عن الناس وترك الاختلاط بهم، في حال خوف المسلم على دينه لكثرة الفتن، بحيث إنه لو خالط الناس لا يأمن على دينه من أن يرتد عنه، أو يزيع عن الحق، أو يقع في الشرك، أو يترك مباني الإسلام وأركانه، ونحو ذلك. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/٤٢) : وَالْخَبَر دَالّ عَلَى فَضِيلَة الْعُزْلَة لِمَنْ خَافَ عَلَى دِينه اهـ. وقال السندي في حاشيته على النسائي (٨/١٢٤) : فِيهِ أَنَّهُ يَجُوز الْعُزْلَة بَلْ هِيَ أَفْضلُ أَيَّام الْفِتَن اهـ. وفي الحديث الثاني المذكور آنفاً جعل النبي ﷺ عليه وسلم المؤمنَ المعتزلَ يتلو المجاهد في سبيل الله في الفضيلة، قال الحافظ في الفتح (٦/٦) : وَإِنَّمَا كَانَ الْمُؤْمِن الْمُعْتَزِل يَتْلُوهُ فِي الْفَضِيلَة لأَنَّ الَّذِي يُخَالِط النَّاس لا يَسْلَم مِنْ ارْتِكَاب الآثَام، وَقَدْ تكون هذه الآثام أكثر من الحسنات التي يحصلها بسبب اختلاطه بالناس. ولكن تفضيل الاعتزال خاص بحالة وقوع الفتن اهـ بمعناه. وأما العزلة في غير وقت الفتن وخوف المسلم على دينه فاختلف العلماء في حكمها، وذهب الجمهور إلى أن الاختلاط بالناس أفضل من العزلة واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها: ١- أن ذلك هو حال النبي ﷺ عليه وسلم، والأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليهم، وجماهير الصحابة ﵃. شرح مسلم للنووي (١٣/٣٤) . ٢- ما رواه الترمذي (٥٢٠٧) وابن ماجه (٤٠٣٢) أن النبي ﷺ قال: (الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ) . صححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٠٣٥) . قال السندي في حاشيته على ابن ماجه (٢ / ٤٩٣) : الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُخَالِطَ الصَّابِرَ خَيْرٌ مِنْ الْمُعْتَزِل اهـ وقال الصنعاني في سبل السلام (٤/٤١٦) : فيه أفضلية من يخالط الناس مخالطة يأمرهم فيها بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحسن معاملتهم فإنه أفضل من الذي يعتزلهم ولا يصبر على المخالطة اهـ ٣- ما رواه الترمذي (١٥٧٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِعْبٍ فِيهِ عُيَيْنَةٌ مِن مَاءٍ عَذْبَةٌ فَأَعْجَبَتْهُ لِطِيبِهَا. فَقَالَ: لَوْ اعْتَزَلْتُ النَّاسَ فَأَقَمْتُ فِي هَذَا الشِّعْبِ، وَلَنْ أَفْعَلَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (لا تَفْعَلْ، فَإِنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا. أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ الْجَنَّةَ؟ اغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ. مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (١٣٤٨) . ٤- ما يحصله المسلم في المخالطة من المصالح الشرعية من مَنَافِع الاخْتِلاط بالناس كَالْقِيَامِ بِشَعَائِر الإِسْلام وَتَكْثِير سَوَاد الْمُسْلِمِينَ وَإِيصَال أَنْوَاع الْخَيْر إِلَيْهِمْ مِنْ إِعَانَة وَإِغَاثَة ونَحْو ذَلِكَ. وشُهُودِ الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَالْجَنَائِز وَعِيَادَة الْمَرْضَى وَحِلَق الذِّكْر. . . وَغَيْر ذَلِكَ. فتح الباري (١٣/٤٣) شرح مسلم للنووي (١٣/٣٤) . والله الموفق، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 53

الكفر وأنواعه [السُّؤَالُ] ـ[قرأت في السؤال رقم ١٢٨١١ أن الكفر الأكبر المخرج من الملة أنواع فآمل منكم توضيحها وضرب الأمثلة عليها.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وبعد: فالكلام على حقيقة الكفر وأنواعه يطول لكن سنجمل الكلام عليه من خلال النقاط التالية: أولاً: أهمية معرفته ومعرفة أنواعه: دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الإيمان لا يصح ولا يقبل إلا بأمرين ـ هما معنى شهادة أن لا إله إلا الله " ـ وهما الاستسلام لله بالتوحيد، والبراءة من الكفر والشرك بجميع أنواعه. ولا يمكن للشخص أن يتبرأ من شيء ويحذره إلا بعد أن يعرفه ويتبينه، فعلم بهذا ضرورة تعلم التوحيد للعمل به وتحقيقه، ومعرفة الكفر والشرك للحذر منه ومجانبته. ثانيا ً: تعريف الكفر الكفر في اللغة: ستر الشيء وتغطيته وأما في الاصطلاح الشرعي فهو " عدم الإيمان بالله ورسله، سواءً كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب، بل شك وريب، أو إعراض عن الإيمان حسدا ًأو كبراً أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة فالكفر صفةٌ لكل من جحد شيئاٌ مما افترض الله تعالى الإيمان به، بعد أن بلغه ذلك سواء جحد بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أوبهما معاٌ، أو عمل عملاٌ جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان " انظر [مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ١٢/٣٣٥] و [الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ١ / ٤٥] . وقال ابن حزم في كتابه الفصل: " بل الجحد لشيء مما صح البرهان أنه لا إيمان إلا بتصديقه كفرٌ، والنطق بشيء من كل ما قام البرهان أن النطق به كفرٌ كفر، والعمل بشيء مما قام البرهان بأنه كفرٌ كفر " ثالثا: أنواع الكفر الأكبر المخرج من الملة: قسم العلماء الكفر إلى عدة أقسام تندرج تحتها كثير من صور الشرك وأنواعه وهي: ١) كفر الجحود والتكذيب: وهذا الكفر تارة يكون تكذيباً بالقلب ـ وهذا الكفر قليل في الكفار كما يقول ابن القيم ﵀ وتارة يكون تكذيبا باللسان أو الجوارح وذلك بكتمان الحق وعدم الانقياد له ظاهرا مع العلم به ومعرفته باطنا ً، ككفر اليهود بمحمد ﷺ فقد قال الله تعالى عنهم: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) البقرة/٨٩ وقال أيضا: (وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) (البقرة:١٤٦) وذلك أن التكذيب لا يتحقق إلا ممن علمَ الحقَّ فرده ولهذا نفى الله أن يكون تكذيب الكفار للرسول ﷺ على الحقيقة والباطن وإنما باللسان فقط؛ فقال تعالى: (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) الأنعام/٣٣ وقال عن فرعون وقومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً) النمل/١٤ ويلحق بهذا الكفر كفر الاستحلال فمن استحل ما عَلِم من الشرع حرمته فقد كذَّب الرسول ﷺ فيما جاء به، وكذلك من حَرَّم ما عَلِم من الشرع حِله. ٢) كفر الإعراض والاستكبار: ككفر إبليس إذ يقول الله تعالى فيه: (إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) البقرة/٣٤ وكما قال تعالى: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) النور/٤٧ فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل، وإن كان أتى بالقول. فتبين أن كفر الإعراض هو: ترك الحق لا يتعلمه ولا يعمل به سواء كان قولا أو عملا أو اعتقادا. يقول تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) الأحقاف/٣ فمن أعرض عما جاء به الرسول بالقول كمن قال لا أتبعه، أو بالفعل كمن أعرض وهرب من سماع الحق الذي جاء به أو وضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع، أو سمعه لكنه أعرض بقلبه عن الإيمان به، وبجوارحه عن العمل فقد كفرَ كُفْر إعراض. ٣) كفر النفاق:وهو ما كان بعم تصديق القلب وعمله، مع الانقياد ظاهرا رئاء الناس ككفر ابن سلول وسائر المنافقين الذين قال الله تعالى عنهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ.يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ.. الخ الآيات) البقرة/٨–٢٠ ٤) كفر الشك والريبة: وهو التردد في اتباع الحق أو التردد في كونه حقاً، لأن المطلوب هو اليقين بأن ما جاء به الرسول حق لا مرية فيه، فمن جوَّز أن يكون ما جاء به ليس حقا ًفقد كفر؛ كفر الشك أو الظن كما قال تعالى: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً. قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً. لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) الكهف/٣٥-٣٨ فنخلص من هذا أن الكفر ـ وهو ضد الإيمان ـ قد يكون تكذيبا بالقلب، فهو مناقض لقول القلب ِأي تصديقه، وقد يكون الكفر عملاً قلبياً كبغض الله تعالى أو آياته، أو رسوله ﷺ ، وهذا يناقض الحب الإيماني الذي هو آكد أعمال القلوب وأهمها. كما أن الكفر يكون قولاً ظاهرا كسب الله تعالى، وتارة يكون عملا ظاهراً كالسجود للصنم، والذبح لغير الله، فكما أن الإيمان يكون بالقلب واللسان والجوارح فكذلك الكفر يكون بالقلب واللسان والجوارح. نسأل الله أن يعيذنا من الكفر وشعبه،وأن يزينا بزينة الإيمان ويجعلنا هداة مهتدين ... آمين. والله تعالى أعلم. ينظر (أعلام السنة المنشورة ١٧٧) و (نواقض الإيمان القولية والعملية للشيخ عبد العزيز آل عبد اللطيف٣٦ – ٤٦) و (ضوابط التكفير للشيخ عبد الله القرني ١٨٣ – ١٩٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 54

شروط العمل الصالح [السُّؤَالُ] ـ[متى يقبل الله عمل العبد؟ وما هي الشروط في العمل كي يكون صالحاً مقبولاً عند الله؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وبعد: فإن العمل لا يكون عبادة إلا إذا كمل فيه شيئان وهما: كمال الحب مع كمال الذل قال الله تعالى: (والذين آمنوا أشد حبا لله) البقرة/١٦٥، وقال سبحانه: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) الأنبياء/٩٠. فإذا علم هذا فليعلم أن العبادة لا تقبل إلا من المسلم الموحد كما قال تعالى عن الكفار: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) الفرقان/٢٣. وفي صحيح مسلم (٢١٤) عن عائشة ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ لا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ" يعني أنه لم يكن يؤمن بالبعث، ويعمل وهو يرجو لقاء الله. ثم إن المسلم لا تقبل منه العبادة إلا إذا تحقق فيها شرطان أساسيان: الأول: إخلاص النية لله تعالى: وهو أن يكون مراد العبد بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة ابتغاء وجه الله تعالى دون غيره. الثاني: موافقة الشرع الذي أمر الله تعالى أن لا يعبد إلا به، وذلك يكون بمتابعة النبي ﷺ فيما جاء به، وترك مخالفته، وعدم إحداث عبادة جديدة أو هيئة جديدة في العبادة لم تثبت عنه ﵊. والدليل على هذين الشرطين قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا ً) الكهف/١١٠ قال ابن كثير ﵀: " (فمن كان يرجوا لقاء ربه) أي ثوابه وجزاءه الصالح (فليعمل عملا صالحا) أي ما كان موافقا لشرع الله (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له وهذان ركنا العمل المتقبل لابد أن يكون خالصا لله صوابا على شريعة رسول الله ﷺ .ا. هـ وكلما كان الإنسان أعلم بربه وأسمائه وصفاته كان أكثر إخلاصاً، وكلما كان أعرف بنبيه ﷺ وسنته كلما كان أكثر اتباعاً، وبالإخلاص والمتابعة تحصل النجاة للعبد في الدارين. نسأل الله الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 55

شروط العمل الصالح [السُّؤَالُ] ـ[ما هي الشروط التي يجب توفرها في العمل ليكون صالحا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ الشنقيطي: وقوله في هذه الآية الكريمة: (الذين يعملون الصالحات) الكهف/٢، بيَّنت المراد به آياتٌ أخر فدلت على أن العمل لا يكون صالحاً إلا بثلاثة أمور: الأول: أن يكون مطابقاً لما جاء به النبي ﵌، فكلُّ عملٍ مخالفٍ لما جاء به صلوات الله وسلامه عليه فليس بصالح، بل هو باطل، قال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه ...) الحشر/٧، وقال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) النساء/١٠، وقال: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) الشورى/٢١، إلى غير ذلك من الآيات. الثاني: أن يكون العاملُ مخلِصاً في عمله لله فيما بينه وبين الله، قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) البينة/٥، وقال: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين. وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل إني أخاف إن عصيتُ ربي عذابَ يومٍ عظيمٍ. قل الله أعبد مخلصاً له ديني. فاعبدوا ما شئتم من دونه) الزمر/١١ - ١٥، إلى غير ذلك من الآيات. الثالث: أن يكون العملُ مبنيّاً على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة؛ لأن العمل كالسقف، والعقيدة كالأساس، قال تعالى: (من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ) النحل/٩٧، فجعل الإيمان قيداً في ذلك. ويبين مفهوم هذا القيد آيات كثيرة؛ كقوله في أعمال غير المؤمنين: (وقدمنا إلى ما عملوا مِن عملٍ فجعلناه هباءاً منثوراً) الفرقان/٢٣، وقوله: (أعمالهم كسرابٍ ...) النور/٣٩، وقوله: (أعمالهم كرمادٍ اشتدت به الريح ...) إبراهيم/١٨، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. [الْمَصْدَرُ] " أضواء البيان " (٤ / ٩ - ١٠) .

стр. 56

كلمة عقيدة: اشتقاقها ومدلولها [السُّؤَالُ] ـ[ما معنى كلمة عقيدة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله العقائد هي الأمور التي تصدق بها النفوس، وتطمئن إليها القلوب، وتكون يقيناً عند أصحابها، لا يمازجها ريب ولا يخالطها شك. وكلمة عقيدة في اللغة مأخوذة من مادة (عقد) ومدارها على اللزوم والتأكد والاستيثاق، ففي القرآن: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذاكم بما عقدتم الأيمن) وتعقيد الأيمان إنما يكون بقصد القلب وعزمه. ويُقال (عقد الحبل) أي: شدّ بعضه ببعض، والاعتقاد: من العقد وهو الربط والشد، يقال: اعتقدت كذا، يعني: جزمت به في قلبي، فهو حكم الذهن الجازم. والعقيدة في الشّرع هي: أمور علمية يجب على المسلم أن يعتقدها في قلبه ويؤمن بها إيمانا جازما دون شكّ ولا ريب ولا تردّد، لأن الله أخبره بها بطريق كتابه، أو بطريق وحيه إلى رسوله ﷺ . وأصول العقائد التي أمرنا الله باعتقادها هي المذكورة في قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل أمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) ، وحددها الرسول ﷺ في حديث جبريل المشهور بقوله: (الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر) . إذن العقيدة في الإسلام: هي المسائل العلمية التي صح بها الخبر عن الله ورسوله، والتي يجب أن ينعقد عليها قلب المسلم تصديقاً لله ورسوله. [الْمَصْدَرُ] المصدر: شرح لمعة الاعتقاد لابن عثيمين والعقيدة في الله لعمر الأشقر

стр. 57

مزايا دين الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[لماذا يظن المسلمون أن دينهم هو الحق؟ هل لديهم أسباب مقنعة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله السائلة المكرّمة تحية طيبة وبعد فإن سؤالك يبدو للوهلة الأولى منطقيا من شخص لم يدخل في دين الإسلام لكن الذي مارس هذا الدين واعتقد بما فيه وعمل به يعرف فعلا مقدار النّعمة التي يعيش فيها وهو يتفيؤ ظلال هذا الدّين، وذلك لأسباب كثيرة منها: ١- أن المسلم يعبد إلها واحدا لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلى فتتوحّد وجهة المسلم وقصده ويثق بربّه وخالقه ويتوكّل عليه ويطلب منه العون والنّصر والتأييد وهو يؤمن بأنّ ربه على كلّ شيء قدير لا يحتاج إلى زوجة ولا ولد خلق السموات والأرض وهو المحيي المميت الخالق الرازق فيطلب العبد منه الرزق السميع المجيب فيدعوه العبد ويرجو الإجابة التواب الغفور الرحيم فيتوب إليه العبد إذا أذنب وقصّر في عبادة ربّه، العليم الخبير الشهيد الذي يعلم النيات والسرائر وما في الصّدور فيستحيي العبد أن يقترف الذّنب بظلم نفسه أو ظلم الخلق لأنّ ربّه مطّلع عليه وشاهد، وهو يعلم أنّ ربّه حكيم يعلم الغيب فيثق في اختيار الربّ له وقدره فيه وأنّ ربّه لم يظلمه وأنّ كلّ قضاء قضاه له فهو خير وإن غابت الحكمة عن العبد. ٢- آثار العبادات الإسلامية على نفس المسلم فالصلاة صلة بينه وبين ربّه إذا دخل فيها بخشوع أحسّ بالسكينة والطمأنينة والرّاحة لأنّه يأوي إلى ركن شديد وهو الله ولذلك كان نبي الإسلام محمد ﷺ يقول: أرحنا بالصلاة وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وكلّ من وقعت له مصيبة فجرّب الصلاة أحسّ بمدد من الصّبر وعزاء عمّا أصابه ذلك لأنّه يتلو كلام ربّه في صلاته وأثر تلاوة كلام الربّ لا يُقارن بأثر قراءة كلام مخلوق وإذا كان كلام بعض الأطبّاء النفسانيين فيه راحة وتخفيف فما بالك بكلام من خلق الطبيب النّفساني. وإذا جئنا إلى الزكاة وهي أحد أركان الإسلام فإنها تطهير للنّفس من الشحّ والبخل وتعويد على الكرم ومساعدة للفقراء والمحتاجين وأجر ينفع يوم القيامة كبقيّة العبادات، ليست باهظة ومرهقة كضرائب البشر وإنما في كلّ ١٠٠٠ يدفع ٢٥ فقط يؤديها المسلم الصادق عن طواعية نفس لا يتهرّب منها حتى ولو لم يلاحقه أحد. وأمّا الصيام فامتناع عن الطعام والنكاح عبادة لله وشعورا بحاجة الجائعين والمحرومين وتذكيرا بنعمة الخالق على المخلوق وأجر بلا حساب. والحجّ إلى بيت الله الحرام الذي بناه إبراهيم ﵇ والتزام بأمر الله ودعاء مستجاب وتعرّف على المسلمين من أقطار الأرض ٣- أنّ الإسلام قد أمر بكلّ خير ونهى عن كلّ شرّ وأمر بسائر الآداب ومحاسن الأخلاق مثل الصّدق والحلم والأناة والرّفق والتواضع والحياء والوفاء بالوعد والوقار والرحمة والعدل والشّجاعة والصّبر والألفة والقناعة والعفّة والإحسان والسّماحة والأمانة والشكر على المعروف وكظم الغيظ، ويأمر ببرّ الوالدين وصلة الرّحم وإغاثة الملهوف والإحسان إلى الجار وحفظ مال اليتيم ورعايته ورحمة الصغير واحترام الكبير والرّفق بالخدم والحيوانات وإماطة الأذى عن الطريق والكلمة الطيبة والعفو والصّفح عند المقدرة ونصيحة المسلم لأخيه المسلم وقضاء حوائج المسلمين وإنظار المعسر والإيثار والمواساة والتعزية والتبسّم في وجوه الناس وإغاثة الملهوف وعيادة المريض ونصرة المظلوم والهديّة بين الأصحاب وإكرام الضّيف ومعاشرة الزوجة بالمعروف والإنفاق عليها وعلى الأولاد وإفشاء التحية وهي السّلام والاستئذان قبل الدخول إلى البيوت حتى لا يرى الإنسان عورات أصحاب البيت. وإذا كان بعض غير المسلمين يفعلون بعض هذه الأمور فإنما يفعلونها من باب الآداب العامة لكنهم لا يرجون جزاء ولا ثوابا من الله ولا فوزا ولا فلاحا يوم القيامة. وإذا جئنا إلى ما نهى الإسلام عنه لوجدناه في مصلحة الفرد والمجتمع وكلّ النواهي لحماية العلاقة بين الربّ والعبد وبين الإنسان ونفسه وبين الإنسان وبني جنسه. ولنأخذ هذه الأمثلة الكثيرة لتوضيح المقصود: فقد جاء الإسلام بالنهي عن الشرك بالله وعبادة غير الله وأنّ عبادة غير الله تعاسة وشقاء والنهي عن إتيان الكهان والعرافين وعن تصديقهم والنهي عن السحر الذي يعمل للتفريق بين شخصين أو الجمع بينهما وعن الاعتقاد في تأثير النجوم والكواكب في الحوادث وحياة الناس والنهي عن سب الدهر لأن الله هو الذي يصرفه والنهي عن الطيرة وهي التشاؤم. والنهي عن إبطال الأعمال كما إذا قصد الرياء والسمعة والمن. وعن الانحناء أو السجود لغير الله وعن الجلوس مع المنافقين أو الفساق استئناسا بهم أو إيناسا لهم. وعن التاعن بلعنة الله أو بغضبه أو بالنار. والنهي عن البول في الماء الراكد وعن قضاء الحاجة على قارعة الطريق وفي ظل الناس وفي موارد الماء وعن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط. والنهي أن يمسك الرجل ذكره بيمينه وهو يبول وعن السلام على من يقضي حاجته ونهي المستيقظ من نومه عن إدخال يده في الإناء حتى يغسلها. والنهي عن التنفل عند طلوع الشمس وعند زوالها وعند غروبها وهي تطلع وتغرب بين قرني شيطان. والنهي عن الصلاة وهو بحضرة طعام يشتهيه وعن الصلاة وهو يدافع البول والغائط والريح لأن كل ذلك يشغل المصلي ويصرفه عن الخشوع المطلوب. والنهي أن يرفع المصلي صوته في الصلاة فيؤذي المؤمنين وعن مواصلة قيام الليل إذا أصابه النعاس بل ينام ثم يقوم وعن قيام الليل كله وبخاصة إذا كان ذلك تباعا. وأيضا النهي أن يخرج المصلي من صلاته إذا شك في الحدث حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. والنهي عن الشراء والبيع ونشد الضالة في المساجد لأنها أماكن العبادة وذكر الله فلا يليق فعل الأمور الدنيوية فيها. والنهي عن الإسراع بالمشي إذا أقيمت الصلاة بل يمشي وعليه السكينة والوقار والنهي عن التباهي في المساجد وعن تزيينها بتحمير أو تصفير أو زخرفة وكل ما يشغل المصلين والنهي أن يصل يوما بيوم في الصوم دون إفطار بينهما والنهي أن تصوم المرأة صيام نافلة وبعلها شاهد إلا بإذنه والنهي عن البناء على القبور أوتعليتها ورفعها والجلوس عليها والمشي بينها بالنعال وإنارتها والكتابة عليها ونبشها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد والنهي عن النياحة وعن شق الثوب ونشر الشعر لموت ميت والنهي عن نعي أهل الجاهلية أما مجرد الإخبار بموت الميت فلا حرج فيه. والنهي عن أكل الربا والنهي عن كلّ أنواع البيوع التي تشتمل على الجهالة والتغرير والخداع، والنهي عن بيع الدم والخمر والخنزير والأصنام وكل شيْء حرمه الله فثمنه حرام بيعا وشراء وكذلك النهي عن النجش وهو أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها كما يحصل في كثير من المزادات والنهي عن كتم عيوب السلعة وإخفائها عند بيعها، والنهي عن بيع ما لا يملك وعن بيع الشيء قبل أن يحوزه والنهي أن يبيع الرجل على بيع أخيه وأن يشتري على شراء أخيه وأن يسوم على سوم أخيه، والنهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وتنجو من العاهة والنهي عن التطفيف في المكيال والميزان، والنهي عن الاحتكار ونهي الشريك في الأرض أو النخل وما شابهها عن بيع نصيبه حتى يعرضه على شريكه والنهي عن أكل أموال اليتامى ظلما واجتناب أكل القمار والنهي عن الميسر والغصب والنهي عن أخذ الرشوة وإعطائها والنهي عن نهب أموال الناس والنهي عن أكل أموالهم بالباطل وكذلك أخذها بقصد إتلافها والنهي عن بخس الناس أشياءهم والنهي عن كتمان اللقطة وتغييبها وعن أخذ اللقطة إلا لمن يعرفها والنهي عن الغش بأنواعه والنهي عن الاستدانة بدين لايريد وفاءه والنهي أن يأخذ المسلم من مال أخيه المسلم شيئا إلا بطيب نفس منه وما أخذ بسيف الحياء فهو حرام والنهي عن قبول الهدية بسبب الشفاعة والنهي عن التبتل وهو ترك النكاح والنهي عن الاختصاء والنهي عن الجمع بين الأختين والنهي عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها لا الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى خشية القطيعة والنهي عن الشغار وهو أن يقول مثلا زوجني ابنتك أو أختك على أن أزوجك ابنتي أو أختي فتكون هذه مقابل الأخرى وهذا ظلم وحرام والنهي عن نكاح المتعة وهو نكاح إلى متفق عليه بين الطرفين ينتهي العقد بانتهاء الأجل، والنهي عن وطء المرأة في المحيض وإنما يأتيها بعد أن تتطهر والنهي عن إتيان المرأة في دبرها والنهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك أو يأذن له والنهي أن تنكح الثيب حتى تستأمر والبكر حتى تستأذن والنهي عن التهنئة بقولهم بالرفاء والبنين لأنها من تهنئة الجاهلية وأهل الجاهلية كانوا يكرهون الإناث، والنهي أن تكتم المطلقة ما خلق الله في رحمها، والنهي أن يحدث الزوج والزوجة بما يكون بينهما من أمور الاستمتاع والنهي عن إفساد المرأة على زوجها والنهي عن اللعب بالطلاق والنهي أن تسأل المرأة طلاق أختها سواء كانت زوجة أو مخطوبة مثل أن تسأل المرأة الرجل أن يطلق زوجته لتتزوجه، ونهي المرأة أن تنفق من مال زوجها إلا بإذنه ونهي المرأة أن تهجر فراش زوجها فإن فعلت دون عذر شرعي لعنتها الملائكة والنهي أن ينكح الرجل امرأة أبيه والنهي أن يطأ الرجل امرأة فيها حمل من غيره والنهي أن يعزل الرجل عن زوجته الحرة إلا بإذنها والنهي أن يطرق الرجل أهله ويفاجأهم ليلا إذا قدم من سفر فإذا أخبرهم بوقت قدومه فلا حرج، ونهي الزوج أن يأخذ من مهر زوجته بغير طيب نفس منها، والنهي عن الإضرار بالزوجة لتفتدي منه بالمال. ونهي النساء عن التبرج والنهي عن المبالغة في ختان المرأة والنهي أن تدخل المرأة أحدا بيت زوجها إلا بإذنه ويكفي إذنه العام إذا لم يخالف الشرع والنهي عن التفريق بين الوالدة وولدها والنهي عن الدياثة والنهي عن إطلاق النظر إلى المرأة الأجنبية وعن اتباع النظرة النظرة. والنهي عن الميتة سواء ماتت بالغرق أو الخنق أو الصعق أو السقوط من مكان مرتفع وعن الدم ولحم الخنزير وما ذبح على غير اسم الله وما ذبح للأصنام. والنهي عن أكل لحم الجلالة وهي الدابة التي تتغذى على القاذورات والنجاسات وكذا شرب لبنها وعن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وأكل لحم الحمار الأهلي والنهي عن صبر البهائم وهو أن تمسك ثم ترمى بشيئ إلى أن تموت أو أن تحبس بلا علف، والنهي عن الذبح بالسن والظفر وأن يذبح بهيمة بحضرة أخرى وأن يحد الشفرة أمامها. في اللباس والزينة النهي عن الإسراف في اللباس وعن الذهب للرجال والنهي عن التعري وعن المشي عريانا وعن كشف الفخذ. والنهي عن إسبال الثياب وعن جرها خيلاء وعن لبس ثوب الشهرة والنهي عن شهادة الزور والنهي عن قذف المحصنة والنهي عن قذف البريء وعن البهتان. والنهي عن الهمز واللمز والتنابز بالألقاب والغيبة والنميمة والسخرية بالمسلمين وعن التفاخر بالأحساب والطعن في الأنساب وعن السباب والشتم والفحش والخنا والبذاءة وكذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم. والنهي عن الكذب ومن أشده الكذب في المنام مثل اختلاق الرؤى والمنامات لتحصيل فضيلة أو كسب مادي أو تخويفا لمن بينه وبينهم عداوة والنهي أن يزكي المرء نفسه والنهي عن النجوى فلا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه، وعن لعن المؤمن ولعن من لايستحق اللعن. والنهي عن سب الأموات والنهي عن الدعاء بالموت أو تمنيه لضر نزل به وعن الدعاء على النفس والأولاد والخدم والأموال. والنهي عن الأكل مما بين أيدي الآخرين وعن الأكل من وسط الطعام وإنما يأكل من حافته وجوانبه فإن البركة تنزل وسط الطعام وعن الشرب من ثلمة الإناء المكسور حتى لايؤذي نفسه وعن الشرب من فم الإناء والنهي عن التنفس فيه وأن يأكل الشخص وهو منبطح على بطنه، والنهي عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر والنهي عن ترك النار في البيت موقدة حين النوم والنهي أن يبيت الرجل وفي يده غمر مثل الزهومة والزفر والنهي عن النوم على البطن، والنهي أن يحدث الإنسان بالرؤيا القبيحة أو أن يفسرها لأنها من تلاعب الشيطان والنهي عن قتل النفس بغير حق، والنهي عن قتل الأولاد خشية الفقر والنهي عن الانتحار والنهي عن الزنا والنهي عن اللواط وشرب الخمر وعصره وحمله وبيعه والنهي عن إرضاء الناس بسخط الله، والنهي عن نهر الوالدين وقول أف لهما، والنهي عن انتساب الولد لغير أبيه والنهي عن التعذيب بالنار والنهي عن تحريق الأحياء والأموات بالنار والنهي عن المثلة وهي تشويه جثث القتلى، والنهي عن الإعانة على الباطل والتعاون على الإثم والعدوان والنهي عن إطاعة أحد في معصية الله والنهي عن الحلف كاذبا وعن اليمين الغموس والنهي أن يستمع لحديث قوم بغير إذنهم والنهي عن النظر إلى العورات والنهي أن يدّعي ما ليس له والنهي أن يتشبع بما لم يعط وأن يسعى إلى أن يحمد بما لم يفعل والنهي عن الاطلاع في بيت قوم بغير إذنهم والنهي عن الإسراف والتبذير والنهي عن اليمين الآثمة والتجسس وسوء الظن بالصالحين والصالحات والنهي عن التحاسد والتباغض والتدابر والنهي عن التمادي في الباطل والنهي عن الكبر والفخر والخيلاء والإعجاب بالنفس والفرح والمرح أشرا وبطرا والنهي أن يعود المسلم في صدقتة ولو بشرائها، والنهي عن استيفاء العمل من الأجير وعدم إيفائه أجره والنهي عن عدم العدل في العطية بين الأولاد، والنهي أن يوصي بماله كله ويترك ورثته فقراء فإن فعل فلا تنفذ وصيته إلا في الثلث والنهي عن سوء الجوار والنهي عن المضارة في الوصية والنهي عن هجر المسلم فوق ثلاثة أيام دون سبب شرعي والنهي عن الخذف وهو رمي الحصاة بين أصبعين لأنها مظنة الأذى مثل فقء العين وكسر السن، والنهي عن الوصية لوارث لأن الله قد أعطى الورثة حقوقهم، والنهي عن إيذاء الجار، والنهي عن إشارة المسلم لأخيه بالسلاح والنهي عن تعاطي السيف مسلولا خشية الإيذاء والنهي أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما، والنهي عن ردّ الهدية إذا لم يكن فيها محذور شرعي، والنهي عن الإسراف والتبذير، والنهي عن إعطاء المال للسفهاء، ونهي الناس أن يتمنى ما فضل الله بعضهم على بعض من الرجال والنساء والنهي عن إبطال الصدقات بالمن والأذى، والنهي عن كتمان الشهادة، والنهي عن قهر اليتيم ونهر السائل، والنهي عن التداوي بالدواء الخبيث فإن الله لم يجعل شفاء الأمة فيما حرم عليها والنهي عن قتل النساء والصبيان في الحرب، والنهي أن يفخر أحد على أحد، والنهي عن إخلاف الوعد، والنهي عن خيانة الأمانة والنهي عن سؤال الناس دون حاجة والنهي أن يروع المسلم أخاه المسلم أو يأخذ متاعه لاعبا أو جادا والنهي أن يرجع الشخص في هبته وعطيته إلا الوالد فيما أعطى ولده والنهي عن ممارسة الطب بغير خبرة والنهي عن قتل النمل والنحل والهدهد والنهي أن ينظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة والنهي عن الجلوس بين اثنين إلا بإذنهما والنهي عن جعل السلام للمعرفة وإنما يسلم على من عرف ومن لم يعرف والنهي عن جعل اليمين حائلة بين الحالف وعمل البر بل يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه والنهي عن القضاء بين الخصمين وهو غضبان أو يقضي لأحدهما دون أن يسمع كلام الآخر والنهي أن يمر الرجل في السوق ومعه ما يؤذي المسلمين كالأدوات الحادة المكشوفة، والنهي أن يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يقعد فيه، والنهي أن يقوم الرجل من عند أخيه حتى يستأذن. إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي التي جاءت لسعادة الإنسان وسعادة البشرية، فهل رأيت أو عرفت أيتها السائلة دينا مثل هذا الدّين؟ أعيدي قراءة الجواب ثمّ سائلي نفسك: أليس من الخسارة أن لا تكوني أحد أتباعه؟ قال الله تعالى في القرآن العظيم: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (٨٥) سورة آل عمران وختاما أتمنى لكِ ولكلّ من قرأ هذا الجواب التوفيق لسلوك سبيل الصواب واتّباع الحقّ، والله يحفظنا وإياكم من كلّ سوء. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 58

لماذا نحاسب على ما كتب علينا [السُّؤَالُ] ـ[إذا كان مصير الفرد كتب مسبقا عند الله. وكان في قسمة شخص ما أنه سيقتل شخصا معينا. كيف يمكنه أن يمنع هذا من الوقوع؟ ولماذا يكون عرضة للمعاقبة على هذا الذنب وهو لا يملك ما يمنع به ذلك من الوقوع؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قدَر الله قدرته، ومن أركان الإيمان؛ الإيمان بالقضاء والقدر فإن الله خلق الخلق وهو يعلم ما هم عاملون لعلمه الواسع، واطلاعه جل وعلا. وأعطى العبد اختيارا، ورسم له طريق الخير، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، قال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) . وقال تعالى: (ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسّاها) . فلا يحل له إيذاء أحد بغير حق من القتل أو غيره، ومن فعل ذلك استحق العقوبة في الدنيا، والعذاب في الآخرة لمخالفته ما شرعه الله. [الْمَصْدَرُ] الشيخ وليد الفريان

стр. 59

المكاشفات [السُّؤَالُ] ـ[هل كشف الإلهام حقيقي في ضوء الإسلام؟ الصوفيون يدعون كل مرة أن عندهم العلم بالغيب وهم يطلقون على ذلك "كشف الإلهام"، والبعض يبررون ذلك قائلين أنه عندما كان عمر ﵁ يخطب ذات مرة قال أن هناك جيش في ساحة المعركة، أرجو توضيح ذلك.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الكشف الذي يحصل للمرء أنواع، فمنه النفساني وهو مشترك بين المسلم والكافر، ومنه الرحماني وهو الذي يكون عن طريق الوحي والشرع، ومنه الشيطاني وهو ما يحصل عن طريق الجن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: نحن لا ننكر أن النفس يحصل لها نوع من الكشف إما يقظةً وإما مناماً بسبب قلة علاقتها مع البدن إما برياضة أو بغيرها، وهذا هو الكشف النفساني وهو القسم الأول من أنواع الكشف. لكن قد ثبت أيضاً بالدلائل العقليَّة مع الشرعيَّة وجود الجن وأنها تخبر الناس بأخبار غائبة عنهم كما للكهان المصروعين وغيرهم ... ولكن المقصود هنا أنه يعلم وجود أمور منفصلة مغايرة لهذه القوى كالجن المخبرين لكثير من الكهان بكثير من الأخبار وهذا أمر يعلمه بالضرورة كل من باشره أو من أخبره من يحصل له العلم بخبره ونحن قد علمنا ذلك بالاضطرار غير مرة فهذا نوع من المكاشفات والإخبار بالغيب غير النفساني وهو القسم الثاني من أنواع الكشف. وأما القسم الثالث: وهو ما تخبر به الملائكة فهذا أشرف الأقسام كما دلت عليه الدلائل الكثيرة السمعية والعقلية، فالإخبار بالمغيبات يكون عن أسباب نفسانية ويكون عن أسباب خبيثة شيطانية وغير شيطانية ويكون عن أسباب ملكية. " الصفدية " (ص ١٨٧ - ١٨٩) . وقال ابن القيم: الكشف الجزئي مشترك بين المؤمنين والكفار والأبرار والفجار كالكشف عما في دار إنسان أو عما في يده أو تحت ثيابه أو ما حملت به امرأته بعد انعقاده ذكراً أو أنثى وما غاب عن العيان من أحوال البعد الشاسع ونحو ذلك فإن ذلك يكون من الشيطان تارة، ومن النفس تارة، ولذلك يقع من الكفار كالنصارى وعابدي النيران والصلبان فقد كاشف ابن صياد النَّبيَّ ﷺ بما أضمره له وخبَّأه فقال له رسول الله ﷺ " إنما أنت من إخوان الكهان "، فأخبر أن ذلك الكشف من جنس كشف الكهان، وأن ذلك قدره، وكذلك مسيلمة الكذاب مع فرط كفره كان يكاشف أصحابه بما فعله أحدهم في بيته وما قاله لأهله يخبره به شيطانه ليغوي الناس، وكذلك الأسود العنسي، والحارث المتنبي الدمشقي الذي خرج في دولة عبد الملك بن مروان وأمثال هؤلاء ممن لا يحصيهم إلا الله، وقد رأينا نحن وغيرنا منهم جماعة وشاهد الناس من كشف الرهبان عباد الصليب ما هو معروف. والكشف الرحماني من هذا النوع هو مثل كشف أبي بكر لما قال لعائشة ﵄ إن امرأته حامل بأنثى، وكشف عمر ﵁ لما قال يا سارية الجبل – أي إلزم الجبل - وأضعاف هذا من كشف أولياء الرحمن. " مدارج السالكين " (٣ / ٢٢٧، ٢٢٨) . ثانياً: وما حدث مع عمر بن الخطاب رضي الله صحيح ثابت عنه، فقد قال نافع أن عمر بعث سريَّة فاستعمل عليهم رجلاً يقال له " سارية "، فبينما عمر يخطب يوم الجمعة، فقال: " يا ساريةُ الجبلَ، يا ساريةُ الجبلَ "، فوجدوا " سارية " قد أغار إلى الجبل في تلك الساعة يوم الجمعة وبينهما مسيرة شهر ". رواه أحمد في " فضائل الصحابة " (١ / ٢٦٩) ، وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١١١٠) . وهذا كرامة لعمر ﵁ وذلك إما بإلهامه وتبليغ صوته – وهو ما يراه ابن القيم – أو بالكشف النفساني وتبليغ صوته – وهو ما سيأتي في كلام الشيخ الألباني -، وفي كلا الحالين هو كرامة له ولا شك. ثالثاً: وأمّا ما يحصل مع الصوفية فليس من الكشف الرحماني بل إما أن يكون من النفساني وهو ما يشركهم به الكفار، وإما أن يكون الشيطاني وهو الأغلب. والكشف الرحماني إنما يحدث لأولياء الله تعالى الذين يقيمون الشرع ويعظمونه، وقد عُرف من حال الصوفية أنهم ليسوا كذلك، وما حصل من عمر إن صحَّ تسميته " كشفاً " فهو من الكشف الرحماني. قال الشيخ الألباني – عن حادثة عمر بن الخطاب -: ومما لا شك فيه أن النداء المذكور إنما كان إلهاماً من الله تعالى لعُمر، وليس ذلك بغريب عنه فإنه " محدَّث " كما ثبت عن النبي ﷺ ، ولكن ليس فيه أن عمر كُشف له حال الجيش، وأنه رآهم رأي العين، فاستلال بعض المتصوفة بذلك على ما يزعمونه من الكشف للأولياء وعلى إمكان اطلاعهم على ما في القلوب: من أبطل الباطل، كيف لا وذلك من صفات رب العالمين المنفرد بعلم الغيب والاطلاع على ما في الصدور. وليت شعري كيف يزعم هؤلاء ذلك الزعم الباطل والله يقول في كتابه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الجن / ٢٦، ٢٧؟ فهل يعتقدون أن أولئك الأولياء رسل الله حتى يصحَّ أن يقال إنهم يطلعون على الغيب باطاع الله إياهم؟! سبحانك هذا بهتان عظيم .... فالقصة صحيحة ثابتة، وهي كرامة أكرم الله بها عمر، حيث أنقذ به جيش المسلمين من الأسر أو الفتك به، ولكن ليس فيها ما زعمه المتصوفة من الاطلاع على الغيب، وإنما هو من باب الإلهام (في عرف الشرع) أو (التخاطر) في عرف العصر الحاضر الذي ليس معصوماً، فقد يصيب كما في هذه الحادثة، وقد يخطئ كما هو الغالب على البشر، ولذلك كان لا بدَّ لكل وليٍّ من التقيد بالشرع في كل ما يصدر منه من قول أو فعل خشية الوقوع في المخالفة، فيخرج بذلك عن الولاية التي وصفها الله تعالى بوصف جامع شامل ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يونس / ٦٣، ولقد أحسن من قال: إذا رأيت شخصاً قد يطير وفوق ماء البحر قد يسير ولم يقف على حدود الشرعِ فإنه مُستَدرج وبدعي. " السلسلة الصحيحة " (٣ / ١٠٢ – ١٠٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 60

الكفار إذا كانت أخلاقهم حميدة هل يدخلون الجنة؟ وكذلك أطفال الكفار هل يدخلون أيضا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل صحيح أن جميع الكفار حتى لو كانت أخلاقهم حميدة ولا يؤذون أحداً سيدخلون النار؟ إذا كان الجواب نعم فماذا عن الأطفال غير المسلمين والذين لم يكن لهم الخيار أن يولدوا كفاراً؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اعلم أن جميع الكفار الذين بلغتهم رسالة النبي ﷺ ولم يدخلوا في دين الإسلام فهم في النار، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) البينة / ٦. وقال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم (١٥٣) وليست العبرة أن تكون أخلاقهم حميدة، بل العبرة انقيادهم لله تعالى ولأوامره، ألا ترى إلى المجوسي أو البوذي الذي يعبد النار مثلا أو الأصنام من دون الله، ولم يعبد الله، ويقر له بالعبودية دونما سواه، وكذلك النصارى الذين قالوا إن الله إتخذ ولدا، وغيرهم من المشركين هؤلاء أساءوا الأدب مع الله تعالى، وسبوه وشتموه، قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفئاً أحد) رواه البخاري (٤٩٧٤) ، فهؤلاء كيف تكون أخلاقهم حميدة وهم يسيئون الأدب مع الله ، مع أن الله جعل لهم الأسماع والأبصار، ويسر لهم كل شي، وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه، وأسبغ عليهم نعمه، فكان حقه عليهم أن يشكروه فلا يكفروه، فلما لم يمتثلوا ذلك استحقوا غضب الله ونقمته، قال تعالى: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) الكهف / ٤٩. وأما حال أطفالهم الذيت ماتوا في الصغر، فسئل عنهم الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فقال: " إذا مات غير المكلف بين والدين كافرين فحكمه حكمهما في أحكام الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين. أما في الآخرة فأمره إلى الله سبحانه، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه لما سئل عن أولاد المشركين قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) رواه البخاري (١٣٨٤) ، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن علم الله سبحانه فيهم يظهر يوم القيامة، وأنهم يمتحنون كما يمتحن أهل الفترة ونحوهم، فإن أجابوا إلى ما يطلب منهم دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار، وقد صحت الأحاديث عن النبي ﷺ في امتحان أهل الفترة يوم القيامة، وهم الذين لم تبلغهم دعوة الرسل ومن كان في حكمهم كأطفال المشركين لقول لله عزوجل: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الاسراء / ١٥، وهذا القول أصح الأقوال في أهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الدعوة الإلهية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وجماعة من السلف والخلف رحمة الله عليهم جميعا " (مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ٣/١٦٣ -١٦٤) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 61

حكم المؤمن المرتكب لبعض المعاصي [السُّؤَالُ] ـ[ما هو حال المؤمن الذي ارتكب الكثير من المعاصي في حياته؟ هل يغفر الله له أم أنه يُعذب؟ وما هو مقدار عذابه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فالمؤمنون الذين يموتون على الإيمان إذا كانوا قد ارتكبوا في حياتهم معصيةً دون الكفر والشرك المخرج من الملة، لهم حالتان: الأولى: أن يكونوا قد تابوا من المعصية في حياتهم، فإن تابوا منها توبة نصوحاً قبلها الله منهم. فيعودون كمن لا ذنب له، ولا يعاقبون على معصيتهم في الآخرة، بل ربما أكرمهم ربهم فبدل سيئاتهم حسنات. الثانية: الذين يموتون ولم يتوبوا من المعاصي أو كانت توبتهم ناقصة لم تستوف الشروط، أو لم تقبل توبتهم فيها، فإن الذي أثبتته الآيات القرآنية والسنن النبوية واتفق عليه السلف الصالح أن هؤلاء ـ العصاة من أهل التوحيد ـ على ثلاثة أقسام: القسم الأول: قوم تكون لهم حسنات كثيرة تزيد وترجح على هذه السيئات، فهؤلاء يتجاوز الله عنهم، ويسامحهم في سيئاتهم، ويدخلهم الجنة، ولا تمسهم النار أبداً إحساناً من الله وفضلاً وإنعاماً. كما جاء في حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال:"إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا ربهم ألا لعنة الله على الظالمين" رواه البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨) . وقال تعالى: ﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك المفلحون﴾ الأعراف/٨. وقال سبحانه: ﴿فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه فأمه هاوية﴾ القارعة/:٦-٧. القسم الثاني: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، وهؤلاء هم أصحاب الأعراف الذين ذكر الله تعالى أنهم يوقفون بين الجنة والنار ما شاء الله أن يوقفوا ثم يؤذن لهم في دخول الجنة كما قال تعالى بعد أن أخبر بدخول أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ فقال سبحانه: (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّاً بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ. وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين َ) إلى قوله: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) الأعراف/٤٦-٤٩ القسم الثالث: قوم لقوا الله تعالى مصرين على الكبائر والإثم والفواحش فزادت سيئاتهم على حسناتهم فهؤلاء هم الذين يستحقون دخول النار بقدر ذنوبهم فمنهم من تأخذه إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه حتى أن منهم من لا يحرم على النار منه إلا أثر السجود، وهؤلاء هم الذين يأذن الله في خروجهم من النار بالشفاعة فيشفع فيهم النبي ﷺ ،وسائر الأنبياء، والملائكة والمؤمنون ومن شاء الله أن يكرمه. فمن كان من هؤلاء العصاة أعظم إيمانا وأخف ذنبا كان أخف عذاباَ وأقل مكثا فيها وأسرع خروجا منها، وكل من كان أعظم ذنباً وأضعف إيماناً كان أعظم عذاباً وأكثر مكثاً نسأل الله السلامة والعافية من كل سوء. فهذه حال عصاة المؤمنين في الآخرة. وأما في الدنيا فهم ما داموا لم يرتكبوا عملاً يخرجهم من الملة فهم مؤمنون ناقصوا الإيمان كما أجمع على ذلك السلف الصالح مستدلين بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ فمن تلك الآيات: قوله تعالى في آية القصاص: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف) البقرة/١٧٨ فجعل الله القاتل أخاً لأولياء المقتول وهذه الأخوَّة هي أخوة الإيمان فدل ذلك على أن القاتل لم يكفر مع أن قتل المؤمن كبيرة من أكبر الكبائر. وقوله جل شأنه: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الحجرات/٩:١٠ فسمى الله الطائفتين المقتتلتين مؤمنين مع أن الاقتتال من كبائر الذنوب، بل وجعل المصلحين بينهم أخوة لهم؛ فدل هذا على أن مرتكب المعصية والكبيرة التي لا تصل إلى حد الشرك والكفر؛ يثبت له اسم الإيمان وأحكامه. لكنه يكون ناقص الإيمان. وبهذا تجتمع النصوص الشرعية وتأتلف. والله أعلم. يراجع (أعلام السنة المنشورة ٢١٢) و (شرح العقيدة الواسطية للشيخ ابن عثيمين ٢ / ٢٣٨) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 62

معنى حديث: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) [السُّؤَالُ] ـ[ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب) ، وورد في حديث آخر: (لا يذهب الليل والنهار حتى تُعْبد اللات والعزى) ، وفي رواية: (حتى تضطرب أليات نساء دوس عند ذي الخلصة) والإشكال: أنه في الحديث الأول يفهم أن الشرك لا يقع في الجزيرة العربية والحديث الثاني يدل على أنه سيقع؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله من الأمور المقررة عند أهل العلم أن الشرك واقع في هذه الأمة كما دلت على ذلك النصوص الصحيحة، والواقع يؤيد ذلك. وقد ارتد أكثر العرب بعد وفاة النبي ﷺ ، وكثير منهم رجع إلى عبادة الأوثان. وقال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان، ثم ذكر بعض الأحاديث الدالة على ذلك. وأما قوله ﷺ : (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون ... ) فللعلماء عليه أجوبة: ١- أن الشيطان قد أيس أن يجمع كل المصلين على الكفر. واختار هذا القول العلامة ابن رجب الحنبلي. الدرر السنة (١٢/١١٧) ٢- أن هذا إخبار عما وقع في نفس الشيطان من اليأس لما رأى الفتوح، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، فالحديث أخبر عن ظن الشيطان وتوقعه، ثم كان الواقع بخلاف ذلك لحكمة يريدها الله . واختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀. القول المفيد (١/٢١١) ٣- أن الشيطان أيس من المؤمنين كاملي الإيمان، فلم يطمع فيهم الشيطان أن يعبدوه، واختاره الألوسي. وانظر دعاوى المناوئين. (٢٢٤) ٤- أن (أل) في كلمة (المصلون) للعهد، والمراد بهم الصحابة. والأقوال كلها قريبة، وأقربها الثاني، والله أعلم. انظر " أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين " (٢/٢٣٢-٢٣٨) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 63

جهاد المنافقين [السُّؤَالُ] ـ[لا تزال رؤوس المنافقين تطل بين الحين والحين، كلما سنحت لهم الفرصة، من أجل الطعن في شيء من ثوابت الأمة، أو التشكيك في مسلماتها، وسلخ المجتمع من هويته الإسلامية، فما واجبنا نحو هؤلاء، وكيف نصون الأمة عن شرهم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا ريب أن هذه البلية لا تزال الأمة تعاني منها في كل حين وحين، ولا سيما حينما تحل المحن والنكبات بالأمة، ويأمن هؤلاء المنافقون من أخذهم بالعقوبة إن هم طعنوا في أصول هذا الدين، وأطلعوا رؤوس فتنتهم. ولا شك أن ضرر هؤلاء أعظم من ضرر الكفار المعلنين بكفرهم، كما قال الله تعالى في أمثالهم: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) المنافقون/٤. ولأجل ذلك جاء الشرع بجهادهم، والحث على الغلظة عليهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في شأن النصيرية، وفيهم من يظهر الكفر والإلحاد وفيهم من يظهر محبة آل البيت نفاقاً: (لا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات، وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب؛ فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين، والصديق وسائر الصحابة بدؤوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب؛ فإن جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد المسلمين، وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه، وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين؛ وحفظ رأس المال مقدم على الربح. وأيضا فضرر هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر أولئك، بل ضرر هؤلاء من جنس ضرر من يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب، وضررهم في الدين على كثير من الناس أشد من ضرر المحاربين من المشركين وأهل الكتاب، ويجب على كل مسلم أن يقوم في ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب؛ فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم، بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم، ولا يحل لأحد أن يعاونهم على بقائهم في الجند والمستخدمين، ولا يحل لأحد السكوت عن القيام عليهم بما أمر الله به ورسوله، ولا يحل لأحد أن ينهى عن القيام بما أمر الله به ورسوله، فإن هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد في سبيل الله تعالى، وقد قال الله تعالى لنبيه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) التوبة/٧٣، وهؤلاء لا يخرجون عن الكفار والمنافقين. والمعاون على كف شرهم وهدايتهم بحسب الإمكان له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فإن المقصود بالقصد الأول هو هدايتهم، كما قال الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) آل عمران/١١٠. قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في القيود والسلاسل حتى تدخلوهم الإسلام [البخاري ٤٥٥٧ بنحوه] . فالمقصود بالجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هداية العباد لمصالح المعاش والمعاد، بحسب الإمكان فمن هداه الله سعد في الدنيا والآخرة، ومن لم يهتد كف الله ضرره عن غيره) . [مجموع الفتاوى ٣٥/١٥٩-١٦٠] . ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: (الواجب على الأمة الإسلامية أن تقابل كل سلاح يصوب نحو الإسلام بما يناسبه، فالذين يحاربون الإسلام بالأفكار والأقوال يجب أن يبين بطلان ما هم عليه بالأدلة النظرية العقلية، إضافة إلى الأدلة الشرعية، حتى يتبين بطلان ما هم عليه. والذين يحاربون الإسلام من الناحية الاقتصادية يجب أن يدافعوا، بل أن يُهاجموا إذا أمكن بمثل ما يحاربون به الإسلام، ويبين أن أفضل طريقة لتقويم الاقتصاد على وجه عادل هي طريقة الإسلام، والذين يحاربون الإسلام بالأسلحة، يجب أن يقاوموا بما يناسب تلك الأسلحة، ولهذا قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) التوبة/٧٣. ومن المعلوم أن جهاد المنافقين ليس كجهاد الكفار، لأن جهاد المنافقين يكون بالعلم والبيان، وجهاد الكفار يكون بالسيف والسهام) . [فتاوى علماء البلد الحرام ص ١٧٣٣] . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 64

حوار مع نصراني حول عقيدة الفداء عند النصارى [السُّؤَالُ] ـ[لماذا يصر المسلون على إنكار أن المسيح قد جاء مخلصا لفدائنا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله تعد عقيدة الفداء عند النصارى وأصلها الذي بنيت عليه، وهو قولهم بصلب المسيح ﵇، من العقائد الأساسية عند النصارى؛ حتى إنهم ليراهنون بالديانة كلها إذا لم تصح هذه العقيدة. يقول الكاردينال الإنجليزي منينغ في كتابه: " كهنوت الأبدية ": (لا تخفى أهمية هذا البحث الموجب للحيرة، فإنه إذا لم تكن وفاة المسيح صلباً حقيقية، فحينئذ يكون بناء عقيدة الكنيسة قد هدم من الأساس، لأنه إذا لم يمت المسيح على الصليب، لا توجد الذبيحة، ولا النجاة، ولا التثليث. . فبولس والحواريون وجميع الكنائس كلهم يدعون هذا، أي أنه إذا لم يمت المسيح لا تكون قيامة أيضاً) . وهذا ما يقرره بولس: ﴿وإن لم يكن المسيح قد قام، فباطل كرازتنا، وباطل أيضاً إيمانكم﴾ [كورنثوس ١/١٤-١٥] . وعلى نحو ما تخبطوا في قولهم بالتثليث، وما مفهومه، وكيف يوفقون بينه وبين التوحيد الذي يقرره العهد القديم، [راجع السؤال رقم ١٢٦٢٨] ، وعلى نحو تخبطهم أيضا في كل ما يتعلق بالصلب من تفصيلات، وهو أصل قولهم بالفداء الذي يعتبرونه علة لهذا الصلب، [راجع أيضا سؤال رقم ١٢٦١٥] ، نقول: على نحو هذا الخبط الملازم لكل من حاد عن نور الوحي المنزل من عند الله، كان تخبطهم في عقيدة الفداء. فهل الفداء خلاص لجميع البشر، كما يقول يوحنا: ﴿يسوع المسيح البار، شفيع عند الآب، فهو كفارة لخطايانا، لا لخطايانا وحدها، بل لخطايا كل العالم أيضاً﴾ [رسالة يوحنا الأولى ٢/٢] ، أو هو خاص بمن آمن واعتمد: ﴿من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن﴾ [مرقس ١٦/١٦] . إن المتأمل في سيرة المسيح وأقواله يرى بوضوح أن دعوة المسيح كانت لبني إسرائيل، وأنه خلال سني دعوته نهى تلاميذه عن دعوة غيرهم، وعليه فالخلاص أيضاً يجب أن يكون خاصاً بهم، وهو ما نلمسه في قصة المرأة الكنعانية التي قالت له: ﴿ارحمني يا سيد يا ابن داود. ابنتي مجنونة جداً، فلم يجبها بكلمة واحدة، فتقدم إليه تلاميذه، وطلبوا إليه قائلين: اصرفها لأنها تصيح وراءنا، فأجاب وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، فأتت وسجدت له قائلة: يا سيد أعني، فأجاب وقال: ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب ﴿ (متى ١٥/٢٢ - ٢٦) ، فالمسيح لم يقم بشفاء ابنة المرأة الكنعانية، وهو قادر عليه، فكيف يقوم بالفداء عن البشرية جمعاء؟ وهل هذا الخلاص من خطيئة آدم الأولى فقط، أو هو عام لجميع خطايانا؟ إن أحدا لا يحمل إثم أحد، ولا يفديه بنفسه، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) فاطر/١٨. وهذا هو ما تقرره نصوص كتابكم المقدس: ﴿النفس التي تخطيء هي تموت، الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون﴾ [حزقيال ١٨/٢٠ - ٢١] . فليس هناك خطيئة موروثة: ﴿لولا أني جئت وكلمتهم، لما كانت عليهم خطيئة، وأما الآن فلا عذر لهم في خطيئتهم. . لولا أني عملت بينهم أعمالاً ما عمل أحد مثلها، لما كانت لهم خطيئة، لكنهم الآن رأوا، ومع ذلك أبغضوني وأبغضوا أبي﴾ [يوحنا ١٥/٢٢ - ٢٤] . وحين تكون هناك خطيئة، سواء كانت مما اكتسبه العبد، أو ورثه عن آدم، أو من دونه من الآباء (؟!!) ، فلم لا يكون محو هذه الخطيئة بالتوبة؟! إن فرح أهل السماء بالتائب كفرح الراعي بخروفه الضائع إذا وجده، والمرأة بدرهمها الضائع إذا عثرت عليه، والأب بابنه الشارد إذا رجع: ﴿هكذا يكون الفرح في السماء بخاطئ واحد يتوب، أكثر من الفرح بتسعة وتسعين من الأبرار لا يحتاجون إلى التوبة﴾ [لوقا ١٥/١-٣١﴾ . ولقد وعد الله التائبين بالقبول: ﴿فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها، وحفظ كل فرائضي وفعل حقاً وعدلاً، فحياة يحيا، لا يموت، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه، بره الذي عمل يحيا﴾ [حزقيال ١٨/٢١-٢٣] ، وانظر [إشعيا ٥٥/٧] إن الاتكال على النسب من غير توبة وعمل صالح، ضرب من الخبال؛ فمن أبطأ به عمله، لم يسرع به نسبه، كما يقول نبينا صلى الله عليه وعلى إخوانه المرسلين وسلم [صحيح مسلم ٢٦٩٩] ، وهكذا علمكم يوحنا المعمدان (يحي ﵇ : ﴿يا أولاد الأفاعي من علمكم أن تهربوا من الغضب الآتي، أثمروا ثمراً يبرهن على توبتكم، ولا تقولوا لأنفسكم: نحن أبناء إبراهيم، أقول لكم: إن الله قادر على أن يجعل من هذه الحجارة أبناء لإبراهيم؛ ها هي الفأس على أصول الشجر: فكل شجرة لا تعطي ثمرا جيدا تقطع، وترمى في النار﴾ [متى ٣/٧ - ١١] . إن غفران الذنب بتوبة صاحبه هو اللائق بالله البر الرحيم، لا الذبح والصليب، وإراقة الدماء، ها ما يقرره الكتاب المقدس: ﴿إني أريد رحمة لا ذبيحة، لأني لم آت لأدعو أبراراً، بل خطاة إلى التوبة﴾ [متى ٩/١٣] ولهذا يقول بولس: ﴿طوبى للذين غفرت آثامهم وسترت خطاياهم، طوبى للرجل الذي لا يحسب له الرب خطية﴾ [رومية ٤/٧-٨] . هذا مع إيماننا بأن الله تعالى لو أمر بعض عباده بقتل أنفسهم توبة من خطاياهم، لم يكن كثيرا عليهم، ولم يكن منافيا لبره سبحانه ورحمته، وقد أمر بذلك بني إسرائيل لما طلبوا أن يروا الله جهرة، لكن حينئذ لا يقتل أحد عن أحد، بل يقتل المرء عن إثم نفسه، لا عن آثام غيره، وقد كان ذلك من الإصر والأغلال التي وضعها الله عن هذه الأمة المرحومة. ومما يبطل نظرية وراثة الذنب أيضاً النصوص التي تحمل كل إنسان مسئولية عمله؛ كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) فصلت /٤٦ وقال: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) المدثر/٣٨. وهكذا في كتابكم المقدس: ﴿لا تَدينوا لئلا تُدانوا، فكما تدينون تُدانون، وكما تكيلون يُكال لكم﴾ [متى ٧/١-٢] ﴿فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله﴾ [متى ١٦/٢٧] وأكد المسيح على أهمية العمل الصالح والبر، فقال للتلاميذ: ﴿ليس كل من يقول: لي يا رب يا رب، يدخل ملكوت السموات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات، كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب، أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة، فحينئذ أصرّح لهم: إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم﴾ [متى ٧/٢٠-٢١] . ومثله قوله: ﴿يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون في ملكوته جميع المعاثر، وفاعلي الإثم، ويطرحونهم في أتون النار﴾ [متى ١٣/٤١-٤٢] . فلم يحدثهم عن الفداء الذي سيخلصون به من الدينونة. والذين يعملون الصالحات هم فقط الذين ينجون يوم القيامة من الدينونة، بينما يحمل الذين عملوا السيئات إلى الجحيم، من غير أن يكون لهم خلاص بالمسيح أو غيره: ﴿تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة﴾ [يوحنا ٥/٢٨-٢٩] . ﴿متى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة والقديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده. . . ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته﴾ [متى ٢٥/٣١ - ٤٢] . ويقول المسيح لهم: ﴿أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم﴾ (متى ٢٣/٣٣) . ويلاحظ أدولف هرنك أن رسائل التلاميذ خلت من معتقد الخلاص بالفداء، بل إنها جعلت الخلاص بالأعمال كما جاء في رسالة يعقوب ﴿ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد: إنّ له إيماناً، ولكن ليس له أعمال، هل يقدر الإيمان أن يخلصه؟ الإيمان أيضاً إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته. . الإيمان بدون أعمال ميت﴾ [يعقوب ٢/١٤ – ٢٠ وانظر:١/٢٢ , ١/٢٧] . ويقول بطرس: ﴿أرى أن الله لا يفضل أحدا على أحد في الحقيقة، فمن خافه من أية أمة كانت، وعمل الخير، كان مقبولا عنده﴾ [أعمال الرسل ١٠/٣٤-٣٥] . ومثل هذا كثير في أقوال المسيح والحواريين. وصدق الله العظيم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات/١٣. والعجب أن بولس نفسه الذي أعلن نقض الناموس وعدم فائدة الأعمال، وأن الخلاص إنما يكون بالإيمان، هو ذاته أكد على أهمية العمل الصالح في مناسبات أخرى منها قوله: ﴿إن الذي يزرعه الإنسان، إياه يحصد أيضاً. . . فلا تفشل في عمل الخير لأننا سنحصده في وقته ﴿ (غلاطية ٦/٧) . ويقول: ﴿كل واحد سيأخذ أجرته حسب تعبه﴾ (كورنثوس (١) ٣/٨) . [انظر حول هذه القضية بتوسع: د. منذر السقار: هل افتدانا المسيح على الصليب] وهكذا، فليس أمامك حيال هذا التناقض إلا أن تلغي فهمك وعقلك، وتعلل نفسك بالأماني الكاذبة، على نحو ما فعلت في عقيدة التثليث والتوحيد، وهو ما ينصحك به "ج. ر. ستوت" في كتابه "المسيحية الأصلية": (لا أجسر أن أتناول الموضوع، قبل أن أعترف بصراحة بأن الكثير منه سوف يبقى سرا خفيا. . .، ويا للعجب كيف أن عقولنا الضعيفة لا تدركه تماما، ولا بد أن يأتي اليوم الذي فيه ينقشع الحجاب، وتُحل كل الألغاز، وترى المسيح كما هو!! . . فكيف يمكن أن يكون الله حل في المسيح، بينما يجعل المسيح خطية لأجلنا، هذا ما لا أستطيع أن أجيب عنه، ولكن الرسول عينه يضع هاتين الحقيقتين جنبا إلى جنب، وأنا أقبل الفكرة تماما، كما قبلت أن يسوع الناصري هو إنسان وإله في شخص واحد. . . وإن كنا لا نستطيع أن نحل هذا التناقض، أو نفك رموز هذا السر، فينبغي أن نقبل الحق كما أعلنه المسيح وتلاميذه، بأنه احتمل خطايانا) [المسيحية الأصلية ص ١١٠، ١٢١، نقلا عن د. سعود الخلف: اليهودية والنصرانية ص ٢٣٨] . ونعم، سوف نرى نحن وأنتم المسيح كما هو؛ عبدا من عباد الله المقربين، وأنبيائه المرسلين، وفي هذا اليوم الذي ينقشع فيه الحجاب يتبرأ ممن اتخذه إلها من دون الله، أو نسب إليه ما لم يقله، لتعلم ساعتها أنه لم يكن هناك لغز ولا أسرار: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)) سورة المائدة. فهل من وقفة قبل فوات الأوان، وعودة إلى كلمة سواء، لا لغز فيها ولا حجاب: (قُلْ يا أهل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) آل عمران /٦٤. والله اعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 65

نصيحة إلى كاهنة تقرأ الفنجان [السُّؤَالُ] ـ[امرأة تقوم بقراءة الفنجان وقد وضعت عنوانها في إحدى المجلات الساقطة. أرجو توجيه نصيحة إليها.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله السؤال فيه جانبان: الأول: حكم هذا العمل لا شك أن الكهانة والسحر والتنجيم من أعظم المنكرات، ومن الإفساد في الأرض وأذية المسلمين بغير حق. واختلف العلماء رحمهم الله تعالى: هل يكفر الكاهن ويخرج من الملة، أم أنه كفر دون كفر، واستدل من قالوا بأنه يكفر بما رواه الإمام أحمد في مسنده (٩١٧١) أن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهناً أو عرّافاً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) . صححه الألباني في صحيح الجامع (٥٩٤٢) . ولأن هذا ادعاء لعلم الغيب، ومن ادعى أنه يعلم الغيب فقد كفر، أن الله تعالى يقول: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) الجن/٢٥-٢٦. ويقول: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ) النمل/٦٥. الأمر الثاني: النصيحة لهذه المرأة التي تقوم بهذا العمل أن تتركه وتبتعد عنه وتتوب إلى الله تعالى، إذ هذا الفعل من الكبائر الموبقات، وأن تتقي الله في أذية المسلمين بهذا العمل الشنيع، والله تعالى يقول: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) الأحزاب: ٥٨. فعليها أن تتوب من هذا العمل إلى الله تعالى قبل أن ينزل بها ملك الموت بغتة ولات ساعة مندم، وعليها أن تلجأ إلى ربها في جميع أمورها الذي بيده النفع والضر، وألا يستجريها الشيطان في حبائله حتى يوقعها في الجحيم والعياذ بالله. وفي عملها هذا فتنة لضعاف الدين من المسلمين، والله تعالى يقول: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق) البروج /١٠. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: " علم النجوم وما يسمى بالمطالع وقراءة الكفّ وقراءة الفنجان ومعرفة الخط، وما أشبه ذلك مما يدّعيه الكهنة والعرافون والسحرة كلها من علوم الجاهلية التي حرّمها الله ورسوله، ومن أعمالهم التي جاء الإسلام بإبطالها والتحذير من فعلها أو إتيان من يتعاطاها وسؤاله عن شيء منها أو تصديقه فيما يخبر به من ذلك، لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به. ونصيحتي لكل من يتعلق بهذه الأمور أن يتوب إلى الله ويستغفره، وأن يعتمد على الله وحده ويتوكل عليه في كل الأمور مع أخذه بالأسباب الشرعية والحسية المباحة وأن يدع هذه الأمور ويبتعد عنها ويحذر سؤال أهلها أو تصديقهم، طاعة لله ولرسوله ﷺ وحفاظاً على دينه وعقيدته، وحذراً من غضب الله عليه، وابتعاداً عن أسباب الشرك والكفر التي من مات عليها خسر الدنيا والآخرة " اهـ. مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٢ / ١٢٠ – ١٢٢) . وينبغي الإشارة هنا إلى أن ما تأخذه هذه المرأة من كسب بهذا العمل المحرّم الشنيع هو كسب محرم، لما جاء في صحيح البخاري (٢٢٣٧) ومسلم (١٥٦٧) عن أبي مسعود الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن. والمراد بحلوان الكاهن: هو ما يعطاه على كهانته. قال النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث (١٠ / ٤٩٠) : " قال البغوي من أصحابنا والقاضي عياض: أجمع المسلمون على تحريم حلوان الكاهن، لأنه عوض عن محرّم ولأنه أكل المال بالباطل ". [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 66

حكم كلمة الولاء للوطن [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم مناداة البعض بوجوب الولاء للوطن؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الواجب الولاء لله ولرسوله بمعنى أن يوالي العبد في الله ويعادي في الله وقد يكون وطنه ليس بإسلامي فكيف يوالي وطنه أما إذا كان وطنه إسلامياً فعليه أن يحب له الخير ويسعى إليه لكن الولاء لله لأن من كان من المسلمين مطيعاً لله فهو وليه ومن كان مخالفاً لدين الله فهو عدوه وإن كان من أهل وطنه وإن كان أخاه أو عمه أو أباه أو نحو ذلك، فالموالاة في الله والمعاداة في الله. أما الوطن فيحب إن كان إسلامياً وعلى الإنسان أن يشجع على الخير في وطنه وعلى بقائه إسلامياً وأن يسعى لاستقرار أوضاعه وأهله وهذا هو الواجب على كل المسلمين نسأل الله لنا ولكم ولجميع المسلمين التوفيق والهداية وصلاح النية والعمل وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. [الْمَصْدَرُ] كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٩ ص/٣١٧.

стр. 67

هل للمعصية تأثير على أهل العاصي [السُّؤَالُ] ـ[يقول والدي أنني ارتكبت إثماً يؤثّر على كل الأسرة وفيما بعد عاشوا أوقات عصيبة كفقد أموال عن طريق السرقة ودفع غرامات فهل يمكن أن يكون هذا بسبب ذنوبي، هذا لا يبدوا مستقيماً فهل يعاقب الله كل الأطفال إذا ارتكبت أمهم ذنباً.]ـ [الْجَوَابُ] لا يُؤَاخَذُ الإنسان بذنب غيره، فكل إنسانٍ يُحَاسَب على أعمَالِه، قال تعالى: (ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى) فاطر/١٨، لكنَّ كَون الأم أو الأب يَقْتَرِفُ ذنباً فإنّه من الوسائِل التي تجعَل أهلَ البيْتِ يقْتَدُونَ بهِ. مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ٢/٦١٠. لكن قد يتعدىَّ شؤم المعصية من العاصي إلى بعض أهله، فيكون عقوبة له وابتلاء لأهله، والله يبتَلِي الإنسان بالمصائِب لِكَي يكَفِّر الله بها ذنوبه، وقد يبتلي الله بالنعم، قال تعالى: (ونَبْلوكُم بالشَّرِ والخيْرِ فتْنَة) الأنبياء/٣٥. وعلى كل حال يجب على المسلم أن يَتَجَنَّبَ المعاصي حتى لا ينزل عليه سخَطِ الله وغَضَبِه، والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 68

بطلان حديث توسل آدم بمحمد عليهما الصلاة والسلام [السُّؤَالُ] ـ[قرأت هذا الحديث وأريد أن أعرف هل هو صحيح أو غير صحيح؟ (لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي. فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب، لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي، ادعني بحقه، فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك) .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الحديث موضوع، رواه الحاكم من طريق عبد الله بن مسلم الفهري، حدثنا إسماعيل بن مسلمة، أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : لما اقترف آدم الخطيئة. . . ثم ذكر الحديث باللفظ الذي ذكره السائل. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد اهـ. هكذا قال الحاكم! وقد تعقبه جمع من العلماء، وأنكروا عليه تصحيحه لهذا الحديث، وحكموا على هذا الحديث بأنه باطل موضوع، وبينوا أن الحاكم نفسه قد تناقض في هذا الحديث. وهذه بعض أقوالهم في ذلك: قال الذهبي متعقبا على كلام الحاكم السابق: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ، وعبد الله بن مسلم الفهري لا أدري من هو اهـ. وقال الذهبي أيضاً في "ميزان الاعتدال": خبر باطل اهـ. وأقره الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان". وقال البيهقي: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، من هذا الوجه، وهو ضعيف اهـ. وأقره ابن كثير في البداية والنهاية (٢/٣٢٣) . وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٥) : موضوع اهـ. والحاكم نفسه –عفا الله عنه- قد اتهم عبد الرحمن بن زيد بوضع الحديث، فكيف يكون حديثه صحيحاً؟! قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة" (ص ٦٩) : ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب "المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم": عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه، قلت: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيراً اهـ. انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (١/٣٨-٤٧) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 69

شروط العبادة في الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[ما هي شروط العبادة الصحيحة في الإسلام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ الفقيه محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى: أولا: أن تكون العبادة موافقة للشريعة في (سببها) فأي إنسان يتعبد لله بعبادة مبنية على سبب لم يثبت بالشرع فهي عبادة مردودة، ليس عليها أمر الله ورسوله، ومثال ذلك الاحتفال بمولد النبي ﷺ وكذلك الذين يحتفلون بليلة السابع والعشرين من رجب يدّعون أن النبي ﷺ عرج به في تلك الليلة فهو غير موافق للشرع مردود. ١ - لأنه لم يثبت من الناحية التاريخية أن معراج الرسول ﷺ كان ليلة السابع والعشرين، وكتب الحديث بين أيدينا ليس فيها حرف واحد يدل على أن النبي ﷺ عرج به في ليلة السابع والعشرين من رجب ومعلوم أن هذا من باب الخبر الذي لا يثبت إلا بالأسانيد الصحيحة. ٢ - وعلى تقدير ثبوته فهل من حقنا أن نحدث فيه عبادة أو نجعله عيدا؟ أبدا. ولهذا لما قدم النبي ﷺ المدينة ورأى الأنصار لهم يومان يلعبون فيهما قال: (إن الله أبدلكم بخير منهما) وذكر لهم عيد الفطر وعيد الأضحى وهذا يدل على كراهة النبي ﷺ لأي عيد يحدث في الإسلام سوى الأعياد الإسلامية وهي ثلاثة: عيدان سنويان وهما عيد الفطر والأضحى وعيد أسبوعي وهو الجمعة. فعلى تقدير ثبوت أن الرسول ﷺ عرج به ليلة السابع والعشرين من رجب - وهذا دونه خرط القتاد - لا يمكن أن نحدث فيه شيئا بدون إذن من الشارع. وكما قلت لكم إن البدع أمرها عظيم وأثرها على القلوب سيئ حتى وإن كان الإنسان في تلك اللحظة يجد من قلبه رقة ولينا فإن الأمر سيكون بعد ذلك بالعكس قطعا لأن فرح القلب بالباطل لا يدوم بل يعقبه الألم والندم والحسرة وكل البدع فيها خطورة لأنها تتضمن القدح في الرسالة، لأن مقتضى هذه البدعة أن الرسول ﵊ لم يتم الشريعة، مع أن الله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) . والغريب أن بعض المبتلين بهذه البدع تجدهم يحرصون غاية الحرص على تنفيذها، مع أنهم متساهلون فيما هو أنفع وأصح وأجدى. لذلك نقول إن الاحتفال ليلة سبع وعشرين على أنها الليلة التي عرج فيها برسول الله ﷺ هذه بدعة؛ لأنها بنيت على سبب لم يأت به الشرع. ثانيا: أن تكون العبادة موافقة للشريعة في (جنسها) مثل أن يضحي الإنسان بفرس، فلو ضحى الإنسان بفرس، كان بذلك مخالفا للشريعة في جنسها. (لأن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم) . ثالثا: أن تكون العبادة موافقة للشريعة في (قدرها) لو أن أحدا من الناس قال إنه يصلي الظهر ستا، فهل هذه العبادة تكون موافقة للشريعة؟ كلا؛ لأنها غير موافقة لها في القدر. ولو أن أحدا من الناس قال سبحان الله والحمد لله والله أكبر خمسا وثلاثين مرة دبر الصلاة المكتوبة فهل يصح ذلك؟ فالجواب: إننا نقول إن قصدت التعبد لله تعالى بهذا العدد فأنت مخطئ، وإن قصدت الزيادة على ما شرع الرسول ﷺ ، ولكنك تعتقد أن المشروع ثلاثة وثلاثون فالزيادة لا بأس بها هنا، لأنك فصلتها عن التعبد بذلك. رابعا: أن تكون العبادة موافقة للشريعة في (كيفيتها) لو أن الإنسان فعل العبادة بجنسها وقدْرها وسببها، لكن خالف الشرع في كيفيتها، فلا يصح ذلك. مثال ذلك: رجل أحدث حدثا أصغر، وتوضأ لكنه غسل رجليه ثم مسح رأسه، ثم غسل يديه، ثم غسل وجهه، فهل يصح وضوؤه؟ كلا لأنه خالف الشرع في الكيفية. خامسا: أن تكون العبادة موافقة للشريعة في (زمانها) مثل أن يصوم الإنسان رمضان في شعبان، أو في شوال، أو أن يصلي الظهر قبل الزوال، أو بعد أن يصير ظل كل شيء مثله؛ لأنه إن صلاها قبل الزوال صلاها قبل الوقت، وإن صلى بعد أن يصير ظل كل شيء مثله، صلاها بعد الوقت فلا تصح صلاته. ولهذا نقول إذا ترك الإنسان الصلاة عمدا حتى خرج وقتها بدون عذر فإن صلاته لا تقبل منه حتى لو صلى ألف مرة. وهنا نأخذ قاعدة مهمة في هذا الباب وهي كل عبادة مؤقتة إذا أخرجها الإنسان عن وقتها بدون عذر فهي غير مقبولة بل مردودة. ودليل ذلك حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. سادسا: أن تكون العبادة موافقة للشريعة في (مكانها) فلو أن إنسانا وقف في يوم عرفة بمزدلفة، لم يصح وقوفه، لعدم موافقة العبادة للشرع في مكانها. وكذلك على سبيل المثال لو أن إنسانا اعتكف في منزله، فلا يصح ذلك؛ لأن مكان الاعتكاف هو المسجد، ولهذا لا يصح للمرأة أن تعتكف في بيتها؛ لأن ذلك ليس مكانا للاعتكاف. والنبي ﷺ لما رأى بعض زوجاته ضربن أخبية لهن في المسجد أمر بنقض الأخبية وإلغاء الاعتكاف ولم يرشدهن إلى أن يعتكفن في بيوتهن وهذا يدل على أنه ليس للمرأة اعتكاف في بيتها لمخالفة الشرع في المكان. فهذه ستة أوصاف لا تتحقق المتابعة إلا باجتماعها في العبادة: ١- سببها. ٢- جنسها. ٣- قدرها. ٤- كيفيتها. ٥- زمانها. ٦- مكانها. انتهى. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 70

الطائفة البريلوية [السُّؤَالُ] ـ[ما هي الطائفة البريلوية وما هي معتقداتهم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لقد ولدت البريلوية في الهند إبان الاحتلال البريطاني، وهي فرقة صوفية، ويعتقد أتباع هذه الفرقة ويروا أنفسهم في تجاوز الحب للأولياء والأنبياء عامة ورسولنا ﷺ خاصة. مؤسس هذه الفرقة اسمه أحمد رضا خان بن تقي علي خان والمولود في عام ١٢٧٢ هـ (١٨٥١م) ، وسمى نفسه: "عبد المصطفى". وُلد في مدينة برايلي في إقليم أوتار براديش، وكان تلميذا للميرزا غلام قادر بيج الذي كان بدوره شقيق الميرزا غلام أحمد القادياني: مؤسس القاديانية. لقد كان ضئيل الحجم ولكنه كان أيضا معروفا بالذكاء والدهاء والقسوة، كما أنه كان بذيء اللسان وحاد الطبع سريع الغضب، كما كان يعاني من الأمراض المزمنة ويكثر الشكوى من الصداع المستمر وآلام الظهر. وفي عام ١٢٩٥ هـ (١٨٧٤م) زار مكة ودرس على بعض علمائها. من كتبه المشهورة: "أنباء المصطفى" , "خالص الاعتقاد". من اعتقاد هذه الفرقة أن النبي ﷺ والأولياء لديهم القدرة على التصرف في الخلق وما قد يحدث أو يكون. وقد غلو خاصة في الرسول ﷺ إلى درجة أنهم كادوا أن يعبدوه، فقد قالوا إن النبي ﷺ يعلم الغيب، وأنه لم يكن بشرا من بني آدم ولكنه كان نورا، إذ هو نور الله، وهم يجيزون الاستغاثة بالنبي ﷺ وبالأولياء إلى آخر معتقداتهم الباطلة. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 71

أعمال تُخرج صاحبها من الإسلام [السُّؤَالُ] ـ[ما هي الأعمال التي إذا عملها المسلم يكون مرتداً عن الإسلام؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: اعلم أيها المسلم أن الله سبحانه أوجب على جميع العباد الدخول في الإسلام والتمسك به والحذر مما يخالفه، وبعث نبيه محمداً ﷺ للدعوة إلى ذلك، وأخبر أن من اتبعه فقد اهتدى، ومن أعرض عنه فقد ضل، وحذر في آيات كثيرات من أسباب الردة، وسائر أنواع الشرك والكفر، وذكر العلماء ﵏ في باب حكم المرتد، أن المسلم قد يرتد عن دينه بأنواع كثيرة من النواقض التي تحل دمه وماله، ويكون بها خارجاً عن الإسلام، ومن أخطرها وأكثرها وقوعاً عشرة نواقض ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره من أهل العلم ﵏ جميعاً ونذكرها لك فيما يلي على سبيل الإيجاز، لتَحْذَرَها وتُحَذِّر منها غيرك، رجاء السلامة والعافية منها، مع توضيحات قليلة نذكرها بعدها: الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يٌشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) النساء / ١١٦، وقال تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) المائدة / ٧٢، ومن ذلك دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والنذر والذبح لهم كمن يذبح للجن أو للقبر. الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، فقد كفر إجماعاً. الثالث: من لم يُكَفِّر المشركين، أو شَكَّ في كفرهم، أو صحّح مذهبهم كفر. الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر. الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به فقد كفر، لقوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) محمد / ٩. السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثوابه، أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) التوبة / ٦٥ و ٦٦. السابع: السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) البقرة / ١٠٢. الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) المائدة / ٥١. التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فهو كافر؛ لقوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) آل عمران / ٨٥ العاشر: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به؛ والدليل قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذٌكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون) السجدة / ٢٢. ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطراً، وأكثر ما يكون وقوعاً. فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم. انتهى كلامه ﵀. ويدخل في القسم الرابع: من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس، أفضل من شريعة الإسلام، أو أنها مساوية لها، أو أنه يجوز التحاكم إليها، ولو اعتقد أن الحكم بالشريعة أفضل، أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين، أو أنه كان سبباً في تخلف المسلمين، أو أنه يحصر في علاقة المرء بربه دون أن يتدخل في شؤون الحياة الأخرى. ويدخل في القسم الرابع: أيضاً من يرى أن إنفاذ حكم الله بقطع يد السارق، أو رجم الزاني المحصن لا يناسب العصر الحاضر. ويدخل في ذلك أيضاً : كل من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات، أو الحدود، أو غيرهما، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة، لأنه بذلك يكون قد استباح ما حرم الله إجماعاً وكل من استباح ما حرّم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كالزنى والخمر والربا، والحكم بغير شريعة الله فهو كافر بإجماع المسلمين. ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يرضيه، وأن يهدينا وجميع المسلمين صراطه المستقيم إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 72

طفلة نصرانية تسأل عن أعياد المسلمين وشعارهم [السُّؤَالُ] ـ[هل للمسلمين أعياد لا توجد عند النصارى وما هي؟ ما هو شعار الإسلام؟ مثلا عندنا الصليب فهل للإسلام شعار معين؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المسلمون لديهم يومان فقط يحتفلون بهما وهما عيد الفطر الذي يأتي بعد رمضان وعيد الأضحى الذي في الحج. والمسلمون يحتفلون بعيد الأضحى بذبح شاة اتباعاً لما فعله النبي إبراهيم ﵇ لما أمره الله بذبح ابنه البكر إسماعيل. ولما أخبر ابنه بهذا الأمر أطاعه وأخبره أنه سوف يكون صابراً. ولما أراد إبراهيم أن يشرع بذبح إسماعيل فدى الله تعالى إسماعيل من السماء بشاة عظيمة يذبحها بدلاً منه ومن هنا صارت سنة ذبح الشاة كذكرى لهذين النبيين ﵉. وهو اتباع لسنة النبي محمد ﷺ . والمسلمون فقط يحتفلون بهذه الأيام بينما لا يحتفلون بأعياد النصارى. أما بالنسبة للرمز أو الشعار فالمسلمون يعبدون الله ويرفضون أي أوثان ونحن نعتقد أن النصارى يتخذون الصليب كرمز لربهم أو ابن ربهم كما يزعمون وهم يبحثون عن البركة والحماية من هذا الصليب. والمسلمون يطلبون البركة والحماية من الله وحده ولذا ليس للمسلمين رمز كصليب النصارى. بعض المسلمين اخترعوا الهلال كرمز مقابل الصليب ولكن هذا ليس صحيحاً وهو بدعة في الإسلام. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 73

الشهادة لمعيّن بالجنة والنار [السُّؤَالُ] ـ[سمعت محاضرة لبعض المشايخ يقولون أنهم سلفيون ويقولون بما يلي: أمي كافرة وستدخل النار أعلم ذلك. يقولون أنهم متأكدون من دخول شخص النار. فهل هذا مباح؟ هل نقول أن شخصاً ما سيدخل جهنم بسبب دينه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله القاعدة في مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن الشهادة لمعيّن بالجنة والنار من أمور العقيدة التي تؤخذ بالتلقي من الكتاب والسنة، ولا مجال للعقل بالاجتهاد فيها. فمن شهد له الشرع - الكتاب والسنة - بجنة أو نار؛ شهدنا له، ومع ذلك فنحن نرجو للمحسن الجنة، ونخاف على المسيء النار، والله أعلم بالخواتيم. والشهادة بالجنة والنار تنقسم إلى قسمين:- ١. الشهادة العامة: المتعلقة بوصف، كأن تقول: من أشرك بالله تعالى شركاً أكبر فقد كفر وخرج من الدين وهو في النار. وكذلك نقول: من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. ومثل هذه النصوص وغيرها كثيرة في القرآن الكريم، والسنة النبوية. وإذا سأل شخص: هل الذي يدعو غير الله ويستغيث به في الجنة أم في النار؟ . فنقول هو كافر وفي النار إذا قامت عليه الحجة والدليل وأصرّ ومات على ذلك. وإذا قيل: من حج فلم يرفث ولم يفسق؛ ومات بعد حجه - مثلاً فأين مصيره؟ قلنا هو في الجنة، أو من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله " فهو في الجنّة ونحو ذلك. كلٌّ هذا للوصف لا للشخص المعيّن. ٢. الشهادة الخاصة أو المعيّنة: لشخص بذاته واسمه أنه في الجنة أو في النار، فهذه لا تجوز إلا في حق من أخبر الله تعالى عنه، أو رسوله أنه في الجنّة أو في النار. فمن شهد لهم الله أو رسوله بالجنة بأعيانهم فهم من أهلها قطعا كالعشرة المبشرين بالجنة، وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة، أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي ﵁. وممن شهد له الشّرع بالنار على التعيين فهو من أهلها كأبي لهب، وامرأته، وأبي طالب، وعمرو بن لحي، وغيرهم. نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة بمنّه وكرمه وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 74

حكم من يسب الحياة [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز لإنسان أن يشتم الحياة إذا غضب أو ضاق منها نرجو منكم التوجيه في ذلك؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يحل للإنسان إذا ضاق من الحياة أن يشتم الحياة لقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال تعالى: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي أقلب الليل والنهار) وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر) أي هو المصرف للدهر وعلى الإنسان إذا ابتلي ببلية أن يصبر ويحتسب فإن الله أمر بالصبر. وقال لنبيه ﷺ : (تلك من أنباء الغيب نُوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين) هود /٤٩، وليعلم الإنسان أنه ما من مصيبة إلا في الدنيا أعظم منها فإذا علم ذلك هانت عليه مصيبته. [الْمَصْدَرُ] من فتاوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين لمجلة الدعوة العدد ١٧٥٧ ص ٤٥.

стр. 75

هل يعذب صاحب الكبيرة إذا رجحت حسناته على سيئاته ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أجد تعارضا في أقوال العلماء بين أمرين في أنهم يذكرون أن فاعل الكبيرة تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وفي أنهم يذكرون أن من رجحت حسناته على سيئاته فهو من أهل الجنة فما حل هذا الإشكال. وهو كالتالي فاعل الكبيرة الواحدة إن رجحت حسناته على سيئاته هل نقول هو موعود بالجنة ولا يكون من أهل النار أم نقول هو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا تعارض بين أقوال أهل العلم في هذه المسألة بحمد الله، وبيان ذلك كالتالي: أولا: اتفق أهل السنة والجماعة على أن صاحب الكبيرة إن لقي الله تعالى تائبا منها توبة نصوحا لم يعذبه الله عليها، ولم يؤاخذه بها؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وقد قال الله تعالى: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الفرقان / ٧٠ ثانيا: من لقي الله ولم يتب من كبيرته: فهو في مشيئة الله: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، خلافا لمن أوجب نفوذ الوعيد في أهل الكبائر، بل حكم بخلودهم في النار لأجل ذلك، كالخوارج والمعتزلة. أو نفى أن يلحق الوعيد أحدا من أهل القبلة، من غلاة المرجئة. قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) النساء / ٤٨ قال ابن جرير الطبري ﵀: " وقد أبانت هذه الآية أنّ كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرته شركًا بالله " انتهى. "تفسير الطبري" (٨ / ٤٥٠) . ثالثا: من لقي الله تعالى من أهل التوحيد من أصحاب الذنوب، من الكبائر وغيرها: فمن رجحت حسناته على سيئاته، دخل الجنة ولم يعذب، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار على قدر سيئاته، ثم مآله إلى الجنة. قال الله تعالى: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) الأعراف / ٨ - ٩ وقال سبحانه: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) القارعة / ٦ - ٩ وقال شيخ الإسلام ﵀: " وأما الصحابة وأهل السنة والجماعة فعلى أن أهل الكبائر يخرجون من النار، ويشفع فيهم، وأن الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات؛ ولكن قد يحبط ما يقابلها عند أكثر أهل السنة، ولا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر، كما لا يحبط جميع السيئات إلا التوبة، فصاحب الكبيرة إذا أتى بحسنات يبتغي بها رضا الله أثابه الله على ذلك وإن كان مستحقا للعقوبة على كبيرته " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١٠/٣٢١-٣٢٢) . وقال ابن القيم ﵀: " أقوام خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فعملوا حسنات وكبائر ولقوا الله مصرين عليها غير تائبين، منها لكن حسناتهم أغلب من سيئاتهم، فإذا وزنت بها ورجحت كفة الحسنات فهؤلاء أيضا ناجون فائزون. قال تعالى: (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) قال حذيفة وعبد الله بن مسعود وغيرهما من الصحابة: " يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فمن رجحت حسناته على سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف ". وهذه الموازنة تكون بعد قصاص واستيفاء المظلومين حقوقهم من حسناته، فإذا بقي شيء منها وزن هو وسيئاته " انتهى. "طريق الهجرتين" (١ / ٥٦٢) . رابعا: لا يعني ذلك أن من رجحت سيئاته بواحدة دخل النار؛ بل هو مستحق للعذاب بفعله، ثم هو ـ مع ذلك ـ داخل في مشيئة الله تعالى، كما هي قاعدة أهل السنة في أهل الكبائر؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه. قال الشيخ حافظ الحكمي ﵀: " س: ما الجمع بين قوله ﷺ في هذا الحديث: «فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه» [متفق عليه] ، وبين ما تقدم من أن من رجحت سيئاته بحسناته دخل النار؟ جـ: لا منافاة بينهما، فإن من يشأ الله أن يعفو عنه يحاسبه الحساب اليسير الذي فسره النبي ﷺ بالعرض، وقال في صفته: «يدنو أحدكم من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم، ويقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم. فيقرره ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» [متفق عليه] . وأما الذين يدخلون النار بذنوبهم فهم ممن يناقش الحساب، وقد قال ﷺ : «من نوقش الحساب عذب» [متفق عليه] ". انتهى. "أعلام السنة المنشورة" (١٧١) . والله تعالى أعلم. وللاستزادة: راجع إجابة السؤال رقم: (٩٨٩٦٤) ، (١٠٧٢٤١) ، (١١٢١١٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →