← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 14771–14810 · переход к 14776.

стр. 14771

حكم الجلوس في مقهى يقدم فيه الحلال والحرام كالشيشة [السُّؤَالُ] ـ[هل الجلوس في المقهى الذي يقدم الحلال كالمشروبات والحرام كالشيشة جائز مع العلم أني أطلب الحلال فقط؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز الجلوس في محل يعلن فيه بالمعصية، إلا لمن اضطر إلى ذلك، لأن إنكار المنكر باليد واللسان والقلب أمر واجب، والجلوس في مكان المنكرات وعدم إنكارها يتنافى مع ذلك، وقد قال الله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) النساء/١٤٠. قال القرطبي ﵀: " قوله تعالى: (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره) أي غير الكفر. (إنكم إذا مثلهم) : فدل هذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله (إنكم إذا مثلهم) فكل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء. وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه أخذ قوماً يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم فحمل عليه الأدب (أي: عاقبه) وقرأ هذه الآية: (إنكم إذا مثلهم) أي إن الرضا بالمعصية معصية " انتهى. وقال الجصاص في "أحكام القرآن" (٢/٤٠٧) : ". وفي هذه الآية دلالة على وجوب إنكار المنكر على فاعله وأن مِنْ إنكاره إظهار الكراهة إذا لم يمكنه إزالته وترك مجالسة فاعله والقيام عنه حتى ينتهي ويصير إلى حال غيرها " انتهى. وقال الشيخ ابن باز ﵀: " والإنكار بالقلب فرض على كل واحد، وهو بغض المنكر وكراهيته، ومفارقة أهله عند العجز عن إنكاره باليد واللسان؛ لقول الله سبحانه: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) الأنعام/٦٨" انتهى نقلا عن: "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" (١٦/١٤٢) . ثم إنه يخشى على من جلس في هذه الأماكن أن يضعف إيمانه، وأن تذهب الغيرة من قلبه، وربما دعاه الشيطان إلى مقارفة شيء من المعصية، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) النور/٢١. لكن ... إذا احتاج المسلم إلى الجلوس في مكان كهذا، كما لو كان مسافرا ولم يجد مكانا يستريح فيه إلا ذلك المكان، فله الجلوس فيه، على أن يبعد عن أهل المعاصي بقدر استطاعته، ويكون جلوسه بقدر ما يحتاج فقط، ثم يقوم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14772

هل يحذر أصحابه من الاستماع لهذا الداعية ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا أحذر أصدقائي من سماع أحد الدعاة ولي أسباب هي: ١:- أنه قال إن إبليس لم يكفر. ٢:- قوله إن الله سوف يدخل الفنانين الجنة بفنهم. ٣:- قوله إن اليهود ليسوا أعداءنا. وأنا لم أقل ذلك عليه من فراغ، ولكني استمعت لأحاديثه وهو يقول بذلك، فإن كان ذلك حراما فأريد أن أعرف. وجزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نشكر لك حرصك وغيرتك على الإسلام، ولكن لا بد هنا من ذكر بعض القواعد المهمة التي ينبغي لكل مسلم التوقف عندها: أولا: باب الكلام في الناس باب خطير، والحكم عليهم بالمدح أو الذم أمر جليل، تهيب خوض غماره كثير من العلماء، فإن الغيبة من موبقات الذنوب، ويتعاظم إثمها إذا كانت غيبة للدعاة أو العلماء أو المصلحين. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) رواه مسلم (٢٥٦٤) قال ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (٣٤) : " أعراضُ المسلمين حُفْرَةٌ من حُفَرِ النار " انتهى. وقد أصبح الاشتغال بأخطاء الآخرين ومتابعتها آفة ابتلي بها الناس اليوم، وقد كان الأحرى بهم السعي في تحصيل العلم النافع والاجتهاد في صالح الأقوال والأعمال. ومع ذلك فإن الغيبة تكون جائزة، بل قد تكون واجبة، إذا كانت لتحذير المسلمين من شر فاسق أو ضال أو مبتدع. الناس جميعا - والدعاة والعلماء منهم - ليسوا معصومين من الخطأ، بل لم يسلم من الخطأ أحد من البشر. غير أن هذه الأخطاء على نوعين: الأول: أخطاء واضحة لمخالفة النصوص الصريحة أو الظاهرة، أو مخالفة إجماع الأمة، فهذا الخطأ يجب بيانه، ولا يجوز السكوت عنه. النوع الثاني: أخطاء في مسائل اجتهادية، كتلك التي لم ترد فيها نصوص قطعية أو ظاهرة تدل على حكمها، ولكن ورد فيها نصوص محتملة في دلالتها، أو مختلف في صحتها، أو ليس فيها نصوص أصلا، وإنما هي قضايا اجتهادية عند أهل العلم، على ما هو معروف في بابه؛ فهذه لا يجوز إنكارها، ولا التشنيع على القائل بها، وإن كان لا يُمنع من التباحث فيها وبيان الصواب من غيره، كلٌّ حسب ما يراه. وأما الطعن في الشخص نفسه والتحذير منه، فذلك يختلف باختلاف الأشخاص وحجم الأخطاء التي وقعوا فيها، ومدى استفادة المسلمين من دعوته، فإذا كان الرجل يدعو إلى منهج غير منهج أهل السنة والجماعة، ويحارب منهج أهل السنة، ويمدح غيره من المناهج، أو ينطلق في منهجه ـ وإن لم يصرح بذلك ـ من أصول بدعية؛ فهذا ـ إن كان عنده خير ـ إلا أن شره أعظم من خيره، فيجب التحذير منه، حتى لا ينخدع الناس بكلامه، ويكون سببا في إضلالهم. ومن الناس ـ الدعاة ـ من ينتسب إلى أهل السنة والجماعة، ولا يدعو إلى منهج آخر، ولكنه كثرت أخطاؤه وشذوذاته، حتى صارت سيئات دعوته تربو على حسناته، وأخطاؤه أكثر من صوابه، فهذا أيضا يجب التحذير منه. وقسم ثالث من الناس، ينتسب إلى أهل السنة والجماعة، وله بعض الأخطاء ـ التي لا يخلو منها بشر ـ إما عن تأويل أو اجتهاد خاطئ أو ضعف في العلم، أو دعوى المصلحة....إلخ، ولكنه في الجملة متمسك بالسنة داع إليها مدافع عنها، وحسناته أكثر من سيئاته، وانتفاع الناس بدعوته أكثر من الضرر الحاصل على بعضهم في اتباعه في هذه الأخطاء، فهذا يجب بيان أخطائه تحذيرا للناس، ونصحا لهم، وإنكارا للمنكر، ولكنه لا يجوز أن يتعدى ذلك إلى الطعن في الشخص نفسه، أو محاولة إسقاطه وتحذير الناس من استماعه أو الأخذ منه، أو الحمل عليه ـ تأولا ـ بأخطاء لم يصرح بها في كلامه؛ فإن المنصف من يغتفر قليل زلل المرء في كثير صوابه، ومَنْ مِنَ الناس هو الذي يصيب دائما ولا يخطئ؟ من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط فقد دار حديثنا هنا ـ أيها الأخ الكريم ـ على أصول مهمة يجب البناء عليها عند النظر والحكم على الآخرين: الأصل الأول: النظر إلى أصول الشخص، ومنطلقه في علمه وعمله؛ فمن كان قصده متابعة الرسول، وتعظيم شرعه، ظاهرا وباطنا، فهذا يغتفر له، إن شاء الله. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في معرض كلامه عن أبي ذر الهروي، والباقلاني والباجي، وغيرهم من علماء الأشاعرة: " ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين، ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف. لكن لما التبس عليهم هذا لأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة [يعني: نفي الأفعال الاختيارية، والأمور المتعلقة بمشيئة الله تعالى] وهم فضلاء عقلاء، احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين؛ وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوساطها!! وهذا ليس مخصوصا بهؤلاء؛ بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاو لهم عن السيئات: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ (الحشر: ١٠) . ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول ﷺ ، وأخطأ في بعض ذلك، فالله يغفر له خطأه؛ تحقيقا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (البقرة: ٢٨٦) ومن اتبع ظنه وهواه، فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ، ظنه صوابا بعد اجتهاده، وهو من البدع المخالفة للسنة؛ فإنه يلزمه نظير ذلك، أو وأعظم أو أصغر، فيمن يُعَظِّمُه هو من أصحابه؛ فقلَّ من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين، لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب، ويزول به عن القلوب الشك والارتياب.. " انتهى. درء تعارض العقل والنقل (٢/١٠٢-١٠٣) . الأصل الثاني: إذا عرف أن أصله تعظيم شرع الله، واتباع رسوله، ظاهرا وباطنا، فإنه يوزن قوله وعمله بميزان الكتاب والسنة، وموازنة حسناته وسيئاته، على ما سبق الإشارة إليه. يقول شيخ الإسلام، ﵀: " وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد؛ فإن الأمر والنهى وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له؛ فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورا به؛ بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته. لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة؛ فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تُعْوِز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام. وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما؛ بل إما أن يفعلوهما جميعا أو يتركوهما جميعا، لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر؛ بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أُمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وزوال فعل الحسنات!! وان كان المنكر اغلب نهي عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الامر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه، أمرا بمنكر، وسعيا في معصية الله ورسوله!! وان تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما؛ فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي؛ حيث كان المنكر والمعروف متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة. وأما من جهة النوع: فيؤمر بالمعروف مطلقا، وينهى عن المنكر مطلقا. وفي الفاعل الواحد، والطائفة الواحدة: يؤمر بمعروفها، وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها، ويُذم مذمومها؛ بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات معروف أكبر منه، أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه. وإذا اشتبه الأمر: استثبت المؤمن حتى يتبين له الحق؛ فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصيا؛ فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهى عنه من الأمر معصية؛ وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله!! " انتهى. الاستقامة (٢/٢١٦-٢١٩) . وقال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى "مجموع الفتاوى" (٧/٣١١-٣١٥) : "وما وجد من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يسوغ فيه الاجتهاد فإن صاحبه لا يؤاخذ به ولا يثرب عليه إذا كان أهلا للاجتهاد , فإذا خالفه غيره في ذلك كان الأجدر أن يجادله بالتي هي أحسن , حرصا على الوصول إلى الحق من أقرب طريق، ودفعا لوساوس الشيطان وتحريشه بين المؤمنين. فإن لم يتيسر ذلك , ورأى أحد أنه لا بد من بيان المخالفة فيكون ذلك بأحسن عبارة وألطف إشارة , ودون تهجم أو تجريح أو شطط في القول قد يدعو إلى رد الحق أو الإعراض عنه، ودون تعرض للأشخاص أو اتهام للنيات أو زيادة في الكلام لا مسوغ لها، وقد كان الرسول ﷺ يقول في مثل هذه الأمور: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا) " انتهى. والله أعلم. الأصل الثالث: ألا يكون الكلام إلا بما هو فيه فعلا، وإلا كان بهتانا، كما قال النبي ﷺ ، لمن سأله عن الغية: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ!! قَالَ: (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ!! قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ!!) رواه مسلم (٢٥٨٩) . سئل شيخ الإسلام ﵀: هل يجوز غيبة تارك الصلاة أم لا؟ فأجاب: " الحمد لله؛ إذا قيل عنه إنه تارك الصلاة، وكان تاركها، فهذا جائز، وينبغي أن يشاع ذلك عنه ويُهجر حتى يصلي، وأما مع القدرة فيجب أن يُسْتتاب؛ فإن تاب وإلا قُتِل!!) انتهى. آثار شيخ الإسلام (٥/١٢٢) . ويجب التنبه أيضا إلى أن كثيراً من هؤلاء الدعاة دعوتهم موجهة في الأصل إلى عامة المسلمين، الذين قد يكون كثير منهم تاركاً للصلاة أو متهاوناً بها، أو منغمسا في المعاصي والموبقات، فإقبال هؤلاء وأمثالهم على أولئك الدعاة واستمالتهم إليهم وهدايتهم على أيديهم فيه خير كثير، وهو خطوة أو خطوات إلى الأمام، فليس من الحكمة الكلام مع أمثال هؤلاء عن أولئك الدعاة وتحذيرهم منهم، لأن كثيرا من هؤلاء يكون أمامه خياران اثنان، إما أن يبقى مع هؤلاء الدعاة، وإما أن يعود إلى ما كان عليه، ولا شك أن بقاءه مع هؤلاء الدعاة خير له، ولكن الواجب على أهل الحق بعد ذلك أن يتعاهدوا هؤلاء، ويأخذوا بأيديهم إلى منهج أهل السنة شيئا فشيئا. وما ذكرته من الأخطاء عن الشخص المعين، يجب تحذير المسلمين منها، وتنبيههم إلى مخالفتها لكتاب الله وسنة رسوله، بل وإجماع المسلمين؛ ثم ينظر في منهجه في دعوته، في ضوء الأصل العام الذي سبق ذكره، وإن أمكن لمن فيه علم وانتباه ودين أن ينتفع في نفسه، أو ينفع غيره، بما عند هذا الشخص وأمثاله من الخير، ويحذر في نفسه , ويحذر غيره، مما عنده من خطأ أو بدعة، فهو حسن إن شاء الله تعالى؛ وإلا ففي الخير الخالص أو الغالب ما يغني عنه إن شاء الله: خُذ ما تَراهُ وَدَع شَيئاً سَمِعتَ بِهِ في طَلعَةِ الشَمسِ ما يُغنيكَ عَن زُحَلِ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14773

هل يهجر زميله في العمل الذي يفعل المحرمات ؟ [السُّؤَالُ] ـ[شيخنا الفاضل لدي زميل بالعمل (أجنبي الجنسية) تأذيت كثيراً من كلماته، وشتمه للغير، وحتى رقصات أنغام جواله التي طالما آذاني بها، وعندما حدثته بذلك قال: هذا ليس من شأنك، وأنا الآن قطعت العلاقة معه بسبب موقف بيننا، وإذا دخلت مكتبي أسلم بصوت عال، ولا يرد، وإذا دخل هو لا يسلم، فهل أنا ملزم بأن أمد يدي لمصافحته، علماً بأنني رأيت بعيني أنه لا يهتم، وسبق أن صافحه أحدهم وهو جالس ولم يكلف نفسه حتى بالوقوف بسبب زعل منه على ذاك الرجل، فهل الإسلام يجبرني على أن أصافحه وهو بهذه الأخلاق التي ذكرت؟ علماً أنه لا يتكلم مع أشخاص آخرين في العمل، وأنا لست أول من يفعل هذا معه. أرجو الإجابة لأني أحس بتأنيب ضمير، وأخاف من حديث " لا يرفع العمل بسبب الخصومة "، أو كما قال ﷺ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الهجر الذي يكون بين متخاصمين من المسلمين نوعان: الأول: هجر لحظِّ النفس، أو على أمرٍ دنيوي. والثاني: هجر لحقِّ الله، بأن يكون من أجل وقوع المهجور في بدعة أو معصية. وحكم الهجر الأول: أنه غير مشروع، بل هو منهي عنه. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لا تَبَاغَضُوا وَلا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ) . رواه البخاري (٥٧٢٦) ومسلم (٢٥٥٩) – واللفظ له -. وهذا الهجر لا يجوز أكثر من ثلاث ليال كما سبق في الحديث. وأما حكم الهجر الثاني: فهو هجر مشروع، وله أدلته من السنَّة، وقد فعله الصحابة، ومن بعدهم من أئمة الدين، وله شروط وضوابط في كلام أهل العلم. فقد هجر النبي صلى الله ﷺ الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر، وقد جاء حديثهم الطويل في الصحيحين من حديث كعب بن مالك – ﵁ – وهو أحد الثلاثة. قال الحافظ ابن حجر – ﵀ – في سياق ذِكر فوائد الحديث: وفيها: ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق الثلاث: فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيّاً ... . وفيها: سقوط رد السلام على المهجور عمَّن سلَّم عليه؛ إذ لو كان واجباً: لم يقل " كعب " هل حرَّك شفتيه – أي: النبي ﷺ برد السلام. " فتح الباري " (٨ / ١٢٤) . فيتبين لنا من سياق الحديث – ولم نسقه لطوله – أن من أحكام الهجر الشرعي: جواز ترك إلقاء السلام وترك ردِّه على صاحب المعصية – وصاحب البدعة أولى -، وأن هجره غير محدد بوقت، بل يكون ذلك إلى أن يتوب، أو حيث يرى الهاجر المصلحة في ذلك – كما سيأتي -، وبه تعلم أن ترك مصافحتك لذلك العاصي، بل ترك للسلام عليه بلسانك أنه ليس فيها محذور شرعي عليك، وإليك ما يزيد الأمر توكيداً: قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: ومَن عُرف منه التظاهر بترك الواجبات، أو فعل المحرمات: فانه يستحق أن يُهجر، ولا يسلَّم عليه تعزيراً له على ذلك حتى يتوب. " مجموع الفتاوى " (٢٣ / ٢٥٢) . لكن لا بدَّ من التنبيه على أن الهجر للعاصي والمبتدع إنا شرِع لحكمٍ عظيمة، ومنها أن هجره هو لتأديبه حتى يترك معصيته وبدعته، وكذا شُرع تنبيهاً لغيره أن يقع في المعصية أو البدعة، وحيث كان الهجر غير مجدٍ مع هذا العاصي، أو أنه سيزيده طغياناً: فلا ينبغي الهجر؛ لما يترتب عليه من آثار سيئة على المهجور، أو أنه لن يتحقق ما شُرع الهجر من أجله، وهنا يكون التأليف لقلب هذا العاصي أنفع من الهجر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم، وضعفهم، وقلتهم، وكثرتهم؛ فإن المقصود به: زجر المهجور، وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله. فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته: كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته: لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر. والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوماً ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلِّفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم؛ لما كان أولئك كانوا سادة مُطاعون في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عزُّ الدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح. " مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٢٠٦) . وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: ما ضابط هجر العاصي الذي لم تظهر معصيته علانية للناس إذا كان في هجره مصلحة؟ . فأجاب: الضابط: أن هجر العاصي إن كان فيه مصلحة بحيث يرجع العاصي عن معصيته: فليهجر، وأما إذا لم يكن فيه مصلحة: فهجره حرام؛ لأن العاصي مسلم، ولو فعل ما فعل من الكبائر، إلا الكفر إذا كَفَر، هذا معلوم، وقد قال النبي ﷺ : (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان، ويعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) ، فلا تهجره؛ ولأن بعض العصاة إذا هجرته: زاد في معصيته، وكرِهك أيضاً، ولم يقبل منك أي نصيحة، أما لو كان هجره ينفع، كما لو كان أحد الأبناء، أو أحد الإخوة وهو يقدِّرك، وإذا هجرته ارتدع: فهنا اهجره حتى يرتدع، فإن أخلف الظن - بمعنى: أنك هجرته ولكنه لم يرتدع -: فعُد، وسلِّم عليه، ولا تنس النصيحة. " لقاءات الباب المفتوح " (٢٣١ / السؤال رقم ٩) . فأنت أخي السائل إن رأيتَ أن تركك للسلام عليه سيؤثر فيه، وسيرتدع عن معاصيه بسببه: فاستمر على هجرك له، واترك إلقاء السلام، وردِّه إن سلَّم، وإن رأيتَ أن ذلك غير نافعه: فاعلم أن تأليفك لقلبه بالهدية، والتبسم في وجهه، والتلطف في مخاطبته أنفع من هجره، فاعمل على ذلك، فإن أبى منك ذلك، ولم يتجاوب معك: فليس عليك شيء، ولست ملوماً في ذلك. وفي مسند الإمام أحمد (١٥٨٢٣) عن هِشَامَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ فَإِنْ كَانَ تَصَارَمَا فَوْقَ ثَلاثٍ فَإِنَّهُمَا نَاكِبَانِ عَنْ الْحَقِّ مَا دَامَا عَلَى صُرَامِهِمَا وَأَوَّلُهُمَا فَيْئًا فَسَبْقُهُ بِالْفَيْءِ كَفَّارَتُهُ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلَامَهُ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ وَرَدَّ عَلَى الآخَرِ الشَّيْطَانُ فَإِنْ مَاتَا عَلَى صُرَامِهِمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي الْجَنَّةِ أَبَدًا!!) صححه الألباني في الصحيحة ١٢٤٦ نسأل الله تعالى أن يكتب لنا ولك الأجر، وأن يهدينا وإياكم لما يحب ويرضى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14774

جماعة التبليغ ما لها وما عليها [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم الجماعات التي تقضي أربعة أشهر وأربعين يوماً في مختلف أنحاء العالم لدعوة المسلمين إلى واجباتهم الدينية؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " جماعة التبليغ " من الجماعات العاملة للإسلام، وجهدها في الدعوة إلى الله لا يُنكر، ولكنها مثلها مثل كثير من الجماعات تقع في أخطاء، وعليها ملاحظات، ويمكن إجمال الملاحظات بما يلي مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الأخطاء تختلف في الجماعة نفسها بحسب البيئة والمجتمع الموجودة به، ففي المجتمعات التي يظهر فيها العلم والعلماء وينتشر مذهب أهل السنة والجماعة تقل أخطاؤهم إلى حد بعيد، وفي مجتمعات أخرى قد تزيد هذه الأخطاء، فمن أخطائهم: ١. عدم تبني عقيدة أهل السنة والجماعة، وذلك واضح في تعدد عقائد أفرادها بل بعض قادتها. ٢. عدم اهتمامهم بالعلم الشرعي. ٣. تأويلهم للآيات القرآنية ونقلهم لمعانيها على غير مراد الله تعالى، ومن ذلك تأويلهم لآيات الجهاد بأن المقصود بها " الخروج للدعوة "، وكذا الآيات التي فيها لفظ " الخروج " ومشتقاته إلى الخروج في سبيل الله للدعوة. ٤. جعلهم الترتيب الذي يحددونه في الخروج متعبَّداً به، فراحوا يستدلون بالآيات القرآنية ويجعلون المقصود منها ما يحددونه من أيام وأشهر، ولم يقتصر الأمر على مجرد الترتيب بل ظل بينهم شائعاً منتشراً مع تعدد البيئات وتغير البلدان واختلاف الأشخاص. ٥. وقوعهم في بعض المخالفات الشرعية من نحو جعلهم رجلاً منهم يدعو أثناء خروج الجماعة للدعوة إلى الله، ويعلقون نجاحهم وفشلهم على صدق هذا الداعي والقبول منه. ٦. انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بينهم، وهذا لا يليق بالذي يتصدى للدعوة إلى الله. ٧. عدم كلامهم عن " المنكرات "، ظناً منهم أن الأمر بالمعروف يغني عنه، ولذا نجدهم لا يتكلمون عن المنكرات الفاشية بين الناس مع أن شعار هذه الأمة – وهم يرددونه باستمرار – ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ آل عمران / ١٠٤، فالمفلحون هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وليس فقط من يأتي بأحدهما. ٨. ما يقع من بعضهم من الإعجاب بالنفس والغرور ويؤدي به ذلك إلى ازدراء غيره – بل والتطاول على أهل العلم ووصفهم بأنهم قاعدون ونائمون - ووقوعه في الرياء، فتجده يتحدث أنه خرج وسافر وانتقل وأنه رأى وشاهد، وهو يؤدي إلى وقوعه فيما لا يحمد مما ذكرنا. ٩. جعلهم الخروج للدعوة أفضل من كثير من العبادات كالجهاد وطلب العلم، مع أن ما يفضلونه عليه هو من الواجبات أو قد يصير واجباً على أناس دون غيرهم. ١٠. جرأة بعضهم على الفتوى والتفسير والحديث، وذلك واضح في كونهم يجعلون كل واحد منهم يخاطب الناس ويبين لهم، وهو يؤدي إلى جرأة هؤلاء على الشرع، فلن يخلو كلامه من بيان حكم أو حديث أو تفسير آية، وهو لم يقرأ في ذلك شيئاً، ولم يسمع أحداً من العلماء لينقل عنه، وبعضهم يكون من المسلمين أو المهتدين حديثاً. ١١. تفريط بعضهم في حقوق الأبناء والزوجة، وقد بيَّنا خطر هذا الأمر في جواب السؤال رقم (٣٠٤٣) . لذا فإن العلماء لم يجوزوا الخروج معهم إلا لمن أراد أن يفيدهم ويصحح الأخطاء التي تقع منهم. ولا ينبغي لنا أن نصد الناس عنهم بإسقاطهم بالكلية بل علينا أن نحاول إصلاح الخطأ والنصيحة لهم حتى تستمر جهودهم وتكون صائبة على وفق الكتاب والسنة. وهذه فتاوى بعض العلماء في " جماعة التبليغ ": ١. قال الشيخ عبد العزيز بن باز: فإن جماعة التبليغ ليس عندهم بصيرة في مسائل العقيدة، فلا يجوز الخروج معهم إلا لمن لديه علم وبصيرة بالعقيدة الصحيحة التي عليها أهل السنّة والجماعة حتى يرشدهم وينصحهم ويتعاون معهم على الخير لأنهم نشيطون في عملهم لكنهم يحتاجون إلى المزيد من العلم وإلى من يبصرهم من علماء التوحيد والسنَّة، رزق الله الجميع الفقه في الدين والثبات عليه. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ٣٣١) . ٢. قال الشيخ صالح الفوزان: الخروج في سبيل الله ليس هو الخروج الذي يعنونه الآن، الخروج في سبيل الله هو الخروج للغزو، أما ما يسمونه الآن بالخروج فهذا بدعة لم يرد عن السلف. وخروج الإنسان يدعو إلى الله غير متقيد في أيام معينة بل يدعو إلى الله حسب إمكانيته ومقدرته، بدون أن يتقيد بجماعة أو يتقيد بأربعين يوماً أو أقل أو أكثر. وكذلك مما يجب على الداعية أن يكون ذا علم، لا يجوز للإنسان أن يدعو إلى الله وهو جاهل، قال تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة﴾ ، أي: على علم لأن الداعية لابد أن يعرف ما يدعو إليه من واجب ومستحب ومحرم ومكروه ويعرف ما هو الشرك والمعصية والكفر والفسوق والعصيان يعرف درجات الإنكار وكيفيته. والخروج الذي يشغل عن طلب العلم أمر باطل لأن طلب العلم فريضة وهو لا يحصل إلا بالتعلم لا يحصل بالإلهام، هذا من خرافات الصوفية الضالة، لأن المل بدون علم ضلال، والطمع بحصول العلم بدون تعلم وهم خاطئ. من كتاب " ثلاث محاضرات في العلم والدعوة ". والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14775

أفقد أعصابي مع المدخنين فماذا أفعل ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا طالبة مسلمة تغضب بسرعة على المدخنين. أنا أفقد أعصابي عندما يُدخن أي شخص أمامي. أعلم أن ما أفعله من الأنانية، لكن الدخان يُضايقني ويسبب لي صعوبة في التنفس، وتتورم عيناي، وأشعر بالدوار منه. والدتي تقول لي إنّ عليّ أن أتحكم في نفسي، لكني أرد دائما بالقول: " إن ذلك ليس خطئي "، لكن هل علي أن أتحكم في نفسي؟ أحاول تحقيق ذلك لكني لا أستطيع. لقد قرأت كل ما ورد على موقعك، لكن يظهر أني لا أستطيع أن أتحكم في أعصابي. هل هناك أي شيء يمكنني فعله؟ أم أن فعلي ذلك هو من الخطأ الذي يغفره الله؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الدخان من المحرمات ولمعرفة الدليل على تحريمه انظري السؤال رقم (١٨١٢) (١٠٩٢٢) ثانياً: لو كان كل إنسان يستطيع العيش في هذه الدنيا على حسب ما يريد وكيفما يشتهي لم يكن في هذه الدنيا بلاء ولا صحّ وصفها بالكدر، ولا وجدت هنالك المشكلات التي تحتاج إلى حل وعلاج ولكن الحقيقة أنها امتزجت حلاوة ومرارة وعذوبة وجفاء، وكلنا يسعى جاهداً في تطبيع حياته وتذليلها وفق مايريد وتشتهي نفسه ويتمنى من الآخرين أن يفهموا ذلك منه، ولكن دون ذلك عقبات وعقبات وهذه هي حقيقة الدنيا التي مهما تمتعنا فيها فمآلها ومنتهاها الكدر والأسى. إن مشاعر الغضب التي تنتابك كردة فعل لمن يدخن أمامك هي مشاعر واقعية لها ما يبررها في الأصل والحقيقة، بل إنني أزيد فأقول إن جمهور العقلاء يوافقونك طبعاً وسجيةً على هذه المشاعر التي تنبع من الحياة الطبيعية واستهجان القبائح من الأعمال الرذيلة الدنيئة ناهيك عن كونك تتضررين جسدياً من هذا الدخان. بيد أن الإنسان لابد وأن يفقه كيف يمكنه التعبير عن مشاعره تجاه الأشياء والمواقف التي يُحس أنها لا تتلائم مع تفكيره وسجيته , وحيث استطاع الإنسان أن يتجاوز هذه العقبة بنجاح فإنه يكون قد خطى الخطوة الصحيحة نحو الهدف المنشود. ومن هنا لابد وأن نعلم أن الناس لا تستجيب لرغبة الآمر على وجه الإجبار والسلطة , بل تبتعد عن صاحب ذلك الطبع بعيداً مع إيمانها بأن ما يقول أو يطلب هو في نفسه صحيح مقبول. إن مجرد شعورك بالغضب تجاه هؤلاء للأسباب التي ذكرتِ أمر مقبول، ولكن الغضب وحده لايأتي بنتيجة مرضية في أغلب الأحوال، وإن السيطرة على الأعصاب والمشاعر والبحث عن إيصالها بالطريق المناسب يوصل الإنسان لمُراده من أقصر الطرق وأسهلها، فهل جربت أن عبرت عن مدى استيائك من الدخان وما يسببه لك من الأضرار بأسلوب الهدوء والاستئذان؟ إن معظم المدخنين إذا طُلب منهم الإقلاع عنه بأسلوب هادئ يشرح السبب ويقدم العذر الغالب أنهم يستجيبون على الفور. وعلى العكس من ذلك فإنهم يردون على من أساء نصحهم بأسوأ من ذلك إلا من رحم الله , وإذا كان الإنسان يهمه الوصول إلى طلبه فلابد أن يتحلى بالصبر والأناة وحسن المنطق والحوار. لقد تساءلت " هل علي أن أتحكم في نفسي " قطعاً سوف يكون الجواب نعم، مع هؤلاء ومع غيرهم من الناس، فكم في الدنيا مما يثير الغضب؟ إن ضبط النفس والمشاعر لابد وأن يكون من أولويات تفكيرك وأهدافك، ولقد أرشدنا نبينا الكريم الرحيم عندما جاءه ذلك الرجل فقال له: يا رسول الله أوصني فقال الرسول ﷺ : لا تغضب، فردد الرجل السؤال مراراً، فقال الرسول له لا تغضب) رواه البخاري (٦١١٦) وكيف سيعيش الإنسان لو لم يتحل بالصبر؟ حاولي التحكم في أعصابك بكل طريق ممكن، حاولي إنتقاء الصديقات اللواتي يساعدنك على ضبط النفس والتحلي بالصبر. ابتعدي عن كل ما يدعو إلى إغضابك ويستثير أعصابك، من الأصدقاء والزملاء، وحاولي قدر الإمكان اجتناب المواقف المهيجة للغضب. استعيني أولاً وآخراً بالدعاء وسؤال الله تعالى أن يلهمك الصبر على كل شيء. ولا تقولي إنك لا تستطيعين أن تتحكمي في أعصابك، فإن الإحساس بالفشل وهمٌ ربما قاد إلى أن يصبح حقيقة مع الاستسلام له والرضى به. وأنت بعزيمتك وصدق نيتك سوف تصلين بإذن الله تعالى إلى ما تريدين، هذا مع العلم بأنك ربما تعانين من ذلك في البداية ولكن ثقي أنك سوف تسيطرين على نفسك في النهاية وأن ذلك المر والعناء سوف يستحيل عسلاً يوم تجنين ثمرته. والله اعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14776

هل ينضم لحزب إسلامي في بلد علماني ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لدينا حزب سياسي إسلامي في بلادنا، شعاره هو إقامة الإسلام في البلاد، من خلال الحصول على الحقوق القانونية لممارسة السلطة في البلاد، وكوني من أبناء هذا البلد الذي لا يكاد يوجد فيه شخص يتبع الإسلام، والمحرمات تنتشر بسبب نقص الإيمان لدى الأحزاب السياسية الأخرى ولدى معظم الناس، فهل في هذا الوضع يكون فرضا أن ننضم إلى هذا الحزب السياسي الإسلامي الذي يعطي الأمل بأنه إذا أيدناه وانضممنا إليه فإنه بذلك يمكن إقامة الإسلام، هذا مع العلم بأن أسرتي تمنعني من الانضمام إلى هذا الحزب، ولكن فلسفة الحزب تشدني إليه، أرجو النصيحة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أوجب الإسلام على أتباعه أن يكونوا مجتمعين على الحق، وحذَّرهم من الفرقة، وأخبرهم التنازع والتفرق بعد العلم بالحق هو سبيل غير المسلمين، وهو كفيل بإحداث الفشل وذهاب القوة، وهو ما يجعلهم فريسة سهلة المنال من المتربصين بالإسلام. قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) آل عمران/١٠٣. وقال ابن كثير ﵀: وقوله: (وَلا تَفَرَّقُوا) : أمَرَهُم بالجماعة، ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديثُ المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم من حديث سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضى لَكُمْ: أنْ تَعْبدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وأنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاهُ اللهُ أمْرَكُمْ؛ وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا: قيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإِضَاعَةَ الْمَالِ) ، وقد ضُمِنتْ لهم العِصْمةُ عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضًا، وخِيفَ عليهم الافتراق، والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومُسَلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه رسولُ الله ﷺ وأصحابه. " تفسير ابن كثير " (٢ / ٨٩، ٩٠) . وقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) آل عمران /١٠٤،١٠٥. ثانياً: لا يجوز للمسلم الانضمام إلى الأحزاب المخالفة للدين أو المحاربة له، كالأحزاب العلمانية أو القومية أو الشيوعية؛ لأن في الانضمام إليهم إقراراً بضلالهم وكفرهم، وتكثيراً لسوادهم. قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الأنعام/١٥٣. وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) الأنعام/١٥٩. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: يتوعد تعالى الذين فرقوا دينهم، أي: شتتوه وتفرقوا فيه، وكلٌّ أخذ لنفسه نصيباً من الأسماء التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئاً، كاليهودية، والنصرانية، والمجوسية، أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئاً ويجعله دينه، ويدع مثله، أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة من أهل البدع والضلال والمفرقين للأمة. ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أهل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية. وأمره أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم فقال: (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) أي: لست منهم، وليسوا منك؛ لأنهم خالفوك وعاندوك. (إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ) يرِدون إليه، فيجازيهم بأعمالهم، (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) . " تفسير السعدي " (ص ٢٨٢) . ثالثاً: لا مانع للمسلمين من إقامة جمعيات خيرية وإصلاحية لتقوم بالدعوة إلى الله من خلالها، أو بأعمال الخير عموماً، على أن لا يكون تعصب للاسم أو للآراء بما يحدث فرقة في صف المسلمين. رابعاً: لا يجوز للمسلمين تكوين أحزاب وجماعات تقوم على التعصب لآرائها، والتحزب لقياداتها؛ لما في ذلك من الوقوع في التفرق الذي نهينا عنه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: وليس للمعلِّمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونون مثل الأخوة المتعاونين على البر والتقوى كما قال تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) . وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهداً بموافقته على كل ايريده، وموالاة مَن يواليه، ومعاداة مَن يعاديه، بل من فعل هذا: كان من جنس " جنكيزخان " وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقا والي، ومن خالفهم عدوّاً باغي، بل عليهم وعلى أتباعهم عهد الله ورسوله بأن يطيعوا الله ورسوله، ويفعلوا ما أمر الله به ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله، ويرْعَوا حقوق المعلمين كما أمر الله ورسوله. " مجموع الفتاوى " (٢٨ / ١٥، ١٦) . وقال – ﵀: ومن حالف شخصاً على أن يوالي مَن والاه، ويعادي من عاداه: كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان! ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى، ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين، بل هؤلاء من عسكر الشيطان، ولكن يحسن أن يقول لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي من والى الله ورسوله وتعادي من عادى الله ورسوله، وتعاون على البر والتقوى، ولا تعاون على الإثم والعدوان، وإذا كان الحق معي نصرتَ الحق، وإن كنتُ على الباطل: لم تنصر الباطل، فمن التزم هذا كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى الذين يريدون أن يكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا. " مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٢٠، ٢١) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: أما الانتماءات إلى الأحزاب المحدثة: فالواجب تركها , وأن ينتمي الجميع إلى كتاب الله وسنَّة رسوله , وأن يتعاونوا في ذلك بصدق وإخلاص , وبذلك يكونون من حزب الله الذي قال الله فيه سبحانه في آخر سورة المجادلة (أََلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) بعدما ذكر صفاتهم العظيمة في قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية. ومن صفاتهم العظيمة: ما ذكره الله في سورة الذاريات في قول الله : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ. كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) فهذه صفات حزب الله لا يتحيزون إلى غير كتاب الله والسنَّة، والدعوة إليها، والسير على منهج سلف الأمة من الصحابة ﵃ وأتباعهم بإحسان. فهم ينصحون جميع الأحزاب وجميع الجمعيات ويدعونهم إلى التمسك بالكتاب والسنة , وعرْض ما اختلفوا فيه عليهما فما وافقهما أو أحدهما فهو المقبول وهو الحق , وما خالفهما وجب تركه. ولا فرق في ذلك بين جماعة الإخوان المسلمين , أو أنصار السنة والجمعية الشرعية , أو جماعة التبليغ أو غيرهم من الجمعيات والأحزاب المنتسبة للإسلام، وبذلك تجتمع الكلمة ويتحد الهدف ويكون الجميع حزباً واحداً يترسم خُطا أهل السنة والجماعة الذين هم حزب الله وأنصار دينه والدعاة إليه. ولا يجوز التعصب لأي جمعية أو أي حزب فيما يخالف الشرع المطهر. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٧ / ١٧٧، ١٧٨) . خامساً: إذا كان المسلم في بلد علماني كافر، ووُجِد حزب يدعو إلى الإسلام، أو يساهم في تثبيت الدين عند المسلمين، ويسعى للحفاظ على هويتهم واعتقادهم: فإنه لا يجوز لأحدٍ أن يخذله، بل يُنصر ويُعان بالمستطاع، فإن لم يستطع المسلم مساندته إلا بالانتساب إليه: فلا مانع من ذلك، مع ضرورة التنبه لما قلناه من عدم التعصب والتحزب. قال الشيخ ابن سعدي ﵀، في كلامه على فوائد قصة شعيب، في سورة هود، ﵉: " ومنها أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة، قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان. فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار، وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية، لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية، وتحرص على إبادتها وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم؛ نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين، ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة، والله أعلم " تفسير ابن سعدي (٣٨٨) . وقد سئل علماء اللجنة الدائمة: هل يجوز إقامة أحزاب إسلامية في دولة علمانية، وتكون الأحزاب رسمية ضمن القانون، ولكن غايتها غير ذلك، وعملها الدعوي سري؟ . فأجابوا: يشرع للمسلمين المبتلين بالإقامة في دولة كافرة أن يتجمعوا ويترابطوا ويتعاونوا فيما بينهم، سواء كان ذلك باسم أحزاب إسلامية أو جمعيات إسلامية؛ لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢٣ / ٤٠٧، ٤٠٨) . سادساً: نرى لك ولغيرك أن تنصر الحزب الإسلامي دون الانتساب إليه؛ لما بيَّناه سابقاً من وجود محاذير في التحزب؛ ويمكنك أن تنصر الحق الذي عندهم من غير انتساب، فتكون حققت الأمرين معاً: عدم التحزب، والاستجابة لمطلب أهلك، فإن كان يمنع بالقانون نصرتهم إلا بالانتساب لهم: فنرى أن تحاول إقناع أهلك بأن انتسابك هو لمصلحة الإسلام والمسلمين، فإن أبوا، ولم يمكنك أن تخفي انتسابك لهذا الحزب عنهم، وكنت في بيتهم وتحت طاعتهم: فالذي نراه لك عدم الانتساب لذلك الحزب، وأما إن كنت منفصلاً عنهم: فلا تأثم إن لم تستجب لمطلبهم، إن شاء الله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14777

ينكرون عليه تطبيق السنَّة ويدَّعون أنها تفرق المسلمين ! [السُّؤَالُ] ـ[قال إمام مسجدنا في خطبة الجمعة بأنه لا ينبغي التشدد بالسنة النبوية؛ لأن السنَّة تفرق بين المسلمين , ونحن يجب علينا أن نتحد، واستدل بأَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا. هل هذا صحيح - مع العلم بأننا متبعون للسنَّة، وهو يسمي المتبع للسنَّة متشدداً؟ . أفيدونا بارك الله فيكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لقد قال إمامكم منكراً من القول وزوراً، وكان الواجب عليه أن يتقي الله ربَّه، وأن يحفظ لسانه عن الكلام فيما يغمسه في الإثم. والسنَّة النبوية هي هدي النبي ﷺ وأقواله وأفعاله، فكيف تكون السنَّة مفرِّقة بين المسلمين؟! وما الذي يوحدهم إن كانت السنَّة تفرقهم؟! ولو صدق ذلك الإمام لقال: إن السنة هي التي تجمع الناس، وتلم شتاتهم. قال الإمام أبو المظفر السمعاني ﵀: " وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف، وأهل البدعة أخذوا الدين من طريق المعقولات، فأورثهم الافتراق والاختلاف.. " الانتصار لأهل الحديث ص (٤٧) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما أمر به، باطنا وظاهرا، وسبب الفرقة ترك حظ مما أمر العبد به، والبغى بينهم!! ونتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه، ونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول منهم. " مجموع الفتاوى (١/١٧) . وقال ﵀ أيضا: " ما كان مأثورا حصلت له الألفة وما كان معروفا حصلت به المعرفة كما يرى عن مالك ﵀ أنه قال: إذا قل العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار كثرت الأهواء " درء التعارض (١/١٤٩) . وكيف يسمَّى المتبع للسنَّة متشدِّداً والمسلم مأمورٌ باتباعها والاقتداء بهدي صاحبها وهو النبي ﷺ ؟! وماذا يقول هذا الإمام عن أفعال الصحابة ﵃ عندما اتبعوا سنة نبيهم صلى الله عليه خير اتباع؟! وماذا سيكون حكمه على هذه الواقعة: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ قَالَ: أَذًى - وَقَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا. رواه أبو داود (٦٥٠) ، وصححه الألباني. فهؤلاء أصحاب النبي ﷺ قد ألقوا نعالهم في الصلاة لمجرد رؤيتهم لنبيهم ﷺ يخلع نعله، فكيف لو كان الأمر سنَّةً عنه صلى الله وسلم، أو كان هدياً له؟! . ثانياً: إن لمز متبعي سنَّة النبي ﷺ واتهامهم بالتشدد أو التطرف هو من الإيذاء والبهتان، وقد توعد الله تعالى من يفعل ذلك، فضلاً أنه يكون متشبهاً بالمشركين الذين سبقوه إلى هذا الفعل. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) الأحزاب/٥٨. وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ) المطففين/٢٩ – ٣٢. قال الشيخ العثيمين – ﵀: " (وَإِذَا رَأَوْهُمْ) أي: رأى المجرمون المؤمنين قَالُوا: (إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ) ضالون عن الصواب، متأخرون، متزمتون، متشددون، إلى غير ذلك من الألقاب، ولقد كان لهؤلاء السلف خلفٌ في زماننا اليوم، وما قبله، وما بعده، فمن الناس من يقول عن أهل الخير: إنهم رجعيون، إنهم متخلفون، ويقولون عن الملتزم: إنه متشدد، متزمّت، وفوق هذا كله من قالوا للرسل: إنهم سحرة أو مجانين، قال الله تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) الذاريات/٥٢، فورثة الرسل من أهل العلم والدين سينالهم من أعداء الرسل ما نال الرسل؛ من ألقاب السوء والسخرية، وما أشبه ذلك، ومن هذا تلقيب أهل البدع والتعطيل لأهل الإثبات من السلف بأنهم حَشوَّية، مُجسِّمة، مُشبِّهة، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء التي ينفرون بها الناس عن الطريق السوي. " لقاءات الباب المفتوح " (اللقاء رقم ٣٠) . ثالثاً: التشدد المذموم في الدِّين هو جعل المستحب واجباً، أو جعل المكروه محرَّماً، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه من الغلو في الدين، كما أنه حذَّر من التشدد فيه، وليس معنى الغلو والتشدد تطبيق السنة، بل تغيير أحكامها، والتشدد في إيجاب الأمر أو تحريمه وليس هو كذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – في شرح حديث (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ) -: " ففيه نهي النبي ﷺ عن التشدد في الدين بالزيادة عن المشروع، والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات، وعلل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى شدد الله عليهم لذلك، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة. وفي هذا تنبيه على كراهة النبي ﷺ لمثل ما عليه النصارى من الرهبانية المبتدعة، وإن كان كثير من عبادنا قد وقعوا في بعض ذلك متأولين معذورين، أو غير متأولين ولا معذورين. وفيه أيضا تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء يكون سببا لتشديد آخر يفعله الله إما بالشرع وإما بالقدر، فأما بالشرع: فمثل ما كان النبي ﷺ يخافه في زمانه من زيادة إيجاب أو تحريم كنحو ما خافه لما اجتمعوا لصلاة التراويح معه، ولما كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم، ومثل أن من نذر شيئا من الطاعات وجب عليه فعله وهو منهي عن نفس عقد النذر، وكذلك الكفارات الواجبة بأسباب. وأما القدر: فكثيراً ما قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء فيبتلى أيضا بأسباب تشدد الأمور عليه في الإيجاب والتحريم؛ مثل كثير من الموسوسين في الطهارات: إذا زادوا على المشروع، ابتلوا بأسباب توجب حقيقة عليهم أشياء فيها عظيم مشقة ومضرة." " اقتضاء الصراط المستقيم " (١٠٣، ١٠٤) . وقال الشيخ العثيمين – ﵀ في شرح حديث الرسول الله ﷺ : (إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) رواه النسائي (٣٠٥٩) وابن ماجه (٣٠٢٩) وصححه الألباني في " صحيح النسائي " -: وفي هذا الحديث يحذر الرسول ﷺ أمته من الغلو، ويبرهن على أن الغلو سبب للهلاك؛ لأنه مخالف للشرع؛ ولإهلاكه للأمم السابقة؛ فيستفاد منه تحريم الغلو من وجهين: الوجه الأول: تحذيره ﷺ ، والتحذير نهي وزيادة. الوجه الثاني: أنه سبب لإهلاك الأمم كما أهلك من قبلنا، وما كان سببا للهلاك كان محرما. .. والناس في العبادة طرفان ووسط؛ فمنهم المفرط، ومنهم المفرط، ومنهم المتوسط. فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وكون الإنسان معتدلا لا يميل إلى هذا ولا إلى هذا: هذا هو الواجب؛ فلا يجوز التشدد في الدين والمبالغة، ولا التهاون وعدم المبالاة، بل كن وسطا بين هذا وهذا. " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٩ / ٣٦٧، ٣٦٨) . رابعاً: الحديث الذي استدل به إمامكم: فهذا الحديث رواه البخاري (١٣٣٣) ومسلم (١٤) وليس في صحته إشكال، لكنه أُتي من سوء فهمه له، ولو وقف على رواياته وكلام أهل العلم لما استدل به على ما فهمه منه، فقد جاء في رواية عند البخاري (وعَلَّمَهُ شَرَائِعَ الإسْلام) وهذه اللفظة تشمل باقي الفرائض، وتشمل المندوبات. قال الحافظ ابن حجر – ﵀: قوله: (فَإِذَا هُوَ يَسْأَل عَن الإِسْلام) أي: عن شرائع الإسلام , ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام , وإنما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها، أو علم أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية , أو ذكرها ولم ينقلها الراوي لشهرتها , وإنما لم يذكر الحج إما لأنه لم يكن فرض بعد أو الراوي اختصره , ويؤيد هذا الثاني ما أخرجه المصنِّف – أي: البخاري - في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل في هذا الحديث قال: " فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام " , فدخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات ... . قوله: (وَذَكَرَ رَسُولُ الله ﷺ الزَّكَاةَ) في رواية إسماعيل بن جعفر قال: " أخبرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة , قال فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام " , فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجملت , منها بيان نصب الزكاة؛ فإنها لم تفسر في الروايتين , وكذا أسماء الصلوات , وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم , أو القصد من القصة بيان أن المتمسك بالفرائض ناج وإن لم يفعل النوافل ... . فإن قيل: أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح , وأما بأن لا يزيد فكيف يصح؟ أجاب النووي بأنه أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحا , لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى. " فتح الباري " (١ / ١٠٨) . ونرجو من الإمام أن يتأمل لفظة " وعلمه شرائع الإسلام "، كما نرجو أن يتأمل نهاية ما نقلناه عن الحافظ ابن حجر، والذي أقرَّ فيه كلام الإمام النووي، بأن الفلَاح يكون أولى لمن جاء بالواجبات وأضاف إليها المندوبات. خامساً: نوصيكم بالمحافظة على أوامر الله تعالى ورسوله ﷺ ، كما نوصيكم بالمحافظة على تطبيق السنن والمستحبات، دون غلو وتشدد، وتعليم ذلك للناس بحكمة وحسن أسلوب، ولا يجوز لكم تنفير الناس بالتشدد فيما فيه سعة، أو بجعل المستحبات واجبات، أو بالتشدد في النكير على الناس، وخاصة خاصتهم كإمام المسجد أو المفتي أو من له منزلة عند الناس، واستمعوا لهذه النصيحة الجامعة من عالم فاضل. قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -: يجب عليك الالتزام بسنة رسول الله ﷺ والمحافظة عليها، وألا تلتف إلى عذل من يعذلك، أو يلومك في هذا، أما أن الوالدين يلومانك في تمسكك بالسنة ويريدان منك التساهل في ذلك: فلا تطعهما في هذا الأمر، خصوصاً إذا كانت هذه السنن من الواجبات التي يجب التمسك بها، لا في المستحبات، وإذا لم يصل الأمر إلى التشدد، أما إذا كان الأمر بلغ بك إلى حد التشدد: فلا ينبغي لك، ولكن ينبغي الاعتدال والتوسط في تطبيق السنن، والعمل بها، من غير غلو وتشدد، ومن غير تساهل ولا تفريط، هذا هو الذي ينبغي عليك، وعلى كل حال أنت مثاب - إن شاء الله - وعليك بالتمسك بسنة رسول الله ﷺ وإقناع من يلومك في هذا، خصوصًا الوالدين، عليك أن تتبعهما وأن ترغبهما في السنن وتبين لهما ما في ذلك من الثواب والخير، فلعله أن يزول عنهما هذا الاعتراض أو هذا الاستغراب، ولعله أيضاً أن يكون هذا العمل سبباً في التزامهما أيضاً بالسنن والاقتداء، وتكون أنت داعية إلى الله ، ولا شك أن الإنسان الذي يدعو إلى الله يجب أول ما يدعو أقاربه وأقرب الناس إليه، والوالدان من أقرب الناس إليك. فعلى كل حال إذا كان تمسكك بالسنن لا ينتهي إلى حد الإفراط والغلو: فهو أمر محمود، وعليك أن تستمر عليه، وأن تدعو إليه والديك وغيرهما، والله أعلم. " المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " (٢ / ٣٠١، ٣٠٢) . وأخيرا: كما أن من التشدد المذموم أن ننزل المستحب منزلة الأمر الواجب، أو المكروه منزلة المحرم، أو نلزم أنفسنا بما لم يلزمنا الله تعالى به؛ فكذلك من الجهل بأصول الشريعة أن نهدر الأصل العام العظيم، وهو وجوب الألفة والمحبة بين المسلمين، والاجتماع على حبله المتين، وصيانة عرض المسلم من السلب والعيب، فضلا عن العدوان والأذى والضرب، من الجهل أن نهدر ذلك كله لأجل أن هذا تمسك بأمر مستحب، وغيره لا يراه مستحبا، أو لا يلتزم به، وبالمقابل العدوان على عرض المسلم أو حقه لأجل أنه أخل بأمر يستمسك به غيره، وبمثل ذلك ينال العدو اللعين مراده من المؤمنين؛ فكيف لو كان ذلك في بلاد المهجر والغربة، حيث يرانا غيرنا صورة لديننا. روى الإمام مسلم في صحيحه (٢٨١٢) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فأما صفة الصلاة: ومن شعائرها مسألة البسملة؛ فإن الناس اضطربوا فيها نفيا وإثباتا: في كونها آية من القرآن، وفي قراءتها، وصنفت من الطرفين مصنفات يظهر في بعض كلامها نوع جهل وظلم مع أن الخطب فيها يسير. وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها فمن شعائر الفرقة والاختلاف الذي نهينا عنها ; إذ الداعي لذلك هو ترجيح الشعائر المفترقة بين الأمة وإلا فهذه المسائل من أخف مسائل الخلاف جدا لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة ... " ثم قال: " ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي ﷺ تغيير بناء البيت، لما في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر، ثم صلى خلفه متما، وقال: الخلاف شر. " مجموع الفتاوى (٢٢/٤٠٥-٤٠٧٩) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14778

هل يُنكِر على من يقع في البدعة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[رفع اليدين بالدعاء، والدعاء جهراً وجماعة بعد الصلوات المكتوبة بدعة. سؤالي: هل يجب عليَّ أن أنكر على الذين يفعلون تلك البدعة من أفراد المسجد الذي أصلي فيه بما فيهم الإمام؟ وما هي أفضل طريقة لذلك الإنكار؟ مع العلم أن بعضهم من ذوي الرؤوس الصعبة - كما يقال -، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يعني أنهم - كما تعلم - لا يرضون الحق بسهولة، وقد لا يرضونه أبدا، أفدني بالله - جزاك الله خيراً - يا شيخي الفاضل؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم شعائر الدين، وبه تكون حياة الأمة وروحها. جاء في " الموسوعة الفقهية " (٦ / ٢٤٨) : اتّفق الأئمّة على مشروعيّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وحكى الإمام النّوويّ وابن حزمٍ الإجماع على وجوبه، وتطابقت آيات الكتاب وأحاديث الرّسول ﷺ وإجماع المسلمين على أنّه من النّصيحة الّتي هي الدّين، قال الله تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران/١٠٤، وقال النّبيّ ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) . قال الإمام الغزاليّ: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أصل الدّين، وأساس رسالة المرسلين، ولو طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله، لتعطّلت النّبوّة واضمحلّت الدّيانة، وعمّت الفوضى، وهلك العباد. إلاّ أنّهم اختلفوا بعد ذلك في حكمه، هل هو فرض عينٍ، أو فرض كفايةٍ، أو نافلة؟ أو يأخذ حكم المأمور به والمنهيّ عنه، أو يكون تابعاً لقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد. على أربعة مذاهب. انتهى ويقول الشيخ ابن عثيمين – ﵀: الأمر المعروف والنهي عن المنكر واجب، ولكنه فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، ولكن إذا لم يوجد إلا الشخص المعين: صار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقه واجباً عينيّاً كسائر فروض الكفايات، إذا لم يوجد من يقوم بها وجب على الباقين، وعلى هذا فلو مررتَ بقوم على منكر ولم تجد أحداً ينهاهم عنه: كان نهيك إياهم واجباً يجب عليك أن تنهاهم. " اللقاء الشهري " (اللقاء رقم ٣٥) . وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: ما حكم من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو يستطيع ذلك؟ . فأجاب: حُكمه أنه عاصٍ لله ولرسوله، ضعيف الإيمان، وعليه خطر عظيم من أمراض القلوب وعقوبتها العاجلة والآجلة، كما قال الله سبحانه: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ، وقال ﵊: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه) رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق ﵁، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، نسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا للقيام بهذا الواجب العظيم على الوجه الذي يرضيه. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٦ / ٥٠٤) . ثانياً: حرص أهل العلم على ضبط هذا الباب بالضوابط والقيود الشرعية تجنبا لأي مفسدة يمكن أن تحصل نتيجة عدم فهم هذا الباب الخطير. وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعض الضوابط والآداب في كلمة جامعة له قال فيها: ينبغي لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه، فالفقه قبل الأمر ليعرف المعروف وينكر المنكر، والرفق عند الأمر ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود، والحلم بعد الأمر ليصبر على أذى المأمور المنهي؛ فإنه كثيراً ما يحصل له الأذى بذلك، ولهذا قال تعالى: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) لقمان/١٧. " مجموع الفتاوى " (١٥ / ١٦٧) . كما جاء عن سفيان الثوري – ﵀ – قوله: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى. " جامع العلوم والحكم " (ص ٣٢٥) . إذاً فالعالم هو الذي يشتغل بالأمر بالمعروف وإنكار المنكر؛ لأنه هو الذي يتبين له الحكم الشرعي بدليله، ويتمكن من إقناع المخاطبين، وبيان الحجة لهم، وأما عوام المسلمين فإن الوجوب يلزمهم أيضاً في الأمر بالمعروف الظاهر، كالصلاة والصيام وأداء الزكاة، ونحو ذلك، والنهي عن المنكر الظاهر كالفاحشة والتبرج والسرقة وغير ذلك. أما إذا وَجد العامي بعض المنكرات أو البدع التي يخفى مأخذها، ويشتبه حكمها، أو يكون ثمة من يخالف فيها من العلماء: فلا يجوز له حينئذ إنشاء الإنكار من قبل نفسه، وإنما له أن ينقل للناس فتاوى أهل العلم التي اطلع عليها وفيها بيان حكم المسألة فقط، من غير تعنيف أو إحداث فتنة وفرقة، والله سيثيبه خير الثواب. قال علماء اللجنة الدائمة: إنكار البدع والخرافات واجب على أهل العلم من أهل السنة والجماعة. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٢ / ٣٤٥) . ثالثا: وأنت أخي السائل الكريم ما عليك إلا أن تطلع على الفتاوى المنشورة في موقعنا، تحت الأرقام الآتية: (١١٥٤٣) و (٢١٩٧٦) و (٢٦٢٧٩) . فتنقل ذلك للناس وتبين لهم ما فهمته منها بالرفق والحسنى واللين، فإن استجابوا لك فالحمد لله، وإن لم يستجيبوا فليس عليك من أمرهم أكثر من ذلك، ويبقى الواجب الباقي في محاولة المجادلة والإقناع على أهل العلم المتخصصين. وانظر إجابة السؤال رقم (٨٧٧٧٩) . أسأل الله تعالى أن يوفقك ويزيدك من فضله وكرمه. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14779

تختلط مع قريبها وتكشف وجهها أمامه وتكلمه في الهاتف [السُّؤَالُ] ـ[أنا معلمة حلقة ولدي طالبة في العشرين من عمرها، بنَتْ علاقة مع أحد أقربائها من غير المحارم (قيل إنه مستقيم) فإذا حصل اجتماع للعائلتين تكشف له عن وجهها من غير خلوة بحيث يكون معهم أطفال صغار، وعندما نُصحت قالت: مادام أنه قريب: فلا حرج من ذلك، وهي تحدثه في الهاتف، هي لا تعلم أنني أعرف شيئا من ذلك، فماذا أفعل؟ وكيف أواجهها - مع العلم أنني أخاف من عنادها، وابتعادها عن الحلقة، وهي بأشد الحاجة إليها -؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا شك أن هذه الأخت بحاجة لنصيحة وتوجيه، ومن يُزعم بأنه مستقيم من أقربائها يحتاج للأمر نفسه؛ وليس من شك في أنهما يفتحان عليهما بتلك العلاقة التي بدآ فيها بابا من الفتنة، وطريقا إلى الإثم والعدوان، ثم لا يؤمن ما يكون من عاقبة ذلك، ولا يدري أحد أين ينتهي بهما المطاف. عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلَا تتعوجوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ؛ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ!! وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ) رواه الإمام أحمد (١٧١٨٢) وصححه الألباني في ظلال الجنة (١٩) . وقوله: (ويحك) زجر له من تلك الهمة، وهي كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها. (لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه) أي تدخل الباب وتقع في محارم الله، قال الطيبي: هذا يدل على أن قول أبواب مفتحة أنها مردودة غير مغلقة. " فيض القدير" (٤/٣٣٤) . قال ابن رجب ﵀: " ومن كان في الدنيا قد خرج عن الاستقامة على الصراط ففتح أبواب المحارم التي في ستور الصراط يمنة ويسرة، ودخل إليها، سواء كانت المحارم من الشهوات أو من الشبهات، أخذته الكلاليب التي على ذلك الصراط، يمنة ويسرة، بحسب ما فتح في الدنيا من أبواب المحارم؛ فمنهم المكدوس في النار، ومنهم من تخدشه الكلاليب وينجو. " " شرح حديث مثل الإسلام " ص (٤٤) . إن القرابة التي أشار إليها السؤال داعية إلى أمرين: الأمر الأول: أن يكون حرص القريب على قريبه، وصيانته له أكثر من حرص غيره، فلا يساعده على فتح باب الحرام , ولا الولوج في الشهوات أو الشبهات، بل يكون حرصه على قريبه لحق الإسلام أولا،ثم لحق القرابة التي بينهما ينبغي أن يتأكد ذلك الحرص الأمر الثاني: لما كان كثير من الناس يتساهلون في الخلطة بين الأقرباء، وقل منهم من يصون الحرمة، ويردع نفسه من مواطن الفتن، شدد الشرع في سد باب الفتنة بالقريب، الذي لا يتحفظ الناس منه، أكثر غيره، حتى لقد شبهه بالموت!! عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) رواه البخاري (٤٩٣٤) ومسلم (٢١٧٢) . وانظري شرح الإمام النووي لهذا الحديث في جواب السؤال (١٢٨٣٧) . وفي الجواب المحال عليه فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀ – في جواز جلوس المرأة مع أقاربها بشرطين: الأول: أن تكون بحجابها الكامل، بما فيه وجهها ويداها. والثاني: عدم وجود ريبة. وكلا الشرْطين مفقودان هنا، فهي تجلس مع قريبها كاشفةً لوجهها، ولا شك أن مجلسهما فيه ريبة، ومن آثار تلك المجالس: المحادثات التي تمت بينهما، وهي محرَّمة - أيضاً -، وقد بيَّنا فتاوى أهل العلم في هذه المسألة في جواب السؤالين: (٢٦٨٩٠) و (١٠٢٢١) . ثانياً: يجب عليكِ التلطف في دعوتها ونصحها وتذكيرها، وعليكِ استعمال الحكمة والموعظة الحسنة، والرفق في النصح مظنة الاستجابة، والموعظة المؤثرة مظنة تأثر القلب. قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل/١٢٥. وقال تعالى لموسى وهارون: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) طه/٤٣، ٤٤. وانظري جواب السؤالين (٦٠٢٤٤) و (١٣٢٦١) ففيهما فوائد مهمة. وإذا خشيت نفرتها من المواجهة، أو عنادها، فيمكنك أن تلمحي لها بما تريدين، وتورِّي لها بمقصودك، كأن تذكري أمامها بعض الأحاديث التي تحذر من الفتنة بالرجل الأجنبي، وخاصة القريب، وأن تعطيها بعض الأشرطة أو الرسائل والمطويات التي تتكلم عن ذلك، وخطورة التساهل في ذلك الأمر على دين المرأة وعفتها. وأظهري لها الكلام بصفة العموم، كأنك لا تعرفين شيئا عن حالها. ثم حمليها أمانة الدعوة إلى الله، ونشر ذلك الأدب بين المسلمات، وأنه لا يكفي الفتاة أن تصون نفسها من الفاحشة، أو مقدماتها من الاختلاط المحرم، والعلاقات المرفوضة شرعا، بل يجب عليها أيضا أن تدعو غيرها إلى الله تعالى، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، بحسب طاقتها. ثالثاً: إذا لم تجد هذه التورية، ولم ينفع التلميح، فيمكنك أن تتلطفي في مواجهتها بما تفعل، فهي كبيرة في السن وتفهم الكلام، وهي – كذلك – طالبة في حلقة قرآنية، وتصرفاتها لا تُحسب عليها فقط بل على مكان تعلمها وتربيتها، وأعلميها أن ذلك هو من باب محبتها ومحبة الخير لها، والخوف عليها، وليس من باب الرقابة والسلطان على تصرفات الغير؛ فكثير من الناس ينفر من الحق، لا لشيء إلا لأنه يعتبر أن من ينصحه نصب نفسه رقيبا عليه. ويمكنك أن تركزي على مجموعة من الأمور في نصحها: ١. أن تبيِّني لها منزلة الحياء في الشرع، وكيف كانت نساء النبي ﷺ ، ونساء الصحابة على قدر عظيم من هذا الخُلُق. ٢. تنبيهها على وقوعها في محاذير شرعية، مثل كشف وجهها أمام ذلك الأجنبي، وتلك المجالس المختلطة، والحديث معه في الهاتف، وسبقت الإحالة على فتاوى كثيرة لأهل العلم في هذه المواضيع. وقد بيَّنا في جواب السؤالين (١١٧٧٤) و (٢١٥٣٦) حكم تغطية الوجه والكفين فلينظرا. ٣. تذكيرها بقصص واقعية لضحايا الاختلاط والمحادثات والمراسلات مع الأجانب، وهي أكثر من أن تُحصى. وانظري جواب السؤال رقم (٢٠٧٨٤) . وقد سبق في جواب السؤال رقم (١٢٠٠) تفصيل الحكم في الاختلاط، وذِكر آثاره السيئة. ٤. الاتصال بوالدتها أو زيارتها لنصحها وتذكيرها بخطأ ما يفعلونه في بيتهم، وأثر ذلك على عليهم، وعلى ابنتهم خاصة. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14780

نصحه ولم يستجب فهل يقاطعه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب ملتزم، ولي أخ في الله أحبه فيه، رأيته عند إشارة المرور صدفة وقد ارتفع صوت الأغاني من سيارته، فناصحته بطريقة مباشرة دون أن أذكر له أني رأيته، فأبدى اعتذاره وتوبته، وقام - كما يقول - بإزالة الأغاني من سيارته ومن جهاز الحاسب كذلك ولله الحمد، ولكن بعد أيام أراه يشارك في بعض المنتديات بمشاركة ماجنة ويكتب اسم الأغنية، وقد عرفته بلقبه الذي يكنى به ورمزه، كما أنه في بعض الأحيان يصرح بمحادثته في الإنترنت لقريبات له لسن محارم له. فهل لي أن أقاطعه، أو أجاريه على ظاهره، علماً بأن النصيحة يقابلها بالقبول دون أن يعمل بها، وعلما بأن ظاهره الالتزام، وقد عرفه أصحابه بذلك، إلا أني أعلم عنه ما لا يعرفون؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي يعصي الله تعالى إما أن يكون مظهراً لمعصيته أو يكون مستتراً بها، فإن كان مظهراً لها فإنه يُهجر ـ ولو طالت المدة ـ إن كان الهجر يردعه عن معصيته، أو يحمله على التقلل منها. وإن كان مستتراً بها وقدِّر لك أن تراها فيُنكر عليه سرّاً ويُنصح ويُستر عليه: قال رسول الله ﷺ : (من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) متفق عليه. ورأى محمد بن المنكدر رجلا واقفا مع امرأة يكلمها، فقال: (إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما!!) . وفي مثل هذه الحالة يشرع لك أيضا أن تهجره وحدك، إن كان ذلك الهجر يؤثر فيه، ولا يترتب عليه مفسدة أكبر؛ كأن يجاهر بالمعصية، بعدما كان مستترا بها، أو يزيد منها بعد إقلال، أو أن يفعل معصية أخرى هي أشد مما هجرته من أجله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: فمن أظهر المنكر وجب عليه الإنكار وأن يهجر ويذم على ذلك، فهذا معنى قولهم " من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له "، بخلاف من كان مستتراً بذنبه مستخفياً فإن هذا يُستر عليه، لكن ينصح سرّاً، ويَهجره مَن عرف حاله حتى يتوب ويَذكر أمره على وجه النصيحة. " مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٢٢٠) . وبوَّب البخاري ﵀ على حديث كعب بن مالك وقصة تخلفه عن تبوك بقوله: " قوله باب ما يجوز من الهجران لمن عصى ". قال الحافظ ابن حجر – ﵀: " قوله باب ما يجوز من الهجران لمن عصى ": أراد بهذه الترجمة بيان الهجران الجائز؛ لأن عموم النهي مخصوص بمن لم يكن لهجره سبب مشروع، فتبين هنا السبب المسوِّغ للهجر وهو لمن صدرت منه معصية، فيسوغ لمن اطَّلع عليها منه هجره عليها ليكف عنها. " فتح الباري " (١٠ / ٤٩٧) . عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ قَالَ: فَنَهَاهُ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ، وَقَالَ: إِنَّهَا لا تَصِيدُ صَيْدًا وَلا تَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ، قَالَ: فَعَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ ثُمَّ تَخْذِفُ لا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا. رواه البخاري (٥١٦٢) ومسلم (١٩٥٤) . قال النووي – ﵀: فيه هجران أهل البدع والفسوق ومنابذي السنَّة مع العلم، وأنه يجوز هجرانه دائماً، والنهى عن الهجران فوق ثلاثة أيام إنما هو فيمن هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا، وأما أهل البدع ونحوهم فهجرانهم دائماً، وهذا الحديث مما يؤيده مع نظائر له، كحديث كعب بن مالك، وغيره. " شرح مسلم " (١٣ / ١٠٦) . فالواجب عليك ـ أخي الكريم ـ تجاه صاحبك النصح والتذكير والوعظ والتخويف بالآخرة، فإن استجاب فالحمد لله ولك أجره، وإن استمر على معصيته مستتراً متخفيّاً، فإنه يستحق الهجر منك إن رأيتَ أن هجره أنفع له، فإن لم يكن هجرك نافعاً له فلا نرى لك هجره، بل نرى مداومة مصاحبتك له عسى أن ينتفع بذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم؛ فان المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فان كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضى هجره إلى ضعف الشر وخفيته: كان مشروعا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته: لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر. والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوماً ويهجر آخرين. " مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٢٠٦) . وننبهك ـ أخيرا ـ إلى أنه من الممكن أن تنصحه وتدله على الخير، من غير أن تواجهه بما فعل، وبخصوص مشاركاته في المنتديات، فمن الممكن أيضا أن تنصحه، وتكتب له مشاركة، أو ترسل له على بريده، إن أمكنك، من غير أن تعرفه بشخصك، إن كان ذلك يقلل من مجاهرته بالمعصية، وارتكابه لها. هدانا الله وإياك لما يحبه ويرضى، وجعلنا جميعا مفاتيح للخير، مغاليق للشر. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14781

له صديق رافضي هل يبقى على صحبته ؟ [السُّؤَالُ] ـ[عندي صديق من أهل السنة والجماعة، لديه صديق شيعي، أريد أن أستفسر عن حكم مصاحبة أهل المذاهب المخالفة، مع العلم أنه نصحه - كما قال لي - باعتناق مذهب الفرقة الناجية، ولكن دون فائدة، فما حكم مصاحبتهم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يجب عليك أن تنصح صاحبك بالابتعاد عن مصاحبة أهل البدع، وخاصة البدع المغلظة كالشيعة الروافض لما في مصاحبتهم من خطر على دين المسلم ودنياه، أما الخطر على دينه فهو بما يلقيه هذا الرافضي من شبهات تشكك المسلم في دينه، وأما الخطر الدنيوي فهو ما يكنه الرافضي من عداء وبغض لأهل السنة والسعي في إيذائه بكل ما يستطيع. وقد جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ تحث على حسن اختيار الصاحب، وذلك لما له من تأثير على خلق ودين صاحبه، ومن هذه الأحاديث: ١. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي ﵁ عنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ) . رواه الترمذي (٢٣٩٥) وأبو داود (٤٨٣٢) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". ٢. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ) . رواه الترمذي (٢٣٧٨) وأبو داود (٤٨٣٣) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". قال الخطابي ﵀: " لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته؛ فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، فلا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضيّاً في دينه ومذهبه " انتهى. " العزلة " (ص ١٤١) . وقال ابن عبد البر ﵀: " وهذا معناه – والله أعلم – أن المرء يعتاد ما يراه من أفعال من صحبه، والدين العادة، فلهذا أمر ألا يصحب إلا من يرى منه ما يحل ويجمل فإن الخير عادة ... . والمعنى في ذلك: ألا يخالط الإنسان من يحمله على غير ما يحمد من الأفعال والمذاهب، وأما من يؤمن منه ذلك فلا حرج في صحبته " انتهى. " بهجة المجالس " (٢ / ٧٥١) . وأما كلام السلف في التحذير من صحبة أهل البدع فكثير، ومنه: ١. ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة: قال: لا ينبغي لأحد من أهل السنة والجماعة أن يخالط أحداً من أهل الأهواء حتى يصاحبه ويكون خاصته؛ مخافة أن يستزله أو يستزل غيره بصحبه هذا. " مجموع الفتاوى " (١٦ / ٤٧٥) . ٢. قال أبو داود السجستاني ﵀: قلت لأبي عبد الله - أحمد بن حنبل -: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه؟ قال: لا، أو تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة، فإن ترك كلامه فكلِّمه، وإلا فألحقه به. " طبقات الحنابلة " (١ / ١٦٠) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14782

لا تترك دعوة غير المسلم خشيةَ شتمه الدين [السُّؤَالُ] ـ[أنا أقوم بالدعوة إلى الإسلام عن طريق غرف الدردشة والبالتوك والماسنجر، أدعو المسلمين وغير المسلمين، سؤالي هو: أحيانا أريد أن أدعو شخصا غير مسلم، فأخاف إذا دعوته أن يسب الدين، فهل أترك دعوته؟ وإذا وجب عليّ ذلك، إذًا علي أن لا أدعو أحدا من غير المسلمين؛ لأنني أخاف من معظمهم، حيث إني لا أعرفهم، بماذا تنصحونني؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: نسأل الله تعالى أن يُعلِيَ همَّتَك، ويسدِّدَ خطاك، ويجزيَك خير الجزاء على اهتمامك بالدعوة إلى دين الله وشرعه، فلا أحد أحسن قولا ولا مسلكا ممن يدل الناس على الحق والنور. يقول تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت/٣٣ ولكني أحذرك أخي السائل، فإن باب المحادثات والغرف الخاصة باب فتنة ومنبع شرور، بسبب من يدخل فيها من النساء وأصحاب الأهواء، فيبدأ الداعية بالخوض مع الجميع، والشيطان ينصب له حبائل الشهوات والشبهات، حتى إذا علقت في قلبه فتنة من شبه أهل الباطل، أو تمكن في قلبه التعلق بالشهوات المحرمة، أمكن منه القياد، ولعب به كما يلعب الصبيان بالكرة. قال الله تعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال:٤٨) وقد سبق في موقعنا نصيحة من يمارس الدعوة عبر الشبكة، كي لا يوقع الشيطان به من حيث لا يدري، وبيان أن الدعوة العامة، أو تنظيم العمل الدعوي في هذا المجال عن طريق هيئة، أو منظمة جماعية، تقوم على ذلك لا بد وأن تكون أنفع وأسلم من العمل الفردي، فإن الشيطان من الفرد أقرب. انظر سؤال رقم (٣٢٦٩٣) ثانيا: ينبغي أن يتسلح من يتصدى للدعوة إلى الله تعالى بالعلم الشرعي الذي يريد توصيله للناس، وأن يكون عنده الخبرة الكافية التي تمكنه من حسن محاورة الآخرين، ومعرفة ما عندهم من أمراض الشبهات والشهوات، وكيف يتأتى له علاجها؛ وأما أن يكون كل ما عند المرء عاطفة صادقة، ومعلومات متناثرة من هنا وهناك؛ فإن ذلك لا يجدي شيئا، ولا ينفع المدعو في شيء!! وأخشى ما نخشاه على من يتصدى لذلك الأمر قبل أوانه، وقبل أن تكون عنده الأهلية الكافية، أن يكون حاله كحال من أخذته الشفقة بأناس أصيبوا بعدوى قاتلة، فأسرع إلى علاجهم من غير خبرة له بالطب، فلا هو نفع المريض ولا هو حمى نفسه، ومن كلام الناس: (راح يصطاد اصطادوه) !! فاحذر يا عبد الله، وليكن همك الأول أن تنجو بنفسك: (بَلِ الإنسان عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة:١٤-١٥) . ثالثا: من كانت عنده الأهلية للدعوة إلى الله تعالى، أيا كان المجال الذي ينشغل فيه بهذه الدعوة؛ فإنه لا يجوز له ترك الدعوة بحجة الخوف من رفض المدعو وشتمه لدعوته أو دينه، وإلا لتعطلت الدعوة وترك البيان للناس، وذلك ما لا يرضاه رب العالمين، ولكنه سبحانه أمرنا بالتزام الحكمة والموعظة الحسنة، فقال سبحانه: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل/١٢٥ وحثنا رسول الله ﷺ على الرفق واللين والتبشير والتيسير، وذلك حرصا على تقبل المدعو للحق الذي يعرض عليه. قال ﷺ لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى أهل الكتاب في اليمن: (يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا) رواه البخاري (٣٠٣٨) ومسلم (١٧٣٣) فمن التزم بهذا المنهج الشرعي في الدعوة لا يضره ما كان بعد ذلك من المدعو: من شتم أو رفض أو استكبار وإباء. وقد كان سيد الدعاة، النبي ﷺ ، مستمرا في الدعوة والنصح الحكيم، مع أن كثيرا من المشركين واجهوه بالشتم والضرب والاستهزاء. عن ابن عباس ﵄ قال: (لَمَّا نَزَلَت هَذِه الآيَةُ (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) الشعراء/٢١٤ وَرَهطَكَ مِنهُمُ المُخلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهُ، فَقَالُوا: مَن هَذَا الذِي يَهتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجتَمَعُوا إِلَيهِ، فَقَالَ: يَا بَنِي فُلَان يَا بَنِي فُلَان يَا بَنِي فُلَان يَا بَنِي عَبدِ مَنَاف يَا بَنِي عَبدِ المُطَّلِب، فَاجتَمَعُوا إِلَيهِ، فَقَالَ: أَرَأَيتَكُم لَو أَخبَرتُكُم أَنَّ خَيلًا تَخرُجُ بِسَفحِ هَذَا الجَبَلِ أَكُنتُم مُصَدِّقِي؟ قَالُوا: مَا جَرَّبنَا عَلَيكَ كَذِبًا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُم بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تبًّا لَكَ، أَمَا جَمَعتَنَا إِلَّا لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ. فَنَزَلَت هَذِهِ السُّورَةُ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) المسد/١ رواه البخاري (١٣٩٤) ومسلم (٢٠٨) والمحظورُ في ذلك هو بَداءةُ المشركين والكفار بالشتم والتسفيه، خوفا من تَعَدِّيهم ومقابلتهم بالسب والتنقيص، فذلك هو الذي نهى عنه الله تعالى في القرآن. قال تعالى: (وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ) الأنعام/١٠٨ فلا تتحرج أخي الكريم من الحق، ولا تترك تبيلغ هذا الدين بالعلم والبصيرة، واحرص على اختيار الكلمة المناسبة، والمدخل الحسن الطيب، وتجنب الشتم والاستهزاء، بل عامة الظلم والعدوان؛ ثم لا يضرك بعد ذلك ما صدر عن المدعو، فوزره عليه، يحمله يوم القيامة، وأنت ترجع بالأجر العظيم إن شاء الله. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14783

حكم التبليغ على من يقوم بالسرقة [السُّؤَالُ] ـ[أعمل في شركه خاصة ويحدث أمامي سرقات من قبل العمال وإني أكتم هذا الشيء. السؤال: هل أحمل إثماً على هذا الشيء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ثبت في صحيح مسلم (٤٩) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مَن رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) . قال النووي ﵀: "وأما قوله ﷺ : " فليغيره " فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين " انتهى. " شرح صحيح مسلم " (٢ / ٢٢) . وقد كان بنو إسرائيل يرون المنكر ويسكتون عن إنكاره، فسبَّب ذلك السكوت لهم اللعنة، كما قال سبحانه: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) المائدة/٧٨-٧٩. وبناء عليه: لا يجوز لمن رأى منكراً أن يسكت عنه مع قدرته على إنكاره وتغييره، فيبدأ بالتغيير باليد إن كان يستطيع ذلك، كأن يكون مسئولا عن فاعل المنكر وله سلطة عليه، فإن لم يقدر على التغيير باليد: فلينكر باللسان، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة بالتي هي أحسن، ومن الإنكار باللسان: إبلاغ من يستطيع أن يمنع هذا المنكر، وعليه أن يبذل جهده في ذلك، فإن عجز عنه فيجزؤه ويرفع عنه الإثم أن ينكره بقلبه، فإن قصر في إنكار المنكر بحسب استطاعته فهو شريك للعاصي في معصيته وعليه إثم المعصية. فإن بذل جهده وأدى واجبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يستجب له العاصي فلا شيء عليه، لأن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) المائدة/١٠٥. قال الشيخ الشنقيطي ﵀: "ومَن أنكر بحسب طاقته: فقد سلِم من هذه المعصية، ومن رضي بها وتابع عليها: فهو عاص كفاعلها " انتهى. " أضواء البيان " (١ / ٤٦٧) . فعليك أن تنصح هؤلاء – أولاً – أن يتقوا الله تعالى، وأن يكفوا عن سرقة مال غيرهم، وعليهم أن يرجعوا ما أخذوه سابقاً، فإن كفوا أيديهم فقد أحسنت إليهم وإلى صاحب المال، وإن أصروا على فعلهم فيجب عليك إبلاغ من يكفهم عن فعلهم هذا، ولو بإبلاغ صاحب المال نفسه، ولا يُشترط أن تظهر نفسك أنك المبلِّغ عنهم، بل يكفي أن ترسل رسالة - مثلاً – لصاحب المال وتخبره فيها بحقيقة الأمر، ويفضَّل أن يكون معها وثائق تُثبت صحة كلامك ليؤخذ الأمر بعين الاعتبار والاهتمام، وبذلك تكون قد برَّأت ذمتك وأنقذت نفسك من الإثم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14784

هل يقلد الصوفية للتمويه بسبب الضغوط الأمنية ؟ [السُّؤَالُ] ـ[نحن في بلدنا للأسف يلاحَق السلفيون أمنيّاً، فهل يجوز لي أن أقلد الصوفية في بعض البدع غير المكفرة للتورية؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نسأل الله تعالى أن يفرّج كربكم، ويزيل همكم، وأن يعلي راية السنة. ثانياً: لا بدَّ من التفريق بين حال توقع حصول الضرر بالوهم، وحال غلبة الظن بحصوله، أو اليقين، أما الأوهام فغير معتبرة للوقوع في المحذور من أجلها؛ وأما الضرر اليقيني فهو مبيح للأخذ بالرخصة في فعل المحذور، وأما ما كان بغلبة الظن فهو متردد بين الحكمين، وهو إلى الأخذ بالرخصة أقرب. ثالثاً: حد الضرر المبيح للوقوع في المحرم ليس هو الضرر اليسير كالتحقيق والاعتقال لأيام قليلة أو الطرد من الوظيفة، بل هو ما كان غير محتمل من الأذى والعقوبة المتعلقة بالدين والبدن والعقل والعرض، ولا بدَّ أن يكون المهدِّد بالضرر قادراً على تنفيذ قوله، وكذا أن يكون المكرَه عاجزاً عن دفعه. قال ابن قدامة المقدسي – ﵀: ومن شرط الإكراه ثلاثة أمور أحدها: أن يكون من قادر بسلطان، أو تغلب كاللص ونحوه، وحكي عن الشعبي: إن أكرهه اللص: لم يقع طلاقه، وإن أكرهه السلطان وقع، قال ابن عيينة: لأن اللص يقتله والسلطان لا يقتله " انظر: [مصنف عبد الرزاق: ١١٤٢٢] . وعموم ما ذكرناه في دليل الإكراه يتناول الجميع، والذين أكرهوا عماراً لم يكونوا لصوصا ً , وقد قال النبي ﷺ – لعمار: " إن عادوا فعُد "؛ ولأنه إكراه، فمنع وقوع الطلاق، كإكراه اللصوص. الثاني: أن يغلب على ظنه نزول الوعيد به إن لم يجبه إلى ما طلبه. الثالث: أن يكون مما يستضر به ضرراً كثيرا ً , كالقتل والضرب الشديد، والقيد , والحبس الطويل، فأما الشتم والسب فليس بإكراه رواية واحدة، وكذلك أخذ المال اليسير. فأما الضرر اليسير: فإن كان في حق من لا يبالي به: فليس بإكراه، وإن كان في بعض ذوي المروءات، على وجه يكون إخراقاً بصاحبه، وغضّاً له، وشهرة في حقه، فهو كالضرب الكثير في حق غيره. وإن توعد بتعذيب ولده , فقد قيل: ليس بإكراه لأن الضرر لا حق بغيره، والأولى أن يكون إكراها، لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله؛ والوعيد بذلك إكراه , فكذلك هذا. " المغني " (٧ / ٢٩٢) . رابعاً: قد كان المسلمون الأوائل في مكة من أصحاب النبي ﷺ يخفون إسلامهم، ولم يكن يقتضي هذا منهم إظهار شعائر الكفر، فالذي نراه في حالتكم: أنكم لا تتسببون في لفت الأنظار إليكم بالمناقشات والتحرشات بالمخالفين من أهل البدعة، وإذا اضطررتم لدفع الضر عنكم بمجالسة أهل البدعة فليكن ذلك حيث لا يكونون متلبسين ببدعتهم، فيمكنك حضور دروس لهم – مثلاً – فقهية أو لغوية، مع ضرورة التنبه أنه لم تعُد مثل هذه التصرفات بخافية على أهل البدع والضلالة، فنوصيكم بالصبر على الدعوة، وتوقع حصول الأذى، ولا يجوز لكم التحرش بهم لجلب الضرر لكم ولدعوتكم، فعليكم التحلي بالأخلاق الفاضلة حين دعوة الناس وحين الإنكار عليهم، واسألوا الله تعالى أن يخفف وطأة أهل البدع ومن ينصرهم عليكم. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14785

ما حكم العيش مع والدة كافرة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم العيش مع والدة كافرة ونقل الزوجة لنفس البيت للعيش معها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا مانع من أن يعيش الولد مع والدته الكافرة، أو أن تعيش هي معه، وقد يكون هذا سبباً في هدايتها إذا أحسن الولد لها في المعاملة، وأحسن في عرض الإسلام عليها، والبعد عنها قد يكون سبباً في تأخير هدايتها. والمسلم مأمورٌ بالإحسان إلى والديه وبرهما حتى لو كانوا كفَّاراً، ولا يحل للمسلم أن يعقهما أو يسيء إليهما في القول أو الفعل، على أن ذلك لا يعني أن يطيعها في المعصية أو يداهنها في الكفر الذي تعتنقه. أ. قال تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾ العنكبوت / ٨. ب. وقال تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾ لقمان / ١٥. ت. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيتُ رسول الله ﷺ ، فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: " نعم، صِلي أمك ". رواه البخاري (٢٤٧٧) ومسلم (١٠٠٣) . ث. عن سعد بن أبي وقاص: أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفتْ أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمتَ أن الله وصاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابنٌ لها يقال له " عمارة " فسقاها فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله في القرآن هذه الآية ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك على أن تشرك بي﴾ وفيها: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ ... . رواه مسلم (١٧٤٨) . هـ. وهذه فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في حكم طاعة الوالدين في حلق اللحية: السؤال: عن حكم طاعتك لوالدك في حلق اللحية. فأجاب الشيخ ﵀: بأنه لا يجوز لك طاعة والدك في حلق اللحية، بل يجب توفيرها وإعفاؤها؛ لقول النبي ﷺ : " أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين "، ولقوله ﷺ : " إنما الطاعة في المعروف "، وإعفاء اللحية واجب وليس بسنَّة حسب الاصطلاح الفقهي؛ لأن الرسول ﷺ أمر بذلك، والأصل في الأمر الوجوب، وليس هناك صارف عنه. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ٣٧٧ – ٣٧٨) . وانظر جواب السؤالين (٥٠٥٣) و (٦٤٠١) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14786

منع المسلم زوجته غير المسلمة من الاحتفال بأعيادها الدينية [السُّؤَالُ] ـ[لماذا لا يسمح للفتاة الكاثوليكية المتزوجة من مسلم الاحتفال بأعيادها الدينية؟ مع أنها متزوجة من مسلم وهي باقية على عقيدتها. هل يمكنها أن تتعبد حسب اعتقادها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا رضيت الفتاة النصرانية بالزواج من مسلم، فإنه ينبغي أن تعلم أمورا: ١- أن الزوجة مأمورة بطاعة زوجها، في غير المعصية، لا فرق في ذلك بين الزوجة المسلمة وغيرها، فإذا أمرها زوجها بغير معصية لزمها طاعته. وقد جعل الله هذا الحق للرجل، لأنه قوّام على الأسرة ومسئول عنها، ولا تستقيم الحياة الأسرية إلا بأن تكون هناك كلمة مسموعة مطاعة من فرد من أفرادها، لكن هذا لا يعني أن يتسلط الرجل أو يستغل هذا الحق للإساءة إلى زوجته وأولاده، بل يجتهد في الصلاح والإصلاح، والنصح والتشاور، لكن لا تخلو الحياة من مواقف تحتاج إلى حسم، وكلمة فاصلة، لابد منها، ومن الاستجابة لها. فينبغي للفتاة النصرانية أن تتفهم هذا المبدأ قبل إقدامها على الزواج من مسلم. ٢- أن إباحة الإسلام الزواج من نصرانية أو يهودية، يعني الزواج بها مع بقائها على دينها، فليس للزوج أن يكرهها على الإسلام، ولا أن يمنعها من عبادتها الخاصة بها، لكن له الحق في منعها من الخروج من المنزل، ولو كان خروجها للكنيسة، لأنها مأمورة بطاعته، وله الحق في منعها من إعلان المنكر في المنزل، كنصب التماثيل، وضرب الناقوس. ومن ذلك: الاحتفال بالأعياد المبتدعة، كعيد قيامة المسيح، لأن ذلك منكر في الإسلام، من جهتين: من جهة كونه بدعة لا أصل لها - ومثله الاحتفال بمولد الرسول ﷺ أو بعيد الأم -، ومن جهة ما يتضمنه من الاعتقاد الفاسد، من أن المسيح قتل وصلب وأدخل القبر ثم قام منه. والحق أن عيسى ﵇ لم يقتل ولم يصلب وإنما رفع إلى السماء حياًّ. انظري السؤال (١٠٢٧٧) ، (٤٣١٤٨) . والزوج ليس له أن يجبر زوجته النصرانية على ترك اعتقادها هذا، ولكنه ينكر إشاعتها للمنكر وإظهارها له، فيجب التفريق بين حقها في الاستمرار على دينها، وبين إظهارها للمنكرات في بيته. ومثل هذا: ما لو كانت الزوجة مسلمة، وتعتقد إباحة شيء، وزوجها يعتقد تحريمه، فإن له منعها منه، لأنه قوّام الأسرة، وعليه أن ينكر ما يعتقد أنه منكر. ٣- الذي عليه جمهور أهل العلم أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، إضافة إلى مخاطبتهم بالإيمان، وهذا يعني أنه يحرم عليهم ما يحرم على المسلمين من شرب الخمر، وأكل الخنزير، وإحداث البدع، أو الاحتفال بها. وعلى الزوج أن يمنع زوجته من ارتكاب شيء من ذلك، لعموم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) التحريم/٦، ولا يستثنى من ذلك إلا اعتقادها وعبادتها المشروعة في دينها، كصلاتها وصومها الواجب، فإن الزوج لا يتعرض لها في ذلك، وليس من دينها شرب الخمر ولا أكل الخنزير ولا الاحتفال بالأعياد المحدثة، التي اخترعها الأحبار والرهبان. قال ابن القيم ﵀: " وأما الخروج إلى الكنيسة والبيعة فله منعها منه، نص عليه الإمام أحمد في الرجل تكون له المرأة النصرانية، قال: لا يأذن لها في الخروج إلى عيد النصارى أو البيعة. وقال في الرجل تكون له الجارية النصرانية تسأله الخروج إلى أعيادهم وكنائسهم وجموعهم: لا يأذن لها في ذلك ". قال ابن القيم: " وإنما وجه ذلك أنه لا يعينها على أسباب الكفر وشعائره ولا يأذن لها فيه ". وقال: " وليس له منعها من صيامها الذي تعتقد وجوبه وإن فوت عليه الاستمتاع في وقته ولا من صلاتها في بيته إلى الشرق وقد مكن النبي وفد نصارى نجران من صلاتهم في مسجده إلى قبلتهم " انتهى من "أحكام أهل الذمة" (٢/٨١٩- ٨٢٣) . وصلاة وفد نصارى نجران في مسجد النبي ﷺ ذكرها ابن القيم ﵀ أيضاً في "زاد المعاد" (٣/٦٢٩) قال المحقق: "رجاله ثقات، لكنه منقطع " انتهى. يعني: أن سنده ضعيف. وينظر السؤال (٣٣٢٠) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14787

داعية سيضطر لترك بلده مع حاجة الناس إليه [السُّؤَالُ] ـ[رجل يقوم بإمامة المسجد وإقامة الدروس والمواعظ، وأهل الحي في حاجة إليه، وهو يريد أن يترك المسجد نظراً لظروف المعيشة فهل عليه شيء؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كأنك تقول إن هذا الرجل في حيّه لا يقوم أحد مقامه، والناس محتاجون إليه، فهذا يكون تعليمه لهذه الطائفة فرض عين عليه، فإذا ارتحل نظرنا: إن كان في البلد فبإمكانه أن يأتي إلى المسجد الذي هو فيه سابقاً - وإن كان في طرف البلد –. وإن انتقل إلى بلد آخر، فإذا كان للضرورة فلا شيء عليه، كما لو سافر لطلب الرزق وليس عنده ما يقيته، فمثل هذا لا حرج عليه، وعلى الجماعة أن يبحثوا لهم عن شخص آخر يقوم مقامه، أو يقوموا بكفاية هذا الرجل حتى يتفرغ لهم. [الْمَصْدَرُ] فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀. "لقاءات الباب المفتوح" (٣/٤٢٠) .

стр. 14788

تشرب الخمر أمامه ويخشى إن طلقها أن تأخذ الأولاد وهي كافرة [السُّؤَالُ] ـ[أنا متزوج من امرأة نصرانية ولي منها ولدان. حدث ذات مرة في شهر رمضان وأنا أتناول طعام الإفطار أن قامت بشرب الخمر أثناء تناولها الطعام، ولا أستطيع أن أمنعها من ذلك، لأني إن حاولت فربما تطلب الطلاق وتحصل على حق حضانة الولدين فيصبح بعد ذلك من الصعب أن أجعلهما يدينان بدين الإسلام. هل يحرم علي الجلوس معها ومع عائلتها وهم يشربون الخمر في رمضان مع أني لا أشرب الخمر.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الزواج بالكتابية – يهودية أو نصرانية- وإن كان جائزا، إلا أنه محفوف بعدة مخاطر، أعظمها: الخطر على دين الأولاد والذرية، فإنها قد تسعى لإفساد دينهم، لا سيما إذا كانت تقيم في غير بلاد المسلمين. وكيف تستطيع أن تقنع أولادك بأن شرب الخمر حرام , وهم يرون أمهم تشربها! وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن المسلم إذا تزوج كتابية فله منعها من شرب الخمر , وأكل لحم الخنزير , وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة، وهو قول جماعة من الحنفية. قال في "البحر الرائق" –حنفي- (٣/١١١) ناقلا عن بعض الحنفية: " إن المسلم له أن يمنع زوجته الذمية من شرب الخمر كالمسلمة لو أكلت الثوم والبصل وكان زوجها يكره ذلك، له أن يمنعها. وهذا هو الحق كما لا يخفى " انتهى. وقال في "مغني المحتاج" –شافعي- (٤/٣١٤) : " الكتابية المنكوحة كمسلمة في نفقة وقسم وطلاقٍ، وتجبر على غسل حيض ونفاس وجنابة، وترك أكل خنزير في الأظهر، وتجبر هي ومسلمة على غسل ما نجس من أعضائها " انتهى. وقال في "الإنصاف" –حنبلي- (٨/٣٥٢) : " تمنع الذمية من شربها مسكرا إلى أن تسكر. وليس له منعها من شربها منه ما لم يسكرها على الصحيح من المذهب. نص عليه [أي الإمام أحمد] . وعنه: تمنع منه مطلقا. وقال في "الترغيب": ومثله: أكل لحم خنزير " انتهى. وذهب المالكية إلى أنه ليس له منعها من شرب الخمر وأكل الخنزير كما في "التاج والإكليل" (٥/١٣٤) . وإذا لم يكن بإمكانك منعها، لما ذكرت من أنها قد تطلب الطلاق وتأخذ الأولاد، فإنه ينبغي أن تبين لزوجتك أنه من حسن العشرة وطيب المعاملة بين الزوجين ألا تجهر أمامك بشرب الخمر، فإن أبت، فينبغي أن تعتزل مجلسهم حال مقارفتهم هذا المنكر العظيم. وهذا من إنكار المنكر، كما قال تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) النساء/١٤٠. فهذه قاعدة عامة فيمن عجز عن إنكار المنكر بيده أنه يلزمه مفارقة مكان المنكر، إن قدر على ذلك، وإلا كان شريكا لصاحبه في الإثم. وينبغي أن تتحلى بالصبر، وتبذل كل سبيل ممكن لدعوة هذه الزوجة، وتحبيبها في الإسلام بأخلاقك وأعمالك. ونوصيك بالدعاء فإنه أعظم سلاح، فلعل الله أن يهديها وأهلها على يديك. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14789

ترك الإنكار على بعض الناس ليتألفهم [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز ترك الإنكار على بعض الناس في بعض المكروهات، حتى يتألفهم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " ليس الأمر خاصا بالمكروهات بل حتى بعض المعاصي يتركها. مثل إنسان يتعاطى أشياء دون أشياء فإنه يبدأ بالأهم فالأهم، مثل: إنسان لا يصلي وهو عاق لوالديه، أو متهم بالخمر، أو بشيء آخر من المعاصي، فعلى الناصح أن يبدأ بالصلاة ويوضح له عظم مكانتها وأن تركها كفر، فإذا صلى أنكر عليه الناصح المنكرات الأخرى إذا رأى المصلحة في ذلك، وإن رأى أن إنكار الجميع عليه لا يؤثر في المقصود ورجا أن يهديه الله في الجميع فلا بأس بذلك؛ لقول الله سبحانه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ولهذا دعا الرسول ﷺ للإسلام وترك الشرك قبل إنكار المنكرات التي هم عليها مما دون الشرك. [الْمَصْدَرُ] "مجموع فتاوى ابن باز" (٩/٤١٨) .

стр. 14790

هل تأثم بحضورها حفلات الزواج المنكرة إن جلست بعيدا وعاونتهم في الطبخ ونحوه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[يكون الاحتفال بالأعراس في بلادنا بالطبل والغناء والرقص، فهل علي من إثم لو ذهبت إلي العرس وجلست بعيداً عن مجلس الغناء وخاصة في أعراس أهل زوجي وأهلي فلا أستطيع عدم الذهاب والمعاونة في الأمور المباحة مثل الطبخ وغيره؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لا يجوز حضور حفلات الأعراس المشتملة على المنكرات، كالأغاني المصحوبة بالطبل، أو سواه من المعازف، إلا الدف، أو المشتملة على الاختلاط بين الرجال والنساء، أو غير ذلك من المنكرات، إلا لمن يقدر على إنكارها، ويغلب على ظنه زوال المنكر بإنكاره. قال ابن قدامة ﵀: " إذا دعي إلى وليمة فيها معصية، كالخمر والزمر والعود ونحوه، وأمكنه الإنكار وإزالة المنكر، لزمه الحضور والإنكار؛ لأنه يؤدي فرضين: إجابة أخيه المسلم، وإزالة المنكر. وإن لم يقدر على الإنكار، لم يحضر. وإن لم يعلم بالمنكر حتى حضر، أزاله، فإن لم يقدر انصرف. ونحو هذا قال الشافعي " انتهى من "المغني" (٧/٢١٤) . وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما نصه: " إذا كانت حفلات الزواج خالية من المنكرات كاختلاط الرجال بالنساء والغناء الماجن أو كانت إذا حضرتْ غَيَّرت ما فيها من منكرات جاز لها أن تحضر للمشاركة في السرور، بل الحضور واجب إن كان هناك منكر تقوى على إزالته. أما إن كان في الحفلات منكرات لا تقوى على إنكارها فيحرم عليها أن تحضرها لعموم قوله تعالى: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ) الأنعام/٧٠، وقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) لقمان/٦، والأحاديث الواردة في ذم الغناء والمعازف كثيرة جدا " انتهى، نقلا عن "فتاوى المرأة"، جمع: محمد المسند (ص ٩٢) . ثانيا: إذا كان ذهابك للعرس ومشاركتك في الطبخ ونحوه، لا يترتب عليه سماع المنكر، أو إقراره أو الإعانة عليه، كأن يكون محل المنكر بعيدا عنك، أو أن تنصرفي من المكان قبل شروعهم في منكراتهم، فلا حرج عليك في الذهاب حينئذ، وينبغي أن تبذلي لهم النصح، وتبيني لهم حكم هذه المنكرات، وتحريم المشاركة فيها. قال القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) النساء/١٤٠: " قوله تعالى: (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره) أي غير الكفر , (إنكم إذا مثلهم) : فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله : (إنكم إذا مثلهم) فكل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء. وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية " انتهى. وقال السعدي ﵀: " وكذلك يدخل فيه حضور مجالس المعاصي والفسوق , التي يستهان فيها بأوامر الله ونواهيه , وتقتحم حدوده التي حدها لعباده. ومنتهى هذا النهي عن القعود معهم (حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) أي: غير الكفر بآيات الله والاستهزاء بها. (إِنَّكُمْ إِذًا) أي: إن قعدتم معهم في الحال المذكور (مَثَلُهُمْ) لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم , والراضي بالمعصية كالفاعل لها. والحاصل أن من حضر مجلسا يعصى الله به , فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم مع القدرة , أو القيام مع عدمها " انتهى. "تفسير السعدي" (ص ٢١٧) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14791

يجب الردّ على من سبَّ النبي ﷺ [السُّؤَالُ] ـ[لا أحد منا يجهل ما يقوله النصارى من سبّ النبي ﷺ ولا نجهل غيرة شباب الأمة الإسلامية على دينهم ورسولهم ﷺ ، فهل يجوز الرد على من سبّ النبي ﷺ بسب المتحدث، علماً بأني قمت بشتم أحدهم وقد نصحني أحد الأقارب بعدم تكرار ذلك، لأنه يجعلهم يزيدون السب والاستهزاء، ويكون ذنبهم عليّ.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله سبّ النبي ﷺ نوع من أنواع الكفر، فإن صدر من مسلم كان ذلك ردّة منه، ووجب على وليّ الأمر الانتصار لله ولرسوله ﷺ بقتل السابّ فإن أظهر الساب التوبة وكان صادقاً نفعه ذلك عند الله ولم تُسْقط توبتُه عقوبةَ السب. وعقوبةُ الساب هي القتل. وإن كان السابّ معاهداً كالنصراني كان ذلك نقضاً لعهده ووجب قتله، ولكن إنما يتولى ذلك ولي الأمر، فإذا سمع المسلم النصراني أو غيره يسبّ النبي ﷺ وجب عليه الإنكار والإغلاظ، ويجوز سبّه لأنه هو البادئ فكيف لا يُنتصر للنبي ﷺ ؟! كما يجب الرفع عنه إلى وليّ الأمر الذي يقيم عليه عقوبة الساب، وإذا لم يكن هناك من يقيم حد الله وينتصر لرسوله ﷺ فعلى المسلم أن يفعل ما يقدر عليه من ذلك مما لا يؤدي إلى فساد وضرر متعد إلى غيره من الناس، أما أن يسمع المسلم الكافر يسبّ النبي ﷺ ثم يسكت، فلا يرد عليه حذراً من أن يتمادى في ذلك السب فهذا رأي خاطئ، وأما قوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) الأنعام/١٠٨، فليست في شأن ابتدأ سب الله ورسوله ﷺ ، وإنما المقصود منها النهي عن سب آلهة المشركين ابتداءً؛ لئلا يسبوا الله جهلاً منهم وعدواناً، أما من ابتدأ سب الله وسب رسوله ﷺ فإنه يجب الرد عليه وعقوبته بما يردعه عن كفره وعدوانه، ولو ترك للكفرة والملحدين أن يقولوا ما شاءوا دون إنكار ولا عقاب لعظم الفساد، وكان ذلك مما يحبه هؤلاء الكفار ويرضون عنه، فلا يلتفت لهذا القائل إن السب أو الرد على هذا الساب يجعله يتمادى في السب، فالمسلم لا بد أن يغار ويغضب لله ورسوله ﷺ ، ومن يسمع النبي ﷺ يُسَبّ ولا يغار ولا يغضب فليس بمؤمن نعوذ بالله من الخذلان والكفران وطاعة الشيطان. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الشيخ عبد الرحمن البراك في مجلة الدعوة شهر محرم عدد (١٩٣٣) .

стр. 14792

كيف يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع أبيه ومن هم أكبر سناً منه [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب مسلم (٢٦ عامًا) تواجهني غالبًا تحديات بشأن قيامي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمام من هم أكبر مني خاصة أبي (وهو مسلم) ، وأتساءل كيف يمكنني أداء هذا الواجب؛ وقتما لا يعدل أبي معنا سواء في طريقة كلامه إليّ وإلى إخواني وأمي؛ فهو لا يقضي معهم الوقت الكافي ولا يعلمهم دينهم بينما هم في ضلال بعيد، وهو يصافح ويعانق النساء في العمل بزعمه أن هذا لأغراض العمل حتى لا يشعرن بعدم الراحة أو عدم الألفة. ونفس مشكلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تواجهني بصفتي رئيسًا صغير السن لمجموعة شبابية، حيث يأمر الآباء أطفالهم الذين في مجموعتي أحيانًا بأداء بعض البدع وأنا حاضر أثناء عقد الاجتماع. فكيف يمكنني تصحيح مثل هذه الأمور وأنا في وضعي هذا، دون أن أظهر وكأني قليل الاحترام والأدب لمن هم أكبر مني.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات الشرعية على المسلمين، حتى لقد جُعِلَ علامة على هذه الأمة وشرطاً لخيريتها؛ قال الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران/١١٠، وقال تعالى: (والْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوبة/٧١ [راجع السؤال ١١٤٠٣] ففي هذا إشارة لمنزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الدين. وأما إشكالية القيام بهذا الواجب نحو من هو أكبر منك سنا، خاصة أباك، فمن الممكن التغلب عليها إلى حد كبير إذا فهمت أن القيام بذلك الواجب لابد له من التحلي بثلاث صفات أساسية؛ هي: العلم والرفق والصبر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فلا بد من هذه الثلاثة: العلم والرفق والصبر؛ العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من هذه الثلاثة مستصحبا في هذه الأحوال؛ وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف.. " لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه. ") مجموع الفتاوى ٢٨/١٣٧. ويعنينا هنا لحل هذه الإشكالية أن نشير أولا إلى أهمية التحلي بالحلم والرفق؛ فلا تعنف أباك، ولا تغلظ إليه؛ لأنه أولا أبوك، ثم لأنه أكبر سنا منك، واستعن على ذلك باختيار الوقت المناسب لكل حديث، وترقب وقت صفوه وقرب نفسه من التأثر والاستجابة، والاستعانة بأولي الأحلام والنهى من الصالحين الناصحين، وقبل ذلك لابد أن يلمس منك الصدق معه في القول والعمل، والنصح له في كل أمرك، ثم الخوف عليه من عذاب ربك، وبعد ذلك كله صبر جميل لحكم ربك، وما يصيبك إذا قمت لله بهذا الواجب، كما قال لقمان الحكيم لابنه: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) لقمان/١٧ وليكن على ذُكْر منك دائما خليل الرحمن إبراهيم؛ كيف كان خطابه لأبيه، حين نهاه عن الشرك بالله، وهو أشنع مما يعمل أبوك؛ كيف تودد إليه، وأشفق عليه ونصحه، ثم صبر على سوء جوابه؛ قال الله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤ ١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يا أبت إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يا أبت لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا (٤٤) يا أبت إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبراهيم لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)) سورة مريم وأما المجموعة التي أنت ترأسها فالأمر فيها أسهل، لأن التقارب في السن بينكم يسهل قبولهم للنصح منك، خاصة إذا لمسوا فيك الصدق والنصح، وأنك تطبق على نفسك ما تدعوهم إليه، بل إن هذا التطبيق العملي هو أعظم أساليب الدعوة تأثيرا، خاصة إذا كان الكلام المباشر يسبب جوا من الإعراض والعناد. وأما اصطدام نصحك ودعوتك بتوجيهات آبائهم لهم فالواجب أن تتجنب المصادمة الصريحة لهذه التوجيهات، بل اجعل عينك على الخطأ، ثم قم بتعليم الصواب، وإذا كان الأمر معصية يقعون فيها، فخوفهم من معصية الله وحببهم في طاعته , واجعل في قلوبهم تعظيم أمر الله ونهيه، ثم أرشدهم إلى ما ورد في هذه المعصية بخصوصها، وهكذا الحال إذا كان الأمر أمر بدعة توجد فيهم؛ اغرس في قلوبهم أولا حب سنة النبي ﷺ ، وأنها المظهر العملي لحب النبي ﷺ ، واغرس في قلوبهم بغض البدعة وكيف أنها طريق إلى النار، في حين أن صاحبها يظن أنها طريق إلى الجنة، واذكر لهم وصية النبي ﷺ لأمته في ذلك، كما في حديث العرباض بن سارية ﵁، أنه قال: (صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ لَهَا الأَعْيُنُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ قُلْنَا أَوْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا قَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ) [رواه أحمد ١٦٦٩٢ وغيره وصححه الألباني في الصحيحة ٥٤] ، ثم تنتقل بعد ذلك التوجيه العام إلى توجيههم إلى البدعة التي يقعون فيها بخصوصها. على أنه ينبغي الانتباه إلى أن يكون وجودك في هذه المجموعة مقرونا بالنفع والإصلاح، فمتى كان في وجودك زيادة للخير، أو تقليل للشر، فشاركهم في اجتماعاتهم بهذا القصد واحذر أن يكون وجودك سلبيا لا خير فيه، أو تعويدا لك على تقبل الخطأ، أو جرا لك إلى تلك الأخطاء، فهنا ينبغي عليك أن تترك مكان المنكر؛ قال الله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) النساء/١٤٠ قال الشيخ ابن سعدي ﵀: (من حضر مجلسا يعصى الله به، فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم مع القدرة، أو القيام مع عدمها.) تفسير ابن سعدي ص ٢١٠. وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وثبتنا على الهدى وصراطه المستقيم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14793

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [السُّؤَالُ] ـ[لماذا يعتبر المسلمون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أساسيات دينهم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الإنسان كثير النسيان كثير الخطأ النفس تأمره بالسوء والشيطان يغريه بالمعاصي وإذا كانت الأجسام تمرض , وتصيبها العلل والآفات وذلك يستلزم وجود الطبيب , الذي يصف الدواء المناسب , لتعود الأجسام إلى اعتدالها فكذلك النفوس , والقلوب تصيبها أمراض الشهوات والشبهات فتقع فيما حرم الله من سفك الدماء واستباحة الفروج وشرب الخمور. وظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل والصد عن سبيل الله والكفر بالله. أمراض القلوب أشد خطراً من أمراض الأجسام وذلك يستلزم وجود الطبيب الماهر ولكثرة أمراض القلوب، وما ينشأ عنها من الشرور والفساد كلف الله المؤمنين بعلاج تلك الأمراض، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) آل عمران/١٠٤. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسمى الوظائف الإسلامية بل هي أشرفها وأعلاها , وهي وظيفة الأنبياء والرسل ﵈ كما قال سبحانه: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) النساء/١٦٥. وقد جعل الله الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس لقيامها بهذه الوظيفة العظيمة كما قال سبحانه: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) آل عمران/١١٠. وإذا عطلت الأمة شعيرة الأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر , انتشر الظلم والفساد في الأمة واستحقت لعنة الله وقد لعن الله الذين كفروا من بني إسرائيل، لتعطيلهم هذه الشعيرة العظيمة , كما قال سبحانه: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) المائدة/٧٨. والأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر أصل من أصول هذا الدين والقيام بهما جهاد في سبيل الله والجهاد يحتاج إلى تحمل المشاق والصبر على الأذى كما قال لقمان لابنه: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) لقمان/١٧. والأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر رسالة عظيمة لذا يجب على من يقوم بها أن يتحلى بالأخلاق الكريمة ويعرف مقاصد الشرع ويدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة..ويعاملهم باللين واللطف لعل الله يهدي من يشاء على يديه قال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) النحل/١٢٥. والأمة التي تقيم شعائر الإسلام , وتأمر بالمعروف , وتنهى عن المنكر , تفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة ويتنزل عليها نصر الله وتأييده كما قال سبحانه: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) الحج/٤٠ - ٤١. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رسالة لا تنقطع إلى أن تقوم الساعة وهي واجبة على جميع الأمة رعاة ورعية رجالاً ونساءً كل حسب حاله قال ﵊: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده , فإن لم يستطع فبلسانه , فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم/٤٩. والأمة الإسلامية أمة واحدة فإذا انتشر الفساد فيها وساءت أحوالها وجب على جميع المسلمين , القيام بالإصلاح وإزالة المنكرات والأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر وبذل النصيحة لكل أحد، قال ﵊: (الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم/٩٥. وإذا أمر المسلم بشيء , ينبغي أن يكون أسرع الناس إليه وإذا نهى عن شيء , ينبغي أن يكون أبعد الناس عنه , وقد توعد الله من خالف ذلك بقوله: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) الصف/٢-٣. والإنسان مهما استقام فهو بحاجة إلى النصح , والتوجيه , والتذكير على ضوء الكتاب والسنة وقد قال الله لرسول رب العالمين , وأكمل الخلق أجمعين: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليماً حكيماً) الأحزاب/١. فعلينا جميعاً الأمر بالمعروف.. والنهي عن المنكر لنفوز برضا الله وجنته. [الْمَصْدَرُ] من كتاب أصول الدين الإسلامي للشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.

стр. 14794

هل من النفاق النهي عن الشيء ثم فعله [السُّؤَالُ] ـ[إذا كنت أعظ أخواني وأحذرهم من بعض المعاصي؛ لكني أقع أنا في هذه المعاصي؛ هل أعتبر منافقاً؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] يجب عليك التوبة من المعاصي، وموعظة إخوانك عنها، ولا يجوز لك الإقامة على المعاصي وترك النصيحة لإخوانك؛ لأن هذا جمع بين معصيتين، فعليك التوبة إلى الله من ذلك، مع النصيحة لإخوانك، ولا تكون بذلك منافقاً، ولكنك تقع فيما ذمه الله وعاب به من فعله في قوله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) وفي قوله سبحانه: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) [الْمَصْدَرُ] من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢/٢٦٨.

стр. 14795

حضور حفلات الزواج المشتملة على منكرات [السُّؤَالُ] ـ[مناسبات الأفراح في هذا الزمان لا تخلو من ارتكاب بعض المنكرات فيها مثل الأغاني والرقص والموسيقى واللبس شبه العاري ... سؤالي مهم جدا: ١- هل يجوز حضور وإجابة الدعوة لهذه المناسبات؟ ٢- إن كان ٩٩ %، من هذه المناسبات لا تخلو من الأغاني خاصة المحتوية على آلات الموسيقى المحرمة أو الكلمات الفاحشة، فهل هذا يعني الانقطاع النهائي وعدم حضور كل المناسبات؟ ٣- إن لم نحضر هذه المناسبات فهل هذا فيه قطيعة للأرحام والناس وإحداث العداوة بيننا وبينهم؟ ٤- يشترط العلماء لحضور هذه المناسبات الإنكار لكن الإنكار لا يُستجاب لك وليس هناك فرصة أصلا في مثل هذه الأوقات التي يزعمون أنهم في وقت فرح؟ أرجوكم يا فضيلة الشيخ أريد بيانا شافيا ووافيا ومفصلا إن سمح به وقتكم حول هذه المسألة المنتشرة في زماننا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ١- لا يجوز حضور حفلات الأعراس المشتملة على المنكرات، كالأغاني المصحوبة بالموسيقى أو المتضمنة للكلمات الفاحشة، ولا يبيح ذلك انتشار هذا الفساد بين الناس، وتقاعسهم عن إنكاره. ٢- وعدم الحضور لهذه الحفلات لا يعد قطيعة للرحم، بل هو صيانة للنفس عن مشاهدة المنكر واستماعه، وينبغي أن يعلم الأهل والأقارب رغبتك في الحضور والمشاركة لولا ما أحدثوه من المنكرات. ٣- إذا علم المدعو بوجود المنكر وأنه لا قدرة له على إنكاره لم يجز له الحضور. قال ابن قدامة ﵀ في (المغني ٧/٢١٤) : " إذا دعي إلى وليمة , فيها معصية , كالخمر , والزمر , والعود ونحوه , وأمكنه الإنكار , وإزالة المنكر , لزمه الحضور والإنكار ; لأنه يؤدي فرضين ; إجابة أخيه المسلم , وإزالة المنكر. وإن لم يقدر على الإنكار , لم يحضر. وإن لم يعلم بالمنكر حتى حضر , أزاله , فإن لم يقدر انصرف. ونحو هذا قال الشافعي " اهـ. وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما نصه: (إذا كانت حفلات الزواج خالية من المنكرات كاختلاط الرجال بالنساء والغناء الماجن أو كانت إذا حضرتْ غيرت ما فيها من منكرات جاز لها أن تحضر للمشاركة في السرور، بل الحضور واجب إن كان هناك منكر تقوى على إزالته. أما إن كان في الحفلات منكرات لا تقوى على إنكارها فيحرم عليها أن تحضرها لعموم قوله تعالى:) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ) الأنعام/٧٠، وقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) لقمان/٦، والأحاديث الواردة في ذم الغناء والمعازف كثيرة جدا) ، نقلا عن فتاوى المرأة، جمع: محمد المسند، ص ٩٢ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14796

النصح في الوجه [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم من تكلم في وجه شخص وأخبره بعيوبه وهو يسمع، هل هو جائز؟ .]ـ [الْجَوَابُ] يجوز إذا كان على وجه النصح له والإنكار عليه؛ ليرتدع عن المعصية، ويكون بأسلوب حسن حتى يتقبل النصح، أما إذا كان على وجه الشماتة أو التعيير والإساءة، أو التشهير به ونحو ذلك فلا يجوز. [الْمَصْدَرُ] من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢ / ٣٤٢.

стр. 14797

درجات إنكار المنكر والجلوس مع من يفعلون المنكر [السُّؤَالُ] ـ[حديث (تغيير المنكر) هل المقصود: لكي يتغير المنكر أن نترك المكان الذي به منكر؟ أم نظل ونكره وننكره بقلوبنا؟ أفيدونا مأجورين.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله المسلمون في إنكار المنكر درجات، منهم من يجب عليه إنكار المنكر بيده، كولي الأمر ومن ينوب عنه ممن أُعطي صلاحية لذلك، كالوالد مع ولده، والسيد مع عبده، والزوج مع زوجته؛ إن لم يكف مرتكب المنكر إلا بذلك. ومنهم من يجب عليه إنكاره بالنصح والإرشاد والنهي والزجر والدعوة بالتي هي أحسن دون اليد والتسلط بالقوة؛ خشية إثارة الفتن وانتشار الفوضى. ومنهم من يجب عليه الإنكار بالقلب فقط؛ لضعفه نفوذاً ولساناً، وهذا أضعف الإيمان، وقد بين النبي ﷺ ذلك في قوله: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وإذا كانت المصلحة الشرعية في بقائه في الوسط الذي فشا فيه المنكر أرجح من المفسدة، ولم يخش على نفسه الفتنة بقي بين من يرتكبون المنكر، مع إنكاره حسب درجته، وإلا هجرهم محافظة على دينه. [الْمَصْدَرُ] من فتاوى اللجنة ١٢ / ٣٣٥.

стр. 14798

حكم تبرير فعل المنكر بأن كثيراً من الناس يفعلونه [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم الرجل أو المرأة إذا قلت لهما: بأن ما تفعلونه حرام، كأن تنهى المرأة عن لبس الملابس القصيرة، أو تنهى الرجل عن شرب السجائر؛ يردون عليك بأن كل الناس تفعل ذلك، أو أن النساء في بلدنا يلبسون كذا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الجواب ممن ذكرت يعتب خطأ، وعمل الناس للمنكر لا يبرر ارتكابه، فقد قال : (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) ، وإنما التحليل والتحريم يؤخذان من كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، لا من فعل الناس؛ لأن الناس يخطئون ويصيبون. [الْمَصْدَرُ] من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢ / ٣٤٨.

стр. 14799

كيف تتصرف مع صديقاتها الغير ملتزمات [السُّؤَالُ] ـ[لي صديقات معرفتي بهن وثيقة، وهن لسن محجبات، وأنا كثيراً ما أكون معهن بحكم الصداقة والزمالة، وهن يؤثرن عليّ بأحاديثهن الهايفة الغير هادفة إلى شيء، فهن يضيعن أوقاتهن في الخروج والنادي والبحر، وليس لله والرسول إلا أوقات قليلة قد لا تذكر، وحين أتكلم عن الله وما قال الرسول أجدهن يسمونني: سيدتنا الشيخة، وهذا ما يدعوني إلا أن لا أتكلم معهن، فهل ما أنا فيه خطأ، وما هو الطريق لكي أساعدهن في أن يتجهن إلى الطريق السليم؟ مع العلم بأنني لا أستطيع تركهن.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا كان حالك مع صديقاتك وحال صديقاتك معك كما ذكرت، فاعتصمي بكتاب الله تعالى وهدي رسوله ﷺ ، واجتهدي بالنصح لهن، أأمرهن بالمعروف وانهيهن عن المنكر، واصبري على ما ينالك منهن من الأذى، ولا يحملنك ما يصيبك من أذاهن على ترك واجبك نحوهن، من أمرهن بالمعروف ونهيهن عن المنكر، فهذه سنة الله في الدعاة والمدعويين، وقد بين الله سبحانه ذلك في قول لقمات لابنه: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانهى عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) الآيات، فإذا قمت بواجب النصح لهن، وكررت ذلك مراراً، ولم يجد ذلك سبيلاً إلى نفوسهن، أو زادهن تمادياً في الباطل، فاعتزليهن خشية أن يصيبك ضعف في دينك وأخلاقك، أو أن يطغين عليك بما لا تحمد عقباه، واصدقي مع الله يعنك الله، ولا تستوحشي من فراقهن، فإن الوحدة خير من قرناء السوء، (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب) (ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً) . [الْمَصْدَرُ] من فتاوى اللجنة الدائمة ١٢ / ٣٦٥ - ٣٦٦

стр. 14800

إنكار المنكر بالقلب [السُّؤَالُ] ـ[ما المقصود بإنكار المنكر بالقلب؟.]ـ [الْجَوَابُ] الكلام على إنكار المنكر بالقلب يكون من وجهين: الوجه الأول: محله، والثاني: صفته. فأما محله: فهو فيما إذا عجز العبد المسلم عن إنكار المنكر بيده ولسانه مراعيا في ذلك شروط وضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والأصل في ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه مرفوعا إلى النبي ﷺ أنه قال: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان. فهذا محله. وأما صفته: فهو أن يشعر المؤمن في قلبه، بكراهة هذا المنكر وبغضه له، وأن يتمنى أن لو قدر على تغييره، وأن يناله حزن وهم لعدم قدرته على تغيير هذا المنكر، وهذا الأخير هو من أمارات صدق الإنكار بالقلب وينبغي أن ينضم إلى ذلك سؤال الله جل وعلا الإعانة على تغيير هذا البلاء وإزالته حقيقته. نسأل الله جل وعلا ـ لنا ولجميع المؤمنين التخلق بهذا الخلق المبارك. . ومما ينبغي أن يشار إليه أنه إن كان الإنسان عاجزاً عن تغيير المنكر إلا أنه بوسعه مفارقة المكان الذي يعصي الله فيه، فيجب عليه مفارقته ولا يكتفي في هذه الحالة بإنكار القلب فقط. وقد قال جل وعلا:" وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ". وقال تعالى: " وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ". وصلى الله على نبينا وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا [الْمَصْدَرُ] إجابة لسؤال من موقع الشبكة الإسلامية

стр. 14801

هل يجوز أن يعرض مالاً على شخص ما بشرط أن يفعل عمل صالحاً ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز أن تعرض مالاً لشخص ما بشرط أن يفعل عمل صالحاً؟ مثلاً: أن أعرض على عمي أن أدفع له ٥٠٠ درهماً مقابل أن يطلق لحيته.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي يظهر أنه لا بأس في هذا الفعل، وقد أوجب الله تعالى على عباده أفعالاً، ووعدهم على فعلها الثواب الجزيل في الدنيا، ترغيباً لهم في فعلها، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) الطلاق / ٢-٣. وقال النبي ﷺ : (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) رواه البخاري (٥٩٨٦) ومسلم (٢٥٥٧) . ومعنى " يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ" أي: يؤخر أجله. ومن باب التشجيع على الأفعال أذن النبي ﷺ لمن قتل قتيلاً من الكفار في أرض المعركة أن يأخذ سلَبه. عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ عام حنين –: " من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلَبه ". رواه البخاري (٢٩٧٣) ومسلم (١٧٥١) . والسَّلَب: هو ما يوجد مع المحارب من مال ومتاع ولباس وسلاح. وأجاز العلماء وضع جائزة لحفظ سورٍ من القرآن أو أحاديث من السنة أو لحل مسابقة علمية. سئل علماء اللجنة الدائمة: ما الحكم في أخذ جوائز في مسابقة لحفظ القرآن؟ فأجابوا: لا حرج في ذلك، ولا فرق بين الرجال والنساء في هذا الأمر. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٤ / ١٢٦) . هذا بالنسبة للدافع وللعارض: وهو جواز عرض وإعطاء مال لمن يطلق لحيته أو ما يشبهه من التزام شيء من أحكام الشرع. أما بالنسبة للآخذ: فإن كان قد أطلق لحيته لأجل هذه الجائزة: فلا أجر له على هذا الفعل، إلا أن تكون هذه الجائزة دافعاً له لتطبيق ما أمره الله تعالى به، أو أنه بدأ من أجل الجائزة ثم غَيَّر نيتَه بعد فعله هذا والتزامه: فهو مأجور على ما سلمت فيه النية، ولا يضره أنه فعل ذلك ابتداء من أجل الجائزة. عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَسْلِمُوا، فَو َاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً، مَا يَخَافُ الْفَقْرَ. فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلا الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الإِسْلامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. رواه مسلم (٢٣١٢) . قال النووي: هكذا هو في معظم النسخ: " فما يسلم " , وفي بعضها " فما يمسي " , وكلاهما صحيح , ومعنى الأول: فما يلبث بعد إسلامه إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه , والمراد: أنه يُظهر الإسلام أولا للدنيا , لا بقصد صحيح بقلبه , ثم من بركة النبي ﷺ ونور الإسلام لم يلبث إلا قليلا حتى ينشرح صدره بحقيقة الإيمان , ويتمكن من قلبه , فيكون حينئذ أحب إليه من الدنيا وما فيها. " شرح مسلم " (١٥ / ٧٢، ٧٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14802

على المسلمين المقيمين في دولة كافرة أن يتجمعوا [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز إقامة أحزاب إسلامية في دولة علمانية، وتكون الأحزاب رسمية ضمن القانون، ولكن غايتها الدعوة إلى الله؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يشرع للمسلمين المبتلين بالإقامة في دولة كافرة أن يتجمعوا ويترابطوا ويتعاونوا فيما بينهم، سواء كان ذلك باسم أحزاب إسلامية أو جمعيات إسلامية لما في ذلك من التعاون على البر والتقوى. وبالله التوفيق. [الْمَصْدَرُ] من فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٢٣ / ٤٠٧) .

стр. 14803

يبحث عن المواقع السيئة ليراسل مراكز حجبها فهل أحسن أم أساء ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كنت أتصفح الشبكة مستهدفا المواقع غير الأخلاقية وأرسلها بعد ذلك إلى مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا ليقوموا بحجبها. فهل يحسب هذا العمل لصالحي أم لا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يُشكر للأخ السائل غيرته على المحارم، وبغضه للمعصية، وحبه لمحاربتها، وتخليص الناس من شرورها، لكننا لا ننصحه بتتبع مواقع الفساد من أجل التبليغ عنها لحجبها؛ وذلك لأسباب كثيرة، منها: ١. إخبار النبي ﷺ وتحذيره من فتنة النساء، ولا شك أن فتنة النساء العاريات وفي أوضاع مخلة أعظم. عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ) . رواه البخاري (٤٨٠٨) ومسلم (٢٧٤٠) . ٢. أن المسلم مأمور بالابتعاد عن أماكن الفتنة، والفرار من مواضعها، والبعد عن أهلها، ولا شك أن تتبع هذه المواقع مخالف لكل هذا. عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ (أي فليبعد) فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ، أَوْ لِمَا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ) . رواه أبو داود (٤٣١٩) . والحديث: صححه الشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (٦٣٠١) . قال ابن الجوزي ﵀: واحذر - رحمك الله - أن تتعرض لسبب لبلاء، فبعيد أن يسلم مقارب الفتنة منها، وكما أن الحذر مقرون بالنجاة: فالتعرض للفتنة مقرون بالعطب (الهلاك) ، وندر من يسلم من الفتنة مع مقاربتها، على أنه لا يسلم من تفكر وتصور وهمٍّ. " ذم الهوى " (ص ١٢٦) . ٣. أن المسلم مأمور بغض البصر عن المحرمات، والتصفح للمواقع الإباحية وما فيها يخالف هذا الأمر. قال الله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) النور/٣٠. قال ابن كثير ﵀: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغمضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع بصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعا، كما رواه مسلم في صحيحه عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري. " تفسير ابن كثير " (٣ / ٢٨٢) . ٤. وقد ثبت النص الصحيح في النهي عن النظر إلى عورة الرجل من قبَل الرجل، فما بالك بنظره إلى عورة المرأة؟ عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ) . رواه مسلم (٣٣٨) . ٥. أن المسلم ليس له إلا النظرة الأولى، وتكرار النظر في المواقع الفاسدة يخالف هذا. عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: (يَا عَلِيُّ، لا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ) رواه الترمذي (٢٧٧٧) وأبو داود (٢١٤٩) . والحديث: حسَّنه الشيخ الألباني في " صحيح الترغيب " (١٩٠٣) وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي. رواه مسلم (٢١٥٩) . قال النووي: ومعنى " نظر الفجأة ": أن يقع بصره على الأجنبية من غير قصد فلا إثم عليه في أول ذلك، ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال، فإن صرف في الحال فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أثم، لهذا الحديث، فإنه ﷺ أمره بأن يصرف بصره مع قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا) . . . ويجب على الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي وهو حالة الشهادة والمداواة وإرادة خطبتها أو شراء الجارية أو المعاملة بالبيع والشراء وغيرهما ونحو ذلك وإنما يباح في جميع هذا قدر الحاجة دون ما زاد والله أعلم. " شرح مسلم " (١٤ / ١٣٩) . ٦. أن النبي ﷺ سمَّى نظر الحرام بـ " زنا العين "، وهو بالإضافة لكونه حراماً من جهة التعدي في النظر فهو – أيضاً – كفرٌ بالنعمة التي وهبها الله للمسلم. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ) . رواه البخاري (٥٨٩٩) ومسلم (٢٦٥٧) . قال النووي: معنى الحديث: أن ابن آدم قدر عليه نصيب من النا فمنهم من يكون زناه حقيقيّاً بإدخال الفرج في الفرج الحرام، ومنهم من يكون زناه مجازاً بالنظر الحرام، أو الاستماع إلى الزنا وما يتعلق بتحصيله، أو بالمس باليد بأن يمس أجنبية بيده، أو يقبلها، أو بالمشي بالرجل إلى الزنا أو النظر أو اللمس أو الحديث الحرام مع أجنبية ونحو ذلك أو بالفكر بالقلب، فكل هذه أنواع من الزنا المجازي. " والفرج يصدِّق ذلك كله أو يكذبه " معناه: أنه قد يحقق الزنا بالفرج وقد لا يحققه بأن لا يولج الفرج في الفرج وإن قارب ذلك، والله اعلم. " شرح مسلم " (١٦ / ٢٠٦) . ٧. أن المواقع الإباحية من المتوقع أن تكون (٨) مليارات! فقد كانت حوالي نصف مليار عام ١٩٩٨ م فكيف بها الآن؟ فلو أعطى كل موقع نظرة واحدة، فكيف سيكون حال قلبه؟ وكم سيستغرق من الأوقات لتتبعها؟ لذا لا يُشك أن مثل هذا الفعل سبب لهلاك القلب والبدن والوقت. ٨. أن تتابع النظر إلى تلك المواقع الفاسدة والمثيرة قد يودي بصاحبها لتعلق القلب بهن فيستحكم العشق المحرم على قلبه فيفسده، فيكون قد عرَّض نفسه لفتنة وهلاك بعد أن كان سالماً معافى. قال ابن الجوزي ﵀: وقد يتعرض الإنسان لأسباب العشق فيعشق، فإنه قد يرى الشخص فلا توجب رؤيته محبته فيديم النظر والمخالطة فيقع ما لم يكن في حسابه، ومن الناس من توجب له الرؤية نوع محبة، فيعرض عن المحبوب فيزول ذلك، فإن داوم النظر نمت، كالجنة (البستان) إذا زرعت فإنها إن أهملت يبست، وإن سقيت نمت. " ذم الهوى " (ص ٢٣٧) . وقال ابن القيم ﵀: وكلما تواصلت النظرات وتتابعت كلما زاد تعلق القلب وهيجانه، مثل المياه تسقى بها الشجرة فإذا أكثر من المياه فإنها تفسد الشجرة، وكذلك النظر إذا كرر وأعيد فإنه يفسد القلب لا محالة، فإذا تعرض القلب لهذا البلاء فإنه يعرض عما أُمِرَ به ويخرج بصاحبه إلى المحن، ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن، ويلقي القلب في التلف، والسبب في هذا: أن الناظر الْتَذَّتْ عينُه بأول نظرة فطلبت المعاودة كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمة، ولو أنه غض أولاً لاستراح قلبه وسلِم. " روضة المحبين " (ص ٩٤، ٩٥) . وقال ﵀: إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة ويوقع في سكرة العشق، كما قال الله تعالى عن عشاق الصور: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) الحجر/٧٢. فالنظرة كأس من خمر، والعشق هو سكر ذلك الشراب، وسكر العشق أعظم من سكر الخمر؛ فإن سكران الخمر يفيق، وسكران العشق قلما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات. " روضة المحبين " (ص ١٠٤) . ٩. أن تتابع النظر إلى تلك المواقع الهابطة قد يؤدي بصاحبها إلى الوقوع في الحرام، بل إلى تقليد ما يراه، فالبداية النظر، والنهاية الوقوع في المحظور. قال ابن القيم: والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظرة تولد الخطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع مانع، ولهذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده. كل الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر " الجواب الكافي " (ص ١٠٦) . ١٠. وفي تتابع النظر إلى تلك المواقع الفاسدة مضار أخرى من جوانب متعددة، ومنها: موت الإحساس؛ لأن " كثرة المساس تفقد الإحساس " – كما يقولون – فلن يعود هذا الأمر منكراً – بعد فترة – وستتعود على النظر، وهو علامة على موت القلب وفقدان الحس الشرعي تجاه المعصية، ومنها: تعريض النفس للتهمة، فقد يراك أحدٌ دخلت هذه المواقع، أو قد تُرى في جهازك من قبَل آخرين، وفي هذا تعريض للنفس للتهمة. وأخيرا. . . الذي ينبغي الابتعاد عن تتبع مواقع الفساد هذه، ولو من أجل التبليغ عنها، فإن هذا السبب قد يُزيَّن في نفسه من أجل الوصول إلى ما بعده من منكرات. وقد وجدت طرق فنية تغني المسلم عن تتبع مثل هذه المواقع، كما أنه يوجد لجان مختصة في بعض الدوائر الحكومية أو الشركات تقوم بحجب هذه المواقع، ولا شك أن ما تراه لجنة في موقع عمل ليس كمن يرى هذه المواقع وحيداً في بيته، ففعله أدعى للوقوع فيما سبق ذكره من مفاسد. وليس هذا الكلام عن خيال ولا وهم ولا توقع لمستحيل أو بعيد، فكثيراً ما نسمع حكاية شاب مستقيم افتتن بمثل هذه المواقع، فبدأ بالنظر، ثم قتل وقته فيها. وأنت – أخي الفاضل – في غنى عن هذا كله، واسلم برأس مالك، ولا تضيعه عليك، ونسأل الله تعالى أن يكتب لك الأجر كاملاً، وأن يثبتك على الحق والهدى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14804

يُطلب منه إنكار المنكر بالإيميل [السُّؤَالُ] ـ[في الآونة الأخيرة نجد أن بعض أعداء الله يسب الإسلام أو يسئ إلى رسول الله محمد ﷺ وذلك إما بالكلام أو ببعض الرسومات - قاتلهم الله -، وحيث إنه يأتينا في بعض الأحيان بالبريد الإلكتروني من هذه الأخبار ويطلب من المسلمين أن ينكروا هذا الفعل إما بإرسال بريد إلكتروني وإما بإرسال بريد عادي أو بالاتصال بذلك الشخص المسيء لمشاعر المسلمين. وسؤالي هو: هل إذا لم نفعل ذلك الاستنكار نكون آثمين؟ أم هل إذا قام به البعض سقط عن الباقين؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الأصل أن إنكار المنكر فرض على الكفاية، فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين. قال النووي – ﵀ – في شرح صحيح مسلم: (ثم إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف. ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أولا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف) انتهى. ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك مدعاة لترك المسلمين هذه الفريضة، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل على المسلمين القيام بذلك، لقول النبي ﷺ : (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ) رواه مسلم (٤٩) ويتأكد ذلك كلما عَظُم المنكر وفحش، ولا منكر أعظم من سبّ الله تعالى أو سب دينه الإسلام أو سبّ رسوله محمد ﷺ . فمن اطلع على شيء من هذه الإساءة، في صحيفة أو مجلة أو قناة فضائية أو غيرها، فعليه إنكارها حسب استطاعته، بيده أو بلسانه أو بقلبه، كما أمر بذلك النبي ﷺ ومن لم ير ذلك ولم يطلع عليه، لكن أُخبر بوجوده، فينبغي أن يبادر بالإنكار أيضا، كأن يتصل على الصحيفة أو القناة، وينكر عليهم ما نشر فيها، أو يتصل على صاحب المقالة نفسها، فإن الناس إذا رأوا كثرة المنكرين تهيبوا من إعادة الإساءة، وربما أعلنوا اعتذارهم وتوبتهم. كما أن اتفاق الجمع الكبير من الناس على إنكار المنكر يدل على قوة أهل الدين، وغيرتهم، ويقظتهم لما يذاع وينشر، وهذا مطلوب شرعا؛ وإلا لتجرأ في كل يوم متجرئ. وأيضا: فهذا باب لتحصيل الأجر، فإن الناهي عن المنكر مأجور مثاب. نسأل الله تعالى أن يعزّ دينه، وأن يذل أهل الزيغ والضلال. والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14805

مسؤولية الأخ تجاه أخوته في البيت [السُّؤَالُ] ـ[يعمل والدي بالخارج، وأنا الابن الأكبر في الأسرة أعيش مع والدتي وإخوتي. فهل اعتبر أنا المسئول عن إخوتي، بحيث يجب علي أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وعليهم طاعتي في ذلك، أم أن هذه مسئوليتي أمي؟ وإذا قصرت أمي في هذه فتركت إخوتي يفعلون بعض المنكرات فماذا علي؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عليك في أي وقت، سواء عند وجود والدك معك أو عند تغيبه عن البيت، وهو كذلك مسؤولية الجميع، لقول النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم (٧٨) . وعلى هذا فهو واجب على المسلمين عامة، وعلى الآباء والأمهات مع أولادهم خاصة، وإذا قصّر الأب أو الأمّ في ذلك وجب على الابن صغيراً كان أو كبيراً أن يبذل جهده في ذلك بما يستطيعه بأدب وحكمة، والله تعالى يقول: (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن / ١٦، ويقول أيضاً: (لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها) البقرة / ٢٨٦. وعليك أن تراعي المصلحة في ذلك وأن تدرأ المفسدة المترتبة على ذلك إن كانت أعظم مما تقوم به من نصحهم، وعليك أن تظهر لهم أنك حريص على مصلحتهم، ومشفق عليهم وتريد نفعهم حتى يكون ذلك أدعى لقبولهم وامتثالهم ما تأمرهم به، من غير أن يكون ذلك على سبيل السلطة والقهر. ونسأل الله لك الإعانة والتوفيق والسداد في أمورك. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14806

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وآية (عليكم أنفسكم) [السُّؤَالُ] ـ[كيف نرد بحجة قوية ومقنعة على من احتج بقوله تعالى: (ياأيها الناس عليكم أنفسكم) إذا أُمر بالمعروف أو نُهي عن منكر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه الآية الكريمة من سورة المائدة، مما يخطئ بعض الناس في فهمها، ويتوهمون أنها تدل على عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربما احتجوا بها على من أمرهم أو نهاهم. قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي في تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) المائدة / ١٠٥ قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور، وذلك في قوله (إذا اهتديتم) لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد. وممن قال بهذا حذيفة وسعيد بن المسيب كما نقله عنهما الألوسي في تفسيره، وابن جرير، ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب، وأبي عبيد القاسم بن سلام، ونقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن مسعود. فمن العلماء من قال: (إذا اهتديتم) أي أمرتم فلم يسمع منكم، ومنهم من قال: يدخل الأمر بالمعروف في المراد بالاهتداء في الآية، وهو ظاهر جدا ولا ينبغي العدول عنه لمنصف. ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد أن الله تعالى أقسم أنه في خسر، في قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل. وقد دلت الآيات كقوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) ، والأحاديث على أن الناس إن لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، عمهم الله بعذاب من عنده، فمن ذلك ... وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: " يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه" رواه أبو داود (٤٣٣٨) والترمذي (٢١٦٨) والنسائي بأسانيد صحيحة (وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم ٢٤٤٨)) انتهى من أضواء البيان ٢/١٦٩ وكلامه ﵀ كاف واف. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14807

زوجته لا تريد أن تصوم [السُّؤَالُ] ـ[أخي متدين ولكن زوجته غير متدينة فهي لا تصوم ولا تدري أصلاً عن رمضان، لا يوجد أحد من أقربائنا يسكن قريباً منه ويجده من الصعب أن يؤثر على زوجته أو يجعلها تتغير، يدعو الله لها أن يهديها وأن يرزقه الصبر عليها، ولكن الذي يبدو أنها لا تريد أن تتغير أو أن تتصرف كالمسلمين. هل يمكن أن تخبرني كيف يتصرف معها لكي تقرب أكثر للإسلام وتصبح متدينة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الواجب على أخيك أن يسعى بكل الوسائل لهداية زوجته إلى طريق الحق، فيستعمل معها أسلوب الترغيب والترهيب، ويذكرها بالله وحقوقه، ويعظها وينبهها إلى خطر ما هي عليه، ثم ليسعى إلى ربطها بصحبة صالحة، ولو لم تكن من أقاربه، كأن يربطها بزوجات أصحابه المستقيمات الصالحات، ويحضر لها الأشرطة النافعة، والكتيبات المفيدة، فإن أطاعته فهذا هو المطلوب، وإلا فلا مانع من أن يستعمل معها أسلوب الهجر إذا كان مفيدا في مثل هذه الحالة، فإنه إذا شرع الهجر لأجل حق الزوج، فلأن يشرع لأجل حق الله من باب أولى. وقد ثبت عن أبي أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلا وعرا، فقالا لي اصعد، فقلت إني لا أطيقه، فقالا إنا سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل، إذا أنا بأصوات شديدة، فقلت ما هذه الأصوات قالوا هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دما، فقلت من هؤلاء؟ قال هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم) رواه البيهقي برقم ٧٧٩٦، وصححه الألباني فإذا كانت تلك عقوبة من يفطر قبل موعد الإفطار، فكيف بمن لا يصوم أصلا. أما إذا كانت تلك الزوجة تضيف إلى عدم صيامها عدم الصلاة بالكلية، فإنها بذلك تكون قد خرجت عن حظيرة الإسلام على الراجح من أقوال أهل العلم، وعليه فلا يجوز لأخيك أن يبقيها تحت عصمته. والله أعلم. يراجع السؤال رقم (١٢٨٢٨) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14808

ما العمل مع أخواته اللاتي لا يلبسن الحجاب الكامل ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب هداني الله والحمد كل الحمد لله ﷻ منذ نحو أربعة أشهر وقد فوجئت بما يقع فيه الناس من بدع ومحدثات الأمور لذلك أنا على اتصال دائم بموقعكم هذا. أما بعد فأنا يا شيخنا أعيش في أسرة جميع أفرادها يصلي والحمد لله ولي أختان (١٦,١٤ عاما) وهما لا ترتديان الجلباب وإنما ترتديان غطاء الرأس فقط وعندما أحاول إقناعهما تقف لي والدتي بالمرصاد مع أنها هي ترتدي الجلباب وتقول لي عندما تكبران سوف نلبسهما الجلباب وأنا التزاماً لما جاء في قرآننا الكريم من أمر باحترام الوالدين أسكت. وأريد أن أسأل: ١- هل أسكت وأنتظر إلى أن تكبر أختاي؟ ٢- هل أخالف والديّ وأعصيهما وأغصب أختيّ على لبس الجلباب , خاصة وأن والديّ معارضان وبشدة لهذه الفكرة في الوقت الحالي.؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نسأل الله تعالى أن يزيدك هدى وإيمانا، وأن يثبتنا وإياك على دينه. وينبغي أن تستمر في نصح أختيك بلبس الجلباب، ونصح والديك بإلزامهما أمر الله تعالى، وليكن ذلك برفق ولطف، ولعلك تستعين في هذا الأمر ببعض الأشرطة والكتيبات الموضحة لحكم الجلباب، المأمور به في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الأحزاب / ٥٩ قال القرطبي ﵀: (لما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله ﷺ أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وكن يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف فيقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتعرف الحرائر بسترهن، فيكف عن معارضتهن من كان عزبا أو شابا. وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تتبرز للحاجة فيتعرض لها بعض الفجار يظن أنها أمة، فتصيح به فيذهب، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ . ونزلت الآية بسبب ذلك. قال معناه الحسن وغيره) انتهى. انظر السؤال رقم (١١٧٧٤) . وما يردده بعض الناس من أن الفتاة لا تُلزم بالحجاب أو الجلباب إلا بعد زواجها أو إنهاء تعليمها أو غير ذلك، لا أصل له، بل كل فتاة بالغة يلزمها هذا الحكم الشرعي، سواء كان سنها ١٢ أو ١٨ أو غير ذلك. وانظر للأهمية السؤال (٢٠٤٧٥) وينبغي أن يعلم الآباء والأمهات أنهم مسئولون أمام الله تعالى، عما استرعاهم من أمر أبنائهم، كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم / ٦. وكما قال النبي ﷺ : " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته) الحديث رواه البخاري ٨٩٣، ومسلم ١٨٢٩ وقال ﷺ : "إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيع؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته " رواه ابن حبان، وصححه الألباني في غاية المرام برقم ٢٧١ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14809

التحذير من نكاح المشكوك في عفافها [السُّؤَالُ] ـ[وصلني قبل فترة رسالة إلكترونية من إحدى قريباتي عن طريق الخطأ وتعترف فيها بأنها قد زنت مع أحد الشباب وفعلت كل شيء، لا أحد يدري عن هذا ولم أخبر أحداً به، المشكلة أن جدتي اختارت تلك الفتاة كزوجة لأخي وطلبت هذا من والدي، والدي يفعل كل ما تأمره به أمه، لا أستطيع أن أخبر والديّ بالموضوع ولا حتى أخي وإن أخبرت جدتي بالأمر فلن تفعل شيئا لأن تلك الفتاة تكون ابنة أختها ولن تخبر والديّ بالأمر، فماذا أفعل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ينبغي أن تعلم أولاً أن الرسالة التي وصلتك عن طريق الخطأ قد تكون مكذوبة على هذه الفتاة. ثانيا: إذا تأكدت من صحة هذه الرسالة، فلا يخلو الأمر من حالين: الأولى: أن تكون هذه الفتاة قد بدا عليها التغير والصلاح والاستقامة، وانقطعت علاقتها بالحرام، فلا حرج في زواج أخيك منها، وينبغي أن تستر عليها، لقول النبي ﷺ : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " رواه البخاري (٢٣١٠) ومسلم (٢٥٨٠) . انظر السؤال (٤٨٨٢) (٢٦٨١٠) وقد أخبرنا ﷺ بأن التوبة من الذنب تمحوه، قال ﵊: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " رواه ابن ماجه وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (٣٤٢٧) . انظر السؤال رقم (١٣٩٩٠) (١٤٢٨٩) (٢٧١٧٦) الثانية: أن تكون هذه المرأة غير مرضية الدين والخلق، أو لا يؤمن رجوعها للحرام، فالواجب نصح أخيك بعدم الزواج منها، لقول النبي ﷺ " الدين النصيحة، قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم " رواه مسلم (٥٥) من حديث تميم الداري ﵁. ولا يكون ذلك بقذفها أو فضحها، وإنما بمحاولة صرف أخيك عن الزواج منها، كأن ترسل له رسالة، أو تخبره مشافهة بأنه لا خير له في الزواج من هذه الفتاة، فإن لم ينصرف عنها بذلك، فبقولك: إنك تعلم عنها ما يوجب الإعراض عن خطبتها، ونحو ذلك مما يزهده في نكاحها، حتى لو اضطررت إلى حكاية ما حصل من وصول الرسالة دون الوقوع في قذفها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14810

المساعدة في شراء الخمر وغيرها من المحرمات [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم المسلم الذي يساعد غير المسلم بالمال لشراء خمر؟ أو يوصله لشر أو كبائر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز مساعدة الكافر ولا المسلم على شراء الخمر ولا غير ذلك من الشرور والمعاصي والآثام وفاعل ذلك خاسر آثم، وقد نهى الله تعالى عن ذلك في القرآن فقال: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ المائدة / ٢. ولعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة. عن أنس بن مالك قال: " لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له ". رواه الترمذي: (١٢٥٩) وابن ماجه (٣٣٨١) . والحديث: صححه الشيخ الألباني في " صحيح الترمذي " رقم (١٠٤١) . فمن شرب الخمر أو أعان على شربها كان مستحقّاً للعن الوارد في الحديث، فلا يحل لك أن تعين أحداً على شرب الخمر أو غيرها من المحرمات. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →