← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 14736–14775 · переход к 14741.

стр. 14736

الدعوة عبر المحادثات الخاصة [السُّؤَالُ] ـ[أرجو منك أن تدلني على طريقة معينه لدعوة الشباب على " التشات "، حيث وجدت الاستجابة من بعضهم، فأرجو منك أن تساعدني.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الدخول في برامج المحادثة له مفاسد كثيرة، ولذلك لا ننصح أحداً أن يوجه همته وطاقته ويجعلهما فيها، فكثير من الشباب فُتن في هذه المحادثات بالتعرف على فتيات، فبدأها بالدعوة إلى الله وانتهى به الأمر إلى الانشغال التام والفتنة وبعضهم قد يقع في الفاحشة. ويرد لموقعنا كثير من القصص المؤلمة بعضها لفتيات تائبات، وبعضها الآخر لنساء بعض المستقيمين والذين تغيرت حياتهم بمثل هذه البرامج. لذا نرى أن يقتصر الأمر على بعض الدعاة في عمل جماعي منظم؛ وذلك خشية الوقوع فيما لا تحمد عقباه مما تبدأ خطواته بالمحادثة الدعوية، وتنتهي – في غالبها – بما لا يجوز شرعاً من منكرات التعلق القلبي المفسد وما يتبعه، والشيطان له خطوات يسلكها مع من يريد فتنته وإغواءه، لذا فالحذر هو الواجب في مثل هذه الأمور. ونشكر لك غيرتك على وقوع الناس في المعصية، ونشكر همتك العالية في الدعوة إلى الله، لكننا نود منك أن توجه طاقتك في الكتابة العامة في المنتديات، والخطابة والتدريس في المساجد والأماكن العامة، وهذا أكثر نفعاً وخير لك – إن شاء الله – من المحادثات الخاصة والدعوة من خلالها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14737

خلق السموات والأرض في ستة أو ثمانية أيام ؟ [السُّؤَالُ] ـ[قرأت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ﴾ الأعراف والذي فهمته أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وهذا واضح. ولكن في آية أخرى ذكر الله خلق السموات والأرض فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) ﴾ فصلت. فهنا ذكر الله أنه خلق الأرض في يومين، ثم جعل فيها الرواسي ... وتقدير الأقوات في أربعة أيام، فيصير المجموع ستة، ثم خلق السموات في يومين، وبهذا يكون المجموع ثمانية أيام. فكيف نجمع بين الآيتين؟؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا مما أشكل على بعض الناس فهمه، فظن بعضهم أن الله خلق السموات والأرض في ثمانية أيام كما ذكر الله في سورة فصلت: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا ذلك تقدير العزيز العليم) فصلت / ٩ـ١٢. وأنه يعارض الآية الأخرى التي ذكرت أنه خلقها في ستة أيام. وهذا فهم خاطئ والجواب عليه أن يقال: ليس هناك تناقض ولا تفاوت بين المدة الزمنية التي جاءت في هذه الآيات وبين الآيات الأخرى التي ورد فيها تحديد المدة بأنها ستة أيام. ففي هذه الآيات ـ من سورة فصلت ـ نجد أن الله يخبرنا بأنه: (خلق الأرض في يومين) ثم (جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها) في تمام أربعة أيام.. أي في يومين آخرين يضافان إلى اليومين اللذين خلق فيهما الأرض، فيكون المجموع أربعة أيام.. وليس المراد أن خلق الرواسي وتقدير الأقوات قد استغرق أربعة أيام.. ولعل الشبهة ـ التي جاءت في السؤال ـ قد أتت من هنا.. أي من توهم إضافة أربعة إلى اليومين اللذين خلقت فيهما الأرض، فيكون المجموع ستة.. وإذا أضيف إليها اليومان اللذان خلقت فيهما السماء (فقضاهن سبع سموات في يومين) يكون المجموع ثمانية أيام، وليس ستة أيام.. لكن إزالة هذه الشبهة متحققة بإزالة هذا الوهم.. فالأرض خلقت في يومين.. وخلق الرواسي وتقدير الأقوات قد استغرق ما تمم اليومين أربعة أيام.. أي استغرق هو الآخر يومين.. ثم استغرق خلق السموات السبع يومين.. فكان المجموع ستة أيام من أيام الله، .. ولقد نبه المفسرون على هذه الحقيقة ـ المزيلة لهذا الوهم ـ فقال القرطبي: " ﴿في أربعة أيام﴾ مثاله قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وإلى الكوفة في خمسة عشر يومًا، أي في تتمة خمسة عشر يومًا " [الجامع لأحكام القرآن] ج١٥ ص ٣٤٣ ـ مصدر سابق. وقال البغوي: ﴿في أربعة أيام﴾ يريد خلق ما في الأرض، وقدر الأقوات في يومين يوم الثلاثاء والأربعاء فهما مع الأحد والاثنين أربعة أيام، ردَّ الآخر على الأول في الذكر، كما تقول: تزوجت أمس امرأة واليوم ثنتين، وإحداهما هي التي تزوجتها بالأمس. انتهى من تفسير البغوي ٧/١٦٥ وقال الزجاج: في تتمة أربعة أيام، يريد بالتتمة اليومين. [الكشاف] ج٣ ص ٤٤٤ ـ مصدر سابق. فهذه الآيات ـ من سورة فصلت ـ تؤكد هي الأخرى ـ على أن خلق السموات والأرض إنما تم في ستة أيام.. ومن ثم فلا تناقض بين آيات القرآن ولا تفاوت في مدة الخلق الإلهي للسموات والأرض.. وحاشا أن يكون شيء من ذلك في الذكر الحكيم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14738

حكم ترك بعض المستحبّات تأليفا لقلوب مدعوين من المبتدعة [السُّؤَالُ] ـ[أنا مسافر لأتزوج إن شاء الله والمكان الذي سوف أسافر إليه فيه الكثير من الجهلة وأهل البدع فهل لي أن اعمل بعض التعديلات لأفعالي وأقوالي حتى أتجنب الفتنة ولكي أركز اكثر على الأمور الأصلية؟ ومثالا على ذلك الناس الذين لا يفهمون التوحيد فأنا أفضل التحدث عن التوحيد بدلا من أن أدافع عن نفسي لماذا ارفع يدي أو لماذا أحرك اصبعي أو شيء آخر من السنة. أرجو الإيضاح جزاك الله خيرا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: إذا كنت تعمل سننا ثابتة عن النبي ﷺ فإنّه لا يصلح أن يٌقال أريد إجراء تعديلات عليها لأنها مستقيمة معتدلّة بذاتها، ولكن المقصود من سؤالك فيما يظهر أنك تريد عدم إظهارها أمام بعض الناس مراعاة لمصالح معيّنة أو درءا لمفاسد معيّنة. ثانيا: لا يخفى أن الاشتغال بتقرير توحيد الله تعالى وأمور العقيدة الأساسية وتعليم ذلك في مثل الأوساط التي ذكرتها هو آكد الأمور وأهمها، فإن التوحيد هو مفتاح دعوة الرسل ﵈ وأول واجب على المكلّف وهو شرط في قبول الأعمال.. وإن ظهر لك أو غلب على ظنك أن التزامك ببعض المستحبات كتحريك الإصبع مثلاً، قد يؤول إلى لَبسٍ أو فتنة أو شغب عليك وتشويه لسمعتك بحيث ينفّر الناس عنك ولا يسمعون لك أو يًشغل المخاطبين عما هو آكد فلا حرج في تركها مراعاة للحال، والله يعلم نيتك وأنك لم تتركها تهاونا وإنما تركتها لمصلحة الدّين فأنت مأجور إن شاء الله. وصلى الله على نبينا محمد. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 14739

هل يجوز في الردود السخرية بأهل البدع والمستهزئين بالشرع والفسَّاق ؟ [السُّؤَالُ] ـ[دائماً يا شيخ - حفظك الله - إذا أخطأ شيخ فاضل، أو طالب علم، أو أحد من الناس، وكان كلامه خطأ، أو ظنّاً منَّا أنه أخطأ، فنسمع المقولة الدائمة من أخطأ علناً نرد عليه علناً، فهل ذلك صحيح، أرجو تبين المسألة بالتفصيل؛ للإشكال فيها. والسؤال الثاني هو: هل يجوز لنا التكلم على أحد الفساق، أو أحد الذين يكتبون في الصحف ويتكلمون في الدين، فنرد عليه - مثلاً - بمقال ساخر يسخر منه في المنتديات، فالبعض قالوا لنا: إنها غيبة، وردَّ عليهم بعض الإخوة بأنها تجوز من باب قوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ، وما جاء في تفسير " التحرير والتنوير " للطاهر بن عاشور: (..أي: أن المُجازي يجازي من فَعَل معه فَعلةً تسوؤه بفعلة سيئة مثل فعلتِه في السوء، وليس المراد بالسيئة هنا المعصية التي لا يرضاها الله، فلا إشكال في إطلاق السيئة على الأذَى الذي يُلحق بالظالم) . فيقولون: يجوز أن نلحق به الأذى بالسخرية من كتاباته، وأن نستهزئ به؛ لأنه يستهزئ بالإسلام، وهو مسلم في الحقيقة، والسخرية منه، والتنقص: جزاء لسوء عباراته، وأما أن نؤذيه بالكلام بالضوابط الشرعية: فهذا جائز (وليس واجباً أو مندوباً) وإنما جائز، وهناك نصوص توضح مثل هذا الأصل، ومنها قول الله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلِم..) فما هو الحكم يا شيخ حفظك الله ونفع بك؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: من المسلَّمات التي لا يختلف عليها العقلاء: أن الخطأ لا يسلم منه أحد، لا الدعاة، ولا العلماء، ولا من دونهم , وهذه سنَّة الله في خلقه، لا تتبدل. ثانياً: إن النصيحة من أعظم أخلاق هذا الدين العظيم، كما جاء في حديث تَمِيمٍ الدَّارِيِ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: (لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) رواه مسلم (٥٥) . والأصل في النصح: الرفق، والستر: أما الرفق: فهو أدعى لقبول الحق، والتراجع عن الخطأ، ففي الحديث عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِي ﷺ عَنِ النَّبِيِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلَاّ زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَاّ شَانَهُ) رواه مسلم (٢٥٩٤) . ومن أمثلته: ما جاء في الحديث عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِي فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَهْ، مَهْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تُزْرِمُوهُ، دَعُوهُ) ، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: (إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِي لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) ، قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلاً مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ. رواه البخاري (٥٦٧٩) ومسلم (٢٨٥) . وأما الستر: فلحديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: (لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَاّ سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه مسلم (٢٥٩٠) . ومن أمثلة ذلك: ما جاء عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيءُ لَمْ يَقُلْ مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ وَلَكِنْ يَقُولُ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا) . رواه أبو داود (٤٧٨٨) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". ومن كلام الشافعي ﵀: تعمَّدني بنصحك في انفرادي ** وجنِّبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع ** من التوبيخ لا أرضى استماعه وإن خالفتني وعصيت قولي ** فلا تجزع إذا لم تعط طاعه ويستثنى من ذلك: المجاهر بالمعصية، أو بدعة , والمصر عليها، والداعي لها , وانظر جواب السؤال رقم: (٩٠٥٧) . ثالثاً: السخرية بأقوال أهل البدع، وأقوال المجاهرين بالمعصية، والذين يتكلمون في الدين وأهله: مباحة , بشرط أن لا يُسخر من خِلقتهم، وأن تكون في " طور الرزانة والحق، وألا يتخذها عادة وديدناً، وألا يغلب هزله على جدِّه "، وانظر جواب السؤال رقم: (٩٠٥٧) . وقد يستدل لذلك بقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ. وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ. فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) المطففين/ ٢٩ – ٣٤. قال الألوسي- ﵀: فإنه صريح في أن ضحك المؤمنين منهم جزاء لضحكهم منهم في الدنيا، فلا بد من المجانسة، والمشاكلة حتماً. " روح المعاني " (٣٠ / ٧٧) . ويستدل لذلك – أيضاً – بقوله تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ) المجادلة/ ٢٠. قال الإمام أبو عثمان إسماعيل الصابوني - حاكياً اعتقاد السلف أهل الحديث -: واتفقوا مع ذلك: على القول بقهر أهل البدع، وإذلالهم، وإخزائهم، وإبعادهم، وإقصائهم، والتباعد منهم، ومن مصاحبتهم، ومعاشرتهم، والتقرب إلى الله بمجانبتهم، ومهاجرتهم. " عقيدة السلف وأصحاب الحديث " (ص ١٢٣) . والذين يسخرون من الإسلام وشعائره وأهله: يقعون في الكفر المخرج من الملة، باتفاق أهل السنَّة، وتسقط حرمتهم، ويجوز معاملتهم بالمثل بالسخرية منهم، ومن بدعهم، وضلالهم، كما قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) البقرة/ ١٩٤، وقال تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) النحل/ ١٢٦. وأما الاستدلال بالآية الكريمة وهي قوله تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) الشورى/ ٤٠: فالاستدلال بها صحيح. قال ابن الجوزي ﵀: قوله تعالى: (وجزاءُ سيِّئةٍ سيِّئةٌ مِثْلُها) قال مجاهد، والسدِّي: هو جواب القبيح، إذا قال له كلمة أجابه بمثْلها، من غير أن يعتديَ. " زاد المسير " (٥ / ٣٢٥) . وهذا كله في المجاهر، والمبتدع، والمتربص بالدِّين وأهله , وأما المشايخ، والدعاة، وطلبة العلم: فقد تقدم الجواب على الأصول والضوابط في الرد عليهم، وبيان أخطائهم , فانظر جواب السؤال رقم: (٩٣٢١١) . ومع أننا ذكرنا ما يدل على جواز السخرية بأقوال أهل البدع، والمجاهرين بضلالهم، والكائدين للإسلام وأهله بأقلامهم: إلا أننا نرى عدم فعل ذلك أثناء الرد عليهم، والاكتفاء بنقض أقوالهم، وردها عليهم، دون اللجوء إلى أسلوب السخرية والاستهزاء؛ خشية من الوقوع في المحظور وعدم الالتزام بالضوابط الشرعية، وتنزيهاً لأقلام أهل السنَّة أن تكتب ما لا يعلم جوازه عامة أهل السنَّة، فلا يعود فعل ذلك إلا بالضرر عليهم. فخلاصة الجواب أنه يجوز السخرية بأولئك المحادين لله ورسوله ودينه، والكمال في ترك ذلك، والاكتفاء بالردود العلمية الرصينة، خاصة إذا لم تكن مصلحة شرعية من تلك السخرية. وانظر للفائدة جواب السؤال رقم (١٣٨٦٢٩) والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14740

هل تجوز المشاركة في معرض يتضمن المنكرات للدعوة إلى الله ؟ [السُّؤَالُ] ـ[سنويا يقام معرض في مدينتنا في إحدى دول الغرب، وكل دولة إسلامية تمثل بلدها في ذلك المعرض، من خلال استعراض التراث الفني ورقصات شعبية وأشياء أخرى، كما وهناك أيضا خيمة مخصصة للدعوة في سبيل الله، حيث توزع كتب باللغة الإنجليزية تدعو إلى الإسلام، ومصاحف مترجمة وسيديهات الخ. المشكلة هي أن المعرض يقام في وسط المدينة، وفي مكان مكشوف، وبما أن المعرض يقام في الصيف، تكثر الفتن ويكثر الاختلاط بين النساء والرجال في كل مكان. والمسلم قد لا يأمن على نفسه ودينه؛ فهل تجوز المشاركة في هذا المعرض؟ وجزاكم الله عنا كل خير.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله معلوم أن الشريعة قائمة على تحقيق المصالح الشرعية وتكميلها، وتعطيل المفاسد بكافة أنواعها، أو تقليلها. وإذا قدر أنه لم يمكن تحصيل المصالح المفترضة جميعها: فالواجب على المكلف أن يسعى في تحصيل أعظم المصالح قدرا، بميزان الشرع، حتى لو فاته ما هو أقل منها. وإذا لم يستطع التخلص من المفاسد المفترضة جميعها: فإنه يسعى في دفع أعظم هذه المفاسد، وأخطرها فالأخطر؛ حتى لو ذلك وقوعه في مفاسد هي أهون منها، وأقل شأنا، بميزان الشرع. قال شيخ الإسلام ﵀: " جاءت الشريعة بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٤٨) وحيئنذ: فالحكم في المشاركة في مثل هذه المعارض يتبع ما يترتب عليها من المصالح والمفاسد. فإن كان في هذه المشاركة مصلحة تعريف الناس بالإسلام، ودعوتهم إليه، وغلب على الظن منفعة ذلك: فإن المشاركة فيه مشروعة، من حيث العموم. ثم يتوقف الكلام على كل شخص بحسب حاله؛ فإن كان الشخص المعين سريع التأثر بما في هذه الأماكن، وما حوله من الفتن، لم يجز له هو أن يشارك، وقام بهذه المهمة غيره ممن يرجى ثباته في مثل هذه المواقف، ونفعه فيها. وإذا أمكن أن يقوم بهذه الوظيفة في الخيام الدعوية بعض المسلمين، ممن ابتلي بالإقامة في هذه البلاد: كفى غيره السفر إليها، والتعرض للفتنة، ولم يجز تعريض من هم في عافية لبلاء السفر إلى هذه البلاد، حتى ولو كان بغرض الدعوة إلى الله، ما دام غيره يتمكن من القيام بمهمته. على أنه من المهم ألا ينفرد أحد المشاركين في هذه الأماكن بنفسه، ولا أن يخلو فيها وحده، بل ينبغي أن يكون المشاركون مجموعات متآزرة، يمكنها التعاون في أداء هذه المهمة، ولا يتمكن أحدهم من الخلوة بالنساء، ولا التعامل معهن على انفراد. فإن غلبت الفتنة في أماكن المعارض، وغلب على الظن لحوق الفساد والشر بمن يشارك فيها: لم يجز لهم المشاركة في هذه المعارض، وليجتهدوا في تعويض ما فاتهم من الدعوة إلى الله بوسيلة أخرى أبعد عن الفتنة، وفي مكان آخر أكثر أمنا. قال علماء اللجنة: " إذا كانت المصلحة الشرعية في بقائه في الوسط الذي فشا فيه المنكر أرجح من المفسدة، ولم يخش على نفسه الفتنة: بقي بين من يرتكبون المنكر، مع إنكاره حسب درجته، وإلا هجرهم محافظة على دينه " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٢ / ٣٣٥) وسئل الشيخ الفوزان حفظه الله: هناك مجتمعات قائمة على الاختلاط، فهل على المسلم أن ينأى بنفسه عن هذا المجتمع في حين أنه لا يملك التغيير؟ كذلك هل يتعامل مع كل وسائل اللهو أم يمنع نفسه أم ماذا يفعل؟ فأجاب: " لا شك أن غالب المجتمعات البشرية في العالم الآن تموج بأنواع من الفتن التي أخبر عنها الرسول ﷺ ، وموقف المسلم من هذه الفتن وتلك المستجدات يجب أن يكون موقف المسلم الصحيح. فإذا كان يترتب على اختلاطه بهذه المجتمعات أن يتمكن من أن يغير شيئًا منها، وأن يدعوهم إلى الله ويرشدهم إلى الصواب، فهذا أمر مطلوب وهو من مقاصد الدعوة. أما إذا كان ليس باستطاعته التأثير عليهم، بل في اختلاطه هذا خطر عليه وعلى ذويه: فعليه أن يهاجر بأن ينتقل إلى بلاد أخرى يمكن فيها ذلك " انتهى. "المنتقى من فتاوى الفوزان" (٤٥ / ٥٥-٥٦) . والنصيحة لمن شارك في مثل هذه المعارض، أو اضطر إلى البقاء في مثل هذه البلاد أن يتقي الله في نفسه ودينه، وألا يتوسع في الترخص بمعاملة النساء والفساق، والحديث معهم، وأن يكونوا صورة طيبة لحفاظ المسلم على دينه، في سمته وهديه وسلوكه وأخلاقه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] موقع الإسلام سؤال وجواب

стр. 14741

بعض زملائه يحلفون بغير الله فهل يترك العمل معهم ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أعمل في إحدى قطاعات الشحن هنا في مالطة وبعض زملائي يحلفون بغير الله وأشعر بالحرج أنني لا أستطيع تصحيح هذا الخطأ، فهل ينبغي علي أن أبحث عن عمل أخر؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا وجد من زملائك من يحلف بغير الله، فالواجب تقديم النصيحة لهم، وبيان أن الحلف لا يكون إلا بالله تعالى، وأن الحلف بغيره شرك، وإنكار هذا المنكر يكون بقدر الاستطاعة؛ لما روى مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) . وهذا يقتضي الإنكار كلما وجد المنكر، وأمكن إنكاره، ولو تكرر ذلك، إلا أن يترتب على ذلك حصول مفسدة أكبر. وينظر جواب السؤال رقم (٩٦٦٦٢) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14742

هل يجوز تأجير قاعات الأعراس في الفنادق التي ينتشر فيها المنكر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يجوز للمسلم تأجير قاعات الأعراس التي هي في الفنادق، وهذه الفنادق تبيع الخمور وفيها منكرات ولكن في القاعة لا يوجد فيها بيع للخمور وهذه المنكرات، وهل يجوز أن أذهب إلى تلك الأعراس التي هي في تلك القاعات إذا دعيت إليها وجزاكم الله خيرا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله حث الإسلام على مكارم الأخلاق ومعاليها، وحذر من سفسافها ومعايبها، وأمر بتجنب الفساد والشر بكل طريق، وأمر باتقاء الشبهات، وسد الطريق أمام كل منكر وفساد. وارتياد هذه الأماكن التي تباع فيها الخمور، وتستباح فيها الحرمات، وتنتشر فيها المنكرات، مما يجب التحذير منه والنهي عنه؛ لما يؤدي إليه من الفساد والشر والفتنة. ولا يجوز استئجارها لعرس أو غيره؛ لما فيها من إعانة أصحابها على الإثم والعدوان، بدفع تلك المبالغ الباهظة لهم لاستئجار المكان، والتي يستعينون بها على منكرهم وفسادهم. عن عبد الله بن عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ) . رواه البخاري (٣٣٨١) ومسلم (٢٩٨٠) . َسُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عَنْ رَجُلٍ مَقْبُولِ الْقَوْلِ عِنْدَ الْحُكَّامِ يَخْرُجُ لِلْفُرْجَةِ فِي الزَّهْرِ فِي مَوَاسِمِ الْفُرَج حَيْثُ يَكُونُ مَجْمَعُ النَّاسِ وَيَرَى الْمُنْكَرَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ وَتَخْرُجُ امْرَأَتُهُ أَيْضًا مَعَهُ. هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ يُقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ؟ فَأَجَابَ: لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَحْضُرَ الْأَمَاكِنَ الَّتِي يَشْهَدُ فِيهَا الْمُنْكَرَاتِ وَلَا يُمْكِنُهُ الْإِنْكَارُ؛ إلَّا لَمُوجِبٍ شَرْعِيٍّ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَمْرٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حُضُورِهِ أَوْ يَكُونُ مُكْرَهًا. فَأَمَّا حُضُورُهُ لِمُجَرَّدِ الْفُرْجَةِ وَإِحْضَارِ امْرَأَتِهِ تُشَاهِدُ ذَلِكَ فَهَذَا مِمَّا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ وَمُرُوءَتِهِ إذَا أَصَرَّ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ". "مجموع الفتاوى" (٢٨/٢٣٩) . وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: " نحن نذهب إلى بعض المطاعم الإسلامية في بلاد الكفر أثناء الرحلات الخارجية، ثم نجد أنهم يقومون بتقديم الخمور، فما حكم الأكل في هذه المطاعم؟ فأجاب الشيخ: " لا تسكنوا في هذه الفنادق إلا للحاجة , مادام يعلن فيها شرب الخمر , ولا تأكلوا في هذه المطاعم إلا لحاجة " انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (١٣ / ٨٢٥) [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14743

هل تأثم إذا فتحت جهاز التلفاز لغيرها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل أأثم إذا ناولت جهاز التحكم أحدا أو فتحت له جهاز التلفاز؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله التلفاز جهاز يستعمل في الخير والشر، فقد تشاهد عليه القنوات الإسلامية النافعة أو الأخبار المباحة، وقد تشاهد عليه الأفلام والمسلسلات التي تشتمل على المنكرات والآثام كالتعري والاختلاط والجريمة والفساد، فما كان من الخير أو المباح جاز الإعانة عليه بمناولة جهاز التحكم أو فتح التلفاز، وما كان من الباطل والمنكر لم يجز الإعانة عليه؛ لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/٢. بل يجب إنكاره حسب القدرة والاستطاعة؛ لقوله ﷺ : (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِن لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) رواه مسلم (٤٩) . وينظر جواب السؤال رقم (٣٦٣٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14744

تريد دعوة رافضي للإسلام وتسأل عن " الوطنية " وعلاجها عنده [السُّؤَالُ] ـ[أعرف رجلاً إيرانيّاً شيعيّاً , وهو مستعد لأن يكون سنيّاً , وهو رجل وطني للغاية , وأنا أتساءل دائماً: هل هو مهتم بالإخوة الإسلامية كما هو مهتم بإخوانه المنتمين لبلده؟ وأنا أعتقد أن المسلم يجب أن تكون أولويته في الحب لإخوانه المسلمين أكثر من أي حب آخر , هذا فضلاً عن محبة الله ورسوله الكريم ﷺ , وأريد أن أقول له ذلك الأمر إلا أنني أخشى أن أكون من الذين يقومون بعمل تفرقة بين الناس. أرجو بيان هذا الأمر , فهل اعتقادي صحيح أم لا؟ . إذا كان صحيحاً: أرجو من فضيلتكم بيان كيفية إخبار هذا الرجل بهذا الأمر , كيف أخبره أن محبة الإسلام والمسلمين أولى من محبة أبناء الوطن خصوصاً الشيعة؟ . وهل يجوز دفع الزكاة للشيعي - لأنهم ليسوا كلهم كفرة -؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: قبل الجواب لا بدَّ من تحذير وتنبيه الأخت السائلة من إثم وخطر علاقة المرأة بالرجال الأجانب، فالإسلام يحرِّم تلك العلاقات بين الطرفين إذا لم يربط بينهما رابط شرعي، وللشيطان طرقه في الإيقاع بعباد الله حتى من طريق الدعوة إلى الله؛ وذلك بتزيين مثل تلك العلاقة أنها نافعة للهداية إما للإسلام، أو للطاعة. كما أن الرجل – ولدينا كثير من الحالات – يوهم المرأة أنه قريب من دينها، ومنهجها، وأنه لا تبعده عن ذلك إلا خطوات؛ من أجل أن يجد مجالاً للحديث معها، والإيقاع بها، وقد يُعلن في الظاهر أنه على دينها ومنهجها، ثم سرعان ما يتركها بعد أن يحقق مأربه. وإنما نذكر هذا نصيحة وتحذيراً للمسلمات أن ينتبهن لأنفسهن، وأن يحذرن من تغليب العاطفة على الشرع، والعقل. وفي حالتنا هذه: يمكن أن توكل مهمة دعوة ذلك الرافضي لرجل من أهل السنة، من أهلك، أو ممن يوثق به من أهل العلم والحكمة ممن هو قريب منكِ، ليتولى هو أمر دعوته والكلام معه، وإذا هداه الله ووفقه فيُكتب ذلك في ميزانك إن شاء الله. فإن لم تجدي عندك من يقوم بهذه المهمة عنك، فدعيها له، وبإمكانه هو أن يستغل الخيط الذي ألقيتِ إليه طرفه، ويبحث عما ينفعه عند أهل العلم والدين، أو يراسل بنفسه المواقع المعنية بذلك لأهل السنة، إن كان حريصا على الهداية، وأما أنت فليس لك أن تغرري بنفسك ودينك، من أجل مصلحة موهومة مظنونة، قل أن تحصل في مثل ذلك الحال، وإن حصلت فحولها أضعافها من المفاسد لك ولغيرك، وإن سلمت حالة، هلكت عشرات الحالات، في مثل تلك العلاقات. ثانياً: قد أحسنتِ في قولك إن محبة الإسلام والمسلمين مقدَّمة على حب الوطن، وأبناء الوطن، فالوطنية مصطلح خبيث في أصله؛ إنما جاءنا من دول الكفر من أجل التفرقة بين أبناء الإسلام، فرابطة الإسلام أوسع وأوثق، فجاء المستعمر الخبيث فقسَّم الدول الإسلامية إلى دويلات، ثم ربط أبناء كل دولة بعضهم ببعض؛ ليقطع أواصر العلاقة الكبيرة المتينة بين أبناء الإسلام، فصارت الرابطة الوطنية، والتي تجمع أبناء البلد الواحد بغض النظر عن دينه ومنهجه وخلُقه، فنجح في ذلك – وللأسف – نجاحاً كبيراً، فصار الحب لأبناء الوطن مقدَّماً على الحب لأبناء الإسلام، وصار القتال في سبيل الوطن، لا في سبيل الله، ولا من أجل الإسلام، وها نحن نعيش أثر ذلك في أيامنا هذه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومما كذبه الكاذبون على نبينا ﷺ في هذا الباب ما نسبوه إليه من قوله (حُبُّ الوَطَن من الإيمان) ! وهو حديث مكذوب لا أصل له. [ينظر: السلسلة الضعيفة، للشيخ الألباني، ﵀، رقم (٣٦) ] . وما قلناه لا يعني منع حب الإنسان لبلده، ووطنه، بل هو شيء فطري لا انفكاك للإنسان منه، وإنما أردنا التحذير من أن تكون رابطة " الوطنية " هي المقدَّمة على رابطة " الإسلام " في الولاء، والمحبة، والنصرة، وأردنا التنبيه على أن المسلم الأعجمي الذي يعيش في أقصى الأرض أقرب وأحب إلينا من أبناء وطننا ممن ليس مسلماً، وإن كان من وطننا وبلدنا، بل وإن كان ابن أمنا وأبينا. وأما الحب للأرض التي يولد فيها المسلم، أو يعيش: فهذا لا يُتنازع في أنه مشروع، لكن من قاتل دفاعاً عن وطنه فينبغي أن يكون ذلك دفاعاً عن الإسلام الذي في وطنه، لا عن الأرض مجرداً. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: " ونحن إذا قاتلنا من أجل الوطن: لم يكن هناك فرق بيننا وبين الكافر؛ لأنه أيضاً يقاتل من أجل وطنه، والذي يُقتل من أجل الدفاع عن الوطن فقط: ليس بشهيد. ولكن الواجب علينا - ونحن مسلمون، وفي بلد إسلامي ولله الحمد ونسأل الله أن يثبتنا على ذلك -: الواجب أن نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا. انتبه للفرق! نقاتِل من أجل الإسلام في بلادنا، فنحمي الإسلام الذي في بلادنا، سواء كان في أقصى الشرق أو الغرب، فيجب أن تصحَّح هذه النقطة، فيقال: نحن نقاتل من أجل الإسلام في وطننا، أو من أجل وطننا لأنه إسلامي، ندافع عن الإسلام الذي فيه. أما مجرد الوطنية: فإنها نية باطلة، لا تفيد الإسلام شيئاً، ولا فرق بين الإنسان الذي يقول إنه مسلم، والإنسان الذي يقول إنه كافر إذا كان القتال من أجل الوطن لأنه وطن. وما يُذكر من أن (حب الوطن من الإيمان) ، وأن ذلك حديث عن رسول الله ﷺ : فكذب. حب الوطن إن كان إسلاميّاً: فهذا تحبه لأنه إسلامي، ولا فرق بين وطنك الذي هو مسقط رأسك، أو الوطن البعيد عن بلاد المسلمين، كلها وطن إسلامي يجب أن نحميه. على كل حال: يجب أن نعلم أن النية الصحيحة هي أن نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا، أو من أجل وطننا لأنه إسلامي، لا لمجرد الوطنية. أما قتال الدفاع: أي لو أحداً صال عليك في بيتك يريد أخذ مالك، أو أن ينتهك عرض أهلك مثلاً: فإنك تقاتله كما أمرك بذلك النبي ﵊. فقد سئل عن الرجل يأتيه الإنسان ويقول له: أعطني مالك؟ قال: (لا تعطه) قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (قاتله) ، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (إن قتلك فأنت شهيد) ، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (إن قتلتَه فهو في النار) ... والحاصل: أنه لابد من تصحيح النية، ونرجو منكم أن تنبهوا على هذه المسألة؛ لأننا نرى في الجرائد، والصحف: " الوطن "، " الوطن "، " الوطن "، وليس فيها ذكر للإسلام، وهذا نقص عظيم، يجب أن توجَّه الأمة إلى النهج، والمسلك الصحيح، ونسأل الله لنا، ولكم التوفيق لما يحب ويرضى " انتهى مختصراً. " شرح رياض الصالحين " (١ / ٦٥ – ٦٩) . ثالثاً: وأما بخصوص إيصال هذه الرسالة لذلك الرافضي: فنرى أن الرفض دين فاسد احتوى على مظاهر كثيرة من الشرك، والزندقة، والجاهلية، والبدع والخرافات، وليست هذه المسألة بالتي ستحول بين هداية ذلك الرافضي وبين الإسلام، فإن المطلوب منه أن يتخلى عن التعلق بالقبور، وأهلها، ومطلوب منه أن يُفرد الله تعالى بالتوحيد، وأن يعتقد بعدم تحريف القرآن، وأن يثبت إسلام الصحابة جميعهم، ويشهد لهم بالخير، وخاصة من ورد في فضله نصوص صحيحة، مطلوب منه عشرات الأصول، والسنن والعقائد، أن يعتقدها، ويعمل بها، على وفق ما جاء به كتاب الله، وهدت إليه سنة النبي ﷺ ، قبل أن نبحث معه في التخلي عن الوطنية التي تذكرينها. فإن تاب من بدع الرفض، وضلالاته، أوقفناه على حقيقة الولاء والبراء بين المسلمين، وأن المسلم لا يقدِّم محبة أحدٍ من أهله حتى لو كان أقرب الناس منه، ولا وطنه وبلده، ولا مالَه، على محبة الله ورسوله ودينه، كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) التوبة/ ٢٤، وبينا له: أن الإيمان الذي يقبله الله ليس في قلب صاحبه مودة لكافرٍ، ولو كان أقرب الناس منه، كما قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المجادلة/ ٢٢. فهذا هو الواجب في دعوة هذا الرجل وأمثاله، على ألا يكون ذلك عن طريقك، كما نبهناك عليه في أول الجواب. رابعاً: أما بخصوص دفع الزكاة للشيعة – الرافضة -: فقد سبق تفصيل القول فيها في جواب السؤال رقم (١١٤٨) ، وفيه بيان عدم جواز ذلك. وهذا من حيث الأصل، أما إن كان السؤال عن ذلك الشخص القريب من الإسلام: فيجوز إعطاء الزكاة لغير المسلم طمعاً في إسلامه، ويصدق عليه أنه من " المؤلَّفة قلوبهم "، وقد ذكرنا جواز ذلك في جواب السؤال رقم (٣٩٦٥٥) فلينظر. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14745

لم يصح حديث أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول: كنت تراني على المنكر ولا تنهاني [السُّؤَالُ] ـ[سمعت درسا على قناة فضائية إسلامية سرد فيه الشيخ حديثا لم أتذكره، فيما معناه أنه يوم القيامة يأتي كافر يشكو عبدا كنا نظنه مؤمنا وملتزما كان يمر علينا، ولكن لم يدعنا إلى الإسلام، ولم يعظنا، فيلحق الله ﵎ هذا العبد المؤمن بهؤلاء الكفار في النار، نعوذ بالله منها. فهل صح حديث عن الرسول الله ﷺ بهذا المعنى؟ أرجو أن تدلوني عليه بأسانيده وشروحه]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله من الواجبات المحتمات على الأمة الإسلامية، وقد جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة لتدل على هذا المعنى، وتقرر هذا الحكم الشرعي، سبق ذكر أطراف منها في أجوبة عديدة في موقعنا، في جواب السؤال رقم: (١١٤٠٣) ، (٣٨٧٠١) ، (٩٦٦٦٢) ورغم كثرة الآيات والأحاديث الواردة في فضيلة هذه الشعيرة العظيمة " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " إلا أننا لم نجد فيها ما يصح بخصوص تعلق الناس يوم القيامة بمن ترك الدعوة والنصيحة، ومطالبتهم بأخذ حقهم منه يوم القيامة عقوبة على تقصيره في ذلك، وكل ما وقفنا عليه بهذا الخصوص هو ما ذكره الحافظ أبو السعادات ابن الأثير (٦٠٦هـ) في كتابه " جامع الأصول من أحاديث الرسول " ولم يعزه لأحد، وذكره المنذري (٦٤٣هـ) في كتابه " الترغيب والترهيب " (٣/١٦٤) (حديث رقم/٣٥٠٦) وعزاه لرزين فقال: " وعن أبي هريرة ﵁ قال: (كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه، فيقول له: ما لك إلي، وما بيني وبينك معرفة؟! فيقول: كنت تراني على الخطإ وعلى المنكر ولا تنهاني) ذكره " رزين " ولم أره " انتهى نقل المنذري. ورزين هذا قال الذهبي في ترجمته: " رزين بن معاوية بن عمار، الإمام المحدث الشهير، أبو الحسن العبدري الأندلسي السرقسطي، صاحب كتاب: " تجريد الصحاح "، جاور بمكة دهرا، حدث عنه: قاضي الحرم أبو المظفر محمد بن علي الطبري، والزاهد أحمد بن محمد بن قدامة والد الشيخ أبي عمر، والحافظ أبو موسى المديني، والحافظ ابن عساكر وقال: كان إمام المالكيين بالحرم. توفي بمكة في المحرم سنة خمس وثلاثين وخمس مئة وقد شاخ " انتهى. " سير أعلام النبلاء " (٢٠/٢٠٤-٢٠٥) وقد بين العلماء أن كتاب رزين المسمى " تجريد الصحاح " مليء بالأحاديث التي لا يعرف مصدرها، ولم يوقف على أصلها، ولا يُدرَى من أين جاء بها. قال ابن الصلاح في معرض تقرير بدعية صلاة الرغائب: " ولا تستفاد له صحة – يعني لحديث صلاة الرغائب - مِن ذكر رزين بن معاوية إياه في كتابه في " تجريد الصحاح "، ولا من ذكر صاحب " الإحياء " – يعني الغزالي - له فيه واعتماده عليه، لكثرة ما فيهما من الحديث الضعيف، وإيراد رزين له في مثل كتابه من العجب " انتهى. نقلا عن " الباعث على إنكار البدع والحوادث " لأبي شامة المقدسي (ص/٤٥) وقال الذهبي ﵀: " أدخل كتابه زيادات واهية لو تنزه عنها لأجاد " انتهى. " سير أعلام النبلاء " (٢٠/٢٠٥) وقال أيضا ﵀: " وله في الكتاب زيادات واهية " انتهى. " تاريخ الإسلام " (٣٦/٣٧٦) ويقول ابن تمية ﵀: " ورزين قد ذكر في كتابه أشياء ليست في الصحاح " انتهى. " منهاج السنة النبوية " (٧/١٥٧) . ويقول الشوكاني ﵀: " أدخل في كتابه الذي جمع فيه دواوين الإسلام بلايا وموضوعات لا تعرف، ولا يُدرَى من أين جاء بها " انتهى. " الفوائد المجموعة " (ص/٤٩) وقال العلامة المعلمي في تعليقه عليه: " زاد أحاديث ليست فيها – يعني في الصحيحين والموطأ وسنن الترمذي والنسائي وأبي داود - ولا في واحد منها، فإذا كان الواقع هكذا، ومع ذلك لم ينبه في خطبة كتابه أو خاتمته على هذه الزيادات فقد أساء، ومع ذلك فالخطب سهل، فإن أحاديث غير الصحيحين من تلك الكتب ليست كلها صحاحا، فصنيع رزين - وإن أوهم في تلك الزيادات أنها في بعض تلك الكتب - فلم يوهم أنه صحيح ولا حسن. وأحسب أن تلك الأحاديث التي زادها كانت وقعت له بأسانيده، فإنها أحاديث معروفة في الجملة، ومنها حديث صلاة الرغائب ولم يكن رزين من أهل النقد فلم يعرف حال الحديث " انتهى. وقال اللكنوي ﵀: " قال الشيخ الدهلوي في رسالته: وقد ذكر صاحب جامع الأصول في كتابه حديثا من كتاب رزين، مع أن موضوع ذلك الكتاب جمع أحاديث الكتب الستة المسماة بالصحاح الست، وإذا لم يجد في هذه الكتب حديثا في ذلك أورده من كتاب آخر استيفاء وتكميلا " انتهى. " الأسرار المرفوعة " (ص/٧٤) وقال الشيخ الألباني ﵀: " فاعلم أن كتاب رزين هذا جمع فيه بين الأصول الستة: " الصحيحين " و" موطأ مالك " و"سنن أبي داود "، والنسائي، والترمذي، على نمط كتاب ابن الأثير المسمى " جامع الأصول من أحاديث الرسول "، إلا أن في كتاب " التجريد " أحاديث كثيرة لا أصل لها في شيء من هذه الأصول، كما يعلم مما ينقله العلماء عنه مثل المنذري في " الترغيب والترهيب " " انتهى. " السلسلة الضعيفة " (رقم/٢٠٧) فالحاصل أن هذا الحديث لا يعرف له أصل. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14746

هجر المغتاب [السُّؤَالُ] ـ[السؤل: لي صديق كثيرا ما يتحدث في أعراض الناس، وقد نصحته ولكن دون جدوى، ويبدو أنها أصبحت عادة عنده، وأحيانا يكون كلامه في الناس عن حسن نية، فهل يجوز هجره؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " الكلام في أعراض المسلمين بما يكرهون منكر عظيم، ومن الغيبة المحرمة، بل من كبائر الذنوب؛ لقول الله سبحانه: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) الحجرات/١٢. ولما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أتدرون ما الغيبة؟ فقالوا الله ورسوله أعلم، فقال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول الله، إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) . وصح عنه ﷺ (أنه لما عرج به مر على قوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم) أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد جيد عن أنس ﵁، وقال العلامة ابن مفلح: إسناده صحيح، قال: وخرج أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعا: (إن من الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق) . والواجب عليك وعلى غيرك من المسلمين عدم مجالسة من يغتاب المسلمين مع نصيحته والإنكار عليه؛ لقول النبي: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم في صحيحه. فإن لم يمتثل فاترك مجالسته؛ لأن ذلك من تمام الإنكار عليه. أصلح الله حال المسلمين ووفقهم لما فيه سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة " انتهى. "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" للشيخ ابن باز (٥/٤٠١) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14747

هل إذا سمح لمن يُحضر الخمر معه ويشربه في مطعمه يكون آثماً ؟ [السُّؤَالُ] ـ[اشتريتُ مطعماً من شخص كافر، وانتقل تصريح المطعم باسمي تبعاً لذلك بما في ذلك تصريح شرب الخمر، ولكني لا أقدم إلا طعاماً حلالاً في مطعمي، ولا أبيع الخمر، إلا أن بعض الزبائن يأتي ليأكل في المطعم ويحضر قوارير الخمر معه، فهل أسمح لهم عمل ذلك أم لا؟ مع العلم أنهم لا يسيئون إلى بقية الزبائن، ولا يسيئون التصرف كذلك، وعندما ينتهي هذا التصريح سوف لن أجدده.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أ. صاحب المطعم مسئول شرعاً عما يحدث في مطعمه من معاصٍ يمكنه القضاء عليها، أو منع حصولها ابتداء، وتحريم الخمر ثابت بالكتاب والسنَّة والإجماع، وقد لعن النبي ﷺ في الخمر عشرة، وليس شاربها فقط. فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمْرِ عَشْرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالْمُشْتَرِي لَهَا، وَالْمُشْتَرَاةُ لَهُ) . رواه الترمذي (١٢٥٩) وابن ماجه (٣٣٨١) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". فهذا يدل على أن الإثم يشمل جميع من أعان على وجودها، ليتم شربها في نهاية المطاف. ب. والجالس في مكانٍ يُكفر به بالله، أو يُفعل فيه منكر أو معصية: فهو مشارك لهم في الإثم إن استطاع تغيير المنكر ولم يفعل، أو استطاع مفارقة المجلس ولم يفعل، قال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) النساء/١٤٠. قال ابن كثير ﵀: "أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك: فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) ، أي: في المأثم، كما جاء في الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدَار عليها الخَمْر) " انتهى. " تفسير ابن كثير " (٢ / ٤٣٥) . ج. وقد أمر الله تعالى المسلم بإنكار المنكر إذا رآه، أو علم وجوده، فكيف يلتقي هذا مع السماح لأولئك الزبائن بشرب الخمر في مطعمك؟! . فعن أبي سَعِيد الخُدْري ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ) . رواه مسلم (٤٩) . د. ومن صفات عباد الرحمن ما ذكره الله تعالى عنهم في قوله: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) الفرقان/٧٢. ومن أقوال بعض العلماء – كالإمام الزهري - في معنى الزور: شرب الخمر. انظر " تفسير ابن كثير " (٦ / ١٣٠) . وعليه: فينبغي لك القطع في الأمر بعدم السماح لأحدٍ أن يشرب الخمر في مطعمك، وإلا تحملت آثام أولئك الشاربين، فلا تتردد في الأمر، وستجد أثر هذا على دينك ورزقك إن احتسبت هذا الأمر لله تعالى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14748

لماذا لم ينكر موسى ﵇ على القوم العاكفين على الأصنام ؟ [السُّؤَالُ] ـ[طرح عليَّ زملائي في العمل هذا السؤال: لماذا لم يدع موسى ﵇ القوم العاكفين عن الأصنام عندما مر مع قومه معهم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الأصل الذي دلت عليه الأدلة هو وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن يسقط الوجوب مع العجز، أو لخوف ترتب مفسدة أعظم، ثم إنكار المنكر على مراتب: باليد ثم باللسان، ثم بالقلب. هذا هو الأصل العام، ولا يشكل عليه ما جاء في قصة موسى ﵇ التي ذكرت، فإن القرآن الكريم لم يقص علينا كل سيرة موسى ﵇، بالتفصيل، وإنما قص علينا بعضها مما فيه منفعة وعبرة لنا، وفي القصة التي ذكرتها، لم يذكر القرآن الكريم أن موسى ﵇ أنكر على هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، والقرآن أيضاً لم ينف حصول ذلك، وعلى هذا، فلا يجوز لأحد أن يثبت ذلك ولا أن ينفيه. لأننا لا ندري ما حدث، والقرآن لم يذكر لنا ذلك، فيحتمل أن موسى ﵇، أنكر عليهم أو أرسل إليهم من أنكر عليهم، باللسان أو باليد، ولم يذكره القرآن؛ لأن السياق كان في بيان حال بني إسرائيل، وجهلهم وغفلتهم، ومقابلتهم النعمة بالإساءة، فلم يمض وقت على معاينتهم لهلاك فرعون، ونجاتهم من الغرق، وهذا من أعظم النعم عليهم، حتى طلبوا الشرك من موسى ﵇ وقالوا: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. ويحتمل أنه ﵇ لم ينكر عليهم، لسبب رآه في ذلك. والحاصل: أننا لا يمكننا إثبات ذلك أو نفيه، وعندنا من شرعنا (الكتاب والسنة) ما يدل دلالة قطعية على أن تغيير المنكر وإنكاره واجب باليد لمن استطاع ذلك، ثم باللسان لمن لم يستطع تغييره باليد، ثم بالقلب لمن لم يستطع إنكاره بالقلب. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14749

حكم نشر برنامج يستقبل مئات القنوات [السُّؤَالُ] ـ[أنا مشرف في أحد المنتديات، وهو يحتوي على موضوعات متنوعة دينية وثقافية ولغوية وبرمجية وغيرها، وقد قام أحد الأعضاء بتنزيل برنامج في المنتدى مهمته استقبال القنوات الفضائية عن طريق الشبكة، وهو برنامج يستقبل أكثر من ١٥٠٠ قناة متنوعة من مختلف أنحاء العالم، وقد قام بعض الأعضاء بالاعتراض علينا والمطالبة بحذف البرنامج بحجة أنه يسهل الوصول للفساد وأن معظم الأعضاء قد يستعملونه فيما لا يجوز، في حين دافع عنه آخرون بأن الشخص يمكن أن يستخدمه في الحلال، ومن استخدمه في غير ذلك، فذنبه عليه، ولسنا مسؤولين عنه، فنرجو منكم إجابة شافية في هذا الموضوع.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا كان الغالب هو استعمال هذا البرنامج في مشاهدة المحرّمات عبر القنوات، فإنه لا يجوز نشره ولا الدلالة عليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الإثم والمعصية. قال الله تعالى: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/٢. والقاعدة في هذا أن كل ما يستعمل في الخير والشر، والمباح والمعصية، يجوز بيعه وهبته لمن عُلم أو غلب على الظن أنه يستعمله في المباح، ويحرم بيعه أو هبته لمن عُلم أو غلب على الظن أنه يستعمله في الحرام. وإن كان الغالب هو استعماله في الحرام، لم يجز بيعه ولا هبته لمن جهل حاله، بل لا يعطى إلا للصنف الأول الذي يغلب على الظن استعماله له في المباح. وهذا ما سبق أن بيناه في حكم بيع أجهزة التلفاز والفيديو والبلايستيشن، وبيع الملابس النسائية التي تتخذ للتبرج، وينظر جواب السؤال رقم (٣٩٧٤٤) ورقم (٧٥٠٠٧) وفيهما نقول عن أهل العلم في هذه المسألة. ومن ذلك ما جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٣/١٠٩) : " كل ما يستعمل على وجه محرم، أو يغلب على الظن ذلك، فإنه يحرم تصنيعه واستيراده وبيعه وترويجه بين المسلمين " انتهى. والواقع المشاهد أن هذه القنوات يغلب استخدامها في الحرام، رؤية وسماعا، ولهذا لا يجوز إعطاء أجهزتها أو برامجها إلا لمن يغلب على الظن أنه يستعملها في المباح. وقد أحسن من نصحكم بإزالة هذا البرنامج، والواجب عليكم إزالته، والإثم في هذا الباب يلحق المشاهد، كما يلحق من دلّه أو أعانه. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14750

حكم الدخول إلى مواقع سيئة من أجل التواصل مع الأصدقاء في أشياء مفيدة [السُّؤَالُ] ـ[العديد من الأصدقاء يستخدمون موقع إلكتروني يسمى " ... " على الإنترنت، خاص بالعلاقات، والتواصل مع الأصدقاء، ومع العديد من مستخدمي الموقع، في هذا الموقع قام العديد من المستخدمين ببناء مجموعات خاصة، يقوم المستخدمون الآخرون بالدخول إليها، والتواصل مع أفرادها، بالإضافة إلى العديد من الخدمات الإلكترونية التي يمكن استخدامها، مثل ألعاب المقامرة، والقُبَل، والعناقات الإلكترونية! بعض المجموعات المضافة تشجع الفساد للرجل، والمرأة، مثل مجموعة للرجال الشواذ في بلد معين، ومجموعة لرقص التعري في مكان آخر، وللنساء اليائسات اللواتي يبحثن عن صديق، بالإضافة إلى هذه المجموعات قام العديد من المسلمين بإضافة مجموعات تتعلق بالإسلام والمسلمين، منها ما يتعلق في الفقه، وأصول الدين، والأسرة. السؤال: ما هو الحكم الشرعي لدخول هذا الموقع، أو أي موقع آخر شبيه، لغرض استخدام المجموعات الإسلامية، ومراسلة الأصدقاء، علماً بأن الداخل للموقع لا بد وأن يتعرض للعديد من المحرمات، والشبهات.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الموقع المشار إليه في السؤال، ومثله ما يشبهه من المواقع التي تنشر الفساد، وتذيع الشر، وتشيع الفحشاء: لا يحل لأحدٍ من المسلمين الدخول عليها، ولو زعم أنه يريد دعوة أهلها، أو الإنكار عليهم؛ لأن المسلم أُمر بالابتعاد عن مواقع الفتنة والفساد؛ ولأن بريقها وبهرجتها وفتنتها قد لا تواجه قلباً قويّاً، أو نفساً عفيفة، فيقع الداخل فيها في فتنة يصعب خروجه منها، ولا تزال تردنا قضايا لإخوة ملتزمين فُتنوا بالمراسلات المحرمة، ومشاهدة ما لا يحل لهم مشاهدته من الصور والأفلام المحرَّمة، فالفتنة لا يكاد يسلم منها أحد، ومن أراد السلامة لدينه: فليبتعد عن تلك المواقع، وليعتزل دخولها، وفضاء الإنترنت يتسع لدعوته ويزيد. وهناك العديد من المواقع والمنتديات الإسلامية يمكنك من خلالها التواصل مع هؤلاء الأصدقاء ومراسلتهم في الأشياء المفيدة. وما دمت تذكر أن الداخل إلى هذه المواقع السيئة لابد وأن يتعرض للعديد من المحرمات والفتن، فلا يجوز الدخول عليه. عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: (مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ) . رواه أبو داود (٤٣١٩) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "وكثير من الناس يأتون إلى مواضع الفتن وهم يرون أنهم لن يفتتنوا؛ ولكن لا يزال بهم الأمر حتى يقعوا في فتنة؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الدجال: (من سمع بالدجال فلينأ عنه، فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فلا يزال به لما معه من الشبه حتى يتبعه) ؛ المهم أن الإنسان لا يعرض نفسه للفتن؛ فكم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص" انتهى. " تفسير سورة البقرة " (٣ / ٥٩، ٦٠) . وانظر جواب السؤال رقم (٣٩٩٢٣) ففيه تفصيل مهم لهذه المسألة. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14751

حكم الستر على صاحب المعصية [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم من يكتشف شخصاً على معصية ويستر عليه ويكتفي بنصحه رجاء صلاحه وهدايته؟ وهل يأثم لأنه لم يدل عليه الجهات المختصة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "يجوز الستر عليه إذا لم يكن من أهل التهاون بالمعاصي، ولم يعرف عنه كثرة اقتراف الذنوب وارتكاب المحرمات، ففي هذه الحالة ينصحه ويخوفه ويحذره من العودة إليها. أما إن كان صاحب عادة وفسوق فلا تبرأ ذمته حتى يرفع أمره إلى من يعاقبه بما ينزجر به. أما إن كانت المعصية في حق لآدمي كأن يراه يسرق من بيت أو دكان أو رآه يزني بامرأة فلان فلا يجوز الستر عليه، لما فيه من إهدار حق الآدمي، وإفساد فراشه، وخيانة المسلم. وكذا لو علم أنه القاتل أو الجارح لمسلم فلا يستر ويضيع حق مسلم، بل يشهد عليه عند الجهات بأخذ الحقوق، والله أعلم" انتهى. فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله. "فتاوى علماء البلد الحرام" (ص ٣٤٤) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14752

كيفية إنكار المنكر بالقلب [السُّؤَالُ] ـ[ما كيفية النهي عن المنكر بالقلب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "هو أن يكره المنكر، ولا يجلس مع أهله؛ لأن جلوسه معهم بغير إنكار يشبه فعل بني إسرائيل، الذين لعنهم الله عليه في قوله سبحانه: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) المائدة/٧٨، ٧٩. فضيلة الشيخ عبد الله بن باز. "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (٥/٧٤-٧٥) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14753

هل يجوز إخراج المبتدعة من المساجد [السُّؤَالُ] ـ[هناك أناس في مسجدنا يقومون بالمسجد من أذان وصلاة وخطبة، ولكن يقومون بكثير من البدع، وقد نصحناهم أكثر من مرة ولكنهم لم يتركوا ذلك. هل يجوز إخراجهم من المسجد بالقوة؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز أن يُطرد المسلم عن بيوت اللَّه، ولو كان مبتدعاً، فهي بيوت مبنية لإقامة ذكر الله وعبادته، والمبتدع مشكور على طاعته، مأجور على كل خير يعمله لوجه الله تعالى، مع ترتب الإثم على بدعته، فلا يجوز لأحد أن يحجزه عن عبادة الله وطاعته، بل ينبغي إعانته عليها، وحثه على حضور جماعة المسلمين، لعله يسمع السنَّة من أهل العلم، فيرتدع عن الإحداث في الدين. وإذا كان النبي ﷺ قد أذن بدخول المسجد من قِبَل بعض المشركين، كما في قصة ثمامة بن أثال ﵁، حيث أمر النبي ﷺ بربطه إلى سارية من سواري المسجد، وذلك قبل أن يسلم، حتى أَسلَمَ في اليوم الثالث، وقال للنبي ﷺ : (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ) رواه البخاري (٤٦٢) ومسلم (١٧٦٤) . فانظر كيف كان بقاؤه في المسجد سبباً في هدايته وإسلامه ﵁؛ فكيف بالمسلمين الذي يقومون بعمارة المسجد، بالأذان والخطابة، وغير ذلك، كما ورد في السؤال؟! ولمَّا تخلَّف كعب بن مالك عن شهود تبوك مع النبي ﷺ أمر بهَجرِهِ ومنع الناس من الحديث معه، حتى أمره بترك زوجته، إلا أنه ﷺ لم يمنعه من حضور جماعة المسلمين، وشهود صلاتهم. يقول ﵁: (وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، قَالَ: فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِيَ الْأَرْضُ، فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أَمْ لَا، ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي) رواه البخاري (٢٧٥٧) ومسلم (٢٧٦٩) . ولما ظهرت الخوارج ببدعتهم، وفرقوا جماعة المسلمين بفكرتهم، وأحدثوا ما أحدثوا لم يأمر أحدٌ من الصحابة بإخراجهم من المساجد وطردهم عنها، لأنها بيوتٌ أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فلا ينبغي لأحد أن يمنع ما أذن الله به. قال علي بن أبي طالب في الخوارج: (لهم علينا ثلاث: ألا نبدأهم بقتال ما لم يقاتلونا، وألا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيه اسمه، وألا نحرمهم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا) . رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٧ / ٥٦٢) بإسناد حسن. والذي يشرع في حقكم أن تحسنوا إليهم في بيت الله، وأن تجتهدوا في بيان السنة لهم بكل سبيل، وإذا أمكنكم منعهم من إقامة بدعتهم، بعد سؤال أهل العلم، والتحقق من أن هذا العمل المعين هو بدعة؛ فلكم أن تمنعوهم ـ فقط ـ عن هذه البدعة، لا أن تمنعوهم من المسجد بالكلية، شريطة ألا يترتب على منعهم هذا فتنة بين المسلمين، أو مفسدة هي أكبر من هذه البدعة التي تريدون منعها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لا يفرقون بينهما ; بل إما أن يفعلوهما جميعا ; أو يتركوها جميعا: لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا من منكر ; [بل] ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به ; وإن استلزم ما هو دونه من المنكر. ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه ; بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله، وزوال فعل الحسنات. وإن كان المنكر أغلب نُهي عنه ; وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف. ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه، أمرا بمنكر، وسعيا في معصية الله ورسوله. وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما. فتارة يصلح الأمر ; وتارة يصلح النهي ; وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين ; وذلك في الأمور المعينة الواقعة. وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا، وينهى عن المنكر مطلقا. وفي الفاعل الواحد، والطائفة الواحدة، يؤمر بمعروفها، وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها، ويذم مذمومها ; بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه، أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه، أو فوات معروف أرجح منه. وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق ; فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية ". انتهى، من " مجموع الفتاوى" (٢٨/١٢٩-١٣٠) ، وأيضا: "الاستقامة" (٢/٢١٧-٢١٨) . وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: عندنا في العمل شيعة، هل يجوز أن نرد ﵈، ونراهم في المسجد كذلك يصلون على أوراق، فهل يجوز طردهم من المسجد؟ . فأجاب: أقول: عاملهم بما يعاملونك به، إذا سلموا فرد ﵈، ولا يحسن أن يطردوا من المسجد، بل ربما يكون بعضهم من العامة الذين لا يعرفون شيئاً وقد ضللهم علماؤهم؛ فيمكنكم أنتم باللباقة والدعوة بالتي هي أحسن أن تؤثروا عليهم، واستعمال العنف بين الناس أمر غير وارد، والله يحب الرفق في الأمر كله، فأنتم الآن لو تصادمتم معهم وقلتم: لا تسجدوا على ورق، لا تسجدوا على حجر وما أشبه ذلك، لو كان الأمر ينتهي إلى هذا ثم ينتهون لكان الأمر طيِّباً، لكن سوف يزيدون، وسوف تكون العداوة والبغضاء بينكم أشد، فالذي أرى أن الواجب أولاً نصحهم، لاسيما العوام، والنصح ليس معناه أن تهاجم مذهبهم وملتهم الفاسدة الباطلة، لا، النصح أن تبين لهم الحق وتبين لهم السنة، ثم بعد ذلك إذا تبينت لهم السنة، فأنا أجزم جزماً، إن كان عندهم إيمان حقيقة، أن يرجعوا إليها وأن يدعوا باطلهم، فإن حصل هذا فهو الأكمل والأحسن، وإن لم يحصل فأنتم عاملوهم بما يعاملونكم به، وأما طردهم من المسجد فليس إليكم. " لقاءات الباب المفتوح " (لقاء رقم ٨٠، سؤال رقم ٤) . وأخيراً: ننبهكم إلى أنه ليس كل من فعل بدعة يكون مبتدعاً، كما أن بعض ما ترونه بدعة لا يكون كذلك على التحقيق، ولا يجوز جعل هذه المسائل مرجعها لصغار طلبة العلم، أو المتحمسين للسنَّة، فهؤلاء أنفسهم يحتاجون لتوجيه وعناية ونصح، فمثلاً: قد يرون أن قبض اليد على الصدر بعد الركوع بدعة! فهل يحكمون على من فعلها بأنه مبتدع؟! وهل يريدون طرد مثل هؤلاء؟ وهل يعرفون من يفعل ذلك – أي: القبض بعد الركوع – من أئمتنا وعلمائنا؟! . فنحن نشكر لهؤلاء الإخوة غيرتهم على السنَّة، لكننا لا نريد أن يدفعهم حماسهم هذا للحكم على الناس، ولا لطردهم من بيوت الله تعالى، وكم عانينا من تصنيف الناس، فهل سينتقل التصنيف إلى بيوت الله؟! نرجو أن لا يكون ذلك، ونرجو منهم التعقل والسؤال – كما فعلوا هنا -، وها هي فتاوى العلماء واضحة بيِّنة حتى في المبتدعة الغلاظ كالشيعة، مع عدم إغفال جانب دعوتهم وحثهم على السنَّة بالتي هي أحسن. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14754

حكم استئجار شقة لسماع الأغاني ولعب الورق والتدخين، وحكم مديرها [السُّؤَالُ] ـ[نحن مجموعة من الشباب، مستأجرين شقة في رمضان؛ لنتجمع؛ ونسهر فيها؛ ونلعب فيها الورقة، وبعض الشباب يدخنون الشيشة، ويسمعون الأغاني، والبعض يلعب الطاولة، وقررنا أن نستمر بعد رمضان، وهناك أحد الشباب يقوم بإدارة الشقة، وهناك بعض الشباب محافظون على الصلاة، ومنهم متكاسل، ومنهم لا يصلي، علما بأنه لا يوجد الزنى، ولا شرب الخمر في هذه الشقة، ويقوم كل واحد منا بدفع مبلغ معين كل شهر. السؤال: ما حكم هذه الشقة؟ وما حكم الشاب الذي يقوم بإدارة الشقة، علماً بأنه محافظ على الصلاة في جماعة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نشكر لك سؤالك واستفسارك عن حكم الشقة التي قمتم باستئجارها، وإن دلَّ سؤالكم على شيء فإنما يدل على خيرٍ وصلاح فيكم إن شاء الله. وإن كان منا عتب عليكم قبل بيان الحكم الشرعي فهو أنكم بسهركم هذا إنما تضيعون أفضل سني عمركم قوة ونشاطاً، تضيعونها فيما لا فائدة منها على أقل الأحوال، وفي أسوئها أنكم تعصون الله تعالى فيها، فكان الواجب عليكم الالتفات إلى هذا السن، وهذه النعمة التي حباكم الله تعالى إياها، واستثمارها فيما يحب ربكم ويرضاه منكم من الأقوال والأفعال، واغتنام المسلم لصحته قبل سقمه، ولشبابه قبل هرمه، ولفراغه قبل شغله، ولحياته قبل موته: يدل على إيمان صادق، وعقل راجح، فبادروا إلى اغتنام صحتكم، وشبابكم، وفراغكم، وحياتكم، قبل أن تأتي ساعة الندم في الدنيا بفوات ذلك كله عليكم، أو في الآخرة – وهو أشد وأصعب – وليس هناك مجال لاستدراك ما فات من عمركم بعدها. وكل إنسان سيسأل يوم القيامة بين يدي ربه: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه؟ فهل يسركم أن يكون جوابكم: كنا نسهر ونلعب ونلهو؟ وهل هذا الجواب سينجيكم يوم القيامة؟ ثانياً: أما بخصوص حكم استئجار تلك الشقة: فإننا نرى أنه لا يجوز لكم أن تستأجروها؛ لأن اجتماعكم فيها هو على معاصٍ متعددة، من اللعب بالورق، إلى شرب الدخان والشيشة، إلى سماع الأغاني، وكل ذلك مما حرَّمه الله تعالى، وإذا أضيف إليه أنكم تفعلون ذلك في زمان فاضل وهو رمضان: كان الإثم أعظم، وخاصة في العشر الأواخر منه، حيث يتسابق الناس للاعتمار والاعتكاف والصلاة والدعاء، وأنتم – يا للأسف – تضيعون الساعات الفاضلة لا نقول فيما لا فائدة فيه، بل فيما فيه معصية ربكم تعالى. فعليكم جميعاً ترك فعل تلك المحرمات في تلك الشقة وفي غيرها، وعليكم إعلان التوبة والمصالحة مع ربكم تعالى، وإدراك ما تبقى من أعماركم لتكونوا دعاة إلى هذا الدين، ولتكونوا حماة لهذه الشريعة المطهرة. وانظر في تحريم الموسيقى والغناء جواب السؤال رقم: (٥٠٠٠) . وانظر في تحريم اللعب بالنرد جوابي السؤالين (١٤٠٩٥) و (٢٢٣٠٥) . وفي تحريم الشيشة والدخان انظر جواب السؤال رقم: (٤٥٢٧١) . ثالثاً: على الأخ الذي يدير الشقة أن يعلم أنه لا يحل له فعله ذاك، وأنه شريك فيما يُفعل في الشقة من معاصٍ وآثام، ولا يعفيه من الإثم كونه من المصلين في جماعة، وقد وقع هذا الأخ في مخالفات شرعية، ومنها: ١. الإعانة على الإثم والعدوان. قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/ ٢. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "فكل معصية وظلم يجب على العبد كف نفسه عنه، ثم إعانة غيره على تركه" انتهى. " تفسير السعدي " (ص ٢١٨) . ٢. السكوت عن إنكار المنكر، وعدم هجر أصحابه. قال الله ﵎: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) النساء/ ١٤٠. قال القرطبي ﵀: "فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم: يكون معهم في الوزر سواءً، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم: فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية" انتهى. " تفسير القرطبي " (٥ / ٣٩٦) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14755

تنصحهن فيذكرن لها ماضيها السيئ [السُّؤَالُ] ـ[أنا فتاة أرتدي الحجاب والحمد لله، وأحفظ سوراً من القرآن الكريم وملتزمة بدين الله تعالى، قبل أن أرتدي الحجاب كنت أرتدي ملابساً ضيقة وأضع على شعري تسريحة وبعض الصبغة ولا أصلي، وممكن أتكلم مع شاب في الطريق، ولا أهتم لكلام الناس، وبعد أن هداني الله تغير كل شيء، وندمت علي كل ما كنت أفعله. ما أعاني منه الآن: هو أني حين أتحدث إلى فتاة بخصوص الصلاة أو الحجاب أو أعطيها كتاباً يقولون عني: هذه التي تقول هذا الكلام! هل نسيت ما كانت تفعلي؟ ويقذفنني في عرضي، ويقولن عني أسوأ الأشياء والله يعلم أني بريئة مما ينسب إليَّ، ماذا أفعل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نحب أن نهنئكِ أيتها السائلة على التوبة والرجوع إلى الله ، فمن نعمة الله على عبده أن يوفقه للتوبة، ويدله عليها، فكم هم الذين باقون على المعاصي والذنوب، ولم يوفقوا للتوبة، فأنتِ في نعمة، فاشكري الله على تلك النعمة، واسأليه المزيد في ذلك. ثانياً: الواجب على الإنسان أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ وذلك لأنه من أسمى الوظائف الإسلامية، بل هو أشرفها وأعلاها، وهو وظيفة الأنبياء والرسل ﵈، كما قال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) النساء/١٦٥. وقد جعل الله الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس؛ لقيامها بهذه الوظيفة العظيمة، كما قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران/١١٠. فالواجب عليكِ هو الاستمرار في نصح ودعوة من علمت أنه على خطأ، ولا تلتفتي إلى كلام المغرضين والمثبطين لكِ، بل اصبري واحتسبي الأجر عند الله، واعلمي أن ما أنتِ عليه هو نوع من أنواع الجهاد، مطلوب فيه تحمل المشاق، والصبر على الأذى فيه، كما قال لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) لقمان/١٧. ثالثاً: ما ذكرتيه من أن بعض من تقومين بنصحه يذكركِ بماضيكِ، فهذا منه نوع من الجهل؛ وذلك لأنه كيف يلام شخص على ذنب قد تاب منه وأقلع عنه! وقد قال النبي ﷺ : (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه. وإذا كان الله جل وعلا يتوب على من تاب من الشرك، فكيف بمن تاب مما هو دون الشرك من المعاصي والكبائر. وأيضاً: إذا قيل إنه لا يدعو ولا ينصح من كان له ذنوب ومعاصٍ في السابق، فإنه لن يدعو أحد، ولن ينصح أحد؛ لأنه ليس أحد معصوماً من الذنوب، إلا من عصمه الله، فهؤلاء الصحابة منهم من كان في جاهليته شارباً للخمر قاطعاً للرحم ... وأعظم من ذلك الشرك بالله، ولا يشك عاقل في جلالة قدرهم وعلو مكانتهم، وأنهم خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، فهم لم يتركوا الدعوة بحجة أنهم فعلوا كذا وكذا في الماضي، بل قاموا بالدعوة خير قيام، ﵃ ورضاهم. والعبرة بكمال النهاية، لا بنقصان البداية، فالعبرة بما انتهى إليه أمر الإنسان، ولهذا قال النبي ﷺ : (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ) البخاري (٦٦٠٧) . والذي يظهر لنا -والله أعلم- أنهم يقولون ذلك فقط من أجل الجدال، وهم يخدعون أنفسهم بأن لهم سبباً يردون من أجله الحق الذي تأمرينهم به، ولو أنصف هؤلاء لتفكروا فيما تأمرينهم به هل هو حق فيقبل؟ أو باطل فيرد؟ بقطع النظر عمن أمر به، فإن الحق يقبل لأجل كونه حقاً، لا من أجل من تكلم به. وقد يكون ماضيك سبباً لقبول كلامك، وقوة حجتك، لأنك إنما تأمرينهم بما تأمرينهم به وقد جَرَّبت الخير والشر، والحلو والمر، فأنت تأمرينهم بالحق بعد علم ويقين وتجربة، وليس من جَرّب كمن سمع فقط. وقديماً قال بعض التائبين: "من جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"! فاستمري في أمرهم ونصحهم، واحتسبي ما تجدينه من مشقة واستهزاء، نسأل الله تعالى لك مزيداً من التوفيق والحرص على هداية الخلق. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14756

يركب الحافلة أو التاكسي ولا يستطيع منع السائق من الأغاني المحرمة [السُّؤَالُ] ـ[نضطر إلى سماع الأغاني أو الموسيقى، سواء في الحافلة التي تقلنا إلى العمل يومياً، أو الحافلات والتاكسيات التي نحتاجها في السفر بعض الأحيان، فما الحكم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "إذا كنت لا تستطيع منع الأغاني في الحافلة وأنت محتاج إلى ركوبها لبعد المسافة، ولا تجد وسيلة غيرها – فلا بأس عليك في ذلك، مع إنكار المنكر حسب استطاعتك، ولو في قلبك. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ صالح الفوزان ... الشيخ عبد العزيز آل الشيخ. "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٢٤١) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14757

يضطر لركوب تاكسي وبه الأغاني المحرمة [السُّؤَالُ] ـ[ماذا يفعل الذي يضطر إلى ركوب سيارة تاكسي ويوجد فيها الغناء المحرم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "يجب عليك أن تنصح لمن ركبت معهم السيارة التي يوجد بها غناء محرم ألا يفتحوا الإذاعة على الغناء، عسى أن يستجيبوا لنصحك ويكفوا، فإن انتصحوا فالحمد لله، وإلا فانزل ودعهم في غيهم، حفظاً لنفسك من سماع المنكر، وإن شق عليك النزول لأمر ما فلا حرج عليك في بقائك في السيارة. بالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... الشيخ عبد الرزاق عفيفي ... الشيخ عبد الله بن غديان ... الشيخ عبد الله بن قعود. "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء" (٢٦/٢٣٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14758

حكم المشاركة في منتدى ينشر مقاطع للفضيحة والرذيلة [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم المشاركة بالمنتدى الذي يوجد فيه مقاطع بلوتوث مخلة بالآداب؟ مع العلم يوجد بنفس المنتدى المنتدى الإسلامي ويوجد في بعض صفحاته آيات من القرآن الكريم. وما حكم فاعل هذا المنتدى؟ وبماذا تنصح المشارك وصاحب المنتدى؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لا يجوز نشر هذه المقاطع والصور، لأنها من إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، مع ما فيها من إثم التجسس وتتبع العورات، وكل هذه محرمات معلومة، فكيف إذا اجتمعت. قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) النور/١٩. واستغفال النساء وتصويرهن بجوال الكاميرا من أعظم المنكرات، لما فيه من الظلم والاعتداء والفضيحة وهتك الستر، وإذا كان هذا حال اغتصاب الفتاة كان أعظم وأشد، وقد روى الترمذي (٢٠٣٢) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ) وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ. والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي. ثانيا: الواجب نصح القائمين على المنتدى وتذكيرهم بالله تعالى وبإثم هذه الأعمال، فإن استجابوا فالحمد لله، وإن تمادوا فيما هم فيه، فالواجب ترك هذا المنتدى زجرا لأهله وإنكارا عليهم، ومنعاً لإعانتهم، والمنتديات الصالحة كثيرة، وفيها غنى والحمد لله. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14759

هل يبلغ عن الموظف الذي يدخل المواقع الإباحية [السُّؤَالُ] ـ[أنا مدير لشبكة إنترنت في إحدى الجهات، وقبل أيام ارتبت في استخدام أحد الموظفين لشبكة الإنترنت فوضعت برنامج للمراقبة، وبعد أيام وجدت أن هذا الرجل يدخل مواقع إباحية - عياذاً بالله -، وإلى الآن لا يعرف أحد سواي أمر ذلك الموظف، فاحترت جداً كيف أتصرف معه مع العلم بأن المدير لو علم لقام بفصله من العمل مباشرة ... . هل أكلم الشخص بيني وبينه وأنصحه؟ أم هل أخبر المسئول الذي فوقي بأمره ويحصل ما يحصل؟ أم هل أمنعه من استخدام الإنترنت وفي هذا الحال كيف سيكون العذر لمنعه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إذا ثبت أن الموظف يدخل المواقع الإباحية، فالواجب نصحه وتحذيره، ودعوته وإرشاده، وتذكيره بالمفاسد والمحاذير والآثام التي تترتب على دخول هذه المواقع، فإن استجاب فالحمد لله، وإن استمر في ذلك، فلا حرج أن تبلغ مدير المركز ليتخذ في حقه الإجراء المناسب، وقد جوّز أهل العلم ذكر عيب الإنسان وسيئته للاستعانة على تغيير المنكر، إذا لم يمكن تغييره إلا بذلك. قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: " لَكِنْ تُبَاح الْغِيبَة لِغَرَضٍ شَرْعِيّ , كالاسْتِغَاثَة عَلَى تَغْيِير الْمُنْكَر , وَرَدّ الْعَاصِي إِلَى الصَّوَاب , فَيَقُول لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَته: فُلان يَعْمَل كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ وَنَحْو ذَلِكَ ... " انتهى بتصرف. ولكن.. ليكن ذلك بعد مناصحته ووعظه سراً. وفقنا الله وإياك لطاعته ومرضاته. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14760

رأت منكرات على أم زوجها فهل تأثم بإخبار زوجها؟ وكيف يتصرف معها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أريد طرح سؤال، وأتمنى الرد على بريدي الالكتروني، أم زوجي امرأة مطلقة، وفاسقة، فهي تجمع عندها بنات ساقطات، تتركهم يخرجون ليلاً مع بناتها بلباس عاري، وهي تفعل هذا أمامي، ترددت كثيراً في إخبار زوجي، لكنني لم أتحمل نظرات الناس لي ولزوجي، عندما آتي عندهم أحس بالإحراج؛ لأن زوجي يظهر كالمغفل، فقررت إخباره بالقليل تفادياً لإحراجه، فقال: إنه يعرف القليل، وقد سبق وأنذرها، لكنها لم تبالي، وهو يشعر بالخجل عندما يذهب عندها، فقرر أن يقطع هذه الصلة، فهل عليه إثم أو ذنب في ذلك؟ وهل أنا عليَّ ذنب لأني أخبرته؟ . أرجو منكم الرد قريبا، ولكم مني جزيل الشكر.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لستِ آثمة في إخبار زوجك بتصرفات والدته وبناتها، وهذا هو الذي أوجبه الله تعالى عليكِ؛ لأن ما رأيتيه من تصرفاتها منكر وفحش، لا بدَّ من إنكاره، والسعي في تغييره، إما بنفسه، أو بالاستعانة بغيره ممن يقدر على الإنكار أو التغيير. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) . رواه مسلم (٤٩) . قال النووي ﵀: قال القاضي عياض ﵀: هذا الحديث أصل في صفة التغيير، فحق المغيِّر أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به، قولاً كان، أو فعلاً، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر بنفسه، أو يأمر من يفعله، وينزع الغصوب – أي: الأشياء المغصوبة - ويردها إلى أصحابها بنفسه، أو بأمره إذا أمكنه ... .وإن وجد مَن يستعين به على ذلك: استعان. " شرح مسلم " (٢ / ٢٥) . ثانياً: الواجب على زوجكِ أن ينكر منكر أمه، وأن يبذل جهده في تغييره، ويبدأ الإنكار على والدته برفق، فصاحب المعصية في غفلة، وجهالة، ويحتاج لمن يترفق به ليدله على قبح فعله، وشناعة معصيته، وإذا كان الرفق مطلوباً مع الآخرين أن يُبذل لهم فإنه مع الوالدة يكون أشد طلباً، فإن نفع الرفق فهو خير، وإلا جاز له استعمال الغلظة والشدة، إذا رأى نفعها. قال النووي – ﵀: وأما قوله ﷺ " فليغيِّره ": فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: الكتاب، والسنَّة، وإجماع الأمة، وهو - أيضاً - من النصيحة التي هي الدِّين. " شرح مسلم " (٢ / ٢٢) . وقال ﵀: قال القاضي عياض ﵀: ويرفق في التغيير جهده، بالجاهل، وبذي العزة الظالم المخوف شرُّه؛ إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله، كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح، والفضل لهذا المعنى. ويغلظ على المتمادي في غيِّه، والمسرف في بطالته، إذا أمن أن يؤثر إغلاظه، منكراً أشد مما غيره؛ لكون جانبه محميّاً عن سطوة الظالم. فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبِّب منكراً أشد منه: من قتله، أو قتل غيره، بسبب كف يده: اقتصر على القول باللسان، والوعظ، والتخويف، فإن خاف أن يسبِّب قوله مثل ذلك: غيَّر بقلبِه، وكان في سعة، وهذا هو المراد بالحديث إن شاء الله تعالى، وإن وجد مَن يستعين به على ذلك: استعان. " شرح مسلم " (٢ / ٢٥) . وسئل علماء اللجنة الدائمة: حديث " تغيير المنكر " هل المقصود لكي يتغير المنكر أن نترك المكان الذي به منكر، أم نظل، ونكرهه، وننكره بقلوبنا؟ . فأجابوا: المسلمون في إنكار المنكر درجات، منهم من يجب عليه إنكار المنكر بيده، كولي الأمر، ومن ينوب عنه، ممن أعطي صلاحية لذلك، كالوالد مع ولده، والسيد مع عبده، والزوج مع زوجته؛ إن لم يكُف مرتكب المنكر إلا بذلك، ومنهم مَن يجب عليه إنكاره بالنصح، والإرشاد، والنهي، والزجر، والدعوة بالتي هي أحسن، دون اليد، والتسلط بالقوة؛ خشية إثارة الفتن، وانتشار الفوضى، ومنهم من يجب عليه الإنكار بالقلب فقط؛ لضعفه نفوذاً، ولساناً، وهذا أضعف الإيمان، وقد بيَّن النبي ﷺ ذلك في قوله: (مَن رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وإذا كانت المصلحة الشرعية في بقائه في الوسط الذي فشا فيه المنكر أرجح من المفسدة، ولم يخش على نفسه الفتنة: بقي بين من يرتكبون المنكر، مع إنكاره حسب درجته، وإلا هجرهم محافظة على دينه. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٢ / ٣٣٥) . فأنتِ ترين من كلام العلماء أن على المنكِر، والراغب بتغيير المنكر أن يسلك الطرق الحكيمة في ذلك، فيرغِّب حيث ينفع الترغيب، ويرهِّب حيث يُجدي الترهيب، ويستعمل لسانه في حال، ويده في حال، والمنكَر الذي يراه الولد على أمه وأبيه ليس مثل أن يراه على ابنه أو ابنته، فهو في الحال الثانية يملك أن يباشر التغيير باليد، بخلاف حاله مع أمه وأبيه. وتبين لنا – أيضاً – أنه لا مانع من أن يبقى زوجكِ على علاقة مع أمه حتى لو استمرت على فعل المنكر إن رأى أن في ذلك مصلحة شرعية، كما لو كان في بقائه معها ما يدعوها إلى ترك المنكر، أو التقليل منه، ولا يبدأ بالهجر؛ لأن الهجر لا يراد لذاته في الشرع، بل لما يؤدي إليه من نفع وفائدة للمهجور، أو من خطر على الهاجر، فإن رأى زوجكِ أن بقاءه على علاقة مع أمه فيه نفع لها، أو كف لشرٍّ أكبر: بقي معها، ولم يهجرها، وإن رأى خطراً على حياته وحياة أسرته وأولاده، أو دينه، أو عرضه، هو وأسرته، من تلك العلاقة، ولم ير نفعاً لها لقربه منها: جاز له الهجر حفاظاً على دينه، وعلى دين أسرته. ثالثاً: منكر البنات هو أيضاً مما يجب على زوجك أن ينكره عليهن، وأن يسعى في تغييره، وليستعن على ذلك بربه تعالى أن يوفقه لهذا، وليستعن بأشقائه، أو بأحدٍ من أقربائه عليهن، وليعلموا أنه يجب عليهم جميعاً السعي لكفهنَّ عن الخروج والتبرج وصحبة الفاسقات، وإذا لم ينفع التلطف في الإنكار والتغيير: جاز لهم حبس الأم وبناتها في البيت، وجاز لهم تقييدهن جميعاً، مع البر والإحسان إليهن بالطعام والكسوة، وهذا الفعل قد يستطيعه أناس وقد يكون مستحيلاً على آخرين، ويمكن أن لا يترتب عليه شيء في بلد، ويترتب عليه أشياء كثيرة تضر بهم في بلد آخر، فليقدروا ذلك، وإنما أردنا بيان جواز ذلك، فإن رأوا قدرتهم على ذلك، وعدم ترتب مفسدة عليه: فليبادروا لفعله. سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عن امرأة مزوجة بزوج كامل، ولها أولاد، فتعلقت بشخص من الأطراف أقامت معه على الفجور، فلما ظهر أمرها: سعت في مفارقة الزوج، فهل بقي لها حق على أولادها بعد هذا الفعل؟ وهل عليهم إثم في قطعها؟ وهل يجوز لمن تحقق ذلك منها قتلها سرّاً؟ وإن فعل ذلك غيره يأثم؟ . فأجاب: الواجب على أولادها وعصبتها أن يمنعوها من المحرمات، فان لم تمتنع إلا بالحبس: حبسوها، وإن احتاجت إلى القيد: قيدوها، وما ينبغي للولد أن يضرب أمَّه، وأما برُّها: فليس لهم أن يمنعوها برَّها، ولا يجوز لهم مقاطعتها بحيث تتمكن بذلك من السوء، بل يمنعوها بحسب قدرتهم، وإن احتاجت إلى رزق وكسوة رزقوها وكسوها، ولا يجوز لهم إقامة الحد عليها بقتل ولا غيره، وعليهم الإثم في ذلك. " مجموع الفتاوى " (٣٤ / ١٧٧، ١٧٨) . وانظري أجوبة الأسئلة: (١٠٠٨١) و (١١٤٠٣) و (٣٣٧٥٧) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14761

مسئولية أصحاب المواقع والمشرفين عليها عن وجود المنكرات والصور المحرمة [السُّؤَالُ] ـ[ينتشر في المواقع والمنتديات صور النساء.. والأغاني والمنكرات , ما حكم فتح منتديات وأقسام في المواقع للأغاني والطرب والفن والسينما والفضائيات؟ وهل على المشرف العام وصاحب الموقع والأعضاء عامة إثم في أي مشاركة؟ فالبعض يتعذر بقوله "لم نجبر أحداً على إضافة صور النساء في المواضيع والتواقيع والصور الشخصية" كذلك هل على المشرف أو المدير أو صاحب الموقع إثم في حالة أن العضو يضع صورا نسائية في توقيعه ومشاركاته؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لا يجوز فتح مواقع أو أقسام للغناء والطرب ولا لأخبار المغنيين والفنانين والأفلام ونحوها، لما في ذلك من نشر المنكرات والدعاية والإعانة عليها. وقد دلت الأدلة الصحيحة على تحريم استماع الموسيقى، وتحريم الاختلاط، وكشف العورات في الواقع أو في الأفلام ونحوها، وينظر في ذلك جواب السؤال رقم (٥٠٠٠) ورقم (١٢٠٠) وعليه؛ فالواجب إنكار هذه المنكرات ومحاربتها، لا تشجيعها ولا الدلالة أو الإعانة عليها، ومن أعان على المنكر أو دل عليه كان شريكا لفاعله في الإثم. قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/٢، وقال النبي ﷺ : (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا) رواه مسلم (٤٨٣١) . ثانيا: تصوير ذوات الأرواح من الإنسان والطير والحيوان، ووضع ذلك في المنتديات، أو الاحتفاظ بها للذكرى، لا يجوز؛ لعموم الأدلة في تحريم التصوير، ولعن فاعله، وانظر جواب السؤال رقم (٢٢٦٦٠) ، (٨٩٥٤) . ولا يستثنى من ذلك إلا ما كان لضرورة أو حاجة ماسة، كصور إثبات الشخصية ونحوها. ويدخل ضمن التصوير المحرم رسم الصور الكرتونية المتخيلة أو المشوهة لذوات الأرواح؛ لما روى مسلم (٢١٠٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَّرْتُ عَلَى بَابِي دُرْنُوكًا فِيهِ الْخَيْلُ ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ، فَأَمَرَنِي فَنَزَعْتُهُ. والدُّرنوك: هو نوع من الستائر. فدل الحديث على المنع من تصوير ذوات الأرواح، ولو كان ذلك بصور خيالية غير موجودة في الواقع، لأنه لا يوجد في الواقع خيل لها أجنحة. وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/٤٧٩) : " مدار التحريم في التصوير كونه تصويرا لذوات الأرواح، سواء كان نحتا، أم تلوينا في جدار أو قماش أو ورق، أم كان نسيجا، وسواء كان بريشة أم قلم أم بجهاز، وسواء كان للشيء على طبيعته أم دخله الخيال فصغر أو كبر أو جمل أو شوه أو جعل خطوطا تمثل الهيكل العظمي. فمناط التحريم كون ما صور من ذوات الأرواح ولو كالصور الخيالية التي تجعل لمن يمثل القدامى من الفراعنة وقادة الحروب الصليبية وجنودها، وكصورة عيسى ومريم المقامتين في الكنائس. . إلخ، وذلك لعموم النصوص، ولما فيها من المضاهاة (يعني لخلق الله) ، ولكونها ذريعة إلى الشرك " انتهى. ثالثا: وضع صور النساء في المنتديات، عمل قبيح، لما فيه من استعمال التصوير المحرم، ولما فيه من إثارة الفتن وتهييج الشهوات، والواجب على القائمين على الموقع أن يمنعوا ذلك؛ لأن إنكار المنكر وإزالته واجب على من قدر عليه؛ لقوله ﷺ : (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) رواه مسلم (٤٩) . وتعذر البعض بقولهم: "لم نجبر أحداً على إضافة صور النساء في المواضيع والتواقيع والصور الشخصية" لا يفيدهم؛ لأنهم مأمورون بإنكار المنكر كما سبق. وإذا وضع المشارك صورة محرمة، أثم بذلك، وأثم من سكت عن إزالة المنكر، من مشرفٍ أو مسئول، وقد حلت اللعنة ببني إسرائيل لقعودهم وسكوتهم عن إنكار المنكر بينهم، كما قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) المائدة/٧٨، ٧٩ وأخبر ﷺ أن عاقبة السكوت على المنكر هي الهلاك العام، والعقوبة العامة، كما روى البخاري (٢٤٩٣) عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا، جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا) . فوصيتنا لأصحاب المواقع والمنتديات والمشرفين عليها أن يتقوا الله تعالى، وأن يضعوا الضوابط التي تمنع الأعضاء من نشر المنكرات أو الترويج لها، وأن يزيلوا كل منكر ينشر في مواقعهم؛ لأنهم مسئولون عن ذلك، وألا تحملهم الرغبة في تكثير المشاركين على تجاوز حدود الله، والمشاركة في الإثم بإقراره والسكوت عليه. نسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14762

هل يكرر النهي والتذكير، كلما تكرر نفس المنكر ؟! [السُّؤَالُ] ـ[يراودني كثيرا أن أنهى عن المصافحة المحرمة بين أهلي وأقاربي، لأن هذه العادة المحرمة القبيحة انتشرت عندنا كثيرا، وقد سبق لي وأن نهيت بعض أقاربي عن ذلك، ولكنني الآن أسأل، هل يجب علي أن أنهاهم في كل مرة أراهم يتصافحون، لأن ذلك يؤلمني كثيراً، أم سأنهاهم مرة وأتركهم مرة؟ وأخيرا هل سأنهاهم وهم مجتمعون يعني في الملأ، خاصة إذا كان فيهم واحد فقط يصافح؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فالأمر كما تفضلت أخي الكريم أن مصافحة النساء للرجال الأجانب منكر دلت النصوص على تحريمه، فقد قال النبي ﷺ : (لَأَنْ يُطَعْنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطِ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ) . رواه الطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم (٥٠٤٥) وفي صحيح مسلم (١٨٦٦) عن عروة أن عائشة أخبرته عن بيعة النساء قالت: " ما مس رسول الله ﷺ بيده امرأة قط إلا أن يأخذ عليها فإذا أخذ عليها فأعطته، قال: اذهبي فقد بايعتك ". والمنكر يجب تغييره على من رآه من المكلفين وكان قادراً على ذلك، فقد قال النبي ﷺ : (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) رواه مسلم (٧٠) من حديث أبي سعيد. قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: (قوله ﷺ "فليغيره " أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهو أيضاً من النصيحة التي هي الدين.) انتهى. وقال العلامة القرافي ﵀ في الفروق (٤/٢٥٧) : " قال العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الفور إجماعاً فمن أمكنه أن يأمر بمعروف وجب عليه " انتهى. وقال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم في بيان من يجب عليه إنكار المنكر: " ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين –أي يصير واجباً على شخص بعينه- كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على المنكر أو تقصير في المعروف، قال العلماء ﵃: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين " انتهى. فإنكار المنكر إذا لا يتقيد بعدد بحيث ينكر مرة أو مرتين ثم يترك؛ بل من رأى منكرا وقدر على إنكاره، وجب عليه ذلك. لكن اختلف العلماء في مسألة الإنكار على من يظن أنه لا ينزجر عن المنكر بالإنكار عليه فمنهم من يرى وجوب الإنكار عليه إعذاراً إلى الله، وتأميلا في أن ينتفع الموعوظ، وهو ظاهر كلام النووي السابق. ومنهم من يرى عدم الوجوب لكنه يستحب عنده. قال العلامة السفاريني الحنبلي ﵀ في غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (١/٢١٥) : " وقال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين النووية: حكى القاضي أبو يعلى روايتين عن الإمام أحمد في وجوب إنكار المنكر على من يعلم أنه لا يقبل منه وصحح القول بوجوبه وهو قول أكثر العلماء، وقد قيل لبعض السلف في هذا فقال يكون لك معذرة " انتهى. وبهذا يتبين أنه: إن كنت قادراً على النهي عن هذا المنكر، دون أن يترتب على ذلك مفسدة أعظم، كأن يعاند من تنكر عليه فيصرح باستحلال المحرم، أو الجرأة على الشريعة وأحكامها، أو نحو ذلك من المنكرات التي قد تترتب على إنكار المنكر، خاصة إذا صاحبه غلظة من الآمر، أو إحراج له أمام من لا يحفظ هيئته عنده، فإذا وجدت هذه القدرة: فإنه يجب عليك أن تنكر هذا المنكر وإن ظننت أنهم لن ينتهوا عن ذلك، وينبغي أن تتلطف بمن تنكر عليه قدر الاستطاعة لعل ذلك يكون سبباً في قبوله النصح. وأما هل تنكر هذا المنكر سراً أو جهراً، فالجواب أن الأصل أنه من أظهر المنكر أنكر عليه جهراً، ومن أسر به لم تجز المجاهرة بالإنكار عليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى الكبرى (٣/٤٣٤) : " وأما إذا أظهر الرجل المنكرات وجب الإنكار عليه علانية ولم يبق له غيبة " انتهى. لكن مسألة الإسرار أو الجهر ترجع ـ في الحقيقة ـ إلى فقه المصلحة المرجوة من كل منهما، فإن غلب على الظن أن الفاعل ينتفع بالإسرار، ويعاند بالعلانية، وجب الإسرار له، والتلطف في أمره، ثم كل حال هنا بحسبها، وقد جعل الله لكل شيء قدرا. وفي الختام نذكرك أيها الأخ الحبيب بثواب الله تعالى لمن تصدى لدعوة الناس إلى الخير وتذكيرهم به. فقد قال النبي ﷺ : (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون - أي يدعون بالخير- على معلم الناس الخير) رواه الترمذي (٢٦٠٩) وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم (١٨٣٨) وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجوب

стр. 14763

تدمير المواقع الإباحية [السُّؤَالُ] ـ[هل تدمير أو اختراق مواقع وسيرفرات المواقع الإباحية والشاذة - أعاذنا الله منها - هل هو حرام أم حلال؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إنَّ مِن عظيم ما ابتُلي به الناس في هذه الأزمان، وتفردوا به عن سائر القرون الماضية، ما يرونه ويشاهدونه من انتشار العري والتهتك والإباحية، وألوان الشهوة التي لا يردعها خُلُق ولا حياء ولا دين، حتى غدت أجساد النساء أرخص سلعة، وأهون بضاعة، ولم تكد بيوت المسلمين تسلم من شررها ولا خطرها، فهي موجودة في التلفاز والإنترنت وفي الشوارع والطرقات وفي الكتب والصحف والمجلات والجوالات، تتنافس في قلة الحياء وتتسابق إلى استحواذ قلوب الناس والتأثير فيها. ولعل مِن أعظمها خطرا وأشدها ضررا مواقع " الإنترنت " الإباحية، لسهولة الوصول إليها، ولكثرتها وتنوعها وزيادة أعدادها المخيفة، مما ينبئ عن خطر عظيم يهدد البشرية كلها، حين تغدو الخطيئة ديدنها، وتضيع قيم الحياء والعقل والإيمان في أودية الفاحشة، فلتستعد حينئذ للعقاب الإلهي أو للهلاك الكوني الذي تقضي به سنة الله لكل من انحرف عن الفطرة وأوغل في الطغيان. يقول الله : (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الروم/٤١. ولما جاء الإسلام داعيا إلى الإصلاح والتطهير، أوجب على كل من التزمه وآمن بمبادئه السعي الجاد في تخليص الناس من الشر وتحذيرهم منه، في مبدءٍ عظيم من مبادئ هذا الدين " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "، والذي هو واجب شرعي على جميع المسلمين، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته. وليس لأدوات الفساد حرمةٌ في الشريعة الإسلامية، بل ولا تعترف الشريعة بماليتها، فهي موادٌ مُهدَرَةٌ، حقُّها الإتلاف، وفرضها التدمير والإهلاك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ – كما في "مجموع الفتاوى" (٢٨/١١٣) -: " المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعا لها، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها، فإذا كانت حجرا أو خشبا ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها، وكذلك آلات الملاهي: مثل الطنبور، يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء، وهو مذهب مالك وأشهر الروايتين عن أحمد، ومثل ذلك أوعية الخمر، يجوز تكسيرها وتخريقها، والحانوت الذي يباع فيه الخمر، يجوز تحريقه، وقد نص أحمد على ذلك هو وغيره من المالكية وغيرهم، واتبعوا ما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي وقال: إنما أنت فويسق لا رويشد. وكذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أمر بتحريق قرية كان يُباع فيها الخمر. رواه أبو عبيدة وغيره؛ وذلك لأن مكان البيع مثل الأوعية، وهذا أيضا على المشهور في مذهب أحمد ومالك وغيرهما " انتهى. وانظر: "الموسوعة الفقهية" (٣٦/٣٤) . ولكن الذي نراه في شأن المواقع الإباحية أنها مسؤولية الدولة والمؤسسات العامة والمراكز المتخصصة، وليست مسؤوليةً فردية، ونرى أن الخطر الذي قد تجره هذه المواقع على أفراد المسلمين الذين يحاولون تدميرها وإفسادها – ولو بلغوا من الإيمان والتقوى مراتب عالية - أعظم من قدر الجهد الذي يبذلون، والنتائج التي يحصلون، وذلك أنه ليس بوسع أحد اليوم القضاء على جميع المواقع الفاسدة، ولا حتى على معشار معشارها، فالعلاج سيكون باتخاذ وسائل الحذر والحماية العامة، بحجب المواقع الفاسدة في الدول الإسلامية، وتطوير البرامج لمراقبة هذا الحجب، ونشر الوعي والحذر العام، وهذه جهود لا تستطيعها إلا المؤسسات والدول، وليس الأفراد الذين يقعون ضحية عاطفتهم نحو التغيير، فيتعلق في قلوبهم من مفاسد هذه المواقع ما لم يكن بالحسبان، وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (٣٩٩٢٣) كي يكون المسلم على حذر، فلا يفقد شيئاً من دينه وخلقه، في سبيل تحقيق حلم بعيد المنال. وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٧/١٢١-١٢٢) : " على المسلم أن يغض بصره عن النظر في تلك المجلات الفاسدة؛ طاعة لله ولرسوله ﷺ ، وبعدا عن الفتنة ومواقعها، وعلى الإنسان ألا يدعي العصمة لنفسه، فقد أخبر النبي ﷺ أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: كم نظرة ألقت في قلب صاحبها البلاء. ويجب على مَن وَلَاّه الله على أي من بلاد الإسلام أن ينصح للمسلمين، وأن يجنبهم الفساد وأهله، ويباعدهم عن كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم، ومن ذلك منع هذه المجلات المفسدة من النشر والتوزيع، وكف شرها عنهم، وهذا من نصر الله ودينه، ومن أسباب الفلاح والنجاح والتمكين في الأرض، كما قال الله سبحانه: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقَِةُ الْأُمُورِ) الحج/٤٠-٤١. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14764

هل تساعد صديقتها في شراء منزل بقرض ربوي ؟ [السُّؤَالُ] ـ[عندي صديقة تريد شراء منزل بقرض ربوي، وهي تطلب مني أن أخرج معها للبحث عن هذا المنزل، وإعطائها رأيي فيه، فماذا علي أن أفعل؟ هل علي إثم إن قبلت؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الربا من الأمور المحرمة في الشريعة الإسلامية تحريماً قطعياً؛ قال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة /٢٧٥، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) البقرة / ٢٧٨. وروى مسلم (١٥٩٨) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ) . فالنصوص السابقة تدل على حرمة الربا سواء أخذه الإنسان؛ لأجل أن يشتري به بيتاً أم أخذه لغير ذلك. وانظري جواب سؤال رقم (٩٠٥٤) . فإذا تبين لكِ أن فعل صديقتك محرم، فإنه لا يجوز لكِ مساعدتها على ذلك؛ لأن المسلم لا يجوز له أن يعين أخاه على أمر محرم، قال الله تعالى: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة / ٢، بل الواجب عليكِ هو النصح والإرشاد لصديقتك؛ لعل الله أن يهديها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14765

تشغيل القرآن في غرفة الشات الصوتي التي بها الأغاني [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم تشغيل القرآن في الشاتات الصوتية التي فيها أغاني وفتح كاميرات؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا العمل غير مشروع، وقد يكون سبباً في النفور من القرآن وعدم احترامه، والرغبة في توقف القراءة، هذا مع الانشغال عنه، وعدم الإصغاء له، وربما صاحب ذلك فعل المنكرات أيضا. وعلى من أراد النصيحة أن يدخل ويبين الحكم الشرعي في الأغاني والصور، ولا يكتفي بقراءة القرآن أو تشغيل المسجل. قال النووي ﵀ في "التبيان في آداب حملة القرآن" ص (٩٢) : " ومما يعتنى به ويتأكد الأمر به احترام القرآن من أمور قد يتساهل فيها بعض الغافلين القارئين مجتمعين. فمن ذلك: اجتناب الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة إلا كلاما يضطر إليه، وليمتثل قول الله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) ... ومن ذلك: العبث باليد وغيرها، فإنه يناجي ربه ، فلا يعبث بين يديه. ومن ذلك: النظر إلى ما يلهي ويبدد الذهن. وأقبح من هذا كله: النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه كالأمرد وغيره ... وعلى الحاضرين مجلس القراءة إذا رأوا شيئا من هذه المنكرات المذكورة أو غيرها أن ينهوا عنه حسب الإمكان باليد لمن قدر، وباللسان لمن عجز عن اليد وقدر على اللسان، وإلا فلينكر بقلبه والله أعلم " انتهى. وذكر البهوتي ﵀ في "كشاف القناع" (١/٤٣٣) عن ابن عقيل ﵀ أنه قال بتحريم القراءة في الأسواق يصيح أهلها فيها بالنداء والبيع، ونقل عنه أنه قال: " قال حنبل: كثير من أقوال وأفعال يخرج مخرج الطاعات عند العامة , وهي مآثم عند العلماء , مثل القراءة في الأسواق , يصيح فيها أهل الأسواق بالنداء والبيع، ولا أهل السوق يمكنهم الاستماع، وذلك امتهان " انتهى. وقد وُجه للجنة الدائمة للإفتاء سؤال هذا نصه: " يتوفر للمستشفى التخصصي وسائل اتصالات داخلية جيدة تسمح للمخاطب بمقاطعة المكالمة القادمة والانتقال إلى مكالمة أخرى مدة تطول أو تقصر حسبما تدعو الحاجة ثم العودة إلى المكالمة الموقوفة، وخلال فترة الانقطاع المذكورة يمكن للمتكلم أن يستمع إلى مادة مسجلة مناسبة، ولقد رغبنا أن نملأ فترة الانقطاع هذه بمادة دينية، سواء مقاطع من القرآن الكريم أو من الأحاديث الشريفة. وحيث إنه قد يتخلل الانقطاعات أمور دنيوية يدخل فيها الجد والهزل حسب مكانة وظرف المتحدثين فقد رأينا الاستئناس برأي سماحتكم قبل إدخال مثل هذه المواد الدينية. فأجابت: " أولا: لا يجوز قطع المكالمة أو وقفها؛ لما في ذلك من الأذى، إلا لمقتض يدعو إلى ذلك، كإساءة المتكلم إساءة لا تزول إلا بقطعها أو طروء أمر ضروري أو أصلح يدعو إلى وقفها أو قطعها. ثانيا: القرآن الكريم: كلام الله تعالى، فيجب احترامه وصيانته عما لا يليق به من خلطه بهزل أو مزاح يسبق تلاوته أو يتبعها، ومن اتخاذه تسلية أو ملء فراغ مثل ما ذكرت، بل ينبغي القصد إلى تلاوته قصدا أوليا؛ عبادة لله وتقربا إليه، مع تدبر معانيه والاعتبار بمواعظه، لا لمجرد التسلية والتفكه وملء الفراغ، وكذلك أحاديث النبي ﷺ لا يجوز خلطها بالهزل والدعابات، بل تجب العناية بها، وصيانتها عما لا يليق، والقصد إليها لفهم أحكام الشرع منها والعمل بمقتضاها " انتهى. عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد الرزاق عفيفي......عبد الله بن غديان ... عبد الله بن قعود " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (٤/٨٤) . ولاشك أن ما يجري في الشاتات الصوتية أعظم بكثير مما ورد في سؤال اللجنة، ولهذا نقول: يجب صيانة القرآن عن هذه المواطن، فإن القرآن أعظم من أن يوضع بإزاء الأغاني، وأن يتلى على أسماع اللاهين الغافلين، فضلا عن العاكفين على شيء من المحرمات. ولا ننصح بالدخول على هذه المواقع والبرامج، إلا للداعية المتزود بالعلم والبصيرة التي تدفع الشبهات، والمتحصن بالإيمان القوي الذي يحجز عن الشهوات. ولينشغل الإنسان بما ينفعه، وليستفد من المواقع الصالحة النقية، فإن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، وقد يدخل الداخل لغرض النصح، فما يلبث أن يصبح أحد المفتونين، نسأل الله العافية. وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14766

هل يلزم لإنكار المنكر إزالته بالكلية أم يكفي التخفيف منه [السُّؤَالُ] ـ[إذا أردت إنكار منكر فلم نستطع إزالته ولكن يمكن التخفيف منه فهل نتدخل لأجل ذلك؟ أو نقول إما أن نزيله بالكلية أو لا نفعل شيئاً؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الصحيح أننا يجب أن نزيل المنكر بقدر الاستطاعة ونجعل الجهد أولاً والمحاولة لإزالته بالكلية فإن عجزنا وأمكن أن نخفف منه أو من بعض آثاره فإن قواعد الشريعة تقتضي أن نقوم بذلك، خصوصاً وأننا نعيش في عصر تكثر فيه الغلبة للأشرار وكثيراً ما لا يتمكن الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والدعاة إلى الله من تحقيق كل ما يريدون فلا أقل من تخفيف الشر والميسور لا يسقط بالمعسور، وما لا يدرك كله لا يترك جله، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها غير أنه لا بد من التأكيد على أصل القضية وهو أن على الداعية الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن لا يرضى بأنصاف الحلول بإن إن عجزنا أو الاكتفاء بالتخفيف من المنكر ما أمكنه إزالته بالكلية. وكثيراً ما يكتفي الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بالتخفيف من المنكر دون العمل على إزالته.. كمن يأمر المرأة التي أظهرت الكثير من مفاتنها للأجانب بأن تغطي ذلك سوى الوجه والكفين، مع أنه يمكنه أن يأمرها بالحجاب الكامل. وكمن يمر بمن يظهر أصوات الغناء والمعازف فيأمره بأن يخفض من صوت ذلك المنكر. وكمن يطلب منه تعليم النساء أو الفتيات فيشترط أن يتحجبن وأن لا يخضعن بالقول، مع أنه يمكنه أن يفرض حاجزاً بينه وبينهن فيسمعن صوته دون أن يراهن. ومن أدلة هذه المسألة من القرآن ما صنعه موسى ﵇ مع العجل الذي عبده بنو إسرائيل وعكفوا عليه فقال: (لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفاً) طه/٩٧. ومن السنة ما فعله النبي ﷺ مع مسجد الضرار الذي اتخذه المنافقون فأمر بإحراقه بعد هدمه. ومن ذلك أيضاً ما أخرجه البخاري وغيره من حديث ابن مسعود ﵁ قال: (دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) رواه البخاري. ومن هذا الباب ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (قال لي رسول الله ﷺ : ألا تريحني من ذي الخلصة؟ فقلت: بلى، فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فضرب يده على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري، وقال اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً، قال: فما وقعتُ عن فرس بعد. قال: وكان ذو الخلصة بيتاً باليمن لجثعم وبجيلة وفيه نصب تُعبد يقال له الكعبة، قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها. قال: ولما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسول رسول الله ﷺ ها هنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك. قال: فينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال لتكسرنها، ولتشهدن أن لا إله إلا الله، أو لأضربن عنقك، قال: فكسرها وشهد، ثم بعث جرير رجلاً من أحمس يكنى أبا أرطأة إلى النبي ﷺ يبشره بذلك فلما أتى النبي ﷺ قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فبرك النبي ﷺ على خير أحمس ورجالها خمس مرات) . والشاهد في هذا الحديث في موضعين: الأول: ما فعل بذي الخلصة، والثاني: موقفه من صاحب الأزلام.. قال في الفتح: (وفي الحديث مشروعية إزالة ما يفتتن به الناس من بناء وغيره سواء كان إنساناً أو حيواناً أو جماداً) ا. هـ. ٨/٧٣. ومن ذلك أنه لما أرسل خالد بن الوليد ﵁ إلى العزى وقطع السمرات الثلاث وهدم البيت.. فلما أخبره بما صنع، أخبره النبي ﷺ بأنه لم يصنع شيئاً، ثم أمره بأن يعود إليها حتى وجد تلك المرأة العارية نافشة شعرها وتحثي التراب على رأسها فعلاها بالسيف.. فلما رجع للنبي ﷺ فأخبره، قال رسول الله ﷺ : (تلك العزى) . زاد المعاد ٣/٤١٤. وجاء عن بعض السلف أنه مر بغلمان يلعبون بالكجة - وهي حفر فيها حصي يلعبون بها - فسدها ونهاهم عنها. تفسير القرطبي ٨/٣٤٠. لكن لو عجز المحتسب عن إزالته بالكلية فإنه يعمل على التخفيف منه قدر الاستطاعة. قال ابن القيم ﵀ عند ذكره بعض الفوائد المستنبطة من غزوة تبوك: (ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها، وهدمها، كما حرق رسول الله ﷺ مسجد الضرار وأمر بهدمه، وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه، لما كان بناؤه ضراراً وتفريقاً بين المؤمنين ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله إما بهدم وتحريق، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أنداداً من دون الله أحق بالهدم وأوجب، وكذلك محالّ المعاصي والفسوق، كالحانات بيوت الخمارين وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر بن الخطاب قرية بكاملها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي وسماه فويسقاً، وحرق قصر سعد عليه لما احتجب فيه عن الرعية، وهم رسول الله ﷺ بتحريق بيوت تاركي حضور الجماعة والجمعة، فإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليه كما أخبر هو عن ذلك) ا. هـ. زاد المعاد ٣/٥٧١-٥٧٢. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 14767

بلده يكثر فيها التبرج، فهل يُنكر على المتبرجات في الشارع ؟ [السُّؤَالُ] ـ[عندنا في بلادنا وخصوصا الحي الذي أسكنه تبرج كبير وتشبه بالنصارى فهل علي أن أنهى بعض المتبرجات في الشارع عن التبرج أم أن في ذلك فتنة علي؟ وبالتالي أغض بصري وأنكر بقلبي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أظهر شعائر الإسلام، وهو صفة للأمة صاحبة الخيريّة، كما قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) آل عمران/١١٠. وله شروط وآداب سبق بيانها في جواب السؤال رقم (٩٦٦٦٢) . وإذا كان يترتب على الإنكار مفسدة أعظم، لم يجب، بل يحرم حينئذ؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها. وانشغال الشاب بالإنكار على كل متبرجة في طريقه – في بلد يكثر فيه التبرج - قد يكون سببا لفتنته، ولإساءة الظن به، مع شغل وقته وزمانه، لكن عليه أن يشتغل بدعوة قريباته وأهله، وأن يبين لهم حرمة التبرج، ووجوب الحجاب، ففي ذلك خير عظيم، وتقليل للمنكر والشر. وقد قرر جمع من أهل العلم أنه إذا غلب الظن عدم الاستجابة والانتفاع بالإنكار لم يجب. قال ابن رشد ﵀ في "البيان والتحصيل": " إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بثلاثة شروط: أحدها: أن يكون عارفا بالمعروف والمنكر. إذ لا يأمن من أن ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر لجهله بحكمهما. والثاني: أن لا يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكبر منه مثل أن ينهاه عن شرب الخمر فيؤول نهيه عن ذلك إلى قتل نفس وما أشبه ذلك. والثالث: أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له , وأن أمره مؤثر ونافع. فالشرطان: الأول والثاني مشترطان في الجواز، والشرط الثالث مشترط في الوجوب فإذا عُدم الشرط الأول والثاني لم يجز أن يأمر ولا ينهى , وإذا عدم الشرط الثالث ووجد الشرط الأول والثاني جاز له أن يأمر وينهى ولم يجب ذلك عليه " انتهى نقلا عن "المدخل" لابن الحاج (١/٧٠) باختصار. وقال الغزالي في الإحياء (٢/٣٢٨) : " إذا علِم أنه لا يفيد إنكاره، ولكنه لا يخاف مكروها فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها، لكن تستحب لإظهار شعائر الإسلام وتذكير الناس بأمر الدين " انتهى. وينظر: الفروق، للقرافي (٤/٢٥٥) . ومنه يعلم أنه إذا غلب على الظن عدم الاستجابة سقط الوجوب. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية , إذا قام به مَن يكفي سقط عن الناس , وإذا لم يقم به من يكفي: وجب على الناس أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر , لكن لابد أن يكون بالحكمة، والرفق، واللين؛ لأن الله أرسل موسى وهارون إلى فرعون وقال: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) طه/٤٤، أما العنف: سواء كان بأسلوب القول، أو أسلوب الفعل: فهذا ينافي الحكمة , وهو خلاف ما أمر الله به. ولكن أحياناً يعترض الإنسان شيء يقول: هذا منكر معروف , كحلق اللحية مثلاً , كلٌّ يعرف أنه حرام، خصوصاً المواطنون في هذا البلد , ويقول: لو أنني جعلتُ كلما رأيت إنساناً حالقاً لحيته - وما أكثرهم - وقفتُ أنهاه عن هذا الشيء: فاتني مصالح كثيرة , ففي هذه الحال: ربما نقول بسقوط النهي عنه؛ لأنه يفوِّت على نفسه مصالح كثيرة , لكن لو فرض أنه حصل لك اجتماع بهذا الرجل في دكان أو في مطعم أو في مقهى: فحينئذٍ يحسن أن تخوفه بالله , وتقول: هذا أمر محرم، وأنت إذا أصررت على الصغيرة صارت في حقك كبيرة , وتقول الأمر المناسب " انتهى من "لقاءات الباب المفتوح" (١١٠/٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14768

هل فعل أحد أفراد الأسرة لذنب اقترفه والدهم في الماضي من تعجيل العقوبة ؟! [السُّؤَالُ] ـ[هل عندما يعمل شخص ذنب، وبعد ذلك يكتشف أن ابنه أو أي شخص من عائلته عمل ذات الذنب، هل ذلك: كما تدين تدان، أم إنه تعجيل للعقوبة؟ وهل يجب أن يعاقب هذا الشخص الذي تحت مسئوليته وعمل الذنب؟ أم إنه يقول: إن هذا عقاب من الله لظلمه لنفسه، وبما كسبت يداه وإنه خارج إرادة الشخص الذي تحت مسئوليته؟ أرجو إفتاءنا، وجزاكم الله خير]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فإن الإنسان لا يؤاخذ بذنب غيره، كما قال الله سبحانه: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَاّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الأنعام:١٦٤، قال العلامة الشوكاني ﵀ في فتح القدير عند تفسير الآية: " أي لا يؤاخذ مما أتت من الذنب، وارتكبت من المعصية سواها؛ فكل كسبها للشر عليها لا يتعداها إلى غيرها " انتهى. ثم قال ﵀: " وقد قيل: إن المراد بهذه الآية في الآخرة، والأولى حمل الآية على ظاهرها، أعني العموم. " انتهى. وإذا كان كذلك فإن الله تعالى لا يقدر الذنب على إنسان مؤاخذة له بذنب غيره، ولكنه حكيم فيما يفعل، وهو أعلم أين يضع فضله. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في شفاء العليل (١/٧١) : (فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه كما هو أعلم حيث يجعل رسالته.) فهو سبحانه يهدي ويوفق من يشاء فضلا، ويخذل من يشاء عدلاً. ولكن شؤم المعصية قد يسري من شخص لآخر، لمجالسته له وإلفه لعمله؛ إذ ربما جره ذلك إلى موافقته في فعله، والاقتداء به، وربما كان في تقدير الله المعصية على قريب العاصي إساءة له، وتنغيص عليه؛ فكان في ذلك نوع من المجازاة له، ولكن مع اعتقاد أن الله قدر ذلك بتمام عدله وحكمته. ومن الكلام المأثور عن علي ﵁، في كتب الأدب: " من هَتك حجاب أخيه، هُتِك حجاب بنيه!! ". وفي قول الله تعالى: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) مريم: ٢٨ قال قتادة ﵀: " كانت من أهل بيت يُعرفون بالصلاح، ولا يُعرفون بالفساد؛ ومن الناس من يُعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يُعرفون بالفساد ويتوالدون به " تفسير الطبري (١٨/١٨٦) . وقال ابن كثير ﵀: "أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟! " تفسير ابن كثير (٥/٢٢٦) وقال الشيخ السعدي ﵀: " وذلك أن الذرية - في الغالب - بعضها من بعض، في الصلاح وضده " اهـ تفسير السعدي (٤٩٢) . وفي سنن أبي داود (٣٩٦٣) وغيره، وصححه الألباني، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ) ؛ أَيْ الزَّانِيَانِ وَوَلَدهمَا. قال شيخ الإسلام ﵀: " ولد الزنا إن آمن وعمل صالحا دخل الجنة، وإلا جوزي بعمله كما يجازى غيره، والجزاء على الأعمال لا على النسب، وإنما يذم ولد الزنا لأنه مظنة أن يعمل عملا خبيثا، كما يقع كثيرا؛ كما تحمد الأنساب الفاضلة لأنها مظنة عمل الخير؛ فأما اذا ظهر العمل فالجزاء عليه، وأكرم الخلق عند الله أتقاهم " اهـ مجموع الفتاوى (٤/٣١٢) . قال الشاعر: وَأَوَّلُ خبثِ الماءِ خَبثُ تُرابِهِ وَأَوَّلُ لُؤمِ القَومِ لُؤمُ الحَلائِلِ وليس ذلك كما قلنا من مؤاخذة الإنسان بذنب غيره في شيء؛ وإنما الطبع لص، والأيام دُول، والمعاصي ديون!! وكما أن الله تعالى يمن على عبده الصالح، ويُقر عينه بصلاح زوجه وذريته، فقد يكون من عقاب العاصي أن يرى شؤم معصيته فسادا في ذريته، أو معصية في أهله، نعوذ بالله من غضبه وشر عقابه. وأما تأديبه، بل وعقابه لشخص تحت رعايته، وقد وقع في نفس الذنب الذي وقع فيه هو من قبل، فنعم هذا واجب عليه أيضا: أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في بيته فيلزمه أن ينكر على من ولاه الله عليه إذا وقع في المعصية التي هو واقع فيها. قال العلامة السفاريني ﵀ في غذاء الألباب (١/٢١٩) : يجب على كل مؤمن مع الشروط المتقدمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو فاسقاً، حتى على جلسائه وشركائه في المصعية. انتهى. وقال العلامة زكريا الأنصاري ﵀ في أسنى المطالب (٤/١٨٠) : " لا يشترط في الآمر والناهي كونه متمثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه أن يأمر وينهى نفسه وغيره، فإن اختل أحدهما لم يسقط الآخر." انتهى. على أنه سوف يكون عيبا عليه، أي عيب، وشينا في حقه أي شين: أن يأمر الناس بالمعروف وينسى، وينهاهم عن المنكر الذي يأتيه: قال الله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) البقرة:٤٤،وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) الصف: ٢-٣. فليس له من مخرج من تلك الورطة، ولا علاج لذلك الفصام، إلا بالتوبة النصوح، والأخذ بعمل الخير، قبل أن يذوق وبال أمره: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) . قال الشاعر: يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليمُ تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي الضَّنا كيما يَصحّ بِهِ وَأَنتَ سَقيمُ لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتأتيَ مِثلَهُ عارٌ عَلَيكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ فابدأ بِنَفسِكَ فانهَها عَن غَيِّها فَإِذا اِنتَهَت عَنهُ فأنتَ حَكيمُ فَهُناكَ يُقبَلُ ما تَقولُ وَيَهتَدي بِالقَولِ منك وَينفَعُ التعليمُ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14769

هل يجب الإنكار كلما سمع نغمة الموسيقى في جوالات زملائه [السُّؤَالُ] ـ[كثر في كل مكان الموسيقى، وانتشرت حتى في الجولات والهواتف وأماكن العمل والأماكن العامة؛ فهل يأثم من يستمع؟ وهل عليه الإنكار؟ وهل قول الله يهديك إنكار؟ وهل كلما رن جوال احد الزملاء في العمل (مثلاً) يجب الإنكار عليه أم مره واحده تكفي؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: الاستماع إلى الموسيقى ووضعها في الجوالات والهواتف وأماكن العمل، منكر محرم؛ لأن النبي ﷺ قد نصّ على تحريم المعازف حيث قال: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ ... ) الحديث، رواه البخاري (٥٥٩٠) ـ تعليقا. وفي الحديث دليل على تحريم آلات العزف والطرب من وجهين؛ أولهما: قوله ﷺ : " يستحلون " فإنه صريح بأن المذكورات ومنها المعازف هي في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك القوم. ثانيا: قرن المعازف مع المقطوع بحرمته وهو الزنا والخمر، ولو لم تكن محرمة لما قرنها معها (السلسلة الصحيحة للألباني ١/١٤٠-١٤١ بتصرف) . وانظر السؤال رقم (٥٠٠٠) ففيه بيان أدلة تحريم استماع المعازف. ثانيا: الإثم في استماع المعازف ونحوها من الأصوات المنكرة، إنما هو لمن تعمد ذلك، دون من وصل إلى أذنه بغير قصد منه. قال المناوي ﵀: " وينبغي لمن سمعه [يعني: المزمار] سد أذنيه لكن لا يجب لقولهم لو كان بجواره ملاهي محرمة لم يلزمه النقلة ولا يأثم بسماعها بلا قصد " انتهى. فيض القدير (٣/٣٥٥) . ثالثا: يجب إنكار هذا المنكر على قدر الاستطاعة، باليد أو باللسان أو بالقلب؛ لما روى مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) . وهذا يقتضي الإنكار كلما وجد المنكر، وأمكن إنكاره، ولو تكرر ذلك، إلا أن يوقع صاحبه في حرج، أو يترتب عليه فوات مصلحة له، هي أهم وأعلى من ذلك إنكار ذلك المنكر. وانظر للأهمية جواب السؤال رقم (٩٦٦٦٢) . وقول الناهي عن المنكر مخاطبا فاعله: الله يهديك، هو نوع من الإنكار، ما دام يفهم منه الاعتراض وعدم الرضا على وجود هذا المنكر. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14770

هل يأثم إن رأى منكراً ولم ينكره ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل أنا محاسَب على كل منكر أراه؟ رأيت مثلا ناساً لا أعرفهم يسبون، أو يتشاجرون، أو رأيت أحداً يسمع الموسيقى، أو سمعت شيئاً خطأ عن السنَّة كحديث ضعيف أو ما شابه ذلك، هل أنا مسئول عنه / عنهم / يوم القيامة إذا لم أنصحهم؟!]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعائر الإسلام العظيمة، وقد عدَّها بعض العلماء من أركان الدين، والواجب على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وليس هذا لطائفة من المسلمين دون آخرين، بل هو واجب على كل من يعلم شيئاً من دين الله تعالى أن يبلِّغه أمراً أو نهياً. قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) آل عمران/١١٠. وقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران/١٠٤. وقال : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ سورة المائدة الآية. كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) المائدة/٧٨، ٧٩. قال ابن عطية – ﵀: والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين، فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه. انظر " تفسير القرطبي " (٦ / ٢٥٣) . ثانياً: ويُشترط لإقامة هذه الشعيرة شروط لا بدَّ من وجودها، وأكثرها يتعلق بالآمر الناهي، وبعضها يتعلق بذات الشعيرة. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: الشرط الأول: أن يكون عالماً بحكم الشرع فيما يأمر به أو ينهي عنه، فلا يأمر إلا بما علم أن الشرع أمر به، ولا ينهي إلا عما علم أن الشرع نهي عنه، ولا يعتمد في ذلك على ذوق، ولا عادة. الشرط الثاني: أن يعلم بحال المأمور: هل هو ممن يوجَه إليه الأمر أو النهي أم لا؟ فلو رأى شخصاً يشك هل هو مكلف أم لا: لم يأمره بما لا يؤمر به مثله حتى يستفصل. الشرط الثالث: أن يكون عالماً بحال المأمور حال تكليفه، هل قام بالفعل أم لا؟ فلو رأى شخصاً دخل المسجد ثم جلس، وشك هل صلي ركعتين: فلا يُنكر عليه، ولا يأمره بهما، حتي يستفصل. الشرط الرابع: أن يكون قادراً على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا ضرر يلحقه، فإن لحقه ضرر: لم يجب عليه، لكن إن صبر وقام به: فهو أفضل؛ لأن جميع الواجبات مشروطة بالقدرة والاستطاعة؛ لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن/١٦، وقوله: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) البقرة/٢٨٦. الشرط الخامس: أن لا يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفسدة أعظم من السكوت، فإن ترتب عليها ذلك: فإنه لا يلزمه، بل لا يجوز له أن يأمر بالمعروف أو ينهي عن المنكر. " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٨ / ٦٥٢ – ٦٥٤) مختصراً. ثالثاً: وإذا علمتَ أخي السائل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان من واجبات الشريعة، وتحققت الشروط الشرعية اللازمة لإقامتهما: فاعلم أن رؤيتك للمنكر وعدم نصحك لصاحبه سبب في ترتب الإثم عليك، إلا أن يقوم غيرك بالإنكار عليه؛ لأنه يكون فرض عينٍ عليك في حال أن تكون رأيت المنكر وليس ثمة من ينصحه غيرك، فإن وُجد غيرك وقام عنك بهذا الشعيرة: فإنه يصير فرض كفاية، يسقط عنك الإثم إذا قام بالواجب غيرك. قال ابن قدامة – ﵀: واشترط قومٌ كون المنكِر مأذوناً فيه من جهة الإمام أو الوالي، ولم يجيزوا لآحاد الرعية الحسبة، وهذا فاسد؛ لأن الآيات والأخبار تدل على أن كل مَن رأى منكراً فسكت عنه: عصى، فالتخصيص بإذن الإمام تحكم. " مختصر منهاج القاصدين " (ص ١٢٤) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: وقد يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضَ عينٍ، وذلك في حق من يرى المنكر وليس هناك من ينكره وهو قادر على إنكاره، فإنه يتعين عليه إنكاره لقيام الأدلة الكثيرة على ذلك، ومن أصرحها قول النبي ﷺ : (مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) أخرجه مسلم في صحيحه. " فتاوى الشيخ ابن باز " (٣ / ٢١٢) . رابعاً: ولا فرق بين أن تكون هذه المنكرات في الشارع أو في البيت أو في العمل، فإن استطاع المسلم إنكارها من غير ضرر يلحقه: فلا يُعذر بترك إنكارها. قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: فالمؤمنون والمؤمنات يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر , المؤمن لا يسكت، إذا رأى مِن أخيه منكراً: ينهاه عنه , وهكذا إن رأى مِن أخته أو عمته أو خالته أو غيرهن , إذا رأى منهن منكراً: نهاهنَّ عن ذلك , وإذا رأى مِن أخيه في الله أو أخته في الله تقصيراً في الواجب: أنكر عليه ذلك , وأمره بالمعروف , كل ذلك بالرفق والحكمة، والأسلوب الحسن. فالمؤمن إذا رأى أخاً له في الله يتكاسل عن الصلوات أو يتعاطى الغيبة أو النميمة أو شرب الدخان أو المسكر أو يعصي والديه أو أحدهما أو يقطع أرحامه: أنكر عليه بالكلام الطيب، والأسلوب الحسن , لا بالألقاب المكروهة والأسلوب الشديد , وبين له أن هذا الأمر لا يجوز له ... . كل هذه المنكرات يجب على كل واحد من المؤمنين والمؤمنات والصلحاء إنكارها , وعلى الزوج والزوجة، وعلى الأخ، والقريب، وعلى الجار، وعلى الجليس، وعلى غيرهم القيام بذلك كما قال الله تعالى في وصف المؤمنين والمؤمنات: (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) التوبة/٧١، وقال المصطفى ﵊: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه) ، , ويقول ﵊: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) . وهذا عام لجميع المنكرات، سواء كانت في الطريق , أو في البيت، أو في المسجد، أو في الطائرة، أو في القطار، أو في السيارة، أو في أي مكان , وهو يعم الرجال والنساء جميعاً , المرأة تتكلم، والرجل يتكلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن في هذا صلاح الجميع ونجاة الجميع. ولا يجوز السكوت عن ذلك من أجل خاطر الزوج أو خاطر الأخ أو خاطر فلان وفلان , لكن يكون بالأسلوب الحسن والكلمات الطيبة , لا بالعنف والشدة , ومع ملاحظة الأوقات المناسبة , فقد يكون بعض الناس في وقت لا يقبل التوجيه ولكنه في وقت آخر يكون متهيئا للقبول , فالمؤمن والمؤمنة يلاحظان للإنكار والأمر بالمعروف الأوقات المناسبة ولا ييأس إذا لم يقبل منه اليوم أن يقبل منه غدا , فالمؤمن لا ييأس , والمؤمنة لا تيأس , بل يستمران في إنكار المنكر , وفي الأمر بالمعروف وفي النصيحة لله ولعباده مع حسن الظن بالله والرغبة فيما عند الله . " فتاوى الشيخ ابن باز " (٤ / ٥٠) . خامساً: وهل معنى ذلك أنه يجب عليه الإنكار على كل حالقٍ للحيته، وكل مسبلٍ لإزاره، وكل شاتم وساب يسمعه؟ وهل يجب عليه التقاط كل ورقة فيها اسم الله من الشارع؟ وهل يجب عليه الوقوف لكل خطيب يسمعه يحكي حديثاً ضعيفاً أو موضوعاً؟ الجواب في كل ذلك - وما يشبهه -: لا، لا يجب عليه فعل ذلك؛ لتعذر هذا القيام بهذه الأمور من كل داعية إلى الله، وخاصة أن أكثر من يراهم يفعلون المنكرات قد علموا حكم الله تعالى في فعلهم، وقد أقيمت عليهم الحجة، ولو أن الشرع أوجب عليه فعل ذلك لأفنى عمره في الوقوف مع أولئك العاصين ونصحهم على حساب القيام بمصالحه ومعاشه، وهو مما لا يمكن أن تأت به الشريعة. قال علماء اللجنة الدائمة: يكفيك للخروج من الإثم والحرج: أن تنصح الناس بعدم استعمال ما ذكر فيما فيه امتهان، وأن تحذرهم من إلقاء ذلك في سلات القمامة، وفي الشوارع، والحارات، ونحوها، ولست مكلفاً بما فيه حرج عليك مِن جعل نفسك وقفاً على جمع ما تناثر من ذلك في الشوارع ونحوها، وإنما ترفع من ذلك ما تيسر منه دون مشقة وحرج. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. " فتاوى اللجنة الدائمة " (٤ / ٧٣ – ٧٥) . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية , إذا قام به مَن يكفي سقط عن الناس , وإذا لم يقم به من يكفي: وجب على الناس أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر , لكن لابد أن يكون بالحكمة، والرفق، واللين؛ لأن الله أرسل موسى وهارون إلى فرعون وقال: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) طه/٤٤، أما العنف: سواء كان بأسلوب القول، أو أسلوب الفعل: فهذا ينافي الحكمة , وهو خلاف ما أمر الله به. ولكن أحياناً يعترض الإنسان شيء يقول: هذا منكر معروف , كحلق اللحية مثلاً , كلٌّ يعرف أنه حرام - خصوصاً المواطنون في هذا البلد - , ويقول: لو أنني جعلتُ كلما رأيت إنساناً حالقاً لحيته - وما أكثرهم - وقفتُ أنهاه عن هذا الشيء: فاتني مصالح كثيرة , ففي هذه الحال: ربما نقول بسقوط النهي عنه؛ لأنه يفوِّت على نفسه مصالح كثيرة , لكن لو فرض أنه حصل لك اجتماع بهذا الرجل في دكان أو في مطعم أو في مقهى: فحينئذٍ يحسن أن تخوفه بالله , وتقول: هذا أمر محرم، وأنت إذا أصررت على الصغيرة صارت في حقك كبيرة , وتقول الأمر المناسب. " لقاءات الباب المفتوح " (١١٠ / السؤال رقم ٥) . ونحن نأسف جدّاً على المسلمين الذين عصوا ربهم تعالى في لباسهم وسلوكهم وأفعالهم وأقوالهم، ونحن نحث كل من استطاع أن يوصل رسالة الإسلام الصافية لهؤلاء أن يفعل، وحيث يسمع المسلم أو يرى منكراً ويستطيع إنكاره أو تغييره فليفعل، ولا يجب عليه ذلك في كل منكرٍ يراه أو يسمعه، ولا شك أن المنكرات تتفاوت فيما بينها من حيث عظمها وقبحها، وتتفاوت فيما بينها من حيث كونها تتعدى للآخرين أو يكون أثرها على العاصي نفسه فقط، فحيث قبحت المعصية أو عظمت فالإنكار يتحتم على المسلم أكثر من المعاصي التي يقل قبحها وتخف عظمتها، فمن سمع من يسب الله أو الدين، فليس إثم ذلك وقبحه كمن سمع من يسب شخصاً من خصومه. وحيث تتعدى المعصية للآخرين فيتحتم الإنكار أكثر مما لو كان أثرها على العاصي نفسه، وهكذا، والمهم في كل ذلك أن يبقى قلب المسلم حيّاً ينكر المنكر حيث يعجز عنه بيده أو لسانه، ومن استطاع تغيير المنكر بيده ولسانه فلا يقصِّر في ذلك. قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: والإنكار بالقلب فرض على كل واحد؛ لأنه مستطاع للجميع، وهو بغض المنكر، وكراهيته، ومفارقة أهله عند العجز عن إنكاره باليد واللسان؛ لقول الله سبحانه: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الأنعام/٦٨، وقال تعالى في سورة النساء: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) الآية، النساء/١٤٠، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) الفرقان/٧٢، ومعنى لا يشهدون الزور لا يحضرونه. " فتاوى الشيخ ابن باز " (٣ / ٢١٢، ٢١٣) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14771

حكم الجلوس في مقهى يقدم فيه الحلال والحرام كالشيشة [السُّؤَالُ] ـ[هل الجلوس في المقهى الذي يقدم الحلال كالمشروبات والحرام كالشيشة جائز مع العلم أني أطلب الحلال فقط؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز الجلوس في محل يعلن فيه بالمعصية، إلا لمن اضطر إلى ذلك، لأن إنكار المنكر باليد واللسان والقلب أمر واجب، والجلوس في مكان المنكرات وعدم إنكارها يتنافى مع ذلك، وقد قال الله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) النساء/١٤٠. قال القرطبي ﵀: " قوله تعالى: (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره) أي غير الكفر. (إنكم إذا مثلهم) : فدل هذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله (إنكم إذا مثلهم) فكل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء. وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه أخذ قوماً يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم فحمل عليه الأدب (أي: عاقبه) وقرأ هذه الآية: (إنكم إذا مثلهم) أي إن الرضا بالمعصية معصية " انتهى. وقال الجصاص في "أحكام القرآن" (٢/٤٠٧) : ". وفي هذه الآية دلالة على وجوب إنكار المنكر على فاعله وأن مِنْ إنكاره إظهار الكراهة إذا لم يمكنه إزالته وترك مجالسة فاعله والقيام عنه حتى ينتهي ويصير إلى حال غيرها " انتهى. وقال الشيخ ابن باز ﵀: " والإنكار بالقلب فرض على كل واحد، وهو بغض المنكر وكراهيته، ومفارقة أهله عند العجز عن إنكاره باليد واللسان؛ لقول الله سبحانه: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) الأنعام/٦٨" انتهى نقلا عن: "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" (١٦/١٤٢) . ثم إنه يخشى على من جلس في هذه الأماكن أن يضعف إيمانه، وأن تذهب الغيرة من قلبه، وربما دعاه الشيطان إلى مقارفة شيء من المعصية، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) النور/٢١. لكن ... إذا احتاج المسلم إلى الجلوس في مكان كهذا، كما لو كان مسافرا ولم يجد مكانا يستريح فيه إلا ذلك المكان، فله الجلوس فيه، على أن يبعد عن أهل المعاصي بقدر استطاعته، ويكون جلوسه بقدر ما يحتاج فقط، ثم يقوم. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14772

هل يحذر أصحابه من الاستماع لهذا الداعية ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا أحذر أصدقائي من سماع أحد الدعاة ولي أسباب هي: ١:- أنه قال إن إبليس لم يكفر. ٢:- قوله إن الله سوف يدخل الفنانين الجنة بفنهم. ٣:- قوله إن اليهود ليسوا أعداءنا. وأنا لم أقل ذلك عليه من فراغ، ولكني استمعت لأحاديثه وهو يقول بذلك، فإن كان ذلك حراما فأريد أن أعرف. وجزاكم الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نشكر لك حرصك وغيرتك على الإسلام، ولكن لا بد هنا من ذكر بعض القواعد المهمة التي ينبغي لكل مسلم التوقف عندها: أولا: باب الكلام في الناس باب خطير، والحكم عليهم بالمدح أو الذم أمر جليل، تهيب خوض غماره كثير من العلماء، فإن الغيبة من موبقات الذنوب، ويتعاظم إثمها إذا كانت غيبة للدعاة أو العلماء أو المصلحين. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) رواه مسلم (٢٥٦٤) قال ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (٣٤) : " أعراضُ المسلمين حُفْرَةٌ من حُفَرِ النار " انتهى. وقد أصبح الاشتغال بأخطاء الآخرين ومتابعتها آفة ابتلي بها الناس اليوم، وقد كان الأحرى بهم السعي في تحصيل العلم النافع والاجتهاد في صالح الأقوال والأعمال. ومع ذلك فإن الغيبة تكون جائزة، بل قد تكون واجبة، إذا كانت لتحذير المسلمين من شر فاسق أو ضال أو مبتدع. الناس جميعا - والدعاة والعلماء منهم - ليسوا معصومين من الخطأ، بل لم يسلم من الخطأ أحد من البشر. غير أن هذه الأخطاء على نوعين: الأول: أخطاء واضحة لمخالفة النصوص الصريحة أو الظاهرة، أو مخالفة إجماع الأمة، فهذا الخطأ يجب بيانه، ولا يجوز السكوت عنه. النوع الثاني: أخطاء في مسائل اجتهادية، كتلك التي لم ترد فيها نصوص قطعية أو ظاهرة تدل على حكمها، ولكن ورد فيها نصوص محتملة في دلالتها، أو مختلف في صحتها، أو ليس فيها نصوص أصلا، وإنما هي قضايا اجتهادية عند أهل العلم، على ما هو معروف في بابه؛ فهذه لا يجوز إنكارها، ولا التشنيع على القائل بها، وإن كان لا يُمنع من التباحث فيها وبيان الصواب من غيره، كلٌّ حسب ما يراه. وأما الطعن في الشخص نفسه والتحذير منه، فذلك يختلف باختلاف الأشخاص وحجم الأخطاء التي وقعوا فيها، ومدى استفادة المسلمين من دعوته، فإذا كان الرجل يدعو إلى منهج غير منهج أهل السنة والجماعة، ويحارب منهج أهل السنة، ويمدح غيره من المناهج، أو ينطلق في منهجه ـ وإن لم يصرح بذلك ـ من أصول بدعية؛ فهذا ـ إن كان عنده خير ـ إلا أن شره أعظم من خيره، فيجب التحذير منه، حتى لا ينخدع الناس بكلامه، ويكون سببا في إضلالهم. ومن الناس ـ الدعاة ـ من ينتسب إلى أهل السنة والجماعة، ولا يدعو إلى منهج آخر، ولكنه كثرت أخطاؤه وشذوذاته، حتى صارت سيئات دعوته تربو على حسناته، وأخطاؤه أكثر من صوابه، فهذا أيضا يجب التحذير منه. وقسم ثالث من الناس، ينتسب إلى أهل السنة والجماعة، وله بعض الأخطاء ـ التي لا يخلو منها بشر ـ إما عن تأويل أو اجتهاد خاطئ أو ضعف في العلم، أو دعوى المصلحة....إلخ، ولكنه في الجملة متمسك بالسنة داع إليها مدافع عنها، وحسناته أكثر من سيئاته، وانتفاع الناس بدعوته أكثر من الضرر الحاصل على بعضهم في اتباعه في هذه الأخطاء، فهذا يجب بيان أخطائه تحذيرا للناس، ونصحا لهم، وإنكارا للمنكر، ولكنه لا يجوز أن يتعدى ذلك إلى الطعن في الشخص نفسه، أو محاولة إسقاطه وتحذير الناس من استماعه أو الأخذ منه، أو الحمل عليه ـ تأولا ـ بأخطاء لم يصرح بها في كلامه؛ فإن المنصف من يغتفر قليل زلل المرء في كثير صوابه، ومَنْ مِنَ الناس هو الذي يصيب دائما ولا يخطئ؟ من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط فقد دار حديثنا هنا ـ أيها الأخ الكريم ـ على أصول مهمة يجب البناء عليها عند النظر والحكم على الآخرين: الأصل الأول: النظر إلى أصول الشخص، ومنطلقه في علمه وعمله؛ فمن كان قصده متابعة الرسول، وتعظيم شرعه، ظاهرا وباطنا، فهذا يغتفر له، إن شاء الله. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في معرض كلامه عن أبي ذر الهروي، والباقلاني والباجي، وغيرهم من علماء الأشاعرة: " ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين، ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف. لكن لما التبس عليهم هذا لأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة [يعني: نفي الأفعال الاختيارية، والأمور المتعلقة بمشيئة الله تعالى] وهم فضلاء عقلاء، احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين؛ وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوساطها!! وهذا ليس مخصوصا بهؤلاء؛ بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاو لهم عن السيئات: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ (الحشر: ١٠) . ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول ﷺ ، وأخطأ في بعض ذلك، فالله يغفر له خطأه؛ تحقيقا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (البقرة: ٢٨٦) ومن اتبع ظنه وهواه، فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ، ظنه صوابا بعد اجتهاده، وهو من البدع المخالفة للسنة؛ فإنه يلزمه نظير ذلك، أو وأعظم أو أصغر، فيمن يُعَظِّمُه هو من أصحابه؛ فقلَّ من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين، لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب، ويزول به عن القلوب الشك والارتياب.. " انتهى. درء تعارض العقل والنقل (٢/١٠٢-١٠٣) . الأصل الثاني: إذا عرف أن أصله تعظيم شرع الله، واتباع رسوله، ظاهرا وباطنا، فإنه يوزن قوله وعمله بميزان الكتاب والسنة، وموازنة حسناته وسيئاته، على ما سبق الإشارة إليه. يقول شيخ الإسلام، ﵀: " وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد؛ فإن الأمر والنهى وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له؛ فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورا به؛ بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته. لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة؛ فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تُعْوِز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام. وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما؛ بل إما أن يفعلوهما جميعا أو يتركوهما جميعا، لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر؛ بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أُمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وزوال فعل الحسنات!! وان كان المنكر اغلب نهي عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الامر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه، أمرا بمنكر، وسعيا في معصية الله ورسوله!! وان تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما؛ فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي؛ حيث كان المنكر والمعروف متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة. وأما من جهة النوع: فيؤمر بالمعروف مطلقا، وينهى عن المنكر مطلقا. وفي الفاعل الواحد، والطائفة الواحدة: يؤمر بمعروفها، وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها، ويُذم مذمومها؛ بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات معروف أكبر منه، أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه. وإذا اشتبه الأمر: استثبت المؤمن حتى يتبين له الحق؛ فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصيا؛ فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهى عنه من الأمر معصية؛ وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله!! " انتهى. الاستقامة (٢/٢١٦-٢١٩) . وقال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى "مجموع الفتاوى" (٧/٣١١-٣١٥) : "وما وجد من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يسوغ فيه الاجتهاد فإن صاحبه لا يؤاخذ به ولا يثرب عليه إذا كان أهلا للاجتهاد , فإذا خالفه غيره في ذلك كان الأجدر أن يجادله بالتي هي أحسن , حرصا على الوصول إلى الحق من أقرب طريق، ودفعا لوساوس الشيطان وتحريشه بين المؤمنين. فإن لم يتيسر ذلك , ورأى أحد أنه لا بد من بيان المخالفة فيكون ذلك بأحسن عبارة وألطف إشارة , ودون تهجم أو تجريح أو شطط في القول قد يدعو إلى رد الحق أو الإعراض عنه، ودون تعرض للأشخاص أو اتهام للنيات أو زيادة في الكلام لا مسوغ لها، وقد كان الرسول ﷺ يقول في مثل هذه الأمور: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا) " انتهى. والله أعلم. الأصل الثالث: ألا يكون الكلام إلا بما هو فيه فعلا، وإلا كان بهتانا، كما قال النبي ﷺ ، لمن سأله عن الغية: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ!! قَالَ: (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ!! قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ!!) رواه مسلم (٢٥٨٩) . سئل شيخ الإسلام ﵀: هل يجوز غيبة تارك الصلاة أم لا؟ فأجاب: " الحمد لله؛ إذا قيل عنه إنه تارك الصلاة، وكان تاركها، فهذا جائز، وينبغي أن يشاع ذلك عنه ويُهجر حتى يصلي، وأما مع القدرة فيجب أن يُسْتتاب؛ فإن تاب وإلا قُتِل!!) انتهى. آثار شيخ الإسلام (٥/١٢٢) . ويجب التنبه أيضا إلى أن كثيراً من هؤلاء الدعاة دعوتهم موجهة في الأصل إلى عامة المسلمين، الذين قد يكون كثير منهم تاركاً للصلاة أو متهاوناً بها، أو منغمسا في المعاصي والموبقات، فإقبال هؤلاء وأمثالهم على أولئك الدعاة واستمالتهم إليهم وهدايتهم على أيديهم فيه خير كثير، وهو خطوة أو خطوات إلى الأمام، فليس من الحكمة الكلام مع أمثال هؤلاء عن أولئك الدعاة وتحذيرهم منهم، لأن كثيرا من هؤلاء يكون أمامه خياران اثنان، إما أن يبقى مع هؤلاء الدعاة، وإما أن يعود إلى ما كان عليه، ولا شك أن بقاءه مع هؤلاء الدعاة خير له، ولكن الواجب على أهل الحق بعد ذلك أن يتعاهدوا هؤلاء، ويأخذوا بأيديهم إلى منهج أهل السنة شيئا فشيئا. وما ذكرته من الأخطاء عن الشخص المعين، يجب تحذير المسلمين منها، وتنبيههم إلى مخالفتها لكتاب الله وسنة رسوله، بل وإجماع المسلمين؛ ثم ينظر في منهجه في دعوته، في ضوء الأصل العام الذي سبق ذكره، وإن أمكن لمن فيه علم وانتباه ودين أن ينتفع في نفسه، أو ينفع غيره، بما عند هذا الشخص وأمثاله من الخير، ويحذر في نفسه , ويحذر غيره، مما عنده من خطأ أو بدعة، فهو حسن إن شاء الله تعالى؛ وإلا ففي الخير الخالص أو الغالب ما يغني عنه إن شاء الله: خُذ ما تَراهُ وَدَع شَيئاً سَمِعتَ بِهِ في طَلعَةِ الشَمسِ ما يُغنيكَ عَن زُحَلِ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14773

هل يهجر زميله في العمل الذي يفعل المحرمات ؟ [السُّؤَالُ] ـ[شيخنا الفاضل لدي زميل بالعمل (أجنبي الجنسية) تأذيت كثيراً من كلماته، وشتمه للغير، وحتى رقصات أنغام جواله التي طالما آذاني بها، وعندما حدثته بذلك قال: هذا ليس من شأنك، وأنا الآن قطعت العلاقة معه بسبب موقف بيننا، وإذا دخلت مكتبي أسلم بصوت عال، ولا يرد، وإذا دخل هو لا يسلم، فهل أنا ملزم بأن أمد يدي لمصافحته، علماً بأنني رأيت بعيني أنه لا يهتم، وسبق أن صافحه أحدهم وهو جالس ولم يكلف نفسه حتى بالوقوف بسبب زعل منه على ذاك الرجل، فهل الإسلام يجبرني على أن أصافحه وهو بهذه الأخلاق التي ذكرت؟ علماً أنه لا يتكلم مع أشخاص آخرين في العمل، وأنا لست أول من يفعل هذا معه. أرجو الإجابة لأني أحس بتأنيب ضمير، وأخاف من حديث " لا يرفع العمل بسبب الخصومة "، أو كما قال ﷺ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الهجر الذي يكون بين متخاصمين من المسلمين نوعان: الأول: هجر لحظِّ النفس، أو على أمرٍ دنيوي. والثاني: هجر لحقِّ الله، بأن يكون من أجل وقوع المهجور في بدعة أو معصية. وحكم الهجر الأول: أنه غير مشروع، بل هو منهي عنه. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لا تَبَاغَضُوا وَلا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ) . رواه البخاري (٥٧٢٦) ومسلم (٢٥٥٩) – واللفظ له -. وهذا الهجر لا يجوز أكثر من ثلاث ليال كما سبق في الحديث. وأما حكم الهجر الثاني: فهو هجر مشروع، وله أدلته من السنَّة، وقد فعله الصحابة، ومن بعدهم من أئمة الدين، وله شروط وضوابط في كلام أهل العلم. فقد هجر النبي صلى الله ﷺ الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر، وقد جاء حديثهم الطويل في الصحيحين من حديث كعب بن مالك – ﵁ – وهو أحد الثلاثة. قال الحافظ ابن حجر – ﵀ – في سياق ذِكر فوائد الحديث: وفيها: ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق الثلاث: فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيّاً ... . وفيها: سقوط رد السلام على المهجور عمَّن سلَّم عليه؛ إذ لو كان واجباً: لم يقل " كعب " هل حرَّك شفتيه – أي: النبي ﷺ برد السلام. " فتح الباري " (٨ / ١٢٤) . فيتبين لنا من سياق الحديث – ولم نسقه لطوله – أن من أحكام الهجر الشرعي: جواز ترك إلقاء السلام وترك ردِّه على صاحب المعصية – وصاحب البدعة أولى -، وأن هجره غير محدد بوقت، بل يكون ذلك إلى أن يتوب، أو حيث يرى الهاجر المصلحة في ذلك – كما سيأتي -، وبه تعلم أن ترك مصافحتك لذلك العاصي، بل ترك للسلام عليه بلسانك أنه ليس فيها محذور شرعي عليك، وإليك ما يزيد الأمر توكيداً: قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: ومَن عُرف منه التظاهر بترك الواجبات، أو فعل المحرمات: فانه يستحق أن يُهجر، ولا يسلَّم عليه تعزيراً له على ذلك حتى يتوب. " مجموع الفتاوى " (٢٣ / ٢٥٢) . لكن لا بدَّ من التنبيه على أن الهجر للعاصي والمبتدع إنا شرِع لحكمٍ عظيمة، ومنها أن هجره هو لتأديبه حتى يترك معصيته وبدعته، وكذا شُرع تنبيهاً لغيره أن يقع في المعصية أو البدعة، وحيث كان الهجر غير مجدٍ مع هذا العاصي، أو أنه سيزيده طغياناً: فلا ينبغي الهجر؛ لما يترتب عليه من آثار سيئة على المهجور، أو أنه لن يتحقق ما شُرع الهجر من أجله، وهنا يكون التأليف لقلب هذا العاصي أنفع من الهجر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم، وضعفهم، وقلتهم، وكثرتهم؛ فإن المقصود به: زجر المهجور، وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله. فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته: كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته: لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر. والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوماً ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلِّفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم؛ لما كان أولئك كانوا سادة مُطاعون في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عزُّ الدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح. " مجموع الفتاوى " (٢٨ / ٢٠٦) . وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: ما ضابط هجر العاصي الذي لم تظهر معصيته علانية للناس إذا كان في هجره مصلحة؟ . فأجاب: الضابط: أن هجر العاصي إن كان فيه مصلحة بحيث يرجع العاصي عن معصيته: فليهجر، وأما إذا لم يكن فيه مصلحة: فهجره حرام؛ لأن العاصي مسلم، ولو فعل ما فعل من الكبائر، إلا الكفر إذا كَفَر، هذا معلوم، وقد قال النبي ﷺ : (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان، ويعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) ، فلا تهجره؛ ولأن بعض العصاة إذا هجرته: زاد في معصيته، وكرِهك أيضاً، ولم يقبل منك أي نصيحة، أما لو كان هجره ينفع، كما لو كان أحد الأبناء، أو أحد الإخوة وهو يقدِّرك، وإذا هجرته ارتدع: فهنا اهجره حتى يرتدع، فإن أخلف الظن - بمعنى: أنك هجرته ولكنه لم يرتدع -: فعُد، وسلِّم عليه، ولا تنس النصيحة. " لقاءات الباب المفتوح " (٢٣١ / السؤال رقم ٩) . فأنت أخي السائل إن رأيتَ أن تركك للسلام عليه سيؤثر فيه، وسيرتدع عن معاصيه بسببه: فاستمر على هجرك له، واترك إلقاء السلام، وردِّه إن سلَّم، وإن رأيتَ أن ذلك غير نافعه: فاعلم أن تأليفك لقلبه بالهدية، والتبسم في وجهه، والتلطف في مخاطبته أنفع من هجره، فاعمل على ذلك، فإن أبى منك ذلك، ولم يتجاوب معك: فليس عليك شيء، ولست ملوماً في ذلك. وفي مسند الإمام أحمد (١٥٨٢٣) عن هِشَامَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ فَإِنْ كَانَ تَصَارَمَا فَوْقَ ثَلاثٍ فَإِنَّهُمَا نَاكِبَانِ عَنْ الْحَقِّ مَا دَامَا عَلَى صُرَامِهِمَا وَأَوَّلُهُمَا فَيْئًا فَسَبْقُهُ بِالْفَيْءِ كَفَّارَتُهُ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلَامَهُ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ وَرَدَّ عَلَى الآخَرِ الشَّيْطَانُ فَإِنْ مَاتَا عَلَى صُرَامِهِمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي الْجَنَّةِ أَبَدًا!!) صححه الألباني في الصحيحة ١٢٤٦ نسأل الله تعالى أن يكتب لنا ولك الأجر، وأن يهدينا وإياكم لما يحب ويرضى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14774

جماعة التبليغ ما لها وما عليها [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم الجماعات التي تقضي أربعة أشهر وأربعين يوماً في مختلف أنحاء العالم لدعوة المسلمين إلى واجباتهم الدينية؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله " جماعة التبليغ " من الجماعات العاملة للإسلام، وجهدها في الدعوة إلى الله لا يُنكر، ولكنها مثلها مثل كثير من الجماعات تقع في أخطاء، وعليها ملاحظات، ويمكن إجمال الملاحظات بما يلي مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الأخطاء تختلف في الجماعة نفسها بحسب البيئة والمجتمع الموجودة به، ففي المجتمعات التي يظهر فيها العلم والعلماء وينتشر مذهب أهل السنة والجماعة تقل أخطاؤهم إلى حد بعيد، وفي مجتمعات أخرى قد تزيد هذه الأخطاء، فمن أخطائهم: ١. عدم تبني عقيدة أهل السنة والجماعة، وذلك واضح في تعدد عقائد أفرادها بل بعض قادتها. ٢. عدم اهتمامهم بالعلم الشرعي. ٣. تأويلهم للآيات القرآنية ونقلهم لمعانيها على غير مراد الله تعالى، ومن ذلك تأويلهم لآيات الجهاد بأن المقصود بها " الخروج للدعوة "، وكذا الآيات التي فيها لفظ " الخروج " ومشتقاته إلى الخروج في سبيل الله للدعوة. ٤. جعلهم الترتيب الذي يحددونه في الخروج متعبَّداً به، فراحوا يستدلون بالآيات القرآنية ويجعلون المقصود منها ما يحددونه من أيام وأشهر، ولم يقتصر الأمر على مجرد الترتيب بل ظل بينهم شائعاً منتشراً مع تعدد البيئات وتغير البلدان واختلاف الأشخاص. ٥. وقوعهم في بعض المخالفات الشرعية من نحو جعلهم رجلاً منهم يدعو أثناء خروج الجماعة للدعوة إلى الله، ويعلقون نجاحهم وفشلهم على صدق هذا الداعي والقبول منه. ٦. انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بينهم، وهذا لا يليق بالذي يتصدى للدعوة إلى الله. ٧. عدم كلامهم عن " المنكرات "، ظناً منهم أن الأمر بالمعروف يغني عنه، ولذا نجدهم لا يتكلمون عن المنكرات الفاشية بين الناس مع أن شعار هذه الأمة – وهم يرددونه باستمرار – ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ آل عمران / ١٠٤، فالمفلحون هم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وليس فقط من يأتي بأحدهما. ٨. ما يقع من بعضهم من الإعجاب بالنفس والغرور ويؤدي به ذلك إلى ازدراء غيره – بل والتطاول على أهل العلم ووصفهم بأنهم قاعدون ونائمون - ووقوعه في الرياء، فتجده يتحدث أنه خرج وسافر وانتقل وأنه رأى وشاهد، وهو يؤدي إلى وقوعه فيما لا يحمد مما ذكرنا. ٩. جعلهم الخروج للدعوة أفضل من كثير من العبادات كالجهاد وطلب العلم، مع أن ما يفضلونه عليه هو من الواجبات أو قد يصير واجباً على أناس دون غيرهم. ١٠. جرأة بعضهم على الفتوى والتفسير والحديث، وذلك واضح في كونهم يجعلون كل واحد منهم يخاطب الناس ويبين لهم، وهو يؤدي إلى جرأة هؤلاء على الشرع، فلن يخلو كلامه من بيان حكم أو حديث أو تفسير آية، وهو لم يقرأ في ذلك شيئاً، ولم يسمع أحداً من العلماء لينقل عنه، وبعضهم يكون من المسلمين أو المهتدين حديثاً. ١١. تفريط بعضهم في حقوق الأبناء والزوجة، وقد بيَّنا خطر هذا الأمر في جواب السؤال رقم (٣٠٤٣) . لذا فإن العلماء لم يجوزوا الخروج معهم إلا لمن أراد أن يفيدهم ويصحح الأخطاء التي تقع منهم. ولا ينبغي لنا أن نصد الناس عنهم بإسقاطهم بالكلية بل علينا أن نحاول إصلاح الخطأ والنصيحة لهم حتى تستمر جهودهم وتكون صائبة على وفق الكتاب والسنة. وهذه فتاوى بعض العلماء في " جماعة التبليغ ": ١. قال الشيخ عبد العزيز بن باز: فإن جماعة التبليغ ليس عندهم بصيرة في مسائل العقيدة، فلا يجوز الخروج معهم إلا لمن لديه علم وبصيرة بالعقيدة الصحيحة التي عليها أهل السنّة والجماعة حتى يرشدهم وينصحهم ويتعاون معهم على الخير لأنهم نشيطون في عملهم لكنهم يحتاجون إلى المزيد من العلم وإلى من يبصرهم من علماء التوحيد والسنَّة، رزق الله الجميع الفقه في الدين والثبات عليه. " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ٣٣١) . ٢. قال الشيخ صالح الفوزان: الخروج في سبيل الله ليس هو الخروج الذي يعنونه الآن، الخروج في سبيل الله هو الخروج للغزو، أما ما يسمونه الآن بالخروج فهذا بدعة لم يرد عن السلف. وخروج الإنسان يدعو إلى الله غير متقيد في أيام معينة بل يدعو إلى الله حسب إمكانيته ومقدرته، بدون أن يتقيد بجماعة أو يتقيد بأربعين يوماً أو أقل أو أكثر. وكذلك مما يجب على الداعية أن يكون ذا علم، لا يجوز للإنسان أن يدعو إلى الله وهو جاهل، قال تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة﴾ ، أي: على علم لأن الداعية لابد أن يعرف ما يدعو إليه من واجب ومستحب ومحرم ومكروه ويعرف ما هو الشرك والمعصية والكفر والفسوق والعصيان يعرف درجات الإنكار وكيفيته. والخروج الذي يشغل عن طلب العلم أمر باطل لأن طلب العلم فريضة وهو لا يحصل إلا بالتعلم لا يحصل بالإلهام، هذا من خرافات الصوفية الضالة، لأن المل بدون علم ضلال، والطمع بحصول العلم بدون تعلم وهم خاطئ. من كتاب " ثلاث محاضرات في العلم والدعوة ". والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 14775

أفقد أعصابي مع المدخنين فماذا أفعل ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا طالبة مسلمة تغضب بسرعة على المدخنين. أنا أفقد أعصابي عندما يُدخن أي شخص أمامي. أعلم أن ما أفعله من الأنانية، لكن الدخان يُضايقني ويسبب لي صعوبة في التنفس، وتتورم عيناي، وأشعر بالدوار منه. والدتي تقول لي إنّ عليّ أن أتحكم في نفسي، لكني أرد دائما بالقول: " إن ذلك ليس خطئي "، لكن هل علي أن أتحكم في نفسي؟ أحاول تحقيق ذلك لكني لا أستطيع. لقد قرأت كل ما ورد على موقعك، لكن يظهر أني لا أستطيع أن أتحكم في أعصابي. هل هناك أي شيء يمكنني فعله؟ أم أن فعلي ذلك هو من الخطأ الذي يغفره الله؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الدخان من المحرمات ولمعرفة الدليل على تحريمه انظري السؤال رقم (١٨١٢) (١٠٩٢٢) ثانياً: لو كان كل إنسان يستطيع العيش في هذه الدنيا على حسب ما يريد وكيفما يشتهي لم يكن في هذه الدنيا بلاء ولا صحّ وصفها بالكدر، ولا وجدت هنالك المشكلات التي تحتاج إلى حل وعلاج ولكن الحقيقة أنها امتزجت حلاوة ومرارة وعذوبة وجفاء، وكلنا يسعى جاهداً في تطبيع حياته وتذليلها وفق مايريد وتشتهي نفسه ويتمنى من الآخرين أن يفهموا ذلك منه، ولكن دون ذلك عقبات وعقبات وهذه هي حقيقة الدنيا التي مهما تمتعنا فيها فمآلها ومنتهاها الكدر والأسى. إن مشاعر الغضب التي تنتابك كردة فعل لمن يدخن أمامك هي مشاعر واقعية لها ما يبررها في الأصل والحقيقة، بل إنني أزيد فأقول إن جمهور العقلاء يوافقونك طبعاً وسجيةً على هذه المشاعر التي تنبع من الحياة الطبيعية واستهجان القبائح من الأعمال الرذيلة الدنيئة ناهيك عن كونك تتضررين جسدياً من هذا الدخان. بيد أن الإنسان لابد وأن يفقه كيف يمكنه التعبير عن مشاعره تجاه الأشياء والمواقف التي يُحس أنها لا تتلائم مع تفكيره وسجيته , وحيث استطاع الإنسان أن يتجاوز هذه العقبة بنجاح فإنه يكون قد خطى الخطوة الصحيحة نحو الهدف المنشود. ومن هنا لابد وأن نعلم أن الناس لا تستجيب لرغبة الآمر على وجه الإجبار والسلطة , بل تبتعد عن صاحب ذلك الطبع بعيداً مع إيمانها بأن ما يقول أو يطلب هو في نفسه صحيح مقبول. إن مجرد شعورك بالغضب تجاه هؤلاء للأسباب التي ذكرتِ أمر مقبول، ولكن الغضب وحده لايأتي بنتيجة مرضية في أغلب الأحوال، وإن السيطرة على الأعصاب والمشاعر والبحث عن إيصالها بالطريق المناسب يوصل الإنسان لمُراده من أقصر الطرق وأسهلها، فهل جربت أن عبرت عن مدى استيائك من الدخان وما يسببه لك من الأضرار بأسلوب الهدوء والاستئذان؟ إن معظم المدخنين إذا طُلب منهم الإقلاع عنه بأسلوب هادئ يشرح السبب ويقدم العذر الغالب أنهم يستجيبون على الفور. وعلى العكس من ذلك فإنهم يردون على من أساء نصحهم بأسوأ من ذلك إلا من رحم الله , وإذا كان الإنسان يهمه الوصول إلى طلبه فلابد أن يتحلى بالصبر والأناة وحسن المنطق والحوار. لقد تساءلت " هل علي أن أتحكم في نفسي " قطعاً سوف يكون الجواب نعم، مع هؤلاء ومع غيرهم من الناس، فكم في الدنيا مما يثير الغضب؟ إن ضبط النفس والمشاعر لابد وأن يكون من أولويات تفكيرك وأهدافك، ولقد أرشدنا نبينا الكريم الرحيم عندما جاءه ذلك الرجل فقال له: يا رسول الله أوصني فقال الرسول ﷺ : لا تغضب، فردد الرجل السؤال مراراً، فقال الرسول له لا تغضب) رواه البخاري (٦١١٦) وكيف سيعيش الإنسان لو لم يتحل بالصبر؟ حاولي التحكم في أعصابك بكل طريق ممكن، حاولي إنتقاء الصديقات اللواتي يساعدنك على ضبط النفس والتحلي بالصبر. ابتعدي عن كل ما يدعو إلى إغضابك ويستثير أعصابك، من الأصدقاء والزملاء، وحاولي قدر الإمكان اجتناب المواقف المهيجة للغضب. استعيني أولاً وآخراً بالدعاء وسؤال الله تعالى أن يلهمك الصبر على كل شيء. ولا تقولي إنك لا تستطيعين أن تتحكمي في أعصابك، فإن الإحساس بالفشل وهمٌ ربما قاد إلى أن يصبح حقيقة مع الاستسلام له والرضى به. وأنت بعزيمتك وصدق نيتك سوف تصلين بإذن الله تعالى إلى ما تريدين، هذا مع العلم بأنك ربما تعانين من ذلك في البداية ولكن ثقي أنك سوف تسيطرين على نفسك في النهاية وأن ذلك المر والعناء سوف يستحيل عسلاً يوم تجنين ثمرته. والله اعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →