Полный текст (16 344 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
ماذا يحصل للمرأة في الجنة إذا كان زوجها من أهل النار ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد ذكر في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة العديد من الأذكار التي تصف ما سوف يجده المسلم الداخل إلى الجنة بإذن الله من ثواب ونعم وأخص بالذكر هنا الحور العين إضافة إلى أن يجمعه الله تعالى بزوجته إذا كانت من المؤمنات الصالحات.
وسؤالي هو: ماذا ينتظر المرأة المؤمنة الصالحة الداخلة إلى الجنة خصوصا إذا كان الزوج غير صالح، ومن أصحاب جهنم والعياذ بالله؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
نسأل الله أن يجعلنا وإياك من أهل الجنة، مع سائر الأهل والأحبة.
إذا دخل زوج المرأة معها الجنة، كان زوجَها هناك أيضا، أما إذا كان من أهل النار، أو كانت الفتاة لم تتزوج في الدنيا، فإنها تزوج برجل من أهل الجنة.
سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ ما نصه: إذا كانت المرأة من أهل الجنة ولم تتزوج في الدنيا، أو تزوجت ولم يدخل زوجها الجنة فمن يكون لها؟
فأجاب: " الجواب يؤخذ من عموم قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) فصلت/٣١، ومن قوله تعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الزخرف/٧١، فالمرأة إذا كانت من أهل الجنة ولم تتزوج، أو كان زوجها ليس من أهل الجنة فإنها إذا دخلت الجنة فهناك من أهل الجنة من لم يتزوجوا من الرجال، وهم –أعني من لم يتزوجوا من الرجال- لهم زوجات من الحور، ولهم زوجات من أهل الدنيا إذا شاءوا واشتهت ذلك أنفسهم.
وكذلك نقول بالنسبة للمرأة إذا لم تكن ذات زوج، أو كانت ذات زوج في الدنيا ولكنه لم يدخل معها الجنة أنها إذا اشتهت أن تتزوج فلابد أن يكون لها ما تشتهيه لعموم هذه الآيات " اهـ من مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ٢/٥٢
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 387
ما حكم رسم الفنان للجنة تخيلا
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم رسم الفنان للجنة تخيلا بما وصفها الرسول صلى الله على وسلم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يجوز، ولا يمكن لأن النبي ﷺ أخبر عن ربه في وصف الجنة: (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) . رواه البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٣٨٢٤) .
وهذا الرسم يؤدي إلى التقليل والتهوين من نعيم الجنة فنكتفي بالوصف كما ورد في القرآن الكريم والسنة وكما عرضها النبي ﷺ على أصحابه، والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 388
حياة الآخرة لا فناء بعدها
[السُّؤَالُ]
ـ[هل سيعيش البشر إلى الأبد في الآخرة أم إلى أن يشاء الله؟ ما المعتقد الإسلامي في ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
كتب الله تعالى على هذه الدنيا الفناء، وكتب على أهلها الموت، قال تعالى ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن / ٢٦، ٢٧، وقال تعالى ﴿كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون﴾ العنكبوت / ٧٥.
ثم يبعث الله تعالى العباد ويحييهم حياة أبدية لا نهاية لها، ويحاسبهم على أعمالهم فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء على إساءته، فينقسم الخلق قسمين فريق في الجنة، وفريق في السعير، فأهل الجنة خالدون فيها أبداً، وأهل النار من الكفار خالدون فيها كذلك أبداً.
وقد جاءت الآيات والأحاديث الصحيحة مصرِّحة بهذا، ومنها:
١- قال تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا﴾ النساء / ٥٧.
قال الطبري:
﴿خالدين فيها أبداً﴾ : يقول: باقين فيها أبداً، بغير نهاية ولا انقطاع، دائم ذلك لهم فيها أبداً.
" تفسير الطبري " (٥ / ١٤٤) .
٢ - وقال: ﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم﴾ المائدة / ١١٩.
٣- وقال: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً﴾ النساء / ١٦٩.
٤- وقال: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً. خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيراً﴾ الأحزاب / ٦٤، ٦٥.
٥ - وقال تعالى: (إِلا بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) الجن / ٢٣
قال ابن كثير:
﴿خالدين فيها أبداً﴾ : أي: ماكثين مستمرين، فلا خروج لهم منها، ولا زوال لهم عنها.
" تفسير ابن كثير " (٣ / ٥٢٠) .
٦- وأخبر الله تعالى عن الكفار أنهم لن يموتوا في النار ولن يحيون حياة طيبة، فقال: ﴿إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا﴾ طه / ٧٤، وقال ﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيا﴾ الأعلى / ١٣.
قال القرطبي:
﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ : أي: لا يموت فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياة تنفعه.
" تفسير القرطبي " (٢٠ / ٢١) .
٧-وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة﴾ وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا ﴿وهم لا يؤمنون﴾ .
رواه البخاري (٤٤٥٣) ومسلم (٢٨٤٩) .
وفي رواية ابن عمر في البخاري (٦١٨٢) ومسلم (٢٨٥٠) : " فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم ".
قال ابن القيم:
وهذا الكبش والإضجاع والذبح ومعاينة الفريقين ذلك: حقيقة، لا خيال ولا تمثيل كما أخطأ فيه بعض الناس خطا قبيحا، وقال: الموت عرَض، والعرَض لا يتجسَّم فضلا عن أن يذبح.
وهذا لا يصح؛ فان الله سبحانه ينشئ من الموت صورة كبش يذبح، كما ينشئ من الأعمال صوراً معاينة يثاب بها ويعاقب، والله تعالى ينشئ من الأعراض أجساماً تكون الأعراض مادة لها، وينشئ من الأجسام أعراضاً، كما ينشئ من الأعراض أعراضاً، ومن الأجسام أجساماً، فالأقسام الأربعة ممكنة مقدورة للرب تعالى، ولا يستلزم جمعاً بين النقيضين، ولا شيئاً من المحال، ولا حاجة إلى تكلف من قال إن الذبح لملك الموت، فهذا كله من الاستدراك الفاسد على الله ورسوله والتأويل الباطل الذي لا يوجبه عقل ولا نقل وسببه قله الفهم لمراد الرسول..
" حادي الأرواح " (ص ٢٨٣، ٢٨٤) .
٨- وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " يدخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ، ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار لا موت، ويا أهل الجنة لا موت، خلود ".
رواه البخاري (٦١٧٨) ومسلم (٢٨٥٠) .
٩- وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ينادي مناد (يعني في أهل الجنة) إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيَوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشِبُّوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، فذلك قوله ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ .
رواه مسلم (٢٨٢٧) .
فبادر أيها المسلم بالأعمال الصالحة في هذه الدنيا، فإنها أيام قلائل ثم تنتقل إلى حياة الأبد، فإما إلى جنة نعيمها لا ينفد، وإما إلى نار حرها إلى الأبد.. فالبدار البدار وإياك والتسويف فإن أكثر صياح أهل النار من سوف.
جعلنا الله وإياك من أهل الجنة آمين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 389
من هم اليهود والنصارى الذين يدخلون الجنة
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف نجمع بين قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (وبين أن من لم يؤمن من اليهود والنصارى بالإسلام فلن يدخل الجنة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الآية التي أشرت إليها في سؤالك مذكورة في موضعين متشابهين من كتاب الله، فالأول هو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) سورة البقرة
والثاني هو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ ءامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) سورة المائدة
وحتى نفهم المراد من الآيتين فهما صحيحا فلا بدّ أن نرجع إلى علماء التفسير، قال الإمام الكبير إسماعيل بن كثير ﵀ في تفسير آية البقرة:
نبه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاء الحسنى وكذلك الأمر إلى قيام الساعة كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلّفونه كما قال تعالى "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون"..
فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى ﵇ حتى جاء عيسى فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا، وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد ﷺ فمن لم يتبع محمدا ﷺ منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا.
(وقوله تعالى) "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين".. إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه به فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة فاليهود أتباع موسى ﵇ والذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.. فلما بعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له فأصحابه وأهل دينه هم النصارى.. فلما بعث الله محمدا ﷺ خاتما للنبيين ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق وجب عليهم تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر والانكفاف عما عنه زجر وهؤلاء هم المؤمنون حقا وسميت أمة محمد ﷺ مؤمنين لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية.
ثم قال ﵀ في تفسير آية المائدة:
والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله وباليوم الآخر وهو الميعاد والجزاء يوم الدين وعملت عملا صالحا ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا على ما تركوا وراء ظهورهم ولا هم يحزنون.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 390
ما هو مصير أختها التي عانت من امراض خطيرة ومؤلمة قبل الموت
[السُّؤَالُ]
ـ[توفيت أختي البالغة من العمر ١٤ عاماً وأنا أريد أن أعرف أين ذهبت هل الى الجنة أم الى النار حيث أنها عانت الكثير من أمراض عديدة ومن هذه الأمراض أن جسمها كان هشاً أي ينجرح بسهولة ويخرج منه الدم الذي اثر على جسمها داخلياً وخارجياً ولقد سبب لها ألماً كثيراً والعديد من العمليات وتضخم الكبد وسرطان الجلد وعانت في آخر أيامها من فشل كلوي وكانت على أجهزة تنظيف الكلى لمدة ٤ شهور وذلك تحت ألم شديد ومأساة موجعة. لقد كان موتها فجائياً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
من عقيدة أهل السنة والجماعة ألا يُقطع لأحدٍٍ من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من شهد له الله أو رسوله بذلك، لأن الشهادة بذلك لأحد من الناس لا تعلم إلا من جهة الوحي. والوحي قد انقطع بموت النبي ﷺ ، ولا يعلم حقيقة الخواتم وخبايا النفوس إلا الله الذي خلقها. إلا أن المسلم الموحد لابد له من دخول الجنة إذا شهد الشهادتين وقام بحقوقهما، وقد يعذبه الله على ما اقترف من الذنوب وقد يعفو عنه، ولكن آخر أمره سيكون إلى الجنة ولابد تصديقا لوعد الله المبشر بذلك.
وقد ثبت في النصوص أن من كان سنّه دون سن البلوغ من أطفال المسلمين أنه اذا مات يكون في رعاية نبي الله إبراهيم ﷺ وزوجته سارة وأنه يكون شفيعاً لوالديه يوم القيامه.
وأما من عاش الى مابعد البلوغ فإنه يجازى بأعماله إن خيراً فخير وإلا فإنه يكون تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
وماذكرته الأخت السائلة من تعرض أختها- رحمها الله- إلى البلاء المذكور في سؤالها فلعله إن شاء الله رفعة لها في درجتها عند الله فالمؤمن لا يصيبه هم ولا حزن إلا كّفر الله له به من خطاياه. وقد ثبت في الأحاديث أن من مات بمرض بطنه "المبطون" أنه شهيد، وسيتمنى أهل العافية يوم القيامة عندما يرون ما لأهل البلاء من الأجر أن جلودهم قرضت في الدنيا بالمقاريض.
ولذا فإننا نرجو لأختك إن ماتت وهي صابرة على ما أصابها مؤمنة بالله قائمة بما استطاعت من فرائضه أن لها عند الله أجراً عظيماً ومنزلة كريمة. نسأل الله أن يرحمنا وإياها إنه سميع مجيب. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 391
ماذا للنساء في الجنة
[السُّؤَالُ]
ـ[امرأة تسأل وتقول: أنا مؤمنة بالله وبكتابه حق الإيمان والحمد لله إيماني بالله يقوى يوماً بعد يوم...
سؤالي هو: أنّ القرآن الكريم دائماً يذكر الجزاء في الآخرة تكراراً ومراراً للرجال والحور العين والناس يقولون أن الإسلام دين السيطرة فيه للرجل فلماذا لم يذكر الجزاء للمرأة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أيتها الأخت السائلة ما دمت تؤمنين بالله وبكتابه فلا بدّ أنّك تعلمين أنّ الله قال في كتابه الكريم وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) الكهف
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُنْ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) النساء
لقد أنزل الله هذه الشريعة للرجال والنساء سواء وكلّ خطاب للرجال في القرآن فهو خطاب للنساء وكلّ حكم خوطب به الرّجال فالنساء مخاطبات به إلا ما دلّ الدليل على التفريق بينهما كأحكام الجهاد والحيض والمحرم والولاية وغير ذلك.
والدليل على أنّ خطاب الشارع وإن جاء بصيغة المذكّر فإنّ النساء داخلات فيه ما جاء عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلا يَذْكُرُ احْتِلامًا قَالَ يَغْتَسِلُ وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلا يَجِدُ الْبَلَلَ قَالَ لا غُسْلَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ الْمَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ أَعَلَيْهَا غُسْلٌ قَالَ نَعَمْ إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ": رواه أبو داود والترمذي ١١٣وغيرهما والعبارة الأخيرة منه " إنما النساء.. في صحيح الجامع ٢٣٣٣
وأما بالنسبة للجزاء في الآخرة وماذا للمرأة في الجنّة فإليك هذه الطائفة من الآيات والأحاديث:
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لا أَسْمَعُ اللَّهَ ذَكَرَ النِّسَاءَ فِي الْهِجْرَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) آل عمران والحديث رواه الترمذي رقم ٣٠٢٣
قال ابن كثير ﵀: (يقول تعالى "فاستجاب لهم ربهم" أي فأجابهم ربهم.. وقوله تعالى "أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى" هذا تفسير للإجابة أي قال لهم مخبرا أنه لا يضيع عمل عامل منكم لديه بل يوفي كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى وقوله "بعضكم من بعض" أي جميعكم في ثوابي سواء..)
وقال الله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) النساء
قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: " بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده ذكرانهم وإناثهم بشرط الإيمان وأنه سيدخلهم الجنة ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير وهو النقرة التي في ظهر نواة التمرة.. "
وقال : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) النحل
قال ابن كثير ﵀: " هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ من ذكر أو أنثى من بني آدم وقلبه مؤمن بالله رسوله وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة والحياة الطيبة تشتمل وجوه الراحة من أي جهة كانت "
وقال الله تعالى: (من عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠) غافر
وأخيرا إليكِ أيتها الأخت السائلة هذا الحديث الذي سيقضي تماما بإذن الله على كلّ وسوسة في صدرك بشأن ذكر النساء:
عَنْ أُمِّ عُمَارَةَ الأَنْصَارِيَّةِ أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ مَا أَرَى كُلَّ شَيْءٍ إِلاّ لِلرِّجَالِ وَمَا أَرَى النِّسَاءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) الآيَةَ رواه الترمذي ٣٢١١ وهو في صحيح الترمذي ٢٥٦٥
وفي مسند الإمام أحمد عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا لا نُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ كَمَا يُذْكَرُ الرِّجَالُ قَالَتْ فَلَمْ يَرُعْنِي مِنْهُ يَوْمًا إِلاّ وَنِدَاؤُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَالَتْ وَأَنَا أُسَرِّحُ رَأْسِي فَلَفَفْتُ شَعْرِي ثُمَّ دَنَوْتُ مِنَ الْبَابِ فَجَعَلْتُ سَمْعِي عِنْدَ الْجَرِيدِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥) الأحزاب
نسأل الله لنا ولك الإخلاص في القول، والعمل والثبات على هذا الدّين وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 392
ماتت أختها المولودة بتلف في الدماغ فما هو مصيرها
[السُّؤَالُ]
ـ[ولدت أختي ومعها تلف في الدماغ، وعلى الرغم من أن عمرها ١٦ عاماً، إلا انها غير قادرة على الكتابة والقراءة. أختي توفيت منذ شهر، أريد أن أعرف هل ذهبت الى الجنة أم الى النار؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فنسأل الله تعالى أن يرحمها، وأن يجمعك بها في جنات النعيم.
وقد قال النبي ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " رواه البخاري (١٢٩٦) ومسلم (٤٨٠٣) .
وقال: " رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق" رواه أصحاب السنن، وصححه الألباني في الإرواء برقم ٢٩٧
ومن ولد فاقد العقل أو تالف الدماغ، وكان أبواه مسلمين، فهو مسلم، تبعا لهما، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وحكم المجنون حكم الطفل إذا كان أبواه مسلمين كان مسلما تبعا لأبويه باتفاق المسلمين، وكذلك إذا كانت أمه مسلمة عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد. وكذلك من جُنَّ بعد إسلامه يثبت لهم حكم الإسلام تبعا لآبائهم. وكذلك المجنون الذي ولد بين المسلمين يحكم له بالإسلام ظاهرا تبعا لأبويه أو لأهل الدار كما يحكم بذلك للأطفال. لا لأجل إيمان قام به فأطفال المسلمين ومجانينهم يوم القيامة تبع لآبائهم) . مجموع الفتاوى ١٠/٤٣٧
وقال ابن حزم ﵀: (وأما المجانين الذين لا يعقلون حتى يموتوا فإنهم كما ذكرنا يولدون على الملة حنفاء، مؤمنين، ولم يغيروا، ولا بدلوا، فماتوا مؤمنين فهم في الجنة) الفصل ٤/١٣٥
فإن كانت أختك فاقدة للعقل والتمييز، ولا تدرك معنى العبادة وطريقة أدائها، فقد رفع عنها القلم، وهي على الفطرة، ونرجو لها الجنة، إلا أنا لا نشهد لمعين بالجنة، إلا من شهد له الرسول ﷺ بذلك.
أما إن كانت تعقل وتدري، وتميز، فهذه مكلفة كسائر المكلفين، تجازى على ما عملته بعد بلوغها، وكذا لو كانت تفيق أحيانا، ويذهب عقلها أحيانا، فتجازى على أعمالها وقت الإفاقة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 393
مشاهدة النبي ﷺ للجنة .
[السُّؤَالُ]
ـ[هل شاهد الرسول محمد ﷺ الجنة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
دلت النصوص الكثيرة أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن، وقد شاهد النبي ﷺ الجنة والنار، ثبت هذا في وقائع متعددة , فمن ذلك:
حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ... - الحديث وفيه - ... فَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ قَالَ ﷺ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا وَلَوْ أَصَبْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قِيلَ يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ " رواه البخاري (١٠٥٢) واللفظ له ومسلم (٩٠١) .
ورآها النبي ﷺ في منامه- ورؤيا الأنبياء وحي وحق- فرأى فيها الرميصاء , ورأى فيها قصراً لعمر بن الخطاب ﵂ وعنه. ورآها في ليلة المعراج إذ يغشى السدرة ما يغشى. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 394
الوعد بالجنة مشروط بتحقق الوعد وانتفاء الموانع
[السُّؤَالُ]
ـ[أظن أنه من غير العدل أن يدخل الجنة بعض المسلمين الذين يعيشون حياتهم عابثين إذا ما ماتوا بطريقة معينة. مثال ذلك، إذا مات أحدهم بالغرق أو انهار عليه بنيان، فإنه من المتوقع أن يذهب إلى الجنة. ولنقل أن هناك من حفظ أسماء الله الـ٩٩ لكنه لم يكن يصلي (في اليوم والليلة) إلا مرة أو مرتين. فهل سيدخل مثل هذا الجنة؟ قال النبي ﷺ "من حفظ أسماء الله الـ ٩٩ وُهبت له الجنة. أرجو أن تعلق على ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
في الحديث الصحيح: " إن لله تسعة وتسعين إسما ً من أحصاها دخل الجنة ". وإحصاؤها حِفظها وفهم المراد منها، والعمل بمقتضاها ودعاء الله بها. فمن فعل ذلك ولم يأت كبيرة من الكبائر، وحافظ على الصلاة فيرجى له دخول الجنة. أما مرتكب الكبائر فلا بد له من التوبة وهو مع ذلك تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه. وأما من مات بالغرق أو بالهدم فهو شهيد إذا كان مسلما فيرجى له تكفير السيئات كلها إلا الدَّيْن.
الشيخ عبد الكريم الخضير.
وأما تارك الصلاة بالكلية متعمداً فإن الراجح من أقوال العلماء أنه كافر بالله العظيم ومأواه النار حتى لو غرق أو انهدم عليه البنيان.
والشاهد أن الأحاديث التي فيها وعد بأجر وثواب معين كدخول الجنة أو النجاة من النار مشروط حصوله بتحقق الشروط وانتفاء الموانع ومن موانع دخول الجنة مثلاً ترك الصلاة ومن شروط حصول أجر الشهيد في المعركة مثلاً أن تكون نيته القتل لإعلاء كلمة الله وهكذا.
ثم نريد أن ننبهك أيها الأخ السائل أن المسلم لا يعترض على أحكام الله إذا ثبتت وعرف معناها، وإذا أشكل عليه شيء منها فليتهم عقله وفهمه ولا يتهم نصوص الشريعة.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 395
والدا النبي ﷺ في الجنة أو في النار ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[أين والدا الرسول ﷺ هل هما في الجنة أم في النار؟ نرجو الإفادة بالحديث الشريف الدال على ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد عن النبي ﷺ ما يدل على أن أبويه في النار.
روى مسلم (٢٠٣) عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ. فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّار.
(فَلَمَّا قَفَّى) أي انصرف.
قال النووي ﵀:
فِيهِ: أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْر فَهُوَ فِي النَّار , وَلا تَنْفَعهُ قَرَابَة الْمُقَرَّبِينَ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَة عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَب مِنْ عِبَادَة الأَوْثَان فَهُوَ مِنْ أَهْل النَّار , وَلَيْسَ هَذَا مُؤَاخَذَة قَبْل بُلُوغ الدَّعْوَة , فَإِنَّ هَؤُلاءِ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَة إِبْرَاهِيم وَغَيْره مِنْ الأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه تَعَالَى وَسَلامه عَلَيْهِمْ اهـ.
وروى مسلم (٩٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي.
قال في "عون المعبود":
(فَلَمْ يَأْذَن لِي) : لأَنَّهَا كَافِرَة وَالاسْتِغْفَار لِلْكَافِرِينَ لا يَجُوز اهـ.
وقال النووي ﵀:
فِيهِ: النَّهْي عَنْ الاسْتِغْفَار لِلْكُفَّارِ اهـ.
وقال الشيخ بن باز ﵀:
" والنبي ﷺ حينما قال: (إن أبي وأباك في النار) قاله عن علم، فهو ﵊ لا ينطق عن الهوى، كما قال الله : (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) النجم/١-٤. فلولا أن عبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ قد قامت عليه الحجة؛ لما قال النبي ﷺ في حقه ما قاله، فلعله بلغه ما يوجب عليه الحجة من جهة دين إبراهيم ﵊، فإنهم كانوا على ملة إبراهيم حتى أحدثوا ما أحدثه عمرو بن لحي الخزاعي، وسار في الناس ما أحدثه عمرو، من بث الأصنام ودعائها من دون الله، فلعل عبد الله كان قد بلغه ما يدل على أن ما عليه قريش من عبادة الأصنام باطل فتابعهم؛ فلهذا قامت عليه الحجة. وهكذا ما جاء في الحديث من أنه ﷺ استأذن أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له، فاستأذن أن يزورها فأذن له، فهو لم يؤذن له أن يستغفر لأمه؛ فلعله لأنه بلغها ما يقيم عليها الحجة، أو لأن أهل الجاهلية يعاملون معاملة الكفرة في أحكام الدنيا، فلا يدعى لهم، ولا يستغفر لهم؛ لأنهم في ظاهرهم كفار، وظاهرهم مع الكفرة، فيعاملون معاملة الكفرة وأمرهم إلى الله في الآخرة " اهـ. فتاوى "نور على الدرب".
وقد ذهب السيوطي ﵀ إلى نجاة أبوي الرسول ﷺ ، وأن الله تعالى أحياهما له بعد موتهما وآمنوا به.
وهذا القول أنكره عامة أهل العلم، وحكموا بأن الأحاديث الواردة في ذلك موضوعة أو ضعيفة جداً.
قال في "عون المعبود":
"وَكُلّ مَا وَرَدَ بِإِحْيَاءِ وَالِدَيْهِ ﷺ وَإِيمَانهمَا وَنَجَاتهمَا أَكْثَره مَوْضُوع مَكْذُوب مُفْتَرًى , وَبَعْضه ضَعِيف جِدًّا لا يَصِحّ بِحَالٍ لاتِّفَاقِ أَئِمَّة الْحَدِيث عَلَى وَضْعه كَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْجَوْزَقَانِيّ وَابْن شَاهِين وَالْخَطِيب وَابْن عَسَاكِر وَابْن نَاصِر وَابْن الْجَوْزِيّ وَالسُّهَيْلِيّ وَالْقُرْطُبِيّ وَالْمُحِبّ الطَّبَرِيّ وَفَتْح الدِّين بْن سَيِّد النَّاس وَإِبْرَاهِيم الْحَلَبِيّ وَجَمَاعَة. وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَام فِي عَدَم نَجَاة الْوَالِدَيْنِ الْعَلامَة إِبْرَاهِيم الْحَلَبِيّ فِي رِسَالَة مُسْتَقِلَّة , وَالْعَلامَة عَلِيّ الْقَارِي فِي شَرْح الْفِقْه الأَكْبَر وَفِي رِسَالَة مُسْتَقِلَّة , وَيَشْهَد لِصِحَّةِ هَذَا الْمَسْلَك هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح (يعني حديث: إن أبي وأباك في النار) وَالشَّيْخ جَلال الدِّين السُّيُوطِيّ قَدْ خَالَفَ الْحَفاظ وَالْعُلَمَاء الْمُحَقِّقِينَ وَأَثْبَتَ لَهُمَا الإِيمَان وَالنَّجَاة فَصَنَّفَ الرَّسَائِل الْعَدِيدَة فِي ذَلِكَ , مِنْهَا رِسَالَة التَّعْظِيم وَالْمِنَّة فِي أَنَّ أَبَوَيْ رَسُول اللَّه ﷺ فِي الْجَنَّة" اهـ.
وسُئِلَ شَّيْخ الإسلام رحمه الله تعالى:
هَلْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ اللَّهَ ﵎ أَحْيَا لَهُ أَبَوَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَا عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ مَاتَا بَعْدَ ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ: لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ; بَلْ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ. .. وَلا نِزَاعَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ مِنْ أَظْهَر الْمَوْضُوعَاتِ كَذِبًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي الْحَدِيثِ ; لا فِي الصَّحِيحِ وَلا فِي السُّنَنِ وَلا فِي الْمَسَانِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفَةِ وَلا ذَكَرَهُ أَهْلُ كُتُبِ الْمَغَازِي وَالتَّفْسِيرِ وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَرْوُونَ الضَّعِيفَ مَعَ الصَّحِيحِ. لأَنَّ ظُهُورَ كَذِبِ ذَلِكَ لا يَخْفَى عَلَى مُتَدَيِّنٍ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَوْ وَقَعَ لَكَانَ مِمَّا تَتَوَافَرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الأُمُورِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَمِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ بَعْدَ الْمَوْتِ. فَكَانَ نَقْلُ مِثْلِ هَذَا أَوْلَى مِنْ نَقْلِ غَيْرِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ الثِّقَاتِ عُلِمَ أَنَّهُ كَذِبٌ. . .
ثُمَّ هَذَا خِلافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَالإِجْمَاعِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) النساء/١٧، ١٨. فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ لا تَوْبَةَ لِمَنْ مَاتَ كَافِرًا. وَقَالَ تَعَالَى: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) فَأَخْبَرَ أَنَّ سُنَّتَهُ فِي عِبَادِهِ أَنَّهُ لا يَنْفَعُ الإِيمَانُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ ; فَكَيْفَ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ. . . . ثم ذكر الحديثين الذين تقدما في أول الجواب اهـ. "مجموع الفتاوى" (٤/٣٢٥-٣٢٧) . باختصار.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 396
خلود أهل النار في النار
[السُّؤَالُ]
ـ[هل عذاب أهل النار في النار إلى ما لا نهاية له؟ أم أنه سوف يأتي عليه وقت وينتهي؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
بقاء أهل النار في النار معذبين لا نهاية له، فهو بقاء إلى الأبد. وقد دل على ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة.
سئل الشيخ ابن عثيمين: هل النار مؤبدة أو تفنى؟
فأجاب:
"المتعيّن قطعاً أنها مؤبدة ولا يكاد يعرف عند السلف سوى هذا القول، ولهذا جعله العلماء من عقائدهم، بأن نؤمن ونعتقد بأن النار مؤبدة أبد الآبدين، وهذا الأمر لا شك فيه، لأن الله تعالى ذكر تأبيد النار في ثلاثة مواضع في القرآن:
الأول: في سورة النساء في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)
والثاني: في سورة الأحزاب: (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً* خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) .
والثالث: في سورة الجن: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)
ولو ذكر الله التأبيد في موضع واحد لكفى، فكيف وقد ذكره في ثلاثة مواضع؟! ومن العجب أن فئة من العلماء ذهبوا إلى أن النار تفنى بناء على علل عليلة لمخالفتها لمقتضى الكتاب والسنة وحرفوا من أجلها الكتاب والسنة فقالوا: إن "خالدين فيها أبداً" أي: ما دامت موجودة.
وكيف يصح هذا؟! إذا كانوا خالدين فيها أبداً، لزم أن تكون هي مؤبدة أنهم خالدون "فيها" فهم كائنون فيها، وإذا كان الإنسان خالداً مؤبداً تخليدُه، لزم أن يكون مكان الخلود مؤبداً، لأنه لو فني مكان الخلود ما صح تأبيد الخلود، والآية واضحة جداً. والتعليلات الباردة المخالفة للنص مردودة على صاحبها، وهذا الخلاف الذي ذكر عن فئة قليلة من أهل العلم خلاف مطرح لأنه مخالف للنص الصريح الذي يجب على كل مؤمن أن يعتقده، ومن خالفه لشبهة قامت عنده فيعذر عند الله، لكن من تأمل نصوص الكتاب والسنة عرف أن القول بتأبيدها هو الحق الذي لا يحق العدول عنه" اهـ.
مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢/٥٥-٥٦) .
وجاء في " فتاوى اللجنة الدائمة":
"قامت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على أن النار لا تفنى، وعلى تخليد الكافرين في النار، وأنهم لا يخرجون منها، قال الله تعالى:) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) وقال:) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) ، وقال: (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً) . وقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) , وقال: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) وقال:) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ* وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُون) .
وقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) إلى أن قال: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) . وقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ* لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) . وقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) وقال: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً) إلى أن قال: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً) .
إلى غير ذلك من الآيات التي يدل كل منها على تخليد الكفار في النار وعدم خروجهم منها وعدم فنائها، فإذا اجتمعت كانت دلالتها على ذلك أقوى وأبعد عن التأويل" اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 397
نسبة أهل الجنة إلى أهل النار
[السُّؤَالُ]
ـ[يوجد في صحيح البخاري حديثان برقمي (٦٥٢٩ , ٦٥٣٠) بترقيم فتح الباري , في الحديث رقم (٦٥٢٩) ما يفيد أن:
" بعث جهنم من كل مائة تسعة وتسعين "، وفي الحديث رقم (٦٥٣٠) ما يفيد أن: " بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ". أرجو الشرح والتوضيح جزاكم الله خيراً.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحديث الأول رواه البخاري (٦٥٢٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمُ، فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ، فَيُقَالُ: هَذَا أَبُوكُمْ آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، كَمْ أُخْرِجُ؟ فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا أُخِذَ مِنَّا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَمَاذَا يَبْقَى مِنَّا؟ قَالَ: إِنَّ أُمَّتِي فِي الأُمَمِ كَالشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ.
الحديث الثاني رواه البخاري (٣٣٤٨) ومسلم (٢٢٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلا، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا. فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ.
ومعنى "بَعْثَ النَّارِ" أي: الذين يبعثون إلى النار من ذرية آدم.
ومعنى "أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ" أي: مَيِّزْ أَهْلَ النَّارِ مِنْ غَيْرهمْ.
ففي الحديث الأول أن عدد الناجين يوم القيامة عشرة من الألف، وفي الحديث الثاني واحد من الألف.
وقد جمع العلماء بين الحديثين بعدة طرق، ومنها:
١- أن مفهوم العدد لا اعتبار له، فالتخصيص بعددٍ لا يدل على نفي الزائد، والمقصود من العددين واحدٌ وهو تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين.
٢- حمْل حديث أبي سعيد الخدري على جميع ذرية آدم، فيكون مِن كل ألف واحدٌ، وحمْل حديث أبي هريرة على مَن عدا يأجوج ومأجوج، فيكون من كل ألف عشرة، ويقرب ذلك أن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة.
٣- ويحتمل أن تقع القسمة مرتين: مرة من جميع الأمم قبل هذه الأمة فيكون من كل ألف واحدٌ، ومرة من هذه الأمة فقط فيكون من كل ألف عشرة.
٤- ويحتمل أن يكون المراد ببعث النار: " الكفار ومن يدخلها من العصاة " فيكون من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كافراً، ومن كل مائة تسعة وتسعون عاصياً.
ذكر هذه الأجوبة الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١١ / ٣٩٠) .
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 398
تطهير العصاة
[السُّؤَالُ]
ـ[سمعت بأنه سيتم يوم القيامة تطهير جميع من سيدخل الجنة بأن يذهبوا للنار أولاً حتى يطهروا من سيئاتهم ثم يدخلون الجنة وسيُستثنى المسلم الذي ضمن الله له الجنة والشهيد، فهل هذا صحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
لعل السائل يشير إلى قول الله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضيا. ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ وهذا الخطاب لسائر الخلق، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، أنه ما منهم من أحد إلا سَيرِد النار، حكماً حتمه الله على نفسه، وأوعد به عباده، فلا بد من نفوذه، ولا محيد عن وقوعه.
واختُلِفَ في معنى الورود فقيل: ورودها، حضورها للخلائق كلهم، حتى يحصل الانزعاج من كل أحد ثم بعدُ ينجي الله المتقين.
وقيل: ورودها، دخولها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً.
وقيل الورود هو المرور على الصراط الذي هو جسم على ظهر جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم فمنهم من يمر كلمح البصر، وكالريح، وكأجاويد الخيل، وكأجاويد الركاب.
ومنهم من يسعى، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يُخطف فيُلقى في النار، كلٌّ بحسب تقواه، ولهذا قال: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ الله تعالى بفعل المأمور، واجتناب المحظور ﴿ونذر الظالمين﴾ أنفسهم بالكفر والمعاصي ﴿فيها جثيا﴾ وهذا بسبب ظلمهم وكفرهم، وجب لهم الخلود وحقَّ عليهم العذاب، وتقطعت بهم الأسباب. انتهى من تفسير ابن سعدي ص ٨١١
ثانياً:
لابد لمن سيدخل الجنة أن يتطهر من جميع ذنوبه قبل دخولها، وتطهير العصاة من ذنوبهم يحصل في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا جعل الله لعباده طرقاً يتخلصون بها من عقوبات معاصيهم وسيئاتهم بالاستغفار والتوبة النصوح والحسنات الماحية..
وقد تقدم الكلام على ذلك في السؤال رقم (١٣٦٩٣) .
وأما تطهير العصاة في الآخرة فإنه يحصل بأمور:
١- دعاء المؤمنين للمؤمن مثل صلاتهم على جنازته فعن عائشة وأنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: " ما من ميت يصلي عليه أُمةٌ من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون إلا شُفِّعوا فيه " رواه مسلم (٩٤٧)
وعن ابن عباس ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه " رواه مسلم (٩٤٨)
... فعُلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت.
٢- ما عمله الإنسان من الصدقات الجارية في حياته فإنه ينتفع بها بعد موته.
٣- ما يُعمل للميت من أعمال البر كالصدقة والحج ونحو ذلك فإن هذا ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " رواه مسلم ١٦٣٨
٤- ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة، فإن هذا مما يُكفر به الخطايا.
٥- شفاعة النبي ﷺ وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة مثل قوله في الحديث الصحيح شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وقوله صلي الله عليه وسلم خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكثر أترونها للمتقين لا ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين. رواه ابن ماجه ٤٣١١ وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة ٣٤٨٠
٦- أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها.
٧- رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْئَسْ مِنْ الْجَنَّةِ وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ النَّارِ " رواه البخاري ٦٤٦٩
وقال رسول الله ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ (أي ستره) وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ " رواه البخاري ٢٤٤١
٨- ما ثبت في الصحيحين أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة فعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا. رواه البخاري ٦٥٣٥
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
قَوْله (إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّار) أَيْ نَجَوْا مِنْ السُّقُوطِ فِيهَا بَعْدَمَا جَازُوا عَلَى الصِّرَاط.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَؤُلاءِ الْمُؤْمِنُونَ هُمْ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ الْقِصَاص لا يَسْتَنْفِدُ حَسَنَاتِهِمْ.
قُلْت (الحافظ) : وَلَعَلَّ أَصْحَاب الأَعْرَاف مِنْهُمْ عَلَى الْقَوْل الْمُرَجَّحِ آنِفًا , وَخَرَجَ مِنْ هَذَا صِنْفَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ: مَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ; وَمَنْ أَوْبَقَهُ عَمَلُهُ.
أَوْبَقَهُ: أي أهلكه
قَوْله (فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ) ... الصِّرَاط جِسْرٌ مَوْضُوعٌ عَلَى مَتْنِ (أي: ظهر) جَهَنَّمَ والْجَنَّة وَرَاءَ ذَلِكَ فَيَمُرُّ عَلَيْهِ النَّاسُ بِحَسَبِ أَعْمَالهمْ , فَمِنْهُمْ النَّاجِي وَهُوَ مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ أَوْ اِسْتَوَيَا أَوْ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ , وَمِنْهُمْ السَّاقِطُ وَهُوَ مَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ إِلا مَنْ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ , فَالسَّاقِط مِنْ الْمُوَحِّدِينَ يُعَذَّبُ مَا شَاءَ اللَّه ثُمَّ يَخْرُجُ بِالشَّفَاعَةِ وَغَيْرِهَا , وَالنَّاجِي قَدْ يَكُون عَلَيْهِ تَبِعَاتٌ وَلَهُ حَسَنَات تُوَازِيهَا أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا يَعْدِلُ تَبِعَاتِهِ فَيَخْلُصُ مِنْهَا.
قَوْله (حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا) َهُمَا بِمَعْنَى التَّمْيِيزِ وَالتَّخْلِيصِ مِنْ التَّبِعَاتِ. انتهى
فإن لم يتطهر المسلم الموحد العاصي من معاصيه بسبب من هذه الأسباب فإنه يدخل النار ليتم تطهيره فيها ولكنه لا يخلد في النار بل يخرج بشفاعة الشافعين ورحمة أرحم الراحمين.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
" أما العصاة: كقاتل النفس بغير حق والزاني والعاق لوالديه وآكل الربا وشارب المسكر إذا ماتوا على هذه المعاصي وهم مسلمون، وهكذا أشباههم هم تحت مشيئة الله كما قال سبحانه: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فإن شاء جل وعلا عفا عنهم لأعمالهم الصالحة التي ماتوا عليها وهي توحيده وإخلاصهم لله وكونهم مسلمين أو بشفاعة الشفعاء فيهم مع توحيدهم وإخلاصهم.
وقد يعاقبهم سبحانه ولا يحصل لهم عفو فيعاقبون بإدخالهم النار وتعذيبهم فيها على قدر معاصيهم ثم يخرجون منها، كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﵊ أنه يشفع للعصاة من أمته، وأن الله يحد له حدا في ذلك عدة مرات، يشفع ويخرج جماعة بإذن الله ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع ﵊ (أربع مرات) ، وهكذا الملائكة وهكذا المؤمنون وهكذا الأفراط (وهم الأولاد الذين ماتوا قبل البلوغ) كلهم يشفعون ويخرج الله سبحانه من النار بشفاعتهم من شاء ويبقى في النار بقية من العصاة من أهل التوحيد والإسلام فيخرجهم الرب سبحانه بفضله ورحمته بدون شفاعة أحد، ولا يبقى في النار إلا من حكم عليه القرآن بالخلود الأبدي وهم الكفار. انتهى مجموع فتاوى ومقالات ابن باز (٩/٣٨٠)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رسول الله ﷺ : ... حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَمَرَ الْمَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِعَلَامَةِ آثَارِ السُّجُودِ وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيُخْرِجُونَهُمْ قَدْ امْتُحِشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ... رواه البخاري ٦٥٧٤ ومسلم ١٧٢
امْتُحِشُوا: أي احترقوا
حَمِيلِ السَّيْلِ: أي ما يحمله السيل من طين ونحوها
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ... رواه مسلم ١٨٥
ومعنى ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ (أي: جماعات متفرقة)
نسأل الله أن يرحمنا برحمته ... وأن يتجاوز عنا.. والحمد لله رب العالمين
والله أعلم
المراجع:
فتاوى ابن تيمية (٧/٤٩٨- ٥٠١) / منهاج السنة (٦/٢٣٨) / فتح الباري (١١/٤٠٦) البحار الزاخرة ٢٤٢.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 399
هل هناك حيوانات في الجنة ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك حيوانات في الجنة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحيوانات التي جاءت الأخبار أنها في الجنة على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما جاء منها أنها حيوانات مخصوصة بعينها في الجنة مثل: كلب أهل الكهف، وناقة صالح ﵇، وهذه لم يصح منها شيء.
والقسم الثاني: ما جاء ذكره في القرآن والسنة مما أعدَّه الله للمؤمنين في الجنة، سواء نصَّ عليها كالطيور كما في قوله تعالى: (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) الواقعة / ٢١، أو أطلق ذكرها كقوله تعالى: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) الطور/٢٢.
ومثل ذلك – أيضاً – الثور الذي أعدَّه الله تعالى طعاماً لأهل الجنَّة، كما جاء عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائماً عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها.... قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال – ﷺ : يُنحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها ... رواه مسلم (٣١٥) .
والقسم الثالث: ما ورد في السنة الصحيحة من النص على بعض الحيوانات بعينها أنها في الجنة، ومنه: أ. عن أبي هريرة ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلوا في مراح الغنم وامسحوا رغامها فإنها من دواب الجنة) . رواه البيهقي (٢/٤٤٩) وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٣٧٨٩) .
والرغام (بالغين) هو التراب، وروي الرعام (بالعين) وهو ما سال من أنف الشاة. والمعنى: امسحوا عنها التراب، أو امسحوا ما سال من أنفها، إصلاحا لشأنها، ورعاية لها. قاله المناوي في "فيض القدير".
ب. عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : لك بها يوم القيامة سبع مائة ناقة كلها مخطومة. رواه مسلم (١٨٩٢) .
قال النووي:
قوله: معنى " مخطومة " أي: فيها خطام , وهو قريب من الزمام، قيل: يحتمل أن المراد له أجر سبعمائة ناقة , ويحتمل أن يكون على ظاهره , ويكون له في الجنة بها سبعمائة كل واحدة منهن مخطومة، يركبهن حيث شاء للتنزه , كما جاء في خيل الجنة ونجبها، وهذا الاحتمال أظهر، والله أعلم.
" شرح النووي " (١٣ / ٣٨) .
وحديثا النجائب – وهي الإبل – والخيل الذي أشار إليه النووي هما:
أ. عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: " إن أهل الجنة يتزاورون على النجائب بيض كأنهن الياقوت، وليس في الجنة شيء من البهائم إلا الإبل والطير ". رواه الطبراني في " الكبير " (٤ / ١٧٩) .
قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه جابر بن نوح وهو ضعيف. " مجمع الزوائد " (١٠ / ٤١٣) .
وضعفه الألباني في " ضعيف الجامع " (١٨٣٣) .
ب. عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هل في الجنة من خيل؟ قال: إنِ اللهُ أدخلك الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت، قال: وسأله رجل فقال يا رسول الله هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم يقل له مثل ما قال لصاحبه، قال: إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك.
رواه الترمذي (٢٥٤٣) . وحسَّنه الألباني في " صحيح الترغيب " (٣ / ٥٢٢) .
ونحوه عن أبي أيوب عند الترمذي (٢٥٤٤) وصححه الألباني– أيضاً – (٣ / ٤٢٣) .
وقد ورد في أحاديث صحيحة أن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة تسرح حيث شاءت.
وينبغي أن يعلم أن الطيور والخيل والإبل التي في الجنة لا تتفق مع ما في الدنيا إلا في الأسماء فقط، أما حقيقة صفتها فلا يعلمها إلا الله تعالى، غير أننا نعلم أنها في غاية الجمال والبهاء لأنها من أنواع النعيم الذي أعده الله تعالى لأوليائه في الجنة، وإلى هذا أشار النبي ﷺ في الحديث المتقدم بأن فرس الجنة من ياقوتة حمراء، ويطير بصاحبه حيث يشاء.
نسأل الله تعالى أن ينعم علينا ويدخلنا الجنة برحمته، إنه جواد كريم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 400
معترضة على كون الرجل عنده حور عين يشاركونها في زوجها
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا سيحصل للزوجين في الجنة؟ سمعت بأن الزوجة ستكون مع زوجها بالإضافة لسبعين من الحور في خدمته. هذا بالنسبة لي ليس عدلاً بالنسبة للمرأة إذا شاركوها في زوجها بهذه الطريقة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الواجب على المؤمن التسليم لأحكام الله تعالى الشرعية والقدرية، قال الله تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) النور/٥١.
وإذا أشكل على المؤمن شيء من أحكام الله تعالى ولم يعرف معناه أو حكمته، فعليه أن يقول كما قال الراسخون في العلم: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) آل عمران / ٧
ولا يجوز لمؤمن أن يقول على حكم من أحكام الله تعالى إنه ليس بعدل، تعالى الله تعالى عن ذلك، قال الله تعالى: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) فصلت / ٤٦
ولا حكم أفضل ولا أحسن من حكم الله تعالى: قال الله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) التين / ٨.
وقال: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة / ٥٠.
ثانياً:
في هذا السؤال خطآن ومغالطة، أما الخطأ الأول: فهو قول السائلة بأن الرجل في الجنة سيكون له سبعون من الحور العين، والذي ثبت في السنَّة الصحيحة أن للشهيد ثنتين وسبعين من الحور العين. وأن أدنى أهل الجنة له زوجتان. ومنهم من له أكثر من ذلك.
عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله ﷺ : " للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه ".
رواه الترمذي (١٦٦٣) وابن ماجه (٢٧٩٩) . صححه الألباني في صحيح الترمذي.
وقد ورد ما هو أكثر من ذلك، رواه أبو نعيم في "صفة الجنة" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء. يعني في الجنة) صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٦٧) .
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة ومثل له شجرة ذات ظل ... قال: ثم يدخل بيته فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك، قال: فيقول ما أعطي أحد مثل ما أعطيت.
رواه مسلم (١٨٨) .
قال الحافظ:
وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ أَقَلّ مَا لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اهـ.
ثالثاً:
وأما الخطأ الثاني فهو قول السائلة إن الحور العين تكون للخدمة، وهذا غير صحيح، بل الذي يخدم أهل الجنة إنما الغلمان المخلَّدون.
قال الله تعالى: ﴿ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون﴾ الطور / ٢٤، وقال: ﴿ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً﴾ الإنسان / ١٩.
وأما الحور العين فهنَّ زوجات للرجل في الجنة عدا زوجاته من أهل الدنيا، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ الدخان / ٥٤، وقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ الطور / ٢٠.
رابعاً:
وأما المغالطة فهي قول السائلة " هذا بالنسبة لي ليس عدلاً بالنسبة للمرأة إذا شاركوها في زوجها بهذه الطريقة "، إذ العدل إنما هو في أحكام الشرع لا فيما يظنه من لم يعرف الشرع وأحكامه فضلاً عن حكَمه.
والأخت السائلة تظن أن ما في قلبها من الغيرة وما يعقب ذلك من الكمد والأسى سيبقى معها في الجنة، وهذا غير صحيح، ومن هنا جاءت المغالطة في سؤالها.
قال الله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ الأعراف / ٤٣.
فليس في الجنة إلا النعيم والسرور، ولا مكان للحقد والغل في قلوب أهل الجنة، والحور العين خلْق من الله تعالى إكراماً لأهل الجنة زيادة في نعيمهم، ثم إن الرجل يُعطى قوة مئة رجل في الجماع، فليس ثمة ما يؤثر كثرة العدد على المرأة، ولن يكون في قلبها ما يكون في الدنيا تجاه ضرائرها أو تجاه إماء زوجها.
عن زيد بن أرقم قال: قال لي رسول الله ﷺ : " إن الرجل من أهل الجنة يعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والشهوة والجماع "، فقال رجل من اليهود: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، قال: فقال له رسول الله ﷺ : " حاجة أحدهم عرق يفيض من جلده فإذا بطنه قد ضمر ". أي: انهضم ما في بطنه من الطعام. (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة / ٥٠.
رواه أحمد (١٨٨٢٧) ، وصححه ابن حبان (١٦ / ٤٤٣) ، والشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (١٦٢٧) .
وعن أنس عن النبي ﷺ قال: " يُعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع، قيل: يا رسول الله أو يطيق ذلك؟ قال: يُعطى قوة مائة ".
رواه الترمذي (٢٥٣٦) ، وصححه ابن حبان (١٦ / ٤١٣) ، والشيخ الألباني في " صحيح الجامع " (٨١٠٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 401
الجنة والنار موجودتان، وهما باقيتان بإبقاء الله لهما
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الجنة والنار موجودتان الآن؟ أم انهما لم يخلقا بعد؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
وبعد: فقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن لا يشك في ذلك أحد منهم لكثرة الأدلة الدالة على ذلك من الكتاب والسنة.
فمن نصوص الكتاب:
قوله تعالى عن الجنة: (أعدت للمتقين) آل عمران/١٣٣ وقوله: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله) الحديد/٢١ وقال تعالى: (ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى.عندها جنة المأوى) النجم/١٣-١٥.
وقوله عن النار (أعدت للكافرين) البقر/٢٤ ومعنى قوله تعالى: أعدت: أي هيئت. فهو دليل على أنهما موجودتان الآن.
وأما نصوص السنة:
فقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في صحيح البخاري (٣٣٦) ومسلم (٢٣٧) واللفظ له من حديث أنس ﵁ في قصة الإسراء، وفي آخره ثم " انطلق بي جبرائيل حتى أتى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي قال: "ثم دخلت الجنة فإذا هي جنابذ [أي قباب] اللؤلؤ وإذا ترابها المسك ".
وفي البخاري (١٢٩٠) ومسلم (٥١١١) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ".
وفي حديث البراء بن عازب ﵁ الطويل: " ينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها " وهو حديث صحيح صححه ابن القيم في تهذيب السن (٤ / ٣٣٧) والألباني في أحكام الجنائز (٥٩) .
وفي صحيح البخاري (٩٩٣) ومسلم (١٥١٢) عن عبد الله بن عباس ﵄ قال:" انخسفت الشمس على عهد رسول الله ـ فذكر الحديث ـ وفيه فقال: " إني رأيت الجنة وتناولت عنقودا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ... ".
وفي صحيح مسلم (٦٤٦) من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: " والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا. قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار ".
وفي سنن الترمذي (٢٤٨٣) وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا. قَالَ: " فَجَاءَهَا وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِ قَالَ فَوَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا. فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ؛ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَانْظُرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لأَهْلِهَا فِيهَا قَالَ فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. قَالَ: اذْهَبْ إِلَى النَّارِ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلَهَا. فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ؛ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا. فَرَجَعَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا " وقَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.وقال الحافظ في الفتح (٦ / ٣٢٠) : " إسناده قوي ".
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا. وقد عقد البخاري في صحيحه بابا قال فيه:" باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة " وذكر أحاديث منها ما تقدم من أن الله يُري الميت مقعده من الجنة والنار بعد أن يوضع في قبره.
فما بقي على العبد إلا أن يشمر ويجتهد في طاعة ربه والكف عن معصيته رجاء الفوز جنته والنجاة من أليم عقابه. والله تعالى أعلم.
يراجع: شرح العقيدة الطحاوية للإمام ابن أبي العز الحنفي (١ / ٤٧٥ وما بعدها) ، وكتاب الجنة والنار للشيخ / عمر الأشقر (١٣ - ١٨) .
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 402
هل في الجنة مطار وطائرات ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ربما يبدو سؤالي طفوليّاً، إذا كان شخص يحب شيئاً في هذه الدنيا حبّاً عظيماً، فهل يحصل عليه في الجنة؟ كأن يحب الطائرات مثلاً، فهل يحصل عليها في الجنة؟ وهل يمكن أن يحصل على مطار أيضاً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس هذا السؤال طفوليّاً، بل هو شرعي من عاقل يحسن السؤال ويبحث عن الفائدة وعما يزيد شوقه للجنة وعمله للوصول لها، وقد سأل بعض أصحاب النبي ﷺ ما هو من جنس هذا السؤال.
فعن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هل في الجنة من خيل؟ قال: إنِ اللهُ أدخلك الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت، قال: وسأله رجل فقال يا رسول الله هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم يقل له مثل ما قال لصاحبه، قال: إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك.
رواه الترمذي (٢٥٤٣) ، والحديث حسَّنه الشيخ الألباني في " صحيح الترغيب " (٣ / ٥٢٢) .
أما عن موضوع سؤالك المعين عمن يحب الطيران والطائرات فقد ورد في جنس هذا النعيم أحاديث صحيحة متنوعة.
فقد ثبت أن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة تسرح حيث شاءت رواه مسلم (٢٤١٠) .
وثبت أن جعفر بن أبي طالب ﵁ يطير في الجنة بجناحين إكراماً من الله بدل يديه اللتين قطعتا في غزوة مؤتة.
فعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " رأيتُ جعفراً يطير في الجنة مع الملائكة ".
رواه الترمذي (٣٧٦٣) ، وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (٣٤٦٥) .
وعن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا سلم على ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.
رواه البخاري (٣٥٠٦) .
والظاهر أن طيران الإنسان بنفسه أبلغ عند أكثر الناس من طيرانه بواسطة، وأن طيرانه بالخيل في الجنة كما في الحديث المذكور في أول السؤال أبلغ من الطيران بالطائرات، وقد جاءت آيات وأحاديث في أن للإنسان في الجنة من النعيم ما تشتهيه نفسه وأبلغ من ذلك.
كما في قوله الله تعالى: ﴿يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون﴾ الزخرف / ٧١.
قال السعدي في تفسير هذه الآية:
" ما تشتهيه الأنفس " هذا اللفظ جامع يأتي على كل نعيم وفرح وقرة عين وسرور قلب ... على أكمل الوجوه وأفضلها.
وقوله تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤون كذلك يجزي الله المتقين﴾ النحل / ٣١.
وقوله ﷺ : قال الله: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فاقرءوا إن شئتم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ .
رواه البخاري (٣٠٧٢) ومسلم (٢٨٢٤) .
فينبغي أن يقرر الإنسان في نفسه كمال الجنة المطلق وكمال سعادة أهلها.
أما الجزم بأن في الجنة طائرات ومطارات ونحو ذلك مما لم يرد إثباته في النصوص فهذا من علم الغيب الذي يحتاج إلى دليل.
ونقول كما قال الرسول ﷺ : (إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك)
نسأل الله أن يعيننا وإياك للعمل بما يقودنا إلى النعيم المقيم في الجنة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 403
هل يجامع الرجال في الجنة الحور العين
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجامع الرجال في الجنة الحور العين؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فقد أعد الله لعباده المؤمنين في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حتى إن أقل أهل الجنة نعيماً ليظن نفسه أنه أكثرهم نعيماً، كما جاء في حديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ صَرَفَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ قِبَلَ الْجَنَّةِ وَمَثَّلَ لَهُ شَجَرَةً ذَاتَ ظِلٍّ فَقَالَ أَيْ رَبِّ قَدِّمْنِي إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ أَكُونُ فِي ظِلِّهَا.. ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ فَتَقُولانِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ قَالَ فَيَقُولُ مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ " رواه مسلم برقم ٢٧٥.
وإن مما أعده الله لعباده المؤمنين " الحور العين "، قال الله تعالى: (كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) الدخان/٥٤. وقال تعالى: (مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) الطور/٢٠.
والحور العين في غاية الجمال حتى إن مخ ساقيها ليرى من تحت الثياب، وكل رجل يدخل الجنة له زوجتان من الحور العين، قال تعالى في وصفهن: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ) الرحمن/٧٠ - ٧٦. وقال تعالى: (وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) الواقعة/٢٣.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَالَّذِينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ لا تَبَاغُضَ بَيْنَهُمْ وَلا تَحَاسُدَ، لِكُلِّ امْرِئٍ زَوْجَتَانِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ " رواه البخاري برقم ٣٠١٤.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: " لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِي سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " رواه البخاري برقم ٢٥٨٧.
ويجامع الرجل في الجنة زوجاته من الحور وزوجاته من أهل الدنيا إذا دخلن معه الجنة، ويعطى الرجل قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْجِمَاعِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ يُطِيقُ ذَلِكَ قَالَ يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ " رواه الترمذي برقم ٢٤٥٩ وقال: صحيح غريب.
وعن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله قال: " إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ: فَإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ تَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ؟! قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جِلْدِهِ فَإِذَا بَطْنُهُ قَدْ ضَمُرَ " رواه أحمد برقم ١٨٥٠٩، والدارمي برقم ٢٧٠٤.
وقال المفسرون في قوله تعالى: في شغل فاكهون:
قال عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵄ وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن وقتادة والأعمش وسليمان التيمي والأوزاعي في قوله ﵎: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) قالوا شغلهم افتضاض الأبكار وقال ابن عباس ﵄ في رواية عنه في شغل فاكهون أي بسماع الأوتار وقال أبو حاتم لعله غلط من المستمع وإنما هو افتضاض الأبكار (ابن كثير ٣/ ٥٦٤)
أما الولد، فقد اختلف أهل العلم هل يكون ولد من الجماع أم لا، فقال بعضهم إنه يكون الولد إذا اشتهاه الرجل، ويكون الحمل والوضع في ساعة، لما جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إِنَّ الُْؤْمِنَ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا اشْتَهَى " رواه الترمذي برقم ٢٤٨٧، والدارمي برقم ٢٧١٢، وأحمد برقم ١١٣٣٩. وابن ماجه برقم ٤٣٢٩. والله تعالى أعلم.
نسأل الله أن يدخلنا الجنة ويباعد بيننا وبين النار، وأن يرزقنا الفردوس الأعلى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 404
حكم لعن المعين
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم لعن (وليس سب فقط) اليهود والنصارى أفرادا أو جماعات أحياءً كانوا أم أمواتا؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال صاحب لسان العرب: اللعن: الإبعاد والطرد من الخير، وقيل الطرد والإبعاد من الله، ومن الخَلْق السب والدعاء.
واللعن يقع على وجهين:
الأول: أن يلعن الكفار وأصحاب المعاصي على سبيل العموم، كما لو قال: لعن الله اليهود والنصارى. أو: لعنة الله على الكافرين والفاسقين والظالمين. أو: لعن الله شارب الخمر والسارق. فهذا اللعن جائز ولا بأس به. قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (١/٢٠٣) : ويجوز لعن الكفار عامة اهـ.
الثاني: أن يكون اللعن على سبيل تعيين الشخص الملعون سواء كان كافراً أو فاسقاً، كما لو قال: لعنة الله على فلان ويذكره بعينه، فهذا على حالين:
١- أن يكون النص قد ورد بلعنه مثل إبليس، أو يكون النص قد ورد بموته على الكفر كفرعون وأبي لهب، وأبي جهل، فلعن هذا جائز.
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (١/٢١٤) : ويجوز لعن من ورد النص بلعنه، ولا إثم عليه في تركه اهـ.
٢- لعن الكافر أو الفاسق على سبيل التعيين ممن لم يرد النص بلعنه بعينه مثل: بائع الخمر – من ذبح لغير الله – من لعن والديه – من آوى محدثا - من غير منار الأرض – وغير ذلك.
" فهذا قد اختلف العلماء في جواز لعنه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز بحال.
الثاني: يجوز في الكافر دون الفاسق.
الثالث: يجوز مطلقا " اهـ
الآداب الشرعية لابن مفلح (١/٣٠٣) .
واستدل من قال بعدم جواز لعنه بعدة أدلة، منها:
١- ما رواه البخاري (٤٠٧٠) عن عبد الله بن عمر أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا وَفُلانًا بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) .
٢- ما رواه البخاري (٦٧٨٠) عن عمر أن رجلا على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوما فأمر به فجلد، قال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : (لا تلعنوه، فو الله ما علمت، إلا أنه يحب الله ورسوله) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٦/٥١١) :
" واللعنة تجوز مطلقا لمن لعنه الله ورسوله، وأما لعنة المعين فإن علم أنه مات كافرا جازت لعنته، وأما الفاسق المعين فلا تنبغي لعنته لنهي النبي ﷺ أن يلعن عبد الله بن حمار الذي كان يشرب الخمر، مع أنه قد لعن شارب الخمر عموما، مع أن في لعنة المعين إذا كان فاسقا أو داعيا إلى بدعة نزاعاً " اهـ " انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين في "القول المفيد" (١/٢٢٦) :
" الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم؛ فالأول (لعن المعين) ممنوع، والثاني (لعن أهل المعاصي على سبيل العموم) جائز، فإذا رأيت محدثا، فلا تقل لعنك الله، بل قل: لعنة الله على من آوى محدثا، على سبيل العموم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ لما صار يلعن أناسا من المشركين من أهل الجاهلية بقوله: (اللهم! العن فلانا وفلانا وفلانا) نهي عن ذلك بقوله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) رواه البخاري" اهـ.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 405
خلود أهل الجنة في الجنة
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا دخل أهل الجنة الجنة فإلى متى يكونون فيها؟ وهل سيأتي عليهم وقت يخرجون من الجنة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إذا دخل أهل الجنة الجنة فهم فيها خالدون أبداً لا يخرجون منها، وكذلك أهل النار في النار خالدين فيها لا يخرجون منها.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة":
"أما الجنة فدار الجزاء يوم القيامة لمن آمن وعمل الصالحات، فيها من النعيم ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يتمتع بها من دخلها متاعاً حقيقياً حسياً وروحياً ويحيون فيها حياة أبدية، فلا فناء ولا خروج منها ولا انقطاع لنعيمها ولا نغص ولا كدر بالنصوص القطعية وإجماع أهل العلم والإيمان، قال الله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) . وقال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) . وقال تعالى: (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ) . وقال تعالى: (الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُون * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُون) . . .
وثبت في السنة أن النبي ﷺ قال: (يُنَادِي مُنَادٍ -يعني في أهل الجنة-: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلا تَبْأَسُوا أَبَدًا) رواه مسلم. وثبت أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: (يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ إلى أن قال: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ) رواه مسلم في صحيحه.
وأكد سبحانه خلود الجنة والنار وأبديتهما، وخلود المؤمنين في الجنة والكافرين في النار في آيات كثيرة من القرآن، وفصلت السنة الثابتة عن النبي ﷺ تفصيلاً لا يدع مجالاً للشك في حقيقته ولا لتأويل النصوص الصريحة فمن شكّ فيه أو تأوله فقد اتبع هواه وحرف الكلم عن مواضعه وكان من الكافرين" اهـ.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 406
أسماء جهنم
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا أبحث عن أسماء لجهنم وقد وجدت بعضاً مثل: المحرقة والمحطمة والملتهبة ... هل هذه أسماء صحيحة؟ أرجو تزويدي بأسماء أخرى.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
" نار جهنم لها أسماء متعددة، وهذا التعدد في الأسماء لاختلاف صفاتها. فتسمى الجحيم، وتسمى جهنم، ولظى، والسعير، وسقر، والحطمة، والهاوية بحسب اختلاف الصفات. والمسمى واحد، فكل ما صح في كتاب الله أو سنة الرسول ﷺ من أسمائها فإنه يجب على المؤمن أن يصدق به وأن يثبته "
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين للسلمان: ٢/٥٨
وقد سميت الجحيم لشدة تأجج نارها.
وسميت جهنم لبعد قعرها -كما في القاموس-
وسميت لظى لتلهبها.
وسميت السعير لأنها تُوقد وتهيج فهي فعيل بمعنى مفعول.
وسميت سقر وصقر لشدة حرها.
وسميت الحطمة لحطمها -أي كسرها وهشمها - كل ما يلقى فيها.
وسميت الهاوية لأنه يُهوى فيها من علو إلى سفل ... وهكذا
وذكر بعض أهل العلم من المفسرين وغيرهم أسماء أخرى غير هذه المذكورة
وذكر بعضهم أن هذه الأسماء المذكورة أسماء لدركات النار وطبقاتها، ثم قسم بعضهم الناس على هذه الطبقات، ولم يصح تقسيم الناس في النار وفق هذا التقسيم - وإن كان انقسام الناس وتفاوتهم بحسب أعمالهم أمر ثابت بالنصوص الكثيرة -، كما لم يصح تسمية دركات النار على الوجه الذي ذكروه. والصحيح أن كل واحد من هذه الأسماء التي ذكروها اسم على النار كلها، وليس لجزء من النار دون جزء.
اليوم الآخر - الجنة والنار- للدكتور عمر الأشقر: ٢٦.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 407
معنى قول الله : (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك)
[السُّؤَالُ]
ـ[أرجو شرح معنى هذه الآية وبيان القول الراجح في تفسيرها، يقول الله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) هل يفهم من هذا أن من دخل الجنة يخرج منها إذا شاء الله؟ وهل نسخت هاتان الآيتان بشيء من القرآن إذ أنهما وردتا في سورة مكية؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ ابن باز ﵀:
الآيتان ليستا منسوختين بل هما محكمتان، وقوله جل وعلا: (إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ) اختلف أهل العلم في بيان معنى ذلك، مع إجماعهم بأن نعيم أهل الجنة دائم أبدا لا ينقضي ولا يزول ولا يخرجون منها، ولهذا قال بعده سبحانه: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) لإزالة ما قد يتوهم بعض الناس أن هناك خروجا، فهم خالدون فيها أبدا، وأن هذا العطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع، ولهذا في الآيات الأخرى يبين هذا المعنى فيقول سبحانه: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ) فبين سبحانه أنهم آمنون - أي آمنون من الموت وآمنون من الخروج وآمنون من الأمراض والأحزان وكل كدر - ثم قال : (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) فبين سبحانه أنهم فيها دائمون لا يخرجون وقال : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فأخبر سبحانه أن أهل الجنة في مقام أمين لا يعترضهم خوف ولا زوال نعمة وأنهم آمنون أيضا، فلا خطر عليهم من موت ولا مرض ولا خروج منها ولا حزن ولا غير ذلك من المكدرات، وأنهم لا يموتون أبدا، ومعنى ذلك أن أهل الجنة يخلدون فيها أبد الآباد.
وقوله: (إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ) قال بعض أهل العلم معناه: مدة بقائهم بالقبور وإن كان المؤمن في روضة من رياضها ونعيم من نعيمها، لكن ذلك ليس هو الجنة، ولكن هو شيء من الجنة، فيفتح على المؤمن في قبره باب إلى الجنة يأتيه من ريحها وطيبها ونعيمها، ثم يُنقل بعد ذلك إلى الجنة فوق السموات في أعلى شيء.
وقال بعضهم معنى: (إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ) أي مدة مقامهم في موقف القيامة للحساب والجزاء بعد خروجهم من القبور ثم ينقلون بعد ذلك إلى الجنة. وقال بعضهم المراد جميع الأمرين مدة مقامهم في القبور ومدة مقامهم في الموقف ومرورهم على الصراط كل هذه الأوقات هم فيها ليسوا في الجنة لكن ينقلون منها إلى الجنة وقوله: (إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ) يعني إلا وقت مقامهم في القبور، وإلا وقت مقامهم في الموقف وإلا وقت مرورهم على الصراط فهم في هذه الحالة ليسوا في الجنة ولكنهم منقولون إليها، وسائرون إليها، وبهذا يعلم أن الأمر واضح ليس فيه شبهة ولا شك ولا ريب فالحمد لله.
فأهل الجنة ينعمون فيها وهم خالدون أبد الآباد. لا موت ولا مرض، ولا خروج، ولا كدر، ولا حزن، ولا حيض، ولا نفاس، ولا شيء من الأذى أبدا، بل في نعيم دائم وخير دائم.
وهكذا أهل النار مخلدون فيها أبد الآباد ولا يخرجون منها ولا تخرب أيضا هي بل تبقى وهم باقون فيها وقوله: (إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ) قيل مدة مقامهم في المقابر، أو مدة مقامهم في الموقف كما تقدم في أهل الجنة، وهم بعد ذلك يساقون إلى النار ويخلدون فيها أبد الآباد ونسأل الله العافية، وكما قال في سورة البقرة: (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِين مِنَ النَّارِ) وقال في سورة المائدة في حق الكفرة: (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) وقال بعض السلف إن النار لها أمد ولها نهاية بعد ما يمضي عليها آلاف السنين والأحقاب الكثيرة وأنهم يموتون أو يخرجون منها وهذا القول ليس بشيء عند جمهور أهل السنة والجماعة بل هو باطل ترده الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة كما تقدم وقد اتقر قول أهل السنة والجماعة إنها باقية أبد الآباد وأنهم لا يخرجون منها وأنها لا تخرب أيضا، بل هي باقية أبد الآباد في ظاهر القرآن الكريم وظاهر السنة الثابتة عن النبي ﵊، ومن الأدلة على ذلك مع ما تقدم قوله سبحانه في شأن النار: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) وقوله سبحانه في سورة النبأ يخاطب أهل النار: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا) نسأل الله السلامة والعافية منها ومن حال أهلها.
انظر مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز م/٤ ص/٣٦١
ومن الآيات التي دلّت صراحة على خلود أهل النار خلوداً أبدياً:
١- قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) سورة النساء /١٦٩ ٢- قوله تعالى: (إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) سورة الجن / ٢٣ ٣- إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٦٥) سورة الأحزاب. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 408
النار لا تفنى ولا يفنى أهلها
[السُّؤَالُ]
ـ[توعد الله الكفار والملحدين بالنار (لابثين فيها أحقابا) فهل عذابهم في النار مستمر أبداً، إن كان كذلك فهل هذا يتعارض مع عدل الله ورحمته؟ أم أن عذابهم يستمر لإحقاب الله يعلمها، إن كان كذلك فما مصيرهم بعد ذلك؟ ولم يرد ذكرٌ لذلك في القرآن أو السنة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي عليه أهل السنة والجماعة أن النار لا تفنى ولا تبيد، ولا يخرج منها إلا عصاة الموحدين، أما الكفرة والملحدون فهم فيها خالدون.
قال الإمام ابن حزم في كتابه " مراتب الإجماع ": (وأن النار حق، وأنها دار عذاب لا تفنى، ولا يفنى أهلها بلا نهاية) .
وقال في كتابه " الفصل في الملل والأهواء والنحل ": (اتفقت فرق الأمة كلها على أنه لا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا الجهم بن صفوان وأبا الهذيل العلاف وقوما من الروافض، فأما جهم فقال: إن الجنة والنار يفنيان ويفنى أهلهما، وقال أبو الهذيل: إن الجنة والنار لا يفنيان، ولا يفنى أهلهما، إلا أن حركاتهم تفنى، ويبقون بمنزلة الجماد لا يتحركون وهم في ذلك أحياء متلذذون أو معذبون.
وقالت تلك الطائفة من الروافض: إن أهل الجنة يخرجون من الجنة، وكذلك أهل النار من النار إلى حيث شاء الله) [الفصل ٤/١٤٥ ط. دار الجيل] .
وقال الطحاوي في عقيدته: (والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ولاتبيدان) .
وقد تضافرت أدلة الكتاب والسنة على تقرير هذا المعتقد، فمن ذلك قوله تعالى: (ولهم عذاب مقيم) المائدة/٣٧، وقوله: (لا يُفَتَّر عنهم وهم فيه مبلسون) الزخرف/٧٥، وقوله: (خالدين فيها أبدا) البينة/٨، وقوله: (وما هم منها بمخرجين) الحجر/٤٨، وقوله: (وما هم بخارجين من النار) البقرة/١٦٧، وقوله: (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) الأعراف/٤٠، وقوله: (لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور) فاطر/٣٦.
ومن السنة قوله ﷺ : (يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت.
قال: ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت.
فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ : (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) ". رواه مسلم (٥٠٨٧) من حديث أبي سعيد الخدري.
فهذا النص الصحيح الصريح لا يدع مجالا للشك في هذه الحقيقة، وهي أن أهل النار خالدون فيها لا يموتون ولا يخرجون، كما أن أهل الجنة في الجنة خالدون.
قال شارح الطحاوية: (وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله. وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان) انتهى من شرح الطحاوية ص ٤٣٠ ط. المكتب الإسلامي.
وأما قوله تعالى عن أهل النار: (لابثين فيها أحقابا لا يذوقون بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا) النبأ/٢٣-٢٥، فالمراد كما قال القرطبي ﵀ (أي ما كثين في النارما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع، فكلما مضى حُقُب جاء حُقُب، والحقب بضمتين: الدهر، والأحقاب: الدهور، والحقبة، بالكسر: السنة، والجمع حِقب ... والحُقْب بالضم والسكون: ثمانون سنة، وقيل أكثر من ذلك على ما يأتي، والجمع: أحقاب. والمعنى في الآية: لابثين فيها أحقاب الآخرة التي لا نهاية لها؛ فحذف الآخرة لدلالة الكلام عليه؛ إذ في الكلام ذكر الآخرة، وهو كما يقال: أيام الآخرة، أي أيام بعد أيام إلى غير نهاية، وإنما كان يدل على التوقيت لو قال: خمسة أحقاب أو عشرة أحقاب ونحوه. وذكر الأحقاب لأن الحقُب كان أبعد شيء عندهم، فتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونها، وهي كناية عن التأبيد، أي يمكثون فيها أبدا. وقيل: ذكر الأحقاب دون الأيام لأن الأحقاب أهول في القلوب وأدل على الخلود، والمعنى متقارب.
وهذا الخلود في حق المشركين، ويمكن حمل الآية على العصاة الذي يخرجون من النار بعد أحقاب.
وقيل: الأحقاب وقت لشربهم الحميم والغساق، فإذا انقضت فيكون لهم نوع آخر من العقاب، ولهذا قال (لابثين فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا) . انتهى من تفسير القرطبي ﵀.
وأما قوله تعالى: (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد) هود/١٠٦،١٠٧، فقد ذكر القرطبي ﵀ في تفسيرها أحد عشر قولا كلها تدل على خلود الكفار في النار وتأبيدهم فيها، ومن هذه الأقوال: (أن الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدة من النار، وعلى هذا يكون قوله (فأما الذين شقوا) عاما في الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من (خالدين) ، وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ " يدخل ناس جهنم حتى إذا صاروا كالحُممة أخرجوا منها ودخلوا الجنة فيقال هؤلاء الجهنميون") . رواه البخاري (٦٨٩٦)
ومنها: (أن "إلا" بمعنى " سوى " كما تقول في الكلام: ما معي رجل إلا زيد، ولي عليك ألا درهم إلا الألف التي لي عليك. فالمعنى: ما دامت السموات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود) وقد تركنا ذكر بقية الأوجه اختصارا فراجعها فإنه نافعة جدا.
وبهذا يعلم أن ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع من خلود النار وأهلها، لم يعارضه نص صحيح صريح من كتاب الله ولا من سنة رسوله، ولا من آثار الصحابة والتابعين.
وبهذا يتم الجواب عن قولك: أم أن عذابهم يستمر لأحقاب الله يعلمها، إن كان كذلك فما مصيرهم بعد ذلك؟ ولم يرد ذكرٌ لذلك في القرآن أو السنة؟
فيقال: بل ورد ما ذكرنا لك من النصوص، وغيرها مما لم نذكره، ما يقرر معتقد أهل السنة في هذه المسألة، وكون النصوص لم تذكر شيئا عن مصيرهم بعد الأحقاب، يدل على ما ذكرنا من أنها أحقاب لا تتناهى، ولا تنقطع، أعاذنا الله وإياك من ذلك.
وليس فيما ذكر تعارض مع عدل الله ورحمته، بل هذا هو مقتضى عدله وحكمته، كما قال سبحانه: (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور. وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالح غير الذي كنا نعمل أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير) فاطر/٣٦،٣٧.
وقال جل وعلا: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون. لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون. وما ظلمناهم ولكن هم الظالمون. ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون. لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون) الزخرف/٧٤-٧٨.
وقال سبحانه: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين. مالكم كيف تحكمون) القلم/٣٤،٣٥
وقال: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون. وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون) الجاثية/٢١،٢٢
وقال: (إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون) يونس/٤.
ومن تدبر هذه الآيات المباركات أيقن أن الله حكيم عليم رحيم لا يظلم الناس مثقال ذرة، وما ربك بظلام للعبيد.
وهو سبحانه (لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون) الأنبياء/٢٣
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 409
هل إذا مات الشخص قبل الأربعين يدخل الجنة
[السُّؤَالُ]
ـ[لقد اكتشفت شيئا عن الإسلام لم أكن أعرفه من قبل. إذا مات شخص قبل أن يبلغ سن ٤٠ عاما، وكان شخصا مستقيما في حياته (أو صاحب خلق) ويؤمن بعدة آلهة، فهل يمكن أن يدخل الجنة؟ لقد سمعت أنه يُغفَر لمن يُؤمن بغير الإسلام إذا مات قبل بلوغه سن تحمل المسؤولية (٤٠ عاما) . فعلى سبيل المثال (JFK الإبن) مات وهو في ٣٨ من عمره، فإذا كان شخصا متواضعا فهل يمكن أن يدخل الجنة؟ سأقدر إجابتك على هذا السؤال.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الكلام غير صحيح البتة، إذ أنَّ الإسلام منذ أن انبثق فجره ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي رسولاً إلى كافة الإنس والجن، قد أغلق جميع الطرق الموصلة إلى الجنة إلا من طريقه ﷺ ، فمن مات وهو يدعو مع الله إلهاً آخر سواء كان وثناً أو ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو حجراً أو شجراً أو قبراً أو جنياً أو ضريحَ ولي أو أحداً من آل بيت النبوة أو غيرهم كائناًً من كان بعدما أُقيمت عليه الحجة وأصر فإنه من أهل النار خالداً مخلداً فيها أبداً، لا يدخل الجنة أبداً، وإليك نصوص الكتاب والسنة المتواترة في بيان هذا الأمر: قال تعالى مبيناً أنه لن يقبل من أحد ديناً يدين به غير دين الإسلام الذي أرسل به محمداً ﷺ (ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) وقال تعالى: (اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً) وقال جل شأنه (إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً) وقال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً) وقال النبي ﷺ (والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما أرسلتُ به إلا كان من أهل النار) وقد توعد الله تعالى الكفار في النار بالخلود الأبدي فيها في آيات من كتابه الكريم فقال تعالى في سورة النساء (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً) وقال تعالى في سورة الأحزاب (إنَّ الله لعن الكافرين وأعدَّ لهم سعيراً خالدين فيها أبداً) وقال تعالى في سورة الجن (ومن يعص الله ورسوله فإنَّ له نار جهنم خالدين فيها أبداً) وقال تعالى في بيان حال المشركين به (ومن يشرك به فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) . وما أرسل الله الرسلَ وما أنزل الكتبَ إلا لتوحيده وإخلاص العبادة له وحده سبحانه لا شريك الله، وهذا الواجب على المرء الإيمان به قولاً وعملاً واعتقاداً إذ أنه هو وحده سبحانه المستحق للعبادة وعلى هذا يشير قوله تعالى (ذلك بأنَّ الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) ولقد تضافرت الآيات الكريمة على هذا المعنى كقوله تعالى (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) وقوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) وقوله تعالى (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) ، ولقد اتفقت كلمة الرسل في الدعوة إلى هذا الأمر وتقريره، قال (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) ، ولهذا فقد اشتد كفر العرب لما جاءهم النبي ﷺ داعياً إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له وترك ونبذ كل الأنداد والوسطاء والشركاء والكفر بهم جميعاً، قال تعالى مخبراً عن حالهم (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا ألهتنا لشاعر مجنون، بل جاء بالحق وصدق المرسلين) ، وأخبر أن كل من عبد أو دعا مع الله إلهاً آخر فإنه سيحشره معه في نار جهنم، قال تعالى (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون، لو كان هؤلاء ألةً ما وردوها وكل فيها خالدين، لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون) . والخلاصة من هذا كله أن العبد إذا مات بعد البلوغ وهو مشرك كافر بالله يدعو مع الله إلهاً آخر ويؤمن بآلهة أخرى تنفع وتضر أو أن لها من الأمر شيئاً فإنه كافر من أهل النار خالداً مخلداً فيها أبداًً ولو كان دون سن ٤٠ أو اكثر منها، إذا أن العبرة في الإسلام بالبلوغ فقط، ويحصل البلوغ بأحد ثلاثة أمور للذكر وتزيد عليه المرأة أمراً رابعاً، وهذا العلامات الثلاثة هي كما يلي:
١ - بلوغ سن خمسة عشر عاماً.
٢ - إنبات شعر العانة (القبل) للرجل أو المرأة.
٣ - نزول المني وخروجه بشهوة، سواء كان باحتلام أو جماع أو بأي وسيلة أخرى.
وتزيد المرأة بعلامة رابعة وهي: نزول دم الحيض منها.
فإذا وجدت أحد هذه العلامات حكم ببلوغ العبد، فيكون مكلفاً مأموراً بكل أمر، منهياً عن كل نهي، وليس معنى هذا أنه يجوز للطفل أو من لم يبلغ أن يشرك بالله أو أن يدعو غيره أو أن يدعو أحداً معه، إذ أنه لو فعل ذلك عُدَّ كفراً، لكنه إن مات على الكفر قبل البلوغ فهذا أمره إلى الله تعالى في الآخرة. وأما كونه كان طيباً أو متواضعاً أو كريماً أو باراً بوالديه أو نحو ذلك من صفات الخير فإن هذا لا ينفعه أبداً عند الله، وسيأخذ حقه معجلاً في الدنيا، لحديث عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إنَّ عبد الله بن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويفك العاني ويكرم الضيف (وعددت بعض صفات الخير فيه لكنه كان مشركاً ومات على الشرك) فهل ينفعه ذلك، فقال النبي ﷺ : لا، إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) يعني أنه كان كافراً لا يؤمن بالبعث والنشور والحساب فلم تنفعه أعماله التي كان يقوم بها، ومثله حاتم الطائي فقد قال النبي ﷺ لابنته سفانة: لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه.
والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 410
كم تكون أعمار أهل الجنة
[السُّؤَالُ]
ـ[كم تكون أعمار الناس في الجنة؟ وهل سيكبرون؟ أم سيبقون كما دخلوها أول مرة؟ ولماذا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أعدَّ الله الجنة كرامة لأوليائه الذين أطاعوه في الدنيا، وصبروا على امتثال أمره واجتناب نهيه، وجعل فيها كل محبوب لهم كما قال سبحانه: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون) الزخرف/٧١، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) البخاري ٣٢٤٤ مسلم ٢٨٢٤. وتبعا لهذا فنحن نؤمن أن حال من يدخل الجنة هو أكمل الحالات وأفضلها وأعلاها من كل الوجوه، سواء علمنا تفاصيل ذلك أم لم نعلم، وإن كان العلم بالتفاصيل في بعض الأحوال مما يزيد من همة المسلم ورغبته في فعل الخير.
ومن هذه الأحوال التي هي أكمل الأحوال أعمارُ أهل الجنة، وقد ورد فيها الحديث بأنهم يدخلونها "أبناء ثلاث وثلاثين" رواه الترمذي ٢٥٤٥ وحسنه الألباني في تخريج المشكاة ٥٦٣٤. قال ابن القيم ﵀ عن هذا السن إن فيه من الحكمة ما لا يخفى فإنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذات، لأنه أكمل سن القوة. (حادي الأرواح ص ١١١) .
أما زيادة أعمارهم من عدمها فقد وردت أحاديث لا تَثْبُت فيها أنهم لا تزيد أعمارهم، والذي ثبت عن النبي ﷺ أنهم (لا يفنى شبابهم) رواه الترمذي ٢٥٣٩ وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ٢٠٦٢، وأيّاً كان الحال فإن من المتقرر من القاعدة السابقة أنهم يكونون في أكمل حال، فهم باقون في سن الشباب دائماً وأبداً، نعيمهم يزيد ولا ينقص، وعيشهم يطيب ولا يُنَغًّص.
نسأل الله بمنِّه وكرمه ورحمته أن يجعلنا وإيَّاك وجميع المسلمين من أهل تلك الدار، وأن يعيننا على العمل بدينه ولدينه حتى نلقاه وهو راضٍ عنَّا، إنه أرحم الراحمين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 411
لماذا حرمت أشياء في الدنيا وهي في الجنة حلال
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا مسلمة أعيش في السويد ولدي سؤال من أحد النصارى وقد سألت الكثير وحاولت أن أجد الجواب في الكتب ولم أجد حلاً، والسؤال كان عن الحوريات، سمعت أن الرجل يجازى بعدة نساء في الجنة. لا أدري هل هذه المعلومات صحيحة ولكن إذا استطعت أن تعطيني بعض المعلومات عن هذا الموضوع فسأكون شاكرة.
السؤال المهم هو:لماذا الإسلام يشجع ويبشِّر بشيء في الجنة وهو محرّم في الدنيا؟
مثال: العلاقة بين الرجل مع النساء خارج إطار الزواج تعتبر حراما وإذا تجنب ذلك المسلم في هذه الدنيا فسوف يجازى بالحوريات في الجنة. أليس هذا عجيبا؟
مع الأسف فأنا أعرف القليل عن هذا الأمر ولا أدري من أين جاء هذا السؤال ولكنني متأكدة بأنه يوجد جواب منطقي لهذا السؤال وأرجو أن تساعدني في هذا الموضوع وشكرا لك.]ـ
[الْجَوَابُ]
لقد ذكر الله في كتابه الكريم الجنة وما أعد فيها وذكر صفتها وصفة أهلها في عدة مواضع من القرآن، منها:
قوله تعالى ﴿فيها عين جارية فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة) الغاشية ١٢- ١٦
وقال ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان ذوات أفنان فبأيّ آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان تجريان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ الرحمن ٤٦-٥٢.
والآيات غيرها كثيرة في وصف الجنة، وقد وردت عدة آيات في وصف نساء الجنة فقال تعالى ﴿فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما كأنهن الياقوت والمرجان﴾ الرحمن ٥٦-٥٨.
وقال ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ الرحمن ٧٢
وقال ﴿وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون﴾ الواقعة - ٢٢.
وقد صحت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في صفة نساء الجنة وأنهن معدات يوم القيامة للمتقين فمن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (أن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء أضاءه لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء) صحيح الجامع - ٢٠١٥.
وعنه ﷺ أنه قال: (الخيمة درة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون) صحيح الجامع - ٣٣٥٧ فهذه الأحاديث ذكرت فيها نساء الجنة اللواتي أعددن للرجال وقد سماهن الله في كتابه بالحور، والحور جمع حوراء، قال القرطبي في الأحكام (١٧/١٢٢) ." هي شديدة البياض العين الشديدة سوادها) ، فنحن نؤمن بذلك إيمانا مطلقا لا يعتريه الشك والريب وهو من صلب عقيدتنا وللمزيد يُراجع صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب صفة الجنة وصحيح مسلم أبواب صفة الجنة وكذلك كتاب صفة الجنة لأبي نعيم الاصفهاني في صفة نساء أهل الجنة وحسنهن.
أما السؤال عن أن الإسلام يشجع ويبشر بشيء في الجنة وهو محرم في الدنيا مثل علاقة الرجل مع النساء خارج إطار الزواج، فقبل الإجابة عليه يحسن أن ننبه على قضية خطيرة وهي أن الله يحرّم ما يشاء في هذه الدنيا على أهلها فهو خالق هذه الأشياء ومليكها فلا يجوز لأحد أن يعترض على حكم الله برأيه المنكوس وبفهمه المعكوس فلله الحكم والأمر من قبل ومن بعد لا معقب لحكمه جل وعلا.
أما مسألة تحريم الله لأمور في الدنيا ثم يكافئ بها تاركها في الآخرة (مثل الخمر والزنا ولبس الحرير للرجال وهكذا) فإنّ هذا ما شاءه الله من ثواب من أطاعه وصَبَر وجاهد نفسه في الدّنيا وقد قال تعالى: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) .
وأمّا عن علل التحريم ففيما يلي بعض الوقفات المهمّة:
أولا: ليس بالضّرورة أن نعرف جميع علل التحريم فهناك علل قد لا نعرفها، والأصل الوقوف عند النصوص بالتسليم حتى ولو لم نعلم العلّة لأنّ التسليم هو مقتضى الإسلام المبني على الطّاعة التامّة لله تعالى.
ثانيا: قد تظهر لنا بعض علل التحريم مثل المفاسد المترتبة على الزنا كاختلاط الأنساب وشيوع الأمراض الفتّاكة وغير ذلك، فعندما منع الشرع العلاقات غير الشرعية أراد بذلك حفظ الأنساب والأعراض، والتي قد لا تعني شيئا عند الكفرة والفجرة، فهم يتسافدون تسافد الحمير؛ فالصديق يطأ صديقته والقريب يطأ قريبته وهكذا وكأنهم في غابة للحيوان بل إن بعض الحيوانات تأبى ذلك وهم لا يأبون ولا يكترثون فأصبح المجتمع جرّاء ذلك منحلا مفكك الروابط والأواصر، مليئا بالأمراض الجنسية الفتاكة والتي تدل على غضب الله على من ينتهك حرماته ويستبيح المحرمات.
وهذا كله خلاف العلاقة بين الرجل والحورية في الجنة - وهذا ما سألت عنه - فمن الملاحظ أن المرأة البغيّ في الدنيا تكون مشاعة العرض قليلة الدين والحياء، ولا تكون رتبطة بعلاقة شرعية ثابتة بشخص واحد بعقد صحيح، فيصبح الرجل يطأ من يشاء والمرأة يطؤها من يشاء دون وازع من دين أو أخلاق، أما الحوريات في الجنة فإنهن مقصورات على أزواجهنّ الذين جازاهم الله بهن لقاء صبرهم عن الحرام في الدنيا كما قال تعالى: " حور مقصورات في الخيام "، وقال عنهنّ: (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) فهي زوجة له في الحقيقة كما قال تعالى: (وزوّجناهم بحور عين) ومقصورات عليه لا يُشاركه فيهن غيره.
ثالثا: أن الله الذي شرع للرجل في الدنيا أن لا يجتمع عنده في وقت واحد أكثر من أربعة نسوة - هو الذي ينعم على أهل الجنّة بما يشاء من الحور العين فلا تعارض بين التحريم في الدنيا والآخرة لأن أحكامهما تختلف على حسب ما يشاء الربّ سبحانه ولا شكّ أنّ الآخرة خير من الدنيا وأفضل وأبقى، قال تعالى: " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (١٤) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (١٥) " آل عمران
رابعا: أن هذا التحريم قد يكون من باب الابتلاء من الله للعباد هل يأتمرون بهذه الأوامر وينتهون عما نهى عنه، ولا يكون الابتلاء بشي لا تميل إليه النفس ولا تحبه، وإنما بما تميل إليه النّفوس وتتعلّق به وتنجذب إليه ومن ذلك الابتلاء بالمال: هل يأخذه العبد من حلّه ويضعه في حلّه ويؤدّي حقّ الله فيه، والابتلاء بالنساء هل يقتصر على ما أحلّه الله منهنّ ويغضّ طرْفه ويجتنب الاستمتاع بما حرّمه الله منهنّ، ومن رحمته أنّه لم يحرّم شيئا تميل إليه النّفوس إلا وأحلّ من نوعه وجنسه أمورا كثيرة من الحلال.
خامسا: أنّ أحكام الدنيا ليست مثل أحكام الآخرة، فخمرة الدنيا تذهب العقل بخلاف خمرة الآخرة الطّيبة التي لا تُذْهب العقل ولا تسبّب صداعا في الرأس ولا مغصا في البطن، وما أعده للمؤمنين من نساء يوم القيامة جزاءا على طاعتهم ليس كالزنا والذي به تتهتك الأعراض وتختلط الأنساب وتنتشر الأمراض ويُعقب النّدم، ونساء الجنّة طاهرات طيّبات لا يمتن ولا يهرمن بخلاف نساء الدّنيا، قال الله تعالى: (إنا أنشأناهن إنشاءا فجعلناهن أبكارا عربا أترابا) .
فنسأل الله أن يرزقنا من خيري الدنيا والآخرة وأن يرزقنا الطاعة لأوامره واليقين بثوابه ونيل أجره والأمن من عقابه، والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 412
من الذي سيدخل الجنة
[السُّؤَالُ]
ـ[من يدخل الجنة؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لقد أخبرنا الذي خلق الجنة عن صفات الذين سيدخلون الجنة فقال الله :
(ومَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠) سورة غافر
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) الأحقاف
وقال: (إِلاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) مريم
فمن أسلم لله وعمل بما أمر الله واجتنب ما حرّم الله دخل الجنّة.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 413
هل يوجد أحد بالجنة الآن
[السُّؤَالُ]
ـ[هل هناك أحد في الجنة الآن (غير الأنبياء والملائكة) ؟ أم أننا جميعا ننتظر يوم القيامة قبل أن ندخل الجنة أو النار؟
سمعت أن بعض الناس رأوا الجنة أو أنهم في الجنة الآن أو أنهم ذهبوا للجنة ورأوا ما فيها وهم ليسوا أنبياء أو ملائكة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجنة قد خلقها الله سبحانه وفرغ من خلقها لقوله سبحانه في الحديث القدسي: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت.. " الحديث. ولأن الرسول ﷺ رآها في ليلة الإسراء والمعراج، ولغير ذلك من الأدلة.
وهل يدخلها أحد من البشر قبل يوم القيامة؟
الظاهر أن ذلك على نوعين:
١- دخوله بروحه كما هو حال الأموات، فهذا ثابت للأنبياء، والشهداء الذين تكون أرواحهم في حاصل طير خضر تسرح في الجنة. وكما هو الحال في الأحاديث التي أخبر الرسول ﷺ فيها أنه دخل الجنة في المنام (رؤيا النوم) ، فإنها في حالات الأرواح.
٢- أما دخول الجنة بالجسد والروح فإنها تكون يوم القيامة للبشر وللجن. ويستثنى من هذا ما ذكر أن آدم ﵇ كان في الجنة قبل أن ينزل إلى الارض، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ وغيره. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 414
حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب
[السُّؤَالُ]
ـ[في صحيح البخاري ذكر الحديث أن ٧٠,٠٠٠ من الناس سيدخلون الجنة،
الثلاثة أجيال الأولى قد يصل عددهم إلى ٧٠,٠٠٠ فهل هناك تفسير آخر للحديث]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لعلّك أيها الأخ السائل تُشير إلى حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنّة بغير حساب والذي رواه الشيخان وأحمد وغيرهم عن النبي ﷺ ، ولو تأملت هذا الحديث سيزول - إن شاء الله - الإشكال الذي أوردته في سؤالك، روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، قِيلَ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلامِ فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجَ فَقَالَ: هُمْ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ وَلا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.. ". رواه البخاري ٥٢٧٠
فمقصود الحديث بيان أن هنالك فئة من هذه الأمة يدخلون الجنة من غير حساب لا أن عدد أهل الجنة من هذه الأمة سبعون ألفا، فهؤلاء السبعون ألفا المشار إليهم في الحديث هم في منزلة عالية من هذه الأمة لمزايا خاصة اختصوا بها ذكرت في الحديث: " هُمْ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ وَلا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون "، وجاء ذكر السبب في دخولهم الجنّة بلا حساب ولا عذاب مصرّحا به في رواية أخرى للبخاري ﵀ عن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ هَؤُلاءِ أُمَّتِي قَالَ لا وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ قَالَ هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ وَهَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا عَذَابَ قُلْتُ وَلِمَ قَالَ كَانُوا لا يَكْتَوُونَ وَلا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ. صحيح البخاري ٦٠٥٩، وجاء في وصفهم أيضا حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَيَدْخُلَنَّ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ سَبْعُ مِائَةِ أَلْفٍ (شكّ أحد رواة الحديث) لا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْر" رواه البخاري وعن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هِيَ سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ" رواه البخاريُ، وفي وصفهم أيضا روى مسلم في صحيحه من حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وفيه: "ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا لا يُحَاسَبُونَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَإِ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ كَذَلِكَ ".
ولنا جميعا معشر المسلمين بشارات نبوية في هذا الحديث وغيره فأمّا هذا الحديث فإنّ له رواية عظيمة وزيادة كريمة جاءت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجة من حديث أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي " نسأل الله سبحانه ن يجعلنا منهم. فإذا حسبت سبعين ألفا مع كلّ ألف من السبعين ألفا فكم يكون العدد الإجمالي لمن يدخل الجنّة دون حساب؟؟ وكم عدد كلّ حثية من حثيات الرّب العظيم الكريم الرؤوف الرحيم؟؟ نسأل الله أن يجعلنا في تلك الأعداد.
وأما البشارة الثانية فهي أنّ عدد أهل الجنة من هذه الأمّة هو ثلثا العدد الإجمالي لأهل الجنة، فيدخل الجنة من أمّة محمد ﷺ أكثر ممن يدخلها من كلّ الأمم السابقة مجتمعين، وقد جاءت هذه البشارة عن النبي ﷺ في حديثه الذي قال فيه لأصحابه يوما: " أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لا يَدْخُلُهَا إِلا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ. " رواه البخاري ٦٠٤٧، ثم أكمل لنا ﷺ البشارة في الحديث الصحيح الآخر الذي قال فيه: " أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ. " رواه الترمذي ٣٤٦٩ وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. فنحمد الله على نعمته ونسأله من فضله ورحمته، وأن يُسكننا الجنّة بحوله ومنّته، وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 415
معنى الخلود في النار
[السُّؤَالُ]
ـ[قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية
أرجو من فضيلة الشيخ أن يذكر الجمع بين الآيتين الكريمتين؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀: " ليس هناك بحمد الله بينهما اختلاف، فالآية الأولى فيها بيانه سبحانه لعباده أن ما دون الشرك تحت مشيئته قد يغفره فضلا منه سبحانه، وقد يعاقب من مات على معصية بقدر معصيته لانتهاكه حرمات الله ولتعاطيه ما يوجب غضب الله، أما المشرك فإنه لا يغفر له بل له النار مخلدا فيها أبد الآباد إذا مات على ذلك - نعوذ بالله من ذلك - وأما الآية الثانية، ففيها الوعيد لمن قتل نفسا بغير حق وأنه يعذب وأن الله يغضب عليه بذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾
معنى ذلك: أن هذا هو جزاؤه إن جازاه سبحانه وهو مستحق لذلك وإن عفا سبحانه فهو أهل العفو وأهل المغفرة جل وعلا، وقد يعذب بما ذكر الله مدة من الزمن في النار ثم يخرجه الله من النار، وهذا الخلود خلود مؤقت، ليس كخلود الكفار، فإن الخلود خلودان: خلود دائم أبدا لا ينتهي، وهذا هو خلود الكفار في النار، كما قال الله سبحانه في شأنهم: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾
هكذا في سورة البقرة. وقال في سورة المائدة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾
أما العصاة: كقاتل النفس بغير حق والزاني والعاق لوالديه وآكل الربا وشارب المسكر وأشباههم إذا ماتوا على هذه المعاصي وهم مسلمون، هم تحت مشيئة الله كما قال سبحانه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فإن شاء جل وعلا عفا عنهم لأعمالهم الصالحة التي ماتوا عليها وهي توحيده وإخلاصهم لله وكونهم مسلمين أو بشفاعة الشفعاء فيهم مع توحيدهم وإخلاصهم.
وقد يعاقبهم سبحانه ولا يحصل لهم عفو فيعاقبون بإدخالهم النار وتعذيبهم فيها على قدر معاصيهم ثم يخرجون منها، كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﵊ أنه يشفع للعصاة من أمته، وأن الله يحد له حدا في ذلك عدة مرات، يشفع ويخرج جماعة بإذن الله ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع ﵊ (أربع مرات) ، وهكذا الملائكة وهكذا المؤمنون وهكذا الأفراط كلهم يشفعون ويخرج الله سبحانه من النار بشفاعتهم من شاء ويبقي في النار بقية من العصاة من أهل التوحيد والإسلام فيخرجهم الرب سبحانه بفضله ورحمته بدون شفاعة أحد، ولا يبقى في النار إلا من حكم عليه القرآن بالخلود الأبدي وهم الكفار.
(والأفراط هم الأولاد الذي لم يبلغوا الحلم وماتوا قبل أبويهم)
وبهذا يعلم السائل الجمع بين الآيتين وما جاء في معناهما من النصوص وأن أحاديث الوعد بالجنة لمن مات على الإسلام على عمومها إلا من أراد الله تعذيبه بمعصيته فهو سبحانه الحكيم العدل في ذلك يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد جل وعلا.
ومنهم من لا يعذب فضلا من الله لأسباب كثيرة من أعمال صالحة ومن شفاعة الشفعاء، وفوق ذلك رحمته وفضله .
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى ومقالات (٩/٣٨٠)
стр. 416
تريد أن تدعو بالزواج من رجل معين في الجنة
[السُّؤَالُ]
ـ[مجموعة من النساء في مجلس قالت إحداهن: أسأل الله أن يرزقني بأبي بكر في الجنة، وقالت الثانية: أسأل الله أن يرزقني بعمر وهكذا، فقالت إحداهن: هذا اعتداء في الدعاء، فأنكرن عليها وقلن أن الداخل يشتهي ما يشاء، فما التوضيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
عرضنا هذا السؤال على فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، فأجاب حفظه الله:
هذا الدعاء فيه نوع من الاعتداء، وأبو بكر له زوجات وعمر له زوجات وعلي له زوجات، لكن تدعو الله فتقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، والجنة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
стр. 417
هل يتذكّر أهل الجنّة ما كان في الدّنيا
[السُّؤَالُ]
ـ[هل أهل الجنة سيتذكرون ما كانوا عليه في الدنيا؟ وهل يشتهون أشياء مثل التي يشتهونها في الدنيا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أهل الجنة يتذكرون ما كانوا عليه في الدنيا وقد وردت أدلة في القرآن تدل على ذلك منها ما جاء في سورة الطور: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، قالوا إنا كنا قبلُ في أهلنا مشفقين فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السموم، إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم) .
وكذلك تذكّرهم لأهل الشر الذي كانوا يشككون أهل الإيمان، ويدعونهم إلى الكفر، قال تعالى في سورة الصافات: (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، قال قائل منهم إني كان لي قرين، يقول أئنك لمن المصدقين، أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون) الآيات
ويتذكرون أيام الدنيا، وما لاقوا فيها من ابتلاء ومحن في أنفسهم وأبنائهم وأهليهم وأموالهم، فيقولون مسرورين: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إنا ربنا لغفور شكور) .
ثم تثور ذكريات الماضي " في الدنيا " عندما يرون فاكهة تشابه الفاكهة التي كانوا يأكلونها في الدنيا، ولكن تختلف عنها في الحجم والطعم، (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً) .
ويتذكرون دعاءهم في أوقات الضيق، وأكفهم المرفوعة إلى السماء طالبة القبول لأعمالهم، والتوفيق للعمل الصالح، وأن يكونوا من ورثة النعيم كما قال : (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين، فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم، إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم) .
أما مسألة أن يشتهوا مثل نعيم الأرض فإنّه سيشتهون فوق ذلك بكثير لأنّ أدنى أهل الجنة منزلة له أكثر من عشرة أمثال نعيم الدنيا كما جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ حَبْوًا فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎ لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلَاى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎ لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلْأَى فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَقُولُ أَتَسْخَرُ بِي أَوْ أَتَضْحَكُ بِي وَأَنْتَ الْمَلِكُ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ فَكَانَ يُقَالُ ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً. " متفق عليه وهذه رواية مسلم رقم ٢٧٢
وكلّ ما يشتهيه أهل الجنّة يحصلون عليه كما قال : (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) سورة الزخرف
وقد وردت أحاديث في تلبية رغبة بعض أهل الجنّة في الولد والزرع وأنّ ذلك لا يحتاج إلى انتظار.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَنَّ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ (وهذا إخبار عن المستقبل بصيغة الماضي لبيان أنّ الوقوع متحقّق) فَقَالَ لَهُ أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ (أي سبق لمح البصر) نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ فَقَالَ الَاعْرَابِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ لا تَجِدُ هَذَا إِلا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه البخاري ٦٩٦٥
قال ابن حجر ﵀: وفي هذا الحديث من الفوائد أن كل ما اشتهي في الجنة من أمور الدنيا ممكن فيها. فتح الباري
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي. " رواه الترمذي ٢٤٨٧ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وهو في صحيح الجامع ٦٦٤٩
نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة بكرمه ورحمته والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 418
هل تجتمع المرأة بزوجها في الجنة
[السُّؤَالُ]
ـ[هل ستكون المرأة مع زوجها في الجنة؟ هل سيكون لهما الخيار بأن يبقيا سوياً؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. نعم، تكون المرأة مع زوجها في الجنة، بل ومع ذريتها من البنين والبنات إذا كانوا من أهل الإسلام، ويدل على هذا قول الله تعالى ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ... ﴾ [الطور٢١] ، ومن دعاء الملائكة حملة العرش ﴿ ... ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومَن صلح مِن آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ [غافر ٨] .
قال ابن كثير ﵀: أي: اجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة كما قال ﵎ ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾ ، أي: ساوينا بين الكل في المنزلة لتقر أعينهم وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني بل رفعنا ناقص العمل، فساويناه بكثير العمل تفضلا منا ومنة، وقال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم فيقال إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم فيلحقون به في الدرجة. أ. هـ
" تفسير ابن كثير " (٤ / ٧٣) .
٢. ولا نظن بمن كتب الله لهم دخول الجنة ونزع منهم الغل أن يختارا الفراق على اللقاء.
٣. وإذا لم تتزوج في الدنيا فإن الله تعالى يزوجها ما تقر به عينها في الجنَّة، فالنعيم ليس مقصوراً على الذكور، وإنما هو للذكور والإناث، ومن جملة النعيم: الزواج. أ. هـ " مجموع فتاوى ابن عثيمين " (٢ / ٥٣) . وليس في الجنة أعزب
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 419
هل سيدخل إبليس النار ولماذا
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يعاقب الكافر الذي لا يؤمن بوجود الله أشد عقوبة من الشيطان نفسه؟
إبليس يؤمن بالله فهل هناك آية في القرآن تدل على أن إبليس سيدخل النار؟ لماذا عصى الله الشيطان مادام يعلم بأن الله هو القوي العظيم؟
إذا شاء الله أن يعصيه إبليس فهل سيبقى في النار للأبد؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما موضوع العقوبات فمرجعها إلى الله سبحانه ولا نعلم عنها إلا ما علّمنا، والكفار والمشركون مجرمون كِبار جزاؤهم جهنم خالدين فيها هم وإبليس لعنه الله وسنذكر لك أيها السائل آيات من كتاب الله تدلّ على ذلك وتبيّن لماذا كفر إبليس ومصيره هو ومن اتّبعه قال الله تعالى:
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)
أما إبليس فقد عصى ربه وكَفَر كفْر الإباء والاستكبار واستكبر أن يسجد لآدم وهذا يدل على عظم خطر العجب بالنفس والكبر فنسأل الله العفو والعافية.
ولا ينفع إبليس إيمانه بوجود الله وإثباته صفة العزّة لله وحَلِفه بذلك لأنّه نقض إيمانه بكفر الإباء والاستكبار وتعالى على الله واستكبر أن ينفّذ أمره.
وقد خلق الله إبليس لحِكَم يريدها وليكون امتحانا وابتلاء للعباد فمن أطاع الله وعصى إبليس دخل الجنة ومن عصى الله واتّبع إبليس دخل النار، وليس خلق الله لإبليس دالا على رضى الربّ عما يفعله إبليس، معاذ الله، ولكنّها حكم ربّ العالمين والله لا يرضى الكفر ولا المعصية قال ﴿إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ...الآية (الزمر:٧)
والشاهد من الآية قوله (ولا يرضى لعباده الكفر) ومشيئة الله نوعان: شرعية وهي التي شاءها وأحبّها ومن ذلك ما شرعه لعباده، ومشيئة كونية: وهي التي شاء أن تقع - لحِكَم يريدها ولا يشترط أنه يحبّ ما يقع.
والحمد لله على هدايته وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 420
المرأة التي تزوجت بأكثر من زوج لأيهم تكون في الجنة
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا ماتت المرأة، وقد تزوجت في حياتها بأكثر من زوج، فمع مَن تكون في الجنَّة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم:
الأول: أنها تكون مع أحسنهم خلقاً كان معها في الدنيا.
والثاني: أنها تُخيَّر بينهم.
والثالث: أنها لآخر أزواجها.
وأقرب هذه الأقوال وأصحّها هو القول الثالث وفيه حديث مرفوع إلى النبي ﷺ : " أيما امرأة تُوفي عنها زوجها، فتزوجت بعده، فهي لآخر أزواجها " صححه الألباني ﵀ في صحيح الجامع ٢٧٠٤ وفي السلسلة الصحيحة ١٢٨١.
هذا على وجه الإجمال، أما على وجه التفصيل فأدلّة الأقوال كما يلي:
دليل القول الأول:
قال القرطبي:
وذكر أبو بكر بن النجاد قال: حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر حدثنا عبيد بن إسحاق العطار حدثنا سنان بن هارون عن حميد عن أنس: أن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت: يا رسول الله، المرأة يكون لها الزوجان في الدنيا، ثم يموتون ويجتمعون في الجنة، لأيهما تكون؟ للأول أو للآخر؟
قال: لأحسنهما خلقا كان معها يا أم حبيبة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة ".
" التذكرة في أحوال الموتى والآخرة " (٢ / ٢٧٨) .
قلت: والحديث ضعيف جدّاً، وفيه علتان: عبيد بن إسحاق العطار، وسنان بن هارون.
أما الأول: فضعيف جدّاً، وأمَّا الثاني: فضعيف.
= أقوال الأئمة:
عن يحيى بن معين أنه قال: عبيد بن إسحاق العطار: لا شيء.
وقال أبو حاتم الرازي: ما رأينا إلا خيراً! وما كان بذاك الثبت، في حديثه بعض الإنكار.
" الجرح والتعديل " (٥ / ٤٠١) .
وفي " الضعفاء والمتروكين " للنسائي (ص ٧٢) : متروك الحديث.
وقال الذهبي: ضعفه يحيى، وقال البخاري: عنده مناكير، وقال الأزدي: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وأما أبو حاتم فرضيَه! وقال ابن عدي: عامَّة حديثه منكر.
" ميزان الاعتدال " (٥ / ٢٤) .
وذكر ابن عدي في " الكامل " (٥ / ٣٤٧) هذا الحديث من جملة منكراته، وقال:
وعامة ما يرويه إما أن يكون منكر الإسناد أو منكر المتن.
= وأما سنان بن هارون:
قال ابن حبان:
منكر الحديث جدّاً، يروي المناكير عن المشاهير ...
عن يحيى بن معين: قال سنان بن هارون البرجمي ليس حديثه بشيء.
" المجروحين " (١ / ٣٥٤) .
وذكره العقيلي في " الضعفاء " (٢ / ١٧١) ، وذكر له هذا الحديث.
= وعليه: فالحديث لا يصح الاستدلال به، وهو ضعيف جدّاً، فسقط هذا القول.
= = القول الثاني:
وهو أنها تُخيَّر بين أزواجها.
ولم أر لمن قال هذا القول أيَّ دليل.
وفي " التذكرة في أحوال الموتى والآخرة " (٢ / ٢٧٨) : ذكر المسألة، وقال بعدها: وقيل: إنها تخير إذا كانت ذات زوج.أ. هـ
وقال العجلوني:........ وقيل لأحسنهم خلقاً! وقيل: تخير.
" كشف الخفاء " ٢ / ٣٩٢.
وهو الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين حفظه الله كما في فتاواه (٢ / ٥٣) .
= = = وأما القول الثالث:
فلهم عليه عدة أدلة:
أ. قال الإمام الطبراني:
٣١٣٠ حدثنا بكر قال نا محمد بن أبي السري العسقلاني قال نا الوليد بن مسلم قال نا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن عطية بن قيس الكلاعي قال خطب معاوية بن أبى سفيان أم الدرداء بعد وفاة أبي الدرداء فقالت أم الدرداء إني سمعت أبا الدرداء يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول أيما امرأة توفي عنها زوجها فتزوجت بعده فهي لآخر أزواجها وما كنت لأختارك على أبي الدرداء فكتب إليها معاوية فعليك بالصوم فإنه محسمة.
" المعجم الأوسط " (٣ / ٢٧٥) .
قلت: والحديث فيه علتان: ضعف أبي بكر بن أبي مريم، وعدم تصريح الوليد بن مسلم بالتحديث في باقي السند.
أقوال العلماء:
قال ابن حبان:
ولقد كان أبو بكر بن أبي مريم من خير أهل الشام ولكنه كان رديء الحفظ يحدث بالشيء ويهم فيه لم يفحش ذلك منه حتى استحق الترك ولا سلك سنن الثقات حتى صار يحتج به فهو عندي ساقط الاحتجاج به إذا انفرد.
" المجروحين " (٣ / ١٤٦) .
وأما تدليس الوليد بن مسلم فمشهور، وهو يدلس تدليس التسوية، وهو إسقاط ضعيف بين ثقتين، لذا اشترط العلماء على أهل هذا الصنف التصريح بالتحديث في كل طبقات السند بعد رويته.
وانظر: " التبيين لأسماء المدلسين " لسبط ابن العجمي (ص ٢٣٥) ، و " طبقات المدلسين " للحافظ ابن حجر (ص ٥١) .
ب. قال الإمام أبو الشيخ الأصبهاني:
حدثنا أحمد بن إسحاق الجوهري قال ثنا إسماعيل بن زرارة قال ثنا أبو المليح الرقي عن ميمون بن مهران عن أم الدرداء عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال إن المرأة لآخر أزواجها.
" طبقات المحدثين بأصبهان " (٤ / ٣٦) .
قلت: ورجال الحديث ثقات مشهورون، إلا أحمد بن إسحق الجوهري لم أجد له ترجمة إلا أن أبا الشيخ نفسه جعل هذا الحديث من (حسان حديثه) .
فإن كان كذلك فهو أنظف إسناد في المسألة، والله أعلم.
ج. قال الخطيب البغدادي:
٤٨٠٣ سمرة بن حجر أبو حجر الخراساني نزل الأنبار وحدث بها عن حمزة بن أبي حمزة النصيبي وعمار بن عطاء الخراساني والربيع بن بدر روى عنه إسحاق بن بهلول التنوخي أخبرنا علي بن أبي علي حدثنا أبو غانم محمد بن يوسف الأزرق حدثنا أبي قال حدثنا جدي حدثنا سمرة بن حجر أبو حجر الخراساني عن حمزة النصيبي عن بن أبي مليكة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: المرأة لآخر أزواجها ".
" تاريخ بغداد " (٩ / ٢٢٨) .
قلت: والحديث ضعيف جدّاً، فيه: حمزة النصيبي وهو ضعيف جدّاً.
أقوال العلماء:
- قال الإمام النسائي:
متروك الحديث.
" الضعفاء والمتروكين " (ص ٣٩) .
- وقال ابن الجوزي:
قال أحمد: مطروح الحديث، وقال يحيى: ليس بشيء ليس يساوي فلساً، وقال البخاري والرازي: منكر الحديث، وقال النسائي والدارقطني متروك الحديث، وقال ابن عدي: يضع الحديث، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالموضوعات حتى كأنه المتعمد لها، لا تحل الرواية عنه.
" الضعفاء والمتروكين " لابن الجوزي (١ / ٢٣٧) .
د. قال البيهقي:
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا يحيى بن أبي طالب أنبأ إسحاق بن أبي طالب أنبأ إسحاق بن منصور ثنا عيسى بن عبد الرحمن السلمي عن أبي إسحاق عن صلة عن حذيفة ﵁ ثم أنه قال لامرأته إن شئت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تزوجي بعدي فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا فلذلك حرم الله على أزواج النَّبيِّ ﷺ أن ينكحن بعده لأنهن أزواجه في الجنة.
" السنن " (٧ / ٦٩) .
قلت: فيه: أبو إسحاق السبيعي: وهو مدلس وقد اختلط، فالأثر ضعيف.
أقوال العلماء:
انظر: " من رمي بالاختلاط " للطرابلسي (ص ٦٤) و " طبقات المدلسين " لابن حجر (ص ٤٢) .
وقد ضعفه به العلامة الشيخ الألباني ﵀ في " السلسلة الصحيحة " (١٢٨١) .
هـ. أثر يرويه ابن عساكر (١٩ / ١٩٣ / ١) عن عكرمة:
أن أسماء بنت أبي بكر كانت تحت الزبير بن العوام، وكان شديداً عليها، فأتت أباها فشكت ذلك إليه، فقال: يا بنية اصبري، فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح، ثم مات عنها، فلم تَزوَّج بعده: جُمع بينهما في الجنة.
قال الشيخ الألباني ﵀:
ورجاله ثقات إلا أن فيه إرسالا لأن عكرمة لم يدرك أبا بكر، إلا أن يكون تلقاه عن أسماء بنت أبي بكر، والله أعلم. " السلسلة الصحيحة " (٣ / ٢٧٦) .
= والخلاصة:
- أن القول بأن المرأة مع أحسنهم أخلاقاً كان معها في الدنيا: مما لم يصح فيه دليل.
- وأن القول بأنها تختار من تشاء منهم: لا دليل عليه البتة.
- وأن القول بأنها مع آخر أزواجها هو القول الأقرب للصواب، وذلك لاحتمال حُسن حديث أم الدرداء مرفوعاً، وهو مؤيد بأثري حذيفة وأسماء الموقوفيْن، واللذان يصلحان لتقوية المرفوع، ولبيان أن للقول أصلاً معتبراً.
والحديث صححه العلامة الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٢٨١) .
- وهو على كل حال أحبُّ إلينا من الرأي.
والله أعلم.
وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 421
ينزل عيسى ﵇ آخر الزمان حاكما بالشريعة المحمدية
[السُّؤَالُ]
ـ[ي هو ناتج عن مناظرة لي مع قادياني قال فيها أن النبي محمدا ﷺ كان خاتم النبيين فبأي معنى يأتي عيسى ﵇ بعد ذلك وهل سيأتي كنبي أم خليفة؟ أرجو الجواب من فضلك]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
قد تواترت الأدلة الشرعية، من نصوص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة في كل عصر ومصر، على أن نبينا محمدا ﷺ هو خاتم النبيين والمرسلين، ومن ادعى النبوة بعده فهو كذاب دجال.
قال الله : (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) الأحزاب / ٤٠
قال ابن كثير ﵀:
" أخبر تعالى في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه: أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل مَنِ ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك، دجال ضال مضل، ولو تخرق وشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب، كما أجرى الله، على يد الأسود العَنْسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة، ما علم كل ذي لب وفهم وحِجى أنهما كاذبان ضالان، لعنهما الله.
وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال.
" انتهى من "تفسير ابن كثير" (٦/٤٣٠-٤٣١)
وروى البخاري (٣٤٥٥) ومسلم (١٨٤٢) عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي) .
وروى مسلم (٥٢٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ) .
وروى الترمذي (٢٢٧٢) وصححه عن أنس بن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ قَدْ انْقَطَعَتْ، فَلَا رَسُولَ بَعْدِي وَلَا نَبِيَّ) .
صححه الألباني في "صحيح الترمذي"، وقال محققو المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم.
ثانيا:
دلت الأدلة الصحيحة أيضا على نزول عيسى ابن مريم ﵇ في آخر الزمان، وأنه ينزل حاكما بشريعة نبينا ﷺ ، متبعا له، لا ينزل برسالة مستقلة، وشريعة جديدة.
روى البخاري (٢٢٢٢) ومسلم (١٥٥) عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) .
قال العراقي ﵀:
" الْمُرَادُ أَنَّهُ يَنْزِلُ حَاكِمًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ لَا نَبِيًّا بِرِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَشَرِيعَةٍ نَاسِخَةٍ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا تُنْسَخُ، وَلَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنَا كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ بَلْ هُوَ حَاكِمٌ مِنْ حُكَّامِ هَذِهِ الْأُمَّةِ " انتهى.
"طرح التثريب" (٨/ ١١٧)
وروى مسلم (١٥٦) عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
(لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ: لَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ) .
وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ) متفق عليه.
قال الحافظ ﵀:
" قَالَ أَبُو الْحَسَن الْآبِريّ فِي مَنَاقِب الشَّافِعِيّ: تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار بِأَنَّ الْمَهْدِيّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة وَأَنَّ عِيسَى يُصَلِّي خَلْفه. وَقَالَ أَبُو ذَرّ الْهَرَوِيُّ: حَدَّثَنَا الْجَوْزَقِيّ عَنْ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ: مَعْنَى قَوْله: " وَإِمَامكُمْ مِنْكُمْ " يَعْنِي أَنَّهُ يَحْكُم بِالْقُرْآنِ لَا بِالْإِنْجِيلِ. وَقَالَ اِبْن التِّين: مَعْنَى قَوْله: " وَإِمَامكُمْ مِنْكُمْ " أَنَّ الشَّرِيعَة الْمُحَمَّدِيَّة مُتَّصِلَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَأَنَّ فِي كُلّ قَرْن طَائِفَة مِنْ أَهْل الْعِلْم.
وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ: لَوْ تَقَدَّمَ عِيسَى إِمَامًا لَوَقَعَ فِي النَّفْس إِشْكَال، وَلَقِيلَ: أَتُرَاهُ تَقَدَّمَ نَائِبًا أَوْ مُبْتَدِئًا شَرْعًا , فَصَلَّى مَأْمُومًا لِئَلَّا يَتَدَنَّس بِغُبَارِ الشُّبْهَة وَجْه قَوْله: " لَا نَبِيّ بَعْدِي "
انتهى مختصرا.
وقال علماء اللجنة الدائمة:
" دلت الأحاديث على نزوله آخر الزمان، وعلى أنه يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ، وعلى أن إمام هذه الأمة ـ في الصلاة وغيرها، أيام نزول عيسى ـ من هذه الأمة، وعلى ذلك لا تكون هناك منافاة بين نزوله وبين ختم النبوة بنبينا محمد ﷺ
؛ حيث لم يأت عيسى برسالة جديدة، ولله الحكم أولا وآخرا، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا معقب لحكمه، وهو العزيز الحكيم " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٣ / ٣٠١-٣٠٢)
وقال علماء اللجنة أيضا:
" ورد في القرآن نصوص في رفع عيسى ابن مريم حيا إلى السماء، ونزوله نبيا رسولا؛ وذلك امتدادا لنبوته ورسالته قبل رفعه، لكن لا يدعو إلى شريعته، بل يدعو إلى أصول الإسلام التي دعا إليها الأنبياء والمرسلون جميعا، وإلى الفروع التي جاء بها خاتم
الرسل محمد ﵊، فليست نبوة ورسالة جديدة حتى تتنافى مع ختم النبوات برسالة نبينا محمد ﷺ " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (٣ / ٣٢٨-٣٢٩)
ثالثا:
ينبغي أن يعلم أن هذه الفرقة – القاديانية – فرقة ضالة خبيثة، قد جرت خطوط العلماء بتكفير من ينتسب إليها؛ لما هم عليه من الكفر والضلال المبين، حيث يؤمنون بنبوة إمامهم الضال غلام أحمد القادياني، الذي ادعى النبوة، وادعى نسخ الجهاد في سبيل الله خدمة للاستعمار، وألغى الحج إلى مكة، وحوله إلى قاديان، التي عندهم أفضل من مكة والمدينة.
كما يدعون في إمامهم الدجال الضال أنه ابن الله، ويؤمنون بعقيدة التناسخ والحلول، ويشبهون الله تعالى بالبشر.. إلى آخر ما يدينون به من الكفر، ويؤمنون به من الضلال.
راجع لمعرفة حقيقة أمرهم وما هم عليه من الكفر إجابة السؤال رقم: (٤٠٦٠) .
والذي ننصح به: ألا يشتغل بالمناظرة معهم، أو مع غيرهم من أهل البدع والضلال، إلا من كانت عنده الأهلية لذلك، من تمكنه في العلم الشرعي، ومعرفته بحقيقة مذهب القوم وضلالهم، وما قاله أهل العلم فيهم وفي ضلالاتهم.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 422
تفسير حديث يقتتل عند كنزكم هذا ثلاثة كلهم ابن خليفة
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هو فهمكم وتفسيركم للحديث التالي حول المهدي، والوارد في موقع الدرر السنية - الموسوعة الحديثية: (يقتتل عند كنزكم هذا ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصل إلى واحد منهم، ثم تقبل الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم - ثم ذكر شيئا - فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي) الراوي: ثوبان مولى رسول الله المحدث: البزار - المصدر: البحر الزخار - الصفحة أو الرقم: ١٠/١٠٠. خلاصة الدرجة: إسناده صحيح. أرجو توضيح: ما هو الكنز؟ من هم الثلاثة؟ من هو الخليفة؟ هل زمن حدوث ذلك قريب أم بعيد؟ من هم أصحاب الرايات السود؟ هل هم مجوس الفرس في إيران؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
الإيمان بخروج المهديّ من عقيدة أهل السنّة والجماعة، وقد تواترت الأحاديث تواترا معنويّاً بذلك؛ ولذلك أورد العلامة الكتاني رحمه في ضمن ما جمعه من الأحاديث المتواترة، ونقل الحكم بتواتره عن غير واحد من أهل العلم، كأبي الحسين الآبري، صاحب كتاب مناقب الشافعي، والحافظ السخاوي، وغيرهما. ينظر: "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" (٢٣٦-٢٤٠) .
وفي فتاوى اللجنة الدائمة (٣ / ١٤١) : (الأحاديث التي دلّت على خروج المهدي كثيرة، وردت من طرق متعدّدة، ورواها عدد من أئمّة الحديث، وذكر جماعة من أهل العلم أنّها متواترة معنويًّا منهم: أبو الحسين الآبريّ من علماء المائة الرّابعة، والعلامة السّفارينيّ في كتابه [لوامع الأنوار البهية] ، والعلامة الشّوكانيّ في رسالة سمّاها [التوضيح في تواتر أحاديث المهديّ والدّجّال والمسيح] ) .
وليس المقصود من هذا المهديّ ما يزعمه الرافضة: أنّه موجود الآن، وينتظرون خروجه من سرداب سامراء؛ إذ ذاك نوع من الهذيان، وهوس شديد من الشّيطان؛ حيث لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة ولا معقول صحيح.
ثانيا:
جاء هذا الحديث من رواية الصحابي الجليل ثوبان ﵁، أن النبي ﷺ قال:
(يَقْتَتِلُ عِنْدَ كَنْزِكُمْ ثَلَاثَةٌ، كُلُّهُمْ ابْنُ خَلِيفَةٍ، ثُمَّ لَا يَصِيرُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ تَطْلُعُ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَيَقْتُلُونَكُمْ قَتْلًا لَمْ يُقْتَلْهُ قَوْمٌ - ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا لَا أَحْفَظُهُ - فَقَالَ: فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَبَايِعُوهُ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ، فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ الْمَهْدِيُّ)
رواه ابن ماجه في " السنن " (رقم/٤٠٨٤) ، والبزار في " المسند " (٢/١٢٠) ، والروياني (رقم/٦١٩) ، والحاكم في " المستدرك " (٤/٥١٠) ، ومن طريقه البيهقي في " دلائل النبوة " (٦/٥١٥)
رووه من طريق سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان به مرفوعا.
ورواه الحاكم والبيهقي أيضا – بعد الرواية السابقة - من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، به موقوفا من كلام ثوبان.
وقد اختلف أهل العلم في الحكم على هذا الحديث، على قولين:
القول الأول: تصحيح الحديث.
قال البزار ﵀:
" وهذا الحديث قد روى نحو كلامه من غير هذا الوجه بهذا اللفظ، وهذا اللفظ لا نعلمه إلا في هذا الحديث، وإن كان قد روي أكثر معنى هذا الحديث، فإنا اخترنا هذا الحديث لصحته، وجلالة ثوبان، وإسناده إسناد صحيح " انتهى.
وقال الحاكم ﵀:
" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين " انتهى. ولم يتعقبه الذهبي في تلخيصه.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀:
" وهذا إسناد قوي صحيح " انتهى.
" النهاية في الفتن والملاحم " (ص/١٧) ، وقد اختلف حكم ابن كثير على الحديث، فرجح في " البداية والنهاية " وقفه كما سيأتي.
وصححه القرطبي في " التذكرة " (ص/١٢٠١) ، والبوصيري في " مصباح الزجاجة " (٣/٢٦٣) ، وصححه الشيخ حمود التويجري ﵀ في كتابه " إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة " (٢/١٨٧)
القول الثاني: تضعيف الحديث.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل:
" حدثني أبي قال: قيل لابن علية في هذا الحديث؟ فقال: كان خالد يرويه فلم يُلتَفَت إليه، ضعَّفَ ابنُ علية أمره، يعني: حديث خالد، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، عن النبي ﷺ في الرايات " انتهى.
" العلل " (٢/٣٢٥)
وقال الحافظ ابن كثير ﵀:
" رواه بعضهم عن ثوبان فوقفه، وهو أشبه، والله أعلم. " انتهى.
" البداية والنهاية " (١٠/٥٥)
وقال الذهبي ﵀:
" أحمد في مسنده، حدثنا وكيع، عن شريك، عن علي بن زيد، عن أبي قلابة، عن ثوبان، قال رسول الله ﷺ : (إذا رأيتم السود قد أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج، فإن فيها خليفة المهدي)
قلت – أي: الذهبي -: أراه منكرا، وقد رواه الثوري، وعبد العزيز بن المختار، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، فقال: عن أسماء، عن ثوبان " انتهى.
" ميزان الاعتدال " (٣/١٢٨) .
كما أعله الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في " تفسير المنار " (٩/٤١٩-٤٢١) .
وقال الشيخ الألباني ﵀:
" منكر ... وقد ذهل من صححه عن علته، وهي عنعنة أبي قلابة، فإنه من المدلسين كما تقدم نقْلُه عن الذهبي وغيره، ولعله لذلك ضعف الحديث ابنُ علية من طريق خالد، كما حكاه عنه أحمد في " العلل " (١ / ٣٥٦) وأقره، لكن الحديث صحيح المعنى، دون قوله: فإن فيها خليفة الله المهدي " انتهى باختصار.
" السلسلة الضعيفة " (رقم/٨٥)
ثالثا:
وقع الخلاف أيضا في تفسير المراد بالكنز في هذا الحديث، فمِن قائل إنه كنز الكعبة، ومِن قائل إنه الكنز الذي يحسر نهر الفرات عنه كما أخبرت عنه الأحاديث الصحيحة.
قال الشيخ حمود التويجري ﵀:
" قال ابن كثير في " النهاية ": " والظاهر أن المراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة "
قلت – أي الشيخ التويجري -: وفي هذا نظر؛ لما تقدم في باب النهي عن تهييج الترك والحبشة عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (اتركوا الحبشة ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة) رواه أبو داود، والحاكم، وقال: " صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي في " تلخيصه. وقد رواه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف. وإسناده جيد.
والأقرب في الكنز المذكور في حديث ثوبان ﵁: أنه الكنز الذي يحسر عنه الفرات، وقد يكون غيره. والله أعلم " انتهى.
" إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة " (٢/١٨٧) .
وهذا القول الثاني في تفسير الكنز، قد ذكره الحافظ ابن حجر ﵀ احتمالا، فقال:
" فهذا إن كان المراد بالكنز فيه الكنز الذي في حديث الباب ـ يعني الحديث الذي ذكر انحسار الفرات عن جبل من ذهب ـ، دل على أنه إنما يقع عند ظهور المهدي، وذلك قبل نزول عيسى وقبل خروج النار جزما ". فتح الباري (١٣/٨١) .
رابعا:
لم نقف على من نصّ على المقصود من الثلاثة والخليفة في الحديث كما أنه لم يرد في شيء من الأحاديث الصحيحة النص على زمان خروج المهدي. لكنّ النّصوص تدلّ على عودة الخلافة الإسلاميّة قبل قيام الساعة، كقوله – ﷺ : " يَا ابْنَ حَوَالَةَ إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ، فَقَدْ دَنَتْ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَايَا وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ، وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ إِلَى النَّاسِ مِنْ يَدَيَّ هَذِهِ مِنْ رَأْسِكَ ".
أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن حوالة الأزديّ ﵁ برقم (٢٥٣٥) ، وأحمد في المسند (٥/٢٨٨) ، والحاكم في المستدرك (٤/٤٧١) ، وصحّحه، ووافقه الذّهبيّ، وصحّحه الألبانيّ في صحيح سنن أبي داود برقم (٢٥٣٥ (
ولعلّه أن يكون أحد هؤلاء الخلفاء الذين يظهرون في وقتهم المهديّ.
ينظر: المهديّ وفقه أشراط السّاعة للدكتور محمّد إسماعيل المقدّم (ص٧٢٨) وما بعدها.
وينظر أيضا: فتاوى اللجنة الدائمة (٣/١٤٠) في الفتوى رقم (١٦١٥) . وجواب السؤال رقم (٣٢٥٩ (.
خامسا:
أصحاب الرايات السود ليسوا هم مجوس الفرس في إيران، بل الذي يدل عليه ظاهر الحديث أنهم أناس من أهل المشرق ينصرون المهديّ، ويقيمون سلطانه، ويشدّون أركانه، وتكون راياتهم سوداء. وهذا كله إذا قدر أن الحديث في ذكرهم ثابت محفوظ.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
" وهذه الرايات السود ليست هي التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني فاستلب بها دولة بني أمية في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، بل رايات سود أخر تأتي بصحبة المهدي، وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني ﵁، يصلحه الله في ليلة؛ أي: يتوب عليه ويوفقه ويفهمه ويرشده، بعد أن لم يكن كذلك، ويؤيده بناس من أهل المشرق ينصرونه ويقيمون سلطانه ويشدون أركانه، وتكون راياتهم سوداء أيضاً ". انتهى.
النّهاية في الفتن والملاحم (١/٤٩) ، وكتاب الفتن للمروزيّ (١/٣١٠) ، إتحاف الجماعة، للشيخ حمود التويجري (١/٢٨٦) وما بعدها.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 423
هل هناك حديث يخبر عن حظر تجاري يقع على بلاد العراق والشام ومصر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هناك حديث عن حظر تجاري على العراق والشام ومصر؛ فهل حدث هذا بالفعل، أم أنه الوضع الظاهر أمام أعيننا؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يبدو أن الحديث المشار إليه في السؤال هو ما رواه مسلم في صحيحه (٢٨٩٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنَعَتْ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا وَمَنَعَتْ الشَّأْمُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ) شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ.
وروى البخاري (٣١٨٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؟ فَقِيلَ لَهُ وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِنًا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ إِي وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ. قَالُوا عَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ فَيَشُدُّ اللَّهُ قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ) .
قال النووي ﵀:
" وَفِي مَعْنَى مَنَعَتْ الْعِرَاق وَغَيْرهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ: أَحَدهمَا لِإِسْلَامِهِمْ , فَتَسْقُط عَنْهُمْ الْجِزْيَة , وَهَذَا قَدْ وُجِدَ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَشْهَر أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَجَم وَالرُّوم يَسْتَوْلُونَ عَلَى الْبِلَاد فِي آخِر الزَّمَان , فَيَمْنَعُونَ حُصُول ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِم هَذَا بَعْد هَذَا بِوَرَقَاتٍ عَنْ جَابِر قَالَ: يُوشِك أَلَّا يَجِيء إِلَيْهِمْ قَفِيز وَلَا دِرْهَم قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ مِنْ قِبَل الْعَجَم , يَمْنَعُونَ ذَاكَ. وَذَكَرَ فِي مَنْع الرُّوم ذَلِكَ بِالشَّامِ مِثْله , وَهَذَا قَدْ وُجِدَ فِي زَمَاننَا فِي الْعِرَاق , وَهُوَ الْآن مَوْجُود.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ يَرْتَدُّونَ فِي آخِر الزَّمَان , فَيَمْنَعُونَ مَا لَزِمَهُمْ مِنْ الزَّكَاة وَغَيْرهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْكُفَّار الَّذِينَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَة تَقْوَى شَوْكَتهمْ فِي آخِر الزَّمَان فَيَمْتَنِعُونَ مِمَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ مِنْ الْجِزْيَة وَالْخَرَاج وَغَيْر ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْله ﷺ : " وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ " فَهُوَ بِمَعْنَى الْحَدِيث الْآخَر " بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبًا , وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ " انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀:
" قَوْله: (فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهمْ) أَيْ يَمْتَنِعُونَ مِنْ أَدَاء الْجِزْيَة , قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: أَخْرَجَ مُسْلِم مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَفْعه " مَنَعَتْ الْعِرَاق دِرْهَمًا وَقَفِيزهَا " وَسَاقَ الْحَدِيث بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي , وَالْمُرَاد بِهِ مَا يُسْتَقْبَل مُبَالَغَة فِي الْإِشَارَة إِلَى تَحَقُّق وُقُوعه , وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِر أَيْضًا مَرْفُوعًا " يُوشِك أَهْل الْعِرَاق أَنْ لَا يُجْتَبَى إِلَيْهِمْ بَعِير وَلَا دِرْهَم , قَالُوا: مِمَّ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَل الْعَجَم يَمْنَعُونَ ذَلِكَ " وَفِيهِ عِلْم مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة , وَالتَّوْصِيَة بِالْوَفَاءِ لِأَهْلِ الذِّمَّة لِمَا فِي الْجِزْيَة الَّتِي تُؤْخَذ مِنْهُمْ مِنْ نَفْع الْمُسْلِمِينَ , وَفِيهِ التَّحْذِير مِنْ ظُلْمهمْ وَأَنَّهُ مَتَى وَقَعَ ذَلِكَ نَقَضُوا الْعَهْد فَلَمْ يَجْتَبِ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ شَْئًا فَتَضِيق أَحْوَالهمْ. وَذَكَرَ اِبْن حَزْم أَنَّ بَعْض الْمَالِكِيَّة اِحْتَجَّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة " مَنَعَتْ الْعِرَاق دِرْهَمًا " الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْأَرْض الْمَغْنُومَة لَا تُقَسَّم وَلَا تُبَاع وَأَنَّ الْمُرَاد بِالْمَنْعِ مَنْع الْخَرَاج , وَرَدَّهُ بِأَنَّ الْحَدِيث وَرَدَ فِي الْإِنْذَار بِمَا يَكُون مِنْ سُوء الْعَاقِبَة وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيُمْنَعُونَ حُقُوقهمْ فِي آخِر الْأَمْر , وَكَذَلِكَ وَقَعَ " انتهى.
وينظر: "نيل الأوطار"، للشوكاني (٨/ ١١٨) ، "النهاية"، لابن الأثير (١/٢٦٢) .
والحاصل مما سبق أن الراجح في تفسير الحديث أن الكفار من الروم والعجم سوف يستولون على ملك المسلمين في هذه البلاد، بعدما كانت خاضعة لسلطانهم، فيمنعوا خيرها وخراجها عن المسلمين، وقد تكرر وقوع هذا الأمر مرات ومرات في التاريخ، ومن آخر ذلك استيلاء الاستعمار على هذه البلاد، والقضاء على سلطان الخلافة العثمانية فيها، وتسلط الكفار على أهلها وثرواتها.
وأما الواقع اليوم من تسلط الكفار في العراق، وتحكمهم في ثرواتها وخيراتها، فلا نجزم أن يكون هو المراد بالحديث تحديدا، فالجزم بمثل ذلك مخاطرة تسرع فيها كثير من الناس في مثل هذا الباب، ثم لم يلبث أن تبين خطؤهم وجرأتهم على هذا الباب من العلم.
وإن كان لا يمنع أن يتكرر ذلك مرات، وأن يكون ذلك واحدا منها. بل قد صنعوا فيها ما هو شر من ذلك، إذ منعوا خير العراق عن بلاد المسلمين، ثم حاصروا العراق وأهله، ومنعوا الخير عنهم، ومنعوهم الانتفاع بخيرهم، حتى هلك من هلك من الأطفال، فضلا عن النساء والرجال.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 424
وقفات مع كتاب " هرمجدون " وبيان حقيقة الملحمة في آخر الزمان
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت وأنا أتصفح أحد المواقع الإسلامية ما يسمَّى بـ " هارمجدون " - " الحرب العالمية الثالثة " - ومختصر المعلومات عنها أنها: ملحمة كبرى تكون بعد " أرمجدون "، وفي أعقابها، ويمكن أن نميز " أرمجدون " بالآتي: ١. هي حرب تحالفية عالمية يشترك فيها معظم أهل الأرض. ٢. الأرض الرئيسة للمعركة " وادي مجيدو " بفلسطين. ٣. هي حرب مدمرة تقضي على معظم أسلحة الدمار الشامل. ٤. وهي تمهيد للملحمة الكبرى، إذ يستعين الروم - أمريكا وأوربا - بالمسلمين للقضاء على الشر - الصين وروسيا وإيران ومن معهم -، ويتم لهم ما أرادوا , ثم يشحذوا سيوفهم للقضاء على المسلمين في الملحمة الكبرى، والتي تتميز بالآتي: ١. تكون بعد " أرمجدون " العالمية، وفي أعقابها. ٢. هي لقاء مباشر بين الغرب الصليبي، والمسلمين. ٣. تكون في " سوريا " , وتحديداً في مكان بالقرب من دمشق. ٤. يكون قائد المسلمين فيها المهدي ﵇. ٥. هي حرب بالخيل، والسيوف. ٦. مدتها أربعة أيام. ٧. النصر في النهاية فيها للمسلمين. ومن خلال قراءتي للموضوع لم أجد آية قرآنية مذكورة، أو حديث نبوى، يدل على تلك المعلومة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
١. " هَرْمَجِدُّون "، أو: " آرمجدون " كلمة عبرية، مكونة من كلمتين: " هار " بمعنى " تل "، و " مجدُّو " اسم مدينة في شمال فلسطين – ويطلق عليها " مجيدو " -.
٢. ليس لهذه الكلمة وجود في ديننا، لا اسماً، ولا وقوعاً، لا في أحاديث صحيحة، ولا ضعيفة، فتسمية هذه المعركة: " هرمجدون "، وتحديد مكانها في فلسطين: ليس مأخوذاً إلا من التوراة والإنجيل.
أ. ففي " التلمود " – وهو عند اليهود أقدس من التوراة نفسها -: " قبل أن يحكم اليهود نهائيّاً: لا بد من قيام حرب بين الأمم، يهلك خلالها ثلثا العالم، ويبقون سبع سنين، يحرقون الأسلحة التي اكتسبوها بعد النصر ".
ب. وجاء في " الإنجيل " – سِفر رؤيا يوحنا ١٦: ١٥، ١٦ - على لسان عيسى ﵇ – على زعمهم - واصفاً مجيئه المفاجئ في آخر الزمان: " ها أنا آتي كلص! طوبى لمن يسهر، ويحفظ ثيابه؛ لئلَاّ يمشي عرياناً، فيروا عريته، يجمعهم إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية " هرمجدُّون ".
٣. المعلومات التي في السؤال مصدرها: كتاب " هرمجدون، آخر بيان يا أمة الإسلام "، للمدعو: أمين محمد جمال الدين، وهو كتاب سيئ، قد ردَّ عليه كثير من أهل العلم، وبينوا تخبطه، وجهله، ويكفي أنْ يُعلم أنَّ من مراجعه المعتمدة كتاب لكاهنٍ شهير، ولم يكتف بهذا، بل زعم أن هذا الكاهن قد أخذ كهانته عن الإسلام! .
وقد بان زيف ادعاءاته الممجوجة بمرور التواريخ التي ادَّعى فيها وقوع أحداث معينة، فقد ادَّعى صاحب الكتاب – مثلاً -: أن " المهدي " سيظهر بعد حكم " طالبان " لأفغانستان بست سنوات، أي: عام ٢٠٠٢ م، وقد بان كذب هذا، فقد سقط حكم " طالبان "، واحتُلت دولتها، ولم يظهر " المهدي "، ونحن في أوائل العام ٢٠٠٩ م! – ١٤٣٠ هـ -.
وملخص الكلام حول الكتاب في ما قاله ونقله الأستاذ حمدي شفيق:
قال – حفظه الله -:
إن الكتاب المذكور كتاب خطير، مليء بالجهل، والافتراءات على نبينا ﷺ ، ومنهجه مبني على تحريف كل شيء، وعلى لي أعناق النصوص لتوافق الواقع، إلى غير ذلك من أنواع الخطأ الكبير، والضلال المبين.
ويجب الحذر من هذا الكتاب، والتحذير من كاتبه، ومقاطعة كل ما يكتبه ويؤلفه بعدم الشراء؛ لأن ذلك يردعه، هو وأمثاله عن أن يتاجر بدين الأمة، ومن أن يستخف بعقول المسلمين.
" العلماء يردون على أسطورة هرمجدون " (ص ٢٤) .
وقال – حفظه الله – بعدها:
من أفضل وأشمل الردود على كتاب " آخر بيان يا أمة الإسلام ": ذلك الرد العلمي الرصين، الذي كتبه الدكتور " عبد العزيز دخان " في مجلة " الفقه السياسي "، ولأهمية هذا الرد الثري الرائع: نورده فيما يلي:
إن أخطر ما يمكن ملاحظته من سلبيات مثل هذا الكتاب هي:
١. المبالغة، والتهويل، والإثارة، واستغلال العواطف في قضايا تحتاج إلى دراسة علمية هادئة، وليس المناداة بالويل، والثبور، وعظائم الأمور، فهذا منهج لم يخدم قضايانا بالأمس، ولن يخدمها فى الحاضر، أو المستقبل.
٢. الاعتداء على قواعد المحدثين، في توثيق النصوص، ونقد الأقوال، وتصحيح الأحاديث، وتوثيقها، والتلبيس على المسلمين فى بعض هذه القواعد، وتقريرها بشكل غير صحيح.
٣. الاعتماد على مراجع نبَّه العلماء المعتمدون على ضعف ما فيها من الأحاديث والأخبار.
٤. الخطأ فى الاستدلال ببعض مواقف الصحابة فى هذه المسائل والقضايا.
٥. نشر روح التواكل بين أبناء المسلمين، انتظاراً للقادم الذي يخلصهم مما هم فيه.
٦. الدعوة إلى العزلة، المذمومة، السلبية، التي لا تعني فى النهاية سوى الهروب من الواقع، وإفساح المجال لأهل الفساد ليعيثوا فى الأرض فساداً.
انتهى
وينظر في الرد على الكتاب: ١. " الحقائق المطموسة في كتاب هرمجدون " لمجدي سعد أحمد.
٢. " الرد الأمين على كُتب " عُمر أُمّة الإسلام " و " ردّ السهام " و " القول المبين
" لحمدي شفيق.
ومن الردود الصوتية: ١. " التحذير من كتاب هرمجدون "، للشيخ محمد عبد المقصود.
٢: " الرد العلمي على كتاب هرمجدون "، للشيخ عادل يوسف العزازي.
وكلها متوفرة في موقع " طريق الإسلام ".
٤. ثبت في صحيح السنَّة أنه سيقع في آخر الزمان " صلح " بين المسلمين والنصارى، ثم نقاتل نحن وهم عدوّاً، ثم نقاتلهم في " ملاحم كبرى ".
عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ ذِي مِخْمَرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا وَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِهِمْ فَتَسْلَمُونَ وَتَغْنَمُونَ ثُمَّ تَنْزِلُونَ بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ فَيَقُومُ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الرُّومِ فَيَرْفَعُ الصَّلِيبَ وَيَقُولُ أَلَا غَلَبَ الصَّلِيبُ فَيَقُومُ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَتَكُونُ الْمَلَاحِمُ فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْكُمْ فَيَأْتُونَكُمْ فِي ثَمَانِينَ غَايَةً مَعَ كُلِّ غَايَةٍ عَشْرَةُ) .
رواه أبو داود (٤٢٩٢) وابن ماجه (٤٠٨٩) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
والحديث – كما نرى – فيه قتالان، قتال مع النصارى ضد عدو غيره، وقتالنا ضد النصارى بعد ذلك، و " هرمَجدون " عند الكاتب هي المعركة الأولى، وهي الثانية عند أهل الكتاب! والحديث ليس فيه تعرض للعدو الذي نقاتله مع الروم، ولا فيه تعرض للمكان الذي ستقع فيه المقتلة، و " هرمجدون " عند أهل الكتاب هي قتالهم لنا نحن المسلمين، ومعنا الوثنيين! ، وأرض المعركة عندهم هي: " فلسطين "، وعليه: فمن زعم أن " هرمجدون " هي " الملحمة " الوارد ذِكرها في صحيح السنَّة ": فقد أخطأ، وثمة فروقات بين المقتلتين.
قال الشيح محمد بن إسماعيل المقدَّم – حفظه الله -:
وهاك حاصلَ الفروقِ الأساسية بين " الملحمة "، وبين " هرمجدون ":
الأول: أن خبر الملحمة ثابت عن رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، كما تقدم، أما " هرمجدون ": فاصطلاح نصراني، إسرائيلي لا يُدرى مدى مصداقيته، ولا ثبوته، وهو مجرد اسم للموضع الذي يدَّعى أن المعركة ستقع فيه، في حين ثبت عنه صلى الله عليه وسل تسمية موضع الملحمة بأنه " الأعماق "، أو " دابق " - موضعان بالشام، قرب حلب.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا فَيُقَاتِلُونَهُمْ) .
رواه مسلم (٢٨٩٧) .
الثاني: ستقع الملحمة بين أهل الإسلام أتباع خير الأنام ﷺ ، وبين الروم النصارى الضالين، في حين يدَّعي أهل الكتاب أن معركة " هرمجدون " طرفاها: قوى الشر، ممثلة - في زعمهم - في المسلمين، ومن حالفهم - من الوثنيين، ويدخل في هذا اللفظ عندهم: الصينيون، والكوريون، والفيتناميون، واليابانيون، والذين تسميهم التوراة: " يأجوج ومأجوج " -، وقوى الخير، وهم النصارى - في زعمهم -.
الثالث: ثبت أن الله ينصر المسلمين على أعدائهم في " الملحمة "، في حين يدَّعي أصحاب " هرمجدون " أن الغلبة ستكون لهم على " قوى الشر "، وهم المسلمون - في زعمهم -.
الرابع: يحدد أهل الكتاب موعد " هرمجدون "، وينتظرون فيه مسيحهم على رأس الألف، سواءً الأولى، أو الثانية، فإن طال الزمان فسينتظرون في الألف الثالثة، أما الأحاديث النبوية الشريفة: فلم تحدد موعداً للملحمة سوى أنها من أشراط الساعة.
إن " هرمجدون " ضد السنن الكونية، والشرعية، و " الملحمة " متوافقة معها.
" هرمجدون ": يأس، وقنوط، والملحمة: بشرى، وأمل.
إن " هرمجدون ": تحبِط، وتخذِّل، و " الملحمة ": تنعش الرجاء، وتبعث الأمل.
" هرمجدون ": تدعو إلى استحضار هزيمتنا كأمر واقع، و " الملحمة " تجعل انتصار المسلمين هو الأمر الواقع.
" خدعة هرمجدون " (ص ٣١ – ٣٣) باختصار وتصرف يسير.
ولا يجوز الجزم بتنزيل الأحاديث الصحيحة على واقع يراه الباحث مناسباً للحديث دون ضوابط، وهذا ليس صنيع المحققين من أهل العلم؛ إذ هو غيب لا يَدري عن حقيقته أحد، وما يراه الباحث من الوقائع مناسباً في زمانه قد يأتي ما هو أنسب منه في زمانٍ بعده، فقول الكاتب إن العدو الذي يقاتله المسلمون والنصارى هم الصين وروسيا وإيران: هو من علم الغيب، ولا يحل لأحدٍ أن يجزم به، وهو ما وقع به مؤلف كتاب " هرمجدون، آخر بيان يا أمة الإسلام "، المدعو: أمين محمد جمال الدين، حيث قال في (ص ٧، ٤٨) منه.
وللوقوف على ضوابط تنزيل الأحاديث على الوقائع: ينظر:
أ. " فقه أشراط الساعة " (من ص ٢٥٣ – ٢٩٣) للشيخ محمد إسماعيل المقدَّم.
ب. " معالم ومنارات في تنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث " للأستاذ عبد الله بن صالح العجيري.
وكلاهما متوفر على الشبكة العنكبوتية.
٦. وأخيراً: إن التنصيص على معركة باسم " هرمجدون " هو اعتقاد للنصارى، وأما اليهود فلايوافقونهم في هذا، بل هم يستثمرون بلههم، وجهلهم؛ ليمكنوهم من الاستقرار في فلسطين، ومن هدم " المسجد الأقصى "، وإلا فإنهم ينتظرون " الدجال "، فهو ملكه، لا عيسى بن مريم الذي يكفرونه، ويزعمون أنه ابن زنا – قاتلهم الله -.
قال ابن القيم – ﵀ – في بيان تلاعب الشيطان باليهود -:
ومن تلاعبه بهم: أنهم ينتظرون قائماً من ولد داود النبي، إذا حرك شفتيه بالدعاء: مات جميع الأمم، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وُعدوا به! وهم في الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة " الدجَّال "، فهم أكثر أتباعه، وإلا فمسيح الهدى عيسى بن مريم ﵇ يقتلهم، ولا يُبقي منهم أحداً.
والأمم الثلاث تنتظر منتظراً يخرج في آخر الزمان؛ فإنهم وُعدوا به في كل ملة، والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى ابن مريم من السماء، لكسر الصليب، وقتل الخنزير، وقتل أعدائه من اليهود، وعبَّاده من النصارى، وينتظرون خروج المهدي من أهل بيت النبوة يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.
" إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان " (٢ / ٣٣٨) .
وقال الشيخ محمد بن إسماعيل المقدَّم – حفظه الله -:
إن اليهود لا يوافقون النصارى بالطبع في مفهومهم عن الألفية، فالمعركة العظمى عندهم هي " يوم غضب الرب "، وليس " هرمجدون "، كما أن الذي سيظهر – طبقاً لعقيدتهم – هو " المسيح المنتظر " الآتي للمرة الأولى، وليس المسيح عيسى بن مريم ﵇، وبالرغم من ذلك فإن اليهود يروِّجون لعقيدة " هرمجدون " في الفكر النصراني الغربي، بل ينفقون الأموال الطائلة لترسيخها في عقل الغرب الخاوي دينيّاً، لأنها تخدِم أهدافهم السياسية، في تكوين وطن قومي لهم في " فلسطين " من جانب، كما تساعدهم على تحقيق حلْمهم في السيطرة على العالم من جانب آخر، وهو ما يعني تسييس الدين في خدمة الأهداف القومية اليهودية، بل تنظم الدولة اللقيطة رحلات سياحية دورية لجذب المؤمنين بـ " الهرمجدون " من كل دول العالم وفي مقدمتها " أمريكا "، لزيارة وادي " هرمجدون " مسرح العمليات المرتقبة، ومكان معركة نهاية البشر، التي يدَّعون أن من يدركها، أو يدرك العودة الثانية للمسيح: فإن شبابه سوف يتجدد، ليبدأ حياة سعيدة، لمدة ألف سنة من السلام التام.
" خدعة هرمجدون " (ص ٣٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 425
التعليق على صورة لشاب يُزعم أنه الدجال! وذِكر بعض صفات الدجال من السنَّة
[السُّؤَالُ]
ـ[طالعتنا بعض المواقع على الإنترنت بموضوع لا نعرف له أصلاً عن ظهور المسيح الدجال فى باكستان , ويظهر في هذه الصورة أن الرجل الموجود عنده عين واحدة! ولكن من وصف المسيح الدجال كما أخبرنا النبي ﷺ أنه أعور العين اليمنى - كما في الصحيحين - وليس له عين واحدة في وسط رأسه! فما رأيكم في هذا الموضوع؟ . ونرجو الاهتمام بهذا السؤال نظرا لأنه انتشر في بعض وسائل الإعلام، واغتر به كثير من العامة]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجاهل عدو نفسه، ولا يزال الجاهلون بشرع الله تتقاذفهم أمواج الحكايات، والأخبار، والقصص، المخترعة، والمؤلَّفة، أو المفتراة على الشرع، وهم يصدِّقون، ويتأثرون، وينشرونها في الآفاق، ثم يجادلون عنها، ويتهمون غيرهم ممن ينفيها أو يردها بالجهل! ومحاربة الدين! .
وهذه الصورة المنشورة، والمنسوبة في الخبر أنها للدجال: أنموذج لما ذكرناه، فمن صدَّق أن صاحبها هو الدجَّال فمِن جهله أتي، وقد لبَّس عليه شياطين الإنس والجن، حتى أثبت ما ليس من الشرع، ونفى ما هو منه، أضف إلى أن الخبر – أصلاً – قد يكون مفبركاً، فما اسم صاحب الصورة؟ وما هو عنوانه؟ ومن هم العلماء الذين قالوا إنه الدجال؟ وكل ما في الأمر صورة منشورة في جريدة.
وهذه الصورة – إن كانت حقيقية - لا يمكن أن يكون صاحبها هو الدجَّال؛ وذلك لأسباب، منها:
١. أن الدجَّال مربوط في جزيرة، كما صحَّ ذلك في الحديث الذي رواه مسلم ﵀، من حديث تميم الداري ﵁.
٢. وفي الحديث أنه عظيم الخلقة.
راجع نص الحديث الوارد في ذلك في جواب السؤال رقم (٨٢٦٤٣) .
وراجع ما ذكرناه في جواب السؤال رقم (٨٨٠٦) ، حول صفات الدجال، وحال فتنته.
ومن الصفات الواردة في شأن للدجال، ما ثبت من حديث " ابن عمر " ﵄، وفيه: (أَعْوَرُ الْعَيْنِ كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) .
وفي سنن أبي داود من حديث عبادة: (مَطْمُوسُ الْعَيْنِ، لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ، وَلَا حَجْرَاءَ) .
وفي بعض الروايات أن العين الأخرى معيبة أيضاً.
قال النووي – ﵀:
وأما قوله ﷺ (أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية) فروي بالهمز، وبغير همز، فمن همز: معناه: ذهب ضوؤها، ومن لم يهمز: معناه: ناتئة، بارزة، ثم إنه جاء هنا (أعور العين اليمنى) وجاء فى رواية أخرى (أعور العين اليسرى) وقد ذكرهما جميعاً مسلم فى آخر الكتاب، وكلاهما صحيح، قال القاضي عياض ﵀: روينا هذا الحرف عن أكثر شيوخنا بغير همز، وهو الذى صححه أكثرهم، قال: وهو الذى ذهب إليه الأخفش، ومعناه ناتئة كنتوء حبة العنب من بين صواحبها، قال: وضبطه بعض شيوخنا بالهمز، وأنكره بعضهم، ولا وجه لإنكاره، وقد وصف فى الحديث بأنه (ممسوح العين) وأنها (ليست جحراء، ولا ناتئة) بل مطموسة، وهذه صفة حبة العنب إذا سال ماؤها، وهذا يصحح رواية الهمز، وأما ما جاء فى الأحاديث الأُخر (جاحظ العين) و (كأنها كوكب) وفي رواية (لها حدقة جاحظة كأنها نخاعة فى حائط) فتصحح رواية ترك الهمزة، ولكن يُجمع بين الأحاديث، وتصحح الروايات جميعاً، بأن تكون المطموسة والممسوحة والتي ليست بجحراء ولا ناتئة: هي العوراء الطافئة بالهمز، وهي العين اليمنى، كما جاء هنا، وتكون الجاحظة، والتي كأنها كوكب، وكأنها نخاعة: هي الطافية بغير همز، وهي العين اليسرى، كما جاء فى الرواية الأخرى، وهذا جمع بين الأحاديث والروايات في الطافية بالهمز، وبتركه، وأعور العين اليمنى، واليسرى؛ لأن كل واحدة منهما عوراء؛ فإن الأعور من كل شيء: المعيب، لا سيما ما يختص بالعين، وكلا عيني الدجال معيبة، عوراء، إحداهما بذهابها، والأخرى بعيبها.
هذا آخر كلام القاضي، وهو فى نهاية من الحسن، والله أعلم.
" شرح مسلم " (٢ / ٢٣٥) .
وبما ذكرناه هنا، وأحلنا عليه في أجوبة سابقة، يتبين أن صاحب الصورة المذكورة في السؤال – إن كانت حقيقية -: ليس هو الدجَّال، ولم نتعرض لما يكذب ذلك مما أعطاه الله تعالى للدجال من فتن، يفتن بها الناس، ومن ذلك: نهران يجريان، استجابة الجماد والحيوان له، وغير ذلك مما لم نقرأ أن ذلك الشاب قد ادعى شيئاً منه.
وقد جاء في المقال ذِكر صفات وأحوال لذلك الشاب لا يُعرف في الشرع أنها صفات وأحوال للمسيح الدجال، كعدم احتراق يده إذا وضعها في النار! وكأكله الزجاج والحصى! وكشربه من ماء البحر! وكون حارسه الشخصي قط أسود! فها هم – كما قلنا – يثبتون للدجال صفات ليست من الشرع، وما نصَّ الشرع على أنها صفات له لم نجدها فيه.
وبكل حال:
فإننا نحذر المسلمين عموماً من الاغترار بكل ما يُنشر في وسائل الإعلام مما يتعلق بدينهم، واعتقادهم، دون الرجوع إلى أهل العلم في ذلك ليحكموا عليه بما يعلمونه من الأدلة الشرعية التي تعصمهم من الفتن، ونحذرهم من الاغترار بتصديق ما يُنشر في الإنترنت من صور لأناسٍ يُزعم أنهم مُسخوا، أو صورة فرعون، أو صورة جني على هيئته الحقيقية! أو أصوات أناس يزعم أنهم يعذبون في قبورهم، وغير ذلك كثير، مما اغتر به كثير من العامَّة، وأعانهم عليه – للأسف – بعض الخاصَّة.
وليعلم المسلمون أنه لا يستبعد وجود جهات خبيثة تريد إشغال المسلمين بمثل هذه الترهات، وتريد العبث بعقولهم؛ لتجعل منهم مادة دسمة في السخرية في مواقعهم ومنتدياتهم، ونوصي الجميع بطلب العلم، والحرص على البرهان الثابت في الأخبار، وعدم التسليم لكل ما يقال وينشر، وليرجعوا في أمورهم وشئون دينهم إلى أهل العلم الثقات، ليرفعوا عنهم الجهل، ويبينوا لهم حقيقة الأمر.
ونسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقّاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →