← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الحكمة من عدم دخول المسترقي في السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب [السُّؤَالُ] ـ[لماذا لا يدخل من يطلب الرقية من الآخرين ضمن أولئك السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب؟ أليس يجوز طلب الرقية من الغير؟ كما أن لدي مشكلة تؤرقني ولا أجد أن لدي الصبر أو مهارة عمل الرقية لنفسي وقد بدأتها عدة أيام ثم امتنعت.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: روى البخاري (٦٤٧٢) ومسلم (٢٢٠) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ولَاَ يكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) . وهؤلاء إنما يدخلون الجنة بغير حساب؛ لكمال توحيدهم، وكمال توكلهم على الله، واستغنائهم عن الناس. ولا يدخل من يطلب الرقية من الآخرين ضمن أولئك السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب لنقصان توكله على الله؛ لأن طلب الرقية فيه نوع تذلل وحاجة إلى الراقي، ومن كمال التوكل والتوحيد أن لا يسأل المسلم الناس شيئا. وقد روى مسلم (١٠٤٣) عن عَوْف بْن مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ: أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: (عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَتُطِيعُوا، وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا) . فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. قال ابن القيم ﵀: "وذلك لأن هؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب لكمال توحيدهم، ولهذا نفى عنهم الاسترقاء وهو سؤال الناس أن يرقوهم، ولهذا قال: (وعلى ربهم يتوكلون) فلكمال توكلهم على ربهم وسكونهم إليه وثقتهم به ورضاهم عنه وإنزال حوائجهم به لا يسألون الناس شيئا لا رقية ولا غيرها، ولا يحصل لهم طيرة [التشاؤم] تصدهم عما يقصدونه؛ فإن الطيرة تنقص التوحيد وتضعفه" انتهى. "زاد المعاد" (١/٤٧٥) . وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "المراد: أنهم لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، ولا أن يكويهم، بل يتوكلون على الله، ويعتمدون عليه في كشف ما بهم ودفع ما يضرهم، وإيصال ما به نفعهم" انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٤/٣٩٧) . ثانيا: طلب الرقية من الغير ليس بمحرم، ولكنه خلاف الأفضل والأكمل. قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: "طلب الدعاء وطلب الرقية مباحان، وتركهما والاستغناء عن الناس وقيامه بهما لنفسه أحسن" انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (٢٤/٢٦١) . وقال الشيخ ابن باز ﵀: "هذا الحديث يدل على أن ترك الطلب أفضل، وهكذا ترك الكي أفضل، لكن عند الحاجة إليهما لا بأس بالاسترقاء والكي؛ لأن النبي ﵇ أمر عائشة أن تسترقي من مرض أصابها، وأمر أم أولاد جعفر بن أبي طالب ﵁ وهي أسماء بنت عميس ﵂ أن تسترقي لهم، فدل ذلك على أنه لا حرج في ذلك عند الحاجة إلى الاسترقاء" انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٥/١١٨-١١٩) . ثالثا: أما قولك: لا أجد لدي الصبر أو مهارة عمل الرقية لنفسي. فطلب الرقية جائز كما سبق، مع أن الرقية لا تحتاج إلى مهارة، وإنما هي بمنزلة الدعاء، فكل إنسان يستطيع أن يدعو ربه بحصول الشفاء، ولا يصعب عليه ذلك، فيستطيع الإنسان أن يرقي نفسه بسورة الفاتحة، أو غير ذلك من القرآن الكريم، أو بالأدعية الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك، ومنها: (اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ مُذْهِبَ الْبَاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا) رواه البخاري (٥٧٥٠) ومسلم (٢١٩١) . (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ) رواه البخاري (٣٣٧١) . وروى مسلم (٢٢٠٢) والترمذي (٢٠٨٠) عن عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعاً يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : ضع يدك على المكان الذي تَأَلَّم من جسدك وقل: (بسم الله ثلاثاً، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) زاد الترمذي: "قال: ففعلت، فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم". نسأل الله تعالى أن يشفيك شفاء لا يغادر سقماً. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 352

هل يكون مع المؤمن في الجنة أولاده وممتلكاته التي كانت له في الدنيا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل كل ما يملكه الشخص من أشياء هنا في الدنيا، كأولاد وممتلكات، ستكون معه هناك في الجنة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: أفادت النصوص الشرعية، من الكتاب والسنة، أن أهل الجنة لهم فيها ما يشاءون مما يشتهون، لا يطلبون شيئا إلا وجدوه، ولا يريدون حاجة إلا نالوها، وهم مع ذلك لا يكدر نعيمهم، ولا ينغص عليهم بانقطاع أو زوال أو نقصان أو عيب. ومن ذلك أهله وذريته - إن كانوا صالحين – فإن الله يلحقهم به، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه، منة منه وفضلا – سبحانه -. قال الله : (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) فصلت/٣١-٣٢. وقال سبحانه: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الزخرف/٧١. قال الحافظ ابن كثير ﵀: " (لهم فيها ما يشاءون) أي: من الملاذ: من مآكل ومشارب، وملابس ومساكن، ومراكب ومناظر، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحد. وهم في ذلك خالدون أبدا دائما سرمدا بلا انقطاع ولا زوال، ولا انقضاء، لا يبغون عنها حولا. وهذا من وعد الله الذي تفضل به عليهم، وأحسن به إليهم " انتهى. "تفسير ابن كثير" (٦ / ٩٨) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) رواه البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٢٨٢٤) . وروى البخاري (٧٥١٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ (أي سبق ذلك لمح البصر) فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَجِدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قال ابن حجر ﵀: " وفي هذا الحديث من الفوائد أن كل ما اشتهي في الجنة من أمور الدنيا ممكن فيها. قاله المهلب " انتهى. "فتح الباري" (٥ / ٢٧) ثانيا: ليس يعني ذلك أن هذه الأشياء الموجودة في الجنة هي نفس الأشياء الموجودة في الدنيا، بل ولا هي مماثلة لها من كل وجه، وإنما هي تفاح حقيقة ـ مثلا ـ كما نفهمه من اسم التفاح، وهي لحم طير حقيقة، كما نفهمه من لحم الطير، وبينهما من التفاوت العظيم، ما الله به عليم. قال ابن عباس ﵄: " لا يشبه شَيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء "، وفي رواية: " ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء ". رواه ابن جرير من رواية الثوري وابن أبي حاتم في تفسيره (١/٦٦) ، وغيرهما. قال البوصيري: " رواه مُسَدَّد موقوفًا، ورواته ثقات". انتهى. "إتحاف الخيرة المهرة" (٨/٢٧٣) ، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (٣٧٦٩) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " يَعْنِي أَنَّ مَوْعُودَ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ وَالْخَمْرِ وَاللَّبَنِ تُخَالِفُ حَقَائِقُهُ حَقَائِقَ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ فِي الدُّنْيَا " انتهى. "الفتاوى الكبرى" (٦/٤٦٨) . وقال ابن كثير ﵀: " يعني: أن بين ذلك بَونًا عظيما، وفرقًا بينا في التفاضل ". انتهى. "تفسير ابن كثير" (٧/٥٠٣) . والخلاصة: أن الله تعالى يمن على عبده في الجنة بما يشتهيه، وتقر به عينه فيها، لكن حقائق هذا النعيم: ليست هي نفس الأشياء التي كانت معه في الدنيا، بل هي مشابهة لها. والله أعلم. يراجع للاستزادة إجابة السؤال رقم (١٢٦٦٢٩) ، (٢٠٢٨٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 353

من كان له زوجتان وكانت إحداهما في درجة أعلى منه فهل يُلحق هو والأخرى بها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[قرأت في الحديث أنه إذا كان منزلة الوالدين أعلى من منزلة الأبناء في الجنة فإن الله برحمةٍ منه وفضل يرفع الأبناء إلى درجة الوالدين، والعكس، وأنه أيضاً إذا كانت منزلة الزوجة، أو الزوج أعلى أحدهما من الآخر بما قدم من أعمال أفضل: فإن الله بفضله يرفعه إلى منزلة الآخر، ولكن السؤال هنا: إذا كان الرجل له زوجتان، وكانت إحداهما في درجة أعلى من الأخرى: فهل تُرفع الزوجة الأقل درجة هي والزوج إلى منزلة الزوجة الأعلى درجة، مع أنها اجتهدت في الدنيا أكثر؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: ما ذكره الأخ السائل في مقدمة سؤاله ليس عليه دليل صحيح من السنَّة، فيما نعلم، ولكن جاءت أثار بذلك عن الصحابة والتابعين في تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) الطور/٢١. فعن عَمْرُو بنِ مُرَّةَ قال: سَأَلْت سَعِيدَ بن جُبَيْرٍ عن هذه الآيَةِ (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) قال: قال ابن عَبَّاسٍ: الْمُؤْمِنُ تُرْفَعُ له ذُرِّيَّتُهُ لِيُقِرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ في الْعَمَلِ. رواه االطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (٣ / ١٠٥) ، وصححه المحققون. وقد ذكر الطحاوي ﵀ أنه في حكم المرفوع، وكذا قال الشيخ الألباني ﵀، ولذلك خرجه في " السلسلة الصحيحة " (٢٤٩٠) . وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (١٢١١٩٢) أن الإلحاق في الجنة في الدرجات يكون لصغار الذرية، ولمن يكون مع الأسرة في ذات البيت، لا لمن استقل منهم بزواج. ثانياً: الزوجة إن كانت في الجنة في درجة أعلى من زوجها: فإن الله تعالى يجمع بينها وبين زوجها فيها، بأن يلحقه بها في درجتها، دون أن يُنقص من درجتها شيئاً. وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم (٥٩٨١) أن المرأة تجتمع بزوجها وذريتهما في الجنة. وعليه: فإن زوجها، وأولادها منه يلتحقون بتلك المرأة الصالحة – الزوجة له، والأم لهم – في درجتها في الجنة؛ لتقر عينها، وتسعد تلك الأسرة. وفي مثل هذه الحال فإنه يصير الزوج في درجة عالية في الجنة، ولنفرض أن له زوجة أخرى، وأولاداً منها، وهم دون تلك المنزلة التي صار فيها: فإنه يُرجى أن يقر الله عيونهم جميعاً بالالتقاء في تلك المنزلة العالية، اجتماعاً لتلك الأسرة، وتحقيقاً للسعادة التي وعدهم الله تعالى بها، ويدل عليه ما ذكرناه من الآية، وما أحلنا عليه من الأجوبة. فتصير تلك الزوجة الصالحة سبباً في ارتفاع درجة زوجها، وأولادها منه، ثم يكون الزوج سبباً في ارتفاع درجة زوجته الأخرى، وأولادهما. وفضل الله تعالى عظيم، ورحمته واسعة، وبما قلناه يتحقق دعاء الملائكة حملة العرش في قولهم (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) غافر/ ٨. ويتحقق وعد الله تعالى لهم في قوله: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) الرعد/ ٢٢، ٢٣. قال الطاهر بن عاشور ﵀: وفي هذه الآية بشرى لمن كان له سلف صالح، أو خلَف صالح، أو زوج صالح، ممن تحققت فيهم هذه الصفات: أنه إذا صار إلى الجنَّة: لحِق بصالح أصوله، أو فروعه، أو زوجه، وما ذكر الله هذا إلا لهذه البشرى، كما قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شِيْءٍ) الطور/ ٢١. والآباء يشمل الأمهات، على طريقة التغليب، كما قالوا: الأبوين. " التحرير والتنوير " (١٣ / ١٣١، ١٣٢) . واجتماع الرجل بزوجاته في الجنة يدل عليه عموم الآيات السابقة، كما تدل عليه آيات مخصوصة على أحد الأقوال فيها، ومنها: ١. قوله تعالى: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ) الزخرف/ ٧٠. ومعنى (تُحبرون) : أي: تُنعَّمون، وتُسرُّون. ٢. وقوله تعالى: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ. هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) يس/ ٥٥، ٥٦. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسير آية الزخرف -: قوله تعالى في هذه الآية: (وأزواجكم) فيه لعلماء التفسير وجهان: أحدهما: أن المراد بأزواجهم: نظراؤهم، وأشباههم، في الطاعة، وتقوى الله، واقتصر على هذا القول: ابن كثير. والثاني: أن المراد بأزواجهم: نساؤهم في الجنة؛ لأن هذا الأخير أبلغ في التنعم، والتلذذ، من الأول. ولذا يكثر في القرآن، ذكر إكرام أهل الجنة، بكونهم مع نسائهم، دون الامتنان عليهم بكونهم مع نظرائهم وأشباههم في الطاعة. قال تعالى: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ. هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) يس/ ٥٥، ٥٦. " أضواء البيان " (٧ / ١٤٢) . ونسأل الله أن يدخلنا وإياكم الجنة، مع أهالينا، وذرارينا، من غير حساب، ولا عذاب. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 354

الطريق إلى الفردوس الأعلى [السُّؤَالُ] ـ[هل الوصول للفردوس الأعلى من الجنة طريق صعب، وقليل من يصله؟ رسولنا الكريم قال (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى.... الحديث) فهل لو أكثرت من الدعاء (اللهم إني أسألك الفردوس الأعلى من الجنة) ، هل ممكن أن أبلغها بفضل الله تعالى، حتى ولو كان عملي لا يوصلني لتلك المنزلة؟ وما هي أقرب الأعمال التي توصلنا إلى هناك بإذن الله تعالى؟ أيضا هناك حديث لرسولنا ﷺ (من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة....الحديث) فهل يجوز لي أن أقول مباشرة (اللهم إني أسألك الفردوس الأعلى من الجنة) بدلا من قول (اللهم إني أسألك الجنة) ؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: روى الترمذي (٢٤٥٠) وحسنه عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ) . صححه الألباني في "صحيح الترمذي" وغيره. فالجنة سلعة غالية، والفردوس الأعلى أعلى الجنان وأفضلها، ولا يصل إليها إلا من اختصهم الله بمزيد فضله. وروى الترمذي (٣١٧٤) وصححه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: (َالْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا) وصححه الألباني. وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) متفق عليه. فإذا كانت الجنة محفوفة بالمكاره وأنواع المشاق، فكيف بأعلى درجاتها وأسمى منازلها؟ هذا يدل على أن الأمر ليس بالأمر الهين. قال ابن القيم: " أنزه الموجودات وأظهرها، وأنورها وأشرفها وأعلاها ذاتا وقدرا وأوسعها: عرش الرحمن ﷻ ، ولذلك صلح لاستوائه عليه، وكل ما كان أقرب إلي العرش كان أنور وأنزه وأشرف مما بعد عنه؛ ولهذا كانت جنة الفردوس أعلى الجنان وأشرفها وأنورها وأجلها، لقربها من العرش، إذ هو سقفها، وكل ما بعد عنه كان أظلم وأضيق، ولهذا كان أسفل سافلين شر الأمكنة وأضيقها وأبعدها من كل خير " انتهى. "الفوائد" (ص ٢٧) وأهل الفردوس الأعلى هم السابقون المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، قال الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) الواقعة/١٠ – ١٢ قال السعدي: " والمقربون هم خواص الخلق " انتهى. "تفسير السعدي" (ص ٨٣٣) قال ابن كثير: " من سابق إلى هذه الدنيا وسبق إلى الخير، كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان " انتهى. "تفسير ابن كثير" (٧ / ٥١٧) ثانيا: ليعلم أن من أعظم أسباب حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب: الدعاء، فإن الدعاء هو العبادة، كما صح عن النبي ﷺ ، وكما أنه عبادة محبوبة لله، فهو سبب في حصول المطلوب، ومن أراده الله به خيرا، وفقه لأسبابه، ويسر له العمل الذي يؤهله لذلك؛ كما قال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) سورة الليل /٥-١٠. روى البخاري (٢٧٩٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) قال الحافظ: " يَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْفِرْدَوْسَ فَوْقَ جَمِيعِ الْجِنَانِ , وَلِذَا قَالَ ﷺ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ وَتَعْظِيمًا لِلْهِمَّةِ -: (فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ) " انتهى. ثالثا: اعلم ـ يا عبد الله ـ أن نيل الدرجات في الدنيا والآخرة، ليس بالأماني ولا الأحلام، وإنما هو بسلوك أسباب ذلك، ولولا ذلك ما كان فرق بين الصادق والكاذب، وهذا من حكمة الله تعالى في تكليفه لعباده، وأمرهم بما أمرهم به. قال الله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) سورة النساء /١٢٣-١٢٤. قال الشيخ ابن سعدي ﵀: أي: ﴿لَيْسَ﴾ الأمر والنجاة والتزكية ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ والأماني: أحاديث النفس المجردة عن العمل، المقترن بها دعوى مجردة، لو عورضت بمثلها لكانت من جنسها. وهذا عامّ في كل أمر، فكيف بأمر الإيمان والسعادة الأبدية؛ ... فالأعمال تصدق الدعوى أو تكذبها ". "تفسير السعدي" (٢٠٥) . رابعا: ومن أهم الأعمال التي تبلغ المسلم الدرجات العلى، ولعلها أن تبلغه الفردوس الأعلى برحمة الله: - الجهاد في سبيل الله: وقد تقدم في ذلك حديث أبي هريرة ﵁. وروى مسلم في صحيحه (١٨٨٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ. فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ، وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ!! قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . - الإخلاص والصدق مع الله: روى مسلم (١٩٠٩) من حديث سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) . قال النووي ﵀: " َفِيهِ: اِسْتِحْبَاب سُؤَال الشَّهَادَة , وَاسْتِحْبَاب نِيَّة الْخَيْر " انتهى. - الإيمان بالله والتصديق بالمرسلين: قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) الكهف / ١٠٧ قال السعدي: " يحتمل أن المراد بجنات الفردوس: أعلى الجنة، وأوسطها، وأفضلها، وأن هذا الثواب، لمن كمل فيه الإيمان والعمل الصالح، والأنبياء والمقربون. ويحتمل أن يراد بها: جميع منازل الجنان، فيشمل هذا الثواب، جميع طبقات أهل الإيمان، من المقربين، والأبرار، والمقتصدين، كل بحسب حاله، وهذا أولى المعنيين لعمومه " انتهى. تفسير السعدي - (٤٨٨) . وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ) . متفق عليه. قال الحافظ: " قَوْلُهُ: (وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ) أَيْ حَقّ تَصْدِيقهمْ، وَإِلَّا لَكَانَ كُلّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ رُسُله وَصَلَ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ. - إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) . رواه مسلم (٢٥١) . - الطاعات التي ورد في الأخبار الصحيحة أنها سبب في معية النبي ﷺ ومصاحبته في الجنة: روى مسلم (٤٨٩) عن ربيعة بْن كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: سَلْ فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ هُوَ ذَاكَ. قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ. وروى مسلم (٢٩٨٣) أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ) وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. وروى أيضا (٢٦٣١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ) وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. وروى الإمام أحمد (١٢٠٨٩) عَنْ أَنَسٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ عَالَ ابْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ بَنَاتٍ أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ أَخَوَاتٍ حَتَّى يَمُتْنَ أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ) وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. صححه الألباني في "الصحيحة" (٢٩٦) وبالجملة: فالاجتهاد في الأعمال الصالحة، والمسارعة في الخيرات، واستدامة العمل الصالح، وصنائع المعروف، ومسابقة أهل الخير والصلاح: أصل الوصول إلى غاية المأمول في الدنيا والآخرة، ولو كانت تلك الغاية هي الفردوس الأعلى. وينظر جواب السؤال رقم: (٢٧٠٧٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 355

لا يدخل أحد الجنة إلا في سن الشباب [السُّؤَالُ] ـ[لو افترضنا أن زوجاً مات في سن الواحدة والعشرين، ثم عُمّرت زوجته بعده فعاشت حتى الخمسين، فهل يجمع الله بينهما كلٌ بحسب عمره الذي مات فيه، أم أن الزوجة ستصغر في السن فتعود إلى السن الذي مات فيه زوجها؟ أرجو التوضيح.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أخبرنا النبي ﷺ عن جواب هذا السؤال، وأن جميع أهل الجنة من الشباب والشيوخ والكهول إنما يدخلون الجنة في سن الشباب: أبناء ثلاثين سنة، أو ثلاث وثلاثين. فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا، مُرْدًا، مُكَحَّلِينَ، أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً) رواه الترمذي (٢٥٤٥) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". "جرداً" جمع "أجرد" وهو الذي لا شعر على جسده. "مرداً" جمع "أمرد" وهو الغلام الذي لا شعر على ذقنه، أي: بلا لحية، وقد يراد به: الحُسْن، "مكحلين" أي في أجفان أعينهم سواد كالكحل. "تحفة الأحوذي". وقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال رقم: (٢٢٨٠٢) ، (١١٧٤٣٢) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 356

أهل الجنة منزهون عن اللواط والسحاق [السُّؤَالُ] ـ[أرجو الرد على سؤالي قرأت مسألة لأحد المشايخ يقول فيها " أن هناك من المحرمات التي لا يجازى على تركها في الدنيا بإعطاء نظيرها في الآخرة سواء من ذلك المطعومات أو المشروبات أو الأفعال والأقوال: فالسم مثلا لا يكون نعيما في الآخرة مع حرمته في الدنيا وكذا اللواط ونكاح المحارم وغير ذلك لا تباح في الآخرة مع حظرها في الدنيا" سؤالي هنا: كيف توصل هذا الشيخ إلى هذه النتيجة أعني هل هناك دليل على أن اللواط والسحاق محرمان في الجنة، أليس هذا يشكل إحباط لمن يحرُم نفسه اللواط في الدنيا ليباح له في الجنة أرجو إعطائي دليلاً أو حتى إقناعي فإني ضائع؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يغفر الله لك، أليس فيما أحل الله غنية عما حرم؟! ألا يكفي الطيب المبارك، حتى تهفو النفس إلى المحرم الخبيث؟ ومتى احتاج أصحاب الفطر السليمة إلى التلهف على اللواط والسحاق ونكاح المحارم؟! إن الله تعالى وصف الجنة بقوله: (لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) الطور/٢٣. فأهل الجنة مطهرون من الأخلاق السيئة، والرغبات الدنيئة، والمقاصد المشينة. وقد وصف الله تعالى نساء أهل الجنة بقوله: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) الرحمن/٥٦. فهن قصرن أطرافهن عن الرجال، فلا ينظرن إلى غير أزواجهن. وقال تعالى: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) الرحمن/٧٢. قال السعدي: " أي: محبوسات في خيام اللؤلؤ، قد تهيأن وأعددن أنفسهن لأزواجهن، ولا ينفي ذلك خروجهن في البساتين ورياض الجنة، كما جرت العادة لبنات الملوك ونحوهن " انتهى. "تفسير السعدي" (ص/٨٣١) . فهل يجوز أن يقال: وما يمنعهن من النظر إلى الرجال الأجانب، وقد منعن أنفسهن منه في الدنيا لله؟ وهل يجوز أن يقال: وما يمنعهن من الزنا والفحش وارتكاب الرذيلة، وقد كن بمنأى عن ذلك في الدنيا؟ لقد أغنى الله المؤمنين والمؤمنات في الجنة بفضله الدائم، ومننه المتكاثرة، بما أباح لهم فيها من النعيم الطيب عن طلب مثل تلك الخبائث، التي لو لم ينه عنها في الدنيا لكان حريا بالكريم أن لا يقربها. قال تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) فصلت/٣١، ٣٢ قال ابن كثير: " في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس، وتقر به العيون، (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) أي: مهما طلبتم وجدتم، وحضر بين أيديكم، كما اخترتم " انتهى. "تفسير ابن كثير" (٧/ ١٧٧) . فهل يطلب المؤمن من ربه في الجنة، تلك الفواحش المستقذرة، وقد مَنَّ الله عليه بالحور العين، اللاتي لو اطلعت إحداهن إلى أهل الأرض لملأت ما بينهما نورا، كما روى البخاري (٢٧٩٦) عن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال: (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلَأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) . وروى الطبراني في "الأوسط" (٧١٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله، نفضي إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: (إي والذي نفسي بيده، إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء) . قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: "رجال إسناده عندي على شرط الصحيح". "إعلام الموقعين" (٤/ ٢٧٤) . ولا يعرف هذا الكلام فيما سأل عنه السائل إلا عن أهل البدع والضلال. قال ابن مفلح في "الفروع" (٦/٧١-٧٢) ، نقلا عن ابن الجوزي: "قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: جَرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بَيْنَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَبِي يُوسُفَ الْقَزْوِينِيِّ، فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: لَا يَمْتَنِعُ جِمَاعُ الْوِلْدَانِ فِي الْجَنَّةِ وَإِنْشَاءُ الشَّهَوَاتِ لِذَلِكَ , فَيَكُونُ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ اللَّذَّاتِ ... فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْمَيْلُ إلَى الذُّكُورِ عَاهَةٌ , وَلَمْ يُخْلَقْ هَذَا الَْحَلُّ لِلْوَطْءِ" انتهى. وأبو على هذا هو محمد بن أحمد بن عبد الله المعتزلي. قال ابن الجوزي في ترجمته من "المنتظم" (٩/٢٠-٢١) : " كان يدرس علم الاعتزال وعلم الفسلفة والمنطق فاضطره أهل السنة إلى أن لزم بيته خمسين سنة لا يتجاسر أن يظهر، ولم يكن عنده من الحديث سوى حديث واحد لم يرو غيره، سمعه من شيخه أبي الحسين بن البصري ولم يرو أبو الحسين غيره، وهو قوله ﵇: (إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) فكأنهما خوطبا بهذا الحديث؛ لأنهما لم يستحييا من بدعتهما التي خالفا بها السنة وعارضاها بها، ومن فعل ذلك فما استحيا " انتهى. وانظر: "الوافي في الوفيات" (ص/٥٢٥) . قال ابن عقيل: "لا وجه لتصوير اللواط؛ لأنه ما يثبت أن يخلق لأهل الجنة مخرج غائط، إذ لا غائط" انتهى. "المنتظم" (٩/٢٢) . وقد رأينا في هذا العصر من أهل الإلحاد من يدعي أن القرآن الكريم يغري العرب كي يعتنقوا الإسلام بأن الجنة التي تنتظرهم فيها غلمان سوف يطوفون عليهم ليمارسوا معهم الشذوذ الجنسي، ويحتجون لذلك بمثل قوله تعالى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ) الطور/ ٢٤. والعرب أبعد الناس عن ممارسة الشذوذ الجنسي. قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (٩/١٨٥) : "والمقصود أن مفسدة " اللواط " من أعظم المفاسد، وكانت لا تعرف بين العرب قديما، كما قد ذكر ذلك غير واحد منهم، فلهذا قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله قص علينا قصة قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا" انتهى. وانظر لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم: (٤٩٩٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 357

هل الزوجة في الجنة ملزمة بطاعة زوجها والعيش مع زوجاته !! [السُّؤَالُ] ـ[هل ينطبق على المرأة في الجنة نفس أحكام الدنيا من وجوب طاعة زوجها والعيش مع بقية زوجاته؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: لا تقاس الحياة الآخرة على الحياة الدنيا، لتمام المفارقة، وشدة تباين أحوال الدارين، وقد روى البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٢٨٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ اللَّهُ : (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) . ولا يدخل أهل الجنة الجنة حتى يهذبوا وينقوا، وينزع الله عن صدورهم الغل، كما قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) الحجر/٤٧. وروى البخاري (٦٥٣٥) عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ) . فإذا دخلوا الجنة فلا وجود لشيء من منغصات الحياة. وإذا دخل المؤمن الجنة، وكان له فيها ما شاء الله من الحور العين، فلا معنى للتساؤل عن غيرة الزوجات، أو نشوز الزوجة، أو ظلم الزوج، وقد روى مسلم (٢٨٣٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لَا يَبْأَسُ) . وروى مسلم أيضا (٢٨٣٨) عن أبي موسى الأشعري ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُ، فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا) . فانظري إلى قوله ﷺ : (فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا) مع أنهم في خيمة واحدة، وذلك زيادة في النعيم، وإبعادا عن أسباب الغيرة. فلا مجال لكدر العيش ولا تنغيصه، ولا وجود لأسباب تقتضي ما كانت تقتضيه في الدنيا من الغيرة ونحوها. والجنة دار نعيم وجزاء، ليست بدار تكليف وابتلاء، فليس في الجنة تكليف بطاعة أحد، أو إلزام بفعل ما، وإنما فيها النعيم الذي لا ينقطع، يتقلب فيه أهلها بكرة وعشيا. وقد مَنَّ الله تعالى على أهل الجنة بغلمان مخلَّدين يخدمونهم، فلا يحتاج أحد من أهل الجنة إلى خدمة زوجته أو ابنه أو غيرهما، ولا وجود لتلك المهام المعيشية التي لا بد فيها من الخدمة، كالعجن والخبز ... الخ. فإذا دخل أهل الجنة الجنة فلا تعب ولا نصب، ولا هم ولا حزن، وإنما هو النعيم المقيم، نسأل الله تعالى أن نكون من أهلها. ولمزيد الفائدة ينظر جواب السؤال رقم: (٢٥٨٤٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 358

أعمال لا تمس النار أصحابها [السُّؤَالُ] ـ[أود أن أعلم أي الأعمال يكون جزاؤها أن النار لا تمس صانعها؟ جزاكم الله خيراً ونفع بكم أمة الإسلام..]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يمكن الإجابة على هذا السؤال بجواب مجمل وهو: أن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، هي أصل الفوز بالجنة والنجاة من النار، وأن معصية الله ورسوله هما سبب دخول النار، كما قال الله : (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) النساء/١٣، ١٤. وكما أخبر النبي ﷺ حيث قَالَ: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) . رواه البخاري (٧٢٨٠) . وأما الجواب المفصل فهناك من الأعمال ما نص الرسول ﷺ على تحريم صاحبها على النار، وذلك ترغيباً لنا في القيام بهذه الأعمال، وإتقانها على الوجه الذي يرضاه الله تعالى. فمن ذلك: ١- قول لا إله إلا الله بإخلاص ويقين: فعن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لمعاذ ﵁: (مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) رواه البخاري (١٢٨) ومسلم (٣٢) . وروى مسلم (٢٩) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ) . وروى البخاري (٤٢٥) ومسلم (٣٣) عن عِتْبَانَ بْن مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ) . ٢– حسن الخلق ولين الجانب: روى الترمذي (٢٤٨٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ) . وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٣٨) . " قَالَ الْقَارِي: أَيْ تُحَرَّمُ عَلَى كُلِّ سَهْلٍ طَلْقٍ حَلِيمٍ لَيِّنِ الْجَانِبِ " انتهى. "تحفة الأحوذي" (٧/١٦٠) . ٣- تغبير القدم في سبيل الله: روى البخاري (٩٠٧) أَن النَّبِيَّ ﷺ قال: (مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) . وروى أحمد (٢١٤٥٥) أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: (مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُمَا حَرَامٌ عَلَى النَّارِ) صححه الألباني في "الإرواء" (٥/٥) . ورواه ابن حبان في "صحيحه" (٤٠٦٤) ولفظه: عن أبي المصبح المقرائي قال: بينما نحن نسير بأرض الروم في طائفة عليها مالك بن عبد الله الخثعمي إذ مر مالك بجابر بن عبد الله وهو يمشي يقود بغلاً له، فقال له مالك: أي أبا عبد الله، اركب، فقد حملك الله، فقال جابر: أصلح دابتي، وأستغني عن قومي، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) فأعجب مالكاً قولُه، فسار حتى إذا كان حيث يسمعه الصوت ناداه بأعلى صوته: يا أبا عبد الله، اركب، فقد حملك الله، فعرف جابر الذي أراد برفع صوته، وقال: أصلح دابتي، وأستغني عن قومي، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) فوثب الناس عن دوابهم، فما رأينا يوما أكثر ماشيا منه. صححه الألباني في "الإرواء" (٥/٦) . ٤- الصلاة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ) متفق عليه. وروى أحمد (١٧٨٨٢) عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيْدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، عَلَى وُضُوئِهَا، وَمَوَاقِيتِهَا، وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، يَرَاهَا حَقًّا لِلَّهِ عَلَيْهِ حُرِّمَ عَلَى النَّارِ) حسنه الألباني في "صحيح الترغيب" (٣٨١) . ٥- المحافظة على أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا: روى أبو داود (١٢٦٩) والترمذي (٤٢٨) وصححه عن أُمّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ﵂ قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. ٦- ذكر الله وتوحيده عند الموت: روى ابن ماجة (٣٧٩٤) عن أبي إسحاق عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ ﵄ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ. يَقُولُ اللَّهُ : صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَأَنَا أَكْبَرُ. وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَلَا شَرِيكَ لِي. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِي الْمُلْكُ، وَلِيَ الْحَمْدُ. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي) . ثم قال رسول الله ﷺ : (مَنْ رُزِقَهُنَّ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ) صححه الألباني في "صحيح الجامع" (٧١٣) . ٧- البكاء من خشية الله، والحراسة في سبيل الله: روى الترمذي (١٦٣٩) وحسنه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي. ٨- غض البصر: روى الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠٠٣) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين غضت عن محارم الله) . وصححه الألباني في "الصحيحة" (٢٦٧٣) . ٩- الصبر على فقد الولد: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ) متفق عليه. قال النووي في "شرح مسلم": "قَالَ الْعُلَمَاء: (تَحِلَّة الْقَسَم) مَا يَنْحَلّ بِهِ الْقَسَم، وَهُوَ الْيَمِين، وَجَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيث أَنَّ الْمُرَاد قَوْله تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء، وَالْقَسَم مُقَدَّر، أَيْ: وَاَللَّه إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا، وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ تَقْلِيل مُدَّة وِرْدهَا. قَالَ: وَتَحِلَّة الْقَسَم تُسْتَعْمَل فِي هَذَا فِي كَلَام الْعَرَب، وَقِيلَ: تَقْدِيره: وَلَا تَحِلَّة الْقَسَم، أَيْ: لَا تَمَسّهُ أَصْلًا، وَلَا قَدْرًا يَسِيرًا كَتَحِلَّةِ الْقَسَم، وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا) الْمُرُور عَلَى الصِّرَاط، وَهُوَ جِسْر مَنْصُوب عَلَيْهَا. وَقِيلَ: الْوُقُوف عِنْدهَا" انتهى باختصار. وروى الطبراني في "الكبير" (٢٣١) عن واثلة ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من دفن ثلاثة من الولد حرم الله عليه النار) صححه الألباني في "صحيح الجامع" (٦٢٣٨) . هذه بعض الأعمال التي جاء النص عليها أن من فعلها حرمه الله على النار، نسأل الله تعالى أن يوفقنا للعمل بها. وجماع ذلك كما سبق هو: طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 359

حديث (نَفَسيْ جهنم) ، والرد على من كذبه [السُّؤَالُ] ـ[دائماً ما كنت أستغرب الحديث بأن الطقس إذا كان حارّاً فإن هذا نفَس من أنفاس جهنم، فهل هذا الحديث ضعيف؟ لأنه وفقاً للحقائق التي سمعتها أننا نحصل على فصول السنة من خلال الشمس، وميل الأرض؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: الحديث المشار إليه حديث صحيح في أعلى درجات الصحة، وقد اتفق على إخراجه الإمامان البخاري ومسلم، رحمهما الله. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ) رواه البخاري (٣٠٨٧) ومسلم (٦١٧) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: "والمراد بالزمهرير: شدة البرد، واستشكل وجوده في النار، ولا إشكال؛ لأن المراد بالنار: محلها، وفيها طبقة زمهريرية" انتهى. " فتح الباري " (٢ / ١٩) . ثانياً: هل كان كلام النار، وشكوتها، بلسان المقال أم بلسان الحال؟ أكثر العلماء -وهو الصواب بلا ريب- على أنه كان بلسان المقال. قال الحافظ ابن عبد البر ﵀: "وأما قوله في هذا الحديث: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضاً.... الحديث) : فإن قوماً حملوه على الحقيقة، وأنها أنطقها الذي أنطق كل شيء، واحتجوا بقول الله : (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ) النور/٢٤، وبقوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) الإسراء/٤٤، وبقوله: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) سبأ/١٠، أي: سبِّحي معه، وقال: (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ) ص/١٨، وبقوله: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) ق/ ٣٠، وما كان من مثل هذا، وهو في القرآن كثير، حملوا ذلك كله على الحقيقة، لا على المجاز، وكذلك قالوا في قوله : (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً) الفرقان/ ١٢، و (تكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) الملك/٨، وما كان مثل هذا كله. وقال آخرون في قوله : (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً) و (تكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) : هذا تعظيم لشأنها، ومثل ذلك قوله : (جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) الكهف/٧٧، فأضاف إليه الإرادة مجازاً، وجعلوا ذلك من باب المجاز، والتمثيل في كل ما تقدم ذكره، على معنى أن هذه الأشياء لو كانت مما تنطق، أو تعقل: لكان هذا نطقها وفعلها. فمَن حمل قول النار وشكواها على هذا: احتج بما وصفنا، ومن حمل ذلك على الحقيقة: قال: جائز أن يُنطقها الله، كما تنطق الأيدي، والجلود، والأرجل يوم القيامة، وهو الظاهر من قول الله : (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) ق/ ٣٠، ومن قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) الإسراء/٤٤، و (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ) النمل/١٨، وقال: قوله : (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) الملك/٨: أي: تتقطع عليهم غيظاً، كما تقول: فلان يتقد عليك غيظاً، وقال : (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً) الفرقان/ ١٢، فأضاف إليها الرؤية، والتغيظ، إضافة حقيقية، وكذلك كل ما في القرآن من مثل ذلك. ومن هذا الباب عندهم قوله: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) الدخان/٢٩، و (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً) مريم/ ٩٠، و (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) فصلت/١١، (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) البقرة/٧٤، قالوا: وجائز أن تكون للجلود إرادة لا تشبه إرادتنا، كما للجمادات تسبيح وليس كتسبيحنا، وللجبال، والشجر سجود وليس كسجودنا. والاحتجاج لكلا القولين يطول، وليس هذا موضع ذِكره، وحمْل كلام الله تعالى، وكلام نبيه ﷺ على الحقيقة: أولى بذوي الدِّين، والحق؛ لأنه يقص الحق، وقوله الحق، ﵎ علوّاً كبيراً" انتهى. " التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد " (٥ / ١١ – ١٦) . ثم اختلف العلماء أيضا في نفسي جهنم، هل هما على الحقيقة، أم على المجاز؟ وأكثر العلماء على أن ذلك على الحقيقة أيضاً. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قال القرطبي: لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقته، قال: وإذا أخبر الصادق بأمر جائز: لم يُحتج إلى تأويله، فحمله على حقيقته: أولى، وقال النووي نحو ذلك، ثم قال: حمله على حقيقته هو الصواب، وقال نحو ذلك التوربشتى. ورجح البيضاوي حمله على المجاز، فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكلها بعضها بعضاً: مجاز عن ازدحام أجزائها، وتنفسها: مجاز عن خروج ما يبرز منها، وقال الزين بن المنير: المختار حمله على الحقيقة؛ لصلاحية القدرة لذلك [يعني: أن الله تعالى يقدر على ذلك] ، ولأن استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت، لكن الشكوى، وتفسيرها، والتعليل له، والإذن، والقبول، والتنفس، وقصره على اثنين فقط: بعيد من المجاز خارج عما أُلِف من استعماله" انتهى. " فتح الباري " (٢ / ١٩) . وقال الزرقاني ﵀: " (أن النار اشتكت إلى ربها) حقيقة، بلسان المقال، كما رجحه من فحول الرجال: ابن عبد البر، وعياض، والقرطبي، والنووي، وابن المنير، والتوربشتي، ولا مانع منه سوى ما يخطر للواهم من الخيال" انتهى. " شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك " (١ / ٥٩) . وقد رد بعض الجهلة هذا الحديث بزعم أنه مخالف للواقع، من أن اختلاف الفصول إنما يرجع للعلاقة بين الشمس والأرض. والجواب على هؤلاء أسهل مما يتصورون؛ وذلك أن هذا الحديث ليس فيه أن اختلاف الفصول أو حصول الشتاء والصيف هو بسبب نفَسَيْ جهنم. بل الحديث نفْسُه يدل على وجود الفصلين (الشتاء والصيف) ابتداءً، وأن "شدة الحر" و "شدة البرد" هما من أثر نفَسَي جهنم، لا أنهما يكوِّنان "الصيف" و "الشتاء"، وهذا واضح بأدنى تأمل في الحديث. قال ابن عبد البر ﵀: "وأما قوله: (فأذن لها بنفسين: نفسٍ في الشتاء، ونفس في الصيف) : فيدل على أن نفَسها في الشتاء: غير الشتاء، ونفَسها في الصيف: غير الصيف" انتهى. " التمهيد " (٥ / ٨) . وقد رَدَّ آخرون الحديث لأن سبب شدة الحر أو شدة البرد معروف، وهو بعد الشمس أو قربها من الأرض. وقد أجاب العلماء عن ذلك أيضاً، وبينوا أنه لا تعارض بين الحديث، وبين الواقع، قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "وفي هذا الحديث: دليل على أن الجمادات لها إحساس لقوله: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً) ، من شدة الحر، وشدة البرد , فأذن الله لها أن تتنفس في الشتاء، وتتنفس في الصيف , تتنفس في الصيف ليخف عليها الحرَّ , وفي الشتاء ليخفَّ عليها البرد , وعلى هذا فأشد ما نجد من الحرِّ: يكون من فيح جهنم , وأشد ما يكون من الزمهرير: من زمهرير جهنم. فإن قال قائل: هذا مشكل حسَب الواقع؛ لأن من المعروف أن سبب البرودة في الشتاء هو: بُعد الشمس عن مُسامتة الرؤوس , وأنها تتجه إلى الأرض على جانب، بخلاف الحر، فيقال: هذا سبب حسِّي، لكن هناك سبب وراء ذلك , وهو السبب الشرعي الذي لا يُدرك إلا بالوحي , ولا مناقضة أن يكون الحرُّ الشديد الذي سببه أن الشمس تكون على الرؤوس أيضا يُؤذن للنار أن تتنفس فيزدادُ حرُّ الشمس , وكذلك بالنسبة للبرد: الشمس تميل إلى الجنوب , ويكون الجوُّ بارداً بسبب بُعدها عن مُسامتة الرؤوس , ولا مانع من أنّ الله تعالى يأذن للنار بأن يَخرج منها شيءٌ من الزمهرير ليبرِّد الجو، فيجتمع في هذا: السبب الشرعي المُدرَك بالوحي , والسبب الحسِّي، المُدرَك بالحسِّ. ونظير هذا: الكسوف، والخسوف , الكسوف معروف سببه , والخسوف معروف سببه. سبب خسوف القمر: حيلولة الأرض بينه، وبين الشمس , ولهذا لا يكون إلا في المقابلة , يعني: لا يمكن يقع خسوف القمر إلا إذا قابل جُرمُه جرمَ الشمس , وذلك في ليالي الإبدار، حيث يكون هو في المشرق، وهي في المغرب أو هو في المغرب، وهي في المشرق. أما الكسوف فسببه: حيلولة القمر بين الشمس، والأرض , ولهذا لا يكون إلا في الوقت الذي يمكن أن يتقارب جُرما النيّرين , وذلك في التاسع والعشرين أو الثلاثين، أو الثامن والعشرين , هذا أمر معروف , مُدرك بالحساب , لكن السبب الشرعي الذي أدركناه بالوحي هو: أن الله (يخوّف بهما العباد) , ولا مانع من أن يجتمع السببان الحسي والشرعي , لكن من ضاق ذرعاً بالشرع: قال: هذا مخالف للواقع ولا نصدق به , ومن غالى في الشرع: قال: لا عبرة بهذه الأسباب الطبيعية، ولهذا قالوا: يمكن أن يكسف القمر في ليلة العاشر من الشهر! .... لكن حسَب سنَّة الله في هذا الكون: أنه لا يمكن أن يَنخسف القمر في الليلة العاشر أبداً" انتهى. " شرح صحيح مسلم " (شرح كتاب الصلاة ومواقيتها، شريط رقم ١٠، وجه أ) . ونرجو أن يكون ما ذكرناه كافياً لتوضيح معنى الحديث، وأنه لا يمكن للشرع أن يخالف شيئاً محسوساً في الواقع، وإنما أتي الناس من جهلهم. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 360

الفرق بين خمر الدنيا والآخرة [السُّؤَالُ] ـ[كلنا نعلم تحريم الخمر في الدنيا وأنه يسكر، وأنه يخامر العقل، ولهذا فهو رجس من عمل الشيطان، وأنه أم الخبائث كما قال النبي ﷺ ، والسؤال: لماذا الخمر في الدنيا حرام وفي الآخرة حلال؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله وصف الله تعالى خمر الآخرة بما يخالف خمر الدنيا، فقال: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) الصافات/٤٥-٤٧. فوصف الله تعالى خمر الآخرة بأنها: ١- بيضاء. ٢- لذة للشاربين، بخلاف خمر الدنيا، فإنها كريهة عند الشرب. ٣- (لا فيها غول) وهو ما يصيب شاربها في الدنيا، من صداع، أو ألم في بطنه، أو ذهاب للعقل، وفي سورة الواقعة: (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا) أي: لا يصيبهم منها صداع. ٤- (وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ) بخلاف خمر الدنيا التي تذهب عقولهم. انظر: "تفسير سورة الصافات" للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٧-١٠٩) . وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "خمر الآخرة طيب، ليس فيه إسكار ولا مضرة ولا أذى، أما خمر الدنيا ففيه المضرة والإسكار والأذى، أي: إن خمر الآخرة ليس فيه غَوْل ولا ينزف صاحبه، وليس فيه ما يغتال العقول، ولا ما يضر الأبدان، أما خمر الدنيا فيضر العقول والأبدان جميعا، فكل الأضرار التي في خمر الدنيا منتفية عن خمر الآخرة. وبالله التوفيق" انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٣/٦٢) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 361

هل سيجد في نعيم الجنة ما يشبع هواياته في الدنيا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل هناك نعيم في الجنة كالمجد أو النصر، أعني بذلك، إذا كان شخص يحب شيئاً ما مثل بطولة " سوكر " لكرة القدم، وهذا الشخص لطالما يحلم أن يكون هو من يسجل هدف الفوز لفريقه في كأس العالم، فكيف يمكن لكل من الهواية والمجد أو النصر أن يكون في الجنة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله جاءت النصوص التي تصف نعيم الجنة بصيغة العموم الذي لا يكاد يخصه شيء: يقول الله : (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) الزمر/٣٤. ويقول تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) الشورى/٢٢. وقال سبحانه: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) ق/٣٥. ويقول أيضا: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) فصلت/٣١-٣٢. ويقول سبحانه: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الزخرف/٧١. ويقول : (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السجدة/١٧ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)) رواه البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٢٨٢٤) وكل ذلك يدل صراحة على أن المسلم المنعم في الجنة ينال في نعيمه كل ما يحبه ويهواه ويشتهيه من ملذات الدنيا والآخرة. بل جاء النص صريحا بأن من طلب شيئا من شهوات الدنيا حققت له: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ - وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ - أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ. فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ. قَالَ: فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ. فَيَقُولُ اللَّهُ: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ. فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لَا تَجِدُهُ إِلَاّ قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ . رواه البخاري (٢٣٤٨) يقول الحافظ ابن حجر ﵀: " في هذا الحديث من الفوائد أن كل ما اشتهي في الجنة من أمور الدنيا ممكن فيها. قاله المهلب " انتهى. " فتح الباري " (٥/٢٧) وأما تفاصيل كيفية حدوثه والطريقة التي يعد بها في الجنة فذلك ما لا سبيل إلى العلم به، والأحرى في المسلم الحرص على كل عمل يقربه إلى الجنة، وترك تفاصيلها ليومها، لعل الله تعالى يكرمنا بأعلى الدرجات فيها، ونقول لك كما يُروَى عن النبي ﷺ أنه قال للصحابي الذي سأل عن الخيل في الجنة: (إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ يَكُنْ لَكَ فِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ) رواه الترمذي (٢٥٤٣) وحسنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (رقم/٣٠٠١) يقول المناوي ﵀: " مقصود الحديث أن ما من شيء تشتهيه النفس في الجنة إلا تجده فيها كيف شاءت، حتى لو اشتهى أحد أن يركب فرسا لوجده بهذه الصفة " انتهى. " فيض القدير " (٣/٣٥) ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: " قوله: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا) ؛ أي: في الجنة كل ما يشاءون، وقد ورد في الحديث الصحيح أن رجلا قال للنبي ﷺ : يا رسول الله! أفي الجنة خيل؛ فإني أحب الخيل؟ فقال: (إن يدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء تطير بك في الجنة شئت إلا فعلت. وقال الأعرابي: يا رسول الله: أفي الجنة إبل؛ فإني أحب الإبل؟ قال: يا أعرابي! إن يدخلك الله الجنة؛ أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك) فإذا اشتهى أي شيء فإنه يكون ويتحقق، حتى إن بعض العلماء يقول: لو اشتهى الولد لكان له ولد؛ فكل شيء يشتهونه فهو لهم. قال تعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الزخرف/٧١ " انتهى. " مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين " (٨/٣٨٥) انظر جواب السؤال رقم: (١١٤١) ، (٢٠٢٨٦) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 362

هل الجنة درجات؟ وهل يزور أهل الدرجات الدنيا أهل الدرجات العليا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[الناس في الجنة مراتب متفاوتة، فمنهم في مكانة عالية، وبعضهم في مكانة أقل، وبعضهم أقل، وهكذا، فهل يستطيع الذي في المكانة الأقل أن يحصل على نفس ما يحصل عليه الذي فوقه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: مما يعتقده المسلمون أن الجنة درجات، وأن الله قد وعد الطائعين بمنازل في الجنة إن هم قاموا بما حثَّهم عليه من تلك الطاعات، وما ذلك التفاضل بين أهل الجنة في المنازل والدرجات إلا بسبب تفاضلهم في أعمال الطاعات في الدنيا. قال تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) الإسراء/ ٢١، وقال تعالى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) الأنعام/ من الآية١٣٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: والجنَّة درجات، متفاضلة تفاضلاً عظيماً، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات: بحسب إيمانهم، وتقواهم. " مجموع الفتاوى " (١١ / ١٨٨) ، وينظر: " تفسير السعدي " (ص ٢٧٤) . وقد فصلنا القول في جواب السؤال رقم (٢٧٠٧٥) في الأعمال التي يحصل بها المسلم الدرجات في الجنة، فلينظر. ثانياً: مما لا شك فيه أن أهل الجنة يتفاوتون في النعيم في الجنان، بحسب درجتهم فيها، فليس من يسكن " الفردوس " كمن يسكن في الجنان دونها. وقد ذكر الله تعالى وصفاً لجنان من خاف مقامه ، فقال: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) الرحمن/ ٤٦ – ٤٨، فوصفهما، ثم قال تعالى: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) الرحمن/ ٦٢، فتبين به اختلاف الجنان بعضها عن بعض بحسب أعمال أهلها، ومنزلتهم عند ربهم. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ) . رواه البخاري (٣٠٨٣) ومسلم (٢٨٣١) . وفي رواية: (إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ النَّجْمَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا) . رواه الترمذي (٣٦٥٨) ، وحسَّنه، وابن ماجه (٩٦) ، من حديث أبي سعيد، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". قال القرطبي – ﵀: اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو، والصفة، بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال، فبعضها أعلى من بعض، وأرفع. وقوله (الغائر من المشرق أو المغرب) يروى بالياء اسم فاعل، من غار، وروي " الغابر " بالباء بواحدة، ومعناه الذاهب، أو الباقي، ويعني به: أن الكوكب حالة طلوعه، وغروبه بعيد عن الأبصار، فيظهر صغيراً لبعده، وقد بيَّنه بقوله (من المشرق أو المغرب) وقد روي العازب بالعين المهملة والزاي، أي: البعيد، ومعانيها كلها متقاربة المعنى. " التذكرة في أحوال الموتى والدار الآخرة " (ص ٣٩٨) . ثالثاً: ما سبق ذكره يبين بوضوح أنه لا يستطيع أهل الدرجات الدنيا تحصيل ما في الدرجات العلى؛ لعدم قيامهم بما استحقوا من أجله تلك الدرجات، ولو اشترك أهل الجنان بالنعيم الذي أعده الله لمن هو فوقهم: لما كان للتفاوت في المنازل والدرجات حكمة! ومن عظيم عدل الله تعالى أن لا يساوي بين المستحقين للجنة في الدرجة والنعيم؛ فالتفاضل بين الناس في الدنيا في الإيمان والطاعات يؤدي إلى التفاضل في المنازل والدرجات عنده . قال القرطبي – ﵀: وقوله: (والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) ولم يذكر عملاً، ولا شيئاً سوى الإيمان، والتصديق للمرسلين؛ وذلك ليُعلم أنه عنى الإيمان البالغ، وتصديق المرسلين من غير سؤال آية، ولا تلجلج، وإلا فكيف تُنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة؟! ولو كان كذلك: كان جميع الموحدين في أعالي الغرفات، وأرفع الدرجات، وهذا محال. " التذكرة " (ص ٣٩٨) . رابعا: ليس ثمة حسد في الجنة ولا بغضاء، وفي ذلك قال تعالى (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) الحجر/ ٤٧. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، مِنَ الْحُسْنِ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) . رواه البخاري (٣٠٧٣) ومسلم (٢٨٣٤) . بل تأمل هذا الحديث: عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنْ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) . رواه مسلم (٢٧٤) . فهذا حال آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة خروجا من الجنة، يرى أن نال شيئا لم ينله أحد من الأولين والآخرين، وهو لم يدخل الجنة بعد؛ فكيف إذا دخلها؟! قال ابن عطية الأندلسي – ﵀: وكلُّ مَن فيها قد رُزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول، وإن كنَّا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم، على قدر أعمالهم، وعلى قدر فضل الله على من شاء. " المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز " (٢ / ٩١) . وينظر: كتاب "الجنة والنار" للشيخ عمر سليمان الأشقر، حفظه الله (١٥٤-١٦٣) . خامساً: من فضل الله تعالى على عباده المؤمنين أنه لا يحرم عبدا من درجته في الجنة فينزله منها إلى درجة دونها، لكن يمن على من يشاء من عباده، فيرفع درجته فيها، ومن أسباب هذه الرفعة: ١. شفاعة الشافعين. وفي ذلك حديثان: أ. عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: النَّبِيِّ ﷺ : (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ) - وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ - ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ) . رواه البخاري (٤٠٦٧) ومسلم (٢٤٩٨) . وأبو عامر هو الأشعري، وهو عم أبي موسى، ﵄. ب. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ) فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ: (لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ) ثُمَّ قَالَ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ) . رواه مسلم (٩٢٠) . قال ابن القيم – ﵀: والنوع الثاني: شفاعته ﷺ لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب، ورفعة الدرجات. " حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود " (١٣ / ٥٦) . واستدل – ﵀ – على كلامه بالحديثين السابقين. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀ – في بيان أنواع الشفاعة -: " النوع الثالث: الشفاعة في رفع درجات المؤمنين، وهذه تؤخذ من دعاء المؤمنين بعضهم لبعض كما قال ﷺ في أبي سلمة ... ". " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٩ / ٣٢٦) . ٢. دعاء واستغفار الولد لوالده. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَنَّى هَذَا فَيُقَالُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ) . رواه ابن ماجه (٣٦٦٠) ، وحسَّنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٥٩٨) . ٣. إلحاق الآباء بدرجة الأبناء والعكس. قال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) الطور/ ٢١. وعن ابن عباس قال: " إن الله يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه "، وهو أثر صحيح، له حكم الرفع، وانظر " السلسلة الصحيحة " (٢٤٩٠) . قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: قال : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الطور/٢١، الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان، والذرية التي يكون إيمانها تبعاً: هي الذرية الصغار، فيقول الله : (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) أي: جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم. وأما الكبار الذين تزوجوا: فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة، لا يلحقون بآائهم؛ لأن لهم ذرية، فهم في مقرهم، أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم: فإنهم يرقَّون إلى آبائهم، هذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، (ألتناهم) يعني: نقصناهم، يعني: أن ذريتهم تلحق بهم، ولا يقال أخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعتم درجات الذرية، بل يقول: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) . " تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد " (ص ١٨٧) . سادساً: وردت بعض الأحاديث التي تدل على أن أهل الدرجات العليا، إذا أرادوا أن يزوروا من هم دونهم: فإنهم يهبطون إليهم، ولا يصعد أهل الدرجات الدنيا إلى أعلى، لكنها لا تصح؛ فمن ذلك: ١. عن أبي سلام الأسود قال: سمعتُ أبا أمامة قال: سأل رجلٌ رسول الله ﷺ : هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: (نعم، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى، فيحيونهم، ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم أعمالهم) . رواه ابن أبي حاتم في " تفسيره " (١٠ / ٣٣٧١) . وفيه ضعف، فيه سعيد بن يوسف. قال يحيى بن معين: ضعيف الحديث، ليس بالقوي. " الضعفاء والمتروكين " لابن الجوزي (١ / ٣٢٧) . ٢. عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (يتزاور أهل الجنة على نوق عليها الحشايا، فيزور أهل عليين من أسفل منهم، ولا يزور من أسفل منهم أهل عليين إلا المتحابين في الله فإنهم يتزاورون من الجنة حيث شاؤوا) . رواه الطبراني في " المعجم الكبير " (٨ / ٢٤٠) . وفيه: بِشر بن نُمير، متروك، وقد اتهم بالوضع. قال الهيثمى – ﵀: فيه بشر بن نمير وهو متروك. " مجمع الزوائد " (١٠ / ٤٩٦) . "الحشايا": هى الفرش المحشوة. ٣. ورواه أبو نعيم الأصبهاني في " صفة الجنة " برقم (٤٢١) من طريق جعفر بن الزبير، وبشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا بنحوه. وجعفر بن الزبير: متروك، وقد اتهم بالوضع. وبشر بن نمير: متروك، كما سبق. ٤. (إذا دخل أهل الجنة الجنة فيشتاق الإخوان بعضهم إلى بعض فيسير سرير هذا إلى سرير هذا وسرير هذا إلى سرير هذا حتى يجتمعا جميعا فيتكئ هذا ويتكئ هذا فيقول أحدهما لصاحبه: تعلم متى غفر الله لنا؟ فيقول صاحبه: نعم يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا) . وهو حديث ضعيف، انظر " السلسلة الضعيفة " (٥٠٢٩) . وأعلى ما تم الوقوف عليه من كلام أهل العلم في المسألة هو ما رواه أبو نعيم الأصبهاني في " صفة الجنة " (٤٢٢) عن حميد بن هلال قال: بلغنا أن أهل الجنة يزور الأعلى الأسفل، ولا يزور الأسفل الأعلى. وحميد من التابعين، وإسناده إليه صحيح، فالله أعلم بحقيقة الحال. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 363

هل الرفع لدرجة الآباء في الجنة يكون للذرية جميعها صغارها وكبارها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[السؤال: قرأتُ أنه من كرم الله أنه يرفع درجة الأبناء في الجنة إلى درجة آبائهم الأعلى منهم , وعلى هذا الأمر فإن أبناء الصحابة سترفع درجتهم لدرجة آبائهم، والأحفاد لدرجة الآباء، وهكذا كل جيل يرفع الجيل التالي حتى يصل الأمر لجيلنا فنرتفع لدرجة الصحابة إذا كنا أحفادهم، مما قد يسبب التهاون بالعمل ونعتمد على هذا الكرم الإلهي، فما رأيكم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الإشكال الوارد في السؤال يرد عند الحديث على قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) الطور/٢١، وقد اختلف أهل التفسير في لفظ " الذرية " هل يراد به: الصغار، أو الكبار، فأما من قال إن المراد به الصغار، فلا إشكال عنده في معنى الآية، وإنما يرد الإشكال في حال كون معنى " الذرية ": الكبار، والراجح في تفسيرها أنهم الصغار، وعليه: فلا يرد ما استشكله الأخ السائل، فالرفع للذرية الصغار، وإلا للزم كون جميع أهل الجنة في درجة واحدة. ١. قال ابن قيم الجوزية ﵀: " وقد اختلف المفسرون في " الذرية " في هذه الآية، هل المراد بها: الصغار، أو الكبار، أو النوعان، على ثلاثة أقوال. .... ثم قال: واختصاص " الذرية " ههنا بالصغار: أظهر؛ لئلا يلزم استواء المتأخرين بالسابقين في الدرجات، ولا يلزم مثل هذا في الصغار؛ فإن أطفال كل رجل وذريته معه في درجته، والله أعلم " انتهى. "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" (ص ٢٧٩-٢٨١) باختصار. ٢. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: " إذا كان الأولاد سعداء، والأب من السعداء: فإن الله ﵎ يقول في كتابه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) يعني: أن الإنسان إذا كان له ذرية، وكانوا من أهل الجنة: فإنهم يَتبعون آباءهم، وإن نزلت درجتُهم عن الآباء، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ) أي: ما نقصنا الآباء (مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) بل الآباء بقي ثوابهم موفَّراً، ورُفعت الذرية إلى مكان آبائها، هذا ما لم يَخرج الأبناء عن الذرية بحيث ينفردون بأزواجهم، وأهليهم، فيكون هؤلاء لهم فضلهم الخاص، ولا يلحقون بآبائهم؛ لأننا لو قلنا: كل واحد يلحق بأبيه ولو كان له أزواج، أو كان منفرداً بنفسه: لكان أهل الجنة كلهم في مرتبة واحدة؛ لأن كل واحد من ذرية من فوقه، لكن المراد بالذرية: الذين كانوا معه، ولم ينفردوا بأنفسهم، وأزواجهم، وأولادهم، فهؤلاء يرفعون إلى منزلة آبائهم، ولا يُنقص الآباء من عملهم من شيء " انتهى. "فتاوى نور على الدرب" (شريط ٣٢٤، وجه: أ) . ٣. وقال ﵀ أيضاً -: " ثم قال : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الطور/٢١، الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان، والذرية التي يكون إيمانها تبعاً: هي الذرية الصغار، فيقول الله : (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) أي: جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم. وأما الكبار الذين تزوجوا: فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة، لا يلحقون بآبائهم؛ لأن لهم ذرية، فهم في مقرهم، أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم: فإنهم يرقَّون إلى آبائهم، هذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، (ألتناهم) يعني: نقصناهم، يعني: أن ذريتهم تلحق بهم، ولا يقال أخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعتم درجات الذرية، بل يقول: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) " انتهى. "تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد" (ص ١٨٧) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 364

مصير أطفال المؤمنين وأطفال المشركين الذين ماتوا صغاراً [السُّؤَالُ] ـ[ما مصير أطفال المؤمنين، وأطفال المشركين الذين ماتوا صغاراً؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "مصير أطفال المؤمنين الجنة: أنهم تبع لآبائهم، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) الطور/٢١. وأما أطفال غير المؤمنين يعني الطفل الذي نشأ من أبوين غير مسلمين فأصح الأقوال فيهم أن نقول: الله أعلم بما كانوا عاملين، فهم في أحكام الدنيا بمنزلة آبائهم، أما في أحكام الآخرة فإن الله تعالى أعلم بما كانوا عاملين، كما قال النبي ﷺ ، والله أعلم بمصيرهم، هذا ما نقوله، وهو في الحقيقة أمر لا يعنينا كثيراً إنما الذي يعنينا هو حكمهم في الدنيا، وأحكامهم في الدنيا - أعني أولاد المشركين - أحكامهم في الدنيا أنهم كالمشركين لا يغسلون، ولا يكفنون، ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين. والله أعلم" انتهى. "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (٢/٣٥) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 365

أعمار الأطفال الذين ماتوا صغار، إذا دخلو الجنة [السُّؤَالُ] ـ[كانت زوجتي حاملا بتوأمين، ويوم المخاض أحست بماء يسيل فتوجهت إلى الطبيبة، فأخبرتها أن أحد الجنينين قد مات قبل قليل؛ لأنه شرب من الماء الذي يسبح فيه في الرحم، فتوجهت إلى المستشفى وأجريت لها عملية قيصرية لإنقاذ الجنين الثاني الذي ولد حيا والحمد لله. أريد أن أسأل عن الجنين الميت كيف يبعث يوم القيامة؟ هل يبعث مثلنا شابا أم كيف؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اتفق أهل العلم على أن مصير أطفال المسلمين - إذا ماتوا بعد نفخ الروح وقبل البلوغ – هو الجنة، كرامةً من الله تعالى لهم ولآبائهم، ورحمةً منه سبحانه الذي وسعت رحمته كل شيء. وقد سبق نقل نصوص أهل العلم عن هذا في جواب السؤال رقم: (٦٤٩٦) ثم بالتأمل في النصوص المخبرة عن حال أطفال المسلمين في البرزخ، وعند البعث والحساب يوم القيامة، ثم عند دخول الجنة، يمكننا تقسيم رحلتهم تلك إلى المراحل الآتية: ١- أما حالهم في البرزخ فالثابت أنهم بمجرد موتهم يُنقلون إلى الجنة، وأن أرواحهم تتنعم فيها في رعاية أبينا إبراهيم ﵇: ورد ذلك في حديث سمرة بن جندب ﵁، قال: (كانَ رسولُ اللهِ ﷺ مِمَّا يُكثِرُ أن يَقُولَ لِأَصحَابِهِ: هَل رَأَى أَحَدٌ مِنكُم مِن رُؤيَا؟ قالَ: فَيَقُصُّ عَلَيه مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُصَّ. وَإِنَّه قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: إِنَّه أَتَانِي الليلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهما ابتَعَثَانِي، وَإِنَّهُما قَالَا لِي انطَلِق، وَإِنِّي انطَلَقتُ مَعَهُمَا. . . (فذكر أشياء رآها ثم قال) فانطَلَقنَا، فَأتَينَا عَلَى رَوضَةٍ مُعتَمَّةٍ، فِيهَا مِن كُلِّ لَونِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَي الرَّوضَةِ رَجُلٌ طَويلٌ لَا أَكادُ أَرَى رَأسَهُ طُولًا فِي السَّماءِ، وإِذَا حَولَ الرَّجُلِ مِن أَكثَرِ وِلدَانٍ رَأيتُهم قَطُّ،. . . (ثم كان مما عبره له الملكان) : وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّويلُ الذي فِي الرَّوضَةِ فَإِنَّه إبراهيمُ، وَأَمَّا الوِلدَانُ الذِينَ حَولَه فَكُلُّ مَولُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ، فَقَالَ بَعضُ المُسلِمِين: يَا رَسُولَ اللهِ! وَأَوْلَادُ المُشْرِكِين؟ فَقَالَ: وَأَوْلَادُ المُشرِكِين) رواه البخاري (٧٠٤٧) عن ابن مسعود ﵁ قال: " أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش " انتهى. رواه ابن أبي حاتم بسنده، انظر "تفسير القرآن العظيم" (٧/١٤٨) وانظر شيئا من تفصيل ذلك في موقعنا، في جواب السؤال رقم: (٧١١٧٥) ٢- فإذا قامت القيامة، وبُعث الخلق من قبورهم، بعث الأطفال أيضا على حال طفولتهم وصغرهم الذي ماتوا عليه، فيشفعون لآبائهم، ويدخلونهم الجنة برحمة الله لهم: عن أبي حسان قال: قلتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إنَّه قَدْ مَاتَ لِي ابنانِ، فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِي عَنْ رَسُولِ اللهِ بِحَدِيْثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قالَ: نَعَمْ، صِغَارُهُم دَعَامِيْصُ الجَنَّةِ، يَتَلَقَّى أَحَدُهُم أَبَاهُ - أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ - فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ، - أَوْ قَالَ بِيَدِهِ - كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنَفَةِ ثَوْبِكَ هذا، فَلَا يَتَنَاهَى حتى يُدخِلَه اللهُ وَأَبَاهُ الجَنَّةَ. رواه مسلم (٢٦٣٥) يقول ابن الأثير: " الدعاميص: جمع دعموص، وهي دويبة تكون في مستنقع الماء. والدعموص أيضا: الدخال في الأمور: أي أنهم سيَّاحون في الجنة، دخَّالون في منازلها، لا يمنعون من موضع، كما أن الصبيان في الدنيا لا يمنعون من الدخول على الحُرَم، ولا يُحجب منهم أحد " انتهى. "النهاية" (٢/٢٧٩) ففي هذا الحديث دليل ظاهر على أن الأطفال يبقون على حال طفولتهم عند البعث والجزاء والحساب، بل حتى السقط الذي نفخ فيه الروح يبقى على هيئته يوم سقط من رحم أمه. ٣- فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأخذوا منازلهم فيها، فذهب بعض أهل العلم إلى أنهم يدخلونها جميعا – كبارهم وصغارهم – وهم أبناء ثلاث وثلاثين سنة، لا يهرمون ولا يشيخون، ويتنعمون في شبابهم أبد الآبدين، فيزيد الله في عمر الصغير، وينقص من عمر الشيخ الكبير، حتى يصير الجميع في سن واحد، سن ريعان الشباب: سن الثالثة والثلاثين. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً) رواه الترمذي (٢٥٤٥) وقال حسن غريب. ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/٣١٥) من حديث أبي هريرة، وحسنه المحققون. والهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٤٠٢) ، وصححه أبو حاتم في "العلل" (٣/٢٧٢) ، والألباني في "السلسلة الصحيحة" (٦/١٢٢٤) بل جاء ذلك صريحا في رواية أبي سعيد الخدري ﵁ – وفي إسنادها كلام - أن النبي ﷺ قال: (مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ يُرَدُّونَ بَنِي ثَلَاثِينَ فِي الجَنَّةِ لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ) رواه الترمذي (٢٥٦٢) وضعفه بقوله: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين – وهو ابن سعد -. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك. وذهب آخرون من أهل العلم، من الصحابة والتابعين، إلى أن من مات من أطفال المسلمين قبل بلوغ سن الحلم، يكونون خدم أهل الجنة، يطوفون عليهم بالشراب والطعام والنعيم، وأولئك هم المذكورون في قوله تعالى: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) الواقعة/١٧-١٨، وقوله سبحانه: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ) الطور/٢٤، وقوله : (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) الإنسان/١٩ نقل ذلك العلامة ابن القيم عن علي بن أبي طالب ﵁، وعن الحسن البصري ﵀، ولكنه اختار ﵀ ترجيح القول بأن هؤلاء الولدان الذي يخدمون أهل الجنة هم غلمان مخلوقون من الجنة كالحور العين، وأنهم غير من مات من أطفال المسلمين من أهل الدنيا، وقال: " وأما ولدان أهل الدنيا فيكونون يوم القيامة أبناء ثلاث وثلاثين " انتهى. انظر: "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" (ص/٣٠٩-٣١١) . ولعل القول الثاني هو أظهر القولين في المسألة، لحديث أبي هريرة المذكور أولا، وفيه: (صِغَارُهُم دَعَامِيْصُ الجَنَّةِ) ، وهو أصح وأظهر مما احتج به القائلون بالقول الأول. قال المناوي ﵀: " يعني هم سياحون في الجنة، دخالون في منازلها، لا يمنعون كما لا يمنع صبيان الدنيا الدخول على الحرم. وقيل: الدعموص اسم للرجل الزوار للملوك الكثير الدخول عليهم والخروج، ولا يتوقف على إذن ولا يبالي أين يذهب من ديارهم؛ شبه طفل الجنة به لكثرة ذهابه في الجنة حيث شاء لا يمنع من أي مكان منها " انتهى. فيض القدير (٤/١٩٤) ، ونحوه في مرقاة المفاتيح، للملا علي القاري (٦/١٤) . وانظر جواب السؤال رقم: (٢٠٤٦٩) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 366

حديث إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء [السُّؤَالُ] ـ[قرأت موضوعا نشر في المنتدى النسائي الذي أرتاده، وهو موضوع عن " أحوال النساء في الجنة " لأحد المشايخ، وبحثت في بعض الأحاديث الواردة في المقال فلم أعثر عليها، وحديث: قيل يا رسول الله! هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء. الراوي: أبو هريرة - خلاصة الدرجة: تفرد بن الجعفي - المحدث: الخطيب البغدادي - المصدر: تاريخ بغداد - الصفحة أو الرقم: ١/٣٨٨ فما معنى تفرد به؟ وهل المقال المكتوب صحيح كل ما جاء فيه؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ورد في عدد النساء اللاتي يفضي إليهن الرجل من أهل الجنة، حديثان: الحديث الأول: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنُفْضِي إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ كَمَا نُفْضِيَ إِلَيْهِنَّ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُفْضِي بِالْغَدَاةِ الْوَاحِدَةِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ) رواه هناد بن السري في "الزهد" (١/٨٧) ، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم/٢٦١) ، وأبو يعلى في "المسند" (٢/٥٢٠) ، وإبراهيم الحربي في "غريب الحديث" (١/٢٦٦) ، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (رقم/٣٩٨) ، والبيهقي في "البعث والنشور" (رقم/٣٥٥) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، عن هشام بن حسان، عن زيد بن الحواري وهو زيد العمي، عن ابن عباس به. وهذا إسناد ضعيف، بسبب زيد بن الحواري العمي: قال أبو زرعة: ليس بقوي، واهي الحديث، ضعيف. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أبو داود: حدث عنه شعبة وليس بذاك. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن حبان: يروي عن أنس أشياء موضوعة لا أصول لها حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها، وكان يحيى يمرض القول فيه، وهو عندى لا يجوز الاحتجاج بخبره، ولا أكتبه إلا للاعتبار. انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٣/٤٠٨) الحديث الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَصِلُ إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ فِي الْيَوْمِ إِلَى مِائَةِ عَذْرَاءَ) رواه ابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (١/٢٦١) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (١/٢١٩) ، وأبو نعيم في "صفة الجنة" (رقم/٣٩٧) والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١/٣٧١) أيضا، جميعهم من طريق حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة به. قال الطبراني: " لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا زائدة، تفرد به حسين بن علي " انتهى. "المعجم الأوسط" (٥/٢٦٣) وقال أبو نعيم أيضا: "تفرد به حسين عن زائدة" انتهى. ومعنى هذه العبارة أن حسين بن علي الجعفي هو الوحيد الذي روى الحديث عن زائدة بن قدامة بهذا السياق، يعني عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة. وهذا إسناد ظاهره الصحة، لأن رواته ثقات، سمع بعضهم من بعض: ولذلك صحح الحديث أبو عبد الله المقدسي وقال: هذا الحديث عندي على شرط الصحيح " انتهى. نقلا عن تفسير ابن كثير (٧/٥٣٣) ، وابن القيم في "حادي الأرواح" (٢١٠) ، والسيوطي في "البدور السافرة" (٤٥١) ، والألباني في "السلسلة الصحيحة" (٣٦٧) . ويؤيد ذلك أيضا أن راوي هذه الطريق: حسين الجعفي، قد روجع في روايته له من طريق أبي هريرة وأصر على تأكيد سماعه لها هكذا من زائدة، وهما ثقتان من رواة الكتب الستة، فلعل هشام بن حسان سمعه من هذين الوجهين، فرواه بهما أيضا. قال ابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (رقم/٢٦١) : " حدثنا هارون، قال: ثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه قال أبو موسى – هو هارون بن عبد الله أبو موسى البزاز الحافظ المعروف بالحمال، شيخ ابن أبي الدنيا -: فقلت للحسين: إن أبا أسامة ثنا عن هشام، عن زيد بن الحواري، عن ابن عباس قال: هكذا ثنا زائدة ولم يرجع " انتهى. لكن ذهب الإمام الدارقطني إلى إعلال هذا الإسناد، بأنه خطأ على هشام بن حسان، فالطريق المعروف لهذا الحديث عن هشام هو السابق في حديث ابن عباس، يعني عن هشام عن زيد الحواري عن ابن عباس به، أما طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة فهي خطأ من قبل بعض الرواة عن هشام أو من دونهم. سئل الإمام الدارقطني ﵀ عن هذين الحديثين فقال: " يرويه هشام بن حسان، واختلف عنه: فرواه حسين، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة. وخالفه ابن أسامة، فرواه عن هشام، عن ابن سيرين، أنه قال ذلك عن ابن عباس. وهو أشبه بالصواب " انتهى. "العلل الواردة في الأحاديث النبوية" (١٠/٣٠) . وقد سبق الإمام الدارقطني إلى إعلال هذه الرواية: الإمامان أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان: قال ابن أبي حاتم ﵀: " وَسَأَلْتُ أَبِي، وَأَبَا زُرْعَةَ، عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ حُسَيْنٌ الْجَعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَاَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نُفْضِي إِلَى نِسَائِنَا فِي الْجَنَّةِ. فَقَالا: هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْتُ لأَبِي: الْوَهْمُ مِمَّنْ هُوَ قَالَ: مِنْ حُسَيْنٍ " انتهى. علل الحديث لابن أبي حاتم (٢/٢١٣) . واجتماع هؤلاء الأئمة الثلاثة: وهم من نقاد الحديث، وأهل البصر بالعلل، على إعلال الرواية المرفوعة للحديث من طريق أبي هريرة، يجعل من الصعوبة الجزم بصحته، أو حتى ترجيح ذلك. على أنه، إذا فرضنا صحة الحديث، فقوله ﷺ في الحديث (إلى مائة عذراء) لا يلزم منه أن يكون في كل يوم مائة عذراء أخرى غير ما كان له في اليوم السابق، فالحديث يحتمل أن يكون المراد به بيان قدرة الرجل على الجماع، وليس خصوص العدد، ولا تعدد الزوجات إلى هذا الحد، خاصة وأنه قد ورد أن الشهيد يزوج باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، وهذا أقصى ما صح في عدد الزوجات. ثم إنه قد ورد في بعض الآثار – وإن كان فيها شيء من الضعف - أن الزوجة في الجنة ترجع عذراء بعد الجماع، كلما رجع إليها زوجها وجدها كما كانت. فهذا كله يمنع الجزم بأن للرجل في الجنة مائة زوجة، أو أنه يجامع في كل يوم مائة زوجة جديدة غير زوجات الأمس. وتفاوت القوة على الجماع في الجنة تكون بحسب تفاوت الأعمال، وحفظ الشهوات عن الحرام. يقول العلامة ابن القيم ﵀: " فمن ترك اللذة المحرمة لله استوفاها يوم القيامة أكمل ما تكون، ومن استوفاها هنا حرمها هناك، أو نقص كمالها، فلا يجعل الله لذةَ مَن أوضَعَ – أي غرق - في معاصيه ومحارمه كلذةِ مَن ترك شهوته لله أبدا " انتهى "حادي الأرواح" (٣٤٧) . ولمزيد من التفاصيل المتعلقة بالموضوع، يرجى قراءة جواب السؤال رقم: (١٠٠٥٣) ، (٢٥٨٤٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 367

هل يحزن أهل الجنة على أقربائهم وأحبابهم وهم يُعذبون في النار ؟ [السُّؤَالُ] ـ[نعتقد أن ساكني الجنة لن يقلقوا على أي شيء، لكن لو أن شخصاً من عائلته، أو محبوبه دخل النار: كيف يمكنه أن يكون سعيداً مع علمه أنهم يعاقبون؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كتب الله لأهل الجنة السعادة، والفرح، والسرور، فهم يتقلبون في نعَم الله تعالى، ونعيمه، بفضلٍ منه ورحمة، وليس في الجنة حزن، ولا هم، ولا غم، لأهلها، بل هم في نعيم دائم، وفضل عميم، من ربهم الرحمن الرحيم. قال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة/ ١١٢. وقال تعالى: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ) التوبة/ ٢١. ومما لا شك فيه أن بعض من يدخل الجنة سيكون له أصحاب، وأحباب، وأقرباء، وأهلون، من أهل النَّار، فهل سينغص ذلك عليه سعادته، ويكدِّر عليه صفو نعيمه؟ الجواب: كلا، لن يكون ذلك البتة، ولم نجد شيئاً في الشرع – على حد علمنا – منصوصاً عليه في ذات المسألة، لكننا يمكننا الجزم بما ذكرناه، وأن لذلك أسباباً كثيرة، منها: ١. علم أهل الجنة بالحكم الشرعي. ٢. تسليمهم بالحكمة الربانية. ٣. ونعيمهم وهناؤهم العظيم ينسيهم ما فيه غيرهم من المستحقين للعذاب. ولنقف مع ما يؤيد ذلك مع موقفين اثنين: الأول: لإبراهيم ﵇ مع أبيه الكافر، يوم القيامة. والثانية: لرجل من أهل الجنَّة له صديق رآه من الجنَّة وهو في وسط جهنَّم. أما الموقف الأول: فإن إبراهيم ﵇ كان قد دعا ربَّه تعالى أن لا يخزيه يوم البعث، وعندما يكون الحكم على أبيه الخلود في جهنَّم: يطلب إبراهيم ﵇ من ربه تعالى أن يحقق له دعاءه في أبيه، فيُؤتى بأبيه أمامه، فيمسخه الله ضبعاً، فيؤخذ بقوائمه، فيُلقى في نار جهنَّم، ويُخبر إبراهيم ﵇ بحكم الله تعالى في عدم دخول الكفار الجنَّة، فيسلِّم إبراهيم ﵇ للحكم، والحكمة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَعَلَى وَجْه آزَرَ قَتَرَة وَغَبَرَة، فَيَقُول لَهُ إِبْرَاهِيم: أَلَمْ أَقُلْ لَك لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُول أَبُوهُ: فَالْيَوْم لَا أَعْصِيك، فَيَقُول إِبْرَاهِيم: يَا رَبِّ إِنَّك وَعَدْتنِي أَنْ لَا تُخْزيَني يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيّ خِزْي أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَد، فَيَقُول اللَّه: إِنِّي حَرَّمْت الْجَنَّة عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَال: يَا إِبْرَاهِيم مَا تَحْتَ رِجْلَيْك؟ اُنْظُرْ، فَيَنْظُر، فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخ، فَيُؤْخَذ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّار. رواه البخاري (٣٣٥٠) . الذِّيخ: ذَكَر الضِّبَاع، وَقِيلَ: لَا يُقَال لَهُ ذِيخ إِلَّا إِذَا كَانَ كَثِير الشَّعْر. وقيل في مسخ أبيه بضبع ملطّخ أمام إبراهيم: حتى لا يكون لإبراهيم ﵇ تعلُّق بصورة أبيه الحقيقية وهو في نار جهنم، وقيل: هو استجابة لدعائه، وقيل غير ذلك، وبكل حال: فإن هذا يصلح دليلاً على تسليم أهل الجنَّة بما قدَّره الله تعالى على المستحقين للخلود في نار جهنَّم. قال الحافظُ ابنُ حجرٍ - في الحكمةِ من مسخِ آزر على صفةِ الذيخِ -: قيل: الحكمة في مسخه: لتنفر نفس إبراهيم منه؛ ولئلا يبقى في النار على صورته، فيكون فيه غضاضة على إبراهيم. وقيل: الحكمة في مسخه ضبعاً أن الضبع من أحمق الحيوان، وآزر كان من أحمق البشر؛ لأنه بعد أن ظهر له من ولده من الآيات البينات أصرَّ على الكفر حتى مات، واقتصر في مسخه على هذا الحيوان: لأنه وسط في التشويه بالنسبة إلى ما دونه، كالكلب، والخنزير، وإلى ما فوقه، كالأسد مثلاً؛ ولأن إبراهيم بالغ في الخضوع له، وخفض الجناح، فأبى، واستكبر، وأصر على الكفر، فعومل بصفة الذل يوم القيامة؛ ولأن للضبع عوجا فأشير إلى أن آزر لم يستقم فيؤمن بل استمر على عوجه في الدين. " فتح الباري " (٨ / ٥٠٠) . وأما الموقف الثاني: فإن فيه صورة تكاد تكون أبلغ من الأولى، ومطابقة للسؤال، وهي إخبار من الله تعالى عن مؤمن من أهل الجنَّة يمكنه ربه من رؤية صديق له في وسط النَّار، فلا يصيبه الحزن، ولا الكدر، بل يشكر ربه المتفضل عليه بالهداية، والإنجاء من الكفر والنار، ويلتفت لنعيمه الذي هو، ويشتغل به. قال تعالى: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ. قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ. يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ. أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ. قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ. فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ. قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ. وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ. قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ. فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ. قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ. وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ. أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ. إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) الصافات/ ٥٠ – ٦١. قال ابن القيم – ﵀: ثم يقول المؤمن لإخوانه في الجنة: هل أنتم مطلعون في النار لننظر منزلة قريني هذا، وما صار إليه، هذا أظهر الأقوال، وفيها قولان آخران: أحدهما: أن الملائكة تقول لهؤلاء المتذاكرين الذين يحدِّث بعضهم بعضاً: هل أنتم مطلعون، رواه عطاء عن ابن عباس، والثاني: أنه مِن قوله الله لأهل الجنة، يقول لهم: هل أنتم مطلعون؟ . والصحيح: القول الأول، وأن هذا قول المؤمن لأصحابه، ومحادثيه، والسياق كله، والإخبار عنه، وعن حال قرينه. " حادي الأرواح " (ص ١٧٩) . قال الحافظ ابن كثير – ﵀: (قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) يقول المؤمن مخاطبا للكافر: والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك. (وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) أي: ولولا فضل الله عليَّ: لكنت مثلك في سواء الجحيم حيث أنت، محضر معك في العذاب، ولكنه تفضل عليَّ، ورحمني، فهداني للإيمان، وأرشدني إلى توحيده (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) الأعراف/ ٤٣. وقوله: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ. إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) هذا من كلام المؤمن مغبطاً نفسه بما أعطاه الله من الخلد في الجنة، والإقامة في دار الكرامة، لا موت فيها، ولا عذاب؛ ولهذا قال: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) . " تفسير ابن كثير " (٧ / ١٦) . هذا الذي يمكننا قوله في هذه المسألة، وأن المؤمن يعلم حكم الله في الكفار، ويسلم لحكمة الله تعالى، وينسيه ما هو فيه من نعيم، ما يكون عليه غيره من أهله وأحبابه في النار؛ رحمة، وفضلاً من ربه . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 368

هل تلبس المرأة الحجاب في الجنة أيضا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[سمعت أن المرأة المسلمة ستكون بحجاب إسلامي في الجنة أيضاً، أم إنها لن تكون قادرة على رؤية الرجال غير المحارم، كنت أعرف أن النساء تلبس النقاب والحجاب الإسلامي في الدنيا فقط. من فضلكم أحتاج توضيحاً، لأن شخصاً أخبرني بحديث يتعلق بهذه المسألة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الجنة دار نعيم وليست دار تكليف، وقد خلق الله فيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السجدة/١٧ فلا ينبغي للمسلم أن يتكلف السؤال عن تفاصيل ما في الجنة، مما قد يراه في الدنيا قيدا أو مشقة، فالجنة عالم آخر، ليس في الدنيا منه إلا الأسماء فقط، وأما حقائق الأمور فتختلف تماما، فمن التكلف أن ندقق النظر في كل ما يذكر في الجنة على مثال ما هو في الدنيا. ومن أخص ما ورد في العلاقة بين الرجال والنساء غير المحارم غض البصر وقصر النظر عن حظوظ الآخرين من نعيم الجنة، قول الله تعالى: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) الرحمن/٥٦، ولكنه في وصف الحور العين، فهل فيه دلالة على لحوق الأمر باقي النساء، هذا محل تردد. يقول الحافظ ابن كثير ﵀: " (قاصرات الطرف) أي غضيضات عن غير أزواجهن، فلا يرين شيئا في الجنة أحسن من أزواجهن: قاله ابن عباس، وقتادة، وعطاء الخراساني، وابن زيد، وقد ورد أن الواحدة منهن تقول لبعلها: والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، ولا في الجنة شيئا أحب إلي منك، فالحمد لله الذي جعلك لي وجعلني لك " انتهى. "تفسير القرآن العظيم" (٧/٥٠٤) وأما لبس الخمار أو غطاء الرأس فلم نقف فيه أيضا على خبر يبينه تفصيلا، وإنما وردت إشارة إليه في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِي سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) رواه البخاري (حديث رقم/٢٧٩٦) . قال أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀: " النصيف: الخمار " انتهى. "غريب الحديث" (٢/١٦٦) ولكن ذلك غيرُ كافٍ للجزم بأن نساء الجنة يغطين رؤوسهن لزاما، لأسباب ثلاثة: ١- تفسير بعض العلماء لكلمة " نصيف " بأنه العصابة التي تلفها المرأة على استدارة رأسها، وهذه لا تغطي الرأس، وإنما تلبسها المرأة للتجمل والتزين. ٢- سياق الحديث لا يسعف في الدلالة على ذلك، إذ المقصود من الحديث بيان شدة جمال نساء أهل الجنة والحور العين، حتى إن أدنى شيء تلبسه خير من متاع الدنيا كله، وليس المقصود خصوص " النصيف " بعينه. وقد وردت رواية أخرى جاء فيها: (ولتاجها على رأسها) . ٣- ثم إن هذا الذكر العرضي للنصيف لا يعني لبس جميع النساء له، وفي جميع الأوقات والأماكن، وأمام جميع الناس، وإطلاق ذلك يحتاج دليلا خاصا، ولا نجده. يقول الحافظ ابن حجر ﵀: " قوله: " وَلَنَصِيفُها " فسر في الحديث بالخِمار، وهذا التفسير من قتيبة، فقد أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن إسماعيل بن جعفر بدونه. وقد وقع في رواية الطبراني: (وَلَتاجُها على رأسها) . وحكى أبو عبيد الهروي أن " النصيف ": المِعجَر، وهو ما تلويه المرأة على رأسها. وقال الأزهري: هو كالعصابة تلفها المرأة على استدارة رأسها، واعتجر الرجل بعمامته لفها على رأسه، ورد طرفها على وجهه، وشيئا منها تحت ذقنه " انتهى. "فتح الباري" (١١/٤٤٢) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 369

هل في الجنة حمل وولادة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[السؤال: نعلم أن الجنة فيها زوجات، فهل يكون فيها حمل وولادة؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ذهب بعض العلماء إلى أن العبد إذا تمنى في الجنة أن يكون له ولد، فإن الله يحقق أمنيته بذلك، واستدلوا على ذلك بما رواه الترمذي في سننه (٢٥٦٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ، كَمَا يَشْتَهِي) صححه الألباني في صحيح الجامع (٦٦٤٩) . (كَانَ حَمْلُهُ) أَيْ: حَمْلُ الْوَلَدِ (وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ) أَيْ: كَمَالُ سِنِّهِ وَهُوَ الثَّلَاثُونَ سَنَةً، (كَمَا يَشْتَهِي) مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وعلى هذا القول كثير من أهل العلم. وقال بعض أهل العلم: فِي الْجَنَّةِ جِمَاعٌ وَلَا يَكُونُ وَلَدٌ، وهذا القول رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. قَالَ الإمام البخاري ﵀: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا وَلَدٌ) . والحديث الذي أشار إليه البخاري رواه الإمام أحمد (١٥٧٧٣) عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ ﵁ في حديث طويل وفيه: (الصَّالِحَاتُ لِلصَّالِحَيْنِ تَلَذُّونَهُنَّ مِثْلَ لَذَّاتِكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَيَلْذَذْنَ بِكُمْ، غَيْرَ أَنْ لَا تَوَالُدَ) . قال ابن القيم ﵀: " عليه من الجلالة والمهابة ونور النبوة ما ينادى على صحته "، وضعفه الألباني في "ظلال الجنة"، وقال شعيب الأرناؤوط: " إسناده ضعيف مسلسل بالمجاهيل ". والحديث صريح في انتفاء الولادة، غير أنه مختلف في صحته. وقد أجيب عن حديث أبي سعيد ﵁: (الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي) بأن في ثبوته نظراً، ولذلك قال عنه ابن القيم: إسناده على شرط الصحيح، ولكنه غريب جداً. "حادي الأرواح" (ص ٢١٣) . وقال: " وحديث أبي سعيد الخدري هذا أجود أسانيده إسناد الترمذي وقد حكم بغرابته، وأنه لا يعرف إلا من حديث أبي الصديق الناجي، وقد اضطرب لفظه " انتهى. وقَالَ الإمام إِسْحَقُ اِبْنُ رَاهْوَيْهِ َرحمه الله فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : (إِذَا اشْتَهَى الْمُؤْمِنُ الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَشْتَهِي) قال: وَلَكِنْ لَا يَشْتَهِي. ومعنى كلام إسحاق أَنَّ قَوْله ﷺ (إِذَا اِشْتَهَى الْمُؤْمِن..) إنما هو عَلَى الْفَرْض وَالتَّقْدِير، فَكَلِمَة "إِذَا" وُضِعَتْ مَوْضِع "لَوْ" الْمُفِيدَة لِلْفَرْضِ. وذكر ابن القيم عدة وجوه يترجح بها أن الجنة ليس فيها ولادة منها: الأول: حديث ابن رزين. الثاني: قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) وهن اللاتي طهرن من الحيض والنفاس والأذى. وعن مجاهد قال: " مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والبصاق والمني والولد ". الثالث: أن الله سبحانه جعل الحمل والولادة مع الحيض والمني، فلو كانت النساء يحبلن في الجنة لم ينقطع عنهن الحيض والإنزال. الرابع: أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ) رواه مسلم (٥٠٨٥) . ولو كان في الجنة إيلاد لكان الفضل لأولادهم، وكانوا أحق به من غيرهم. الخامس: أنه قال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الطور/٢١، فأخبر سبحانه أنه يكرمهم بإلحاق ذرياتهم الذين كانوا لهم في الدنيا، ولو كان ينشأ لهم في الجنة ذرية أخرى لذكرهم كما ذكر ذرياتهم الذين كانوا في الدنيا، لأن قرة أعينهم تكون بهم كما هي بذرياتهم من أهل الدنيا. السادس: أنه إما أن يقال باستمرار التناسل فيها لا إلى غاية، أو إلى غاية ثم تنقطع، وكلاهما مما لا سبيل إلى القول به، لاستلزام الأول اجتماع أشخاص لا تتناهى، واستلزام الثاني انقطاع نوع من لذة أهل الجنة وسرورهم وهو محال، ولا يمكن أن يقال بتناسل يموت معه نسل، ويخلفه نسل، إذ لا موت هناك. السابع: أن الجنة لا ينمو فيها الإنسان كما ينمو في الدنيا، فلا ولدان أهلها ينمون ويكبرون، ولا الرجال ينمون، بل هؤلاء ولدان صغار لا يتغيرون، وهؤلاء أبناء ثلاث وثلاثين لا يتغيرون، فلو كان في الجنة ولادة لكان المولود ينمو ضرورة حتى يصير رجلا، ومعلوم أن من مات من الأطفال يردون أبناء ثلاث وثلاثين من غير نمو. ثم قال ﵀: " والجنة ليست دار تناسل بل دار بقاء وخلد، لا يموت من فيها فيقوم نسله مقامه " انتهى. "حادي الأرواح" (١/١٧٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 370

إذا كرهت زوجها، فهل يكون زوجا لها في الجنة ؟! [السُّؤَالُ] ـ[إذا كنت أكره زوجي ولا أصبر على أذيته إياي إلا لله، ثم لأجل مصلحة أطفالي، فهل سوف يكون زوجي في الجنَّة؟ حيث إن مما يهون عليَّ أن الدنيا مهما حصل فهي أيام قليلة وزائلة، وأنا لا أريده زوجاً في الجنَّة مهما حصل فيه من تغيير أو صلاح حاله. أرجو أن لا تقولوا إنه لا بد أن يكون زوجي في الجنَّة! أرجو الرد، وجزاكم الله خيراً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: نسأل الله تعالى أن يكتب لك الأجر على صبرك على أذى زوجك، وهو إن دلَّ على شيء فإنما يدل على، أصل طيب، وخلقٍ عالٍ. ونسأل الله أن يهدي زوجك، ويصلحه لك، ويعينه على إحسان عشرتك، ويأخذ بناصيته إليه. ثانياً: قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) الرعد/ ٢٢ – ٢٤. قال الحافظ ابن كثير – ﵀: وقوله: (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) أي: يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء، والأهلين، والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانًا من الله وإحساناً. " تفسير ابن كثير " (٤ / ٤٥١) . وانظري جواب السؤال رقم: (٥٩٨١) . ثالثاً: واعلمي أيتها الأخت الفاضلة أن دخول الناس الجنة لن يكون وهم على حالهم التي كانوا عليها في الدنيا، وقد ثبت في النصوص الواضحة البيِّنة أنه لا يدخل الجنة أحد وفي صدره غلٌّ، ولا يدخل الجنة أحد إلا ويهذَّب وينقَّى من كل سوء وشرٍّ. قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) الحِجر/ ٤٧. قال الإمام ابن جرير الطبري – ﵀: وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وَصَف صفتهم، وأخبر أنهم أصحاب الجنة، ما فيها من حقد، وغِمْرٍ، وعَداوة كان من بعضهم في الدنيا على بعض، فجعلهم في الجنة إذا أدخلهموها على سُرُر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضاً على شيء خصَّ الله به بعضهم وفضّله من كرامته عليه، تجري من تحتهم أنهار الجنة. " تفسير الطبري " (١٢ / ٤٣٧، ٤٣٨) . وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا) . رواه البخاري (٢٣٠٨) . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني – ﵀: (بقنطرة) الذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، ويحتمل أن تكون من غيره بين الصراط والجنة. وقوله (فيتقاصُّون) بتشديد المهملة: يتفاعلون، من القِصاص، والمراد به: تتبع ما بينهم من المظالم، وإسقاط بعضها ببعض. وقوله (حتى إذا نُقوا) بضم النون، بعدها قاف، من التنقية، ووقع للمستملي هنا " تَقَصُّوا بفتح المثناة والقاف وتشديد المهملة، أي: أكملوا التقاص. قوله (وهذبوا) أي: خلصوا من الآثام بمقاصصة بعضها ببعض. " فتح الباري " (٥ / ٩٦) . فاطمئني أختنا الفاضلة، فلن تكون أخلاق زوجك ما كانت عليه في الدنيا، ولن تكون حالكِ أنتِ – كذلك – على ما هي عليه، فكما سينقَّى زوجك ويُهذَّب: فإن الأمر نفسه سيحصل معك، فإذا قضى الله وجمعكما في الجنة، فسوف يكون اجتماعك به في الجنة على غير اجتماع الدنيا، بل اجتماع تشتهيه نفسك، ويريح بالك، ويقر عينك. قال الله تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الزخرف:٧١، وقال تعالى: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) فصلت:٣١، وقال تعالى: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السجدة:١٧. فليكن همك يا أمة الله أن تعملي ما يوصلك إلى الجنة، ويرفع فيها منزلتك، وثقي أن الجنة لا تعب فيها ولا نصب، ولا هم فيها ولا حزن!! والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 371

مهر الحور العين [السُّؤَالُ] ـ[هل صحيح أن الحصى والفتات الموجود في المسجد هو عبارة عن مهر للحور العين؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لم يرد تعيين مهر الحور العين في حديث صحيح، وكل ما ورد فيه فهو إما ضعيف جدا أو موضوع، ومجموع ما ورد في ذلك عن ستة من الصحابة: ١- عن ابن عمر ﵄ مرفوعا قال: (كم من حوراء عيناء ما كان مهرها إلا قبضة من حنطة أو تمر) رواه العقيلي (١/٤٢) وعنه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/٢٥٣) وابن حبان في "المجروحين" (١/٩٨) قال ابن الجوزي: " المتهم به أبان. قال أبو حاتم بن حبان: أبان بن المحبر يأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم حتى لا يشك المتبحر في هذه الصناعة أنه كان يعملها، لا تجوز الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار، وهو الذى روى عن نافع هذا الحديث وهو باطل، وقال الدارقطني: أبان متروك " انتهى. وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (رقم/٦٤١) : " قال أبِي: هذا حدِيثٌ باطِلٌ، وأبانٌ هذا مجهُولٌ ضعِيفُ الحدِيثِ " انتهى. وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٥٧١) : موضوع. ٢- ويروى عن أبي هريرة أيضا حديث: (مهر الحور قبضات التمر وفلق الخبز) رواه ابن عدي في "الكامل" (٥/٢٥) وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/٢٥٣) وقال: " المتهم به عمر بن صبح. قال ابن حبان: كان يضع الحديث عن الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب " انتهى. ٣- ومما اشتهر أيضا بين الناس مما لا يصح، حديث أنس: (كنس المساجد مهور الحور العين) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (برقم/٤٨٩٦) وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/٢٥٣) وقال: " فيه مجاهيل. وعبد الواحد ليس بثقة. قاله يحيى. وقال البخاري والفلاس والنسائي: متروك الحديث " انتهى. وحكم عليه الشيخ الألباني بالوضع في "السلسلة الضعيفة" (برقم/٤١٤٧) ٤- ويحكى عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال له: (يا علي! أعط الحور العين مهورهن: إماطة الأذى عن الطريق، وإخراج القمامة من المسجد، فذلك مهر الحور العين) أخرجه الديلمى في "مسند الفردوس" (رقم/٨٣٣٥) وابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال" (رقم/٥٥٣) وعزاه في "كنز العمال" (١٦/٢٢٩) لابن النجار. وفي إسناد ابن شاهين: المعافى بن مطهر، ومورع بن جبير لم أقف لهما على ترجمة، إلا شيئا يسيرا عند ابن ماكولا في "الإكمال" (٧/٢٦٣) ٥- وجاء أيضا عن أبي أمامة قال رسول الله ﷺ : (قبضات التمر للمساكين مهور الحين العين) أخرجه الديلمى في "الفردوس" (برقم/٤٦٤٥) وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/٢٥٣) وعزاه السيوطي في "جامع الأحاديث" (برقم/١٥٠٩٣) إلى الدارقطني في "الأفراد" قال ابن الجوزي: " تفرد به طلحة عن الوضين. قال السعدي: الوضين واهى الحديث. قال النسائي: وطلحة متروك. وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه " انتهى. وحكم عليه الشيخ الألباني بالوضع في "السلسلة الضعيفة" (رقم/٦١٩٧) ٦- ويروى عن أبي قرصافة واسمه " جندرة " حديث في مهر الحور العين: (إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين) أخرجه الطبرانى (٣/١٩) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥ /١١٠) وأبو بكر الشافعى فى الفوائد (٢/٢٣/٢) وابن منده فى "المعرفة" (٢/٢٥٩ برقم/٦٣٤٠) وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٤/١٤٤) لأبي بكر الشافعي في رباعياته. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/١١٣) : " في إسناده مجاهيل " انتهى. وقال الشيخ الألباني "السلسلة الضعيفة" (رقم١٦٧٥) : " وهذا إسناد مظلم، مَن دون أبي قرصافة ليس لهم ذكر في شيء من كتب الرجال، حاشا محمد بن الحسن بن قتيبة، فإنه حافظ ثقة ثبت " انتهى. والحاصل أنه لم يصح حديث في تعيين مهر الحور العين، ولذلك قال ابن الجوزي ﵀ في "الموضوعات" (٣/٢٥٤) : " هذا حديث لا يصح من جميع جهاته " انتهى. ثانيا: مهر الحور العين الحقيقي هو كل عمل صالح يقرب إلى الله تعالى، ويكون سببا في دخول الجنة. يقول القرطبي ﵀ في "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص/٥٥٦) : " باب ما جاء أن الأعمال الصالحة مهور الحور العين. أورد فيه بعض الأحاديث السابقة ثم قال: وقال محمد بن النعمان المقري: كنت قاعدا عند الجلا المقرى بمكة في المسجد الحرام، إذ مر بنا شيخ طويل نحيل الجسم عليه أطمار خلقة، فقام إليه الجلا ووقف معه ساعة ثم انصرف إلينا فقال: هل تعرفون من هذا الشيخ؟ فقلنا: لا. فقال: ابتاع من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة، فلما أكملها رآها في المنام في حليها وحللها فقال: من أنت؟ فقالت: أنا الحور التي ابتعتني من الله تعالى بأربعة آلاف ختمة هذا الثمن فما نحلتي أنا منك؟ قال: ألف ختمة قال الجلا: فهو يعمل فيها بعد. وروى عن سحنون أنه قال: كان بمصر رجل يقال له سعيد، وكانت له أم من المتعبدات، وكانت إذا قام من الليل يصلي تقوم والدته خلفه، فإذا غلب عليه النوم ونعس تناديه والدته: " يا سعيد! إنه لا ينام من يخاف النار، ويخطب الحور الحسان " فيقوم مرعوبا. ويروى عن ثابت أنه قال: كان أبي من القوامين لله في سواد الليل قال: رأيت ذات ليلة في منامي امرأة لا تشبه النساء فقلت لها: من أنت؟ فقالت حوراء أمة الله فقلت لها: زوجيني نفسك. فقالت: اخطبني من عند ربي وأمهرني. فقلت: وما مهرك؟ فقالت: طول التهجد. وأنشدوا: يا خاطب الحور في خدرها وطالبا ذلك على قدرها انهض بجد لا تكن وانيا وجاهد النفس على صبرها وقم إذا الليل بدا وجهه ... وصم نهارا فهو من مهرها وقال مالك بن دينار: كان لي أحزاب أقرؤها كل ليلة، فنمت ذات ليلة، فإذا أنا في المنام بجارية ذات حسن وجمال، وبيدها رقعة فقالت: أتحسن أن تقرأ؟ فقلت: نعم فدفعت إلي الرقعة فإذا فيها مكتوب هذه الأبيات: لهاك النوم عن طلب الأماني وعن تلك الأوانس في الجنان تعيش مخلدا لا موت فيها وتلهو في الخيام مع الحسان تنبه من منامك إن خيرا ... من النوم التهجد بالقران " انتهى باختصار. وبنحوه في كلام ابن رجب في رسالته "اختيار الأولى" (ص/١٢) وفي "لطائف المعارف" (ص/١٥٩) وانظر سؤال رقم (١٠٠٥٣) عن الحور العين. وأما تنظيف المساجد فهو أمر مندوب إليه، وجاءت فيه أدلة كثيرة في الحث عليه وبيان فضله، وسبق في موقعنا ذكر شيء منها في جواب السؤال رقم: (٢٠١٦٠) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 372

هل القيامة والجنة والنار حقيقة أم رموز [السُّؤَالُ] ـ[هل تظن بأن الإيمان باليوم الآخر وبالجنة والنار يجب أن يؤخذ حرفيا أم رمزيا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله من أركان الإيمان الإيمان بالبعث بعد الموت، والجنة والنار حقٌ يجب الإيمان بهما، فمن آمن بالله وعمل صالحاً فمآله إلى الجنة حقيقة، ومن كفر بالله فهو من أهل النار حقيقة، وكل منهما خالد مخلّد. الشيخ عبد الكريم الخضير. وقد أنكر أعداء الرسل من المشركين والفلاسفة وغيرهم حقيقة البعث بعد الموت والحساب والجنة والنار وجعلوا هذه الأشياء رموزاً يفهمون منها غير ما يفهمه المؤمنون منها وهذا تكذيب لله تعالى وأنبيائه ورسله. فالجنة والنار والصراط والميزان والحوض والعرش والكرسي وغيرها هي أمور حقيقة ونؤمن بها على الحقيقة ولا نتلاعب بدلالة الألفاظ عليها بل نؤمن بها صريحة كما وردت. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 373

هل يرى المؤمنون ربهم في الجنة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل ثبت أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فإن نعم الله على عباده لا تحصى، وقد خص سبحانه المؤمنين بمزيد من الإنعام في الدنيا بأن مَنَّ عليهم بالإسلام، واصطفاهم بالقرآن، وسيخصهم في الجنة بأعظم نعمة أنعم عليهم بها؛ ألا وهي تشريفهم وإكرامهم بالنظر إلى وجهه الكريم في جنة عدن، كما قال تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة) القيامة/٢٢-٢٣ أي أن وجوه المؤمنين تكون حسنة بهية مشرقة مسرورة بسب نظرها إلى وجه ربها كما قال الحسن ﵀: " نظرت إلى ربها فنضرت بنوره ". وعن ابن عباس ﵄: " (وجوه يومئذ ناضرة) قال: من النعيم (إلى ربها ناظرة) قال تنظر إلى وجه ربها نظراً. وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث. وقال جل شأنه: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) ق/٣٥ فالمزيد هنا هو:" النظر إلى وجه الله . " كما فسره بذلك علي وأنس بن مالك ﵄ وقال سبحانه: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) يونس/٢٦ فالحسنى الجنة والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم، كما فسرها بذلك رسول الله ﷺ ، فيما رواه مسلم في صحيحه (٢٦٦) عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ فَيَقُولُونَ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ قَالَ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ وهي الزيادة ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) فإذا علمت أن أهل الجنة لا يعطون شيئاً فيها أحب إليهم من النظر إلى وجه ربهم جل وعلا تبين لك مدى الحرمان، وعظيم الخسران، الذي ينتظر المجرمين الذين توعدهم الله بقوله: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) المطففين/١٥ نسأل الله السلامة والعافية. ومن جميل ما يروى عن الشافعي ما ذكره عنه الربيع بن سليمان ـ وهو أحد تلاميذه ـ: قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله : (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) ؟ فقال الشافعي: " لما أن حجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليلٌ على أن أولياءه يرونه في الرضى " فهذه بعض الأدلة من القرآن على ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الجنة. وأما أدلة السنة فهي كثيرة جداً، فمنها: ١- ما رواه البخاري (٦٠٨٨) ومسلم (٢٦٧) من حديث أبي هريرة ﵁ أن ناسا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله: " هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله. قال: " هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا. قال: " فإنكم ترونه كذلك ... الحديث ". وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ (لا تَضَامُّون أَوْ لا تُضَارُّونَ) عَلَى الشَّكّ وَمَعْنَاهُ: لَا يَشْتَبِه عَلَيْكُمْ وَتَرْتَابُونَ فِيهِ فَيُعَارِض بَعْضكُمْ بَعْضًا فِي رُؤْيَته. ولا يلحقكم في رؤيته مشقة أو تعب. وَاَللَّه أَعْلَم.ا. هـ مختصرا من شرح مسلم. ٢- وفي الصحيحين أيضا (خ/ ٦٨٨٣. م / ١٠٠٢) من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوسا مع النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته ". والتشبيه الذي في الأحاديث هو تشبيه للرؤية بالرؤية، أي أننا كما نرى الشمس في اليوم الصحو في غاية الوضوح، ولا يحجب أحد رؤيتها عن أحد رغم كثرة الناظرين إليها، وكما نرى القمر مكتملا ليلة البدر وهو في غاية الوضوح، لا يؤثر كثرة الناظرين إليه على وضوح رؤيته فكذلك يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة بهذا الوضوح والجلاء، وليس المقصود من الأحاديث تشبيه المرئي بالمرئي ـ تالى الله ـ فإن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ٣- وروى البخاري (٤٥٠٠) ومسلم (٦٨٩٠) عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ". وقد روى أحاديث الرؤية نحوٌ من ثلاثين صحابيا، ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرسول ﷺ قالها. فمن زعم بعد هذا أن الله تعالى لا يُرى في الآخرة فقد كذب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله، وعرَّض نفسه للوعيد الشديد الوارد في قوله تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) المطففين/ ١٥ نسأل الله تعالى العفو والعافية، ونسأله أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم.. آمين. يراجع: (شرح العقيدة الطحاوية (١ / ٢٠٩ وما بعدها) و (أعلام السنة المنشورة للشيخ حافظ الحكمي ص ١٤١) . [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 374

منازل ودرجات الجنة والنار وأعمالهما [السُّؤَالُ] ـ[كم جنة ونار يوجد؟ وكيف تختلف مراتبها؟ وماذا يجب أن تفعل لتكون في كل مستوى؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: من حيث العدد هي نارٌ واحدة وجنة واحدة، لكن كل منهما درجات ومنازل. وقد يأتي في السُنَّة ذكر الجنة بالجمع وليس المراد تعدد جنس الجنة وإنما الإشارة إلى عظمتها ودرجاتها وأنواعها أو إلى عظمة أجر من يدخلها كما في حديث أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ قَالَ يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ ـ وفي رواية إنها جنان كثيرة ـ وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى) رواه البخاري (٢٨٠٩) ثانياً: تختلف دركات النار باختلاف كفر أهلها في الدنيا، والمنافقون في الدرك الأسفل منها كما قال ربنا ﵎: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا) النساء/١٤٥ وأخف دركاتها - والعياذ بالله - ما أشار إليه النبي ﷺ فيما رواه النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ ـ وفي رواية توضع في أخمص قدميه جمرتان ـ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِ الْمِرْجَلُ ـ إي القِدْر ـ مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا) رواه البخاري (٦٥٦٢) ومسلم (٢١٢) ، وجاء تعيينه في إحدى روايات مسلم بأنه أبو طالب عم النبي ﷺ خفف الله تعالى عليه لما كان له من دور في حماية الإسلام في بداياته. ثالثاً: لا يُعرف تحديداً عدد درجات الجنة، وقد قيل إنها بعدد آيات القرآن الكريم أخذا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: " يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها ". رواه أبو داود (١٤٦٤) والترمذي (٢٩١٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. قال المنذري في الترغيب: قال الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة في الآخرة , فيقال للقارئ ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن , فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة , ومن قرأ جزءا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك , فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة. " الترغيب والترهيب " (٢ / ٢٢٨) . لكن في كلامه هذا نظر؛ لأن الحديث في بيان " منازل " الحفظة وليس في درجاتهم، وتختلف الدرجات باختلاف العاملين في الدنيا، كما أن هناك أعمال أخرى يتفاضل الناس بها كالصِّدِّيقيَّة والجهاد وغيرها فعليه لا يلزم أن يكون صاحب القرآن الحافظ لأكمله في أعلى درجات الجنة على الإطلاق. وأعلى درجات الجنة هي الفردوس كما ثبت عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ".. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة ". رواه البخاري (٢٦٣٧) ومسلم (٢٨٣١) . ومعنى " أوسط الجنة " أي: أفضلها وأعدلها، ومثله قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ . وقد جاءت السنَّة ببيان بعض الأعمال وبيان درجات أهلها، ومنها: ١. الإيمان بالله والتصديق بالمرسلين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر أي النجم في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ". رواه البخاري (٣٠٨٣) ومسلم (٢٨٣١) . ٢. الجهاد في سبيل الله عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ".. إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ". رواه البخاري (٢٦٣٧) . ٣. وقد يحصِّلها الصادق في سؤاله للشهادة بصدق عن سهل بن حنيف أن النبي ﷺ قال: " من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه ". رواه البخاري (١٩٠٩) . ٤. الإنفاق في سبيل الله عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون ... ) رواه البخاري (٨٠٧) ومسلم (٥٩٥) . ٥. إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط. رواه مسلم (٢٥١) . ٦. حافظ القرآن لحديث عبد الله بن عمرو الذي سبق ذكره عن النبي ﷺ قال: " يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها ". رواه أبو داود (١٤٦٤) والترمذي (٢٩١٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. فعلى من سمت همته أن يتطلع للأعلى، ويعمل لينال رضي الله، ويدخل جنة الفردوس، وها هي الأعمال قد وعد الله أهلَها بتلك الدرجات، فكم بين زهد الناس عنها وتشميرهم لها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 375

امتحان أهل الفترة في الآخرة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ي عن حديث الرسول ﷺ : أخرج الإمام أحمد بن حنبل في " مسنده " والبيهقي في كتاب " الاعتقاد " ـ وصححه ـ عن الأسود بن سريع أن النبي ﷺ قال: (أربعة يمتحنون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرِم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يقذفوني بالبعر، وأما الهرِم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعونه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها يسحب إليها) . استفساري: هل يوجد يوم القيامة امتحان؟ وأنا الذي أعرفه أن يوم القيامة يوم الحساب فقط، دون امتحان وابتلاء؟ . والملاحظة الأخرى: امتحانهم يوم القيامة أن يدخلوا على النار هذا امتحان صعب جدًّا لا يخاطب العقل؛ لأن العقل يدرك أن النار فيها خطورة، وطبيعي الإنسان يخاف أن يدخلها بعكس امتحان في الدنيا الالتزام في تعاليم الدين الحنيفة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: اختلف العلماء ﵏ في أهل الفترة – وهم من عاش في زمن لم يأتهم فيه رسول، أو كانوا في مكان لم تصلهم فيه الدعوة – ومن في حكمهم – كأطفال المشركين - على أقوال، وأرجح هذه الأقوال: أنهم يُمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع أمر الله نجا، ومن عصاه هلك، وقد جاءت في السنة النبوية أحاديث كثيرة يترجح هذا القول بها، ومنها ما ذكره الأخ السائل في سؤاله، وقد استوفاها الإمام ابن كثير في تفسيره، عند قوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الإسراء/من الآية ١٥، فلتنظر هناك لمن أراد الاستزادة والاستفادة، ومجموع هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً، ويشهد أن لهذا القول ما يؤيده من السنَّة النبوية، وهذا هو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة. قال الإمام ابن كثير – ﵀: أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح، كما قد نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يقوَى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط: أفادت الحجة عند الناظر فيها. " تفسير ابن كثير " (٥ / ٥٨) . وقال الحافظ ابن حجر – ﵀ – في سياق بيان الأقوال في المسألة -: سابعها: أنهم يُمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها: كانت عليه برداً وسلاماً، ومن أَبَى: عُذِّب، أخرجه البزار من حديث أنس، وأبي سعيد، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل، وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في " كتاب الاعتقاد " أنه المذهب الصحيح. " فتح الباري " (٣ / ٢٤٦) . ثانياً: وقد ردَّ هذا القول بعض أهل العلم – كالإمام ابن عبد البر – وقالوا: إن الآخرة دار جزاء، وليست دار تكليف، وليس ثمة أوامر ونواهي في الآخرة، وأُجيب عن هذا الاعتراض بردود مجملة، ومفصَّلة، وقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن كثير – وغيرهما – ردوداً مجملة، وردَّ الإمام ابن القيم ردّاً مفصلاً أوصل وجوه الرد إلى تسعة عشر وجهاً. أ. أما الردود المجملة: فملخصها: وجود امتحان في القبر، وفي عرصات القيامة، وأما كون الآخرة ليست دار تكليف فنعم، لكن بعد استقرار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. ١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار، وأما عَرَصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ، فَيُقَالُ لِأَحَدِهِمْ: مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟ ، وقال تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) الْآيَةَ، وقد ثبت في الصحاح من غير وجه حديث تجلي الله لعباده في الموقف إذا قيل: (لِيَتَّبِعْ كُلُّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ؛ فَيَتَّبِعُ الْمُشْرِكُونَ آلِهَتَهُمْ وَيَبْقَى الْمُؤْمِنُونَ فَيَتَجَلَّى لَهُمْ الرَّبُّ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيُنْكِرُونَهُ ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا فَيَسْجُدُ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَتَبْقَى ظُهُورُ الْمُنَافِقِينَ كَقُرُونِ الْبَقَرِ يُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ، وذكر قوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) الْآيَةَ. " مجموع الفتاوى " (٤ / ٣٠٣، ٣٠٤) . ٢. وقال الإمام ابن كثير – ﵀ وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النَّمَري بعض ما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قوية، ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها؛ لأن الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل، ولا ابتلاء، فكيف يكلَّفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها؟! . وأجاب عن ذلك ببيان قة الأحاديث الواردة في الباب، كما نقلناه عنه سابقا، ثم قال: وأما قوله: " إن الآخرة دار جزاء ": فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة مِن امتحان الأطفال، وقد قال الله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) ن/٤٢، وقد ثبتت السنَّة في الصحاح وغيرها: أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأما المنافق: فلا يستطيع ذلك، ويعود ظهره طبقاً واحداً، كلما أراد السجود: خَرَّ لقفاه. وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجاً منها: أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مراراً، ويقول الله تعالى: (يا ابن آدم، ما أغدرك!) ثم يأذن له في دخول الجنة. وأما قوله: " وكيف يكلفهم دخول النار وليس ذلك في وسعهم؟ ": فليس هذا بمانع من صحة الحديث؛ فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف، وأدق من الشعرة، ويمرُّ المؤمنون عليه بحسب أعمالهم، كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والرِّكاب، ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا أطم، وأعظم. وأيضاً: فقد ثبتت السنَّة بأن الدجال يكون معه جنَّة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار، فإنه يكون عليه برداً وسلاماً، فهذا نظير ذلك. وأيضاً: فإن الله تعالى قد أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتل بعضهم بعضاً، حتى قتلوا ـ فيما قيل ـ في غداة واحدة: سبعين ألفاً، يقتل الرجل أباه، وأخاه، وهم في عمايةِ غمامةٍ أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل، وهذا أيضاً شاق على النفوس جدّاً، لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم. " تفسير ابن كثير " (٥ / ٥٨) . ب. وقد فصل ابن القيم ﵀ وجوه الجواب السابقة، كما أشرنا إليه، وزاد فيها وجوها أخرى، منها: * أن موجب هذه الأحاديث هو الموافق للقرآن وقواعد الشرع؛ فهي تفصيل لمَا أخبر به القرآن أنه لا يعذَّب أحد إلا بعد قيام الحجة عليه، وهؤلاء لم تُقَم عليهم حجة الله في الدنيا، فلا بُدَّ أن يقيم حجته عليهم، وأحق المواطن أن تُقام فيه الحجة: يوم يقوم الأشهاد، وتُسمع الدعاوى، وتُقام البينات، ويَختصم الناس بين يدي الرب، وينطق كلُّ أحدٍ بحجته ومعذرته، فلا تنفع الظالمين معذرتهم، وتنفع غيرهم. * أنه قد صحَّ بذلك القول بها عن جماعة من الصحابة، ولم يصح عنهم إلا هذا القول، والقول بأنهم خدَم أهل الجنة: صح عن سلمان، وفيه حديث مرفوع، وأحاديث الامتحان: أكثر، وأصح، وأشهر. * أن أمرهم بدخول النار ليس عقوبة لهم، وكيف يعاقبهم على غير ذنب؟ وإنما هو امتحان واختبار لهم، هل يطيعونه أو يعصونه، فلو أطاعوه ودخلوها: لم تضرهم، وكانت عليهم برداً وسلاماً، فلما عصوه وامتنعوا من دخولها: استوجبوا عقوبةَ مخالفةِ أمرِه، والملوك قد تمتحن مَن يُظهر طاعتهم هل هو منطوٍ عليها بباطنه، فيأمرونه بأمرٍ شاقٍّ عليه في الظاهر، هل يوطِّن نفسه عليه أم لا، فإن أقدم عليه ووطن نفسه على فعله: أعفوه منه، وإن امتنع وعصى: ألزموه به، أو عاقبوه بما هو أشد منه. وقد أمر الله سبحانه الخليل بذبح ولده، ولم يكن مراده سوى توطين نفسه على الامتثال والتسليم، وتقديم محبة الله على محبة الولد، فلما فعل ذلك: رَفع عنه الأمر بالذبح. وأما أن ذلك "ليس ذلك في وسع المخلوقين " فقد أجاب عنه ابن القيم من وجهين: أحدهما: أنه في وسعهم، وإن كان يشق عليهم، وهؤلاء عبَّاد النار، يتهافتون فيها، ويُلقون أنفسهم فيها؛ طاعةً للشيطان، ولم يقولوا " ليس في وسعنا "، مع تألمهم بها غاية الألم، فعبَاد الرحمن إذا أمرهم أرحم الراحمين بطاعته باقتحامهم النار: كيف لا يكون في وسعهم، وهو إنما يأمرهم بذلك لمصلحتهم ومنفعتهم؟ . الثاني: أنهم لو وطَّنوا أنفسهم على اتباع طاعته ومرضاته: لكانت عين نعيمهم، ولم تضرَّهم شيئاً. قال ﵀: " فالسنَّة، وأقوال الصحابة، وموجب قواعد الشرع وأصوله: لا تُردُّ بمثل ذلك، والله أعلم " انظر: " أحكام أهل الذمة " (٢ / ١١٤٨ – ١١٥٨) . وهذا كلام متين، فيه بيان المسألة وتجليتها، ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يتوفانا على الإيمان. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 376

هل النساء في الجنة يغطين وجوههن؟ وهل يرين الرسول ﷺ ويسلمن عليه ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل النساء في الجنة يغطين وجوههن؟ وهل يرين الرسول ﵊ ويسلمن عليه؟]ـ [الْجَوَابُ] أولاً: لا يظهر أن المرأة في الجنة تغطي وجهها؛ لأن الله تعالى يكسبها جمالاً فائقاً، ويكون هذا الجمال جزاءَ ما كانت عليه من طاعة في الدنيا، ويكون ذلك من أجل زوجها، حتى يهنأ ويتنعم، بل إن جمالها ليزداد المرة بعد المرة. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدْ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا) . رواه مسلم (٢٨٣٣) . وليس في الجنة نظر سوء، ولا مرض قلب حتى تلزم المرأة بتغطية وجهها، ولا هي محل للعمل والأمر والنهي، كما قال علي ﵁: " فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ " رواه البيهقي في شعب الإيمان (١٠٦١٤) وعلقه البخاري في باب الأمل وطوله، من كتاب الرقاق. ولعلَّ الأظهر أن تكون المرأة في الجنة في مملكتها تتنعم بكافة أنواع النعيم هناك، دون أن تكون مختلطة بالرجال؛ لأن الله تعالى وصف الحور العين بأنهن قاصرات الطرف أي: يقصرن نظرهن وحبهن على أزواجهن، ووصفهن بأنهن حور مقصورات في الخيام، وليس معنى هذا أنهنَّ لا يخرجن من مملكتهن، بل لهن كل ما يشتهينه مما أعده الله لأهل الجنة، ومثله يقال في نساء أهل الجنة من المؤمنات. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) أي: محبوسات في خيام اللؤلؤ، قد تهيأن، وأعددن أنفسهن لأزواجهن، ولا ينفي ذلك خروجهن في البساتين، ورياض الجنة، كما جرت العادة لبنات الملوك، ونحوهن، المخدرات، الخفرات. " تفسير السعدي " (ص ٨٣١) والخفرات: أي: شديدات الحياء. وقال أيضا – ﵀: وعموم ذلك يشمل الحور العين ونساء أهل الدنيا، وأن هذا الوصف - وهو البكارة - ملازم لهن في جميع الأحوال، كما أن كونهن (عُرُباً أَتْرَاباً) ملازم لهن في كل حال. والعروب هي: المرأة المتحببة إلى بعلها. " تفسير السعدي " (ص ٨٣٣) . ثانياً: الذي يظهر أن نساء الجنة لا يُمنعن من رؤية النبي ﷺ ؛ لأنه نبي الأمة، وهن بمثابة بناته، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم. قال ابن كثير – ﵀ – في تفسير قوله تعالى على لسان لوط ﵇ لقومه: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هود/٧٨ -: النبي للأمة بمنزلة الوالد للرجال والنساء ... قال مجاهد: لم يكنَّ بناته، ولكن كنَّ من أمته، وكل نبي أبو أمته، وكذا روي عن قتادة، وغير واحد ... وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم هنَّ بناته، وهو أب لهم، ويقال في بعض القراءات: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ". " تفسير ابن كثير " (٤ / ٣٣٧) . وقد جاءت البشرى في السنَّة لكل من يراه في المنام أنه سيراه في الجنة، وكذا جاءت البشرى لمن خشي أن لا يراه في الجنة. أ. قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) النساء/٦٩. ب. عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي) . رواه البخاري (٦٥٩٢) وقال: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ، ومسلم (٢٢٦٦) . ج. وعن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي وأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رُفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت ألا أراك، فلم يردَّ عليه النبي ﷺ حتى نزلت عليه: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) . قال ابن كثير – بعد أن ذكره مسنداً عند ابن مردويه في " التفسير " -: وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه " صفة الجنة "، من طريق الطبراني، عن أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال، عن عبد الله بن عمران العابدي، به، ثم قال: لا أرى بإسناده بأساً. " تفسير ابن كثير " (٢ / ٣٥٤) . والحديث حسن، وله طرق، وشواهد كثيرة، تٌنظر في " تفسير ابن كثير "، ويكفي أن الحافظ المقدسي حسَّنه. د. ويستأنس بما رواه ابن سعد في " الطبقات الكبرى " (٨ / ٤١٥) عن أم عمارة نسيبة بنت كعب ﵂ قالت لرسول الله ﷺ : ادع الله أن نرافقك في الجنة، فقال: اللهمَّ اجعلهم رفقائي في الجنة، فقالت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا. تنبيه: ثبت في صحيح البخاري (٢٧٩٦) من حديث أنس بن مَالِكٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال: (.. وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلَأَتْهُ رِيحًا وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) والنصيف هو خمار الرأس، كما فسره به الرواي في موضع آخر (٦٥٦٨) . لكن يظهر أن هذا النصيف من جملة زينتها التي تتجمل بها لزوجها، كما يشعر به سياق الحديث الذي يذكر حسن نساء الجنة وجمالهن. ويؤيده رواية الطبراني في الأوسط (٣/٢٨١) : " ولتاجها على رأسها خير من الدنيا وما فيها " قال الهيثمي في المجمع (١٠/٧٧٤) " إسناده جيد "، وصححه الألباني في صحيح الترغيب. وانظر السؤال رقم (٩٦٥٩٨) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 377

إذا اشتهى أن يصلي الصلوات الخمس في الجنة !! [السُّؤَالُ] ـ[هل إن شاء الله إذا دخلت الجنة برحمة الله يمكن أن أطلب أن أصلي الصلوات الخمس في الجنة؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولا: لا خلاف بين العلماء في أن الجنة ليست دار تكليف، وإنما هي دار جزاء، فلا تكليف فيها بالصلاة قطعا. ثانيا: إذا اشتهى العبد أن يصلي الصلوات الخمس أو غيرها في الجنة، هل يكون له ذلك؟ جوابه: أن هذا من الغيب الذي يتوقف إثباته على الدليل، ولم نقف على ما يفيد ذلك، وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن العبادات ترفع في الجنة ولا يبقى إلا عبادة التسبيح والذكر. قال ﵀: " فصل في ارتفاع العبادات في الجنة إلا عبادة الذكر فإنها دائمة: روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي قال: يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون، ولا يبولون، ويكون طعامهم ذلك جشاء ورشحا كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس) وفي رواية: (التسبيح والتكبير كما تلهمون) بالتاء، أي تسبيحهم وتحميدهم يجري مع الأنفاس كما تلهمون أنتم النفس " انتهى من "حادي الأرواح" ص ٢٨٥ والمهم أن يحرص العبد على تحصيل الأسباب التي تقربه إلى الله تعالى، وتدخله جنته. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 378

أهل الجنة سالمون من التشوهات والعيوب الخلقية [السُّؤَالُ] ـ[هل يدخل المؤمن الجنة بعيوبه الخلقية مثل التشوهات الخلقية والسمنة، أم إنه يكون كاملا جسديا؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الذي دلت عليه النصوص أن أهل الجنة يكونون على أجمل هيئة، وأحسن خلقة، جردا مردا، على صورة أبيهم آدم ﵇، كما روى الترمذي (٢٤٦٨) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلاثِينَ أَوْ ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً) والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي. والأجرد: الذي لا شعر له على جسده. والأمرد: الذي لا لحية له. وروى الترمذي أيضا (٢٤٦٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كُحْلٌ لا يَفْنَى شَبَابُهُمْ وَلا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ) وحسنه الألباني في صحيح الترمذي. وروى البخاري (٣٠٠٦) ومسلم (٥٠٦٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلا يَمْتَخِطُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ، لا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ وَلا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) . والألوة: العود. فهذا وغيره يدل على أن أهل الجنة تتبدل هيآتهم لتكون على أحسن الهيآت، فليس فيهم تشوهات ولا غيرها مما يعيب. وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 379

هل اللغة العربية هي لغة أهل الجنة [السُّؤَالُ] ـ[نريد أن نعرف ما هي لغة أهل الجنة وهل هي العربية؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لم يرد في القرآن أو في السنة الصحيحة – فيما نعلم - بيان اللغة التي يتكلم بها أهل الجنة، والوارد في ذلك حديث لا يصح عن نبينا ﷺ ، وبعض الآثار. فقد روى الطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أحبوا العرب لثلاث لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي) . وهذا الحديث حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، وقال الذهبي: أظن الحديث موضوعا، وقال الألباني في السلسة الضعيفة (رقم ١٦٠) : موضوع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وكذلك روى أبو جعفر محمد بن عبد الله الحافظ الكوفي المعروف بمطين حدثنا العلاء بن عمرو الحنفي حدثنا يحيى بن زيد الأشعري حدثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أحب العرب لثلاث: لأنه عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي) قال الحافظ السلفي: هذا حديث حسن. فما أدري أراد حسن إسناده على طريقة المحدثين، أو حسن متنه على الاصطلاح العام، وأبو الفرج بن الجوزي ذكر هذا الحديث في الموضوعات، وقال: قال الثعلبي: لا أصل له، وقال ابن حبان: يحيى بن زيد يروي المقلوبات عن الأثبات، فبطل الاحتجاج به، والله أعلم " انتهى من "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/١٥٨) . وروى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا عربي، والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي) . قال الألباني في السلسلة الضعيفة رقم ١٦١: موضوع. والحاصل أنه لم يرد دليل صحيح يبين اللغة التي يتكلم بها أهل الجنة، ولهذا يتعين السكوت عن هذه المسألة وعدم الخوض فيها وتفويض علمها إلى الله تعالى؛ والانشغال بما يترتب عليه عمل ينفع في تلك الدار. سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: بماذا يخاطب الناس يوم البعث؟ وهل يخاطبهم الله تعالى بلسان العرب؟ وهل صح أن لسان أهل النار الفارسية وأن لسان أهل الجنة العربية؟ فأجاب: " الحمد لله رب العالمين لا يُعلم بأي لغة يتكلم الناس يومئذ، ولا بأي لغة يسمعون خطاب الرب جل وعلا؛ لأن الله تعالى لم يخبرنا بشيء من ذلك ولا رسوله ﵊، ولم يصح أن الفارسية لغة الجهنميين، ولا أن العربية لغة أهل النعيم الأبدي، ولا نعلم نزاعا في ذلك بين الصحابة ﵃، بل كلهم يكفون عن ذلك لأن الكلام في مثل هذا من فضول القول ... ولكن حدث في ذلك خلاف بين المتأخرين، فقال ناس: يتخاطبون بالعربية، وقال آخرون: إلا أهل النار فإنهم يجيبون بالفارسية، وهى لغتهم في النار. وقال آخرون: يتخاطبون بالسريانية لأنها لغة آدم وعنها تفرعت اللغات. وقال آخرون: إلا أهل الجنة فإنهم يتكلمون بالعربية. وكل هذه الأقوال لا حجة لأربابها لا من طريق عقلٍ ولا نقل بل هي دعاوى عارية عن الأدلة والله أعلم وأحكم " انتهى من "مجموع الفتاوى" (٤/٢٩٩) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 380

مصير الأطفال الذين ماتوا صغارا في الجنة أم في النار [السُّؤَالُ] ـ[هل جميع الأطفال الذين ماتوا قبل البلوغ سيدخلون الجنة أم الأطفال الذين آباؤهم مسلمون فقط؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الكلام يكون إن شاء الله في مقامين: الأول: مصير أطفال المسلمين. والثاني: مصير أطفال الكفار. = أما الأول: وهو مصير أطفال المسلمين: فقد قال ابن كثير ﵀: فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة. وهذا هو المشهور بين الناس (أي عامة العلماء) وهو الذي نقطع به إن شاء الله أ. هـ " تفسير القرآن العظيم " (٣ / ٣٣) . وقال الإمام أحمد ﵀: من يشك أن أولاد المسلمين في الجنة؟! وقال أيضا: إنه لا اختلاف فيهم. أ. هـ " حاشية ابن القيم على سنن أبي داود " (٧/ ٨٣) . وقال الإمام النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة؛ لأنه ليس مكلفا. أ. هـ " شرح مسلم " (١٦ / ٢٠٧) . وقال القرطبي: إن قول أنهم في الجنة هو قول الأكثر، وقال: وقد أنكر بعض العلماء الخلاف فيهم. " التذكرة " (٢/٣٢٨) . = وأما الثاني: وهو مصير أطفال الكفار: فقد اختلف العلماء فيه إلى أقوال: ١. أنَّهم في الجنَّة - وبعضهم يقول: إنَّهم على الأعراف، ومردُّ هذا القول أنَّهم في الجنَّة لأن هذا هو حال أهل الأعراف -. وهو قول الأكثر من أهل العلم كما نقله عنهم ابن عبد البر في " التمهيد " (١٨/٩٦) . ودليلهم: أ. حديث سمرة ﵁: أنه ﵇ رأى مع إبراهيم ﵇ أولاد المسلمين وأولاد المشركين. رواه البخاري (٦٦٤٠) . ب. عن حسناء بنت معاوية من بني صريم قالت حدثني عمي قال قلت يا رسول الله من في الجنة قال النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة. رواه الإمام أحمد (٥/٤٠٩) . ضعفه الألباني في " ضعيف الجامع " (٥٩٩٧) . ٢. أنَّهم مع آبائهم في النار. وقد نسب القاضي أبو يعلى هذا القول لأحمد! وغلَّطه شيخ الإسلام جدّاً. انظر " حاشية ابن القيم على سنن أبي داود " (٧/ ٨٧) . ودليلهم: أ. عن سلمة بن قيس الأشجعي قال أتيت أنا وأخي النبي ﷺ فقلنا إن أُمّنا ماتت في الجاهلية وكانت تقري الضيف وتصل الرحم وأنها وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث فقال الوائدة والمؤودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم. والحديث حسنه الحافظ ابن كثير في " التفسير " (٣/ ٣٣) ، ومن قبله ابن عبد البر في " التمهيد " (١٨/١٢٠) . ب. ولهم أحاديث أخرى، لكنها ضعيفة. ٣. التوقف فيهم. وهو قول حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه. دليلهم: أ. عن ابن عباس سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين قال الله أعلم بما كانوا عاملين. رواه البخاري (١٣٨٣) ومسلم (٢٦٦٠) . ب. ومثله من حديث أبي هريرة. رواه البخاري (١٣٨٤) ومسلم (٢٦٥٩) . ٤. ومنهم من قال: إنَّهم خدم أهل الجنَّة. قال شيخ الإسلام ﵀: ولا أصل لهذا القول. " مجموع الفتاوى " (٤/٢٧٩) . قلت: وقد ورد ذلك في حديث عند الطبراني والبزار، لكن ضعفه الأئمة ومنهم الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٣/٢٤٦) . ٥. أنَّهم يُمتحنون في الآخرة، فمن أطاع الله دخل الجنة، ومن عصى دخل النار. وهو قول معظم أهل السنة والجماعة كما نقله عنهم أبو الحسن الأشعري، وهو قول البيهقي، وطائفة من المحققين، وهو الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر أنه مقتضى نصوص الإمام أحمد، وهو الذي رجحه الحافظ ابن كثير، وقال: وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض. " التفسير " (٣/٣١) . دليلهم: أ. عن أنس قال، قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب ﵎ لعُنُق من النار: أُبْرزْ، ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، اُدخلوا هذه (أي النار) ، قال: فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أنى ندخلها ومنها كنا نفرّ، قال: ومن كتب عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعاً، قال: فيقول الله تعالى أنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار". رواه أبو يعلى (٤٢٢٤) ، وله شواهد كثيرة ذكرها الحافظ ابن كثير في " التفسير (٣ /٢٩-٣١) . وقال ابن القيم ﵀: وهذا أعدل الأقوال وبه يجتمع شمل الأدلة وتتفق الأحاديث في هذا الباب. وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة كما في حديث سمرة، وبعضهم في النار كما دل عليه حديث عائشة، وجواب النبي ﷺ يدل على هذا؛ فإنه قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين إذْ خلقهم"، ومعلوم أن الله لا يعذبهم بعلمه فيهم ما لم يقع معلومه، فهو إنما يعذب من يستحق العذاب على معلومه وهو متعلق علمه السابق فيه لا على علمه المجدد وهذا العلم يظهر معلومه في الدار الآخرة. وفي قوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين": إشارة إلى أنه سبحانه كان يعلم ما كانوا عاملين لو عاشوا، وأن من يطيعه وقت الامتحان كان ممن يطيعه لو عاش في الدنيا، ومن يعصيه حينئذ كان ممن يعصيه لو عاش في الدنيا فهو دليل على تعلق علمه بما لم يكن لو كان كيف كان يكون. .. والله أعلم. أ. هـ " حاشية ابن القيم على سنن أبي داود " (٧/٨٧) . = وما جاء في بعض الأحاديث السابقة أنهم في الجنة أو النار لا يشكل على ما رجحناه، قال ابن كثير ﵀: أحاديث الامتحان أخص منه فمن علم الله منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا على الفطرة ومن علم منه أنه لا يجيب فأمره إلى الله تعالى ويوم القيامة يكون في النار كما دلت عليه أحاديث الامتحان ونقله الأشعري عن أهل السنة. أ. هـ " التفسير " (٣ / ٣٣) . = وما جاء من قوله ﷺ " الله أعلم بما كانوا عاملين ": لا يدل على التوقف فيهم. قال ابن القيم ﵀: وفيما استدلت به هذه الطائفة نظر والنبي ﷺ لم يُجِب فيهم بالوقف وإنما وكل علم ما كانوا يعملونه لو عاشوا إلى الله وهذا جواب عن سؤالهم كيف يكونون مع آبائهم بغير عمل وهو طرف من الحديث .... والنبي ﷺ وَكَل العلم بعملهم إلى الله، ولم يقل الله أعلم حيث يستقرون أو أين يكونون، فالدليل غير مطابق لمذهب هذه الطائفة. أ. هـ " حاشية ابن القيم على سنن أبي داود " (٧/ ٨٥) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 381

لماذا النساء في النار أكثر من الرجال [السُّؤَالُ] ـ[لماذا عدد النساء أكبر من عدد الرجال في جهنم؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ثبت عن النبي ﷺ أن النساء هن أكثر أهل النار فعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاء) َ. رواه البخاري ٣٢٤١ ومسلم ٢٧٣٧. أما سبب ذلك فقد سُئل عنه النبي ﷺ وبَيَّن الجواب: فعَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قال قال رسول الله ﷺ : (َأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ) قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (بِكُفْرِهِنَّ) قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ، قَالَ: (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) رواه البخاري ١٠٥٢. وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِير مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ) قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ) قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: (فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ) قُلْن َ: بَلَى، قَالَ: (فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) رواه البخاري ٣٠٤. وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ يَوْمَ الْعِيدِ فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلالٍ فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ فَقَالَ: (تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ) فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ. رواه مسلم ٨٨٥. وينبغي على الأخوات المؤمنات اللاتي يعلمن بهذا الحديث أن يكون تصرفهن كتصرف هؤلاء الصحابيات اللاتي لما علمن بهذا عملن من الخير ما يكون بإذن الله سبباً في إبعادهن من أن يدخلن ضمن هؤلاء الأكثر. فنصيحتنا للأخوات الحرص على التمسك بشعائر الإسلام وفرائضه لاسيما الصلاة والبعد عما حرمه الله وبخاصة الشرك بصوره المتعددة التي تنتشر في أوساط النساء مثل طلب الحاجات من غير الله وإتيان السحرة والعرافين ونحو ذلك. نسأل الله أن يبعدنا وجميع إخواننا وأخواتنا عن النار وما قرّب إليها من قول أو عمل. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 382

كيف يعذب إبليس بالنار وهو مخلوق منها ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل إبليس سوف يدخل النار؟ وكيف يدخل النار وهو مخلوق من نار؟ وهل هناك شيء يؤكد كيف سيعذب إبليس؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أمَّا أن إبليس سيدخل جهنم خالداً فيها: فهذا مما لا شك فيه، وقد ذكر الله تعالى مصيره في الآخرة في عدة آيات، ومنها: ١. قال تعالى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ... قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) الأعراف/١٢– ١٨. قال الطبري: وهذا قسم من الله جلّ ثناؤه، أقسم أن من اتبع من بني آدم عدوَّ الله إبليس وأطاعه: أن يملأ جهنم من جميعهم يعني: من كفرة بني آدم أتباع إبليس، ومن إبليس وذرّيته " انتهى باختصار وتصرف يسير. "تفسير الطبري" (٨/١٣٩) . ٢. وقال تعالى: (قَالَ يَا إِبلِيسُ مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ... إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ. لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) الحجر/٣٢– ٤٤. قال الشنقيطي ﵀: وكل آية فيها ذِكر إضلال إبليس لبني آدم بيَّن فيها أن إبليس وجميع من تبعه كلهم في النار كما قال هنا: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ. لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) . "أضواء البيان" (٣/١٣١) . ٣. وقال تعالى: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) ص/٨٤، ٨٥. ٤. وقال تعالى حاكياً قول الجن: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً. وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) الجن/١٤، ١٥. ثانياً: أما كيف يعذَّب إبليس في النار وقد خُلق من النار: فالجواب عنه: أنه لا يلزم من كون الجن خلقوا من نار أن يكونوا الآن ناراً، كما أن الإنس خلقوا من تراب وليسوا الآن تراباً. قال أبو الوفاء بن عقيل: " أضاف الشياطين والجان إلى النار حسب ما أضاف الإنسان إلى التراب والطين والفخار، والمراد به في حق الإنسان أن أصله الطين، وليس الآدمي طيناً حقيقة، لكنه كان طيناً، كذلك الجان كان ناراً في الأصل " انتهى. "لقط المرجان في أحكام الجان" (ص ٣٣) بواسطة "عالم الجن والشياطين" (ص ٥٨) . وإذا كان الإنس خلقوا من تراب وقليل منه يؤذيهم، وإن دفنوا تحته ماتوا، وإن ضربوا به (الفخار مثلا) جرحوا أو ماتوا، فكذلك ليس غريباً أن يكون الجن قد خلقوا من النار، ويعذبون بنار جهنم. والجن خلقهم الله تعالى من نار، ولكنهم ليسوا الآن ناراً، والأدلة على ذلك كثيرة، منها: ١. عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يصلي فأتاه الشيطان فأخذه فصرعه فخنقه، قال رسول الله ﷺ : (حتى وجدت برد لسانه على يدي، ولولا دعوة أخي سليمان ﵇ لأصبح موثقا حتى يراه الناس) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (٦ / ٤٤٢) ، وصححه ابن حبان (٦ / ١١٥) . ٢. عن أبي الدرداء ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك، قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر، ثلاث مرات، ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة. رواه مسلم (٥٤٢) . فمن هذين الحديثين يتبين لنا أن الجن الآن ليسوا ناراً؛ ويدل على ذلك: ما وجده رسول الله ﷺ من برد لسان الشيطان، كما في الحديث الأول، وأن الشيطان لو كان باقيًا على ناريته ما احتاج أن يأتي بشهاب ليجعله في وجه النبي ﷺ ، ولما استطاع الولدان أن يلعبوا به. ٣. ومن الأدلة – كذلك -: قول النبي ﷺ : (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) رواه البخاري (١٩٣٣) ومسلم (٢١٧٥) . ولو كان الشيطان ناراً لاحترق الإنسان؛ لأن الشيطان داخله، فتبين الفرق بين كون الشيطان ناراً وكونه مخلوقاً من نار. ولو كان الشيطان ناراً الآن –على سبيل الفرض- وأراد الله أن يعذبه بنار جهنم، فإن الله تعالى على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 383

ما صحة حديث إحياء أبوي النبي ﷺ ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما صحة الحديث القائل بإحياء أم النبي محمد ﷺ فآمنت به ثم ماتت؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لم يصح حديث في أن الله تعالى أحيا أبوي النبي ﷺ وأنهما آمنا به ثم ماتا، بل الأحاديث الصحيحة الثابتة تدل على أنهما ماتا على الكفر، وأنهما من أهل النار. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله عليه وسلم: (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي) رواه مسلم (٩٧٦) . وعن أنس بن مالك ﵁ أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ. فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ. رواه مسلم (٢٠٣) . ومما يدل على عدم صحة هذه الأحاديث: أن هذا الأمر لو وقع لاشتهر وانتشر، لأنه يكون آية عظيمة من آيات الله تعالى، فتتوفر الدواعي على نقلها. وقد حكم أئمة العلم المحققون على هذه الأحاديث الواردة بأنها موضوعة مكذوبة. عن عائشة ﵂ قالت: حجَّ بنا رسول الله ﷺ حجة الوداع، فمرَّ بي على عقبة الحجون وهو باكٍ حزين مغتم، فبكيتُ لبكاء رسول الله ﷺ ، ثم إنه نزل فقال: يا حميراء استمسكي، فاستند إلى البعير فمكث عني طويلاً، ثم إنه عاد إليَّ وهو فرح مبتسم، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، نزلت من عندي وأنت حزين مغتم فبكيت لبكائك، ثم إنك عدت إليّ وأنت فرح مبتسم، فعَمَ ذا يا رسول الله؟ فقال: ذهبت لقبر أمي آمنة فسألت الله أن يحييها فأحياها، فآمنت بي وردها الله . رواه ابن شاهين في " الناسخ والمنسوخ " والخطيب البغدادي في " السابق اللاحق " – كما قال السيوطي في " الحاوي " (٢ / ٤٤٠) -. قال ابن الجوزي: " هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم عديم العلم، إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافراً لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا؛ بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع، ويكفي رد هذا الحديث قوله تعالى: (فيمت وهو كافر) وقوله في الصحيح: (استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي) وقد كان أقوام يضعون أحاديث ويدسونها في كتب المغفلين فيرويها أولئك، قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: هذا حديث موضوع وأم رسول الله ﷺ ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة ودفنت هناك وليست بالحجون " انتهى. "الموضوعات" (١/٢٨٣) . الحجون: موضع بمكة. وقال الحافظ ابن كثير ﵀: " وأما الحديث الذي ذكره السهيلي وذكر أن في إسناده مجهولين إلى أبي الزناد عن عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سأل ربه أن يحيي أبويه، فأحياهما وآمنا به: إنه حديث منكر جدّاً، وإن كان ممكناً بالنظر إلى قدرة الله تعالى، لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضه " انتهى. "البداية " (٢/٢٦١) . وقال ملا علي القاري عن هذا الحديث: " موضوع، كما قال ابن دحية، وقد وضعت في هذه المسألة رسالة مستقلة " انتهى. "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" (ص ٨٣) . وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: هل صح عن النبي ﷺ : أن الله ﵎ أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟ فأجاب: " لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث ; بل أهل المعرفة متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قد روى في ذلك أبو بكر - يعني الخطيب - في كتابه "السابق واللاحق" وذكره أبو القاسم السهيلي في "شرح السيرة" بإسناد فيه مجاهيل، وذكره أبو عبد الله القرطبي في "التذكرة" وأمثال هذه المواضع، فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذباً، كما نص عليه أهل العلم، وليس ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث ; لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح، لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متدين، فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فإنه من أعظم الأمور خرقا للعادة من وجهين: من جهة إحياء الموتى، ومن جهة الإيمان بعد الموت. فكان نقل مثل هذا أولى من نقل غيره، فلما لم يروه أحد من الثقات عُلِم أنه كذب. ثم هذا خلاف الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع. قال الله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما) وقال: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار) . فبين الله تعالى: أنه لا توبة لمن مات كافراً. وقال تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) فأخبر أن سنته في عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس ; فكيف بعد الموت؟ ونحو ذلك من النصوص. . . " انتهى باختصار. "مجموع الفتاوى" (٤/٣٢٥) . وبعض أهل التصوف لم يستطع تصحيح هذه الأحاديث وفق القواعد الحديثية فصححها بالكشف! يقول البيجوري: " ولعل هذا الحديث - حديث إحياء والدي النبي ﷺ وإيمانهما ثم موتهما- صح عند أهل الحقيقة بطريق الكشف " انتهى. "جوهرة التوحيد" (ص ٣٠) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رادّاً على مثل هذا: " وعامة هؤلاء إذا خوطبوا ببيان فساد قولهم قالوا من جنس قول النصارى: هذا أمر فوق العقل! ويقول بعضهم: يثبت عندنا في الكشف ما يناقض صريح العقل " انتهى باختصار. "الجواب الصحيح" (٢/٩٢) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 384

لا يلزم من دخول أحد الزوجين الجنة أن يدخلها الآخر [السُّؤَالُ] ـ[هل صحيح أنه إذا دخل أحد الزوجين الجنة فإنه (أو إنها) سيدخل رفيقه الجنة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ليس بالضرورة أنه إذا دخل أحد الزوجين الجنة أن يدخل الآخر، ويكفي لتخطئة هذا القول مصير زوجة نوح ولوط ﵉، فهما في النار وزوجاهما من النبيين. قال الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) التحريم/١٠. قال ابن كثير: قال تعالى: ﴿ضرب الله مثلا للذين كفروا﴾ أي: في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم أن ذلك لا يجدي عنهم شيئاً ولا ينفعهم عند الله إن لم يكن الإيمان حاصلاً في قلوبهم، ثم ذكر المثل فقال ﴿امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبديْن من عبادنا صالحين﴾ أي: نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلا ونهارا يؤاكلانهما ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط، ﴿فخانتاهما﴾ أي: في الإيمان لم يوافقاهما على الإيمان ولا صدقاهما في الرسالة فلم يجد ذلك كله شيئاً ولا دفع عنهما محذوراً، ولهذا قال تعالى ﴿فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً﴾ أي: لكفرهما وقيل للمرأتين ﴿ادخلا النار مع الداخلين﴾ . " تفسير ابن كثير " (٤ / ٣٩٤) . لكن يرجى إن دخل واحد من الزوجين الجنة وكان في درجة أعلى من زوجه أو ذريته أن يلحقهم الله تعالى به. والذرية يستفيدون من صلاح آبائهم في ارتفاعهم معهم في الجنة إذا دخلوها قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) الطور/٢١. والله اعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 385

صفات الحور العين في الكتاب والسنة [السُّؤَالُ] ـ[ما وصف الحور العين مما ورد في الكتاب والسنة؟ والزوجة الصالحة في الدنيا ماذا يكون شكلها أو وصفها في الجنة إذا أراد الله لها الجنة؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن رضى الرحمن ودخول الجنان هو غاية ما يتمناه المؤمن والمؤمنة، فإذا خرج من الدنيا وقد فاز برضوان الله فليبشر بعد ذلك بالخير كله، فإذا دخل الجنة فلا يسأل بعد ذلك عن النعيم المقيم، الذي لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر، فيحصل له كل ما يتمناه بأحسن أحواله، وكل ما يطلبه مجاب، وكل ما يشتهيه في متناوله، ولا يمكن أبداً أن يجد ما يعكر صفوه لأنه في ضيافة الرحمن كما قال سبحانه: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) فصلت/٣١،٣٢. ومن أحسن ما تشتهيه الأنفس في الآخرة للرجال نساء الجنة، وهن الحور العين، وللنساء ما يقابله من النعيم، ومن حكمة الله العظيمة أن الله لم يذكر ما للنساء مقابل الحور العين للرجال، لأن ذلك من دواعي الخجل وشدة الحياء، فكيف يرغبهن في الجنة بما يثير حياءهن ويستحيين من ذكره والكلام فيه، فاكتفى سبحانه بالإشارة إليه كما في قوله: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ) فصلت/٣١. وقد جاء في كتاب الله تعالى وصف للحور العين في أكثر من موضع، ومن ذلك: ١. قوله تعالى في ذكر جزاء أهل الجنة: (وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) الواقعة/٢٢، ٢٣. قال السعدي ﵀: " أي: ولهم حور عين، والحوراء: التي في عينها كحل وملاحة، وحسن وبهاء، والعِين: حسان الأعين وضخامها، وحسن العين في الأنثى من أعظم الأدلة على حسنها وجمالها. (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) أي: كأنهن اللؤلؤ الأبيض الرطب الصافي البهي، المستور عن الأعين والريح والشمس، الذي يكون لونه من أحسن الألوان، الذي لا عيب فيه بوجه من الوجوه، فكذلك الحور العين، لا عيب فيهن بوجه، بل هن كاملات الأوصاف، جميلات النعوت. فكل ما تأملته منها لم تجد فيه إلا ما يسر الخاطر ويروق الناظر " انتهى. " تفسير السعدي " (ص ٩٩١) . ٢. قوله تعالى: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ) الرحمن/٥٨. قال الطبري ﵀: " قال ابن زيد في قوله (كأنهن الياقوت والمرجان) : كأنهن الياقوت في الصفاء , والمرجان في البياض، الصفاء صفاء الياقوتة، والبياض بياض اللؤلؤ " انتهى. " تفسير الطبري " (٢٧ / ١٥٢) . ٣. قوله تعالى في وصف نساء الجنة في سورة الواقعة: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا) الواقعة/٣٥-٣٧. قال ابن كثير ﵀: " قوله (عُرُباً) : قال سعيد بن جبير عن ابن عباس يعني: متحببات إلى أزواجهن، وعن ابن عباس: العُرُب العواشق لأزواجهن , وأزواجهن لهن عاشقون......... وقوله (أَتْرَابا) قال الضحاك عن ابن عباس يعني: في سن واحدة ثلاث وثلاثين سنة........ وقال السدي: (أترابا) أي: في الأخلاق المتواخيات بينهن ليس بينهن تباغض ولا تحاسد، يعني: لا كما كن ضرائر متعاديات " انتهى. " تفسير ابن كثير " (٤ / ٢٩٤) . وقال الحافظ ابن حجر: عن مجاهد في قوله (عُرُباً أتراباً) قال: هي المحببة إلى زوجها. " فتح الباري " (٨ / ٦٢٦) . ٤. وقال تعالى في وصفهن: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ) الرحمن/٧٠. قال ابن القيم: ووصفهن بأنهن خيرات حسان وهو جمع خَيْرة وأصلها خَيّرة وهي التي قد جمعت المحاسن ظاهرا وباطنا , فكمل خلقها وخلقها فهن خيرات الأخلاق , حسان الوجوه. " روضة المحبين " (ص ٢٤٣) . ٥. ووصفهن بالطهارة فقال: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة/٢٥. قال ابن القيم: ووصفهن بالطهارة فقال: (ولهم فيها أزواج مطهرة) طهرن من الحيض والبول والنجو (الغائط) وكل أذى يكون في نساء الدنيا، وطهرت بواطنهن من الغيرة وأذى الأزواج وتجنيهن عليهم وإرادة غيرهم. " روضة المحبين " (ص ٢٤٣، ٢٤٤) . ٦. ووصفهن تعالى بأنهن قاصرات أطرافهن عن غير أزواجهن فقال: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) الرحمن/٥٦، وقال: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) الرحمن/٧٢. قال ابن القيم: ووصفهن بأنهن (مقصورات في الخيام) أي: ممنوعات من التبرج والتبذل لغير أزواجهن، بل قد قُصِرْن على أزواجهن، لا يخرجن من منازلهم، وقَصَرْنَ عليهم فلا يردن سواهم، ووصفهن سبحانه بأنهن (قاصرات الطرف) وهذه الصفة أكمل من الأولى، فالمرأة منهن قد قصرت طرفها على زوجها من محبتها له ورضاها به فلا يتجاوز طرفها عنه إلى غيره. " روضة المحبين " (ص ٢٤٤) . هذا طرف من ذكرهن في القرآن، وقد جاء في السنة ما تحار فيه العقول في وصف جمالهن وحسنهن، ومن ذلك: ١. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر , ثم الذين يلونهم كأشد كوكب دري في السماء إضاءة , قلوبهم على قلب رجل واحد لا اختلاف بينهم ولا تباغض , لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين , يرى مخ سوقهن من وراء العظم واللحم من الحسن) رواه البخاري (٣٠٨١) ومسلم (٢٨٣٤) . قال ابن حجر ﵀: الحور التي يحار فيها الطرف يبان مخ سوقهن من وراء ثيابهن , ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون. " فتح الباري " (٨ / ٥٧٠) . ٢. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما , ولملأت ما بينهما ريحا , ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري (٢٦٤٣) . فلو أطلت بوجهها لأضاءت ما بين السماء والأرض، فأي نور وجمال في وجهها! وطيبُ ريحها يملأ ما بين السماء والأرض، فما أجمل ريحها! وأما لباسها؛ فإن كان المنديل الذي تضعه على رأسها خير من جمال الدنيا وما فيها من متاع وروعة وطبيعة خلابة وقصور شاهقة وغير ذلك من أنواع النعيم، فسبحان خالقها ما أعظمه، وهنيئا لمن كانت له وكان لها. ثانياً: وحال المؤمنة في الجنة أفضل من حال الحور العين وأعلى درجة وأكثر جمالا، وقد ورد في ذلك بعض الأحاديث والآثار ولكن لا يثبت منها شيء، ولكن المرأة الصالحة من أهل الدنيا إذا دخلت الجنة فإنما تدخلها جزاء على العمل الصالح وكرامة من الله لها لدينها وصلاحها، أما الحور التي هي من نعيم الجنة فإنما خلقت في الجنة من أجل غيرها وجعلت جزاء للمؤمن على العمل الصالح، وشتان بين من دخلت الجنة جزاء على عملها الصالح، وبين من خلقت ليُجَازَى بها صاحب العمل الصالح، فالأولى ملكة سيدة آمرة، والثانية على عظم قدرها وجمالها إلا أنها لا شك دون الملكة وهي مأمورة من سيدها المؤمن الذي خلقها الله تعالى جزاء له. سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل الأوصاف التي ذكرت للحور العين تشمل نساء الدنيا؟ فأجاب: الذي يظهر لي أن نساء الدنيا يكنَّ خيراً من الحور العين، حتى في الصفات الظاهرة، والله أعلم. " فتاوى نور على الدرب ". نسأل الله العظيم أن يؤتينا أفضل ما يؤتي عباده الصالحين. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 386

ماذا يحصل للمرأة في الجنة إذا كان زوجها من أهل النار ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لقد ذكر في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة العديد من الأذكار التي تصف ما سوف يجده المسلم الداخل إلى الجنة بإذن الله من ثواب ونعم وأخص بالذكر هنا الحور العين إضافة إلى أن يجمعه الله تعالى بزوجته إذا كانت من المؤمنات الصالحات. وسؤالي هو: ماذا ينتظر المرأة المؤمنة الصالحة الداخلة إلى الجنة خصوصا إذا كان الزوج غير صالح، ومن أصحاب جهنم والعياذ بالله؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله نسأل الله أن يجعلنا وإياك من أهل الجنة، مع سائر الأهل والأحبة. إذا دخل زوج المرأة معها الجنة، كان زوجَها هناك أيضا، أما إذا كان من أهل النار، أو كانت الفتاة لم تتزوج في الدنيا، فإنها تزوج برجل من أهل الجنة. سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ ما نصه: إذا كانت المرأة من أهل الجنة ولم تتزوج في الدنيا، أو تزوجت ولم يدخل زوجها الجنة فمن يكون لها؟ فأجاب: " الجواب يؤخذ من عموم قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) فصلت/٣١، ومن قوله تعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الزخرف/٧١، فالمرأة إذا كانت من أهل الجنة ولم تتزوج، أو كان زوجها ليس من أهل الجنة فإنها إذا دخلت الجنة فهناك من أهل الجنة من لم يتزوجوا من الرجال، وهم –أعني من لم يتزوجوا من الرجال- لهم زوجات من الحور، ولهم زوجات من أهل الدنيا إذا شاءوا واشتهت ذلك أنفسهم. وكذلك نقول بالنسبة للمرأة إذا لم تكن ذات زوج، أو كانت ذات زوج في الدنيا ولكنه لم يدخل معها الجنة أنها إذا اشتهت أن تتزوج فلابد أن يكون لها ما تشتهيه لعموم هذه الآيات " اهـ من مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ٢/٥٢ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 387

ما حكم رسم الفنان للجنة تخيلا [السُّؤَالُ] ـ[ما حكم رسم الفنان للجنة تخيلا بما وصفها الرسول صلى الله على وسلم؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يجوز، ولا يمكن لأن النبي ﷺ أخبر عن ربه في وصف الجنة: (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) . رواه البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٣٨٢٤) . وهذا الرسم يؤدي إلى التقليل والتهوين من نعيم الجنة فنكتفي بالوصف كما ورد في القرآن الكريم والسنة وكما عرضها النبي ﷺ على أصحابه، والله الموفق. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 388

حياة الآخرة لا فناء بعدها [السُّؤَالُ] ـ[هل سيعيش البشر إلى الأبد في الآخرة أم إلى أن يشاء الله؟ ما المعتقد الإسلامي في ذلك؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله كتب الله تعالى على هذه الدنيا الفناء، وكتب على أهلها الموت، قال تعالى ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن / ٢٦، ٢٧، وقال تعالى ﴿كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون﴾ العنكبوت / ٧٥. ثم يبعث الله تعالى العباد ويحييهم حياة أبدية لا نهاية لها، ويحاسبهم على أعمالهم فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء على إساءته، فينقسم الخلق قسمين فريق في الجنة، وفريق في السعير، فأهل الجنة خالدون فيها أبداً، وأهل النار من الكفار خالدون فيها كذلك أبداً. وقد جاءت الآيات والأحاديث الصحيحة مصرِّحة بهذا، ومنها: ١- قال تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا﴾ النساء / ٥٧. قال الطبري: ﴿خالدين فيها أبداً﴾ : يقول: باقين فيها أبداً، بغير نهاية ولا انقطاع، دائم ذلك لهم فيها أبداً. " تفسير الطبري " (٥ / ١٤٤) . ٢ - وقال: ﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم﴾ المائدة / ١١٩. ٣- وقال: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً﴾ النساء / ١٦٩. ٤- وقال: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً. خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيراً﴾ الأحزاب / ٦٤، ٦٥. ٥ - وقال تعالى: (إِلا بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) الجن / ٢٣ قال ابن كثير: ﴿خالدين فيها أبداً﴾ : أي: ماكثين مستمرين، فلا خروج لهم منها، ولا زوال لهم عنها. " تفسير ابن كثير " (٣ / ٥٢٠) . ٦- وأخبر الله تعالى عن الكفار أنهم لن يموتوا في النار ولن يحيون حياة طيبة، فقال: ﴿إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا﴾ طه / ٧٤، وقال ﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيا﴾ الأعلى / ١٣. قال القرطبي: ﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ : أي: لا يموت فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياة تنفعه. " تفسير القرطبي " (٢٠ / ٢١) . ٧-وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة﴾ وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا ﴿وهم لا يؤمنون﴾ . رواه البخاري (٤٤٥٣) ومسلم (٢٨٤٩) . وفي رواية ابن عمر في البخاري (٦١٨٢) ومسلم (٢٨٥٠) : " فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم ". قال ابن القيم: وهذا الكبش والإضجاع والذبح ومعاينة الفريقين ذلك: حقيقة، لا خيال ولا تمثيل كما أخطأ فيه بعض الناس خطا قبيحا، وقال: الموت عرَض، والعرَض لا يتجسَّم فضلا عن أن يذبح. وهذا لا يصح؛ فان الله سبحانه ينشئ من الموت صورة كبش يذبح، كما ينشئ من الأعمال صوراً معاينة يثاب بها ويعاقب، والله تعالى ينشئ من الأعراض أجساماً تكون الأعراض مادة لها، وينشئ من الأجسام أعراضاً، كما ينشئ من الأعراض أعراضاً، ومن الأجسام أجساماً، فالأقسام الأربعة ممكنة مقدورة للرب تعالى، ولا يستلزم جمعاً بين النقيضين، ولا شيئاً من المحال، ولا حاجة إلى تكلف من قال إن الذبح لملك الموت، فهذا كله من الاستدراك الفاسد على الله ورسوله والتأويل الباطل الذي لا يوجبه عقل ولا نقل وسببه قله الفهم لمراد الرسول.. " حادي الأرواح " (ص ٢٨٣، ٢٨٤) . ٨- وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " يدخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ، ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار لا موت، ويا أهل الجنة لا موت، خلود ". رواه البخاري (٦١٧٨) ومسلم (٢٨٥٠) . ٩- وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ينادي مناد (يعني في أهل الجنة) إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيَوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشِبُّوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، فذلك قوله ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ . رواه مسلم (٢٨٢٧) . فبادر أيها المسلم بالأعمال الصالحة في هذه الدنيا، فإنها أيام قلائل ثم تنتقل إلى حياة الأبد، فإما إلى جنة نعيمها لا ينفد، وإما إلى نار حرها إلى الأبد.. فالبدار البدار وإياك والتسويف فإن أكثر صياح أهل النار من سوف. جعلنا الله وإياك من أهل الجنة آمين. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 389

من هم اليهود والنصارى الذين يدخلون الجنة [السُّؤَالُ] ـ[كيف نجمع بين قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (وبين أن من لم يؤمن من اليهود والنصارى بالإسلام فلن يدخل الجنة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الآية التي أشرت إليها في سؤالك مذكورة في موضعين متشابهين من كتاب الله، فالأول هو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) سورة البقرة والثاني هو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ ءامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) سورة المائدة وحتى نفهم المراد من الآيتين فهما صحيحا فلا بدّ أن نرجع إلى علماء التفسير، قال الإمام الكبير إسماعيل بن كثير ﵀ في تفسير آية البقرة: نبه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاء الحسنى وكذلك الأمر إلى قيام الساعة كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلّفونه كما قال تعالى "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون".. فكان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى ﵇ حتى جاء عيسى فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا، وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد ﷺ فمن لم يتبع محمدا ﷺ منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا. (وقوله تعالى) "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين".. إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه به فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة فاليهود أتباع موسى ﵇ والذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.. فلما بعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له فأصحابه وأهل دينه هم النصارى.. فلما بعث الله محمدا ﷺ خاتما للنبيين ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق وجب عليهم تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر والانكفاف عما عنه زجر وهؤلاء هم المؤمنون حقا وسميت أمة محمد ﷺ مؤمنين لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية. ثم قال ﵀ في تفسير آية المائدة: والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله وباليوم الآخر وهو الميعاد والجزاء يوم الدين وعملت عملا صالحا ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا على ما تركوا وراء ظهورهم ولا هم يحزنون. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 390

ما هو مصير أختها التي عانت من امراض خطيرة ومؤلمة قبل الموت [السُّؤَالُ] ـ[توفيت أختي البالغة من العمر ١٤ عاماً وأنا أريد أن أعرف أين ذهبت هل الى الجنة أم الى النار حيث أنها عانت الكثير من أمراض عديدة ومن هذه الأمراض أن جسمها كان هشاً أي ينجرح بسهولة ويخرج منه الدم الذي اثر على جسمها داخلياً وخارجياً ولقد سبب لها ألماً كثيراً والعديد من العمليات وتضخم الكبد وسرطان الجلد وعانت في آخر أيامها من فشل كلوي وكانت على أجهزة تنظيف الكلى لمدة ٤ شهور وذلك تحت ألم شديد ومأساة موجعة. لقد كان موتها فجائياً.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله من عقيدة أهل السنة والجماعة ألا يُقطع لأحدٍٍ من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من شهد له الله أو رسوله بذلك، لأن الشهادة بذلك لأحد من الناس لا تعلم إلا من جهة الوحي. والوحي قد انقطع بموت النبي ﷺ ، ولا يعلم حقيقة الخواتم وخبايا النفوس إلا الله الذي خلقها. إلا أن المسلم الموحد لابد له من دخول الجنة إذا شهد الشهادتين وقام بحقوقهما، وقد يعذبه الله على ما اقترف من الذنوب وقد يعفو عنه، ولكن آخر أمره سيكون إلى الجنة ولابد تصديقا لوعد الله المبشر بذلك. وقد ثبت في النصوص أن من كان سنّه دون سن البلوغ من أطفال المسلمين أنه اذا مات يكون في رعاية نبي الله إبراهيم ﷺ وزوجته سارة وأنه يكون شفيعاً لوالديه يوم القيامه. وأما من عاش الى مابعد البلوغ فإنه يجازى بأعماله إن خيراً فخير وإلا فإنه يكون تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. وماذكرته الأخت السائلة من تعرض أختها- رحمها الله- إلى البلاء المذكور في سؤالها فلعله إن شاء الله رفعة لها في درجتها عند الله فالمؤمن لا يصيبه هم ولا حزن إلا كّفر الله له به من خطاياه. وقد ثبت في الأحاديث أن من مات بمرض بطنه "المبطون" أنه شهيد، وسيتمنى أهل العافية يوم القيامة عندما يرون ما لأهل البلاء من الأجر أن جلودهم قرضت في الدنيا بالمقاريض. ولذا فإننا نرجو لأختك إن ماتت وهي صابرة على ما أصابها مؤمنة بالله قائمة بما استطاعت من فرائضه أن لها عند الله أجراً عظيماً ومنزلة كريمة. نسأل الله أن يرحمنا وإياها إنه سميع مجيب. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد
следующие страницы →