← Фатава

Фатава · id 26332

موقع الإسلام سؤال وجواب

محمد صالح المنجد

Полный текст (16 344 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

دخول المسيح الدجال جميع البلاد إلا مكة والمدينة [السُّؤَالُ] ـ[هل سيطوف المسيح الدجال في كل أرجاء الكرة الأرضية أم أن الناس سيأتون إليه. وهل سيلاقيه كل البشر الأحياء عندما يخرج , وهل بإمكان البعض الفرار منه وعدم رؤيته , فأنا قرأت في بعض أحاديث النبي صلى لله عليه وسلم أن الناس سيفرون منه في الجبال.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يخرج المسيح الدجال من جهة المشرق، ثم يسير في الأرض فلا يدع بلدا إلا دخله، غير مكة والمدينة والمسجد الأقصى ومسجد الطور. وبذلك صحت الأحاديث. روى الترمذي (٢٢٣٧) عن أبي بكر الصديق ﵁ قال حدثنا رسول الله ﷺ قال " الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان ". والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي. وروى البخاري (١٨٨١) ومسلم (٢٩٤٣) عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كل كافر ومنافق ". وروى مسلم (٢٩٤٢) من حديث فاطمة بنت قيس، في قصة تميم الداري والجساسة، أن الدجال قال لهم: (وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرمتان علي كلتاهما كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها قالت قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة يعني المدينة ألا هل كنت حدثتكم ذلك فقال الناس نعم فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة ". وروى أحمد (٢٣١٣٩) أن النبي ﷺ قال: " أنذرتكم المسيح وهو ممسوح العين قال أحسبه قال اليسرى يسير معه جبال الخبز وأنهار الماء علامته يمكث في الأرض أربعين صباحا يبلغ سلطانه كل منهل لا يأتي أربعة مساجد الكعبة ومسجد الرسول والمسجد الأقصى والطور " والحديث صححه شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند. وقد جاء الأمر بالنأي عن الدجال عند خروجه خشية الافتتان بما معه من الشبهات والخوارق، فإن الرجل يأتيه وهو يظن في نفسه الإيمان والثبات فيتبعه. روى أبو داود (٤٣١٩) وأحمد (١٩٨٨٨) عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: "من سمع بالدجال فلينأ عنه فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات أو لما يبعث به من الشبهات " والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود. وهذا الحديث دليل على أنه يمكن الفرار منه، وقد أمر النبي ﷺ من أدركه أن يقرأ عليه فواتح سورة الكهف. رواه مسلم (٢٩٣٧) . قال الطيب: معناه أن قراءته أمان له من فتنته. زاد أبو داود (٤٣٣١) : (فإنها جِوارُكم من فتنته) صحيح أبي داود (٣٦٣١) نسأل الله أن يقينا شره، وأن يعيذنا من فتنته. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 457

الدجال والدابة ويأجوج ومأجوج [السُّؤَالُ] ـ[هل يمكن إعطاؤنا نبذة عن الدجال والدابة ويأجوج ومأجوج؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فيما يلي وصف مختصر من الكتاب والسنة الصحيحة عن النبي ﷺ بشأن هذه العلامات الثلاث من أشراط الساعة الكبرى التي تكون في آخر الزمان قبيل قيام الساعة. الدجال: إنسان خلقه الله، يخرج في آخر الزمان من غضبة يغضبها، يعيث في الأرض فسادا ويدّعي الألوهية، ويدعو الناس لعبادته، يفتن الناس بما أعطاه الله من الخوارق كإنزال المطر وإحياء الأرض بالنبات وإخراج كنوزها، وهو شاب أحمر قصير جعد الرأس أعور ممسوح العين اليمنى والأخرى عليها قطعة لحم غليظة مكتوب بين عينيه كافر، عامة من يتبعه من اليهود تكون نهايته على يد عيسى بن مريم بن مريم الذي يقتله بحربة في بلدة اللدّ بأرض فلسطين. يأجوج ومأجوج: قبيلتان كافرتان من ذرية آدم عراض الوجوه صغار العيون كانوا يفسدون في الأرض فسخّر الله ذا القرنين فبنى سدا حبسهم فلا يزالون يحفرونه حتى يأذن الله بخروجهم في آخر الزمان بعدما يقتل عيسى ﵇ الدجال، فيخرجون بأعدادهم الهائلة فيشربون بحيرة طبرية ويُفسدون في الأرض ولا طاقة لأحد بمواجهتهم فينحاز عيسى ﵇ والمؤمنون معه إلى جبل الطّور حتى يُهلك الله يأجوج ومأجوج بدود يأكل أعناقهم ويرسل الله طيرا ترمي بجثثهم في البحر ومطرا يغسل الأرض من نتنهم. الدابة: مخلوقة عظيمة يخرجها الله عند فساد الناس تكلمهم وتعظهم تعقل وتنطق وتسم الناس على أنوفهم وسما وعلامة تميز المؤمن منهم من الكافر. لمزيد من التفاصيل والأدلة يراجع كتاب أشراط الساعة ليوسف الوابل أو كتاب القيامة الكبرى لعمر الأشقر ووظيفة المسلم الإيمان والتصديق بما ورد عن الله ورسوله، وكم خلق الله ويخلق في هذا العالم من العجائب والغرائب الدالة على قوته وقدرته جلّ وعلا. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 458

هل المهدي حقيقة أم لا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل الحديث الذي يخبر عن قدوم المهدي صحيح أم لا؟ وذلك لأن أحد أصدقائي أخبرني أنه ليس بصحيح وأنه ضعيف.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لقد جاءت الأحاديث الصحيحة الدالة على ظهور المهدي ﵇، وأنّه سيكون في آخر الزمان وهو علامة من علامات الساعة وشرط من أشراطها ومن هذه الأحاديث: ١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يخرج في آخر أمتي المهدي يسقيه الله الغيث وتخرج الأرض نباتها ويعطي المال صحاحاً وتكثر الماشية وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانياً يعني حجاجاً (أي سنين) ". مستدرك الحاكم ٤/٥٥٧-٥٥٨ وقال: ﴿هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه﴾ ، ووافقه الذهبي. وقال الألباني: ﴿هذا سند صحيح رجاله ثقات﴾ ، سلسة الأحاديث الصحيحة مجلد ٢ ص٣٣٦ح٧٧١. ٢) وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة ". مسند أحمد ٢/٥٨ ح ٦٤٥ تحقيق أحمد شاكر وقال: ﴿إسناده صحيح﴾ وسنن ابن ماجه ٢/١٣٦٧. والحديث صححه أيضاً الألباني في صحيح الجامع الصغير ٦٧٣٥ قال ابن كثير: ﴿أي يتوب عليه ويوفقه، ويلهمه ويرشده بعد أن لم يكن كذلك﴾ . النهاية في الفتن والملاحم ١/٢٩ تحقيق: طه زيني. ٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْمَهْدِيُّ مِنِّي أَجْلَى الْجَبْهَةِ (انحسار الشَّعر عن مقدّمة الجبهة) أَقْنَى الأَنْفِ (أي أنفه طويل رقيق في وسطه حدب) يَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ ". سنن أبي داود - كتاب المهدي ١١/٣٧٥ ح ٤٢٦٥. ومستدرك الحاكم ٤/٥٥٧ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وهو في صحيح الجامع ٦٧٣٦ ٤) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " يَقُولُ الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي (أي من نسبي وأهل بيتي) مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ ". سنن أبي داود ١١/٣٧٣. وسنن ابن ماجه ٢/١٣٦٨، وقال الألباني في صحيح الجامع: ﴿صحيح﴾ ٦٧٣٤ ٥) وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي تعال صل بنا، فيقول: لا إن بعضهم أمير بعض تكرمة الله لهذه الأمة ". والحديث في صحيح مسلم بلفظ: ".. فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا فَيَقُولُ لا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةَ. " رواه مسلم ٢٢٥ ٦) وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " منا الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه ". رواه أبو نعيم في أخبار المهدي وقال الألباني: " صحيح " انظر الجامع الصغير ٥/٢١٩ ح٥٧٩٦. ٧) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لا تَذْهَبُ أَوْ لا تَنْقَضِي الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي " مسند أحمد ٥/١٩٩ ح ٣٥٧٣. وفي رواية: " يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي ". سنن أبي داود ١١/٣٧٠. وقد تواترت الأحاديث بظهور المهدي تواتراً معنوياً، كما نصَّ على ذلك بعض الأئمة والعلماء وفيما يلي ذكر طائفة من أقوالهم: ١. قال الحافظ أبو الحسن الآبري: ﴿قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأن عيسى ﵇ يخرج فيساعده على قتل الدجال وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه﴾ . ٢. وقال محمد البرزنجي في كتابه الإشاعة لأشراط الساعة: ﴿الباب الثالث في الأشراط العظام والأمارات القريبة التي تعقبها الساعة وهي كثيرة منها المهدي وهو أولها، وأعلم أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر﴾ . وقال أيضاً: ﴿قد علمت أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان وأنه من عترة رسول الله ﷺ من ولد فاطمة ﵍ بلغت حد التواتر المعنوي فلا معنى لإنكارها﴾ . ٣. وقال العلامة محمد السفاريني: ﴿وقد كثرت بخروجه - أي المهدي - الروايات حتى بلغت التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم﴾ . ثم ذكر طائفة من الأحاديث والآثار في خروج المهدي وأسماء بعض الصحابة ممن رواها ثم قال: ﴿وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم ﵃ بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم ما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومُدوَّن في عقائد أهل السنة والجماعة﴾ . ٤. وقال العلامة المجتهد الشوكاني: ﴿الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يَصْدُق وصف التواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضاً لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك﴾ . ٥. وقال العلامة الشيخ صدبق حسن خان: ﴿الأحاديث الواردة فيه - أي المهدي - على اختلاف رواياتها كثيرة جداً تبلغ حد التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد﴾ . ٦. وقال الشيخ محمد بن جعفر الكتاني: ﴿والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة وكذا الواردة في الدجال وفي نزول سيدنا عيسى بن مريم ﵉﴾ أنظر كتاب أشراط الساعة لـ/ يوسف بن عبد الله الوابل، ص ١٩٥ -٢٠٣. هذا وينبغي العلم بأنّ عددا من الكذّابين قد وضعوا أحاديث في المهدي ﵇ أو في تعيين أشخاص من الكذّابين على أنّهم المهدي أو أنّه على غير ملّة أهل السنّة والجماعة، كما حاول ادّعاء المهدوية عدد من الدّجالين مخادعة لعباد الله ولنيل شيء من حُطام الدّنيا ولتشويه صورة الإسلام وقام بعضهم بحركات وثوْرات وجمعوا من استغفلوهم من النّاس أو ساروا معهم منتفعين ثمّ هلك أولئك وتبيّن كذبهم وانكشف زيفهم ونفاقهم، وكلّ ذلك لا يضرّ بمعتقد أهل السنّة والجماعة في المهديّ ﵇ وأنّه خارج لا محالة ليحكم الأرض بشريعة الإسلام. والله تعالى أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 459

هل يمكن خروج الدجال أو عيسى أو المهدي في زمننا [السُّؤَالُ] ـ[قرأت الكثير من العلامات عن ظهور المهدي والدجال والمسيح عيسى، وعلامات كثيرة من التي تنبأ بها الرسول ﷺ ، وقد أذهلتني هذه العلامات حيث أنها أتت حقيقة أو أنها تتحقق الآن. وبالذات علامات مثل تقارب الزمان، وكثرة شرب الخمر، وازدياد الزنا وانتشار الغناء ... وغيرها الكثير سؤالي هو: هل تظن أن ظهور أحد الثلاثة المذكورين " المهدي، الدجال، عيسى " قريب جدا، وأنه سيحدث في فترة حياتنا؟ وجزاك الله خيرا]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ظهور العلامات الثلاث " المهدي، الدجال، نزول عيسى ﵇ " متحقق وواقع كما دلت على ذلك الأدلة الصحيحة، وهذه العلامات الثلاث ظهورها متقارب فيما بينها فإن عيسى ﵇ يصلي خلف المهدي، كما أن عيسى يقتل الدجال كما جاء في الأحاديث الصحيحة، أما عن وقت وقوعها فالله سبحانه هو أعلم بذلك، وأمّا كون ذلك سيقع قريبا فإنّ النصوص الشرعية تدل على ذلك لكن هل هو في حياتنا أم بعد ذلك فهذا غيب لا يعلمه إلا الله، وعلى المسلم أن يستعيذ بالله من الفتن عموما وفتنة الدجال خصوصا وأن يدعو الله في السر والعلن أن يثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 460

ما الحكمة من كتابة الله تعالى لمقادير الخلق في اللوح المحفوظ وهو لا يضل ولا ينسى ؟ [السُّؤَالُ] ـ[كنت في السابق ملحدة، وكانت تأتيني بعض الشبَه، ولم أكن أجد لها جواباً، ومنها: لماذا كَتب الله كل شيء في اللوح المحفوظ مع أن الله لا يضل ولا ينسى، فكيف هذا؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: يعتقد المسلم الذي آمن بالله تعالى ربّاً أنه ﵎ الحكيم في فعله، وشرعه، وحُكمه , ويعتقد المسلم أنه ثمة حكَماً جليلة في أفعاله، وتشريعاته، منها ما يُعرف , ومنها ما استأثر الله بعلمه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الحمد لله رب العالمين، قد أحاط ربنا بكل شيء علماً، وقدرةً، وحُكماً , ووسع كل شيء رحمةً، وعلماً، فما من ذرة في السموات والأرض، ولا معنى من المعاني، إلا وهو شاهد لله تعالى بتمام العلم والرحمة، وكمال القدرة والحكمة , وما خلق الخلق باطلاً , ولا فعل شيئاً عبثاً، بل هو الحكيم في أفعاله وأقواله، ، ثم من حكمته ما أطلع بعض خلقه عليه، ومنه ما استأثر سبحانه بعلمه. " الفتاوى الكبرى " (٨/١٩٧) . وينظر: " شفاء العليل " لابن القيم (ص ١٩٠) . وكثير من الحكَم والمقاصد استأثر الله بعلمها وحكمتها، وانظر جواب السؤال رقم: (٩٦٠٣) ففيه زيادة بيان مهمة. ثانياً: مما لا شك فيه: أن الله علِم ما يكون من الخلق، فكتب ذلك في اللوح المحفوظ , فعلمه تعالى سابق على كتابته، وقد ذكر العلماء أن القدر له أربع مراتب: العلم، ثم الكتابة، ثم المشيئة، ثم الخلق – وانظر جواب السؤال رقم: (٤٩٠٠٤) -. فالمرتبة الثانية من مراتب القدَر: كتابة مقادير كل شيء، فالمخلوقات مهما عظم شأنها، أو دق: قد كتب الله ما يخصها في اللوح المحفوظ، من خلق وإيجاد ونشأة وإعداد وإمداد، إلى غير ذلك، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الحج/ ٧٠، وقال: (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) النمل/ ٧٥، وقال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) فاطر/ ١١، والآيات في ذلك كثيرة. وقد يقال في حكمة ذلك أمور، منها: ١. إثبات علم الله السابق على تلك الكتابة، وأنه علم لا يتبدل، ولا يتغير، وهو جواب موسى ﵇ في حواره مع فرعون حيث سأل فرعون عن القرون السابقة ما حالهم هل هم في النار أم لا، فأجابه موسى أن علم حالهم عند الله، وهو في اللوح المحفوظ، وأعلمه أن وجود ذلك العلم في اللوح هو مع اتصاف ربه تعالى بالاستغناء عنه، وأنه سبحانه لا يتصف بالنسيان، ولا بالخطأ، كما هو حال البشر، قال تعالى: (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى. قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) طه/ ٥١، ٥٢. ٢. تطمين العبد المسلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ففيه التسليم لقضاء الله، والرضى بقدره. قال الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الحديد/٢٢. قال أبو حيان ﵀: " ثم بين تعالى الحكمة في إعلامنا بذلك الذي فعله من تقدير ذلك، وسبق قضائه به فقال: ﴿لكيلا تأسوا﴾ : أي تحزنوا، ﴿على ما فاتكم﴾ ، لأن العبد إن أعلم ذلك سلم، وعلم أن ما اته لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، فلذلك لا يحزن على فائت، لأنه ليس بصدد ألا يفوته، فهون عليه أمر حوادث الدنيا بذلك، إذ قد وطن نفسه على هذه العقيدة " انتهى من "البحر المحيط" (١٠/٢٣٨) . وقد أشار صحابي جليل إلى هذه الحكمة، فعَنْ أَبِي حَفْصَةَ قَالَ: قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي) . رواه أبو داود (٤٧٠٠) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". ٣. وفيه بيان لمشيئة الله النافذة التي لا راد لها، ولا معقب لحكمه. وإليه الإشارة في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَاّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَاّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) . رواه الترمذي (٢٥١٦) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". ٤. إثبات عظيم قدرة الله، وكماله، وإقامة الحجة على الخلق. ومما لا شك فيه أن كتابة مقادير الخلائق، وصفاتها، وأحوالها، صغيرها وكبيرها، رطبها ويابسها: أمر عظيم، وقد بيَّن الله تعالى أنه عليه يسير؛ إثباتاً لعظيم صفاته، وكمال جلاله، قال تعالى: (أَلمْ تَعْلمْ أَنَّ اللهَ يَعْلمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ) الحج/ ٧٠، وقال الله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) الأنعام/٥٩. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: " هذه الآية العظيمة من أعظم الآيات تفصيلا لعلمه المحيط، وأنه شامل للغيوب كلها التي يطلع منها ما شاء من خلقه، وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، فضلا عن غيرهم من العالمين، وأنه يعلم ما في البراري والقفار من الحيوانات والأشجار، والرمال والحصى والتراب، وما في البحار من حيواناتها ومعادنها وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها. ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ من أشجار البر والبحر، والبلدان والقفر، والدنيا والآخرة ﴿إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ﴾ من حبوب الثمار والزروع، وحبوب البذور التي يبذرها الخلق؛ وبذور النوابت البرية التي ينشئ منها أصناف النباتات. ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾ هذا عموم بعد خصوص. ﴿إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ، قد حواها واشتمل عليها، وبعض هذا المذكور، يبهر عقول العقلاء، ويذهل أفئدة النبلاء، فدل هذا على عظمة الرب العظيم وسعته في أوصافه كلها، وأن الخلق -من أولهم إلى آخرهم- لو اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض صفاته لم يكن لهم قدرة ولا وسع في ذلك، فتبارك الرب العظيم، الواسع العليم، الحميد المجيد، الشهيد المحيط، وجل مِنْ إله، لا يحصي أحد ثناء عليه، بل كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده. فهذه الآية دلت على علمه المحيط بجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الحوادث ". انتهى. "تفسير السعدي" (٢٥٩) . ٥. ومن حكَم الكتابة في اللوح المحفوظ: تعليم الخلق الكتابة، والتدوين، وأنه إذا كان الخالق المتصف بصفات الجلال، والكمال، والمنزه عن الخطأ والنسيان قد كتب علمه ودوَّنه: فالإنسان صاحب النسيان والخطأ أولى بالكتابة. قال القرطبي – ﵀ – في تفسير آية سورة " طه " (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) -: هذه الآية ونظائرها - مما تقم، ويأتي - تدل على تدوين العلوم، وكتْبها؛ لئلا تُنسى، فإنَّ الحفظ قد تعتريه الآفات، من الغلط، والنسيان، وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع، فيقيده؛ لئلا يذهب عنه، وروِّينا بالإسناد المتصل عن قتادة أنه قيل له: أنكتب ما نسمع منك؟ قال: وما يمنعك أن تكتب، وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب، فقال: (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) ... . " تفسير القرطبي " (١١ / ٢٠٥، ٢٠٦) . وبعد، فلتعلمي – أيتها الأخت السائلة – أنه لا ينبغي لك أن تشتغلي بالشبهات، والانسياق وراءها، ودين الله تعالى فيه من الآيات البينات ما لا يخفى على عاقل، فانشغلي بطلب العلم، وقراءة القرآن، وتدبر آياته، واقرئي كتب أهل العلم الراسخين، ولا تنشغلي بالوساوس، والشبهات؛ فإنها مهلكات، فإذا قوي إيمانكِ، ورسخ علمكِ: صار قلبك أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ!! واحمدي الله تعالى أن نجاك من الإلحاد، واستعيني بالله ربك على ثبات دينكِ، والفوز بمرضاته تعالى. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 461

تفسير حديث (لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين) [السُّؤَالُ] ـ[أولا أود أن أشكرك على ما تقدمه من عمل وجهد على هذا الموقع، فلقد استفدت منه كثيرا، والحمد لله، وجزاك الله خيرا. سؤالي يتعلق بحديث قرأته في تفسير ابن كثير، في تفسيره للآية الواحدة والخمسين من سورة القلم، والحديث يقول: (نَعَمْ فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْن) وسؤالي هو: إذا كان الله قد قدر لكل مخلوق ما سيكون، وحفظ ذلك في اللوح المحفوظ، وأن ما قدره سيحدث بكل تأكيد، فكيف تتفوق العين الشريرة على القدر؟ هل المقصود من هذا هو التأكيد على قوة العين الشريرة؟ أرجو أن يكون السؤال واضحا. وجزاك الله خيرا.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذا الحديث رواه الإمام مسلم (٢١٨٨) في صحيحه عن عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) . وروى الترمذي (٢٠٥٩) عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ الْعَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) وصححه ابن عبد البر في "الاستذكار" (٧/٤٠٩) ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (١٢٥٢) . وليس في هذا الحديث ما يدل على معارضة العين لقدر الله ، بل هي من القدر، وكل ما يصيب الناس من مصائب وابتلاءات إنما هي من أقدار الله، ولكن الحديث جرى مجرى المبالغة في إثبات أثر العين، كي يندفع ما في قلوب بعض الناس من الشك في تأثير العين على الإنسان، ففي هذا الحديث إثبات أثر العين، وتأكيد ذلك بأسلوب المبالغة في سرعة التأثير وقوته، وفيه أيضا إثبات أن العين من قدر الله. قال القرطبي ﵀: " (ولو كان شيء سبق القدر لسبقته العين) : هذا تحقيق لإصابة العين، ومبالغة فيه تجري مجرى التمثيل، لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء، فإن القدر عبارة عن سابق علم الله تعالى ونفوذ مشيئته، ولا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وإنما هذا خرج مخرج قولهم: لأطلبنك ولو تحت الثرى. أو: لو صعدت إلى السماء، ونحوه مما يجري هذا المجرى، وهو كثير" انتهى بتصرف يسير. "المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم" (٥/٥٦٦) . وقال ابن عبد البر ﵀: "وفي قوله ﷺ : (لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين) دليل على أن المرء لا يصيبه إلا ما قدر له، وأن العين لا تسبق القدر، ولكنها من القدر" انتهى. "التمهيد" (٦/٢٤٠) . وقال أيضا ﵀: "وفي قوله: (لو سبق شيء القدر لسبقته العين) دليل على أن الصحة والسقم قد علمهما الله تعالى، وما علم فلا بد من كونه على ما علمه، لا يتجاوز وقته، ولكن النفس تسكن إلى العلاج والطب والرقى وكل سبب من أسباب قدر الله وعلمه" انتهى. "الاستذكار" (٨/٤٠٣) . وقال القاضي عياض ﵀: " (لو سبق شيء القدر سبقته العين) : بيان أن لا شيء إلا ما قدره الله، وأن كل شيء من عين وغيره إنما هو بقدر الله ومشيئته، لكن فيه صحة أمر العين وقوة دائه" انتهى. "إكمال المعلم" (٧/٨٥) . قال النووي ﵀: " (ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين) فيه إثبات القدر، وهو حق بالنصوص وإجماع أهل السنة، ومعناه أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى، ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى، وسبق بها علمه، فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى" انتهى. "شرح مسلم" (١٤/١٧٤) . وقال أبو الوليد الباجي ﵀: " (لو سبق القدر شيء لسبقته العين) يقتضي أنه لا يسبق اقدر شيء ... لكن لما كان تأثير العين تأثيرا متواليا بينا قال فيه ﷺ هذا القول على معنى المبالغة فيه" انتهى. "المنتقى شرح الموطأ" (٧/٢٥٨) . وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين، لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء، إذ القدر عبارة عن سابق علم الله، وهو لا راد لأمره، أشار إلى ذلك القرطبي، وحاصله: لو فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين، لكنها لا تسبق، فكيف غيرها؟! " انتهى. "فتح الباري" (١٠/٢٠٣-٢٠٤) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 462

يحتج بالقدر عند المعصية ويقول: " الله غالب " [السُّؤَالُ] ـ[في بلدنا كثيرا ما نقول كلمة "الله غالب"، وقد يكون ذلك في سياق الاحتجاج على عدم فعل أمر ما، فمثلا تقول لشخص لماذا لم تفعل كذا وكذا؟ فيجيب الله غالب، تقول لماذا لم توف بعهدك؟ فيجيب الله غالب، فما حكم هذه الكلمة؟ خاصة في ذلك السياق؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يقول الله : (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يوسف / ٢١ قال ابن كثير: " أي إذا أراد شيئا فلا يُرَد ولا يمانع ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه. قال سعيد بن جبير: أي: فعال لما يشاء " انتهى. "تفسير ابن كثير" (٤ / ٣٧٨) . وقال الشيخ السعدي ﵀: " أي: أمره تعالى نافذ، لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) فلذلك يجري منهم، ويصدر ما يصدر، في مغالبة أحكام الله القدرية، وهم أعجز وأضعف من ذلك " انتهى. "تفسير السعدي" (ص ٣٩٥) . وهذا كقوله تعالى: (وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ) الأنعام/ ١٨، ونحو ذلك. فقول القائل: " الله غالب " متى قصد به وصف الله بالغلبة والقدرة، والعزة والقهر، فقد وصف الله بما هو أهله. أما إن قصد به الاحتجاج لنفسه عند التقصير أو العصيان فهو من الاحتجاج بالقدر، والقدر إنما يحتج به على المصائب لا المعائب. قال شيخ الإسلام ﵀: " الْقَدَرَ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١ /١٥٥) . وقال أيضا: " وَلَمَا كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ بَاطِلًا فِي فِطَرِ الْخَلْقِ وَعُقُولِهِمْ: لَمْ تَذْهَبْ إلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ، وَلَا هُوَ مَذْهَبُ أَحَدٍ مِنْ الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ يَطْرُدُونَ قَوْلَهُمْ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةُ أَحَدٍ لَا فِي دُنْيَاهُ وَلَا آخِرَتِهِ " انتهى. "مجموع الفتاوى" (١ / ١٦٧) . وقال الشيخ السعدي ﵀: " كل عاقل لا يقبل الاحتجاج بالقدر، ولو سلكه في حالة من أحواله لم يثبت عليها قدمه. وأما شرعا، فإن الله تعالى أبطل الاحتجاج به، ولم يذكره عن غير المشركين به المكذبين لرسله " انتهى. "تفسير السعدي" (١ / ٧٦٣) . وقد روى مسلم (٢٦٦٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) . قال شيخ الإسلام ﵀: " فأمره إذا أصابته المصائب أن ينظر إلى القدر ولا يتحسر على الماضي، بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، فالنظر إلى القدر عند المصائب والاستغفار عند المعائب " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٨/ ٧٧) . وقال أيضا: " فإن الإنسان ليس مأمورا أن ينظر إلى القدر عند ما يؤمر به من الأفعال، ولكن عند ما يجرى عليه من المصائب التي لا حيلة له في دفعها، فما أصابك بفعل الآدميين أو بغير فعلهم اصبر عليه، وارض وسلم " انتهى. "مجموع الفتاوى" (٨/ ١٧٨) . ويقال لهذا القائل: كما أن الله " غالب على أمره "، فالله تعالى حكم قسط، له الخلق والأمر، وقد أمرنا بالطاعة، ونهانا عن المعصية؛ فالنظر إلى قدره، والاحتجاج به لإبطال شرعه، إنما هو من فعل المشركين، كما حكى الله تعالى عنهم ذلك، فقال الله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) الأعراف/٢٨-٢٩. وينظر: إجابة السؤال رقم: (٢٠٨٠٦) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 463

هل يجوز أن يسأل الله أن تكون الفتاة التي توفيت وكان يريد خطبتها عروسا له في الجنة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[توفيت ابنة خالي في حادث، والتي كنت أنوي خطبتها، فهل يجوز أن أدعو الله أن يجعلها عروسا لي في الجنة، أم أن هذا من التعدي في الدعاء؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد للَّه بداية نسأل الله تعالى أن يتغمد تلك الفتاة برحمته، وأن يدخلها جنته، وأن يرزق أهلها وجميع ذويها الصبر والسلوان. ونوصيك أخانا السائل بالإحسان إلى والديها، ومساعدتهم على تجاوز محنتهم، ونوصيك في نفسك بالرضا بقضاء الله وقدره، والإيمان بأن لله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد، وهو مقدر كل شيء في هذا العالم، له الحكمة البالغة، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وأما سؤالك عن الدعاء بأن تكون هذه الفتاة زوجك في الجنة: فليس هناك ما يمنع منه، إن شاء الله، ولك أن تدعو به. وإن كان الذي نختاره لك أن تدعو الله بالرحمة والمغفرة، ورفعة درجتها في الجنة؛ فهذا هو الذي ينفعها منك، وتؤجر ـ أنت ـ عليه، إن شاء الله. ونخشى عليك من المبالغة في هذا الأمر، أو اللهج بمثل هذا الدعاء، أن يزداد تعلقك بها، فينغص عليك عيشك، أو يشغلك عن طلب ما يعفك في الدنيا من الزواج الحلال. وننبهك ـ حتى لا تسترسل في تعلقك ـ إلى أنها ماتت وهي أجنبية عنك، فاحذر من الاستغراق في مشهد الحزن، والأسف على ما فاتك منها؛ وقد جعل الله لكل شيء قدرا. ونذكرك بأدب الله لنا في مثل ذلك: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة /١٥٥-١٥٧. قال الشيخ السعدي، ﵀: " أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن، ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة، لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر. هذه فائدة المحن، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ من الأعداء ﴿وَالْجُوعِ﴾ أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك. ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ﴾ وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية، وغرق، وضياع، وأخذ الظلمة للأموال: من الملوك الظلمة، وقطاع الطريق وغير ذلك. ﴿وَالأنْفُسِ﴾ أي: ذهاب الأحباب من الأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد، أو بدن من يحبه، ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: الحبوب، وثمار النخيل، والأشجار كلها، والخضر ببرد، أو برد، أو حرق، أو آفة سماوية، من جراد ونحوه. فهذه الأمور، لا بد أن تقع، لأن العليم الخبير، أخبر بها، فوقعت كما أخبر. فإذا وقعت انقسم الناس قسمين: جازعين وصابرين، فالجازع، حصلت له المصيبتان، فوات المحبوب، وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكران، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان. وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب، فحبس نفسه عن التسخط، قولا وفعلا واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقا لحصول ما هو خير له وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب، فلهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب. فالصابرون هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره. ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ أي: مملوكون لله، مدبرون تحت أمره وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء منها، فقد تصرف أرحم الراحمين، بمماليكه وأموالهم، فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد، علمه، بأن وقوع البلية من المالك الحكيم، الذي أرحم بعبده من نفسه، فيوجب له ذلك، الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره، لما هو خير لعبده، وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله، فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفورا عنده، وإن جزعنا وسخطنا، لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله، وراجعا إليه، من أقوى أسباب الصبر. ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصبر المذكور ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: ثناء وتنويه بحالهم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمة، ومن رحمته إياهم، أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع، علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به وهو هنا صبرهم لله. ودلت هذه الآية، على أن من لم يصبر، فله ضد ما لهم، فحصل له الذم من الله، والعقوبة، والضلال والخسار، فما أعظم الفرق بين الفريقين وما أقل تعب الصابرين، وأعظم عناء الجازعين. فقد اشتملت هاتان الآيتان على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها، لتخف وتسهل، إذا وقعت، وبيان ما تقابل به، إذا وقعت، وهو الصبر، وبيان ما يعين على الصبر، وما للصابر من الأجر، ويُعْلَم حالُ غير الصابر، بضد حال الصابر. وأن هذا الابتلاء والامتحان، سنة الله التي قد خلت، ولن تجد لسنة الله تبديلا وبيان أنواع المصائب. ". انتهى. " تفسير السعدي" (ص/٧٥) . وتأمل معنا ـ أخانا الكريم ـ هذا الأدب النبوي، والهدي السلفي: عَنْ أم المؤمنين: أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا؛ إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا) . قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟!! ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا؛ فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ !! قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ. فَقُلْتُ: إِنَّ لِي بِنْتًا، وَأَنَا غَيُورٌ؟ فَقَالَ: أَمَّا ابْنَتُهَا فَنَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا، وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ. رواه مسلم في صحيحه (٩١٨) . فادع الله أن يأجرك في مصيبتك، وأن يخلف لك خيرا منها، وادع الله ـ أيضا ـ لهذه الفتاة، ولكل موتى المسلمين، بالرحمة والمغفرة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 464

كلمات وأمثال فيها اعتراض على أفعال الله وطعن في حكمته وعدله [السُّؤَالُ] ـ[لماذا ربنا يعطي الذي ليس محتاجاً، والمحتاج لحاجه لا تأتي له؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: أمر الله تعالى بحفظ اللسان، وأن لا يتكلم العبد بالكلمة إلا وهو يعلم أنه ليس فيها إثم، وأخبرنا نبينا محمد ﷺ أنه الناس يُكبون في جهنم بحصائد ألسنتهم، وما أكثر ما يخترع الناس أمثالاً، أو تجري ألسنتهم بكلمات تكون فيها مهلكتهم، إن لم يتداركهم ربهم تعالى برحمته. وإن العبد الموفَّق ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يثيبه الله عليها أعظم الثواب، وإن العبد المخذول ليتكلم بالكلمة لا يظن أنها تبلغ به شيئاً تهوي به في نار جهنم. قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق/ ١٨. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) . رواه البخاري (٦١١٣) . وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ) . رواه البخاري (٦١٠٩) . وقال بعض السلف: " ما على وجه الأرض شيء أَحوج إلى طول حَبْس من اللسان "! . ثانياً: مثل هذا الكلام القبيح يدرج في أمثال بعض البلاد، وتتناقله الألسن، دون أن يعي أحدهم أنه وقع بقوله في مخالفات شرعية، تتعلق بصفات الله تعالى، وأسمائه، وأفعاله، ففي هذا القول الوارد في السؤال اعتراض على أفعال الله تعالى، وتقديراته، وعلمه، وحكمته، وعدله. ومن تلك الأمثال الدارجة " يعطي الحلَق للذي ليس له أُذُن! " و " يعطي اللحم للذي ليس له أسنان "، ويعنون به: الله تعالى. وفي هذا الكلام ما لا يخفى من سوء الأدب مع الله تعالى، وسوء الظن به، فيقال فيه: ١. في كلام السوء هذا يعني أن الله تعالى أعطى النعمة من لا يستحقها، وأن هناك مَن هو أولى بهذه النعمة مِن هذا المُعطَى! وهذا من أعظم الطعن في حكمة الله، وعدله. وليس أحدٌ في غنى عن فضل الله وعطائه، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فاطر/ ١٥. والله تعالى يقدِّر ما يشاء لحكَم جليلة، فمن أغناه الله فلحكمة، ومن أفقره الله فلحكمة، فهو يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر لحكَمة، قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) التوبة/من الآية ٢٨، وقال تعالى: (فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الحجرات/ ٨. ولله خزائن السموات والأرض، وما يهبه تعالى لخلقه: فهو بقدَرٍ معلومٍ، قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) الحِجر/ ٢١. ٢. وما يظنه الإنسان القاصر في فهمه وإدراكه أن الخير له هو في غناه، وسلطانه، وجاهه: خطأ، وقصور، يتناسب مع طبيعة الإنسان القاصرة، فقد يكون الخير في نزع تلك الأشياء منه، كما قد يكون الذل خيراً له! نعم، فلربما ذلُّه قاده إلى إسلام بعد كفر، أو طاعة بعد معصية، كما أن المال، والملك، والجاه، والعز قد يكون شرّاً له، فيكون هذا المسكين يعترض على قدر الله وحكمته، ويسعى لما فيه تلفه، وهلاكه. قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) آل عمران/ ٢٦. ومن تأمل حديث الأقرع والأبرص والأعمى: علم أن القَرَعَ والبَرَصَ كانا خيراً لصاحبيهما من المال الذي طلباه، فلما طلب الأول شعراً حسناً فأُعطيه، وطلب الثاني جلداً حسناً فأُعطيه، بل وأُعطي كل واحد منهما مالاً وفيراً: كان ذلك سبباً في فتنتهما، وسخط الله عليهما، حيث أنكرا نعمة الله عليهما، وبخلا بما أعُطيا من مال. والحديث رواه البخاري (٣٢٧٧) ومسلم (٢٩٦٤) . ٣. ثم إن الله تعالى هو المتفرد بالملك، والخلق، والرزق، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولم يحصل الاعتراض على هبة النعمة من الله إلا من المشركين وإخوانهم. قال ابن كثير – ﵀ – تعليقاً على آية (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) -: أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعَّال لما تريد، كما ردَّ ﵎ على من يتحكم عليه في أمره، حيث قال: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) الزخرف / ٣١، قال الله تعالى ردّاً عليهم: (أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) الآية، الزخرف/ ٣٢، أي: نحن نتصرف في خلقنا كما نريد، بلا ممانع، ولا مدافع، ولنا الحكمة، والحجة في ذلك، وهكذا نعطي النبوة لمن نريد، كما قال تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) الأنعام/ ١٢٤، وقال تعالى: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) . " تفسير ابن كثير " (٢ / ٢٩) . ولما ذكر الله تعالى اعتراض بعض الناس على مُلكٍ آتاه الله بعض خلقه: أرجع الله تعالى الأمر إلى علمه، وحكمته، وفضله، وأن الأمر لا يرجع إلا إليه ، وذلك في قوله تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) البقرة/ ٢٤٧. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: قوله تعالى: (والله يؤتي ملكه من يشاء) أي: يُعطي ملكَه من يشاء، على حسب ما تقتضيه حكمته، كما قال تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) آل عمران/ ٢٦. قوله تعالى: (والله واسع) أي: ذو سعة في جميع صفاته: واسع في علمه، وفضله، وكرمه، وقدرته، وقوته، وإحاطته بكل شيء، وجميع صفاته وأفعاله. و (عليم) أي: ذو علم بكل شيء، ومنه: العلم بمن يستحق أن يكون ملِكاً، أو غيرَه من الفضل الذي يؤتيه الله من يشاء. " تفسير سورة البقرة " (٣ / ٢١٣، ٢١٤) . ٤. أن قائل مثل هذه العبارات وقع في الفتنة من حيث يشعر أو لا يشعر، فالله تعالى جعل الناس بعضهم لبعض فتنة، منهم الغني، ومنهم الفقير، ومنهم الشريف، ومنهم الوضيع، فمن رضي بما قسم الله، ولم يسخطه: نجا من الفتنة، ومن اعترض وسخط: فله السخط، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً) الفرقان/ من الآية ٢٠، وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) الأنعام/ ٥٣. قال القرطبي – ﵀: قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) أي: إن الدنيا دار بلاء، وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس، مؤمن، وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني، ومعنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه؛ فالغني ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني، عليه ألا يحسده، ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق، كما قال الضحاك في معنى (أَتَصْبِرُونَ) : أي: على الحق. وأصحاب البلايا يقولون: ِلمَ لمْ نُعَافَ؟ والأعمى يقول: لمَ لمْ أُجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره، وكذلك العلماء، وحكام العدل، ألا ترى إلى قولهم (لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) الزخرف/ ٣١، فالفتنة: أن يَحسد المبتلى المعافى، ويَحقر المعافى المبتلى، والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه، هذا عن البطر، وذاك عن الضجر. (أَتَصْبِرُونَ) محذوف الجواب، يعني: أم لا تصبرون؟ . " تفسير القرطبي " (١٣ / ١٨) . ٥. أن مثل هذه الكلمات الدارجة على الألسنة فيها سوء ظن بالله تعالى، وهي فتنة لم يَنج منها كثير من الناس، فيظن الواحد منهم أنه يستحق أكثر مما قدِّر له، وأنه أولى بكثرة الخير والصرف عن السوء والشر من غيره، وفي ذلك من الاعتراض على قدر الله تعالى ما يخلخل به المرء ركناً من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقدر شرِّه وخيره، وأنه كله من عند الله، قدَّره، وكتبه، وشاءه، ثم خلقه، بحكمته تعالى، وعدله. قال ابن القيم – ﵀: فأكثر الخلق، بل كلهم، إلا مَن شاء الله: يظنون باللهِ غيرَ الحقِّ ظنَّ السَّوْءِ، فإن غالبَ بني آدم يعتقد أنه مبخوسُ الحق، ناقصُ الحظ، وأنه يستحق فوقَ ما أعطاهُ اللهُ، ولِسان حاله يقول: ظلمني ربِّي، ومنعني ما أستحقُه، ونفسُه تشهدُ عليه بذلك، وهو بلسانه يُنكره، ولا يتجاسرُ على التصريح به، ومَن فتَّش نفسَه، وتغلغل في معرفة دفائِنها، وطواياها: رأى ذلك فيها كامِناً كُمونَ النار في الزِّناد، فاقدح زنادَ مَن شئت: يُنبئك شَرَارُه عما في زِناده، ولو فتَّشت مَن فتشته: لرأيت عنده تعتُّباً على القدر، وملامة له، واقتراحاً عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقِلٌّ، ومستكثِر، وفَتِّشْ نفسَك هل أنت سالم مِن ذلك؟ . فَإنْ تَنجُ مِنْهَا تنج مِنْ ذِى عَظِيمَةٍ ... وَإلَاّ فَإنِّى لَا إخَالُكَ نَاجِيَاً فليعتنِ اللبيبُ الناصحُ لنفسه بهذا الموضعِ، وليتُبْ إلى الله تعالى، وليستغفِرْه كلَّ وقت من ظنه بربه ظن السَّوْءِ، وليظنَّ السَّوْءَ بنفسه التي هي مأوى كل سوء، ومنبعُ كل شرٍّ، المركَّبة على الجهل، والظلم، فهي أولى بظن السَّوْءِ من أحكم الحاكمين، وأعدلِ العادلين، الراحمين، الغنيِّ الحميد، الذي له الغنى التام، والحمدُ التام، والحكمةُ التامة، المنزّهُ عن كل سوءٍ في ذاته، وصفاتِهِ، وأفعالِه، وأسمائه، فذاتُه لها الكمالُ المطلقُ مِن كل وجه، وصفاتُه كذلك، وأفعالُه كذلك، كُلُّها حِكمة، ومصلحة، ورحمة، وعدل، وأسماؤه كُلُّها حُسْنَى. فَلا تَظْنُنْ بِرَبِّكَ ظَنّ سَؤْءِ ... فَإنَّ اللهَ أَوْلَى بِالجَمِيلِ وَلا تَظْنُنْ بِنَفْسِكَ قَطُّ خَيْراً ... وَكَيْفَ بِظَالِمٍ جَانٍ جَهُولِ وَقُلْ يَا نَفْسُ مَأْوَى كُلِّ سُوءِ ... أَيُرجَى الخَيْرُ مِنْ مَيْتٍ بَخيلِ وظُنَّ بِنَفّسِكَ السُّوآى تَجِدْهَا ... كَذَاكَ وخَيْرُهَا كَالمُسْتَحِيلِ وَمَا بِكَ مِنْ تُقىً فِيهَا وَخَيْرٍ ... فَتِلْكَ مَوَاهِبُ الرَّبِّ الجَلِيلِ وَلَيْسَ بِهَا وَلَا مِنْهَا وَلَكِنْ ... مِنَ الرَّحْمن فَاشْكُرْ لِلدَّلِيلِ " زاد المعاد في هدي خير العباد " (٣ / ٢٣٥، ٢٣٦) . وبنصيحة ابن القيم الرائعة نختم كلامنا، فلعلَّ كلَّ واحدٍ منَّا أن يفتِّش نفسه، ويتأمل في حالها، ونرجو الله تعالى أن يصلح أحوالنا، وأن يسدد أقولنا، وأعمالنا. والله أعلم [الْمَصْدَرُ] موقع الإسلام سؤال وجواب

стр. 465

سائل يقول: لماذا خلق الله الخلق وهو يعلم مصيرهم في الجنة أو النار ؟! [السُّؤَالُ] ـ[لدي سؤال أتمنى منكم الإجابة عليه، وجزاكم الله خيراً، إذا كان الله سبحانه يعلم الغيب، ويعلم ماذا سيفعل الناس، ويعلم من سيذهب إلى النار، أو إلى الجنة - حيث إن علم الله سبق كل شيء - فلماذا خلَقَنَا إذن؟ ولماذا أنزل الله إبليس إلى الأرض مع آدم وحواء، مع العلم أن التوبة لن تنفعه وأنه حكم عليه بجهنم؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: إن معرفة الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق فيها الجواب عن كثير من الإشكالات والشبهات التي يرددها كثير من الملحدين، وقد يتأثر بها بعض المسلمين، ومن تلك الشبهات الظن بأن الله تعالى خلق الناس من أجل أن يضع بعضهم في الجنة، وآخرين في النار! وهذا ظن خاطئ، وما من أجل ذلك خلق الله الخلق، وأوجدهم. وليعلم الأخ السائل – ومن رام معرفة الحق – أن الغاية من خلق الإنسان، وخلق السموات، والأرض: ليُعرف ، ويوحَّد، ويطاع. قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدون) الذاريات/ ٥٦. قال ابن كثير – ﵀: أي: إنما خلقتُهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (إلا ليعبدون) أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعاً، أو كرهاً. وهذا اختيار ابن جرير. " تفسير ابن كثير " (٤ / ٢٣٩) . وثمة خلط عند كثيرين بين الغاية المرادة من العباد، وهي: شرعه الذي أحبه منهم، وأمرهم به، والغاية المرادة بالعباد، وهي إثابة المطيع، ومعاقبة العاصي، وهذا من قدره الكائن الذي لا يرد ولا يبدل. قال ابن القيم ﵀: وأما الحق الذي هو غاية خلقها – أي: السموات والأرض وما بينهما -: فهو غاية تُراد من العباد، وغاية تراد بهم. فالتي تُراد منهم: أن يعرفوا الله تعالى، وصفات كماله ، وأن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً، فيكون هو وحده إلههم، ومعبودهم، ومطاعهم، ومحبوبهم، قال تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً) . فأخبر أنه خلق العالم ليَعرف عبادُه كمالَ قدرته، وإحاطة علمه، وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده. وقال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ، فهذه الغاية هي المرادة من العباد، وهي أن يعرفوا ربهم، ويعبدوه وحده. وأما الغاية المرادة بهم: فهي الجزاء بالعدل، والفضل، والثواب، والعقاب، قال تعالى (ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) النجم/ ٣١، قال تعالى (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) طه/ ١٥، وقال تعالى (ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين) النحل/ ٣٩، قال تعالى (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون) يونس/ ٣، ٤. " بدائع الفوائد " (٤ / ٩٧١) . وللمزيد من معرفة الحكمة مِن خَلْق البشر: نرجو النظر جواب السؤال رقم (٤٥٥٢٩) . ثانياً: إن الله تعالى لا يُدخل الناس الجنة أو النار، لمجرد أنه يعلم أنهم يستحقون ذلك؛ بل يُدخلهم الجنة والنار بأعمالهم التي قاموا بها ـ فعلا ـ في دنياهم، ولو أن الله تعالى خلق خلّقاً وأدخلهم ناره: لأوشك أن يحتجوا على الله بأنه لم يختبرهم، ولم يجعل لهم مجالاً للعمل، وهذه حجة أراد الله تعالى دحضها؛ فخلقهم في الدنيا، وركَّب لهم عقولاً، وأنزل كتبه، وأرسل رسله، وكل ذلك لئلا يكون لهؤلاء حجة على الله يوم القيامة. قال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) النساء/ ١٦٥. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀: فصرح في هذه الآية الكريمة: بأن لا بد أن يقطع حجة كل أحدٍ بإرسال الرسل، مبشِّرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين مَن عصاهم النار. وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعَها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين: بيَّنها في آخر سورة طه بقوله (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَذِلَّ وَنَخْزَى) ، وأشار لها في سورة القصص بقوله: (وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، وقوله جلَّ وعلا: (ذلِكَ أَن لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) ، وقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ) ، وكقوله: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) ، إلى غير ذلك من الآيات. ويوضح ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جلَّ وعلا لا يعذب أحداً إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام: تصريحه جلَّ وعلا في آيات كثيرة: بأنه لم يُدخل أحداً النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل، فمن ذلك قوله جلَّ وعلا: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ) . ومعلوم أن قوله جلَّ وعلا: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ) يعم جميع الأفواج الملقين في النار. قال أبو حيان في " البحر المحيط " في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه: و (كُلَّمَا) تدل على عموم أزمان الإلقاء، فتعم الملقَيْن. ومن ذلك قوله جلَّ وعلا: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) ، وقوله في هذه الآية: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ) عام لجميع الكفار ... . فقوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً) إلى قوله (قالُوا بَلَى) : عام في جميع الكفار، وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا، فعصوا أمر ربهم، كما هو واضح. " أضواء البيان " (٣ / ٦٦، ٦٧) . وفي اعتقادنا أن معرفة الغاية التي خلَق الله الخلق من أجلها، ومعرفة أن الله تعالى لا يعذِّب أحداً وفق ما يعلم منه سبحانه، بل جزاء أعماله في الدنيا، وأن في هذا قطعاً لحجته عند الله: يكون بذلك الجواب عن الإكال الوارد في السؤال. ثالثاً: وأما لماذا أنزل إبليس إلى الأرض، مع آدم وذريته، ففرق بين نزول آدم ونزول إبليس؛ آدم ﵇ نزل إلى الأرض، وقد تاب إلى ربه ﷻ ، فتاب عليه وهداه، وأنزله إلى دار الدنيا، نبيا مكرما، مغفورا له، يبقى في دار الدنيا إلى أجله الذي أجله الله له. وأما عدو الله إبليس، فإنه لم يتب أصلا، ولا ندم عن ذنبه، ولا رجع، ولا رجا التوبة، ولا سلك لها سبيلا، بل عاند واستكبر، وطغى وكفر، وطلب من الله ﷻ ، ألا يعجل بهلاكه وعذابه، بل يؤخر ذلك إلى يوم الوقت المعلوم، لا يأخذ فرصته في التوبة، ويتمكن من الإنابة، بل ليكمل طريق الشقاء، ويأخذ أهل الغواية معه إلى دار البوار؛ فنزل إماما لحزبه، حزب الشيطان الخاسرين، لتتم حكمة الله في خلقه، وابتلائه لهم: هل يطيعونه، أم يطيعون عدوه؛ ولتتم الشقوة على العدو اللعين: بعناده وفساده، ويستحق من ربه الخسران المبين. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 466

التشاؤم من المنزل [السُّؤَالُ] ـ[شخص سكن في دار، فأصابته الأمراض، وكثير من المصائب مما جعله يتشاءم هو وأهله من هذه الدار، فهل يجوز له تركها لهذا السبب؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "ربما يكون بعض المنازل، أو بعض المركوبات، أو بعض الزوجات مشؤوماً يجعل الله بحكمته مع مصاحبته إما ضرراً، أو فوات منفعة، أو نحو ذلك؛ وعلى هذا فلا بأس ببيع هذا البيت، والانتقال إلى بيت غيره؛ ولعل الله أن يجعل الخير فيما ينتقل إليه؛ وقد ورد عن النبي ﷺ ، أنه قال: (الشؤم في ثلاث: الدار، والمرأة، والفرس) فبعض المركوبات يكون فيها شؤم، وبعض الزوجات يكون فيهن شؤم، وبعض البيوت يكون فيها شؤم، فإذا رأى الإنسان ذلك فليعلم أنه بتقدير الله ، وأن الله بحكمته قدر ذلك لينتقل الإنسان إلى محل آخر، والله أعلم" انتهى. الشيخ ابن عثيمين ﵀. "فتاوى العقيدة" (ص٣٠٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 467

كلمات في أسباب المصائب والصبر عليها [السُّؤَالُ] ـ[من المعلوم أن الصبر على أقدار الله واحتساب أجرها عند الله من عقيدة المسلم، وكذلك الرضا بالمقدور الذي قدَّره الله منزلة من منازل المؤمنين الذين يتفاوتون فيها، فهل هناك فرق بين المصيبة الحاصلة على الإنسان بتفريطه وتهاونه، أم الكل سواء، بمعنى آخر: إنسان فاته التعليم، والجد، والاجتهاد في طلب العلم، وهو قادر عليه ثم بعد أن بلغ من العمر ما بلغ أخذ يتحسر، بل ويصل به الحزن إلى درجة كبيرة، ويقول: كيف فرطت أيام كانت الظروف مواتية ومتاحة لي، ويرى بعض الإخوان أن هذا الحزن والتأفف فيه اعتراض على القدر؛ لأنهم يقولون لو أراد الله لك ذلك لكان. أرجو التوضيح أكثر؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ١. المؤمن الموحد يعلم أن كل شيء إنما هو بقدَر الله تعالى، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ليس ثمة شيء يمكن أن يحجز قدر الله أن ينفذ في خلقه ، وبذا يطمئن قلب المؤمن الموحِّد، ويعلم أن لا مجال للأسى والحزن أن يكونا في حياته؛ لأن أمر الله سبق، ومشيئته نفذت. قال الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) الحديد/ ٢٢، ٢٣. وقال تعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) التوبة/ ٥١. ٢. وإذا كان هذا هو حال المؤمن الموحد لم يكن في حياته ندم على ما فاته، ولن يكون للتحسر و" لو " موضع في كلامه، وهذا الذي قدَّره الله تعالى على عبده لا يخلو من حالين: الأول: أن يكون بسبب معصية وقع فيها العبد، فقدَّر الله عليه بسببها مصائب. قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) الشورى/ ٣٠. والثاني: أن يكون ذلك ابتلاء من الله لرفع درجته، وتكفير سيئاته. فماذا يصنع المؤمن الموحِّد بعد أن يعلم هذا ويعتقده اعتقاداً جازماً؟ الواجب عليه إن كانت المصيبة بسبب معصية فعلها، أو آثام ارتكبها، أو تفريط فيما ينبغي عليه، أن يبادر إلى التوبة والاستغفار، وأن يرجع إلى ربه ويئوب، ويندم على ما اكتسبه، ويُصلح ما بينه وبين خالقه ومولاه، قال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/ ٨٢. وإن كانت المصيبة مجرد ابتلاء لرفع الدرجات وتكفير السيئات: فليس أمام المؤمن الموحِّد إلا الرضا بقدر الله، واحتساب ما أصابه لربه تعالى، راجياً الأجور، طامعاً في تكفير الذنوب. وفي كلا الحالين لن يكون قلب المؤمن الموحد إلا قويّاً مطمئنّاً، ولن يصيبه الضعف والخور، بل يبادر إلى الطاعة والعمل، وإن كان عاصياً ترك معاصيه وعاد أفضل مما كان، وإن كان طائعاً ازداد في طاعة خالقه ومولاه. ٣. والشيطان يحاول إضعاف قلب المؤمن، وإدخال الحزن والأسى على قلبه، ويبذل جهده لقذف العجز في جوارحه، وكل ذلك بقول " لو " على ما مضى مما فعله، أو مما لم يفعله، ومع هذا الشر والفساد كله: فهو يجعله يعيش في الأوهام والظنون الكاذبة، ويقول " لو كان كذا لكان كذا "! وما يدريه أن الأمر كذلك؟ فانظر – رعاك الله – إلى ما يحدثه الشيطان من التحسر والحزن والتخرص والظن على قدر الله تعالى، ومع ذلك كله فهو يضعفه عن العمل، ويُعجزه عن الطاعة، ويظل يندب حظه ويتحسر حتى يفوت عمره! وقد أخبرنا الله تعالى أن هذا من فعل المنافقين، وحذَّرنا نبينا محمد ﷺ من أن نسلك هذا الطريق. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) . رواه مسلم (٢٦٦٤) . وانظر وتأمل هذا الحديث العظيم، وفيه بيان الفرق بين المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، وفيه الحث على العمل وعدم العجز، وكل ذلك مناسب تماماً للنهي عن التحسر بقول " لو ". قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله - عندما يقع الإنسان في مكروه أو تصيبه مصيبة فإنه لا يقول: " لو أني فعلت كذا ما حصل عليَّ هذا! ، أو: لو أني لم أفعل لم يحصل كذا! "؛ لما في ذلك من الإشعار بعدم الصبر على ما فات مما لا يمكن استدراكه؛ ولما يشعر به اللفظ من عدم الإيمان بالقضاء والقدر؛ ولما في ذلك من إيلام النفس، وتسليط الشيطان على الإنسان بالوساوس والهموم. والواجب بعد نزول المصائب: التسليم للقدر، والصبر على ما أصاب الإنسان، مع عمل الأساب الجالبة للخير، والواقية من الشر والمكروه بدون تلوم. وقد ذمَّ الله الذين قالوا هذه الكلمة عند المصيبة التي حلَّت بالمسلمين في وقعة أحد، فقال تعالى: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) ، هذه مقالة قالها بعض المنافقين يوم " أُحد " لمَّا حصل على المسلمين ما حصل من المصيبة، قالوها يعارضون القدَر، ويعتبون على النبي ﷺ والمسلمين خروجهم إلى العدو، فردَّ الله عليهم بقوله تعالى: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) ، أي: هذا قدَر مقدَّر من الله لابد أن يقع، ولا يمنع منه التحرز في البيوت والتلهف. وقول " لو " بعد نزول المصيبة لا يفيد إلا التحسر، والحزن، وإيلام النفس، والضعف، مع تأثيره على العقيدة، من حيث إنه يوحي بعدم التسليم للقدر. ثم ذكر سبحانه عن هؤلاء المنافقين مقالة أخرى، وذلك في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) ، وهذه من مقالات المنافقين يوم " أحُد " أيضاً، ويروى أن عبد الله بن أبي كان يعارض القدر ويقول: لو سمعوا مشورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج: ما قُتلوا مع من قتل، فردَّ الله عليهم بقوله: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ) ؛ أي: إذا كان القعود وعدم الخروج يسلَم به الشخص من القتل أو الموت: فينبغي أن لا تموتوا، والموت لا بدَّ أن يأتي إليكم في أي مكان؛ فادفعوه عن أنفسكم إن كنتم صادقين في دعواكم أن من أطاعكم سلِم من القتل ... فقد وجه النبي ﷺ إلى فعل الأسباب التي تنفع العبد في دنياه وآخرته مما شرعه الله تعالى لعباده من الأسباب الواجبة، والمستحبة، والمباحة، ويكون العبد في حال فعله السبب مستعيناً بالله، ليتم له سببه وينفعه؛ لأن الله تعالى هو الذي خلق السبب والمسبب، والجمع بين فعل السبب والتوكل على الله توحيد، ثم نهى عن العجز، وهو ترك فعل الأسباب النافعة، وهو ضد الحرص على ما ينفع، فإذا حرص على ما ينفعه، وبذل السبب، ثم وقع خلاف ما أراد أو أصابه ما يكره: فلا يقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا؛ لأن هذه الكلمة لا تجدي شيئاً، وإنما تفتح عمل الشيطان، وتبعث على التأسف ولوم القدر، وذلك ينافي الصبر والرضى، والصبر واجب، والإيمان بالقدر فرض، ثم أرشده النبي ﷺ إلى اللفظ النافع المتضمن للإيمان بالقدر، وهو أن يقول: (قدر الله وما شاء فعل) ؛ لأن ما قدره الله لا بدَّ أن يكون، والواجب التسليم للمقدور، وما شاء الله فعل؛ لأن أفعاله لا تصدر إلا عن حكمة. قال الإمام ابن القيم ﵀: " والعبد إذا فاته المقدور له حالتان: حالة عجز: وهي عمل الشيطان، فيلقيه العجز إلى " لو "، ولا فائدة فيها، بل هي مفتاح اللوم. والحالة الثانية: النظر إلى المقدور وملاحظته، وأنه لو قدر لم يفته، ولم يغلبه عليه أحد، فأرشد النبي ﷺ إلى ما ينفعه حال حصول مطلوبه وحال فواته، ونهاه عن قول " لو "، وأخبره أنها تفتح عمل الشيطان؛ لما فيها من التأسف على ما فات، والتحسر والحزن، ولوم القدر، فيأثم بذلك، وذلك من عمل الشيطان، وليس هذا لمجرد لفظ " لو "؛ بل لما قارنها من الأمور القائمة بقلبه المنافية لكمال الإيمان الفاتحة لعمل الشيطان ... فهذا الحديث الذي رواه أبو هريرة لا يستغني عنه العبد، وهو يتضمن إثبات القدر، وإثبات الكسب، والقيام بالعبودية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معنى هذا الحديث: " لا تعجز عن مأمور، ولا تجزع من مقدور ". " الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد " (ص ١٣٠ – ١٣٣) . ٤. ومن فاته التعليم في الصغر: فليكن ندمه على تفريطه دافعاً له لاستثمار ما بقي من عمره، لا أنه يضعف ويعجز ويترك التعلم، ومن فاته الحج في شبابه: فليبادر في أول فرصة لكي يحج ولا ينبغي له أن يتوانى ويكس أكثر وأكثر، وهكذا في طاعة وخير فاته، فإنما عليه أن يؤمن بأنه قدر الله، ولا ينبغي له أن يعجز، وعليه أن يكون قويّاً، ويحرص على ما ينفعه، وإن كان ما فات بسبب معاصيه: فليفعل كل ما سبق ذكره، ويضيف إليه: التوبة الصادقة من الذنوب والآثام، وليسأل ربه تعالى أن يرزقه اعتقادا حسناً، وأن يوفقه لما يحب ويرضى من القول والعمل. على أننا ننبهك ـ أخي الكريم ـ إلى أن الخير والصلاح، والهدى والفلاح، في الجنة والآخرة، ليس له باب واحد، بل له أبواب كثيرة؛ فمن عجز عن باب العلم، فعنده من العلم أبواب، يعوض بها ما فاته من العلم وفضله، فإن كنت ذا مال، فأنفق في سبيل الله، وجاهد بمالك، وإن ذا قوة، فعندك الصوم فإنه لا عدل له، وعندك الصلاة فإنها خير موضوع، وعندك الحج والعمرة، وعندك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعندك الذكر والتسبيح وتلاوة القرآن ... ، وعندك من الخير أبواب وأبواب، وكل ميسر لما خلق له، ولا يهلك على الله إلا هالك. نسأل الله أن يوفقك، ويهديك، ويثبتك على الخير. وينظر – للاستزادة -: أجوبة الأسئلة: (٤٩٠٣٩) و (٤٩٠٠٤) و (٤٣٠٢١) و (٣٤٧٣٢) و (١١٠١٠) و (٨٥٣٦٢) . والله الموفق [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 468

كيف يعرف المصاب إن كانت مصيبته عقوبة أو ابتلاء لرفع درجاته ؟ [السُّؤَالُ] ـ[إذا وقعت للمسلم مصيبة، فكيف نعرف هل هي عقوبة على معاصيه، أم ابتلاء لرفع درجاته؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله للمصائب والابتلاءات في الكتاب والسنة سببان اثنان مباشران – إلى جانب حكمة الله تعالى في قضائه وقدره -: السبب الأول: الذنوب والمعاصي التي يرتكبها الإنسان، سواء كانت كفرا أو معصية مجردة أو كبيرة من الكبائر، فيبتلي الله بسببها صاحبها بالمصيبة على وجه المجازاة والعقوبة العاجلة. يقول الله : (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) النساء/٧٩، قال المفسرون: أي بذنبك. ويقول سبحانه: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) الشورى/٣٠، انظر "تفسير القرآن العظيم" (٢/٣٦٣) . وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رواه الترمذي (٢٣٩٦) وحسنه، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي ". السبب الثاني: إرادة الله تعالى رفعة درجات المؤمن الصابر، فيبتليه بالمصيبة ليرضى ويصبر فيُوفَّى أجر الصابرين في الآخرة، ويكتب عند الله من الفائزين، وقد رافق البلاء الأنبياء والصالحين فلم يغادرهم، جعله الله تعالى مكرمة لهم ينالون به الدرجة العالية في الجنة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ) رواه أبو داود (٣٠٩٠) ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/٢٥٩٩) وعن أنس بن مالك ﵁ أنه النبي ﷺ قال: (قَالَ: إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ) . رواه الترمذي (٢٣٩٦) وحسنه، وصححه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/١٤٦) وقد جُمع السببان في حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: (مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً) رواه البخاري (٥٦٤١) ، ومسلم (٢٥٧٣) . ثم إن التداخل والاشتراك بين هذين السببين أعظم من الصور التي ينفرد كل منهما به: ألا ترى أن من ابتلاه الله بمصيبة بسبب ذنبه فصبر وشكر غفر الله تعالى له ذنبه، ورفع درجته في الجنة، ووفاه أجر الصابرين المحتسبين. كما أن من بتلاه الله بالمصيبة ليبلغ المنزلة الرفيعة التي كتبها له في الجنة، تكفر عنه ذنوبه السالفة، وتعتبر جزاء له عليها في الدنيا، فلا تكرر عليه في الآخرة، كما وقع لبعض الرسل والأنبياء: كآدم ﵇، ويونس ﵇، حين ابتلى الله آدم بالإخراج من الجنة، وابتلى يونس بن متى بالغرق في بطن الحوت، فرفعهما الله بهذا البلاء لصبرهما واحتسابهما الثواب عنده سبحانه، وكانت كفارة للمخالفة التي وقعت من كل منهما عليهما الصلاة والسلام. ويدلك على ذلك أن الجزاء الدنيوي لا ينفصل عن الجزاء الأخروي، وأن اقتران ذكر هذين السببين جاء في كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة، منها ما رواه سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) . رواه الترمذي (٢٣٩٨) وقال: حسن صحيح. ومع ذلك فقد يكون أحد هذين السببين أظهر في بعض صور البلاء من السبب الآخر، ويمكن فهم ذلك من خلال قرائن الحال التي تتعلق بتلك المصيبة: فإذا كان المبتلى كافرا: فلا يمكن أن يكون بلاؤه لرفعة درجته، فالكافر ليس له عند الله وزن يوم القيامة، لكن قد يكون في ذلك عبرة وعظة لغيره، ألا يفعل مثل فعله، وقد يكون من ذلك من عاجل عقاب الله له في الدنيا، زيادة على ما ادخره له في الآخرة. قال الله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * لَهمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) الرعد /٣٣-٣٤ وأما إذا كان المبتلى مسلما عاصيا مجاهرا، أو فاسقا ظاهر الفسق: فقد يغلب على الظن وجه المجازاة والعقوبة بهذا الابتلاء، لأن تكفير السيئات أسبق من رفع الدرجات، والعاصي أحوج إلى تكفير سيئاته من رفع درجاته. وفي المقابل إذا كان المسلم عابدا طائعا صالحا، ليس بينه وبين الله إلا العبودية الحقة، والشكر والحمد والإنابة والإخبات إليه سبحانه: فهذا يغلب على الظن في ابتلائه وجه المكرمة ورفع الدرجات، والعباد شهداء الله في الأرض، فإذا عرفوا فيه الصلاح كان لهم أن يبشروه برفعة الدرجات عند الله تعالى إن هو صبر على بلائه. وأما إذا أبدى المبتلى السخط والجزع، فلا يظن أن يكون ابتلاؤه مكرمة من الله له لرفع درجاته، وقد علم سبحانه منه عدم الصبر والرضا، فالأقرب في هذه القرينة وجه المجازاة والعقوبة، وقد قال بعض الصالحين: " علامة الابتلاء على وجه العقوبة والمقابلة: عدم الصبر عند وجود البلاء، والجزع والشكوى إلى الخلق. وعلامة الابتلاء تكفيراً وتمحيصاً للخطيئات: وجود الصبر الجميل من غير شكوى، ولا جزع ولا ضجر، ولا ثقل في أداء الأوامر والطاعات. وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات: وجود الرضا والموافقة، وطمأنينة النفس، والسكون للأقدار حتى تنكشف " انتهى. وهكذا، ما هي إلا قرائن ظنية يمكن للعبد أن يتأمل فيها ليعرف شيئا من حكمة الله تعالى في المصائب والمحن، لا ليجزم في الحكم بها على نفسه، أو على عباد الله المبتلين. ولعل الأهم من هذا التفصيل كله أن يقال: إن الفائدة العملية التي ينبغي للعبد التأمل فيها هي أن كل مصيبة وابتلاء هي له خير وأجر إن هو صبر واحتسب، وأن كل ابتلاء ومصيبة هي له سوء وشر إن جزع وتسخط، فإن وطَّن نفسه على تحمل المصائب، والرضى عن الله بقضائه، فلا يضره بعد ذلك إن علم سبب البلاء أو لم يعلمه، بل الأَوْلى به دائما أن يتَّهِم نفسه بالذنب والتقصير، ويفتش فيها عن خلل أو زلل، فكلنا ذوو خطأ، وأينا لم يفرط في جنب الله تعالى، وإذا كان الله قد أصاب المسلمين يوم أحد بمقتلة عظيمة، وهم أصحاب النبي ﷺ ، وخير البشر بعد الرسل والأنبياء، بسبب مخالفةِ أمرِ النبي ﷺ ، فكيف يظن المرء بعد ذلك في نفسه استحقاق رفعة الدرجات في كل ما يصيبه، وقد كان إبراهيم بن أدهم ﵀ – إذا رأى اشتداد الريح وتقلب السماء – يقول: هذا بسبب ذنوبي، لو خرجت من بينكم ما أصابكم. فكيف بحالنا نحن المقصرين المذنبين. ثم أولى من ذلك كله وأهم، أن يحسن العبد الظن بربه دائما، وعلى كل حال؛ فالله هو أولى بالجميل، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة. نسأل الله تعالى أن يرحمنا ويغفر لنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، ويأجرنا في مصائبنا، إنه سميع مجيب الدعوات. وانظر جواب السؤال رقم: (١٣٢٠٥) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 469

ما الفائدة من صلاة الاستخارة بما أن الأمور مقدرة من قبل ؟ [السُّؤَالُ] ـ[بالنسبة لصلاة الاستخارة: يجول في خاطر الإنسان أحياناً: ما الفائدة من السؤال والدعاء والسعي، ما دام أن قضاء الله هو الذي سيحدث؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله جعل الله تعالى الدعاء سبباً لحصول المطلوب، ونيل المرغوب، وقد أمر به الرب جل وعلا، فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) غافر/٦٠. إذا فهم هذا لم يبق هناك إشكال؛ لأن الله يقدر الأمور بأسبابها، فحصول الولد - مثلا – حين يكتب لابن آدم لا بد أن يسبقه الزواج والجماع كي يأتي بعده الولد، فلا يمكن أن تقع النتائج دون أسبابها، والكون كله مفطور على هذا النسق من ارتباط الأسباب والمسببات. وهكذا الدعاء أو (الاستخارة) أيضا: فقد كتب الله تعالى كثيرا من الأقدار معلقة بدعائه وسؤاله ، فلا يقع المراد من غير سببه، وهو الدعاء، إلى جانب الأسباب الحسية، وقد دلت الأحاديث النبوية على هذا التقرير بكل وضوح. فعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللهِ بِالدُّعَاءِ) . رواه الترمذي (٣٥٤٨) وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (٣٤٠٩) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – كما في "مجموع الفتاوى" (٨/٦٩) -: " ومن قال: أنا لا أدعو ولا أسأل اتكالاً على القدر، كان مخطئًا أيضًا؛ لأن الله جعل الدعاء والسؤال من الأسباب التي ينال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره ورزقه، وإذا قدر للعبد خيرًا يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاء، وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره الله بأسباب، يسوق المقادير إلى المواقيت، فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات. فمحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل " انتهى. وقال أيضا (٨/٢٨٧) : " قول بعضهم: إن الدعاء ليس هو إلا عبادة محضة؛ لأن المقدور كائن، دعا أو لم يدع. فيقال له: إذا كان الله قد جعل الدعاء سببًا لنيل المطلوب المقدر، فكيف يقع بدون الدعاء! " انتهى. وقال ابن القيم في "الجواب الكافي" (ص/٤) : " الدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، وله مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا. الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه " انتهى باختصار. وقال الشيخ ابن عثيمين – كما في "المجموع الثمين من فتاوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين" (١/١٥٧) -: " الدعاء من الأسباب التي يحصل بها المدعو، وهو في الواقع يرد القضاء، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، يعني له جهتان، فمثلاً: هذا المريض قد يدعو الله تعالى بالشفاء فيشفى، فهنا لولا هذا الدعاء لبقي مريضاً، لكن بالدعاء شُفي، إلا أنا نقول: إن الله قد قضى بأن هذا المرض يشفى منه المريض بواسطة الدعاء، فهذا هو المكتوب. يظن أنه لولا الدعاء لبقي المرض، ولكنه في الحقيقة لا يرد القضاء؛ لأن الأصل أن الدعاء مكتوب، وأن الشفاء سيكون بهذا الدعاء، هذا هو القدر الأصلي الذي كتب في الأزل، وهكذا كل شيء مقرون بسبب، فإن هذا السبب جعله تعالى سبباً يحصل به الشيء، وقد كتب ذلك في الأزل قبل أن يحدث " انتهى. وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل الدعاء يرد القضاء؟ فأجابوا: "شرع الله سبحانه الدعاء وأمر به، فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ، وقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ، فإذا فعل العبد السبب المشروع ودعا فإن ذلك من القضاء، فهو رد القضاء بقضاء إذا أراد الله ذلك، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) " انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة" (١/١٩٥) . وسئلوا أيضا (٢٤/٢٤٣) : هل يخفف الدعاء من المصائب، وهل يلطف الله بنا نتيجة الدعاء؟ كيف يكون ذلك والله ينزل المصائب على الناس على الرغم من أنهم يدعونه؟ فأجابوا: "الدعاء عبادة لله ، وقد أمر الله بدعائه، فقال تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ، وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) والدعاء يخفف المصائب أو يدفعها أو يدفع ما هو أعظم منها، وقد قال النبي ﷺ : (ل يرد القدر إلا الدعاء) ، والمصائب إذا وقعت تكفر الذنوب، وترفع الدرجات، وعلى المسلم إذا وقع في مصيبة أن يصبر عليها ويحتسب الأجر من الله ، ولا يتضجر من القضاء والقدر " انتهى. فيتحصل من هذه النقول فهم المسألة إن شاء الله تعالى، فالمسلم حين يأخذ أمر الاستخارة والدعاء على أنه سبب من أسباب حصول المطلوب، فلن يفرط فيه، ولن يحاول بلوغ مراده من غير طريقه، فيكون الدعاء مصدر قوة وباب خير للعبد المسلم كما أراده الله تعالى. وانظر لمزيد فائدة جواب السؤال رقم (١١٧٤٩) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 470

هل الرزق والزواج مكتوب في اللوح المحفوظ ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل الرزق والزواج مكتوب في اللوح المحفوظ؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "كل شيء منذ خلق الله القلم إلى يوم القيامة فإنه مكتوب في اللوح المحفوظ، لأن الله سبحانه وتعالي أول ما خلق القلم قال له: (اكتب. قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) . وثبت عن النبي ﷺ أن الجنين في بطن أمه إذا مضى عليه أربعة أشهر، بعث الله إليه ملكاً ينفح فيه الروح ويكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد. والرزق أيضاً مكتوب مقدر بأسبابه لا يزيد ولا ينقص، فمن الأسباب: أن يعمل الإنسان لطلب الرزق كما قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الملك/١٥. ومن الأسباب أيضاً: صلة الرحم، من بر الوالدين، وصلة القرابات، فإن النبي ﷺ قال: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) . ومن الأسباب: تقوى الله ، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق/٢، ٣. ولا تقل: إن الرزق مكتوب ومحدد ولن أفعل الأسباب التي توصل إليه فإن هذا من العجز، والكياسة والحزم أن تسعى لرزقك، ولما ينفعك في دينك ودنياك، قال النبي ﷺ : (الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) . وكما أن الرزق مكتوب مقدر بأسبابه فكذلك الزواج مكتوب مقدر، وقد كتب لكل من الزوجين أن يكون زوج الآخر بعينه، والله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" انتهى. والله أعلم فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀. "فتاوى نور على الدرب" (ص٣٦) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 471

حكم التشاؤم بالمسكن [السُّؤَالُ] ـ[امرأة لها سبعة أولاد وبنات وعندما سكنت في منزل جديد لها، توفي أحد أولادها وتبعته إحدى البنات، وقد رأت في المنام بعد وفاتهم أنها إذا بقيت في هذا المنزل فسيموت كل أطفالها. أرجو إفادة فضيلتكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله "إذا كان الواقع هو ما ذكرتم فهي مخيرة، إن شاءت سكنت في هذا البيت، وإن شاءت انتقلت عنه إلى بيت آخر، لقول النبي ﷺ : (الشؤم في ثلاثة: في البيت، والمرأة، والدابة) وفق الله الجميع" انتهى. "مجموع فتاوى ابن باز" (٢٨/٢٥٧) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 472

فوائد الشدائد [السُّؤَالُ] ـ[لقد شاهدت على شاشات التلفاز الكثير من المصائب والمآسي التي تمر بها الأمة الإسلامية، في فلسطين جراحنا تنزف، وفي الشيشان أجسادنا تقطع، وفي أفغانستان بيوتنا تهدم، وفي الفلبين وكشمير.. واليوم في العراق.. وغداً الله أعلم بمن سيلاقي هذا المصير.. فهل هذه المصائب والمآسي التي نراها خيرٌ أم شر؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله خلق المصائب والآلام فيه من الحكم ما لا يحيط بعلمه إلا الله، ومما أطلعنا الله عليه مما هو دال على ذلك: ١- أن في الآلام والمصائب امتحاناً لصبر المؤمن قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) البقرة / ٢١٤. ٢- أن فيها دليلاً على ضعف الإنسان، وافتقاره الذاتي إلى ربه، ولا فلاح له إلا بافتقاره إلى ربه، وانطراحه بين يديه. ٣- المصائب سبب لتكفير الذنوب ورفعة الدرجات قال ﷺ : " ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة، أو حطّت عنه بها خطيئة " رواه مسلم (٢٥٧٢) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) رواه الترمذي (٢٣٩٩) صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢٢٨٠) . وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ. رواه الترمذي (٢٤٠٢) انظر: السلسلة الصحيحة برقم (٢٢٠٦) . ٤- ومن حكم المصائب عدم الركون إلى الدنيا، فلو خلت الدنيا من المصائب لأحبها الإنسان أكثر ولركن إليها وغفل عن الآخرة، ولكن المصائب توقظه من غفلته وتجعله يعمل لدار لا مصائب فيها ولا ابتلاءات. ٥- ومن أعظم حكم المصائب والإبتلاءات: التنبيه والتحذير عن التقصير في بعض الأمور ليتدارك الإنسان ما قصر فيه، وهذا كالإنذار الذي يصدر إلى الموظف أو الطالب المقصر، والهدف منه تدارك التقصير، فإن فعل فبها ونعمت، وإلا فإنه يستحق العقاب، ولعل من الأدلة على ذلك قوله تعالى: (فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون. فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) . ومن الحكم المترتبة على سابقتها الإهلاك عقاباً لمن جاءته النذر، ولكنه لم يستفد منها ولم يغير من سلوكه، واستمر على ذنوبه قال تعالى: ﴿فأهلكناهم بذنوبهم﴾ . وقال تعالى: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين) ، وقال تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً) قال ابن تيمية رحمة الله: " قد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه، فيكون محموداً من تلك الجهة لا من جهة الحزن، كالحزين على مصيبة في دينه، وعلى مصائب المسلمين عموماً، فهذا يثاب على ما في قلبه، من حب الخير وبغض الشر، وتوابع ذلك، ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة، نهي عنه، وإلا كان حسب صاحبه رفع الإثم عنه " فافهم هذا يا من تتمنى أن يغير الله الأحوال بلا عمل منك ومن أمثالك. ٦- قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) الأنعام / ٤٢ قال السعدي ﵀: لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك من الأمم السالفين والقرون المتقدمين فكذبوا رسلنا وجحدوا بآياتنا. فأخذناهم بالبأساء والضراء أي بالفقر والمرض والآفات والمصائب رحمة منا بهم. لعلهم يتضرعون إلينا ويلجأون عند الشدة إلينا. وقال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) الروم / ٤١. أي استعلن الفساد في البر والبحر، أي فساد معايشهم ونقصانها وحلول الآفات بها. وفي أنفسهم من الأمراض والوباء وغير ذلك. وذلك بسبب ما قدمت أيديهم، من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها. هذه المذكورة (ليذيقهم بعض الذي عملوا) أي ليعلموا أنه المجازي على الأعمال فعجل لهم نموذجاً من جزاء أعمالهم في الدنيا (لعلهم يرجعون) عن أعمالهم التي أثرت لهم من الفساد ما أثرت. فتصلح أحوالهم، ويستقيم أمرهم. فسبحان من أنعم ببلائه وتفضل بعقوبته، وإلا فلو أذاقهم جميع ما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة. ٧- والعبادة في الشدائد والفتن لها طعم خاص وأجر خاص: عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ) . رواه مسلم (٢٩٤٨) . قال النووي: قَوْله ﷺ : (الْعِبَادَة فِي الْهَرْج كَهِجْرَةِ إِلَيَّ) الْمُرَاد بِالْهَرْجِ هُنَا الْفِتْنَة وَاخْتِلَاط أُمُور النَّاس. وَسَبَب كَثْرَة فَضْل الْعِبَادَة فِيهِ أَنَّ النَّاس يَغْفُلُونَ عَنْهَا , وَيَشْتَغِلُونَ عَنْهَا , وَلا يَتَفَرَّغ لَهَا إِلا أَفْرَاد. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَنَّ الْفِتَن وَالْمَشَقَّة الْبَالِغَة سَتَقَعُ حَتَّى يَخِفّ أَمْر الدِّين وَيَقِلّ الاعْتِنَاء بِأَمْرِهِ وَلَا يَبْقَى لأَحَدٍ اِعْتِنَاء إِلا بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَمَعَاش نَفْسه وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ , وَمِنْ ثَمَّ عَظُمَ قَدْر الْعِبَادَة أَيَّام الْفِتْنَة كَمَا أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث مَعْقِل بْن يَسَار رَفَعَهُ " الْعِبَادَة فِي الْهَرْج كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ " ٨- أن حصول النعمة بعد ألم ومشقة ومصيبة أعظم قدراً عند الإنسان. فيعرف الإنسان قدر نعمة الله عليه في الصحة والعافية، ويقدرها حق قدرها. فمن فوائد المصائب: التذكير بنعم الله تعالى على الإنسان، لأن الإنسان الذي خلق مبصراً – مثلاً – ينسى نعمة البصر ولا يقدرها حق قدرها، فإن ابتلاه الله بعمى مؤقت ثم عاد إليه بصره أحس بكل مشاعره بقيمة هذه النعمة، فدوام النعم قد ينسي الإنسان هذه النعم فلا يشكرها، فيقبضها الله ثم يعيدها إليه تذكيراً له بها ليشكرها. بل إن في المصائب تذكيراً للإنسان المصاب ولغيره بنعم الله، فإذا رأى الإنسان مجنوناً أحس بنعمة العقل، وإن رأى مريضاً أحس بالصحة، وإن رأى كافراً يعيش كالأنعام أحس بنعمة الإيمان، وإن رأى جاهلاً أحس بنعمة العلم، هكذا يشعر من كان له قلب متفتح يقظ، أما الذين لا قلوب لهم فلا يشكرون نعم الله بل يبطرون، ويتكبرون على خلق الله. ٩- فوائد المصيبة أنها تنقذ الإنسان من الغفلة، وتنبه العبد على تقصيره في حق الله تعالى، حتى لا يظن في نفسه الكمال فيكون سبباً لقسوة القلب والغفلة قال تعالى: (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام / ٤٣. ١٠- ومن حكم الابتلاءات والشدائد: التمحيص فالشدائد تكشف حقائق الناس وتميز الطيب من الخبيث، والصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، يقول الله الباري جلا شانه عن غزوة أحد وما نال المسلمين فيها، مبيناً جانباً من الحكمة في هذا الابتلاء: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) فينكشف كلٌ على حقيقته: جزى الله الشدائد كل خير وإن كانت تغصصني بريقي وما شكري لها إلا لأني عرفت بها عدوي من صديقي ١١- وليقوم المسلمون بإغاثة من تصيبهم المصائب من المسلمين فيؤجرون على ذلك قال النبي ﷺ : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) . رواه البخاري (٦٠١١) ومسلم (٢٥٨٦) وقال: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) رواه البخاري (١٣) ومسلم (٤٥) . ١٢- وفي الشدائد والحروب يظهر الأثر الحقيقي لقول الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) فمن صور التعاون في مجال الدعوة ونصرة الدين: جهاد الكفار والمنافقين في سبيل الله ، ومشاركة أهل الدعوة الإسلامية في الحروب ضد أهل الكفر والضلال، وتهيئة جميع الوسائل والعدة والعتاد من أجل الجهاد في سبيل الله. ومن صور التعاون في نصرة الدين التي حدثت في عهد النبي ﷺ : التعاون على قتل مدعي النبوة، وقتل رؤوس أهل الشرك والمرتدين ومنهم الذين يسبون النبي ﷺ . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 473

هل هذه العبارة صحيحة ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل في هذه العبارة محظور: " لو يعرف الشخص منا وش مع الغيب بيجي له كان جنبنا المشاكل قبل ما يوقع ضررها "؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله هذه العبارة معناها: أن الإنسان لو يعلم ما يكون له في الغيب، لكان تجنب ما يقابله من المشاكل والشرور؛ وهي متفقة مع عقيدة المسلم، وليس فيها أي خطأ أو محذور؛ لأن الغيب مما استأثر الله به، ولو فُرض أن الناس يطلعون على الغيب ويعلمون بالحوادث قبل وقوعها لاستكثروا من كل خير، واجتنبوا كل شر، فنظروا أسباب الصحة والغنى والسعادة فسلكوها، ورأوا أسباب الفقر والمرض والهلاك فاجتنبوها، وهو فرض عقلي لأمر مستحيل، الغاية منه بيان عجز الإنسان وضعفه واستسلامه للقدر الذي قضاه الله . وفي القرآن الكريم ما يدل على صحة معنى هذه العبارة. يقول الله تعالى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الأعراف/١٨٨ جاء في تفسير ابن كثير "تفسير القرآن العظيم" (٣/٥٢٤) قوله: " والأحسن في هذا ما رواه الضحاك، عن ابن عباس: (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) أي: من المال. وفي رواية: لعلمت إذا اشتريت شيئًا ما أربح فيه، فلا أبيع شيئًا إلا ربحت فيه، وما مسني السوء، قال: ولا يصيبني الفقر. وقال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك: لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولعرفت الغَلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقيته " انتهى. ويقول الشيخ السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص/٣١١) : " (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) أي: لفعلت الأسباب التي أعلم أنها تنتج لي المصالح والمنافع، ولحذرت من كل ما يفضي إلى سوء ومكروه، لعلمي بالأشياء قبل كونها، وعلمي بما تفضي إليه. ولكني - لعدم علمي - قد ينالني ما ينالني من السوء، وقد يفوتني ما يفوتني من مصالح الدنيا ومنافعها، فهذا أدل دليل على أني لا علم لي بالغيب " انتهى. وانظر جواب السؤال رقم (٤٩٠٠٤) والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 474

حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي أو ترك الواجبات ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل يصح للمذنب أن يحتج على وقوعه في المعصية بأن هذا ما قدره الله عليه؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قد يتعلل بعض المذنبين المقصرين على تقصيرهم وخطئهم بأن الله هو الذي قدر هذا عليهم؛ وعليه فلا ينبغي أن يلاموا على ذلك. وهذا لا يصح منهم بحال؛ فلا شك أن الإيمان بالقدر لا يمنح العاصي حجة على ما ترك من الواجبات، أو فَعَلَ من المعاصي. باتفاق المسلمين والعقلاء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين، وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء؛ فإن هذا لو كان مقبولاً لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس وأخذ الأموال، وسائر أنواع الفساد في الأرض، ويحتج بالقدر. ونفس المحتج بالقدر إذا اعتدي عليه، واحتج المعتدي بالقدر لم يقبل منه، بل يتناقض، وتناقض القول يدل على فساده، فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بدائه العقول " مجموع الفتاوى (٨/١٧٩) وقد دل على فساد الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي أو ترك الطاعات؛ الشرع والعقل، فمن الأدلة الشرعية: ١ـ قول الله- تعالى -: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاءَابَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ) الأنعام/٣٩، فهؤلاء المشركون احتجوا بالقدر على شركهم، ولو كان احتجاجهم مقبولاً صحيحاً ما أذاقهم الله بأسه. فمن احتج بالقدر على الذنوب والمعائب فيلزمه أن يصحح مذهب الكفار، وينسب إلى الله الظلم تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً. ٢ـ قال تعالى: (رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) النساء/١٦٥، فلو كان الاحتجاج بالقدر على المعاصي سائغاً لما انقطعت الحجة بإرسال الرسل، بل كان إرسال الرسل لا فائدة له في الواقع. ٣ـ أن الله أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع، قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن/١٦، وقال سبحانه: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) البقرة/٢٨٦ ولو كان العبد مجبراً على الفعل لكان مكلفاً بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل، ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل، أو إكراه، فلا إثم عليه لأنه معذور. ولو صح هذا الاحتجاج لم يكن هناك فرق بين المكره والجاهل، وبين العامد المتعمد، ومعلوم في الواقع، وبدائه العقول أن هناك فرقا جليا بينهما. ٤ـ أن القدر سر مكتوم، لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه، وإرادة العبد لما يفعله سابقة لفعله، فتكون إرادته للفعل غير مبنية على علم بقدر الله، فادعاؤه أن الله قدر عليه كذا وكذا ادعاء باطل؛ لأنه ادعاءٌ لعلم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، فحجته إذاً داحضة؛ إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه. ٥ـ أنه يترتب على الاحتجاج بالقدر على الذنوب تعطيل الشرائع والحساب والمعاد والثواب والعقاب. ٦- لو كان القدر حجة لأهل المعاصي لاحتج به أهل النار، إذا عاينوها، وظنوا أنهم مواقعوها، كذلك إذا دخلوها، وبدأ توبيخهم وتقريعهم، لكن الواقع أنهم لم يحتجوا به، بل إنهم يقولون كما قال الله عنهم: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل) إبراهيم/٤٤. ويقولون: (ربنا غلبت علينا شقوتنا) المؤمنون/١٠٦ وقالوا: (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك/١٠. و (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) المدثر/٤٤، إلى غير ذلك مما يقولون. ولو كان الاحتجاج بالقدر على المعاصي سائغاً لاحتجوا به؛ فهم في بأمس الحاجة إلى ما ينقذهم من نار جهنم. ٧- لو كان الاحتجاج بالقدر صحيحا لكان حجة لإبليس الذي قال: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) الأعراف/١٦، ولتساوى فرعون عدو الله، مع موسى كليم الله ﵇. ٨- ومما يرد هذا القول، ويبين فساده: أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه في أمور دنياه حتى يدركه، ولا تجد شخصا يترك ما يصلح أمور دنياه ويعمل بما يضره فيها بحجة القدر فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر؟! وإليك مثالاً يوضح ذلك: لو أن إنساناً أراد السفر إلى بلد، وهذا البلد له طريقان، أحدهما آمن مطمئن، والآخر كله فوضى واضطراب، وقتل، وسلب، فأيهما سيسلك؟ لاشك أنه سيسلك الطريق الأول، فلماذا لا يسلك في أمر الآخرة طريق الجنة دون طريق النار؟ ٩ ـ ومما يمكن أن يُرد به على هذا المحتج ـ بناء على مذهبه ـ أن يقال له: لا تتزوج، فإن كان الله قد قضى لك بولد فسيأتيك، وإلا فلن يأتيك. ولا تأكل ولا تشرب، فإن قدر الله لك شبعاً ورياً فسيكون، وإلا فلن يكون. وإذا هاجمك سبع ضار فلا تفر منه، فإن قدر الله لك النجاة فستنجو، وإن لم يقدرها لك فلن ينفعك الفرار. وإذا مرضت فلا تتداو، فإن قدر الله لك شفاءً شفيت، وإلا فلن ينفعك الدواء. فهل سيوافقنا على هذا القول أم لا؟ فإن وافقنا علمنا فساد عقله، وإن خالفنا علمنا فساد قوله، وبطلان حجته. ١٠- المحتج بالقدر على المعاصي شبه نفسه بالمجانين، والصبيان، فهم غير مكلفين، ولا مؤاخذين، ولو عومل معاملتهم في أمور الدنيا لما رضي. ١١- لو قبلنا هذا الاحتجاج الباطل لما كان هناك حاجة للاستغفار، والتوبة، والدعاء، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ١٢- لو كان القدر حجة على المعائب والذنوب لتعطلت مصالح الناس، ولعمت الفوضى، ولما كان هناك داع للحدود، والتعزيرات، والجزاءات، لأن المسيىء سيحتج بالقدر، ولما احتجنا لوضع عقوبات للظلمة، وقطاع الطريق، ولا إلى فتح المحاكم، ونصب القضاء، بحجة أن كل ما وقع إنما وقع بقدر الله، وهذا لا يقول به عاقل. ١٣- أن هذا المحتج بالقدر الذي يقول: لا نؤاخذ، لأن الله كتب ذلك علينا، فكيف نؤاخذ بما كتب علينا؟ فيقال له: إننا لا نؤاخذ على الكتابة السابقة، إنما نؤاخذ بما فعلناه، وكسبناه، فلسنا مأمورين بما قدره الله لنا، أو كتبه علينا، وإنما نحن مأمورين بالقيام بما يأمرنا به، فهناك فرق بين ما أريد بنا، وما أريد منا، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أمرنا بالقيام به. وكون الله علم وقوع ذلك الفعل من القدم ثم كتبه لا حجة فيه لأن مقتضى علمه الشامل المحيط أن يعلم ما خلقه صانعون، وليس في ذلك أي نوع من أنواع الجبر، ومثال ذلك من الواقع ـ ولله المثل الأعلى ـ: لو أن مدرسا علم من حال بعض تلاميذه أنه لا ينجح هذا العام لشدة تفريطه وكسله، ثم إن هذا الطالب لم ينجح كما علم بذلك الأستاذ فهل يقول عاقل بأن المدرس أجبره على هذا الفشل، أو يصح للطالب أن يقال أنا لم أنجح لأن هذا المدرس قد علم أني لن أنجح؟ ! وبالجملة فإن الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، أو ترك الطاعات احتجاج باطل في الشرع، والعقل، والواقع. ومما تجدر الإشارة إليه أن احتجاج كثير من هؤلاء ليس ناتجاً عن قناعة وإيمان، وإنما هو ناتج عن نوع هوى ومعاندة، ولهذا قال بعض العلماء فيمن هذا شأنه: " أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به " (مجموع الفتاوى ٨/١٠٧) يعني أنه إذا فعل الطاعة نسب ذلك نفسه، وأنكر أن يكون الله قدر ذلك له، وإذا فعل المعصية احتج بالقدر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن المحتجين بالقدر: " هؤلاء القوم إذا أصروا على هذا الاعتقاد كانوا أكفر من اليهود والنصارى " (مجموع الفتاوى ٨ / ٢٦٢) وعليه فلا يسوغ للعبد أن يحتج على معايبه ومعاصيه بالقدر. وإنما يسوغ الاحتجاج بالقدر:عند المصائب التي تحل بالإنسان كالفقر، والمرض، وفقد القريب، وتلف الزرع، وخسارة المال، وقتل الخطأ، ونحو ذلك؛ فهذا من تمام الرضا بالله رباً، فالاحتجاج إنما يكون على المصائب، لا المعائب، " فالسعيد يستغفر من المعائب، ويصبر على المصائب، كما قال تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) والشقي يجزع عند المصائب، ويحتج بالقدر على المعائب " ويوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلاً أسرع بسيارته وفرَّط في أسباب القيادة السليمة فتسبب في وقوع حادث، فوبِّخ على ذلك، وحوسب عليه فاحتج بالقدر، لم يكن الاحتجاج منه مقبولاً، بينما لو أن شخصا صُدِمت سيارته وهي في مكانها لم يتحرك بها، فلامه شخص فاحتج بالقدر لكان احتجاجه مقبولا، إلا أن يكون قد أخطأ في طريقة إيقافها. فالمقصود أن ما كان من فعل العبد واختياره فإنه لا يصح له أن يحتج بالقدر، وما كان خارجا عن اختياره وإرادته فيصح له أن يحتج عليه بالقدر. ولهذا حَجَّ آدم موسى ﵉ كما في قوله ﷺ في محاجتهما: " احتج آدم وموسى فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قد قدّر علي قبل أن أخلق؟ فحج آدمُ موسى" (أي: غلبه في الحجة) رواه مسلم (٢٦٥٢) . فآدم ﵇ لم يحتج بالقدر على الذنب كما يظن ذلك من لم يتأمل في الحديث، وموسى ﵇ لم يلم آدم على الذنب؛ لأنه يعلم أن آدم استغفر ربه وتاب، فاجتباه ربه، وتاب عليه، وهداه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. ولو أن موسى لام آدم على الذنب لأجابه: إنني أذنبت فتبت، فتاب الله علي، ولقال له: أنت يا موسى أيضاً قتلت نفساً، وألقيت الألواح إلى غير ذلك، إنما احتج موسى بالمصيبة فحجه آدم بالقدر. انظر الاحتجاج بالقدر لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٨ – ٢٢) " فما قُدِّر من المصائب يجب الاستسلام له؛ فإنه من تمام الرضا بالله رباً، أما الذنوب فليس لأحد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب، فيتوب من المعائب ويصبر على المصائب " شرح الطحاوية (١٤٧) . تنبيه: ذكر بعض العلماء أن ممن يسوغ له الاحتجاج بالقدر التائبُ من الذنب، فلو لامه أحد على ذنب تاب منه لساغ له أن يحتج بالقدر. فلو قيل لأحد التائبين: لم فعلت كذا وكذا؟ ثم قال: هذا بقضاء الله وقدره، وأنا تبت واستغفرت، لقُبل منه ذلك الاحتجاج، لأن الذنب في حقه صار مصيبة وهو لم يحتج على تفريطه بالقدر بل يحتج على المصيبة التي ألمت به وهي معصية الله ولا شك أن المعصية من المصائب، كما أن الاحتجاج هنا بعد أن وقع الفعل وانتهى، واعترف فاعله بعهدته وأقر بذنبه، فلا يسوغ لأحد أن يلوم التائب من الذنب، فالعبرة بكمال النهاية، لا بنقص البداية. والله أعلم. يراجع (أعلام السنة المنشورة ١٤٧) (القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة للشيخ الدكتور / عبد الرحمن المحمود) و (الإيمان بالقضاء والقدر للشيخ / محمد الحمد) وتلخيص الشيخ سليمان الخراشي لعقيدة أهل السنة في القدر من هذين الكتابين في كتابه: (تركي الحمد في ميزان أهل السنة) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 475

مجمل اعتقاد أهل السنة في القضاء والقدر [السُّؤَالُ] ـ[هل توضح لي نظرة الإسلام للقضاء والقدر، وماذا يجب علي اعتقاده في هذا الشأن؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فالكلام على نظرة الإسلام للقضاء والقدر قد يطول قليلاً وحرصاً على الفائدة فسنبدأ بمختصر مهم في هذا الباب ثم نتبعه ببعض الشرح الذي يسمح به المقام سائلين الله النفع والقبول: اعلم وفقك الله أن حقيقة الإيمان بالقضاء هي: التصديق الجازم بأن كل ما يقع في هذا الكون فهو بتقدير الله تعالى. وأن الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان وأنه لا يتم إيمان أحد إلا به ففي صحيح مسلم (٨) عن ابن عمر ﵄ أنه بلغه أن بعض الناس ينكر القدر فقال: " إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني براء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر (أي: يحلف بالله) لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ثم أنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر" ثم اعلم أن الإيمان بالقدر لا يصح حتى تؤمن بمراتب القدر الأربع وهي: ١) الإيمان بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلا من الأزل والقدم فلا يغيب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. ٢) الإيمان بأن الله كتب كل ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. ٣) الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة فلا يكون في هذا الكون شيء من الخير والشر إلا بمشيئته سبحانه. ٤) الإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله فهو خالق الخلق وخالق صفاتهم وأفعالهم كما قال سبحانه: (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء) الأنعام/١٠٢ ومن لوازم صحة الإيمان بالقدر أن تؤمن: - بأن للعبد مشيئة واختياراً بها تتحقق أفعاله كما قال تعالى: (لمن شاء منكم أن يستقيم) التكوير/٢٨ وقال: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) البقرة/٢٨٦ - وأن مشيئة العبد وقدرته غير خارجة عن قدرة الله ومشيئته فهو الذي منح العبد ذلك وجعله قادراً على التمييز والاختيار كما قال تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) التكوير/٢٩ - وأن القدر سر الله في خلقه فما بينه لنا علمناه وآمنا به وما غاب عنا سلمنا به وآمنا، وألا ننازع الله في أفعاله وأحكامه بعقولنا القاصرة وأفهامنا الضعيفة بل نؤمن بعدل الله التام وحكمته البالغة وأنه لا يسأل عما يفعل سبحانه وبحمده. وبعد فهذا مجمل اعتقاد السلف الصالح في هذا الباب العظيم وسنذكر فيما يلي تفصيلاً لبعض ما تقدم من القضايا فنقول سائلين الله العون والتسديد: أولاً: معنى القضاء والقدر في اللغة: القضاء لغة: هو إحكام الشيء وإتمام الأمر، وأما القدر فهو في اللغة: بمعنى التقدير. ثانيا: تعريف القضاء والقدر في الشرع: القدَر: هو تقدير الله تعالى الأشياء في القِدَم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك، ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها، وخَلْقُه لها. ثالثاً: هل هناك فرق بين القضاء والقدر؟ : من العلماء من فرق بينهما، ولعل الأقرب أنه لا فرق بين (القضاء) و (القدر) في المعنى فكلٌ منهما يدل على معنى الآخر، ولا يوجد دليل واضح في الكتاب والسنة يدل على التفريق بينهما، وقد وقع الاتفاق على أن أحدهما يصح أن يطلق على الآخر، مع ملاحظة أن لفظ القدر أكثر وروداً في نصوص الكتاب والسنة التي تدل على وجوب الإيمان بهذا الركن. والله أعلم. رابعاً: منزلة الإيمان بالقدر من الدين: الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة التي وردت في قوله ﷺ عندما سأله جبريل ﵇ عن الإيمان: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " رواه مسلم (٨) وقد ورد ذكر القدر في القرآن في قوله تعالى: (إنا كل شئ خلقناه بقدر) القمر/٤٩. وقوله تعالى: (وكان أمر الله قدرا مقدورا) الأحزاب/٣٨. خامساً: مراتب الإيمان بالقدر: اعلم وفقك الله لرضاه أن الإيمان بالقدر لا يتم حتى تؤمن بهذه المراتب الأربع وهي: أـ مرتبة العلم: وهي الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وأن الله قد علم جميع خلقه قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون بعلمه القديم وأدلة هذا كثيرة منها قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) الحشر/٢٢، وقوله تعالى: (وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) الطلاق/١٢. ب ـ مرتبة الكتابة: وهي الإيمان بأن الله كتب مقادير جميع الخلائق في اللوح المحفوظ. ودليل هذا قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الحج/١٦. وقوله ﷺ : " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن تخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة " رواه مسلم (٢٦٥٣) . ج ـ مرتبة الإرادة والمشيئة: وهي الإيمان بأن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله ؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن رادته شيء. والدليل قوله تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه ُ) الكهف/٢٣،٢٤ وقوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) التكوير/٢٩. د ـ مرتبة الخلق: وهي الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، فلا يقع في هذا الكون شيء إلا وهو خالقه، لقوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) الزمر/٦٢. وقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون) الصافات/٩٦. وقوله ﷺ : " إن الله يصنع كل صانع وصنعته " أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (٢٥) وابن أبي عاصم في السنة (٢٥٧و ٣٥٨) وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٣٧) . قال الشيح ابن سعدي ﵀: " إن الله كما أنه الذي خلقهم ـ أي الناس ـ، فإنه خلق ما به يفعلون من قدرتهم وإرادتهم؛ ثم هم فعلوا الأفعال المتنوعة: من طاعة ومعصية، بقدرتهم وإرادتهم اللتين خلقها الله) (الدرة البهية شرح القصيدة التائية ص ١٨) التحذير من الخوض بالعقل في مسائل القدر: الإيمان بالقدر هو المحك الحقيقي لمدى الإيمان بالله تعالى على الوجه الصحيح، وهو الاختبار القوي لمدى معرفة الإنسان بربه تعالى، وما يترتب على هذه المعرفة من يقين صادق بالله، وبما يجب له من صفات الجلال والكمال، وذلك لأن القدر فيه من التساؤلات والاستفهامات الكثيرة لمن أطلق لعقله المحدود العنان فيها، وقد كثر الاختلاف حول القدر، وتوسع الناس في الجدل والتأويل لآيات القرآن الواردة بذكره، بل وأصبح أعداء الإسلام في كل زمن يثيرون البلبلة في عقيدة المسلمين عن طريق الكلام في القدر، ودس الشبهات حوله، ومن ثم أصبح لا يثبت على الإيمان الصحيح واليقين القاطع إلا من عرف الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، مسلِّماً الأمر لله، مطمئن النفس، واثقاً بربه تعالى، فلا تجد الشكوك والشبهات إلى نفسه سبيلاً، وهذا ولا شك أكبر دليل على أهمية الإيمان به من بين بقية الأركان. وأن العقل لا يمكنه الاستقلال بمعرفة القدر فالقدر سر الله في خلقه فما كشفه الله لنا في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ علمناه وصدقناه وآمنا به، وما سكت عنه ربنا آمنا به وبعدله التام وحكمته البالغة، وأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون. والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه. يراجع (أعلام السنة المنشورة ١٤٧) (القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة للشيخ الدكتور / عبد الرحمن المحمود) و (الإيمان بالقضاء والقدر للشيخ / محمد الحمد) [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 476

هل فعل أحد أفراد الأسرة لذنب اقترفه والدهم في الماضي من تعجيل العقوبة ؟! [السُّؤَالُ] ـ[هل عندما يعمل شخص ذنب، وبعد ذلك يكتشف أن ابنه أو أي شخص من عائلته عمل ذات الذنب، هل ذلك: كما تدين تدان، أم إنه تعجيل للعقوبة؟ وهل يجب أن يعاقب هذا الشخص الذي تحت مسئوليته وعمل الذنب؟ أم إنه يقول: إن هذا عقاب من الله لظلمه لنفسه، وبما كسبت يداه وإنه خارج إرادة الشخص الذي تحت مسئوليته؟ أرجو إفتاءنا، وجزاكم الله خير]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فإن الإنسان لا يؤاخذ بذنب غيره، كما قال الله سبحانه: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَاّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) الأنعام:١٦٤، قال العلامة الشوكاني ﵀ في فتح القدير عند تفسير الآية: " أي لا يؤاخذ مما أتت من الذنب، وارتكبت من المعصية سواها؛ فكل كسبها للشر عليها لا يتعداها إلى غيرها " انتهى. ثم قال ﵀: " وقد قيل: إن المراد بهذه الآية في الآخرة، والأولى حمل الآية على ظاهرها، أعني العموم. " انتهى. وإذا كان كذلك فإن الله تعالى لا يقدر الذنب على إنسان مؤاخذة له بذنب غيره، ولكنه حكيم فيما يفعل، وهو أعلم أين يضع فضله. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في شفاء العليل (١/٧١) : (فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه كما هو أعلم حيث يجعل رسالته.) فهو سبحانه يهدي ويوفق من يشاء فضلا، ويخذل من يشاء عدلاً. ولكن شؤم المعصية قد يسري من شخص لآخر، لمجالسته له وإلفه لعمله؛ إذ ربما جره ذلك إلى موافقته في فعله، والاقتداء به، وربما كان في تقدير الله المعصية على قريب العاصي إساءة له، وتنغيص عليه؛ فكان في ذلك نوع من المجازاة له، ولكن مع اعتقاد أن الله قدر ذلك بتمام عدله وحكمته. ومن الكلام المأثور عن علي ﵁، في كتب الأدب: " من هَتك حجاب أخيه، هُتِك حجاب بنيه!! ". وفي قول الله تعالى: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) مريم: ٢٨ قال قتادة ﵀: " كانت من أهل بيت يُعرفون بالصلاح، ولا يُعرفون بالفساد؛ ومن الناس من يُعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يُعرفون بالفساد ويتوالدون به " تفسير الطبري (١٨/١٨٦) . وقال ابن كثير ﵀: "أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟! " تفسير ابن كثير (٥/٢٢٦) وقال الشيخ السعدي ﵀: " وذلك أن الذرية - في الغالب - بعضها من بعض، في الصلاح وضده " اهـ تفسير السعدي (٤٩٢) . وفي سنن أبي داود (٣٩٦٣) وغيره، وصححه الألباني، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ) ؛ أَيْ الزَّانِيَانِ وَوَلَدهمَا. قال شيخ الإسلام ﵀: " ولد الزنا إن آمن وعمل صالحا دخل الجنة، وإلا جوزي بعمله كما يجازى غيره، والجزاء على الأعمال لا على النسب، وإنما يذم ولد الزنا لأنه مظنة أن يعمل عملا خبيثا، كما يقع كثيرا؛ كما تحمد الأنساب الفاضلة لأنها مظنة عمل الخير؛ فأما اذا ظهر العمل فالجزاء عليه، وأكرم الخلق عند الله أتقاهم " اهـ مجموع الفتاوى (٤/٣١٢) . قال الشاعر: وَأَوَّلُ خبثِ الماءِ خَبثُ تُرابِهِ وَأَوَّلُ لُؤمِ القَومِ لُؤمُ الحَلائِلِ وليس ذلك كما قلنا من مؤاخذة الإنسان بذنب غيره في شيء؛ وإنما الطبع لص، والأيام دُول، والمعاصي ديون!! وكما أن الله تعالى يمن على عبده الصالح، ويُقر عينه بصلاح زوجه وذريته، فقد يكون من عقاب العاصي أن يرى شؤم معصيته فسادا في ذريته، أو معصية في أهله، نعوذ بالله من غضبه وشر عقابه. وأما تأديبه، بل وعقابه لشخص تحت رعايته، وقد وقع في نفس الذنب الذي وقع فيه هو من قبل، فنعم هذا واجب عليه أيضا: أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في بيته فيلزمه أن ينكر على من ولاه الله عليه إذا وقع في المعصية التي هو واقع فيها. قال العلامة السفاريني ﵀ في غذاء الألباب (١/٢١٩) : يجب على كل مؤمن مع الشروط المتقدمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو فاسقاً، حتى على جلسائه وشركائه في المصعية. انتهى. وقال العلامة زكريا الأنصاري ﵀ في أسنى المطالب (٤/١٨٠) : " لا يشترط في الآمر والناهي كونه متمثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه أن يأمر وينهى نفسه وغيره، فإن اختل أحدهما لم يسقط الآخر." انتهى. على أنه سوف يكون عيبا عليه، أي عيب، وشينا في حقه أي شين: أن يأمر الناس بالمعروف وينسى، وينهاهم عن المنكر الذي يأتيه: قال الله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) البقرة:٤٤،وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) الصف: ٢-٣. فليس له من مخرج من تلك الورطة، ولا علاج لذلك الفصام، إلا بالتوبة النصوح، والأخذ بعمل الخير، قبل أن يذوق وبال أمره: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) . قال الشاعر: يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليمُ تَصِفُ الدَّواءَ لِذي السَّقامِ وَذي الضَّنا كيما يَصحّ بِهِ وَأَنتَ سَقيمُ لا تَنهَ عَن خُلُقٍ وَتأتيَ مِثلَهُ عارٌ عَلَيكَ إِذا فعلتَ عَظيمُ فابدأ بِنَفسِكَ فانهَها عَن غَيِّها فَإِذا اِنتَهَت عَنهُ فأنتَ حَكيمُ فَهُناكَ يُقبَلُ ما تَقولُ وَيَهتَدي بِالقَولِ منك وَينفَعُ التعليمُ والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 477

خرافات من العوام فيها تشاؤم بحصول مكروه [السُّؤَالُ] ـ[أريد أن أسأل عن حكم الإيمان بالمعتقدات التي يؤمن بها بعض الناس، كأن يلعبوا بالماء، أو أن يرشوا بعضهم بالماء، فيعتقدون أنه يسبب بذلك الفراق لهم، أو أن يعتقدوا عند العبث بالمقص كفتحه وإغلاقه بدون سبب، أنه يسبب حدوث مشاكل في البيت لدى العائلة، أو الإيمان عندما تعبر فوق طفل صغير بأنه لن يطول ويؤثر عليه. فما حكم هذه المعتقدات؟ .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: هذه الخرافات – وأمثالها كثير – هي من باب الشؤم المنهي عنه في الشرع المطهَّر، وخرافات الناس في هذا الباب لا حصر لها، فمنهم من يتشاءم بمرئي – كرؤية البومة والقط الأسود -، ومنهم من يتشاءم بمسموع – كسماع صوت البومة والغراب -، وحتى لو كان المرئي أو المسموع آية من كتاب الله تُرى في المصحف، أو تُسمع من قارئ! كآية وعيد أو عقاب، ومنهم من يتشاءم بعدد – كالتشاؤم من رقم ١٣ -، أو زمان – كالتشاؤم من يوم الأربعاء، أو من شهر شوال إذا أراد الزواج فيه -، أو مكان – كالتشاؤم من مكان حصل فيه جريمة -، أو صفة شخص – كالتشاؤم من الأعرج والأعمى -، أو حال إنسان – كالتشاؤم من رؤية فقير أو محتاج -. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَال: (لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ، قَالُوا وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) . رواه البخاري (٥٧٧٦) ومسلم (٢٢٢٤) . عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (الطيَرَةُ شِرْك) . رواه الترمذي (١٦١٤) وأبو داود (٣٩١٠) وابن ماجه (٣٥٣٨) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ". قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: وقوله: (الطِّيَرَة) على وزن فِعَلَة، وهي اسم مصدر تطيَّر، والمصدر منه: تطيُّر، وهي التشاؤم بمرئي، أو مسموع، وقيل: التشاؤم بمعلوم مرئيّاً كان، أو مسموعاً، زماناً كان أو مكاناً، وهذا أشمل؛ فيشمل ما لا يُرى، ولا يُسمع؛ كالتطير بالزمان. وأصل التطيُّر: التشاؤم، لكن أضيفت إلى الطير؛ لأن غالب التشاؤم عند العرب بالطير، فعلقت به، وإلا فإن تعريفها العام: التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو معلوم. وكان العرب يتشاءمون بالطير، وبالزمان، وبالأشخاص، وهذا من الشرك كما قال النبي ﷺ . والإنسان إذا فَتَحَ على نفسه باب التشاؤم: ضاقت عليه الدنيا، وصار يتخيل كل شيء أنه شؤم، حتى إنه يوجد أناس إذا أصبح وخرج من بيته ثم قابله رجل ليس له إلا عين واحدة: تشاءم، وقال: اليوم يوم سوء، وأغلق دكانه، ولم يبع، ولم يشتر - والعياذ بالله -، وكان بعضهم يتشاءم بيوم الأربعاء، ويقول: إنه يوم نحس وشؤم، ومنهم من يتشاءم بشهر شوال، ولا سيما في النكاح، وقد نقضت عائشة ﵂ هذا التشاؤم، بأنه ﷺ عقد عليها في شوال، وبنى بها في شوال؛ فكانت تقول: " أيكن كان أحظى عنده مني؟ " – رواه مسلم -، والجواب: لا أحد. فالمهم: أن التشاؤم ينبغي للإنسان أن لا يطرأ له على بال؛ لأنه ينكد عليه عيشه؛ فالواجب الاقتداء بالنبي ﷺ حيث كان يعجبه الفأل – رواه البخاري ومسلم -، فينبغي للإنسان أن يتفاءل بالخير، ولا يتشاءم، كذلك بعض الناس إذا حاول الأمر مرة بعد أخرى تشاءم بأنه لن ينجح فيه فيتركه، وهذا خطأ؛ فكل شيء ترى فيه المصلحة: فلا تتقاعس عنه في أول محاولة، وحاول مرة بعد أخرى، حتى يفتح الله عليك. " القول المفيد شرح كتاب التوحيد " (٢ / ٣٩ – ٤١) ، و " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٩ / ٥١٥، ٥١٦) . وقال الحافظ ابن حجر – ﵀: وذكر البيهقي في " الشعب " عن الحليمي ما ملخصه: كان التطير في الجاهلية في العرب: إزعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة ... . وهكذا كانوا يتطيرون بصوت الغراب، وبمرور الظباء، فسموا الكل تطيُّراً؛ لأن أصله الأول. قال: وكان التشاؤم في العجم: إذا رأى الصبي ذاهباً إلى المعلم: تشاءم، أو راجعاً: تيمَّن، وكذا إذا رأى الجمل موقراً حملاً: تشاءم، فإن رآه واضعاً حمله: تيمَّن، ونحو ذلك. فجاء الشرع برفع ذلك كله. " فتح الباري " (١٠ / ٢١٥) . ولم يُذكر التطير في القرآن الكريم إلا عن أعداء الرسل، وهو يدل على أن فاعله ومعتقده فيه من جاهلية هؤلاء، بقدر ما عنده في هذا الباب. قال ابن القيم ﵀: ولم يحك الله التطير إلا عن أعداء الرسل، كما قالوا لرسلهم (إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) يس/١٨،١٩، وكذلك حكى الله سبحانه عن قوم فرعون (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ) الأعراف/١٣١. " مفتاح دار السعادة " (٣ / ٢٣١، ٢٣٢) . وقال الحافظ ابن حجر – ﵀ – عن أهل الجاهلية -: وكان أكثرهم يتطيرون، ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالباً، لتزيين الشيان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين. " فتح الباري " (١٠ / ٢١٣) . وقد نبَّه العلماء – أيضاً – على بعض الخرافات المنتشرة بين الناس مما يتشاءمون به في حدوث قطيعة أو فساد أو طلاق. سئل علماء اللجنة الدائمة: قد حصل مني عند عقد الزواج فرقعة إصبع، وأنا جاهل في أن فرقعة الأصابع وتشبيك الأصابع يضعن تعقيداً للزواج، وبعد أن علمتُ خجلتُ أن أسأل، وأنا لي ثلاثة أطفال، ومدة زواجي سبع سنوات، فماذا أفعل؟ هل أعقد عقداً جديداً أو ماذا أفعل؟ . فأجابوا: إذا كان الواقع كما ذكرتَ: فلا تأثير لما ذكرتَ من تشبيك الأصابع، وفرقعتها حين إجراء عقد النكاح، فلا أثر لذلك على العقد، بل هو صحيح، ولا تحتاج إلى إعادته، واترك التشاؤم مما ذكرتَ ومن غيره؛ لأنه مناف للإسلام. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. " فتاوى اللجنة الدائمة " (١٨ / ١١٤) . وكل ما جاء في السؤال فهو من الباب نفسه الذي أدخل الشيطان منه كثيراً من الناس، فجعلهم يتشاءمون من أشياء لا تأثير لها على واقعهم، فلا يزال المسلمون يسبحون ويرشون بعضهم بعضاً بالماء، ويلعب الأطفال في برك السباحة، ولا يُعلم تأثير ذلك عليهم سلباً، ومثله يقال في خرافة فتح وإغلاق المقص، والعبور فوق الطفل، وقص الأظافر ليلاً، وكنس البيت بالليل، والامتناع عن الغسيل يوم الاثنين، وغير ذلك مما لا حصر له من خرافاتهم وأوهامهم التي تخوفهم مما لا يُخاف منه، وتُبعدهم عن العمل والتفاؤل، وتنقض توكلهم على ربهم تعالى. قال ابن القيم ﵀: التطير هو التشاؤم من الشيء المرئي أو المسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفره، وامتنع بها مما عزم عليه: فقد قرع باب الشرك، بل ولجه، وبرئ من التوكل على الله، وفتح على نفسه باب الخوف، والتعلق بغير الله، والتطير مما يراه، أو يسمعه، وذلك قاطع له عن مقام (إياك نعبد وإياك نستعين) و (فاعبده وتوكل عليه) و (عليه توكلت وإليه أنيب) ، فيصير قلبه متعلقا بغير الله، عبادة، وتوكلا، فيفسد عليه قلبه، وإيمانه، وحاله، ويبقى هدفاً لسهام الطيرة، ويساق إليه من كل أوب، ويقيض له الشيطان من ذلك ما يفسد عليه دينه، ودنياه، وكم هلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة، فأين هذا من الفأل الصالح، السار للقلوب، المؤيد للآمال، الفاتح باب الرجاء، المسكن للخوف، الرابط للجأش، الباعث على الاستعانة بالله، والتوكل عليه، والاستبشار، المقوي لأمله، السار لنفسه؟ ، فهذا ضد الطيرة، فالفأل: يفضي بصاحبه إلى الطاعة، والتوحيد، والطيرة تفضي بصاحبها إلى المعصية، والشرك، فلهذا استحب ﷺ الفأل، وأبطل الطيرة. " مفتاح دار السعادة " (٢ / ٢٤٦، ٢٤٧) . ثانياً: ولعلاج هذا التشاؤم الذي يوسوس به الشيطان ويزينه لأصحابه: ١. التوكل على الله حق التوكل. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ (الطِّيَرَةُ شِرْكٌ) وما مِنَّا إلا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ. رواه الترمذي (١٦١٤) وأبو داود (٣٩١٠) وابن ماجه (٣٥٣٨) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ". قال ابن عبد البر ﵀: ثبت عن النبي ﷺ أنه (نهى عن التطير) ، وقال (لا طِيَرة) ؛ وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يتطيرون، فنهاهم عن ذلك، وأمرهم بالتوكل على الله؛ لأنه لا شيء في حكمه إلا ما شاء، ولا يعلم الغيب غيره. " التمهيد " (٢٤ / ١٩٥) . ٢. أن يمضي في حاجته، ولا يتأخر، ولا يرجع. ٣. أن يدعو الله تعالى بأن يخلِّصه من كيد الشيطان بها، ويسأله تعالى الخير، ويستعيذ به من الشر. عن عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو ﵄ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ (مَن رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ من حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ) قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما كَفَّارَةُ ذلك؟ قال (أن يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللهم لَا خَيْرَ إلا خَيْرُكَ وَلَا طَيْرَ إلا طَيْرُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ) . رواه أحمد (٧٠٤٥) وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٣ / ٥٣ تحت الحديث ١٠٥٦) . قال المنَّاوي – ﵀: فينبغي لمن طرقته الطيرة أن يسأل الله تعالى الخير، ويستعيذ به من الشر، ويمضي في حاجته متوكلا عليه. " فيض القدير " (٦ / ١٣٦) . وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: وقوله: (فلا خير إلا خيرك) : هذا الحصر حقيقي، فالخير كله من الله، سواء كان بسبب معلوم، أو بغيره. وقوله: (لا طير إلا طيرك) : أي: الطيور كلها ملكك؛ فهي لا تفعل شيئاً، وإنما هي مسخرة، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) الملك/١٩، وقال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) النحل/٧٩، فالمهم: أن الطير مسخرة بإذن الله؛ فالله تعالى هو الذي يدبرها، ويصرفها، ويسخرها، تذهب يميناً وشمالاً، ولا علاقة لها بالحوادث. ويحتمل أن المراد بالطير هنا: ما يتشاءم به الإنسان، فكل ما يحدث للإنسان من التشاؤم والحوادث المكروهة: فإنه مِن الله، كما أن الخير من الله؛ كما قال تعالى: (ألا إنما طائرهم عند الله) الأعراف/١٣١. لكن سبق لنا أن الشر في فعل الله ليس بواقع، بل الشر في المفعول، لا في الفعل، بل فعله تعالى كله خير، إما خير لذاته، وإما لما يترتب عليه من المصالح العظيمة، التي تجعله خيراً. فيكون قوله: (لا طير إلا طيرك) مقابلا لقوله: (ولا خير إلا خيرك) . " القول المفيد شرح كتاب التوحيد " (٢ / ١١٧، ١١٨) ، و " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٩ / ٥٧٨) . قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -: فالحاصل؛ أن الطيرة تعالج بهذه الأمور الثلاثة: أولا: التوكل على الله. ثانيا: المضي وعدم التأثر بها، ولا تظهر على تصرفاتك، وما كأنها وجدت. والثالثة: أن تدعو بهذه الدعوات الواردة في الأحاديث، فإذا دعوت الله بهذه الدعوات: فإن الله يعافيك من الطيرة، ويمدك بإعانته، ونصره، وتوفيقه. " إعانة المستفيد شرح كتاب التوحيد " (٢ / ١٤) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] اإسلام سؤال وجواب

стр. 478

إذا كانت الأمور مقدرة فكيف يحاسب العبد عليها [السُّؤَالُ] ـ[هل اكتساب المعصية، أو الإقدام عليها، أمر مكتوب ومقدر عند الله؟ إذا كانت الإجابة نعم؛ فلماذا يقدر الخالق على بشر اكتساب الذنب، وآخرون يكتسبون الأجر وجميعنا بشر من نفس الجنس؟ ولكم جزيل الشكر والتقدير]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله يجب على العبد أن يؤمن بأمرين: الأول: أن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه لا يقع في الكون شيء إلا بإرادته ومشيئته، وأنه علم ما سيكون، وكتب ذلك كله في كتاب، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما صح عن نبينا ﷺ ، وأنه عدل لا يظلم أحدا مثقال ذرة، لأنه غني عن خلقه، لا يحتاج إليهم، وهو المتفضل عليهم في جميع الأحوال، فكيف يظلمهم! وقد دل على هذا الأصل أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، فمن ذلك قوله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) القمر/٤٩، وقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الحديد/٢٢، وقول النبي ﷺ : (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) رواه مسلم (٢٦٥٣) . والأمر الثاني: أن العبد له مشيئة واختيار، بها يفعل ويترك، ويؤمن ويكفر، ويطيع ويفجر، وعليها يحاسب ويجازى، مع أن الله سبحانه يعلم ما يكون عليه، وما سيختاره، وكيف سيكون مصيره، لكن الله لم يجبره على فعل الشر، ولا اختيار الكفر، بل وضح له الطريق، وأرسل له الرسل وأنزل له الكتب، ودله على الصواب، فمن ضل فإنما يضل على نفسه، ومن هلك فإنما يهلك عليها. قال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) الكهف/٢٩، وقال: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) الإنسان/٣، وقال: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) الزلزلة/٧، ٨، وقال: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الأعراف/٤٣، وقال: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) السجدة/١٤. فبين سبحانه أن الإنسان يؤمن ويعمل والصالحات، باختياره ومشيئته، فيدخل الجنة، أو يكفر ويعمل السيئات باختياره ومشيئته، فيدخل النار. وكل إنسان يعلم من نفسه ومن النظر إلى من حوله، أن أعمالنا - من خير وشر، وطاعة ومعصية – نفعلها باختيارنا، ولا نشعر بسلطة تجبرنا على فعلها، فأنت تستطيع أن تسب وتشتم وتكذب وتغتاب، كما تستطيع أن تحمد وتسبح وتستغفر وتصدق وتنصح، وتستطيع أن تمشي إلى أماكن اللهو والباطل والمنكر، كما تستطيع أن تمشي إلى المساجد وأماكن الخير والطاعة، وهكذا يستطيع الإنسان أن يضرب بيده، ويسرق ويزوّر ويخون، ويستطيع أن يساعد المحتاج، ويبذل الخير، ويقدم المعروف بيده. وكل إنسان يؤدي شيئا من هذه الأعمال، لا يشعر بالجبر ولا بالقهر، بل يفعلها باختياره وإرادته، ومن ثم فإنه سيحاسب عليها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وما كتبه الله تعالى وقدره، أمر لا يعلم به العبد، ولا يصح له أن يعتمد عليه، أو يحتج به، كما لا يصح أن يعترض على ربه، لم جعلت هذا في الأشقياء، وذاك في السعداء، فإن الله لم يظلم هذا الشقي، بل أعطاه المهلة والقدرة والاختيار، وأرسل له الرسل وأنزل معهم الكتب، وذكّره وأنذره بأنواع من المذكّرات، كالمصائب والابتلاءات، ليتوب إليه، ويقبل عليه، فإذا اختار طريق الغواية، وسلك سبيل المجرمين، فلن يضر إلا نفسه، وهو من أهلك نفسه، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) الشمس/٩، ١٠ وقال: (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) آل عمران/١١٧ وقال: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) التوبة/٧٠ والحاصل أن الإيمان بأن الله تعالى هو الخالق، الذي قدر الأشياء وكتبها، وميز السعداء من الأشقياء، لا يعني أن الله جبر عباده على الطاعة أو المعصية، بل أعطاهم القدرة والإرادة والاختيار، فبها يفعلون، وعليها يحاسبون، وما ربك بظلام للعبيد. وانظر إجابة السؤال رقم (٩٦٩٨٩) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 479

معنى حديث " فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار " [السُّؤَالُ] ـ[أريد شرح هذا الحديث: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال حدثنه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو الصادق المصدوق (إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفه ثم يكون علقه مثل ذلك ثم يكون مضغه مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وٍأجله وعمله وشقي أم سعيد فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) رواه البخاري بصراحة أجد نوعا من التحبيط أني قد أعمل بعمل أهل الجنة ومكتوب أني من أهل النار، وأرجو من فضيلتكم الإجابة مأجورين ومشكورين على جهودكم، والله يجعلها في ميزان حسناتكم.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله قال ابن القيم ﵀: " الجهال بالله وأسمائه وصفاته، المعطلون لحقائقها، يُبَغِّضون اللهَ إلى خلقه، ويقطعون عليهم طريق محبته، والتودد إليه بطاعته من حيث لا يعلمون!! ونحن نذكر من ذلك أمثلة يُحتذى عليها: فمنها أنهم يقررون في نفوس الضعفاء أن الله سبحانه لا تنفع معه طاعة، وإن طال زمانها وبالغ العبد وأتى بها بظاهره وباطنه، وأن العبد ليس على ثقة ولا أمن من مكره؛ بل شأنه سبحانه أن يأخذ المطيع المتقي من المحراب إلى الماخور، ومن التوحيد والمسبحة إلى الشرك والمزمار، ويقلب قلبه من الإيمان الخالص إلى الكفر، ويروون في ذلك آثار صحيحة لم يفهموها، وباطلة لم يقلها المعصوم، ويزعمون أن هذا حقيقة التوحيد.. " انتهى، الفوائد (١٥٩) . ثم قال ﵀: " ... فأفلس هذا المسكين من اعتقاد كون الأعمال نافعة أو ضارة؛ فلا بفعل الخير يستأنس، ولا بفعل الشر يستوحش، وهل في التنفير عن الله وتبغيضه إلى عباده أكثر من هذا؟!! ولو اجتهد الملاحدة على تبغيض الدين والتنفير عن الله لما أتوا بأكثر من هذا. وصاحب هذه الطريقة يظن أنه يقرر التوحيد والقدر، ويرد على أهل البدع، وينصر الدين، ولعمر الله: العدو العاقل أقل ضررا من الصديق الجاهل، وكتب الله المنزلة كلها ورسله كلهم شاهدة بضد ذلك، ولا سيما القرآن؛ فلو سلك الدعاة المسلك الذي دعا الله ورسوله به الناس إليه لصلح العالم صلاحا لا فساد معه. فالله سبحانه أخبر، وهو الصادق الوفي، أنه إنما يعامل الناس بكسبهم، ويجازيهم بأعمالهم، ولا يخاف المحِسن لديه ظلما ولا هضما، ولا يخاف بخسا ولا رهقا، ولا يضيع عمل محسن أبدا، ولا يضيع على العبد مثقال ذرة، ولا يظلمها: (وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما) ، وإن كان مثقال حبة من خردل جازاه بها، ولا يضيعها عليه، وأنه يجزي بالسيئة مثلها، ويحبطها بالتوبة والندم والاستغفار والحسنات والمصائب، ويجزي بالحسنة عشر أمثالها، ويضاعفها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة!! وهو الذي أصلح الفاسدين، وأقبل بقلوب المعرضين، وتاب على المذنبين، وهدى الضالين، وأنقذ الهالكين، وعلَّم الجاهلين، وبصَّر المتحيرين، وذكَّر الغافلين، وآوى الشاردين، وإذا أوقع عقابا أوقعه بعد شدة التمرد والعتو عليه، ودعوة العبد إلى الرجوع إلى إليه ... ) . انتهى الفوائد (١٦١) . وهذا الحديث العظيم رواه البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣) من حديث ابن مسعود ﵁، وقد أشكل على بعض الناس قوله صلى لله عليه وسلم فيه: (فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) . وهو مثال لما أشار إليه ابن القيم ﵀ من الآثار الصحيحة التي لم يفهموها. والجواب عن ذلك أن هذا في حق من لا يعمل إخلاصا وإيمانا، بل يعمل بعمل أهل الجنة (فيما يبدو للناس) فقط، كما جاء موضحا في الحديث الآخر الذي رواه البخاري (٤٢٠٧) ومسلم (١١٢) عَنْ سَهْلٍ قَالَ الْتَقَى النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُشْرِكُونَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَاقْتَتَلُوا فَمَالَ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا فَضَرَبَهَا بِسَيْفِهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجْزَأَ أَحَدٌ مَا أَجْزَأَ فُلَانٌ فَقَالَ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالُوا أَيُّنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ لَأَتَّبِعَنَّهُ فَإِذَا أَسْرَعَ وَأَبْطَأَ كُنْتُ مَعَهُ حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نِصَابَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَجَاءَ الرَّجلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) . وأما من يعمل بعمل أهل الجنة حقيقة، إخلاصا وإيمانا، فالله تعالى أعدل وأكرم وأرحم من أن يخذله في نهاية عمره. بل هذا أهل للتوفيق والتسديد والتثبيت، كما قال تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) إبراهيم/٢٧، وقال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت/٦٩، وقال: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) يوسيف/٩٠، وقال: (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) آل عمران/١٧١ قال ابن القيم ﵀ في "الفوائد" ص ١٦٣: " وأما كون الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فإن هذا عمل أهل الجنة فيما يظهر للناس، ولو كان عملا صالحا مقبولا للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يبطله عليه. وقوله: (لم يبق بينه وبينها إلا ذراع) يشكل على هذا التأويل، فيقال: لما كان العمل بآخره وخاتمته، لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له، بل كان فيه آفة كامنة ونكتة خُذل بها في آخر عمره، فخانته تلك الآفة والداهية الباطنة في وقت الحاجة، فرجع إلى موجبها، وعملت عملها، ولو لم يكن هناك غش وآفة لم يقلب الله إيمانه ... والله يعلم من سائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض " انتهى. وقال ابن رجب ﵀: " وقوله: (فيما يبدو للناس) إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس؛ إما من جهة عمل سيء ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت. وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار، وفي باطنه خصلة خفيه من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة. قال عبد العزيز بن أبي رواد: حضرت رجلا عند الموت يلقن الشهادة: لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافر بما تقول، ومات على ذلك!! قال: فسألت عنه، فإذا هو مدمن خمر!! وكان عبد العزيز يقول اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته. وفي الجملة: فالخواتيم ميراث السوابق؛ وكل ذلك سبق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق. وقد قيل: إن قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم، يقولون: بماذا يختم لنا؟!! وقلوب المقربين معلقة بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا؟!! ... وقال سهل التستري: المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر!! ومن هنا كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم وجزعهم منه؛ فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر؛ كما تقدم أن دسائس السوء الخلفية توجب سوء الخاتمة " انتهى. جامع العلوم والحكم (١/٥٧-٥٨) . وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " إن حديث ابن مسعود: (حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع) أي: بين الجنة، ليس المراد أن عمله أوصله إلى هذا المكان حتى لم يبق إلا ذراع، لأنه لو كان عمله عمل أهل الجنة حقيقة من أول الأمر ما خذله الله ؛ لأن الله أكرم من عبده، عبد مقبل على الله، ما بقي عليه والجنة إلا ذراع، يصده الله؟! هذا مستحيل، لكن المعنى: يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى إذا لم يبق على أجله إلا القليل زاغ قلبه والعياذ بالله -نسأل الله العافية- هذا معنى حديث ابن مسعود. إذاً: لم يبق بينه وبين الجنة إلا ذراع بالنسبة لأجله، وإلا فهو من الأصل ما عمل عمل أهل الجنة -نعوذ بالله من ذلك، نسأل الله ألا يزيغ قلوبنا- عامل وفي قلبه سريرة خبيثة أودت به إلى أنه لم يبق إلا ذراع ويموت " انتهى من "اللقاء الشهري" (١٣/١٤) . وأشار بعض أهل العلم إلى أن المذكور في الحديث قد يعمل بعمل أهل الجنة حقيقة، حتى إذا اقترب أجله ساءت خاتمته، فمات على كفر أو معصية، لكن هذا نادر، وهو راجع أيضا إلى خبيئة وبلية يقيم عليها هذا الشخص، من اعتقاد فاسد أو كبيرة موبقة، أوجبت سوء خاتمته، نسأل الله العافية. فيكون الحديث فيه تحذير من الاغترار بالأعمال، وتوجيه إلى سؤال الله الثبات حتى الممات، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. قال النووي ﵀ في "شرح مسلم": " الْمُرَاد بِالذِّرَاعِ التَّمْثِيل لِلْقُرْبِ مِنْ مَوْته وَدُخُوله عَقِبه , وَأَنَّ تِلْكَ الدَّار مَا بَقِيَ بَيْنه وَبَيْن أَنْ يَصِلهَا إِلَّا كَمَنْ بَقِيَ بَيْنه وَبَيْن مَوْضِع مِنْ الْأَرْض ذِرَاع , وَالْمُرَاد بِهَذَا الْحَدِيث أَنَّ هَذَا قَدْ يَقَع فِي نَادِر مِنْ النَّاس , لَا أَنَّهُ غَالِب فِيهِمْ , ثُمَّ أَنَّهُ مِنْ لُطْ اللَّه تَعَالَى وَسَعَة رَحْمَته اِنْقِلَاب النَّاس مِنْ الشَّرّ إِلَى الْخَيْر فِي كَثْرَة , وَأَمَّا اِنْقِلَابهمْ مِنْ الْخَيْر إِلَى الشَّرّ فَفِي غَايَة النُّدُور , وَنِهَايَة الْقِلَّة , وَهُوَ نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي وَغَلَبَتْ غَضَبِي﴾ وَيَدْخُل فِي هَذَا مَنْ اِنْقَلَبَ إِلَى عَمَل النَّار بِكُفْرٍ أَوْ مَعْصِيَة , لَكِنْ يَخْتَلِفَانِ فِي التَّخْلِيد وَعَدَمه ; فَالْكَافِر يُخَلَّد فِي النَّار , وَالْعَاصِي الَّذِي مَاتَ مُوَحِّدًا لَا يُخَلَّد فِيهَا كَمَا سَبَقَ تَقْرِيره. وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَصْرِيح بِإِثْبَاتِ الْقَدَر , وَأَنَّ التَّوْبَة تَهْدِم الذُّنُوب قَبْلهَا , وَأَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْء حُكِمَ لَهُ بِهِ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ , إِلَّا أَنَّ أَصْحَاب الْمَعَاصِي غَيْر الْكُفْر فِي الْمَشِيئَة. وَاَللَّه أَعْلَم " انتهى. على أن الذي ينبغي أن ننتبه إليه في هذا السياق، أن في نفس الحديث الذي أشكل عليك حل هذا الإشكال؛ وذلك أنه لم يتضمن مجرد إثبات القدر، وعلم الله تعالى السابق في خلقه، وكتابته لأعمالهم، وإنما تضمن، هو وأمثاله من النصوص، إلى جانب ذلك كله، إثبات أمره ونهيه، وأن الله تعالى لا يعذب عباده، ولا ينعمهم، على مجرد علمه فيهم، بل على ما عملت أيديهم، وكسبت نفوسهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وَهَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ فِيهِ فَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا: الْقَدَرُ السَّابِقُ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَلِمَ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَعْمَلُوا الْأَعْمَالَ وَهَذَا حَقٌّ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ ; بَلْ قَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ: كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد أَنَّ مَنْ جَحَدَ هَذَا فَقَدَ كَفَرَ ; بَلْ يَجِبُ الْإِيمَانُ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ كُلَّهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ وَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ وَأَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ... [والفصل الثاني] : أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْأُمُورَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَدْ جَعَلَ لِلْأَشْيَاءِ أَسْبَابًا تَكُونُ بِهَا؛ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا تَكُونُ بِتِلْكَ الْأَسْبَابِ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا يُولَدُ لَهُ بِأَنْ يَطَأَ امْرَأَةً فَيُحْبِلَهَا؛ فَلَوْ قَالَ هَذَا: إذَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يُولَدُ لِي فَلَا حَاجَةَ إلَى الْوَطْءِ كَانَ أَحْمَقَ ; لِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ بِمَا يُقَدِّرُهُ مِنْ الْوَطْءِ، وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذَا يُنْبِتُ لَهُ الزَّرْعَ بِمَا يَسْقِيهِ مِنْ الْمَاءِ وَيَبْذُرُهُ مِنْ الْحَبِّ؛ فَلَوْ قَالَ: إذَا عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَذْرِ كَانَ جَاهِلًا ضَالًّا ; لِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ بِذَلِكَ ... وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذَا يَكُونُ سَعِيدًا فِي الْآخِرَةِ وَهَذَا شَقِيًّا فِي الْآخِرَةِ، قُلْنَا: ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِعَمَلِ الْأَشْقِيَاءِ؛ فَاَللَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَشْقَى بِهَذَا الْعَمَلِ، فَلَوْ قِيلَ: هُوَ شَقِيٌّ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ كَانَ بَاطِلًا ; لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُدْخِلُ النَّارَ أَحَدًا إلَّا بِذَنْبِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ فَأَقْسَمَ أَنَّهُ يَمْلَؤُهَا مِنْ إبْلِيسَ وَأَتْبَاعِهِ، وَمَنْ اتَّبَعَ إبْلِيسَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا يُعَاقِبُ اللَّهُ الْعَبْدَ عَلَى مَا عَلِمَ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ حَتَّى يَعْمَلَهُ ... وَكَذَلِكَ الْجَنَّةُ خَلَقَهَا اللَّهُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ فَمَنْ قَدَّرَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ يَسَّرَهُ لِلْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ؛ فَمَنْ قَالَ: أَنَا أَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَوَاءٌ كُنْت مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا، إذَا عَلِمَ أَنِّي مِنْ أَهْلِهَا كَانَ مُفْتَرِيًا عَلَى اللَّهِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا عَلِمَ أَنَّهُ يَدْخُلُهَا بِالْإِيمَانِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إيمَانٌ لَمْ يَكُنْ هَذَا هُوَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَلْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا، بَلْ كَافِرًا، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَلِهَذَا أَمَرَ النَّاسَ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِاَللَّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ. وَمَنْ قَالَ: أَنَا لَا أَدْعُو وَلَا أَسْأَلُ اتِّكَالًا عَلَى الْقَدَرِ كَانَ مُخْطِئًا أَيْضًا ; لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الدُّعَاءَ وَالسُّؤَالَ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنَالُ بِهَا مَغْفِرَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَهُدَاهُ وَنَصْرَهُ وَرِزْقَهُ. وَإِذَا قَدَّرَ لِلْعَبْدِ خَيْرًا يَنَالُهُ بِالدُّعَاءِ لَمْ يَحْصُلْ بِدُونِ الدُّعَاءِ، وَمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَعَلِمَهُ مِنْ أَحْوَالِ الْعِبَادِ وَعَوَاقِبِهِمْ فَإِنَّمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ بِأَسْبَابِ يَسُوقُ الْمَقَادِيرَ إلَى الْمَوَاقِيتِ؛ فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ شَيْءٌ إلَّا بِسَبَبِ، وَاَللَّهُ خَالِقُ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ ... وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ ضَلَّ طَائِفَتَانِ مِنْ النَّاسِ: " فَرِيقٌ " آمَنُوا بِالْقَدَرِ وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ، فَأَعْرَضُوا عَنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَهَؤُلَاءِ يَئُولُ بِهِمْ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يَكْفُرُوا بِكُتُبِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَدِينِهِ!! وَفَرِيقٌ أَخَذُوا يَطْلُبُونَ الْجَزَاءَ مِنْ اللَّهِ كَمَا يَطْلُبُهُ الْأَجِيرُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ مُتَّكِلِينَ عَلَى حَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، وَكَمَا يَطْلُبُهُ الْمَمَالِيكُ، وَهَؤُلَاءِ جُهَّالٌ ضُلَّالٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ الْعِبَادَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ حَاجَةً إلَيْهِ، وَلَا نَهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ بُخْلًا بِهِ؛ وَلَكِنْ أَمَرَهُمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَمَّا فِيهِ فَسَادُهُمْ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ: ﴿يَا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي﴾ ... فَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ نَاظِرًا إلَى الْقَدَرِ فَقَدْ ضَلَّ، وَمَنْ طَلَبَ الْقِيَامَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُعْرِضًا عَنْ الْقَدَرِ فَقَدْ ضَلَّ ; بَلْ الْمُؤْمِنُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ؛ فَنَعْبُدُهُ اتِّبَاعًا لِلْأَمْرِ وَنَسْتَعِينُهُ إيمَانًا بِالْقَدَرِ ... " انتهى. مقتطفات من مجموع الفتاوى (٨/٦٦) وما بعدها. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 480

دوافع النجاح وتجاوز الفشل [السُّؤَالُ] ـ[ما هو الدافع لدى بعض الناس لمقاومة الفشل؟]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله إن اسم الفشل، أيها السائل الكريم، كاف لكي ننفر منه، ونسعى للنجاح، بغض النظر عن مكسب مادي يتحصل عليه المرء من نجاحه؛ فالفشل اسم نقص وذم، والنجاح اسم كمال ومدح: وَلَم أَرَ في عُيوبِ الناسِ شَيئاً كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التَمامِ إن الفشل والنجاح، ثنائية منقطعة متصلة في الوقت نفسه، قد يبدو منها التناقض في أول وهلة، ولكنها في حقيقتها متلاحمة متشابكة في تنظير الفكر، وشواهد التجربة والواقع، وإن كان لكل منهما معرِّفاتُه التي من خلالها نفهم الدوافع التي تحملنا على سلوكها إقبالا أو إحجاما: فالنجاح سنة في هذا الكون أراد الله تعالى أن تكون غاية كل مؤمن، وخلق الكون كله مسخرا لتحقيق تلك الغاية، فقد أمر سبحانه الإنسان بالإيمان، وطلب منه الالتزام بالعبودية التي لا ينفك عنها، وجعل ذلك غاية الخلق حين قال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات/٥٦، وعد سبحانه من مات على ذلك الطريق هو الناجح وغيره هو الخاسر: (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) آل عمران/١٨٥ فالنجاح إذا قصة الحياة، وغاية خلق الله تعالى لهذا الكون، وما أرسلت الرسل، وما أنزلت الكتب إلا لدعوة الناس إلى النجاح الحقيقي عند الله سبحانه، وقد وضع سبحانه من محفزات النجاح في الدنيا والآخرة ما يأخذ بأيدي السالكين إليه، وذلك: - حين كتب النعيم المقيم الخالد لمن نجح في اختبار الإيمان والعبودية، والتزم طريقهما ومات عليهما: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ. إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ. قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) الحاقة/١٩-٢٤ - وحين صور القرآن حال أولئك الذين رفضوا سبيل النجاح، وأصروا على سبيل الغواية والفشل، ووصف حالهم يوم تعرض النتائج، ويُعلم الناجح من الخاسر: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ) الحاقة/٢٥-٢٩ - وحين كتب سبحانه الحياة الطيبة في الدنيا لمن يسلك سبيل النجاح، فقال : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) النحل/٩٧ قال ابن كثير ﵀: " هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت، وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب، وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه فسرها بالقناعة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إنها هي السعادة، والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله. " تفسير القرآن العظيم " (٤ / ٦٠١) . هذا هو المنهج الذي يعيش وفقه المسلم ويفهم من خلاله الحياة، ومن انطلق من هذا الفهم فإنه لا بد سيقوده إلى النجاح والتفوق في أمور دينه ودنياه، لأن المؤمن يعلم أنه مطالب بإقامة الحق والعدل في هذه الدنيا لقول الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) الحديد/٢٥، ونجاح الفرد جزء من نجاح الأمة في تحقيق العدل والقسط. ولأن المؤمن يسمع كلام النبي ﷺ حين يقول: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلًا أَن يُتقِنَهُ) رواه أبو يعلى (٧ / ٣٤٩) وحسنه الألباني بشواهده في " السلسلة الصحيحة " (١١١٣) ، وإتقان العمل ركن من أركان النجاح. هذه الدوافع كلها هي التي تحفز المؤمن لبلوغ أقصى درجات النجاح، فهو يسعى دائما في تنمية مواهبه، واكتساب المهارات النافعة، وتطوير ذاته على المستوى الثقافي والأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي، ويعلم أن المؤمن العامل الناجح خير من القاعد المحبط الكسول، الذي لا يجني من كسله سوى خسارة الدنيا والدين. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) . رواه مسلم (٢٦٦٤) . قال ابن القيم ﵀: " فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان..، ومنها: أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده، والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع ... ، ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه أمره أن يستعين به، ليجتمع له مقام إياك نعبد وإياك نستعين، فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونته؛ فأمره بأن يعبده وأن يستعين به. ثم قال: (ولا تعجز) ؛ فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه، وينافي استعانته بالله، فالحريص على ما ينفعه، المستعين بالله، ضد العاجز؛ فهذا إرشاد له قبل وقوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله، وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه؛ فإن فاته ما لم يُقَدَّرْ له، فله حالتان: حالة عجز، وهي مفتاح عمل الشيطان؛ فيلقيه العجز إلى لو، ولا فائدة في لو ههنا، بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان، فنهاه ﷺ عن افتتاح عمله بهذا المفتاح، وأمره بالحالة الثانية، وهي: النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قدر له لم يفت ولم يغلبه عليه أحد؛ ... فلهذا قال: (فإن غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل) ، فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين: حالة حصول مطلوبة، وحالة فواته، فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا " شفاء العليل (٣٧-٣٨) . وهو بهذا الفكر يتجاوز كل عقبة وكل فشل، لا يعجزه شيء، وليس لأمانيه حدود، وليس لهمته وعزيمته نهاية. بل يعلم أن الفشل إنما هو دليل على العمل، لأن الذي يعمل هو الذي قد يفشل، وأما القاعد المتكاسل فلا يصيب فشلا ولا نجاحا، والعمل لا بد أن يثمر النجاح يوما ولو بعد حين، فهو لذلك يتخذ من الفشل خطوة نحو النجاح، يتنبه به على مواطن الخلل والنقص، ويحاول تجاوزها وإصلاحها، فيعود أقوى وأصلب مما كان عليه من قبل، حتى يصيب النجاح الذي يسعى إليه. وما باب التوبة الذي فتحه الله تعالى للذين يخطئون ويفشلون إلا حافز آخر لتجاوز مراحل الفشل إلى مراقي النجاح، خاصة إذا استفاد المقصر من تجربته، حتى قال بعض السلف: " معصية تورث ذلا وانكسارا خير من طاعة تورث عجبا واستكبارا ". وأخيراً، ومع كل هذه الحوافز والدوافع نحو النجاح وتجاوز الفشل لا يبقى عذر لقاعد أو متكاسل أو محبط، فالسبيل ميسر، إنما يَطلُبُ منك شيئا من العزيمة والإرادة والحكمة. يقول النبي ﷺ : (كُلُّ أُمَّتِي يَدخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن أَبَى) رواه البخاري (٧٢٨٠) . وانظر جواب السؤال رقم (٢٢٧٠٤) . والله أعلم [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 481

هل الأشياء السيئة التي تقع في الكون تحدث بإرادة الله ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل كل ما يقع في هذا الكون هو بإرادة الله تعالى؟ وإذا كان كذلك فكيف تقع الأشياء التي لا يحبها الله في ملك الله وبإرادته؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اعلم وفقك الله تعالى أن بعض الناس قد ضل في باب القدر لأنهم ظنوا أن إرادة الله للفعل تقتضي محبته له فجرهم ذلك إلى القول بأن أفعال الشر تقع بغير إرادة الله، فنسبوا إلى الله العجز والضعف حيث أثبتوا أنه يقع في ملكه ما لا يريد، وبالتالي فقد يريد الشيء ولا يقع ـ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ـ، والحق أنه لا تلازم بين ما يحبه الله ويريده شرعا، وبين ما يقضيه ويريده ويقدره كوناً ويتضح ذلك بالنقاط التالية: أولاً: إرادة الله الواردة في الكتاب والسنة على قسمين: القسم الأول: الإرادة الكونية القدرية: وهي مرادفة للمشيئة، وهذه الإرادة لا يخرج عن مرادها شيء؛ فالكافر والمسلم تحت هذه الإرادة الكونية سواء؛ فالطاعات، والمعاصي، كلها بمشيئة الرب، وإرادته. ومن أمثلتها قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ) الرعد/١١ وقوله: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) الأنعام/١٢٥ القسم الثاني: الإرادة الشريعة الدينية: وهي مختصة بما يحبه الله ويرضاه. ومن أمثلتها قوله ـ تعالى ـ: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر) البقرة/١٨٥ وقوله: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) النساء/٢٧، وقوله (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) المائدة/٦. ثانياً: الفرق بين الإرادتين: بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية فروق تميز كل واحدة منهما عن الأخرى، ومن تلك الفروق ما يلي: ١ـ الإرادة الكونية تتعلق بما يحبه الله ويرضاه، وبما لا يحبه ولا يرضاه. أما الشرعية فلا تتعلق إلا بما يحبه الله ويرضاه فالإرادة الكونية مرادفة للمشيئة، والإرادة الشرعية مرادفة للمحبة. ٢ـ الإرادة الكونية قد تكون مقصودة لغيرها كخلق إبليس مثلاً، وسائر الشرور؛ لتحصل بسببها أمور كثيرة محبوبة لله تعالى كالتوبة، والمجاهدة، والاستغفار. أما الإرادة الشرعية فمقصودة لذاتها؛ فالله تعالى أراد الطاعة وأحبها، وشرعها ورضيها لذاتها. ٣ـ الإرادة الكونية لابد من وقوعها؛ فالله إذا شاء شيئاً وقع ولا بد، كإحياء أحد أو إماتته، أو غير ذلك. أما الإرادة الشرعية ـ كإرادة الإيمان من كل أحد ـ فلا يلزم وقوعها، فقد تقع وقد لا تقع، ولو كان لابد من وقوعها لأصبح الناس كلهم مسلمين. ٤ـ الإرادة الكونية متعلقة بربوبية الله وخلقه، أما الشرعية فمتعلقة بألوهيته وشرعه. ٥ـ الإرادتان تجتمعان في حق المطيع، فالذي أدى الصلاة ـ مثلاً ـ جمع بينهما؛ وذلك لأن الصلاة محبوبة لله، وقد أمر بها ورضيها وأحبها، فهي شرعية من هذا الوجه، وكونها وقعت دل على أن الله أرادها كوناً فهي كونية من هذا الوجه؛ فمن هنا اجتمعت الإرادتان في حق المطيع. وتنفرد الكونية في مثل كفر الكافر، ومعصية العاصي، فكونها وقعت فهذا يدل على أن الله شاءها؛ لأنه لا يقع شيء إلا بمشيئته، وكونها غير محبوبة ولا مرضية لله دليل على أنها كونية لا شرعية. وتنفرد الشرعية في مثل إيمان الكافر المأمور به، وطاعة العاصي المطلوبة منه بدل معصيته، فكونها محبوبة الله فهي شرعية، وكونها لم تقع ـ مع أمر الله بها ومحبته لها ـ دليل على أنها شرعية فحسب؛ إذ هي مرادة محبوبة لم تقع. هذه بعض الفوارق بين الإرادتين، فمن عرف الفرق بينهما سلم من شبهات كثيرة، زلت بها أقدام، وضلت بها أفهام، فمن نظر إلى الأعمال الصادرة عن العباد بهاتين العينين كان بصيراً ومن نظر إلى الشرع دون القدر أو العكس كان أعور. ثالثاً: أفعال الله كلها خير وحكمة وعدل: فالله يفعل ما يفعل لحكمة يعلمها هو، وقد يُعْلم العباد أو بعضهم من حكمته ما يطلعهم عليه، وقد يعجز العباد بعقولهم القاصرة عن إدراك كثير من الحكم الإلهية. والأمور العامة التي يفعلها سبحانه تكون لحكمة عامة، ورحمة عامة كإرساله محمداً ﷺ كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء/١٠٧ يقول ابن القيم ﵀ " إنه سبحانه حكيم، لا يفعل شيئاً عبثاً ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة، وهي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فَعَل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله ﷺ على هذا " هذا والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين يراجع (أعلام السنة المنشورة ١٤٧) (القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة للشيخ الدكتور / عبد الرحمن الممود) و (الإيمان بالقضاء والقدر للشيخ / محمد الحمد) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 482

هل زواجي مقدَّر؟ وهل الطاعة والمعصية تغيران القدَر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[هل قدَّر الله سبحانه لكل شخص من تكون زوجته؟ وهل للمعصية والطاعة دور في تغيير القدر؟ . أنا أحب فتاة ذات دين وخلق، ولكن هي لا تحبني، فهل يجوز لي أن أدعو الله بأن يحببها فيَّ ويجعلها زوجتي في المستقبل؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: القدَر: هو تقدير الله تعالى الأشياء في القِدَم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك، ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها، وخَلْقُه لها. والإيمان بالقدر من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان أحدٍ إلا به، ولا يصح الإيمان بالقدر إلا أن يؤمن المسلم بمراتب القدر الأربع وهي: ١. الإيمان بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلا من الأزل والقدم فلا يغيب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. ٢. الإيمان بأن الله كتب كل ذلك في اللوح المحفوظ، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. ٣. الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة؛ فلا يكون في هذا الكون شيء من الخير والشر إلا بمشيئته سبحانه. ٤. الإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله فهو خالق الخلق وخالق صفاتهم وأفعالهم. وانظر تفصيل هذا في أجوبة الأسئلة (٤٩٠٠٤) و (٣٤٧٣٢) . وهذا التفصيل يبين لك أن الله تعالى قدَّر في الأزل من يكون أهلك، ومن تكون زوجتك، ومن يكون أبناؤك، وكل ما كان ويكون في الكون فهو بتقدير الله تعالى، قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) القمر/٤٩. ثانياً: لا يعني هذا أن الإنسان يكون في الدنيا بلا إرادة، كما لا يعني هذا أن لا يسعى الإنسان في أسباب سعادته وعافيته، فكل شيء جعل الله له سبباً، فمن أراد الولد فلا بدَّ له من الزواج، ومن أراد السعادة في الآخرة فلا بدَّ أن يسعى لها سعيها، وأن يأخذ في طريق الهداية، ومن أراد المال والغنى فلا بدَّ أن يسعى للكد والتعب. قال النبي ﷺ : (اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ..) متفق عليه. ولم يُطلع الله تعالى أحداً على تفصيل ما سيحصل له من خير أو شر، لذا فإن كل أحدٍ يسعى لجلب الخير لنفسه ودفع الأذى عن نفسه، ولا يكون عاقلاً من يسير في طريق سريع عكس الاتجاه ثم يقول " لن يحصل معي إلا ما كُتب لي أو عليَّ " ولا يجلس أحدٌ في بيته ثم يقول " لن يأتيني إلا ما قدِّر لي من رزق " ولا يأكل أحد طعاماً فاسداً ثم يقول " لن يصيبني إلا ما كتب الله لي أو عليَّ " وهذه الأمور لو فعلها أحدٌ وقالها لعدَّ من المجانين، وهو كذلك. وفي خصوص الزواج فإن المسلم يعلم أن النبي ﷺ قد حثَّه على التزوج بذات الدِّين، وهذا يقتضي منه البحث والتحري عن صاحبة الدِّين، ولا يقول عاقل إنني لن أسعى في هذا؛ لأنه لو عرض عليه امرأة مجنونة أو دميمة أو كبيرة في السن أو ذات أخلاق سيئة فإنه لن يقبل بها زوجة! ولن يدَّعي أنه سيتزوج بأول من يراها أو أول من تُعرض عليه، وهذا يؤكد ما قلناه من أنه سيعرض عن بعض النساء، ويتأمل في أخريات ويتردد في بعضهن وهكذا، ولو اختار، بعد النظر والتأمل والاستشارة والاستخارة، امرأة تناسبه فليعلم أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فليجعل رجاءه في ربه أن يهيئ له من أمره رشدا، وأن يقدر له أرشد الأمور بالنسبة إليه، وأحبها إلى رب العزة ﵎. ثم عليه، إذا وقع الأمر، وقدر له ربه عطاءً أو منعا، على ما وافق هواه أو خالفه، أن يحسن الظن بربه ، ويعلم أن الله لا تعالى لا يقضي لعبده المؤمن الصبار الشكور إلا قضاء الخير. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم (٢٩٩٩) . وانظر جواب السؤال رقم: (١٨٠٤) . ثالثاً: أما بالنسبة لأثر الطاعة والمعصية على تغيير القدَر، فلتعلم أن أما ما كان في اللوح المحفوظ فإنه لن يتغير، قال النبي ﷺ (رُفعت الأَقْلَام وَجَفَّت الصُّحُف) - رواه الترمذي (٢٥١٦) وصححه من حديث ابن عباس -، وأما ما في أيدي الملائكة من صحف فإن الله تعالى قد يأمر ملائكته بتغييرها لطاعة يفعلها المسلم أو معصية يرتكبها، ولا يكون في النهاية إلا ما كُتب أزلاً، ويدل على ذلك قوله تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) الرعد/٣٩. وقد حثَّ النبي ﷺ على القيام ببعض الطاعات التي لها أثر في زيادة عمر الإنان، كصلة الرحِم، وأخبر أن الدعاء يرد القضاء، وهذا معناه: أن الله تعالى علَم أولاً أن عبده فلان سيأتي بهذه الطاعات فقدَّر له عمراً مديداً أو بركة في الرزق، والعكس كذلك فقد يرتكب الإنسان معصية يُحرم بسببها الرزق، ويكون الله تعالى قد علَم ذلك أزلاً فقدَّره وكتبه بحسب علمه، ولم يجبر الله تعالى أحداً على طاعة ولا معصية. وقد جمع النبي ﷺ هذا في حديث واحد: عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ وَلا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلا الدُّعَاءُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ) . رواه ابن ماجه (٤٠٢٢) . قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " (رقم ٣٣) : سألت شيخنا أبا الفضل العراقي – ﵀ – عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن. انتهى وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة. عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) رواه البخاري (٥٦٤٠) ومسلم (٢٥٥٧) . وروى الطبري بإسناده، عن أبي عثمان النهدي: أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب فاجعله سعادة ومغفرة وكان أبو وائل شقيق بن سلمة التابعي مما يكثر أن يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. [تفسير الطبري ٧/٣٩٨] وانظر جواب السؤال رقم: (٤٣٠٢١) . رابعاً: حبُّك للفتاة ذات الخلق والدِّين يوجب عليك الحذر من أن تقع في مخالفات شرعية كمراسلتها أو محادثتها أو الخلوة بها، ولا ننصحك أن تدعو الله تعالى أن يحببها بك، بل ننصحك بالدعاء أن يرزقك الله تعالى زوجة صالحة، وإذا رأيتَ من تنطبق عليها مواصفات المرأة الصالحة فتقدَّم لها واخطبها، ولا داعي لتعيين امرأة بعينها فقد تبادلك المحبة ثم تقعان في مخالفات شرعية، وقد لا يتيسر لكما أمر الزواج، فدعاء الله تعالى بأن ييسر لك زوجة صالحة خير لك فيما نرى. على أننا نصدقك ـ أخانا الكريم ـ القول، ونرى أن التعلق بهذه الفتاة هو مشكلة فراغ بالنسبة؛ ونعني بالفراغ هنا أنك لم تشغل نفسك بمهمات الأمور، فملأ الشيطان قلبك شغلا بما فيه المضرة عليك في نفسك ودينك، أو بما يفوت عليك مصالحك. روى ابن الجوزي عن ابن عائشة قال: قلت لطبيب كان موصوفا بالحذق: ما العشق؟ قال شغل قلب فارغ!! [ذم الهوى ٢٩٠] . وإلا، فقل لي بربك يا أخي، هل أنت جاد في البحث عن زوجة مناسبة، في هذه الفترة؟! وإذا كنت جادا في ذلك البحث، فهل أنت جاد في إمضاء الزواج الآن؟! وإذا كنت جادا في إمضاء الزواج الآن، فهل ظروفك ملائمة لذلك الجِد (!!) منك؟!! عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: خَطَبْتُ امْرَأَةً، فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهَا فِي نَخْلٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟!! فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِذَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا) رواه ابن ماجة (١٨٦٤) وصححه الألباني. فانظر ـ يا أخي ـ كيف أن النبي ﷺ علق الإذن بالنظر على إرادة النكاح. قال العلماء: وهذا مستثنى من النهي عن النظر إلى المرأة الأجنبية، ولذلك إنما يسوغ حيث تدعو إليه الحاجة، ويرجو أن يتم زواجه الذي يريد. قال ابن القطان ﵀: " لو كان خاطب المرأة عالما أنها لا تتزوجه، وأن وليها لا يجيبه، لم يجز له النظر، وإن كان قد خطب [يعني: وإن كان يطلب خِطبتها] ؛ لأنه إنما أبيح له النظر ليكون سببا للنكاح، فإذا كان على يقين من امتناعه، بقي النظر على أصله من المنع) [النظر في أحكام النظر ٣٩١] . ومعلوم أن إرادة النكاح ممن لا يقدر على مؤنته، أو لا تساعده عليه ظروفه في وقته الراهن، نوع من العبث وإضاعة الزمان، وشغل القلب بما لا ينفع، بل بما يضر. وحين تكون جادا، فاستعن بالله تعالى، واسأله التوفيق في أمرك، فإن بقيت على حالها، واستخرت ربك في شأنها، فامض في خطبتك، وإلا، فالنساء سواها كثير؛ فاظفر منهن بذات الدين؛ تربت يداك!! نسأل الله تعالى أن يهديك لما فيه رضاه، وأن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن يرزقك زوجة صالحة وذرية طيبة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 483

ما هي الحكمة من تألُّم الأطفال في الدنيا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[حاولت أن أدعو صديقاً لي في العمل للإسلام والإيمان بالله فقال إن الحاجز الذي يعيقه عن الإيمان بالله هو أن الأطفال البريئين يتألمون في هذه الدنيا، وهو لا يستطيع أن يفهم لماذا يحصل هذا الشيء. فما هي الطريقة المثلى لأُجيبه على هذا الإشكال؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ينبغي أن يعلم الناس جميعاً أن الله تعالى حكيم، وأن في أوامره وتقديراته الحكمة البالغة، وأنه قد يعلم عباده أو بعض عباده حكمته فيها، وقد يخفيها عنهم ابتلاء واختباراً. والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة، وذلك كإرسال النبي ﷺ فإنه أخبر أنه أرسله رحمة للعالمين، ومثلها خلق الجن والإنس إنما هو لتوحيده . قال ابن تيمية: وعلى هذا فكل ما فعله علمْنا أن له فيه حكمة، وهذا يكفينا من حيث الجملة، وإن لم نعرف التفصيل، وعدم علْمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته، وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا وأما كنه ـ أي حقيقة ـ ذاته فغير معلومة لنا: فلا نكذب بما علمناه ـ أي من كماله ـ ما لم نعلمه ـ أي من تفاصيل هذا الكمال ـ، وكذلك نحن نعلم أنه حكيم فيما يفعله ويأمر به، وعدم علْمنا بالحكمة فى بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته، فلا نكذب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها. ونحن نعلم أن مَن علم حذق أهل الحساب والطب والنحو ولم يكن متصفاً بصفاتهم التى استحقوا بها أن يكونوا من أهل الحساب والطب والنحو: لم يمكنه أن يقدح فيما قالوه لعدم علمه بتوجيهه، والعباد أبعد عن معرفة الله وحكمته فى خلقه من معرفة عوامهم بالحساب والطب والنحو، فاعتراضهم على حكمته أعظم جهلاً وتكلفاً للقول بلا علم من العامي المحض إذا قدح فى الحساب والطب والنحو بغير علمٍ بشىءٍ من ذلك. " مجموع الفتاوى " (٦ / ١٢٨) . وإيلام الله تعالى للأطفال لا شك ولا ريب أنه لحكمٍ عظيمة لكنها قد تخفى على بعض الناس فينكر تقدير الله تعالى لهذا الأمر، ويَدخل عليه الشيطان من خلاله فيصده عن الحق والهدى. ومن حِكم الله تعالى في ألم الأطفال: ١. الاستدلال به على مرضه أو وجعه، ولولا ذلك ما عُلم ما به من مرض. ٢. البكاء الذي يولٍّده الألم، وفيه منافع عظيمة لجسم الطفل. ٣. الاعتبار والاتعاظ، فقد يكون أهل الطفل هذا من مرتكبي المحرَّمات أو تاركي الواجبات، فإذا رأوا تألَّم طفلهم فقد يرجعهم ذلك إلى ترك المحرَّمات كأكل الربا أو الزنا أو ترك الصلوات أو شرب الدخان، وخاصة إذا كان هذا الألم بسبب مرض تسببوا بوجوده كبعض ما سبق ذكره من المحرَّمات. ٤. التفكر في الدار الآخرة، وأنه لا سعادة ولا هناء إلا في الجنة، ولا يكون هناك ألَم ولا عذاب، بل صحة وعافية وسعادة، والتفكر في النار وأنها دار الألَم الدائم غير المنقطع، فيعمل ما يقربه إلى الجنة، ويباعده عن النار. قال ابن قيم الجوزية: ثم تأمل حكمة الله تعالى في كثرة بكاء الأطفال وما لهم فيه من المنفعة؛ فإن الأطباء والطبائعيين شهدوا منفعة ذلك وحِكمته، وقالوا: في أدمغة الأطفال رطوبة لو بقيت في أدمغتهم لأحدثت أحداثاً عظيمةً، فالبكاء يسيِّل ذلك ويحدِّره من أدمغتهم فتقوى أدمغتهم وتصح. وأيضاً: فإن البكاء والعِياط – أي: الصراخ - يوسِّع عليه مجاري النَّفَس، ويفتح العروق، ويصلِّبها، ويقوِّي الأعصاب. وكم للطفل مِن منفعة ومصلحة فيما تسمعه من بكائه وصراخه، فإذا كانت هذه الحكمة في البكاء الذي سببه ورود الألم المؤذي وأنت لا تعرفها ولا تكاد تخطر ببالك: فهكذا إيلام الأطفال فيه وفي أسبابه وعواقبه الحميدة مِن الحكَم ما قد خفي على أكثر النَّاس، واضطرب عليهم الكلام في حِكمته اضطراب الأرشية – أي: الخصوم -. " مفتاح دار السعادة " (٢ / ٢٢٨) . وقال – أيضاً -: هذه الآلام هي من لوازم النشأة الإنسانية التي لا ينفك عنها الإنسان ولا الحيوان، فلو تجرَّد عنها لم يكن إنساناً بل كان ملَكا أو خلقاً آخر. وليست آلام الأطفال بأصعب من آلام البالغين، لكن لما صارت لهم عادة سهُل موقعها عندهم، وكم بين ما يقاسيه الطفل ويعانيه البالغ العاقل. وكل ذلك من مقتضى الإنسانية وموجب الخلقة، فلو لم يُخلق كذلك لكان خلقاً آخر، أفترى أن الطفل إذا جاع أو عطش أو برَد أو تعب قد خُصَّ من ذلك بما لم يُمتحن به الكبير؟ فإيلامه بغير ذلك من الأوجاع والأسقام كإيلامه بالجوع والعطش والبرد والحر دون ذلك أو فوقه، وما خلق الإنسان بل الحيوان إلا على هذه النشأة. قالوا: فإن سأل سائل وقال: فلم خُلق كذلك؟ وهلا خُلق خلقة غير قابلة للألم؟ فهذا سؤال فاسد؛ فإن الله تعالى خلَقه في عالم الابتلاء والامتحان من مادة ضعيفة، فهي عرضة للآفات، وركبَّه تركيباً معرَّضا للأنواع من الآلام ... فوجود هذه الآلام واللذات الممتزجة المختلطة من الأدلة على المعاد، وأن الحكمة التي اقتضت ذلك هي أولى باقتضاء دارين: دار خالصة للذات لا يشوبها ألم ما، ودار خالصة للآلام لا يشوبها لذة ما، والدار الأولى: الجنة، والدار الثانية: النار ... " مفتاح دار السعادة " (٢ / ٢٣٠، ٢٣١) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 484

هل الإنسان مسير أو مخير [السُّؤَالُ] ـ[هل قدرنا مكتوب؟ البعض يقول بأنه لدينا الخيار في الطريق الذي نسلكه ولكن الذي سوف تجد في نهاية هذا الطريق هو ما قد قدره الله لك، وقد قرأت أيضاً أن القدر ربما خلقه الجهم بن صفوان وليس الله. أين يمكن أن أجد معلومات في القرآن؟ إذا كانت الأقدار قد قُدرت فكم النسبة منها قد قدره الله؟ هل صحيح أنه معلوم اليوم الذي ولد فيه الشخص الذي سيتزوجني ومتى وأين سيموت؟ ماذا لو قابلت الشخص الذي من المفترض أن أتزوجه ولكن بطريقة ما اخترت الطريق الخطأ فهل سيعود لطريقي مرة أخرى أم أن هذا سيكون قدري وأن هذا عقابي فلن أحصل على هذا الرجل مرة أخرى في حياتي؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، لقول النبي ﷺ في جواب جبريل ﵇ حين سأل عن الإيمان: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره". والمراد بالقدر: تقدير الله تعالى للأشياء في القَدَم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك، ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها وخلقه لها. [القضاء والقدر للدكتور عبد الرحمن المحمود ص ٣٩] . فالإيمان بالقدر يقوم على الإيمان بأربعة أمور: الأول: العلم: أي أن الله علم ما الخلق عاملون، بعلمه القديم. الثاني: الكتابة: أي أن الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ. الثالث: المشيئة: أي أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فليس في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئته سبحانه. الرابع: الخلق والتكوين: أي أن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، فهم يعملونها حقيقة، وهو خالقهم وخالق أفعالهم. فمن آمن بهذه الأمور الأربعة فقد آمن بالقدر. وقد قرر القرآن هذه الأمور في آيات عدة، منها قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) الأنعام / ٥٩ وقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الحديد / ٢٢ وقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) التكوير/ ٢٩ وقوله: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) القمر / ٤٩ وروى مسلم (٢٦٥٣) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: وعرشه على الماء ". وبهذا يتبين لك أن القول بأن القدر خلقه الجهم بن صفوان، قول لا أساس له من الصحة، والقدر لا يُخلق، بل الخلق داخل في الإيمان بالقدر. والجهم إنما غلا في إثبات القدر، وزعم أن الناس مجبورون على أفعالهم لا اختيار لهم وهو قول باطل. والذي عليه أهل السنة والجماعة أن العبد له مشيئة واختيار، ولهذا يثاب ويعاقب، ولكن مشيئته تابعة لمشيئة الله تعالى، فلا يقع في الكون شئ لا يريده الله. فما قاله البعض من أن لدينا الخيار في الطريق الذي نسلكه ولكن الذي سوف تجده في نهاية هذا الطريق قد قدره الله لك، قول صحيح. قال الله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) الانسان / ٣ , وقال: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) البلد / ١٠ وقال:) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر) الكهف / ٢٩ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينا مذهب أهل السنة في أفعال العباد: (والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم. والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم. وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالق قدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى " لمن شاء منكم أن يستقيم. وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين") [الواسطية مع شرح هراس ص ٦٥] . والزواج من جملة ما قدره الله تعالى، والشخص الذي سيتزوجك، قد علم الله من هو، ومتى ولد وأين ومتى سيموت، وكيف سيكون حاله معك، إلى غير ذلك من التفاصيل، كل ذلك قد علمه الله وكتبه في اللوح المحفوظ، وهو واقع لا محالة كما قدر الله. وإذا قدر الله لك الزواج من شخص، لكنك اخترت غيره، فإنك مهما طال الزمن ستتزوجين من ذلك الشخص، وزواجك من غيره مقدر عليك أيضا، فليس شئ إلا بتقدير الله تعالى. فقد يكون مقدرا لامرأة أن تتزوج من فلان بن فلان، فيتقدم لها فتأباه، وترفضه، وتتزوج من غيره، فيموت عنها أو يطلقها، ثم تقبل بالأول، وكل ذلك مقدر. مقدر لها أن تتزوج بفلان بن فلان بعد رفضه أو بعد تجربة أو محنة أو غير ذلك. وقد يقدر للمرأة أن رجلا صالحا يتقدم لها، فترفضه، فلا يعود لها أبدا، بل تتزوج وتعيش مع غيره ممن هو أكثر أو أقل صلاحاً، على ما قدره الله تعالى لها. ولما كان الإنان لا يدري ما قدر له، كان سبيله أن يلتزم الشرع، وأن يتقيد بالأمر والنهي، وأن يستعين بالله تعالى ويستخيره في كل أمر مع ما يبذله من الأسباب الحسية والتي من أهمها استشارية أهل النصح ممن لهم خبرة. فمتى ما تقدم الرجل الصالح لخطبة امرأة، كان عليها أن تستخير الله تعالى، وأن تقبل الزواج منه، فإن تيسرت الأمور وسُهُلت، كان هذا دليلا على أن الخير لها في الارتباط به. والخلاصة أن على الإنسان أن ينظر في شرع الله تعالى ويطبق أمر الله وإن كرهت نفسه؛ ويترك ما نهى عنه ولو تعلقت به نفسه، فإن الخير كله في امتثال الشرع، قال الله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) البقرة / ٢١٦، ولا ينظر إلى القدر من يحتج به على ترك الأوامر وفعل المحرمات وإنما ينظر إليه نظر الرضا بما قد لا يكون موافقاً لما يحبه من الأقدار المؤلمة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 485

حديث: (من اعتمد على عقله ضل) [السُّؤَالُ] ـ[معنى الحديث: (من اعتمد على ماله قلَّ , ومن اعتمد على عقله ضلَّ , ومن اعتمد على الله فلا يضل) . فهل هذا يعني أن العقل لا يستخدم في الاجتهاد؟ ومتى يستخدم العقل في الاجتهاد؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله حديث: (من اعتمد على ماله قلَّ ومن اعتمد على عقله ضلَّ ومن اعتمد على الله فلا يضل) لم نجده بعد الاطلاع والبحث منسوباً إلى النبي ﷺ ، ووجدناه في بعض الكتب منسوباً لعلي بن أبي طالب ﵁. والعقل في الإسلام له أهمية كبيرة، وتكمن أهميته في أمور، منها: ١. أنه شرط التكليف، فمن شروط التكليف بالأوامر وترك النواهي أن يكون المكلَّف عاقلاً. ٢. أن العقل هو إحدى الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها والاهتمام بها، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، ومن تشريعات حفظ العقل في الإسلام تحريم شرب الخمر والمخدرات. ٣. أن استعمال الإنسان لعقله استعمالاً صحيحاً يجعله يفهم الآيات والأحاديث على وجهها الصحيح، وإذا كان كافراً فإن الله تعالى جعل في دينه من الحجج والبراهين ما لا يخفى على عاقل، لكن من لم يستخدم عقله لم ينتفع بهذه الحجج والبراهين، لذا سيندم هؤلاء يوم القيامة وسيتمنون لو أنهم استخدموا عقولهم على وجهها الصحيح، قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ. فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك/١٠،١١، وليس في الإسلام شيء يخالف العقل الصريح، بل العقل موافق لما جاء في الشرع، وإنما ضلَّ أقوام حكَّموا عقولهم هم في نصوص الشرع فضلوا وأضلوا، أما من استعمل عقله ليفهم ما جاء من نصوص وفق قواعد السلف ومنهجهم فهو المجتهد المأجور. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فيأخذ المسلمونَ جميعَ دينهم من الاعتقادات , والعبادات , وغير ذلك من كتاب الله , وسنَّةِ رسولِهِ , وما اتفق عليه سلف الأمّة وأئمتها، وليس ذلك مخالفاً للعقل الصريح؛ فإنّ ما خالف العقل الصريح فهو باطلٌ. وليس في الكتاب والسنَّةِ والإجماع باطل، ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعضُ النَّاس , أو يفهمون منها معنى باطلاً , فالآفةُ منهم , لا من الكتاب والسُّنَّة؛ فإن الله تعالى قال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدى وَرَحْمَة وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِين) " انتهى. " مجموع الفتاوى " (١١ / ٤٩٠) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 486

هل ننقذ المريض أم نتركه للقضاء والقدر [السُّؤَالُ] ـ[الله عليم بكل شيء حتى الذي لم يحصل بعد، ما رأي الإسلام في القضاء والقدر أو هل يمكن للرجل بأن يتحكم في القسمة والنصيب أم أنه شيء مكتوب؟ مثلاً: إذا كان شخص يموت فإن بعض الناس يقولون موته في يد الله ومشيئته والبعض يحاول علاجه وإنقاذه من الموت، هل هو مكتوب أم أن الرجل يمكن أن يكتب قدره بنفسه؟ .]ـ [الْجَوَابُ] كل شيء مكتوب ومقدر كما قال تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ، وقال تعالى: (وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر) . وفي الحديث الصحيح: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) وفي الحديث الآخر: (قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) . وهذا التقدير غائب عنا لا نعلمه ولا يجوز أن نتكل عليه وندع العمل والأخذ بالأسباب فلا تنافي بين الأمرين وقد قال ﷺ : (عباد الله تداووا ولا تداووا بحرام فإن الله ما أنزل داء وإلا أنزل له شفاء أو دواء) وقال ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) ونحن لا نعلم عن المكتوب إلا بعد حصوله، وقد جعل الله لنا إرادة وقدرة ومشيئة واختياراً لا نخرج عن قدرة الله ومشيئته، والخلاصة أنه لا تعارض بين محاولة إنقاذ إنسان من الموت وبين قضاء الله المقدر والمكتوب والذي لا نعلمه إلا بعد حصوله، والله تعالى أعلم. [الْمَصْدَرُ] كتبه: د. سليمان الغصن.

стр. 487

امرأة مستقيمة ابتليت، وتسأل لماذا ؟ [السُّؤَالُ] ـ[أنا شابة كنت أعيش حياة سعيدة مع أنها ليست إسلامية جادة (أصلي وأصوم وألبس حجاباً لا بأس به) ، ومنذ أن تزوجت أصبحت متدينة أكثر والحمد لله وهنا بدأت مشاكلي. كثرة المشاكل تتعبني جداً فأرجو أن تجيب على سؤالي وتنصحني وأرجو كذلك أن تدلني على كتاب يساعدني في البحث عن أجوبة وحتى لو كان بالعربية. دائماً أفكر وأقول بأنني لم أكن بذلك السوء قبل الزواج بالمقارنة بآخرين كانوا غير متدينين أبداً، ولم أقترف الكثير من الذنوب، فلماذا يحصل لي كل هذا وما هو الحل.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ﷺ القائل: (إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ وَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لا يُحِبُّ وَلا يُعْطِي الدِّينَ إِلا لِمَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ ... ) رواه أحمد (٣٤٩٠) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٧١٤. وبناءً على هذا الحديث فعليكِ أن تحمدي الله حمداً كثيراً على هذه النعمة التي منّ بها عليكِ من الاستقامة على دينه، واعلمي أن البلاء هو حال هذه الدار التي هي دار بلاء وامتحان (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) الأنبياء/٣٥، وحال المسلم مع كل بلاء هي حال الموقن بأن الله لن يقدِّر عليه إلا ما فيه الخير في دينه وفي دنياه، وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم (٢٩٩٩) وكل ما ذكرتيه أيتها الأخت السائلة هو داخل في هذا الابتلاء بما لا يريده الإنسان والواجب عليك فيه الصبر وأن تعلمي أن كل هذا من عند الله لخيرٍ يريده بك. وليست الاستقامة على أمر الله هي السبب فيما أصابك من بلاء؛ لأن من المتقرر شرعا أن الاستقامة هي سبب السعادة وأن ضدها هو سبب التعاسة قال تعالى (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) النحل/٩٧، وقال سبحانه (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) طه ١٢٣،١٢٤ فالإيمان سبب السعادة الحقة في الدارين والإعراض عن ذكر الله سبب التعاسة والضيق، وحقيقة السعادة في القلب فلا ينافيها ما يحصل للمؤمن من ابتلاءات، بل إن الابتلاء الدنيوي قد حصل للأنبياء أيضاً كما في الحديث " إِنَّ مِنْ أَشَدّ النَّاس بَلاء الأَنْبِيَاء , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " أحمد ٢٦٥٣٩، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١١٦٥, وفي رواية" يُبْتَلَى الرَّجُل عَلَى حَسَب دِينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه حَتَّى يَمْشِي عَلَى الأَرْض وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَة " أَخْرَجَهُ ابن ماجه٤٠١٣ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٣٢٤٩. وكما تقدم في الحديث الأول فإن السعة والضيق في أمور الدنيا لا تتوقف على دين الشخص. والذي نوصيك به أيتها الأخت: مجاهدة النفس على الصبر، وإبعاد الخواطر الفاسدة والظن السيئ بالله تعالى، وعدم الضعف في الاستقامة بسبب هذه الظنون، ومن أهم الوسائل المعينة على هذا الدعاء بل قد يكون البلاء سبباً لكثرة دعاء الإنسان لربه فيفتح له بذلك خيرات كثيرة، واختاري من الأدعية ما يناسب تفريج البلاء من القرآن والسنة كدعاء أيوب (رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) الأنبياء/٨٣ ، وكوني موقنة بالإجابة ولا تعجلي فإن الله تعالى أرحم بعبده من الوالدة بولدها، واحرصي على تحصين نفسك بالأذكار الشرعية. ومن الأمور المُعينة على الصبر القراءة في سيرة النبي ﷺ وما مر عليه من البلاء والشدة وكذلك التأمل في أجور الصابرين في الدنيا والآخرة ومن الكتب المفيدة في هذا كتاب عدة الصابرين لابن القيم ﵀. نسأل الله تعالى لك الصبر وثبوت الأجر، والشفاء لك ولولدك، وأن يعود حالك مع زوجك وأهلك إلى خير حال، وأن يثبتنا وإياك على طريق الحق. [الْمَصْدَرُ] الشيخ محمد صالح المنجد

стр. 488

هل يجوز التخطيط للمستقبل [السُّؤَالُ] ـ[هل من الخطأ أن يقوم الشخص بالتخطيط المستقبلي لشيء ما, أعني أن يقول أنني سأفعل هذا الأمر غدا, أو في الشهر القادم أو العام القادم؟ مع أني أؤمن تماما بأن الموت قد يحين في أي وقت.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله فإنه لا مانع أن يخطط الإنسان ويقدّر ما يحتاج إليه في المستقبل، وما يأمل تحقيقه، ويقول سأفعل كذا غدا أو بعد أسبوع، أو بعد سنة، لكن ينبغي أن يقول مع ذلك إن شاء الله، قال تعالى: (ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غدا إلاّ أن يشاء الله) . وكل ما ينوي الإنسان فعله في المستقبل، ويعزم عليه أو يرجو حصوله فإنه مبني على الأمل، والأمل هو الذي يحفز الناس على العمل لكن المؤمن يسعى في هذه الحياة فيما ينفعه في دينه ودنياه، ويأخذ بالأسباب، ويتوكل على الله، ويستعين به، كما قال عليه الصلاة والسلام: " احرص على ما ينفعك واستعن بالله ". وقال تعالى: (فاعبده وتوكل عليه) . وأما الكافر والغافل فإنه يعتمد على الأسباب ويغفل عن ربه الذي بيده الملك، ولا يكون إلا ما يشاء ولو نظر الإنسان إلى العوارض التي تحول بينه وبين ما يأمله، وغلب عليه التفكير في الموت وغيره من العوارض لتوقف عن العمل، وعطّل مصالحه، وبهذا يعلم أن الإنسان لا يستطيع العيش في هذه الحياة إلا مع شيء من الأمل يجعله يتحرك على مصالحه التي يطمع في حصولها. ولكن ينبغي للمؤمن أن يكون قصير الأمل، لا يرْكن للدنيا، ولا يؤثر لذاتها بل يجعل الآخرة نصب عينيه، فيجتهد في الأعمال الصالحة التي تقربه إلى ربه، ويستعين بنعمته على طاعته، ليفوز بسعادة الدنيا والآخرة. [الْمَصْدَرُ] الشيخ عبد الرحمن البراك.

стр. 489

هل تغيير البيت يجلب الرزق ؟ [السُّؤَالُ] ـ[تغيير المكان يجلب الحظ السعيد , مثلاً هذا البيت ليس جيِّداً , وإذا انتقلت منه فإنه سيجلب لك ثروة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله تغيير البيت لا يجلب الحظ السعيد، ولا يجلب الثروة، ولكن إذا سكن الإنسان بيتاً فأصابه فيه ضرر فله أن ينتقل إلى غيره. سئل الشيخ ابن عثيمين – ﵀: شخص سكن في دار فأصابته الأمراض وكثير من المصائب مما جعله يتشاءم هو وأهله من هذه الدار، فهل يجوز له تركها لهذا السبب؟ فأجاب: ربما يكون بعض المنازل أو بعض المركوبات أو بعض الزوجات مشئوماً يجعل الله بحكمته مع مصاحبته إما ضرراً أو فوات منفعة أو نحو ذلك، وعلى هذا فلا بأس ببيع هذا البيت والانتقال إلى بيتٍ غيره، ولعل الله أن يجعل الخير فيما ينتقل إليه. وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال " الشؤم في ثلاث: الدار والمرأة والفرس " – رواه البخاري (٥٠٩٣) ومسلم (٢٢٢٥) -، فبعض المركوبات يكون فيها شؤم، وبعض الزوجات يكون فيهن شؤم، وبعض البيوت يكون فيها شؤم، فإذا رأى الإنسان ذلك فليعلم أنه بتقدير الله ، وأن الله بحكمته قدَّر ذلك لينتقل الإنسان إلى محل آخر، والله أعلم. " فتاوى علماء البلد الحرام " (ص ١٢١٢) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 490

هل نحن نتصرف كما نشاء ؟ [السُّؤَالُ] ـ[لدي شبه حول الإسلام فهل يمكن أن توضحها لي؟ هل جميع تصرفات البشر كالولادة والموت والتصرفات اليومية وجميع ما نفكر في فعله قد قدّره الله؟ هل حياتنا برمجها الله حتى قبل ولادتنا، أم لنا حرية التصرف ونستطيع أن نقرر ونتصرف كما نشاء بدون تحكم الله؟ باختصار، هل نحن نتصرف كما نشاء أم كما خلقنا الله لنتصرف؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله اعلم أن أحوال العباد منها ما هو جبري ليس للناس فيه أدنى إرادة مثل اختيار يوم المولد ولون البشرة والشعر والعينين والوفاة فهذا كله مما لا سلطة للناس فيه وإنما هم مجبرون عليه ونظراً لأنهم لا اختيار لهم فيه فإنه لا يترتب عليه جنة ولا نار، ولا عذاب ولا نعيم. وبعض الأفعال هم مخيرون فيه كاختيار الإيمان والكفر والقيام في شؤون الدنيا من اختيار المطعم والمشرب والمسكن. وليس شيء من ذك كله يكون خارجاً عن إرادة الله تعالى ومشيئته وقدره. ولكن كيف يكون ذلك؟ الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان التي لا يصح إيمان المسلم إلا إذا سلّم بأن كل الأمر من الله، قال تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) القمر/٤٩، بل إن من أسماء الله تعالى القادر، والقدير، والمقتدر. وأصل المسألة: أن الله تعالى يتصف بالعلم، والقدرة، والمشيئة. وعليه: إذا أراد أصحاب الأفعال أن يقوموا بها سواء أكانت من المعاصي أو الطاعات فإن الله يعلمها ولا بد، بل لقد علمها في الأزل قبل خلق الخلائق. ثم بعد أن علمها كتبها عنده، ثم لما أراد أصحابها أن يفعلوا ذلك شاء لهم ذلك، ولو لم يشأ لم يفعلوا، ثم كان قادراً فخلق هذا الفعل لأنه خالق لمن فعله من البشر. فلذلك أفعال العباد كلها مكتوبة عند الله لأن علم الله سابق له، وليس ذلك يعني أن الله أجبر الناس على أفعالهم، فهم مخيرون في أفعالهم، كما قال تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) الإنسان/٣. ولكن أفعالهم لن تكون جبراً من الله تعالى، وليس الله يجبر العباد على شيء. يقول الإمام ابن أبي العز الحنفي في مثل هذا: فإن قيل: كيف يريد الله أمراً ولا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يشاؤه ويكوّنه؟ وكيف يجمع إرادته له وبغضه وكراهته؟ قيل: هذا السؤال هو الذي افترق الناس لأجله فرقاً، وتباينت طرقهم وأقوالهم. فاعلم أن المراد نوعان: مراد لنفسه، ومراد لغيره. فالمراد لنفسه: مطلوب محبوب لذاته، وما فيه من الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد. والمراد لغيره: قد لا يكون مقصوداً للمريد، ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده، فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث قضائه وإيصاله إلى مراده فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما، وهذا كالدواء الكريه إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه، وقطع العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه، بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظن الغالب وإن خفيت عنه عاقبته، فكيف ممن لا يخفى عليه خافية فهو سبحانه يكره الشيء ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره، وكونه سبباً إلى أمر هو أحب إليه من فوقه. ومن ذلك: أنه خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات ... ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى تترتب على خلقه، ووجودها أحب إليه من عدمها. (شرح العقيدة الطحاوية/٢٥٢-٢٥٣) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 491

والدها يرفض الخاطب لأنه مجاهد وقد يموت في المعركة [السُّؤَالُ] ـ[أريد أن أتزوج برجلٍ يعد نفسه للذهاب إلى الجهاد في غضون سنوات، لكن عندما ذكرت أمره لوالدي رفض؛ لأنه يقول بأنه لا يستطيع أن يراني أرملة في حياته، أنا أعي عواقب الزواج بشخصٍ قد يموت في المعركة (ومن منظور دنيوي: أي: أني سأعيش بدون زوج لأشهر كل مرة " يذهب فيها للجهاد "، وهناك احتمال كبير بأن أصبح أرملة، إلخ) ، لكن الأجر هو أعظم بكثيرٍ من المنافع الدنيوية. وعليه، فهل يجب عليَّ أن أطيع والدي؟ وهل سبب رفضه مقبول إسلاميّاً لأن يرفض هذا الخاطب، وأنا أكثر من موافقة على أن أصبح زوجة لمجاهد؟ أرجو المساعدة.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أولاً: فإن النكاح رابطة شرعية شريفة حث عليها ديننا في مواضع من كتاب الله وسنة رسوله، وإن من المهم في هذه الرابطة حسن اختيار الزوج أو الزوجة، فقد قال ﵊: " تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك " رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) ، وقال مخاطباً ولي المرأة: " إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض " – رواه الترمذي (١٠٨٤) وابن ماجه (١٩٦٧) – وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٠٢٢) -. ثم إن الجهاد من أعظم أبواب الخير وهو ذروة سنام الإسلام، وأهله هم من خيرة عباد الله، ومن حزبه المفلحين، وفضل الجهاد والمجاهدين مما يطول ذكره. ثانياً: الذهاب للجهاد لا يعني الموت المحقق، فإن الله قد خلق الخلائق وقدر أزراقها وآجالها، وإنه لمن العجب أن يظن المسلم أن ذهاب المجاهد إلى أرض المعركة يعني أنه سيقتل فيها، ويظن أنه إن لم يجاهد فسينجو من الموت، وهذا ظن خاطىء فالذهاب إلى الجهاد لا يعجِّل ساعة الإنسان، وعدم الذهاب لا يؤخرها، وقد يعيش الإنسان عمره كله في الجهاد ولا يُقتل فيه، ومن أحسن الأمثلة على ذلك: الصحابي الجليل خالد بن الوليد – ﵁ – والذي قضى كثيراً من عمره في ساحات القتال ثم كان موته على فراشه، بينما آلاف الناس يموتون في كل لحظة في بيوتهم أو متاجرهم أو في الشوارع، قال الله : ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ النحل / ٦١، وقال تعالى: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ لقمان / ٣٤. وقد أخبر الله تعالى عن مثل من يظن هذا الظن وردَّ عليهم. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير﴾ آل عمران / ١٥٦. قال ابن كثير: ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم فقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم﴾ أي: عن إخوانهم ﴿إذا ضربوا في الأرض﴾ أي: سافروا للتجارة ونحوها ﴿أو كانوا غزى﴾ أي: كانوا في الغزو ﴿لو كانوا عندنا﴾ أي: في البلد ﴿ما ماتوا وما قتلوا﴾ أي: ما ماتوا في السفر وما قتلوا في الغزو، وقوله ﴿ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾ أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم. ثم قال تعالى ردّاً عليهم ﴿والله يحيي ويميت﴾ أي: بيده الخلق، وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره. " تفسير ابن كثير " (١ / ٤٢٠) . وقال: أي: كما أن الحذر لا يغني من القدَر، كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه لا يقرب أجلاً ولا يُبعده، بل الإحياء المحتوم والرزق المقسوم مقدَّر مقنَّن لا يُزاد فيه ولا ينقص منه كما قال تعالى ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ ، وقال تعالى ﴿وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ ، وروينا عن أمير الجيوش ومقدَّم العساكر وحامى حوزة الإسلام وسيف الله المسلول على أعدائه أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁ أنه قال - وهو في سياق الموت -: " لقد شهدت كذا وكذا موقفاً، وما من عضوٍ من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء "، يعني: أنه يتألم لكونه ما مات قتيلاً في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم أن يموت على فراشه. " تفسير ابن كثير " (١ / ٣٠٠) . ثالثاً: ومما تقدم يتبين خطأ ما قاله والدك من أنه لا يريد أن يراك أرملة في حياته، إذ لو قدر الله ذلك لحصل حتى لو تزوجت من غير المجاهد، فرفضه لأنه يعد نفسه للجهاد ليس له مسوغٌ شرعاً، أما إن كان هناك أسباب أخَ تتعلق بخلُقه ودينه: فيمكن للوالد أن يردَّ هذا الزوج. رابعاً: والنصيحة لك أن تطيعي والدكِ، وليس لك أن تتزوجي من غير إذن الوليِّ، فقد أبطل الشرع الحكيم زواج المرأة من غير إذن الولي. أ. عن أبي موسى قال: قال النبي ﷺ : " لا نكاح إلا بولي ". رواه الترمذي (١١٠١) وأبو داود (٢٠٨٥) وابن ماجه (١٨٨١) . والحديث: صححه الشيخ الألباني ﵀ في " صحيح الترمذي " (١ / ٣١٨) . ب. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر لما استحل من فرجها، فإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له. رواه الترمذي (١١٠٢) وأبو داود (٢٠٨٣) وابن ماجه (١٨٧٩) . والحديث: حسَّنه الترمذي وصححه ابن حبان (٩ / ٣٨٤) والحاكم (٢ / ١٨٣) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 492

لا يوجد شيء يغير القدَر ؟ [السُّؤَالُ] ـ[ما هي الأشياء التي يمكن أن تغير القدر وما قد كتبه الله لنا؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا يوجد شيء يغير القدَر؛ لأن الله تعالى قال: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الحديد / ٢٢؛ ولقول النبي ﷺ قال " رفعت الأقلام وجفَّت الصحف " – رواه الترمذي (٢٥١٦) وصححه من حديث ابن عباس -. قال المباركفوري: " رفعت الأقلام وجفت الصحف " أي: كُتب في اللوح المحفوظ ما كتب من التقديرات، ولا يكتب بعد الفراغ منه شيء آخر. " تحفة الأحوذي " (٧ / ١٨٦) . والكتابة نوعان: نوع لا يتبدل ولا يتغير وهو ما في اللوح المحفوظ، ونوع يتغير ويتبدل وهو ما بأيدي الملائكة، وما يستقر أمره أخيراً عندهم هو الذي قد كتب في اللوح المحفوظ، وهو أحد معاني قوله تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) الرعد / ٣٩، ومن هذا يمكننا فهم ما جاء في السنة الصحيحة من كون صلة الرحم تزيد في الأجل أو تُبسط في الرزق، أو ما جاء في أن الدعاء يرد القضاء، ففي علم الله تعالى أن عبده يصل رحمه وأنه يدعوه فكتب له في اللوح المحفوظ سعةً في الرزق وزيادةً في الأجل. سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عن الرزق هل يزيد أو ينقص؟ وهل هو ما أكل أو ما ملكه العبد؟ فأجاب: الرزق نوعان: أحدهما: ما علمه الله أنه يرزقه فهذا لا يتغير، والثاني: ما كتبه وأعلم به الملائكة، فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب، فإن العبد يأمر الله الملائكة أن تكتب له رزقاً، وإن وصل رحمه زاده الله على ذلك، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " مَن سرَّه أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصِل رحِمه "، وكذلك عُمُر داود زاد ستين سنة فجعله الله مائة بعد أن كان أربعين، ومِن هذا الباب قول عمر: " اللهم إن كنت كتبتَني شقيّاً فامحني واكتبني سعيداً فإنك تمحو ما تشاء وتُثبت "، ومن هذا الباب قوله تعالى عن نوح (أنِ اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجلٍ مسمَّى) ، وشواهده كثيرة، والأسباب التي يحصل بها الرزق هي من جملة ما قدَّره الله وكتبه، فإن كان قد تقدم بأنه يرزق العبد بسعيه واكتسابه: ألهمه السعي والاكتساب، وذلك الذي قدره له بالاكتساب لا يحصل بدون الاكتساب، وما قدره له بغير اكتساب كموت موروثه يأتيه به بغير اكتساب. والسعي سعيان: سعي فيما نصب للرزق كالصناعة والزارعة والتجارة، وسعي بالدعاء والتوكل والإحسان إلى الخلق ومحو ذلك، فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. " مجموع الفتاوى " (٨ / ٥٤٠، ٥٤١) . [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 493

لا حرج في استعمال كلمة "صدفة " [السُّؤَالُ] ـ[كلمة صدفة، هل يجوز لي أن أقول عندما ذهبت إلى السوق قابلت فلاناً صدفة؟ وهل هذه الكلمة (صدفة) حرام أو شرك بالله ، وماذا أقول بدلاً من هذه الكلمة؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله لا بأس باستعمال كلمة قابلة فلاناً صدفة، لأن مراد المتكلم بذلك أنه قابله بدون اتفاق سابق، وبدون قصد منه، وليس المراد أنه قابله بدون تقدير من الله . وقد ورد استعمال هذه الكلمة في بعض الأحاديث. منها: ما رواه مسلم (٢١٤٤) عَنْ أَنَسٍ قَالَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ (يعني بعبد الله بن أبي طلحة) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَادَفْتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ. . . الحديث. والميسم أداة تستخدم في الكي. وروى أبو داود (١٤٢) عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ قَالَ كُنْتُ وَافِدَ بَنِي الْمُنْتَفِقِ أَوْ فِي وَفْدِ بَنِي الْمُنْتَفِقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نُصَادِفْهُ فِي مَنْزِلِهِ وَصَادَفْنَا عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. . . الحديث. صححه الألباني في صحيح أبي داود. وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/٣٩٣) : "ليس قول الإنسان قابلت فلاناً صدفة محرّماً أو شركاً، لأن المراد منها قابلته دون سابق وعد أو اتفاق على اللقاء مثلاً وليس في هذا المعنى حرج" اهـ. وسئل الشيخ ابن عثيمين: ما رأي فضيلتكم في استعمال كلمة "صدفة"؟ فأجاب ﵀: "رأينا في هذا القول أنه لا بأس به، وهذا أمر متعارف، ووردت أحاديث بهذا التعبير: صادفْنا رسول الله صادفَنا رسول الله. والمصادفة والصدفة بالنسبة لفعل الإنسان أمر واقع، لأن الإنسان لا يعلم الغيب فقد يصادفه الشيء من غير شعور به ومن غير مقدمات له ولا توقع له، ولكن بالنسبة لفعل الله لا يقع هذا، فإن كل شيء عند الله معلوم وكل شيء عنده بمقدار وهو لا تقع الأشياء بالنسبة إليه صدفة أبداً، لكن بالنسبة لي أنا وأنت نتقابل بدون ميعاد وبدون شعور وبدون مقدمات فهذا يقال له: صدفة، ولا حرج فيه، وأما بالنسبة لفعل الله فهذا أمر ممتنع ولا يجوز" اهـ بتصرف. فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٣/١١٧) . والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 494

السأم من الحياة [السُّؤَالُ] ـ[أنا شاب مللت من العيش في هذه الدنيا الفانية، وأصبح عندي شعور بالملل والسأم، فهل من ناصر، ولا ناصر إلا الله؟! .]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله أسباب الرغبة عن الدنيا وكراهيتها عديدة، فمن الناس من يكره هذه الدنيا الفانية رغبة فيما عند الله من الأجر والثواب، ومحبة للقاء الله تعالى، ولهذا قال بعض السلف:" تحفة المؤمن الموت "، فهو يكره الدنيا، لتعلق قلبه بالآخرة، وهو مع كراهيته للدنيا قائم بحق الله تعالى وحق عباده، وساع في الخير قدر استطاعته، على حد قوله تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) الحجر/٩٩ ومن الناس من يكره الدنيا لا لأجل الآخرة، بل لأنه يرى أن حظه فيها قليل، وأن غيره خير منه، ولا شك أن في هذا نوعا من التسخط على أقدار الله تعالى، فالله تعالى هو معطي المنح، ومقسم الأرزاق، (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) الشورى/٢٧ ومن الناس من يكره الدنيا لكثرة ما أصابه فيها من بلاء ونصب وتعب، ولا شك أن هذا الصنف لم يعرف حقيقة الدنيا، فالدنيا دار عمل وابتلاء، ودار نصب وتعب، لاسيما المؤمن الصالح، فإنه يلاقي من أنواع البلاء ما يكفر الله به عنه من خطاياه، ويرفع به من منزلته، قال تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) البلد/٤، وقال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت/٢-٣، وقال تعالى: (مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) آل عمران/١٩٧ وقال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة/١٥٤-١٥٦ أخي الكريم.... من أي الأصناف السابقة أنت؟؟!!! تذكر أخي الحبيب كم ابتلي النبي ﷺ ، فقد عاداه قومه، ووقف في وجهه أقرب الناس إليه، وشتمه بعض الناس، وآذاه البعض الآخر، وطرد من دياره، وحوصر حصارا شديدا، واجتمع الكفار على قلته واغتياله، وماتت زوجته خديجة ﵂ في أصعب المواقف وأحلك الظروف، وكان يبيت الشهر والشهرين لا يأكل إلا الماء والتمر، كل هذا وهو نبي الله، ورسوله وأمينه على وحيه!! كل هذا وهو صاحب المقام المحمود والحوض المورود!! كل هذا وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فكيف بنا نحن المذنبين العاصين المقصرين؟؟؟ أنصحك أخي الكريم بما يلي: أولا: أكثر من دعاء الله والتقرب إليه بأنواع العبادات، من صلاة وزكاة وصيام وغير ذلك، وابتهل إلى الله أن يزيل ما نفسك، وأن يشرح صدرك، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد/٢٨، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) الأعراف/٢٠١ ثانيا: اعلم أن أقدار الله لعبده المؤمن كلها خير، وأنه مهما ضاق عليك أمر حياتك، فعند الله خزائن السماوات والأرض، فأصلح ما بينك وبين الله، يكفك الله مؤنة الناس. ثالثا: قد يكون كدرك وحزنك على أمر فاتك فلم تحصله، وحينئذ عليك أن تعلم أنه كم من إنسان ألح في طلب شيء، وهو لا يدري أن هلاكه فيه، وكم من إنسان حزن على فوات أمور يريدها، وهو لا يدري أنه لو حصلها لأضاع دينه ودنياه، فارض بقضاء الله وقدره، واستعن بالله ولا تعجز. رابعاً: راجع فؤادك وقلبك وعلاقتك مع ربك بصورة أدق، فالعبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه خامسا: قد تكون لديك بعض المشاكل الشخصية أو العائلية، وحل مثل تلك المشاكل أن ترتب الأولويات، وأن تستعين بالله ثم بأهل الخبرة في حلها، وفك معضلاتها. سادساً: اعلم أن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فقد ثبت في المسند من حديث مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل من الناس، يبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينة رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشى على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة) مسند الإمام أحد برقم ١٤٨١، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٩٩٢. سابعا: داوم على الاستغفار والعبادة، فهو خير لك من كل حظوظ الدنيا مهما عظمت وكثرت، كما أن فيه إزالة للهموم، وقد جاء في بعض الآثار أنه من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب. فاستدم طاعة الله ، واعمل بقوله تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) وقوله تعالى (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) طه/١٣١، وفقنا الله وإياك لصالح القول والعمل، والله أعلم. راجع الأسئلة (٢١٥١٥، ٣٠٩٠١، ٢٥٥٤) وانظر كتاب علاج الهموم في قسم الكتب من موقعنا. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب

стр. 495

الكلام الذي ينبغي الإمساك عنه [السُّؤَالُ] ـ[أعرف أن هناك كلاماً نمسك عن الخوض فيه كحديث النبي ﷺ فما هي أنواع الحديث التي نمسك عنها؟.]ـ [الْجَوَابُ] الحمد لله ينبغي للمسلم أن يحفظ لسانه، فلا يتكلم إلا بخير. روى البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ. . . الحديث. قال النووي ﵀: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّم فَإِنْ كَانَ مَا يَتَكَلَّم بِهِ خَيْرًا مُحَقَّقًا يُثَاب عَلَيْهِ , وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا فَلْيَتَكَلَّمْ. وَإِنْ لَمْ يَظْهَر لَهُ أَنَّهُ خَيْر يُثَاب عَلَيْهِ , فَلْيُمْسِك عَنْ الْكَلَام سَوَاء ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ حَرَام أَوْ مَكْرُوه أَوْ مُبَاح مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ. فَعَلَى هَذَا يَكُون الْكَلَام الْمُبَاح مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ مَنْدُوبًا إِلَى الإِمْسَاك عَنْهُ مَخَافَةً مِنْ اِنْجِرَاره إِلَى الْمُحَرَّم أَوْ الْمَكْرُوه. وَهَذَا يَقَع فِي الْعَادَة كَثِيرًا أَوْ غَالِبًا. وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) . . . وَقَدْ أَخَذَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ مَعْنَى الْحَدِيث فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّم فَلْيُفَكِّرْ ; فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لا ضَرَر عَلَيْهِ تَكَلَّمَ , إِنْ ظَهَرَ لَهُ فِيهِ ضَرَر , أَوْ شَكَّ فِيهِ أَمْسَكَ اهـ. وقد أمر النبي ﷺ بحفظ اللسان في أكثر من حديث، منها ما رواه الترمذي (٢٤٠٦) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ. صححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٣٣١) . وروى الترمذي (٢٦١٦) قول النبي ﷺ لمعاذ بعد ما علمه بعض شرائع الإسلام: أَلا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ! فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟ صححه الألباني في صحيح الترمذي (٢١١٠) . وجاء في الحديث الأمر بالإمساك عن الخوض في أشياء معينة؛ لأن ذلك مما لا يفيد الإنسان شيئاً بل يضره ضرراً عظيماً في دينه ودنياه. عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا) . رواه الطبراني في "الكبير" (٢ / ٩٦) . والحديث: صححه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٣٤) . وهذا الحديث دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يذكر أصحاب النبي ﷺ بسوء وأنه يجب عليه أن يسكت عما وقع بينهم من خلاف؛ لأن ذكرهم بسوء وجرحهم يتضمن تكذيب الله تعالى في القرءان الذي زكاهم وأثنى عليهم بقوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم) التوبة/ ١٠٠. وقال سبحانه: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركَّعا سجَّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود) الفتح/ ٢٩. فهذا وصف الله لهم في كتابه فلله درهم ما أعدلهم وما أحسنهم وأعظمهم فلا يبغضهم إلا منافق ولا يحبهم إلا مؤمن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله كما وصفهم الله بذلك في قوله: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) الحشر / ١٠، وطاعة رسول الله ﷺ في قوله: " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه " – متفق عليه -. " مجموع الفتاوى " (٣ / ١٥٢) . وقال أبو زرعة ﵀: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من الصحابة فاعلم أنَّه زنديق، وذلك لأن القرءان حق، والرسول حق، وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة فيكون الجرح به أليق والحكم عليه بالزندقة والضلال أقوم وأحق. " الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة " (٢ / ٦٠٨) . وأما الشق الثاني من الحديث وهو: الإمساك عن الكلام في النجوم، فالمقصود به والله أعلم هو: الاهتداء بها على أشياء مغيبات كما كان يفعله أهل الجاهلية الكهنة عن طريق التنجيم وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية كأوقات هبوب الريح أو مجيء المطر وتغير الأسعار وغير ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها ويقولون من تزوج بنجم كذا وكذا حصل له كذا وكذا ومن سافر بنجم كذا حصل له كذا ومن ولد نجم كذا وكذا حصل له كذا من السعود والنحوس. وانظر " كتاب التوحيد " للشيخ صالح الفوزان، باب ادعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان وغيرهما. وانظر " فتاوى العقيدة " (٢ / ١٨٥-١٨٦-١٨٧-١٩٠) للشيخ ابن عثيمين حفظه الله فله كلام نفيس جدّاً. وأما الشق الثالث: وهو الإمساك عن الكلام في القدر فقد قال أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى: وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسةً، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) الأنبياء/٢٣. فمن سأل لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين. شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٧٦. فعلى العبد المسلم أن يسلم لله في كل أموره، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. والكلام في هذا الباب طويل، ورحم الله امرءاً آمن بقضاء الله وقدره من غير خوض ولا فلسفة. والله أعلم. [الْمَصْدَرُ] الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →