Полный текст (16 344 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
والدها يرفض الخاطب لأنه مجاهد وقد يموت في المعركة
[السُّؤَالُ]
ـ[أريد أن أتزوج برجلٍ يعد نفسه للذهاب إلى الجهاد في غضون سنوات، لكن عندما ذكرت أمره لوالدي رفض؛ لأنه يقول بأنه لا يستطيع أن يراني أرملة في حياته، أنا أعي عواقب الزواج بشخصٍ قد يموت في المعركة (ومن منظور دنيوي: أي: أني سأعيش بدون زوج لأشهر كل مرة " يذهب فيها للجهاد "، وهناك احتمال كبير بأن أصبح أرملة، إلخ) ، لكن الأجر هو أعظم بكثيرٍ من المنافع الدنيوية.
وعليه، فهل يجب عليَّ أن أطيع والدي؟ وهل سبب رفضه مقبول إسلاميّاً لأن يرفض هذا الخاطب، وأنا أكثر من موافقة على أن أصبح زوجة لمجاهد؟ أرجو المساعدة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
فإن النكاح رابطة شرعية شريفة حث عليها ديننا في مواضع من كتاب الله وسنة رسوله، وإن من المهم في هذه الرابطة حسن اختيار الزوج أو الزوجة، فقد قال ﵊: " تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك " رواه البخاري (٤٨٠٢) ومسلم (١٤٦٦) ، وقال مخاطباً ولي المرأة: " إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض " – رواه الترمذي (١٠٨٤) وابن ماجه (١٩٦٧) – وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (١٠٢٢) -.
ثم إن الجهاد من أعظم أبواب الخير وهو ذروة سنام الإسلام، وأهله هم من خيرة عباد الله، ومن حزبه المفلحين، وفضل الجهاد والمجاهدين مما يطول ذكره.
ثانياً:
الذهاب للجهاد لا يعني الموت المحقق، فإن الله قد خلق الخلائق وقدر أزراقها وآجالها، وإنه لمن العجب أن يظن المسلم أن ذهاب المجاهد إلى أرض المعركة يعني أنه سيقتل فيها، ويظن أنه إن لم يجاهد فسينجو من الموت، وهذا ظن خاطىء فالذهاب إلى الجهاد لا يعجِّل ساعة الإنسان، وعدم الذهاب لا يؤخرها، وقد يعيش الإنسان عمره كله في الجهاد ولا يُقتل فيه، ومن أحسن الأمثلة على ذلك: الصحابي الجليل خالد بن الوليد – ﵁ – والذي قضى كثيراً من عمره في ساحات القتال ثم كان موته على فراشه، بينما آلاف الناس يموتون في كل لحظة في بيوتهم أو متاجرهم أو في الشوارع، قال الله : ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ النحل / ٦١، وقال تعالى: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ لقمان / ٣٤.
وقد أخبر الله تعالى عن مثل من يظن هذا الظن وردَّ عليهم.
قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير﴾ آل عمران / ١٥٦.
قال ابن كثير:
ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم فقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم﴾ أي: عن إخوانهم ﴿إذا ضربوا في الأرض﴾ أي: سافروا للتجارة ونحوها ﴿أو كانوا غزى﴾ أي: كانوا في الغزو ﴿لو كانوا عندنا﴾ أي: في البلد ﴿ما ماتوا وما قتلوا﴾ أي: ما ماتوا في السفر وما قتلوا في الغزو، وقوله ﴿ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾ أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم.
ثم قال تعالى ردّاً عليهم ﴿والله يحيي ويميت﴾ أي: بيده الخلق، وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره.
" تفسير ابن كثير " (١ / ٤٢٠) .
وقال:
أي: كما أن الحذر لا يغني من القدَر، كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه لا يقرب أجلاً ولا يُبعده، بل الإحياء المحتوم والرزق المقسوم مقدَّر مقنَّن لا يُزاد فيه ولا ينقص منه كما قال تعالى ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ ، وقال تعالى ﴿وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ ، وروينا عن أمير الجيوش ومقدَّم العساكر وحامى حوزة الإسلام وسيف الله المسلول على أعدائه أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁ أنه قال - وهو في سياق الموت -: " لقد شهدت كذا وكذا موقفاً، وما من عضوٍ من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء "، يعني: أنه يتألم لكونه ما مات قتيلاً في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم أن يموت على فراشه.
" تفسير ابن كثير " (١ / ٣٠٠) .
ثالثاً:
ومما تقدم يتبين خطأ ما قاله والدك من أنه لا يريد أن يراك أرملة في حياته، إذ لو قدر الله ذلك لحصل حتى لو تزوجت من غير المجاهد، فرفضه لأنه يعد نفسه للجهاد ليس له مسوغٌ شرعاً، أما إن كان هناك أسباب أخَ تتعلق بخلُقه ودينه: فيمكن للوالد أن يردَّ هذا الزوج.
رابعاً:
والنصيحة لك أن تطيعي والدكِ، وليس لك أن تتزوجي من غير إذن الوليِّ، فقد أبطل الشرع الحكيم زواج المرأة من غير إذن الولي.
أ. عن أبي موسى قال: قال النبي ﷺ : " لا نكاح إلا بولي ".
رواه الترمذي (١١٠١) وأبو داود (٢٠٨٥) وابن ماجه (١٨٨١) .
والحديث: صححه الشيخ الألباني ﵀ في " صحيح الترمذي " (١ / ٣١٨) .
ب. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر لما استحل من فرجها، فإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له.
رواه الترمذي (١١٠٢) وأبو داود (٢٠٨٣) وابن ماجه (١٨٧٩) .
والحديث: حسَّنه الترمذي وصححه ابن حبان (٩ / ٣٨٤) والحاكم (٢ / ١٨٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 492
لا يوجد شيء يغير القدَر ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي الأشياء التي يمكن أن تغير القدر وما قد كتبه الله لنا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا يوجد شيء يغير القدَر؛ لأن الله تعالى قال: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الحديد / ٢٢؛ ولقول النبي ﷺ قال " رفعت الأقلام وجفَّت الصحف " – رواه الترمذي (٢٥١٦) وصححه من حديث ابن عباس -.
قال المباركفوري:
" رفعت الأقلام وجفت الصحف " أي: كُتب في اللوح المحفوظ ما كتب من التقديرات، ولا يكتب بعد الفراغ منه شيء آخر.
" تحفة الأحوذي " (٧ / ١٨٦) .
والكتابة نوعان: نوع لا يتبدل ولا يتغير وهو ما في اللوح المحفوظ، ونوع يتغير ويتبدل وهو ما بأيدي الملائكة، وما يستقر أمره أخيراً عندهم هو الذي قد كتب في اللوح المحفوظ، وهو أحد معاني قوله تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) الرعد / ٣٩، ومن هذا يمكننا فهم ما جاء في السنة الصحيحة من كون صلة الرحم تزيد في الأجل أو تُبسط في الرزق، أو ما جاء في أن الدعاء يرد القضاء، ففي علم الله تعالى أن عبده يصل رحمه وأنه يدعوه فكتب له في اللوح المحفوظ سعةً في الرزق وزيادةً في الأجل.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية:
عن الرزق هل يزيد أو ينقص؟ وهل هو ما أكل أو ما ملكه العبد؟
فأجاب:
الرزق نوعان:
أحدهما: ما علمه الله أنه يرزقه فهذا لا يتغير، والثاني: ما كتبه وأعلم به الملائكة، فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب، فإن العبد يأمر الله الملائكة أن تكتب له رزقاً، وإن وصل رحمه زاده الله على ذلك، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " مَن سرَّه أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصِل رحِمه "، وكذلك عُمُر داود زاد ستين سنة فجعله الله مائة بعد أن كان أربعين، ومِن هذا الباب قول عمر: " اللهم إن كنت كتبتَني شقيّاً فامحني واكتبني سعيداً فإنك تمحو ما تشاء وتُثبت "، ومن هذا الباب قوله تعالى عن نوح (أنِ اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجلٍ مسمَّى) ، وشواهده كثيرة، والأسباب التي يحصل بها الرزق هي من جملة ما قدَّره الله وكتبه، فإن كان قد تقدم بأنه يرزق العبد بسعيه واكتسابه: ألهمه السعي والاكتساب، وذلك الذي قدره له بالاكتساب لا يحصل بدون الاكتساب، وما قدره له بغير اكتساب كموت موروثه يأتيه به بغير اكتساب.
والسعي سعيان: سعي فيما نصب للرزق كالصناعة والزارعة والتجارة، وسعي بالدعاء والتوكل والإحسان إلى الخلق ومحو ذلك، فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
" مجموع الفتاوى " (٨ / ٥٤٠، ٥٤١) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 493
لا حرج في استعمال كلمة "صدفة "
[السُّؤَالُ]
ـ[كلمة صدفة، هل يجوز لي أن أقول عندما ذهبت إلى السوق قابلت فلاناً صدفة؟
وهل هذه الكلمة (صدفة) حرام أو شرك بالله ، وماذا أقول بدلاً من هذه الكلمة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا بأس باستعمال كلمة قابلة فلاناً صدفة، لأن مراد المتكلم بذلك أنه قابله بدون اتفاق سابق، وبدون قصد منه، وليس المراد أنه قابله بدون تقدير من الله .
وقد ورد استعمال هذه الكلمة في بعض الأحاديث. منها: ما رواه مسلم (٢١٤٤) عَنْ أَنَسٍ قَالَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ (يعني بعبد الله بن أبي طلحة) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَادَفْتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ. . . الحديث. والميسم أداة تستخدم في الكي.
وروى أبو داود (١٤٢) عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ قَالَ كُنْتُ وَافِدَ بَنِي الْمُنْتَفِقِ أَوْ فِي وَفْدِ بَنِي الْمُنْتَفِقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ نُصَادِفْهُ فِي مَنْزِلِهِ وَصَادَفْنَا عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. . . الحديث. صححه الألباني في صحيح أبي داود.
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (٣/٣٩٣) :
"ليس قول الإنسان قابلت فلاناً صدفة محرّماً أو شركاً، لأن المراد منها قابلته دون سابق وعد أو اتفاق على اللقاء مثلاً وليس في هذا المعنى حرج" اهـ.
وسئل الشيخ ابن عثيمين: ما رأي فضيلتكم في استعمال كلمة "صدفة"؟
فأجاب ﵀:
"رأينا في هذا القول أنه لا بأس به، وهذا أمر متعارف، ووردت أحاديث بهذا التعبير: صادفْنا رسول الله صادفَنا رسول الله.
والمصادفة والصدفة بالنسبة لفعل الإنسان أمر واقع، لأن الإنسان لا يعلم الغيب فقد يصادفه الشيء من غير شعور به ومن غير مقدمات له ولا توقع له، ولكن بالنسبة لفعل الله لا يقع هذا، فإن كل شيء عند الله معلوم وكل شيء عنده بمقدار وهو لا تقع الأشياء بالنسبة إليه صدفة أبداً، لكن بالنسبة لي أنا وأنت نتقابل بدون ميعاد وبدون شعور وبدون مقدمات فهذا يقال له: صدفة، ولا حرج فيه، وأما بالنسبة لفعل الله فهذا أمر ممتنع ولا يجوز" اهـ بتصرف.
فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٣/١١٧) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 494
السأم من الحياة
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب مللت من العيش في هذه الدنيا الفانية، وأصبح عندي شعور بالملل والسأم، فهل من ناصر، ولا ناصر إلا الله؟! .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أسباب الرغبة عن الدنيا وكراهيتها عديدة، فمن الناس من يكره هذه الدنيا الفانية رغبة فيما عند الله من الأجر والثواب، ومحبة للقاء الله تعالى، ولهذا قال بعض السلف:" تحفة المؤمن الموت "، فهو يكره الدنيا، لتعلق قلبه بالآخرة، وهو مع كراهيته للدنيا قائم بحق الله تعالى وحق عباده، وساع في الخير قدر استطاعته، على حد قوله تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) الحجر/٩٩
ومن الناس من يكره الدنيا لا لأجل الآخرة، بل لأنه يرى أن حظه فيها قليل، وأن غيره خير منه، ولا شك أن في هذا نوعا من التسخط على أقدار الله تعالى، فالله تعالى هو معطي المنح، ومقسم الأرزاق، (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) الشورى/٢٧
ومن الناس من يكره الدنيا لكثرة ما أصابه فيها من بلاء ونصب وتعب، ولا شك أن هذا الصنف لم يعرف حقيقة الدنيا، فالدنيا دار عمل وابتلاء، ودار نصب وتعب، لاسيما المؤمن الصالح، فإنه يلاقي من أنواع البلاء ما يكفر الله به عنه من خطاياه، ويرفع به من منزلته، قال تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) البلد/٤، وقال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت/٢-٣، وقال تعالى: (مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) آل عمران/١٩٧ وقال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة/١٥٤-١٥٦
أخي الكريم.... من أي الأصناف السابقة أنت؟؟!!!
تذكر أخي الحبيب كم ابتلي النبي ﷺ ، فقد عاداه قومه، ووقف في وجهه أقرب الناس إليه، وشتمه بعض الناس، وآذاه البعض الآخر، وطرد من دياره، وحوصر حصارا شديدا، واجتمع الكفار على قلته واغتياله، وماتت زوجته خديجة ﵂ في أصعب المواقف وأحلك الظروف، وكان يبيت الشهر والشهرين لا يأكل إلا الماء والتمر، كل هذا وهو نبي الله، ورسوله وأمينه على وحيه!! كل هذا وهو صاحب المقام المحمود والحوض المورود!! كل هذا وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فكيف بنا نحن المذنبين العاصين المقصرين؟؟؟
أنصحك أخي الكريم بما يلي:
أولا: أكثر من دعاء الله والتقرب إليه بأنواع العبادات، من صلاة وزكاة وصيام وغير ذلك، وابتهل إلى الله أن يزيل ما نفسك، وأن يشرح صدرك، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد/٢٨، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) الأعراف/٢٠١
ثانيا: اعلم أن أقدار الله لعبده المؤمن كلها خير، وأنه مهما ضاق عليك أمر حياتك، فعند الله خزائن السماوات والأرض، فأصلح ما بينك وبين الله، يكفك الله مؤنة الناس.
ثالثا: قد يكون كدرك وحزنك على أمر فاتك فلم تحصله، وحينئذ عليك أن تعلم أنه كم من إنسان ألح في طلب شيء، وهو لا يدري أن هلاكه فيه، وكم من إنسان حزن على فوات أمور يريدها، وهو لا يدري أنه لو حصلها لأضاع دينه ودنياه، فارض بقضاء الله وقدره، واستعن بالله ولا تعجز.
رابعاً: راجع فؤادك وقلبك وعلاقتك مع ربك بصورة أدق، فالعبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه
خامسا: قد تكون لديك بعض المشاكل الشخصية أو العائلية، وحل مثل تلك المشاكل أن ترتب الأولويات، وأن تستعين بالله ثم بأهل الخبرة في حلها، وفك معضلاتها.
سادساً: اعلم أن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فقد ثبت في المسند من حديث مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل من الناس، يبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينة رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشى على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة) مسند الإمام أحد برقم ١٤٨١، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٩٩٢.
سابعا: داوم على الاستغفار والعبادة، فهو خير لك من كل حظوظ الدنيا مهما عظمت وكثرت، كما أن فيه إزالة للهموم، وقد جاء في بعض الآثار أنه من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب.
فاستدم طاعة الله ، واعمل بقوله تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) وقوله تعالى (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) طه/١٣١، وفقنا الله وإياك لصالح القول والعمل، والله أعلم.
راجع الأسئلة (٢١٥١٥، ٣٠٩٠١، ٢٥٥٤)
وانظر كتاب علاج الهموم في قسم الكتب من موقعنا.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 495
الكلام الذي ينبغي الإمساك عنه
[السُّؤَالُ]
ـ[أعرف أن هناك كلاماً نمسك عن الخوض فيه كحديث النبي ﷺ فما هي أنواع الحديث التي نمسك عنها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ينبغي للمسلم أن يحفظ لسانه، فلا يتكلم إلا بخير.
روى البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ. . . الحديث.
قال النووي ﵀:
مَعْنَاهُ: أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّم فَإِنْ كَانَ مَا يَتَكَلَّم بِهِ خَيْرًا مُحَقَّقًا يُثَاب عَلَيْهِ , وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا فَلْيَتَكَلَّمْ. وَإِنْ لَمْ يَظْهَر لَهُ أَنَّهُ خَيْر يُثَاب عَلَيْهِ , فَلْيُمْسِك عَنْ الْكَلَام سَوَاء ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ حَرَام أَوْ مَكْرُوه أَوْ مُبَاح مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ. فَعَلَى هَذَا يَكُون الْكَلَام الْمُبَاح مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ مَنْدُوبًا إِلَى الإِمْسَاك عَنْهُ مَخَافَةً مِنْ اِنْجِرَاره إِلَى الْمُحَرَّم أَوْ الْمَكْرُوه. وَهَذَا يَقَع فِي الْعَادَة كَثِيرًا أَوْ غَالِبًا. وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) . . . وَقَدْ أَخَذَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ مَعْنَى الْحَدِيث فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّم فَلْيُفَكِّرْ ; فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لا ضَرَر عَلَيْهِ تَكَلَّمَ , إِنْ ظَهَرَ لَهُ فِيهِ ضَرَر , أَوْ شَكَّ فِيهِ أَمْسَكَ اهـ.
وقد أمر النبي ﷺ بحفظ اللسان في أكثر من حديث، منها ما رواه الترمذي (٢٤٠٦) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ. صححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٣٣١) .
وروى الترمذي (٢٦١٦) قول النبي ﷺ لمعاذ بعد ما علمه بعض شرائع الإسلام:
أَلا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ. فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ! فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟
صححه الألباني في صحيح الترمذي (٢١١٠) .
وجاء في الحديث الأمر بالإمساك عن الخوض في أشياء معينة؛ لأن ذلك مما لا يفيد الإنسان شيئاً بل يضره ضرراً عظيماً في دينه ودنياه.
عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا) . رواه الطبراني في "الكبير" (٢ / ٩٦) . والحديث: صححه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٣٤) .
وهذا الحديث دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يذكر أصحاب النبي ﷺ بسوء وأنه يجب عليه أن يسكت عما وقع بينهم من خلاف؛ لأن ذكرهم بسوء وجرحهم يتضمن تكذيب الله تعالى في القرءان الذي زكاهم وأثنى عليهم بقوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم) التوبة/ ١٠٠.
وقال سبحانه: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركَّعا سجَّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود) الفتح/ ٢٩.
فهذا وصف الله لهم في كتابه فلله درهم ما أعدلهم وما أحسنهم وأعظمهم فلا يبغضهم إلا منافق ولا يحبهم إلا مؤمن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله كما وصفهم الله بذلك في قوله: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) الحشر / ١٠، وطاعة رسول الله ﷺ في قوله: " لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه " – متفق عليه -.
" مجموع الفتاوى " (٣ / ١٥٢) .
وقال أبو زرعة ﵀:
إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من الصحابة فاعلم أنَّه زنديق، وذلك لأن القرءان حق، والرسول حق، وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة فيكون الجرح به أليق والحكم عليه بالزندقة والضلال أقوم وأحق.
" الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة " (٢ / ٦٠٨) .
وأما الشق الثاني من الحديث وهو: الإمساك عن الكلام في النجوم، فالمقصود به والله أعلم هو: الاهتداء بها على أشياء مغيبات كما كان يفعله أهل الجاهلية الكهنة عن طريق التنجيم وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية كأوقات هبوب الريح أو مجيء المطر وتغير الأسعار وغير ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها ويقولون من تزوج بنجم كذا وكذا حصل له كذا وكذا ومن سافر بنجم كذا حصل له كذا ومن ولد نجم كذا وكذا حصل له كذا من السعود والنحوس.
وانظر " كتاب التوحيد " للشيخ صالح الفوزان، باب ادعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان وغيرهما.
وانظر " فتاوى العقيدة " (٢ / ١٨٥-١٨٦-١٨٧-١٩٠) للشيخ ابن عثيمين حفظه الله فله كلام نفيس جدّاً.
وأما الشق الثالث: وهو الإمساك عن الكلام في القدر فقد قال أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى:
وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسةً، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) الأنبياء/٢٣. فمن سأل لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.
شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٧٦.
فعلى العبد المسلم أن يسلم لله في كل أموره، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. والكلام في هذا الباب طويل، ورحم الله امرءاً آمن بقضاء الله وقدره من غير خوض ولا فلسفة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 496
الإنسان مسيّر أو مخيّر
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الإنسان مخير أو مسير؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل الشيخ ابن عثيمين هذا السؤال فأجاب:
على السائل أن يسأل نفسه هل أجبره أحد على أن يسأل هذا السؤال وهل هو يختار نوع السيارة التي يقتنيها؟ إلى أمثال ذلك من الأسئلة وسيتبين له الجواب هل هو مسير أو مخير.
ثم يسأل نفسه هل يصيبه الحادث باختياره؟
هل يصيبه المرض باختياره؟
هل يموت باختياره؟
إلى أمثال ذلك من الأسئلة وسيتبين له الجواب هل هو مسير أو مخير.
والجواب: أن الأمور التي يفعلها الإنسان العاقل يفعلها باختياره بلا ريب واسمع إلى قول الله تعالى: (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبًا) وإلى قوله: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) وإلى قوله: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً) وإلى قوله: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) حيث خير الفادي فيما يفدي به.
ولكن العبد إذا أراد شيئاً وفعله علمنا أن الله -تعالى -قد أراده - لقوله – تعالى: (لمن شاء منكم أن يستقيم. وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) فلكمال ربوبيته لا يقع شيء في السموات والأرض إلا بمشيئته تعالى.
وأما الأمور التي تقع على العبد أو منه بغير اختياره كالمرض والموت والحوادث فهي بمحض القدر وليس للعبد اختيار فيها ولا إرادة.
والله الموفق.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ج٢.
стр. 497
قام بعملية تغيير الجنس من رجل إلى امرأة فهل له الخلوة بالنساء
[السُّؤَالُ]
ـ[رجل في بلاد غير إسلامية ... يعاني نفسيا من اعتقاده بأنه امرأة.... لكنه (في محاولة لعلاج نفسه) تزوج وأنجب ابناً، لكن لم تحل المشكلة، في الأخير قام بعمليه إزالة الأعضاء الذكرية، وعاش بعدها كامرأة وبعد ذلك بعشر سنوات ... أسلم بعد أن تعرف عبر الانترنت بإنسانة مسلمة ... والتي كلمته على أساس أنه امرأة وليس رجلا وعندما عرفت بأنها كانت يوما ما رجلا ... ارتبكت، وهي الآن لا تعرف هل تتعامل معها كامرأة (بكل المعاني) أم ماذا؟
وهل إذا رغب هذا (الرجل المرأة) أن يأتي لزيارتها في بلد الحرمين....أن تقبل استضافته على أساس أنه رجل أم امرأة....أم لا تقبل استضافته؟
مع العلم (أنه / أنها) تحتاج إلى من يقف (معه / معها) في الإسلام.... (لأنه / لأنها) مازال من المؤلفة قلوبهم، ولم يثبت الإسلام ثباتا قويا في قلبه....ونخاف من أن يتسبب عدم قبول الضيافة في بيتها....صدا..أو حتى ارتدادا عن الدين، ولا احد يريد تحمل مثل هذه المسؤولية.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هؤلاء الذين يشعرون بكراهية الجنس الذي خلقوا عليه، ويتمنون أن يكونوا من الجنس الآخر، هم في الحقيقة مرضى نفسيون، دفعهم سوء التربية أحيانا، وطبيعة المجتمع الذي نشؤوا فيه أحيانا أخرى، إلى كراهية ما هم عليه، فاعترضوا كما يقول الدكتور بعض الباحثين على مشيئة الله تعالى، ورغبوا في تحويل جنسهم إلى جنس آخر.
وعملية تحويل الجنس من ذكر إلى أنثى لها أسباب، وما ذكر في السؤال هو عبارة عن رغبة داخلية فقط، مع أن الأعضاء الذكرية كاملة، وليس هناك حالة ما يسمى عند الفقهاء (الخنثى) ، بل هو ذكر طبيعي، له كل المواصفات الذكرية، لكنه يرغب في التحول إلى أنثى، فتجرى له عملية لاستئصال الذكر، والخصيتين، ثم يقوم الأطباء ببناء مهبل، وتكبير الثديين، والحقن بهرمونات لفترات طويلة حتى ينعم الصوت، وتتغير طبيعة توزيع اللحم، ويظهر الشخص بمظهر الأنثى، لكنه في حقيقته ذكر.
وهذه العملية محرمة شرعا عند جميع من يعتد بقولهم من العلماء المعاصرين، وإن لم يكن للسابقين فيها كلام، فذلك لأنها لم تكن معروفة أو ممكنة في زمانهم، ويدل على تحريمها عدة أدلة، منها:
أولا:
قول الله تعالى: (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَاّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا * لَّعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَاّ غُرُورًا * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا) النساء/١١٧–١٢١، ولا شك أن إجراء مثل تلك العمليات هو نوع من العبث، وتغييرٌ لخلق الله تعالى.
ثانيا:
ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: (لعن رسول الله - صلى الله عليه وسم - المشتبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال) رواه البخاري (٥٥٤٦)
قال ابن حجر: وتشبه النساء بالرجال، والرجال بالنساء من قاصد مختار، حرام اتفاقاً.
وقال أيضاً: " أما ذم الكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك ... فتركه، بغير عذر، لحقه اللوم ".
ثالثا:
نهى النبي ﷺ عن دخول المخنث على النساء، إذا فطن إلى المرأة ومحاسنها، بل أمر بإخراجه من البيوت، إلى حيث يُتَّقى شره. ففي حديث.. " تقبل بأربع وتدبر بثمان.. رواه البخاري ومسلم
وقد ترجم الإمام البخاري ﵀ على هذا الحديث ترجمتين: ١- في باب ما يُنهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة " ٢- وباب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت "
قال ابن حجر: ويُستفاد منه – حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن من البيوت والنفي إذا تعين ذلك طريقاً لردعه، وظاهر الأمر وجوب ذلك " اهـ.
وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة (٤٩٢٨) بسند في ضعف أن النبي ﷺ أُتِيَ بمخنّث قد خضب يديه.. وليس بالبقيع؟؟؟؟)
رابعاً:
أنه قد ثبت بشهادة المختصين من الأطباء أن هذا النوع من الجراحة لا تتوفر فيه أي دواع أو دوافع معتبرة من الناحية الطبية، وأنه لا يعدو كونه رغبة للشخص.
إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على التحريم، وللمزيد راجع أحكام الجراحة الطبية ص ١٩٩
ويقول الدكتور محمد علي البار: " ورغم أن الشكل الخارجي لمثل هذا الشخص قد يخدع الإنسان فيظنه بالفعل أنثى، إلا أن التركيب البيولوجي لا يزال ذكراً، وإن كان ممسوخا تماما، وبالتالي لا يوجد مبيض ولا رحم ولا يمكن أن تحيض (أو يحيض) مثل هذا الشخص، كما أنه لا يمكن أن يحمل قطعا. "
وبناءً على ما سبق فلا يجوز بأي حال أن تخلو به امرأة لوحدها، أو تتكشف له وترفع حجابها عنده، لأنه ذكر في الحقيقة، وإن كانت ميوله الآن نحو الأنث، لكثرة الهرمونات الأنثوية التي يحملها، ولا شك أن هؤلاء وأمثالهم شر من المخنثين الذين نهى النبي ﷺ من دخولهم على النساء، وأمر بنفيهم وإخراجهم من البيوت.
لذا فالتقاء أكثر من شخص به يمكن أن يكون مناسبا، كما أنه من المناسب عرضه على طبيب نفسي ثقة، يعالجه مما ألم به، نسأل الله أن يهديه ويصلح حاله.
ويمكن تدارك الحالة الواقعة بأن تكلموا أحد الثقات من المشايخ أو طلبة العلم ليستقبل ذلك الشخص، ويعرفه أمر دينه وأحكامه، ويقوي صلته بالإسلام، ويثبته عليه، وذلك عن طريق حضور أكثر من شخص،
واعلمي أنه بعد القيام بما نستطيعه تجاه ذلك الشخص، فإن الهداية بيد الله ، يهدي بها من يشاء من عباده.
والله أعلم.
راجع السؤال رقم (٢١٢٧٧) و (٦٢٨٥) .
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 498
معنى الإيمان بالقدر
[السُّؤَالُ]
ـ[ما معنى الإيمان بالقدر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
القَدَر: تقدير الله تعالى لكل ما يقع في الكون، حسبما سبق به علمه، واقتضته حكمته.
والإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن الله تعالى علم بكل شيء جملةً وتفصيلاً، أزلاً وأبداً، سواء كان مما يتعلق بأفعاله سبحانه أو بأفعال عباده.
الثاني: الإيمان بأن الله تعالى كتب ذلك في اللوح المحفوظ.
وفي هذين الأمرين يقول الله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) الحج /٧٠.
وفي صحيح مسلم (٢٦٥٣) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) وقال النبي ﷺ : (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) رواه أبو داود (٤٧٠٠) . وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
الثالث: الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى.
سواء كانت مما يتعلق بفعله ، أم مما يتعلق بفعل المخلوقين.
قال الله تعالى فيما يتعلق بفعله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) القصص /٦٨. وقال: (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) ابراهيم /٢٧. وقال: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) آل عمران /٦.
وقال تعالى فيما يتعلق بفعل المخلوقين: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) النساء /٩٠. وقال: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) الأنعام /١١٢.
فجميع الحوادث والأفعال والكائنات لا تقع إلا بمشيئة الله تعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
الرابع: الإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى بذواتها، وصفاتها، وحركاتها.
قال الله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) الزمر /٦٢. وقال: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) الفرقان /٢. وقال عن نبي الله إبراهيم ﵊ أنه قال لقومه: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) الصافات /٩٦.
فإذا آمن الإنسان بهذه الأمور فقد آمن بالقدر إيماناً صحيحاً.
والإيمان بالقدر على ما وصفنا لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية وقدرة عليها، بحيث يستطيع الاختيار هل يفعل أو يترك ما يكون ممكناً له من فعل الطاعات أو تركها، وفعل المعاصي أو تركها والشرع والواقع دالان على إثبات هذه المشيئة للعبد.
أما الشرع: فقد قال الله تعالى في المشيئة: (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً) النبأ /٣٩.
وقال: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) البقرة /٢٢٣.
وقال في القدرة: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن /١٦. وقال: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) البقرة /٢٨٦.
فهذه الآيات تثبت للإنسان مشيئة وقدرة بهما يفعل ما يشاء أو يتركه.
وأما الواقع: فإن كل إنسان يعلم أن له مشيئة وقدرة بهما يفعل وبهما يترك، ويفرق بين ما يقع بإرادته كالمشي، وما يقع بغير إرادته كالارتعاش، لكن مشيئة العبد وقدرته واقعتان بمشيئة الله تعالى وقدرته، لقول الله تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ - وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) التكوير /٢٨-٢٩.
ولأن الكون كله ملك لله تعالى فلا يكون في ملكه شيء بدون علمه ومشيئته.
والله تعالى أعلم.
انظر: رسالة شرح أصول الإيمان للشيخ ابن عثيمين.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 499
فساد مقولة (إرادة الشعب من إرادة الله)
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في بعض كتب المفكرين عبارة (إرادة الشعب من إرادة الله) أرجو الإفادة عن صحة هذه العبارة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
سئل الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀ عن هذا الإطلاق فأجاب قائلاً:
(هذا افتراء عظيم تجرأ به على الله بعض فلاسفة المذاهب ومنفذيها جرأة لم يسبق لها مثيل في أي محيط كافر في غابر القرون، إذا غاية ما قص الله عنهم التعلق بالمشيئة بقولهم: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء) الأنعام /١٤٨.
فكذبهم الله، وهؤلاء جعلوا للشعب الموهوم - إرادة الأمر - لتبرير خططهم التي ينفذونها، ويلزم هذا الإفك إفساد اللوازم المبطلة له، الدافعة لمن قاله، إذ على قولهم الفاسد يكون للشعب أن يفعل ما شاء ويتصرف في حياته تصرف من ليس مقيداً بشريعة وكتاب، بل على وفق هواه، وعلى أساس المادة والشهوة، والقوة، كالشعوب الكافرة التي لا تدين بدين يقبله الله، ولا ترعى خُلقاً ولا فضيلة.
فهذا الإفك العظيم لم يجرؤ عليه أبو جهل ومن على شاكلته مع خبثه وعناده، لأن قبحه معروف ببداهة العقول، حيث إن أذواق الشعوب ونزعتها تختلف، فإذا جعلت إرادة الشعب من إرادة الله صارت نزعات الوجودية، والشيوعية، والنازية، والصهونية، ووحشية الغاب وغيرها من إرادة الله التي أمر بها، وصار كل ما تهواه النفوس الشريرة، ويعشقه مرضى القلوب من التهتك، والإنحلال، ومعاقرة الخمر، ودغدغة الغرائز، وإشباع الشهوات على حساب الغير من أمر الله.
فعلام ينتقدون غيرهم، ويصيحون عليه إذا كانت إرادة الشعوب ورغباتها من إرادة الله في حكمه الذي يرتضيه؟ ولأي شيء يرسل الله الرسل، وينزل الكتب، ويشرع الجهاد، والأمر والنهي على الناس إذا كانت إرادتهم من إرادته التي يرتضيها؟.
هذا هو عين المحال، ومنتهى الفجور والضلال، والذين تزعموا هذا الإفك لا يطبقونه على أنفسهم، بل يسمحون لها بغزو الشعب الذي لا يخضع لسلطانهم، ولا يسير وفق أهدافهم.
فكأن الشعب الذي يحكمونه هم بقوة الحديد والنار هو الشعب الذي إرادته ألوهيةً من إرادة الله.
والباطل لابد أن يتناقض، وينادي على نفسه بالبطلان، فقد أشركوا بالله شركاً عظيماً، إذ جعلوا الشعب نداً من دون الله، وأهواءه أنداداً لشريعته وحكمته، بدلاً من أن يكون محتكماًُ إلى الله، ملتزماً لحدوده، متكيفاً بشريعته، منفذاً لها) .
[الْمَصْدَرُ]
الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة ص ٧٧-٧٨
стр. 500
حكم استعمال كلمة لو
[السُّؤَالُ]
ـ[فيمن سمع رجلا يقول: لو كنت فعلت كذا لم يجر عليك شيء من هذا , فقال له رجل آخر سمعه: هذه الكلمة قد نهى النبي ﷺ عنها , وهي كلمة تؤدي قائلها إلى الكفر , فقال رجل آخر: قال النبي ﷺ في قصة موسى مع الخضر: ﴿يرحم الله موسى وددنا لو كان صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما﴾ واستدل الآخر بقوله ﷺ : ﴿المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف إلى أن قال فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان﴾ فهل هذا ناسخ لهذا أم لا؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
جميع ما قاله الله ورسوله حق , " ولو " تستعمل على وجهين: أحدهما: على وجه الحزن على الماضي والجزع من المقدور , فهذا هو الذي نهى عنه , كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾ .
وهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ حيث قال: ﴿وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن - اللو - تفتح عمل الشيطان﴾ أي تفتح عليك الحزن والجزع , وذلك يضر ولا ينفع بل اعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك , وما أخطأك لم يكن ليصيبك , كما قال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ , قالوا: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
والوجه الثاني: أن يقال " لو " لبيان علم نافع , كقوله: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ . ولبيان محبة الخير وإرادته , كقوله: " لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثل ما يعمل " ونحوه جائز.
وقول النبي ﷺ : ﴿وددت لو أن موسى صبر ليقص الله علينا من خبرهما﴾ هو من هذا الباب , كقوله: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾ فإن نبينا ﷺ أحب أن يقص الله خبرهما , فذكرها لبيان محبته للصبر المترتب عليه , فعرفه ما يكون لما في ذلك من المنفعة , ولم يكن في ذلك جزع ولا حزن ولا ترك لما يجب من الصبر على المقدور ...
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
مجموع الفتاوى الكبرى لابن تيمية ١٠٣٣ - ٩
стр. 501
نظرة الإسلام للقضاء والقدر
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف ينظر الإسلام للقضاء والقدر؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الإيمان بالقضاء والقدر أصل من أصول الإيمان وهو يعني أن الله عالم بكل شيء، خالق لكل شيء، وأنه لا يخرج شيء عن إرادته وتقديره، وكتب كل شيء عنده في اللوح المحفوظ، وذلك قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف عام، وأن ما في الكون خلق لله تعالى هم وأفعالهم، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وما أصاب العبد لا يمكن أن يخطئه وما أخطأه لا يمكن أن يصيبه وأن العبد ليس بمجبور على فعل الطاعات أو المعاصي بل له إرادة تليق بحاله ولكنها تحت إرادة الخالق. والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 502
هل يجوز قول شاءت الظروف
[السُّؤَالُ]
ـ[قرأت في عدد من القصص والمقطوعات الأدبية والمقالات الصحفية عبارة (شاءت الظروف أو شاءت الأقدار) فما هو حكم هذه العبارة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذه من الألفاظ التي لا ينبغي قولها، لأنه ليس للظروف ولا للأقدار مشيئة.
وقد سئل العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله عن هذه الألفاظ فقال: (شاءت الأقدار، وشاءت الظروف ألفاظ منكرة، لأن الظروف جمع ظرف، وهو الزمن، والزمن لا مشيئة له، وكذلك الأقدار جمع قدر، والقدر لا مشيئة له.
وإنما الذي يشاء هو الله نعم لو قال الإنسان: اقتضى قدر الله كذا وكذا فلا بأس، أما المشيئة فلا يجوز أن تضاف للأقدار، لأن المشيئة هي الإرادة، ولا إرادة للوصف، وإنما هي للموصوف) . مجموع فتاوى ورسائل محمد بن عثيمين ٣/١٣١-١٣٢.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب الإيمان بالقضاء والقدر لـ محمد بن إبراهيم الحمد ص ١٤٧.
стр. 503
هل يجوز أن نسأل الله رد القضاء
[السُّؤَالُ]
ـ[ما صحة هذا العبارة التي يدعو بها بعض الناس: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف بي) ؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الدعاء يجري كثيراً على الألسنة، وهو دعاء لا ينبغي، لأنه شُرع لنا أن نسأل الله رد القضاء إذا كان فيه سوء.
ولهذا بوب الإمام البخاري ﵀ باباً في صحيحه قال فيه: (باب من تعوذ بالله من درك الشقاء، وسوء القضاء، وقوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق) الفلق/١-٢
ثم ساق قول النبي ﷺ : (تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء وسوء القضاء) البخاري ٧/٢١٥ كتاب القدر.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب الإيمان بالقضاء والقدر لـ محمد بن إبراهيم الحمد ص ١٤٧.
стр. 504
هل تتمنى المرأة أن تكون رجلاً
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا يكافأ الرجل في الجنة بالعديد من الحور وليس الأمر كذلك بالنسبة للمرأة؟ في الحقيقة فإنها يجب أن تشترك في زوجها مع الآخرين (الحور والزوجات) .
هل هناك شيء آخر عن هذا الموضوع لا أعرفه، أعلم أنه سيكون في الجنة شيء أكثر من مجرد الزواج وأزواجهن ولكني لا زلت أريد جواباً لهذا السؤال.
هذا الموضوع يدور في خلدي منذ زمن طويل.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تمنى بعض الصحابيات أن يكنَّ رجالاً يجاهدن في سبيل الله، فأنزل الله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليماً) النساء/٣٢ فنهى تعالى النساء عن تمني ما هو من خصائص الرجال فقد جعل الله للرجال نصيباً مقدراً من العمل في الدنيا ولهم نصيب من الجزاء المقدر في الآخرة وللنساء كذلك، فأسالوا الله الكريم الوهاب يعطيكم من فضله بدلاً من التمني، فالله أعلم بما يُصلح عباده فيما قسمه لهم من الخير.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 505
هل المسلمون جبريون ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل المسلمون جبريون.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الجبرية والمجبرة هم الذين يرون أن العبد مجبور على فعله، وأن أفعاله كأفعال الشجرة التي تحركها الرياح، ويقابلهم القدرية النفاة الذين يرون أن العبد يخلق فعله، ومذهب أهل السنة والجماعة من المسلمين وسط بين الجبرية والقدرية، فيرون أن للعبد مشيئة وإرادة لكنها تابعة لمشيئة الله وإرادته فلا العبد يخلق فعله وليس بمجبور لا يستطيع أن يتصرف في نفسه فله تصرف تابع لإرادة الله ومشيئته. والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الكريم الخضير.
стр. 506
هل من مسئولية على الأطفال المولودين في بيئة كافرة
[السُّؤَالُ]
ـ[الأطفال الذين وُلدوا وتربوا في بيئات مختلفة وفي أديان مختلفة ينشؤون، وعندهم بشكل طبيعي، نزعة إلى التمرد على القيود العادية ويكون عندهم شخصيات مختلفة. فالطفل المولود لعائلة هندوسية يصبح هندوسيا عندما يكبر. وبالنسبة له، فإن الدين الهندوسي هو الدين الصحيح. ولنفترض أن من هو في مثل حال هذا الشخص، الذي تأصل في طبعه منذ الطفولة أنه هندوسي أولا وأخيرا، أنه تلقى رسالة الإسلام، فما هي احتمالات أنه سوف يتخلى عن دينه وهويته ويقبل بشيء جديد؟ أليس من العسير على مثله أن يصبح مسلما إذا ما قارنا ذلك مع آخر وُلد مسلما؟ إنه لشيء يخيفني جدا أن أفكر فيما لو أني وُلدت على دين آخر غير الإسلام فكيف يكون حالي الآن. وعليه، لماذا لا تكون القاعدة أن يحصل كل فرد على نفس الفرص كي يتمكن من تجريب الإسلام ويقبل به وهو صغير؟ هل هذا موضوع يتعلق بمشيئة الله، شيء روحاني (الهداية) أم بنفسية الإنسان؟ أرجو أن ترد مستدلا من القرآن والسنة.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) . وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه " متفق عليه.
والصواب أن المراد بالفطرة ملّة الإسلام كما في الحديث الذي رواه مسلم عن رسول الله ﷺ قال: " قال الله تعالى: خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يُشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانا ". ومعنى أن المولود يولد على ملة الإسلام أنه يولد مستعدا في تكوينه إذا تفتح عقله وعرض عليه الإسلام وضدّه أن يُؤْثِرَ الإسلام على ضدّه، ويختار الإسلام ديناً، مالم يمنعه من ذلك مانع كالهوى أو التعصب، فاتباع الهوى يحمل على إيثار الباطل لنيل حظ من الحظوظ من رئاسة أو مال والتعصب يحمل على اتباع الآباء والكبراء ولو كانوا على غير هدى، قال تعالى: (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم مقتدون) ، وقال تعالى عن الأتباع من أهل النار: (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) . وإذا كان كل مولود يولد على الفطرة فمعلوم أن منهم من يتهيأ له ما يوافق فطرته ويثبتها كمن يولد بين أبوين مسلمين، وينشأ في مجتمع مسلم، ومنهم من يتعرض لتغيير فطرته كمن يولد بين أبوين كافرين وينشأ بين الكفار من يهود أو نصارى ومجوس أو مشركين. ولا ريب أن الذي ولد في الإسلام قد حصل له من أسباب الهداية والسعادة ما لم يحصل لغيره ممن ولدوا ونشأوا في مجتمعات كافره، والتوفيق للإيمان وتيسير أسباب الهداية فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم يجب أن يُعلم أن من غيّرت فطرته عن الإسلام لا يعاقب بذنب غيره، وإنما يعاقب إذا بلغته دعوة الرسول ﵊ فأعرض عنها، ولم يقبلها إباءا واستكبارا وتعصبا لدين آبائه وأهل بلده، لأنه قد قامت عليه الحجة بدعوة الرسول، ومن قامت عليه الحجة الرسالية وأصرّ على كفره استحق العذاب، قال تعالى: (وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولا) .
وقولك في السؤال (إنه لشيء يخيفني.......) قول صحيح ومعقول فمن نعمة الله عليك أنْ ولِدْتَ في الإسلام، ولو ولدت في دين آخر لكان يُخشى عليك من البقاء على الدين الباطل، ولكن الله إذا أراد بالعبد خيرا يسّر له من أسباب الهداية ما ينقله عن ملّة الكفر إلى ملّة الإسلام فالأمر كلّه لله.
وقولك في السؤال (لماذا لا تكون القاعدة.....) هو سؤال باطل سببه الجهل بحكمة الله تعالى وسنته في خلقه، ومعلوم أنه يستحيل أن تكون الفرص للجميع واحدة مع تعدد وكثرة الديانات البشرية، ثم إن الهداية إلى الإسلام تحصل بمشيئة الإنسان واختياره لأن الله تعالى أعطى الإنسان القدرة على الفرق بين الحقّ والباطل، والنافع والضار بما ركّب فيهم من العقل، وبما بعث به رسله من البينات، ومع ذلك فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله فإنه الذي يُضلّ من يشاء بعدله وحكمته، ويهدي من يشاء بفضله وحكمته.
قال تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين) .
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الرحمن البراك.
стр. 507
فوائد ابتلاء المؤمن
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا يثقل الله على المؤمنين الذي يكثرون العبادة بالأمراض والبلايا في حين أن العصاة يتمتعون بكل مطايب الحياة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا السؤال يَرِد على وجهين أحدهما اعتراض والثاني استرشاد، فأما وقوعه على سبيل الاعتراض فإن دليل على جهل السائل، فإنّ حكمة الله أعظم من أن تبلغها عقولنا والله يقول: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)
فهذه الروح التي هي بين جنبينا والتي هي مادة حياتنا نحن لا نعرفها وقد عجز النظار والفلاسفة والمتكلمون عن تحديدها وكيفيتها، فإذا كانت هذه الروح التي هي أقرب مخلوق إلينا لا نعلم منها إلا ما وُصف في الكتاب والسنة فما بالك بما وراء هذا؟ فالله أحكم وأعظم وأجل وأقدر، فعلينا أن نسلم بقضائه تسليماً تاماً: قضائه الكوني وقضائه القدري، لأننا عاجزون عن إدراك غايات حكمته ، وعليه فالجواب عن هذا الوجه من السؤال أن نقول: الله أعلم وأحكم وأقدر وأعظم.
وأما الوجه الثاني وهو سؤال استرشاد فإننا نقول لهذا السائل: المؤمن يبتلى وابتلاء الله له بما يؤذيه له فائدتان عظيمتان: الفائدة الأولى اختبار هذا الرجل في إيمانه. هل إيمانه صادق أو متزعزع، فالمؤمن الصادق في إيمانه يصبر لقضاء الله وقدره، ويحتسب الأجر منه وحينئذ يهون عليه الأمر، ويذكر عن بعض العابدات أنه أصيب أصبعها بقطع أو جرح ولكنها لم تتألم ولم تظهر التضجر فقيل لها في ذلك فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها، والمؤمن يحتسب الأجر من الله تعالى ويسلم تسليماً. وهذه فائدة.
أما الفائدة الثانية: فإن الله سبحانه أثنى على الصابرين ثناءً كبيراً وأخبر أنه معهم وأنه يوفيهم أجرهم بغير حساب، والصبر درجة عالية لا ينالها إلا من أبتُلي بالأمور التي يُصبر عليها فإذا صبر نال هذه الدرجة العالية التي فيها هذا الأجر الكثير، فيكون ابتلاء الله للمؤمنين بما يؤذيهم من أجل أن ينالوا درجة الصابرين، ولهذا كان الرسول ﵊ وهو أعظم الناس إيماناً واتقاهم لله وأخشاهم لله كان يوعك كما يوعك الرجلان وشُدد عليه ﷺ عند النزع كل ذلك لأجل أن تتم له منزلة الصبر فإنه ﵊ أصبر الصابرين، ومن هذا يتبين لك الحكمة من كون الله يبتلي المؤمن بمثل هذه المصائب، أما كونه يعطي العصاة والفساق والفجار والكفار العافية والرزق يدره عليهم فهذا استدراج منه لهم، وقد ثبت عن النبي ﷺ قوله: إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. فهم يُعطون هذه الطيبات لتُعجل لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ويوم القيامة ينالون ما يستحقونه من جزاء، قال الله تعالى: (ويوم يُعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون) فالحاصل أن هذه الدنيا هي للكفار يُستدرجون بها وهم إذا انتقلوا إلى الآخرة من هذه الحياة الدنيا التي نعموا بها وجدوا العذاب والعياذ بالله، فإنه يكون العذاب أشد عليهم لأنهم يجدون في العذاب النكال والعقوبة، ولأنه مع فوات محبوبهم من الدنيا ونعيمهم وترفهم، وهذه فائدة ثالثة يمكن أن نضيفها إلى الفائدتين السابقتين فيما سينال المؤمن من الأذى والأمراض، فالمؤمن ينتقل من دار خير من هذه الدنيا فيكون قد انتقل من أمر يؤذيه ويؤلمه إلى أمر يسره ويفرحه، فيكون فرحه بما قدم عليه من النعيم مضاعفاً لأنه حصل به النعيم وفات عنه ما يجري من الآلام والمصائب.
[الْمَصْدَرُ]
من فتاوى الشيخ ابن عثيمين في كتاب فتاوى إسلامية ١/٨٣.
стр. 508
هل مشيئة الله هي سبب إنحراف الإنسان
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا ضل الإنسان وانحرف هل يكون ذلك بمشيئة الله أم أن الله لا يُقدّر ذلك؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله تعالى -:
" قوله تعالى: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليّاً مرشداً) الكهف/١٧، بيَّن جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الهدى والإضلال بيده وحده جل وعلا فمَن هداه فلا مُضلَّ له ومن أضلَّه فلا هاديَ له، وقد أوضح هذا المعنى في آياتٍ كثيرةٍ جدّاً كقوله تعالى: (ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عُمياً وبكماً وصمّاً) الإسراء/٩٧، وقوله: (من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون) الأعراف/١٧٨، وقوله: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) القصص/٥٦، وقوله: (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا) المائدة/٤١، وقوله: (إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين) النحل/٣٧، وقوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيِّقاً حرجاً كأنَّما يصَّعَّد في السماء) الأنعام/١٢٥، والآيات بمثل هذا كثيرة جدّاً.
ويؤخذ من هذه الآيات وأمثالها في القرآن بطلان مذهب القدرية: أن العبد مستقلٌّ بعمله من خيرٍ أو شرٍّ، وأن ذلك ليس بمشيئة الله وإنما بمشيئة العبد، سبحانه جل وعلا عن أن يقع في ملكه شئ بدون مشيئته، وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.
[الْمَصْدَرُ]
" أضواء البيان " (٤ / ٤٤) .
стр. 509
حكم قول: (ما تستاهل) للمريض
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الأشخاص عندما يعود أحد المرضى يقول له ما تستاهل أو بعض الأشخاص عندما يسمع أن فلاناً من الناس مريض يقول: والله ما يستاهل نرجو بيان جواز قول هذه الكلمة من عدمه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا اللفظ لا يجوز؛ لأنه اعتراض على الله سبحانه، وهو سبحانه أعلم بأحوال عباده، وله الحكمة البالغة فيما يقضيه ويقدره على عباده من صحة ومرض، ومن غنى وفقر وغير ذلك.
وإنما المشروع أن يقول: عافاه الله وشفاه، ونحو ذلك من الألفاظ الطيبة.
وفق الله المسلمين جميعاً للفقه في الدين والثبات عليه، إنه خير مسئول.
[الْمَصْدَرُ]
كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. م/٨ ص/٤٢١.
стр. 510
خلق الله لبشرٍ معوقين ذهنياً
[السُّؤَالُ]
ـ[لماذا خلق الله أناساً معوقين ذهنياً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
إن من أصول الدين الإيمان بحكمة الرب في خلقه وأمره، وفي قدره وشرعه، بمعنى أنه لا يخلق شيئا عبثا، ولا يشرع ما لا مصلحة فيه للعباد، فكل ما في الوجود فهو بقدرته ومشيئته، قال تعالى: (الله خالق كل شيء) . وقد اقتضت حكمته البالغة خلق الأضداد، فخلق الملائكة والشياطين، والليل والنهار، والطيب والخبيث، والحسن والقبيح، وخلق الخير والشر، وفاضل وفاوت بين العباد في أبدانهم وفي عقولهم، وفي قواهم، فجعل منهم الغني والفقير، والسليم والسقيم، والعاقل وغير العاقل. ومن حكمة الله في خلقه أن يبتليهم ويبتلي بعضهم ببعض، ليتبين من يشكره ومن يكفره، قال تعالى: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ... إلى قوله تعالى إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) . وقال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) .
فالمؤمن المعافى إذا شاهد المعوقين عرف نعمة الله عليه فشكره على إنعامه، وسأله العافية، وعلم أن الله على كل شيء قدير.
والعباد عاجزون عن الإحاطة بحكمته، لايسئل عما يفعل وهم يسألون ، فما علمت أيها المسلم من حكمة ربك فآمن به، وما عجزت عنه فسلّم فيه لربك وقل: الله أعلم وأحكم، لاعلم لنا إلا ماعلمتنا وهو العليم الحكيم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ عبد الرحمن البراك.
стр. 511
تقدير الله للمصائب على الأطفال؛ لماذا ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[صديقتي غير مسلمة، وكنت أحاول مساعدتها كي تتعرف على الدين الحقيقي، ومن بين الأسئلة التي طرحتها علي هذا السؤال:
"أفهم الاعتقاد بأن الله يختبر، وكي أستخدم مثالك، فالأم التي ترمي بطفلها في صندوق النفايات، لأنها لم تكن تريده، فإنها تكون قد أخفقت في اختبار الحب بشكل مخز. وكذلك المرأة التي كان عندها الكثير من الحب والشوق لأن يكون عندها طفل، ثم سرقت طفلا كي تشبع رغبتها. فإنها تكون أيضا قد أخفقت في اختبارها بسبب الطريق الخاطئة التي مكنتها الحصول على طفل. أنا لا أطرح أسئلتي بخصوص الكبار الذين ارتكبوا أخطاء. لكني أسأل عن الأساس المنطقي المتعلق بالأطفال. وبعبارة أخرى، هل كان الله يختبر الصغير لأنه سمح لوالدته أن ترميه في صندوق النفايات؟ أي نوع من الاختبارات هذا؟ هل الصغير الذي يؤذيه والداه جسديا يُختبر؟ أي نوع من الاختبارات هذا؟ على ماذا يُختبر الطفل؟ كم من الآلام يستطيع أن يتحمله الطفل؟ لذلك، فأسئلتي تتعلق بالأبرياء – وليس بالمذنبين. لماذا يسمح الله لهؤلاء الأبرياء أن يتعرضوا للأذى في جميع أنحاء العالم؟؟ أنا لا أستطيع فهم ذلك".]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يُشغله شأن عن شأن، جلَّ عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، ﴿ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير﴾ .
والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، وحجةً للناس أجمعين، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق الجهاد، حتى تركنا على محجةٍ بيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك ... وبعد:
ـ فيجب أن نعلم يا أخي أن أي مؤمن بوجود الله، وكونه ربا خالقا ولو كان هذا المؤمن بوجود الرب من غير المسلمين، يعلم أن هذا الرب يتميز عن خلقه من جميع الوجوه فليس هناك مجال للمشابهة والمقارنة بينه وبين خلقه ولذا يقول الله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) الشورى/١١.
ـ وإذا كان المالك للشيء في الدنيا يتصرف فيه كيف شاء دون أن يحاسبه الخلق على ذلك لأن هذا الشيء هو ملكه؛ فإن الله الخالق الذي ليس كمثله شيء له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ونوقن نحن المسلمين أن ربنا الذي خلقنا له الحكمة البالغة التي لايمكن أن يتطرق إليها أدنى نقص بأي وجه من الوجوه،بل وكل مؤمن بوجود الرب وقد رضي به ربا يلزمه أن يؤمن بذلك وإلا فهو يؤمن برب ناقص ومعلوم عند من له أدنى عقل وإيمان أن الرب لا يمكن أن يكون ربا حتى يكون كاملا من كل وجه بعيدا عن أي نقص، وإلا فهو ليس برب على الحقيقة. ونحن بدورنا ولأننا خلق من خلق الله، لايمكن أن نصل إلى إدراك شيء يسير من حكمته إلا بعد تعليمه لنا فما علّمناه من حِكم أفعاله فهمناه، وصدقناه. وما كتمه عنا مما اختص بعلمه آمنا به وعلمنا أنه لا يفعل شيئا إلا لحكمة عظيمة،لأنه هو الحكيم العليم، ولايمكن بحال أن يتطرق إلى قلوبنا احتمال أن نحاسبه على ما يفعل في ملكه وخلقه، وإلا فقد تعدينا على مقام الربوبية وتعدينا طورنا وزعمنا أن بإمكاننا أن نعلم ما يعلمه سبحانه، وهذا لايمكن أن يقوله إلا ملحد لايؤمن بوجود رب أصلا ـ نعوذ بالله من ذلك ـ.
ـ وإذا كنا نقر لأهل التخصص في تخصصهم وهم من البشر دون أن نناقشهم في ذلك كالأطباء والمهندسين وغيرهم، وذلك لأن مستوانا التعليمي لا يسمح لنا بفهم كل ما يذكرونه، فلأن نقر للعليم الذي لا يغيب عن علمه شيء بأن ما يتصرف به في شؤون خلقه ونحن لا نفهمه أنه هو الحكمة والصواب ولاشك؛ من باب أولى وأحرى.
ـ إننا نحن البشر نعد من الحكمة أحيانا أن نفعل بعض الأمور المكروهة لنا لما فيها من الفائدة ولو لم نفعلها لأصبحنا متهمين بنقص الحكمة والعقل، فمثلا المريض الذي يخاف على نفسه الهلاك ويعلم أن شفاءه بإذن الله إذا شرب هذا الدواء، فإن الحكمة هي أن يشرب ذلك الدواء ولو كان مُراً، ولو لم يشربه لعد تقصيرا منه ونقصا في عقله، وهكذا في أمور كثيرة في حياتنا نفعلها ونحن لها كارهون لما يترتب عليها من المصالح.
ولله المثل الأعلى، وليس هناك مجال لقياسه على خلقه، فهو يفعل سبحانه في ملكه بعض ما يبغضه لما يترتب على ذلك من الحكم العظيمة؛ التي نعجز عن إدراكها أو كثير منها، وقد تتضح لنا بعض الحكم اليسيرة، وذلك من رحمة الله بعباده المؤمنين أن يريهم بعض حكمه في الدنيا لتطمئن قلوبهم، فمثلا لو أردنا أن نلتمس بعض ما يمكن أن نفهمه من بعض الحكم من خلق الله للصبي ثم وفاته بعد ذلك، فربما لو عاش هذا الصبي لارتكب الموبقات والمعاصي العظيمة، فأوجب له ذلك الخلود في النار أدخولها مدة طويلة، أو إغواء غيره كأبويه كحال الغلام الذي قتله الخضر في قصته مع موسى ﵇ (وهي في سورة الكهف) .
كما أنه ربما لو عاش هذا الصبي لتعرض لمتاعب كثيرة يكون الموت بالنسبة لها رحمة من الله.
وأيضا فلو خلقه معاقا مثلا فربما منعته هذه الإعاقة عن كثير من المعاصي التي لولاها لفعل هذه المعاصي فعوقب عليها يوم القيامة.
ـ كما أنه ليس بالضرورة أن يكون كل مرض أو إعاقة عقوبة، بل قد تكون امتحانا لوالديه، فيكفرالله عنهم من سيئا تهما، أو يرفع في درجاتهما في الجنة إذا صبرا على هذا البلاء، ثم إذا كبر هذا الصبي يمتد الامتحان له، فإن صبر مع الإيمان فقد أعد الله للصابرين أجرا عظيما لايمكن أن يقدر ولا يحسب، فقال سبحانه (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب) الزمر/١٠، ونحن المسلمين لا تنتهي حياتنا بوفاتنا بل نحن نؤمن أن وراء الموت جنة ونارا، هي التي فيها الحياة الحقيقية، فأهل الخير يجدون جزاء ما عملوه من الخير في الدنيا بانتظارهم عند الله، وأهل الشر كذلك، فلا يمكن أن يستوي الطيب والخبيث، وهكذا فمن ابتلي وصبر لايمكن أن يضيع هذا الصبر عند الله، بل ربما يتمنى الذي لم يصب في الدنيا بمثل مصيبته أن يكون قد أصيب بمثل مصابه لما يرى له من المكانة العظيمة. والأدلة على هذا كثيرة في الكتاب والسنة فمنها:
قوله سبحانه (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) البقرة/١٥٥.
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ " رواه مسلم ٢٩٩٩
وبهذا يتبين لك أن المصائب التي تجري على الأبرياء في نظرنا، بل وعلى جميع الناس ليس بالضرورة أن تكون عقوبة؛ بل قد تكون رحمة من الله لكن لأن عقولنا قاصرة فإننا في كثير من الأحيان نعجز عن فهم حكمة الله في ذلك، فإما أن نكون مؤمنين بأن الله أعدل منا وأحكم وأعلم وأرحم بخلقه، فنسلّم له، ونرضى ونحن مقرين بعجزنا لمعرفتنا بحقيقة أنفسنا، وإما أن نتبجح بعقولنا القاصرة ونغتر بأنفسنا الضعيفة ونأبى إلا محاسبة الله والاعتراض عليه، وهذا لا يمكن أن يخطر بقلب أي مؤمن بوجود ربٍ خالقٍ مالك حكيم كامل من كل وجه. ولو فعلنا فقد عرضنا أنفسنا لغضب الله ومقته، ولن يضر الله شيئا.
ولذا فقد نبه الله على ذلك بقوله سبحانه: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) الأنبياء/٢٣
ـ كما أن من ضعف الإنسان وقصر نظره؛أن يقتصر على رؤية المصائب ولا يتفطن لما فيها من الفوائد، ولا ينظر في بقية النعم الأخرى له وفيما حوله، فنِعم الله على بني البشر لا تقارن بمقدار ما يصيبهم به من المصائب.ولو كان هناك إنسانٌ كثير الإحسان ولكنه لا يحسن أحياناً فإن نسيان إحسانه يعد من الجحود والنكران، فكيف بالله سبحانه وله المثل الأعلى، فكل تصرفاته في الكون هي خير ولا يمكن أن تكون شراً من جميع الوجوه.
وأيضاً فإن الأنبياء والرسل هم أحب الخلق إلى الله ومع ذلك فهم أشد الناس بلاء وأكثرهم مصائب، فلماذا؟ ليس عقوبة لهم ولا لهوانهم على ربهم، ولكن لأن الله يحبهم فقد ادخر لهم كامل الأجر ليستوفوه في الجنة وكتب عليهم هذه المصائب ليزيدهم رفعة ودرجة. فهو سبحانه يفعل ما شاء كيف شاء متى شاء لا معقب لحكمه ولا راد لأمره وهو الحكيم العليم. والله أعلى وأعلم وأحكم.
تنبيه: فيما يتعلق بقولك: (صديقتي) فإنه يحرم إقامة العلاقة غير الشرعية بين الرجل والمرأة ولمزيد من التوضيح والبيان في هذه القضية الهامة عليك مراجعة فتوى رقم (٩٤٦٥) و (١٢٠٠) في الموقع.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 512
تسخط الزوج إذا ولدت زوجته بنتاً
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض المسلمين هداه الله إذا رزقه الله بنتاً تسخط بها، وضاق ذرعاً بمقدمها، وأعرف من هدد زوجته بالطلاق إذا أنجبت بنتاً، نرجو إلقاء الضوء من الشريعة الإسلامية على هذا الموضوع؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الصنيع ولا شك من أعمال الجاهلية الأولى، وأخلاق أهلها الأجلاف، الذين ورد ذمهم، والتشنيع عليهم في الكتاب والسنة.
وما أشبه الليلة بالبارحة، فلو زرت مستشفى للولادة في بلاد المسلمين، وقلبت طرفك في وجوه الحاضرين ممن ولد لهم بنات، وراقبت كلامهم، وسبرت أحوالهم لرأيت توافقاً عجيباً وتطابقاً غريباً بين حال كثير من هؤلاء وحال أهل الجاهلية الذين قص الله ﵎ علينا خبرهم، وأنهم (إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون) النحل /٥٨-٥٩
ومن مظاهر التسخط بالبنات أن يُكتشف في بعض المستشفيات ما برحم المرأة من ذكر أو أنثى، وذلك عبر الأشعة الصوتية، فإن كان ذكراً بشّروا، وإن كان أنثى أقصروا! وهذا الأمر جد خطير، ويترتب عليه عدة محاذير، منها:
أنه اعتراض على قدر الله .
أنه رد لهبته بدلاً من شكرها، وكفى بذلك مقتاً وتعرضاً للعقوبة.
أن فيه إهانة للمرأة، وحطاً من قدرها، وتحميلاً لها ما لا تطيق.
كما أنه دليل على السفاهة والجهل، والحماقة وقلة العقل.
كما أن فيه تشبهاً بأخلاق أهل الجاهلية.
فما أجدر بالمسلم أن يتجنب تلك المسالك، وأن ينجو بنفسه من تلك المهالك، فالتسليم لقدر الله أمر واجب، والرضا به من صفات المؤمنين.
ثم إن فضل البنات لا يخفى، فهن الأمهات، وهن الأخوات، وهن الزوجات، وهن نصف المجتمع ويلدن النصف الآخر، فكأنهن المجتمع كله. انظر تحفة المولود في أحكام المولود لابن القيم ص ١٦
ومما يدل على فضلهن أن الله سمى إتيانهن هبة وقدمهن على الذكور في قوله تعالى: (يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور) الشورى /٤٩
وكذلك الرسول ﷺ بين فضلهن وحث على الإحسان إليهن كما في قوله: (من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهم كن له ستراً من النار) رواه البخاري ١٤١٨ مع الفتح، ومسلم (٢٦٢٩)
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب الإيمان بالقضاء بالقدر لـ محمد بن إبراهيم الحمد ص ١٦٠.
стр. 513
ترك الأخذ بالأسباب بحجة التوكل على الله
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الصوفية يقول بترك الأخذ بالأسباب، بحجة التوكل على الله والتسليم لقضائه وقدره، فهل هذا الكلام صحيح، وما هو المذهب الصحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الأمر مما عمت به البلوى، واشتدت به المحنة، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الأمة.
فأمة الإسلام مرت بأزمات كثيرة، وفترات عسيرة، وكانت تخرج منها بالتفكير المستنير، والنظرة الثاقبة، والتصور الصحيح، فتبحث في الأسباب والمسببات، وتنظر في العواقب والمقدمات، ثم بعد ذلك تأخذ بالأسباب، وتلج البيوت من الأبواب، فتجتاز - بأمر الله - تلك الأزمات، وتخرج من تلك النكبات، فتعود لها عزتها، ويرجع لها سالف مجدها، هكذا كانت أمة الإسلام في عصورها الزاهية.
أما في هذه العصور المتأخرة التي غشت فيها غواشي الجهل، وعصفت فيها أعاصير الإلحاد والتغريب، وشاعت فيها البدع والضلالات، فقد اختلط هذا الأمر على كثير من المسلمين، فجعلوا من الإيمان بالقضاء والقدر تكأة للإخلاد في الأرض، ومسوغاً لترك الحزم والجد والتفكير في معالي الأمور، وسبل العزة والفلاح، فآثروا ركوب السهل الوطيء الوبيء على ركوب الصعب الأشق المريء.
فكان المخرج لهم أن يتكل المرء على القدر، وأن الله هو الفعال لما يريد، وأن ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن، فلتمض إرادته، ولتكن مشيئئته، وليجر قضاءه وقدره، فلا حول لنا ولا طول، ولا يد لنا في ذلك كله.
هكذا بكل يسر وسهولة، استسلام للأقدار دون منازعة لها في فعل الأسباب المشروعة والمباحة.
فلا أمر بالمعروف، ولا نهي عن المنكر، ولا جهاد لأعداء الله، ولا حرص على نشر العلم ورفع الجهل، ولا محاربة للأفكار الهدامة والمبادئ المضللة، كل ذلك بحجة أن الله شاء ذلك!
والحقيقة أن هذه مصيبة كبرى، وضلالة عظمى، أدت بالأمة إلى هوة سحيقة من التخلف والانحطاط، وسببت لها تسلط الأعداء، وجرت عليها ويلات إثر ويلات.
وإلا فالأخذ بالأسباب لا ينافي الإيمان بالقدر، بل إنه من تمامه، فالله أراد بنا أشياء، وأراد منا أشياء، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أمرنا بالقيام به، فقد أراد منا حمل الدعوة إلى الكفار وإن كان يعلم أنهم لن يؤمنوا، وأراد منا قتالهم وإن كان يعلم أننا سُنهزم أمامهم، وأراد منا أن نكون أمة واحدة وإن كان يعلم أننا سنتفرق ونختلف، وأراد منا أن نكون أشداء على الكفار رحماء بيننا وإن كان يعلم أن بأسنا سيكون بيننا شديداً وهكذا ...
فالخلط بين ما أريد بنا وما أريد منا هو الذي يُلبس الأمر، ويوقع في المحذور.
صحيح أن الله هو الفعال لما يريد، الخالق لكل شيء، الذي بيده ملكوت كل شيء، الذي له مقاليد السموات والأرض، ولكنه تبارك وتعلى جعل لهذا الكون نواميس يسير عليها، وقوانين ينتظم بها، وإن كان هو قادراًَ على خرق هذه النواميس وتلك القوانين، وإن كان أيضاً لا يخرقها لكل أحد.
فالإيمان بأن الله قادر على نصر المؤمنين على الكافرين - لا يعني أنه سينصر المؤمنين وهم قاعدون عن الأخذ بالأسباب، لأن النصر بدون الأخذ بالأسباب مستحيل، وقدرة الله لا تتعلق بالمستحيل ولأنه منافٍ لحكمة الله، وقدرته متعلقة بحكمته.
فكون الله قادراً على الشيء لا يعني أن الفرد أو الجماعة أو الأمة قادرة عليه، فقدرة الله صفة خاصة به، وقدرة العبد صفة خاصة به ـ فالخلط بين قدرة الله والإيمان بها وقدرة العبد وقيامه بما أمره الله به هو الذي يحمل على القعود، وهو الذي يخدر الأمم والشعوب.
وهذا ما لاحظه وألمح إليه أحد المستشرقين الألمان فقال وهو يؤرخ لحال المسلمين في عصورهم المتأخرة: (طبيعة المسلم التسليم لإرادة الله، والرضا بقضائه وقدره، والخضوع بكل ما يملك للواحد القهار)
وكان لهذه الطاعة أُثران مختلفان؛ ففي العصر الإسلامي الأول لعبت دوراً كبيراً في الحروب، وحققت نصراً متواصلاً، لأنها دفعت في الجندي روح الفداء.
وفي العصور المتأخرة كانت سبباً في الجمود الذي خيم على العالم الإسلامي، فقذف به إلى الإنحدار، وعزله وطواه عن تيار الأحداث العالمية. العلمانية للشيخ سفر الحوالي نقلاً عن باول شمتز في كتابه الإسلام قوة الغد العالمية ص ٨٧
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب الإيمان بالقضاء والقدر لـ محمد بن إبراهيم الحمد ص ١٤٤.
стр. 514
تمني الموت من شدة الكرب
[السُّؤَالُ]
ـ[حصلت لي مشاكل كبيرة في عملي وفي حياتي الاجتماعية، فهل يجوز لي تمني الموت؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
حالتك هذه تشبه ما قاله الشاعر:
ألا موت يباع فاشتريه فهذا العيش ما لا خير فيه
وهذا خطأ، فلا يجوز للمؤمن أن يتمنى الموت، فإن كان لابد متمنياً فليدعُ بالدعاء المأثور في ذلك.
قال ﵊: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنياً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) رواه البخاري (الفتح) ١١/١٥٤.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب الإيمان بالقضاء والقدر لـ محمد بن إبراهيم الحمد ص ١٥٩.
стр. 515
انتحر أخوه ويتساءل تساؤلات خطيرة في القدر
[السُّؤَالُ]
ـ[مات أخي الصغير بتعليق نفسه. كان عمره ٢٥ عاما فقط. كانت المشكلة عبارة عن شجار بسيط بين أمي وبينه. كلنا في غاية الدهشة وفي حالة حزن شديدة. هناك أسئلة كثيرة أحب أن أسألها عن هذا الوضع. أولا، لماذا اختار الله هذا النوع من الوفاة لأخي؟ ثانيا، عمر والدي ٧٥ عاما وهو ورع/متدين جدا وأمي شديدة الكرم والطيبة/واللطف. لماذا أراهما الله مثل هذا اليوم في حياتهما. ثالثا، كيف يمكننا أن نساعده (أخي) الذي لم يعد بيننا؟ كيف يمكننا رؤيته في الجنة؟ هل بإمكاننا أن نبلغه سلامنا؟ هل سيصله سلامنا؟
أيضا، عندما تم فحصه لتحديد سبب الوفاة، وجدنا أن وفاته لم تكن بسبب الاختناق ولكن بسبب كسر عموده الفقري. ما حدث في الواقع هو أنه كان يوجد في غرفتي أرجوحة قماشية لطفلي. أخذ أخي كرسيا صغيرا كان قريبا منه وربطه في عنقه قائلا سأقتل نفسي. كانت أمي تصلي في نفس الغرفة. نشعر بأنه لم يكن انتحارا. ربما كان غضبه هو الذي دفعه لفعل ذلك.
يخبرنا أصدقاؤه بأنه ليس من نوعية الناس الذين يفكرون بالانتحار. في الحقيقة، كان ينصحهم ضد الانتحار كلما ذكروه.
كانت جنازته جيدة أيضا، ولم يبدو من وجهه أنه يعاني أوشيئا من هذا القبيل. كان يبدو وكأنه نائم وما علينا إلا أن نوقظه من النوم. هل هذا يدل على شئ.
أرجو الرد على هذا إذ أننا في غاية الإنزعاج بسبب هذا الموت المفاجئ.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا بد بين يدي هذه الأسئلة من معرفة ثلاثة أمور هي:
أولا: أن كل شيء بقدر الله، وكل ما يجري في هذا الوجود من خير وشر فهو بتقدير الله وتدبيره ومشيئته فإنه تعالى لا ربّ غيره، ولا مدبّر معه.
ثانيا: يجب الإيمان بحكمته في أقداره، فله الحكمة البالغة في كل ما يجري في هذا الوجود سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه، بل كثير من حِكم الله لا تبلغها عقول العباد، فيجب التسليم لله تعالى وذلك بالإيمان بكمال حكمته، ولا يجوز الاعتراض عليه في شرعه ولا في قدره.
ثالثا: أن الانتحار جريمة كبرى وسوء خاتمة، فالذي يقتل نفسه فرارا من مصيبة أو ضائقة أو فقر أو نتيجة انفعال وغضب، إنه بهذا يعرّض نفسه لعقوبة الله، فقد قال : (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما. ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) ، وثبت في الصحيحين عن النبي ﵊ انه قال: " من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يُلجم بها بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسُم فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنم ... الحديث) .
فما ذكر في هذه الحالة يجب أن يفوض الحكم فيه إلى الله سبحانه، فالظاهر أن ما فعل هو انتحار لأنه علّق نفسه، أي ربط عنقه في حبل فشنق نفسه، فهو إما أن يكون انتحر أو أراد الانتحار فالله أعلم.
واما صلاح الوالدين واستقامتهما فهذا لا يمنع أن يبتليهما الله ببعض المصائب ليظهر بذلك صبرهما، وليكون في ذلك تمحيص لذنوبهما فالمؤمن أمره كلّه خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن. فالابتلاء بالمصائب لا يدل على هوان العبد عند ربّه إذا كان مستقيما على طاعة الله، فالإيمان بالله وطاعته وتقواه هي سبب الكرامة، والكفر والفسوق والعصيان هي سبب الهوان ومن ابتلي بمصيبة فصبر كان ذلك رفعا لدرجاته، والمصائب أنواع، تكون مرضا، وتكون فقد مال، وتكون بفقد حبيب كابن، أو أخ، أو والد، أو زوج أو زوجة، فالله تعالى يبتلي عباده بالنعم والمصائب وهي الخير والشر كما قال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) . وإن كان الانتحار صدر عن جهل وكان الشخص مستقيما على طاعة الله محافظا على الصلوات فإنه يرجى له العفو من الله فإنه تعالى أرحم الراحمين، وإن كان يعلم تحريم الانتحار ولكنه لجأ إلى ذلك ليتخلص من المشكلة التي ضاق بها فإنه على خطر من التعرض للوعيد والعقاب الذي ورد في الحديث، ولكنه مع ذلك إن كان مؤمنا بالله ورسوله وموحدا لله غير مشرك، فإنه تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه، ثم إذا عذبه فإنه لا بد أن يخرجه من النار، قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، وقال ﵊: " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذرّة من إيمان ".
وأما حاله عند تغسيله وتجهيزه وما ظهر به من المظهر الحسن فقد يستأنس به لحسن حاله، وحسن عاقبته
وأنه معذور عند ربه ومغفور له، ولكن لا يجزم بشيء من ذلك لأن هذه الأمور غاية ما تفد أنها تبشر بخير. وإن كان المنتحر مسلما موحدا مصليا فيمكن الإحسان إليه بالدعاء له بالمغفرة بأن يغفر الله له ذنوبه، ومن ذلك ما فعله بنفسه من التسبب في قتل نفسه. وأما ما ورد في السؤال من انتقاد الكيفية التي اختارها الله له ليموت بها فهذا نوع اعتراض على قدر الله، فالله هو المقدّر، وهو خالق كل شيء، وكل شيء بقدره سبحانه، وهو الحكيم العليم، ولكن ما كان مخالفا لشرع الله فلا يحتج بالقدر عليه، وما يجري في الوجود من هذه الأمور لا يجوز الاعتراض على الله في تقديرها فيجب الإيمان بالقدر، والإيمان بحكمة الرب .
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ: عبد الرحمن البراك.
стр. 516
الرد على من يبرئ اللوطية بأن هذه طبيعة خلقتهم
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا لست شاذاً، ولكنني كنت أفكر من ناحية أخلاقية، بما أن الإسلام لا يبيح الشذوذ فما الذي يحصل للشاذ أو الشاذة؟
الكثير من الشواذ يقولون بأن توجههم الجنسي طبيعي وأنهم ولدوا هكذا، إذا افترضنا بأن ما يقولون صحيح لأن الناس الطبيعيين لا يعرفون هذا، فإذا كان الشذوذ محرم في الإسلام فلماذا خلقهم الله هكذا ليتعذبوا بوجودهم في هذه الدنيا ولا يستطيعون إرضاء رغبتهم الجنسية؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا نوافق على قولهم أن توجههم الجنسي طبيعي، بل انتكاسة للفطرة وقد عد الله هذا الفعل فاحشة وتعديا، وأنزل على قوم لوط عذابا لا يماثله عذاب أي أمة أخرى، وقد أخبر سبحانه أن هذه العقوبة ليست ببعيدة عن الظالمين.
وقولهم أن توجههم طبيعي فهذا من ترويج الفساد وإشاعته وإيجاد المبررات له، وكثير منهم يحاول تغيير خلقته ليصبح شاذا فكيف يقال أنهم خلقوا هكذا؟
والله تعالى لم يخلق أحدا ليعذبه وإنما خلق الخلق ليعبدوه وقد يبتلي عباده بالشدائد امتحانا لإيمانهم وتكفيرا لخطاياهم ورفعة لدرجاتهم، والله تعالى أعدل من أن يجبر عبدا على معصية ثم يعاقبه، بل المخلوق يفعل المعصية باختياره - مثل هؤلاء الشاذين - وعندها يستحقون العقوبة، قال الله : " ولا يظلم ربك أحدا "، وقال تعالى: " إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ". والله تعالى أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 517
الإيمان بالقضاء والقدر
[السُّؤَالُ]
ـ[ما منزلة الصبر في الإسلام؟ وعلى ماذا يصبر المسلم؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان.. ولا يتم إيمان المسلم حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطؤه.. وما أخطأه لم يكن ليصيبه.. وأن كل شيء بقضاء الله وقدره كما قال سبحانه.. (إنا كل شيء خلقناه بقدر) القمر/٤٩.
الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. والصبر صفة كريمة.. وعاقبته حميدة. والصابرون يأخذون أجرهم بغير حساب كما قال سبحانه: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) الزمر / ١٠.
وكل ما يقع من المصائب والفتن في الأرض , أو في النفس , أو في المال, أو في الأهل , أو في غير ذلك.. فالله سبحانه قد علمه قبل وقوعه.. وكتبه في اللوح المحفوظ كما قال سبحانه: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير) الحديد/٢٢.
وما يصيب الإنسان من المصائب فهي خير له , علم ذلك أو لم يعلم لأن الله لا يقضي قضاءً إلا هو خير كما قال سبحانه (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون) التوبة/٥١.
وكل مصيبة تقع فهي بإذن الله ومن يؤمن بالله ولو شاء ما وقعت.. ولكن الله أذن بها وقدرها فوقعت كما قال سبحانه: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم) التغابن/١١.
وإذا علم العبد أن المصائب كلها إنما بقضاء الله وقدره.. فيجب عليه الإيمان والتسليم والصبر.. والصبر جزاؤه الجنة كما قال سبحانه: (وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً) الإنسان/١٢.
والدعوة إلى الله رسالة عظيمة.. يتعرض من يقوم بها لكثير من الأذى والمصائب.. لذا أمر الله رسوله بالصبر كغيره من الأنبياء فقال (فاصبر كما صبر ألوا العزم من الرسل) الأحقاف/٣٥.
وقد أرشد الله المؤمنين.. إذا حزبهم أمر.. أو وقعت لهم مصيبة أن يستعينوا على ذلك بالصبر , والصلاة , ليكشف الله همهم.. ويُعجل بفرجهم.. (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) البقرة / ١٥٣.
ويجب على المؤمن الصبر على أقدار الله.. والصبر على طاعة الله.. والصبر عن معاص الله.. ومن صبر أعطاه الله الأجر يوم القيامة بغير حساب كما قال سبحانه: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) الزمر / ١٠.
والمؤمن خاصة مأجور في حال السراء والضراء.. قال ﵊.. (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير , وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن , إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له , وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) رواه مسلم برقم ٢٩٩٩.
وقد أرشدنا الله إلى ما نقوله عند المصيبة.. وبين أن للصابرين مقاماً كريماً عند ربهم فقال: (وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) البقرة /١٥٥-١٥٧.
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب أصول الدين الإسلامي تأليف الشيخ محمد بن ابراهيم التويجري.
стр. 518
الحكمة من خلق الحيوانات الضارّة
[السُّؤَالُ]
ـ[لسؤال:
ما الحكمة من خلق الله حيوانات مثل الأفاعي والعقارب والفئران وما إلى ذلك إذا كنا لا نأكلها؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الإجابة على هذا السؤال من جانبين عام وخاصّ: أمّا العام: فإنّ المسلم يؤمن بأنّ الله حكيم عليم لا يخلق شيئا عبثا وكلّ أفعاله صادرة عن حكمة، فإذا خفيت الحكمة من فعل من أفعاله تعالى على المؤمن فإنّه يلوذ بهذا الأصل ولا يُسيء الظنّ بربّه.
- وأما الخاص: فإنّ من الحكم في خلق مثل هذه المخلوقات ظهور إتقان صنعة الله في خلقه وتدبيره في مخلوقاته فعلى كثرتها فإنّه يرزقها جميعا وكذلك فإنّه سبحانه يبتلي بها ويأجر من أصيب بها وتظهر شجاعة من قتلها وكذلك يبتلي بخلقها عباده من جهة إيمانهم ويقينهم فأمّا المؤمن فيرضى ويسلّم وأمّا المرتاب فيقول ماذا أراد الله بهذا الخلق!! وكذلك يظهر ضعف الإنسان وعجزه في تألمه ومرضه بسبب مخلوق هو أدنى منه في الخلقة بكثير، وقد سئل بعض العلماء عن الحكمة من خلق الذباب فقال: ليذلّ الله به أنوف الجبابرة، وبوجود المخلوقات الضارة تظهر عظم المنّة من خلق الأشياء النافعة كما قيل: وبضدّها تتبيّن الأشياء. ثمّ قد ظهر بالطبّ والتجربة أنّ عددا من العقاقير النافعة تُستخرج من سمّ الأفاعي وما شاكلها، فسبحان من جعل في الأمور التي ظاهرها الضرر أمورا نافعة، ثمّ إنّ كثيرا من هذه الحيوانات الضارّة تكون طعاما لغيرها من الدوابّ النافعة مما يشكّل حلقة في التوازن الموجود في الطبيعة والبيئة التي أحكم الله خلقها.
هذا ويجب أن يعتقد المسلم أنّ كلّ أفعاله تعالى خير وليس في مخلوقاته شرّ محض بل لابدّ أن يكون فيها خير من وجه آخر وإن خفي على بعضنا كخلق إبليس وهو رأس الشرّ. فإنّ خلقه فيه حكم ومصالح منها أن الله يبتلي به خلقه ليتبيّن أهل الطاعة من أهل المعصية وأهل المجاهدة من أهل التفريط فيتميّز أهل الجنة من أهل النار.
نسأل الله أن يرزقنا قوة الإيمان والبصيرة في الدّين وصلى الله وسلّم على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 519
التخلي عن مساعدة المنكوبين بحجة أن هذه مشيئة الله
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الناس يرى إخوانه المسلمين تنزل بهم النوازل، وتحل بهم القوارع، فلا يتحرك لنصرتهم ولا ينبعث لمساعدتهم، ولا يحث غيره على ذلك، بحجة أن ذلك إنما وقع بمشيئة الله، وأنه لا يسوغ لنا أن نساعدهم، والله يعاقبهم! وبعض الناس إذا قيل لهم أحسنوا إلى الفقراء والمحتاجين قال قائلهم: كيف نحسن إليهم والله قد شاء لهم ذلك؟ الله يفقرهم وأنت تغنيهم؟ أو يقول إن الله لو شاء إغناءهم لأغناهم بدون مساعدتنا؟ فما رأي الشرع بهذا الكلام؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الكلام وأمثاله كلام باطل بلا ريب، وهو يدل على جهل عظيم، أو تجاهل وخيم، ذلك أن المشيئة ليست حجة لفعل المعاصي أو ترك الطاعات أبداً.
ثم إن الله أمر بإغاثة المسلم الملهوف وأوجب إعانة المحتاج، وأنكر على من يتخلى عن واجبه بهذا الشأن قال تعالى: (كلا بل لا تكرمون اليتيم، ولا تحاضون على طعام المسكين، وتأكلون التراث أكلاً لماً، وتحبون المال حباً جماً) (الفجر/١٧-٢٠)
وترك إطعام المساكين من أسباب دخول النار، قال تعالى: (ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين) (المدثر/٤٢-٤٤)
ثم إن المال مال الله، ولو شاء لسلب هذا القائل ماله فهل سيرضى حينئذ إذا اشتدت ضرورته إلى ما يقيم به أوده أن يقال له مثل قوله؟
فهذا القول خطأ عظيم، وضلالة كبرى، وقائله فيه شَبَهٌ ممن قال الله فيهم: (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين) (يس/٤٧) .
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب القضاء بالإيمان والقدر لـ محمد بن إبراهيم الحمد ص١٤٠.
стр. 520
لماذا يموت أناس من الجوع مع أنّ الرزق مكتوب
[السُّؤَالُ]
ـ[إذا كان الله قد كتب الرزق لكل إنسان فلماذا يموت الناس من الجوع؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن الله هو الرزاق وهو خير الرازقين وما من دابة إلا على الله رزقها، وإنّ رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يرده كراهية كاره، ومن حكمة الله تعالى أن فارق بين العباد في أرزاقهم كما فارق بينهم في خلقهم وأخلاقهم فهو تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أن يوسع الرزق على قوم ويضيقه على آخرين فهو تعالى متكفل بأرزاق العباد على ما سبق به علم الله وكتابه وقد علم وكتب أن من العباد من يبسط له في رزقه ومنهم من يضيق عليه ولله في ذلك حكم بالغة لا تحيط به العقول، ومن حكمته تعالى في البسط والتضييق ابتلاء العباد بالنعم والمصائب كما قال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) ، وقال تعالى: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن - وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن) الفجر ثم قال تعالى: (كلا) أي ليس الأمر كما يظن هذا الإنسان بل تنعيمه تعالى وتضييقه على من شاء ليس إلاّ ابتلاء لا إكراماً ولا إهانة،، وبهذا الإبتلاء يتبين الشاكر والصابر من ضدهما والله بكل شيء عليم. أهـ
[الْمَصْدَرُ]
كتب إليناهذه الإجابة فضيلة شيخنا الشيخ عبد الرحمن البراك.
стр. 521
الله لا يجبر الناس على الكفر
[السُّؤَالُ]
ـ[نقرأ في كثير من آيات القرآن أن الله تعالى يخبر بأنه جعل على قلوب الكافرين أكنة وعلى أبصارهم غشاوة وختم عليها وأنه يصمهم ويعميهم عن الحق، وقد علمنا – أيضاً – أن الله تعالى لا يجبر أحداً على الكفر، فما هو توجيه هذه الآيات؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
قال الشيخ الشنقيطي – رحمة الله تعالى عليه -:
فالجواب: أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة من كتابه العظيم أن تلك الموانع التي يجعلها على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، كالختم والطبع والغشاوة والأكنة، إنما جعلها عليهم جزاءاً وفاقاً لما بادروا إليه من الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم، فأزاغ الله قلوبهم بالطبع والأكنة ونحو ذلك، جزاء على كفرهم، فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: (بل طبع الله عليها بكفرهم) النساء/١٥٥، أي بسبب كفرهم، وهو نص قرآني صريح في أن كفرهم السابق سبب الطبع على قلوبهم، وقوله: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) الصف/٥.
وهو دليل واضحٌ أيضاً على سبب إزاغة الله قلوبهم هو زيغهم السابق، وقوله: (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم) المنافقون/٣، وقوله تعالى: (في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضاً ...) البقرة/١٠، وقوله: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) الأنعام/١١٠، وقوله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) المطففين/١٤، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الطبع على القلوب ومنعها من فهم ما ينفع عقاب من الله على الكفر السابق على ذلك، وهذا الذي ذكرنا هو وجه رد شبهة الجبرية الذين يتمسكون بها في هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن الكريم.
[الْمَصْدَرُ]
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 522
هل شريكة الحياة اختيار من العبد أو قضاء من الله
[السُّؤَالُ]
ـ[هل شريكة الحياة اختيار من العبد أو قضاء من الله؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يجب أن نعلم ابتداء أنه لا تعارض بين إيماننا بتقدير الله لكل شئ وإيماننا بأنه سبحانه أعطانا مشيئة وإرادة نتمكّن بها من فعل الأشياء، قال تعالى مثبتا مشيئة العباد: (لمن شاء منكم أن يستقيم) ، ومشيئتنا وإرادتنا هي ضمن مشيئة الله لا تخرج عنها كما قال تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) وعليه فلا يصح ضرب هذا بهذا ولا يجوز نفي هذا ولا هذا لأنّ الله أثبتهما جميعا فأثبت للعبد قدرة واختيارا وأثبت مشيئته سبحانه التي لا يخرج عنها شيء، وإذا طبّقنا هذا على ما ورد في السؤال فإننا نؤمن أنّ للعبد مشيئة يمكنه من خلالها أن يختار من يريد من النساء ليتزوجها ومهما حصل من اختيار العبد فإنّه مكتوب عند الله، وهذه الإرادة من العبد والاختيار والمشيئة سبب لحصول مقصوده وتحقيق مطلوبه يتوصّل من خلالها إلى ما يريد، وقد تقوم موانع تحول بين العبد وبين الوصول لمطلوبه ومراده فيعلم العبد أنّ الله لم يقدّّر له ما أراد لحكمة يعلمها سبحانه وكلّ أفعاله سبحانه خير، والعبد لا يعلم الغيب ولا مآلات الأمور وقد يتأسّف على فوات شيء والخير في فواته، وقد يكره وقوع شيء والخير في وقوعه كما قال سبحانه (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦) سورة البقرة وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
стр. 523
هل يمكن للحيوانات أن ترى الجن أو تسمع أصواتهم؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يمكن للحيوانات أن تسمع الجن وتراه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ثبت في السنة الصحيحة أن الحمار يرى الشيطان، فيكون سببا من أسباب نهيقه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
(إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا) رواه البخاري (٣٣٠٣) ومسلم (٢٧٢٩)
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلَابِ وَنَهِيقَ الْحُمُرِ بِاللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لَا تَرَوْنَ)
رواه أبو داود (٥١٠٣) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وفي هذه الأحاديث دلالة صريحة على أن من الحيوانات ما يرى الشيطان – الذي هو من جنس الجن – رؤية حقيقية تفزعه، ولا مانع من سماعها أصوات الجن والشياطين أيضا.
يقول الدكتور عمر الأشقر حفظه الله:
" ورؤية الحيوان لما لا نرى ليس غريباً، فقد تحقق العلماء من قدرة بعض الأحياء على رؤية ما لا نراه، فالنحل يرى الأشعة فوق البنفسجية، ولذلك فإنّه يرى الشمس حال الغيم، والبومة ترى الفأر في ظلمة الليل البهيم " انتهى.
" عالم الجن والشياطين " (ص/١٦)
وانظر جواب السؤال رقم: (٤٠٧٠٣)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 524
هل يدخل غرفة منفصلة داخل الحمام ليستتر عن أعين الجن ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[هل من الضروري دخول غرف منفصلة داخل الحمامات في بيوتنا حتى نحتجب عن أعين الجن، أم أن هذا غير ضروري؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا داعي لدخول غرفة منفصلة داخل الحمامات للاحتجاب عن أعين الجن؛ لأن الطريقة الشرعية للاحتجاب عنهم هي قول: (بسم الله) قبل دخول الحمام.
ويدل على ذلك ما جاء عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ، إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ الْخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ) رواه الترمذي (٦٠٦) وصححه الألباني في "الإرواء" (٥٠) .
وعن بكر بن عبد الله المزني قال: " كان يقال: إن ستر ما بين عورات بني آدم وبين أعين الجن والشياطين، أن يقول أحدكم إذا وضع ثيابه: بسم الله ". رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٩٣) .
فلا يحرز الإنسان نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى، كما قال النبي ﷺ (كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّه) رواه الترمذي (٢٨٦٣) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
وانظر لمزيد الفائدة جواب السؤال (٢٦٨١٦) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 525
تشك في شخصين أصاباها بالعين فأصبحت تكرههم
[السُّؤَالُ]
ـ[زوجتي أصيبت بعين، وبعد القراءة عليها لفترة استمرت ثلاث سنوات ولدى قراء مختلفين حتى شفاها الله على يد أحد القراء، حيث تبين أن بها تلبساً من شخصين أصاباها بالعين، فأصبحت الآن تكرههم، وتكره سماع أخبار عنهم، علماً بأنهم من الأقارب، فما توجيهكم لهذه الحالة،جزاكم الله خيراً؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الذي يفهم من كلام السائل أن زوجته أصابها مس من الجن، وأنه لما قرئ عليها نطق الجني بأن فلانا وفلانا أصاباها بالعين.
فاعلم – يا أخي – أن الأصل في الجن المشرك أنه كذوب لا يصدق، وقد قال رسول الله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ. ذَاكَ شَيْطَانٌ) رواه البخاري (٣٢٧٥) .
قال الحافظ:
"فِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد: أَنَّ الشَّيْطَان مِنْ شَأْنه أَنْ يَكْذِب" انتهى باختصار.
وقال أيضا:
"وَقَوْله فِي آخِره (صَدَقَك وَهُوَ كَذُوب) هُوَ مِنْ التَّتْمِيم الْبَلِيغ , لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْهَمَ مَدْحه بِوَصْفِهِ الصِّدْق فِي قَوْله صَدَقَك اِسْتَدْرَكَ نَفْي الصِّدْق عَنْهُ بِصِيغَةِ مُبَالَغَة، وَالْمَعْنَى: صَدَقَك فِي هَذَا الْقَوْل مَعَ أَنَّ عَادَته الْكَذِب الْمُسْتَمِرّ , وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: قَدْ يَصْدُق الْكَذُوب" انتهى.
ومن مقاصد الشيطان التي يسعى إليها: التفريق بين الناس والوقيعة بينهم.
قال الله تعالى عن السحرة الذين يتعلمون السحر من الشياطين: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) البقرة/١٠٢.
فشأن الشياطين: التفريق بين الأحبة، والسعي بالفساد بين الناس، فتقطع الأرحام، وتطلق الزوجات، ويتباغض الناس.
فالذي نراه أنه لا يجوز الاعتماد على إخبار الجن بذلك، وقد يكون أراد بذلك تقطيع الأرحام.
مع التنبيه أن العائن قد يصيب المعيون وهو لا يريد ذلك ولا يشعر به، فلا يلزم من الإصابة بالعين أن يكون العائن خبيثاً يريد الشر بالمعيون، ويكره له الخير.
وعلى هذا، فالنصيحة لزوجتك أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وتجتهد في مراغمته وإذلاله، فتحسن إلى من أوهمها الشيطان أنهم أساءوا إليها لتقطع بذلك رحمها، ولتحتسب الثواب في ذلك، فإن صلة الأرحام من أفضل الأعمال الصالحة، فإن الله تعالى يصل من وصل رحمه، ويقطع من قطعها.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 526
هل قراءة سورة البقرة من المسجل يطرد الشيطان من المنزل ؟
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول الرسول ﷺ ، فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) . وسؤالي: هل يكفي أن يأتي الإنسان بالمسجل، ويضع فيه شريطا مسجلا عليه سورة البقرة، ويقوم بتشغيله حتى يقرأ كامل السورة؟ أو لا بد أن يقرأ الإنسان بنفسه أو من ينوب عنه السورة؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأظهر- والله أعلم- أنه يحصل بقراءة سورة البقرة كلها من المذياع أو من صاحب البيت ما ذكره النبي ﷺ من فرار الشيطان من ذلك البيت، ولكن لا يلزم من فراره أن لا يعود بعد انتهاء القراءة، كما أنه يفر من سماع الأذان والإقامة ثم يعود حتى يخطر بين المرء وقلبه، ويقول له: اذكر كذا، واذكر كذا. . كما صح بذلك الخبر عن النبي ﷺ ، فالمشروع للمؤمن أن يتعوذ بالله من الشيطان دوما، وأن يحذر من مكائده ووساوسه وما يدعو إليه من الإثم، والله ولي التوفيق " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (٢٤/٤١٣) .
[الْمَصْدَرُ]
فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
فتاوى نور على الدرب
стр. 527
المشروع لدفع العين أن يقول: بارك الله لك أو عليك
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يشرع الدعاء، عند خوف الحسد، بـ: " ما شاء الله، لا قوة إلا بالله "؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الصحيح من السنة أن يبرك الإنسان – أي يدعو بالبركة - إذا رأى ما يعجبه، وخاف على صاحبه من العين.
قال رسول الله ﷺ " إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة فٍان العين حق ".
رواه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " ص ١٦٨ والحاكم ٤ / ٢١٦ وصححه الألباني في " الكلم الطيب " ٢٤٣. وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: مر عامر بن ربيعة بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال: لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة، فما لبث أن لُبِط به فأتي به النبي ﷺ فقيل له: أدرك سهلاً صريعاً قال: مَن تتهمون به؟ قالوا: عامر بن ربيعة، قال: علام يقتل أحدكم أخاه؟! إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، ثم دعا بماء فأمر عامراً أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره، وأمره أن يصب عليه. رواه ابن ماجه ٣٥٠٩ وأحمد ١٥٥٥٠ ومالك ١٧٤٧.
وينظر جواب السؤال رقم (٧١٩٠) .
٢- أما قول بعض الناس إذا أعجبه شيء وخاف عليه من العين " ما شاء الله لا قوة إلا بالله "! ، فقد رود فيه حديث رواه أبو يعلى في مسنده، كما في المطالب العالية (١٠/٣٤٨) ، وتفسير ابن كثير (٥/١٥٨) ، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أنعم الله على عبد نعمة، من أهل أو مال أو ولد، فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى فيه آفة دون الموت» . وكان يتأول هذه الآية: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) .
غير أن الحديث المذكور، ضعيف، مداره على عبد الملك بن زراة، وهو ضعيف الحديث.
وينظر: الأسماء والصفات، للبيهقي، ت: عبد الله الحاشدي، وحاشية المحقق (١/٤١٧) .
وذهب بعض أهل العلم إلى مشروعية مثل هذا الذكر، إذا رأى الإنسان ما يعجبه، إما خوفا من العين والآفة عليه، أو خوفا على صاحب ذلك الشيء من العجب والفخر، وتأولوا على ذلك معنى الآية، كما ذكر في آخر الحديث السابق، أنه كان يتأول الآية.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " فإذا رأى الإنسان ما يعجبه وخاف من حسد العين فإنه يقول: ما شاء الله تبارك الله، حتى لا يصاب المشهود بالعين، وكذلك إذا رأى الإنسان ما يعجبه في ماله فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله؛ لِئَلَاّ يعجب بنفسه وتزهو به نفسه في هذا المال الذي أعجبه، فإذا قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فقد وكل الأمر إلى أهله ﵎ " فتاوى نور على الدرب".
وقال أيضا: " الأحسن إذا كان الإنسان يخاف أن تصيب عينه أحداً لإعجابه به أن يقول: تبارك الله عليك؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للرجل الذي أصاب أخاه بعين: (هلا برَّكت عليه) ، أما ما شاء الله لا قوة إلا بالله فهذه يقولها: من أعجبه ملكه، كما قال صاحب الجنة لصاحبه قال: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩] وفي الأثر: [من رأى ما يعجبه في ماله فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يصبه في ماله أذىً] أو كلمة نحوها " لقاء الباب المفتوح (٢٣٥/١٩) .
وفي فتاوى اللجنة (١/٥٤٧) : " وأما العين فهي مأخوذة من عان يعين إذا أصابه بعينه، والعين حق، كما ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا» ، وحكمها أنها محرمة كالسحر. وأما العلاج للعائن فإذا رأى ما يعجبه فليذكر الله وليبرك، كما جاء في الحديث «هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت» ، فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ويدعو للشخص بالبركة". وينظر أيضا: فتاوى اللجنة (١/١٠٩) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 528
أحرقت خرقة سوداء وأدخلتها في أنف المريضة من أجل الشفاء
[السُّؤَالُ]
ـ[ابنتي التي تبلغ من العمر ٧ أشهر مرضت فذهبت بها لعدة أطباء لعلاجها وأنا أعلم عندما يصيب المسلم في جسده يلجأ إلى الله أولاً ثم الأطباء والعلاج. عندما كانت ابنتي مريضة وبعد عرضها على الأطباء ذهبت بها أمها إلى أهلها وحكت لهم بأن ابنتنا مريضة وكانت موجودة في بيت أهلها امرأة وهذه المرأة عندما سمعت بمرض ابنتنا الصغيرة قالت: أحضروا لي خرقة سوداء فحرقتها بالنار تم أطفأتها وأدخلت الخرقة المحروقة في أنف ابنتنا المريضة وعندما أخبرتني زوجتي بهذا الفعل غضبت جداً ووبخت زوجتي لأن هذا العمل شعرت بأنه نوع من السحر والدجل واتباع الشياطين. السؤال: ما هو حكم فعل هذا الشيء الذي أرعبني؟ وهل هذه المرأة بهذا الفعل الذي فعلته نعرف أنها من النساء اللواتي يتبعن السحر في العلاج؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
نسأل الله تعالى أن يشفي ابنتكم شفاء تاماً لا يغادر سقماً.
ثانياً:
أمرنا الرسول ﷺ بالتداوي من الأمراض فقال: (إن الله خلق الداء والدواء، فتداووا، ولا تتداووا بحرام) رواه الطبراني وحسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (١٦٣٣) .
والأدوية التي يتداوى بها المسلم نوعان:
١- أدوية دل الشرع على اعتبارها، كالتداوي بالقرآن والأدعية، أو بالعسل والحبة السوداء ... ونحو ذلك.
٢- أدوية دل العلم والتجربة على اعتبارها.
فهذان النوعان من الأدوية لا حرج من التداوي بهما.
أما ما لم يثبت لا شرعاً ولا علماً وتجربةً أنه دواء مفيد نافع فلا يجوز التداوي به، كالتداوي بالبخور أو الشبة، بل هذا نوع من الدجل والشعوذة، ويخشى أن يكون فيه شيء من الاستعانة بالجن.
ومن هذا النوع: ما قامت به تلك المرأة، فلا يعلم لا من الشرع ولا من جهة العلم والتجربة أن ما فعلته المرأة يكون دواء وعلاجاً نافعاً.
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل يجوز التبخر بالشب أو الأعشاب أو الأوراق وذلك من إصابة بالعين؟
فأجابوا:
" لا يجوز علاج الإصابة بالعين بما ذكر؛ لأنها ليست من الأسباب العادية لعلاجها، وقد يكون المقصود بهذا التبخر استرضاء شياطين الجن والاستعانة بهم على الشفاء، وإنما يعالج ذلك بالرقى الشرعية ونحوها مما ثبت في الأحاديث الصحيحة " انتهى.
"فتاوى اللجنة الدائمة" (١ / ٢٧٥) .
فالواجب التوبة مما حصل، وعدم تكرار مثل ذلك، والأخذ بالأسباب الصحيحة للعلاج، سواء كانت أسبابا شرعية كالرقية الشرعية، أو كانت أسباباً كونية قدرية صحيحة بالتطبب بالعلاج والدواء الذي يعرفه الأطباء من خلال علومهم وتجاربهم.
كما يجب نصح هذه المرأة، ويبين لها أن ما فعلته مخالف للشرع، حتى لا تعود إليه.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 529
حقيقة قصة " هاروت وماروت "
[السُّؤَالُ]
ـ[من هما هاروت وماروت ? هل هما بشر أم ملكان؟ وإن كانا ملكين هل هما معصومان بالرغم من تعليم السحر للناس ?]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ورد ذِكر اسمي " هاورت وماروت " في القرآن الكريم في موضع واحد فقط، وبتأمل هذا الموضع يعرف المرء الحقائق التالية:
١. أنهما من الملائكة، لا من البشر.
٢. أنهما مرسَلان من الله؛ تعليماً لأناس شيئاً يقيهم من الشر، لا أنها معاقبان على ذنب.
وعليه: فمن ادَّعى أنهما من البشر، أو أنهما ملكان وقعا في معصية فمسخهما الله تعالى: فقد تكلم في أمر الغيب بلا علم، وادعى أمرا يتنقص به ملائكة الرحمن المكرمين، واعتقد بما في كتب بني إسرائيل، بغير شاهد صدق له من الوحي المعصوم.
قال تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) البقرة/ ١٠٢.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀:
وكذلك اتبع اليهودُ السحرَ الذي أُنزل على الملَكين، الكائنين بأرض " بابل "، من أرض العراق، أنزل عليهما السحر؛ امتحاناً وابتلاءً من الله لعباده، فيعلمانهم السحر.
(وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى) ينصحاه، و (يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) أي: لا تتعلم السحر فإنه كفر، فينهيانه عن السحر، ويخبرانه عن مرتبته.
فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس، والإضلال، ونسبته، وترويجه، إلى مَن برَّأه الله منه، وهو سليمان ﵇، وتعليم الملكين امتحاناً مع نصحهما: لئلا يكون لهم حجة.
فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تُعلِّمه الشياطين، والسحر الذي يعلمه الملكان، فتركوا علم الأنبياء والمرسلين، وأقبلوا على علم الشياطين، وكل يصبو إلى ما يناسبه.
ثم ذكر مفاسد السحر فقال: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما؛ لأن الله قال في حقهما: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) ، وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدَري، وهو المتعلق بمشيئة الله، كما في هذه الآية، وإذن شرعي، كما في قوله تعالى في الآية السابقة: (فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ) .
وفي هذه الآية وما أشبهها: أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير: فإنها تابعة للقضاء والقدر، ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل مِن فِرَق الأمَّة غير " القدرية " في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله، وسنَّة رسوله، وإجماع الصحابة، والتابعين.
ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة، ليس فيه منفعة، لا دينية ولا دنيوية، كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي، كما قال تعالى في الخمر والميسر: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) فهذا السحر مضرة محضة، فليس له داع أصلا، فالمنهيات كلها إما مضرة محضة، أو شرها أكبر من خيرها، كما أن المأمورات إما مصلحة محضة، أو خيرها أكثر من شرها.
(وَلَقَدْ عَلِمُوا) أي: اليهود، (لَمَنِ اشْتَرَاهُ) أي: رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة: (مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) أي: نصيب، بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم إياه جهلاً، ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.
(وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) علماً يثمر العمل: ما فعلوه.
" تفسير السعدي " (ص ٦١) .
وكل ما عدا ظاهر القرآن في حال هذين الملَكين: فهو من الإسرائيليات، يردها ما ثبت من عصمة الملائكة، على وجه العموم، دون ورود استثناء لهذا لأصل العام: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) الأنبياء/٢٦-٢٨.
قال ابن كثير – ﵀:
وقد روي في قصة " هاروت وماروت " عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين، من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن: إجمال القصة من غير بسط، ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال.
" تفسير ابن كثير " (١ / ٣٦٠) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
стр. 530
الرد على خرافة في فك السحر
[السُّؤَالُ]
ـ[سألت في " منتدى.... للرقية الشرعية " عن رجل نعتبره طالب علم عن السحر، فأخبرنا أنه يجوز استعمال فأس قديمة، وذلك بحرقها، والتبول عليها! فأجابوني: بأنها قد أجازها أحد علماء السلف، فما قولكم في ذلك جزاكم الله خيراً على خدمتكم للإسلام، والمسلمين؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أما ما ذكرتَه من التبول على فأس قديم محماة بالنار، من أجل فك السحر: فهذه من الخرافات التي لا تليق بموحِّد، وقد اطلعنا على الموقع الذي أحلت عليه، ورأينا من أجابك هناك بجواز هذا الفعل، وهو لم ينسبه لعالم من علماء السلف، بل نسبه لابن القيم ﵀، وقد أعيانا البحث عن الموضع الذي ذكر فيه ابن القيم الجواز، ولم نستطع العثور عليه. ولا نظنه يثبت عنه، ولا عن غيره من العلماء السلفيين؛ بل هو أقرب لفعل المشعوذين.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
следующие страницы →